النص المفهرس

صفحات 461-480

الآية : ٨٥
٤٦١
سُؤَلُ لُوسُفَ
ذلك في جوفه مرَّةً بعدَ أَخرى من غيرِ أن يُطْلِعَ أحداً عليه.
وفي الكلام من الاستعارة على الوجهين ما لا يخفى، ورجّح الأخير منهما بأنَّ
فعيلاً بمعنى فاعل مظَّردٌ، ولا كذلك فعيلاً بمعنى مفعول.
﴿قَالُوا﴾ أي: الإخوة. وقيل: غيرُهم من أتباعه عليه السلام: ﴿تَللَّهِ تَفْتَزَا﴾
أي: لا تفتأ ولا تزال ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ تفجُّعاً عليه، فحُذف حرفُ النفي كما في
قوله :
فقلتُ يمينَ الله أبرحُ قاعداً ولو قطعُوا رأسي لديكِ وأوصالي(١)
لأنَّ القَسَم إذا لم يكن معه علامةُ الإثبات كان على النفي، وعلامةُ الإثبات هي
اللام ونونُ التوكيد، وهما يلزمان جوابَ القسم المُثْبت، فإذا لم يُذكرا دلَّ على أنه
منفيٌّ لأنَّ المنفي لا يقارنهما. ولو كان المقصود ها هنا الإثباتَ لقيل: لتفتأَنَّ،
ولزومُ اللام والنون مذهبُ البصريين، وقال الكوفيون والفارسيُّ: يجوز الاقتصارُ
على أحدهما. وجاء الحذفُ فيما إذا كان الفعل حالاً كقراءة ابنٍ كثير: ﴿لَأُقْسِمُ
بِيَوْمِ الْقِيَّمَةِ﴾(٢) وقوله:
[يميناً] لأبغض كلَّ امرىءٍ
يزخرفُ قولاً ولا يفعل(٣)
ويتفرَّع على هذا مسألةٌ فقهية، وهي أنَّه إذا قال: والله أقوم. يحنث إذا قام،
وإن لم يقم لا، ولا فرقَ بين كون القائل عالماً بالعربية أوْ لا، على ما أفتى به خيرُ
الدِّين الرملي(٤)، وذكر أنَّ الحلف بالطلاق كذلك، فلو قال: عليَّ الطلاق بالثلاث
تقومين الآن. تَطْلُقُ إن قامت، ولا تطلقُ إن لم تقم.
وهذه المسألة مهمةٌ لابأسَ بتحقيق الحقِّ فيها وإن أدَّى إلى الخروج عمَّا نحن
بصدده، فنقول: قال غيرُ واحد: إنَّ العوامَّ لو أسقطوا اللامَ والنون في جواب
(١) البيت لا مریء القيس، وهو في ديوانه ص ٣٢.
(٢) ينظر ما سيأتي عند تفسير أول سورة القيامة.
(٣) البحر ١٣٦/٣، والدر المصون ٥٢٤/٣، وما سلف بين حاصرتين منهما .
(٤) هو: خير الدين بن أحمد بن علي الأيوبي، الفاروقي، من أهل الرملة بفلسطين، أشهر كتبه:
الفتاوى الخيرية، وله حاشية على البحر الرائق في فقه الحنفية، وحاشية على شرح الكنز
للعيني، توفي سنة (١٠٨١هـ). خلاصة الأثر ١٣٤/٢، والأعلام ٣٢٧/٢.

سُوٌَّلُ مُوسُفَ
٤٦٢
الآية : ٨٥
القَسَمِ المثبَت المستقبَل، فقال أحدهم: والله أقومُ - مثلاً - لا يحنثُ بعدم القيام،
فلا كفَّارةَ عليه .
وتعقَّبه المقدسيُّ(١) بأنه ينبغي أن تلزَمَهم الكفارةُ؛ لتعارُفهم الحَلِف كذلك،
ويؤيِّده ما في ((الظهيرية)) أنَّه لو سكَّن الهاء، أو نصبَ في ((بالله)) يكون يميناً، مع أنَّ
العرب ما نطقتْ بغيرِ الجرِّ.
وقال أيضاً: إنه ينبغي أن يكون ذلك يميناً وإن خلا من اللام والنُّون، ويدلُّ
عليه قولُه في ((الولوالجية))(٢): سبحان الله أفعل، لا إله إلا الله أفعل كذا، ليس
بيمينٍ إلا أن ینویه.
واعترضه الخيرُ الرمليُّ بأن ما نقله لا يدلُّ لمدَّعاه:
أمَّا الأوَّل: فلأنه تغييرُ إعرابٍ لا يمنع المعنى الموضوعَ، فلا يضرُّ التسكينُ
والرفعُ والنصبُ؛ لِمَا تقرَّر من أنَّ اللَّحنَ لا يمنع الانعقاد.
وأما الثاني: فلأنه ليس من المتنازَع فيه؛ إذ هو الإثباتُ والنفي لا أنه يمين،
وقد نُقِل ما ذكرناه عن المذهب والنَّقل يجب اتِّباعه.
ونُظر فيه: أما أوَّلاً: فبأن اللحنَ كما في ((المصباح)) وغيرِه: الخطأ في
العربية(٣).
وأمَّا ثانياً: فبأنَّ ما في ((الولوالجية)) من المتنازع فيه، فإنه أتى بالفعل المضارع
مجرَّداً من اللام والنُّون، وجعلَه يميناً مع النِّيَّة، ولو كان على النفي لوجب أن
يقال: إنَّه مع النية يمينٌ على عدم الفعل كما لا يخفى. وإنَّما اشترط في ذلك النِّيَّة
لكونه غيرَ متعارف.
(١) هو: ابن غانم المقدسي، علي بن محمد بن علي، نور الدين، أحد أكابر الحنفية في
عصره، له: الرمز في شرح نظم الكنز، شرح به نظم الكنز في فقه الحنفية لابن فصيح،
وحاشية على القاموس، وغير ذلك، توفي سنة (١٠٠٤هـ). خلاصة الأثر ٣/ ١٨٠،
والأعلام ٥/ ١٢.
(٢) هي فتاوى الولوالجي، وهو ظهير الدين أبو المكارم، إسحاق بن أبي بكر الحنفي، توفي
سنة (٧١٠هـ). كشف الظنون ١٢٣٠/٢.
(٣) المصباح المنير (لحن).

الآية : ٨٥
٤٦٣
سُوَاُ لُوسُف
وقال الفاضل الجلبي: إنَّ بحثَ المقدسيِّ وجيهٌ، والقول بأنَّه يصادمُ المنقولَ
يُجاب عنه: بأنَّ المنقولَ في المذهب كان على عُرفٍ صدرِ الإسلام قبلَ أن تتغيّر
اللغة، وأمَّا الآن فلا يأتون باللام والنون في مثبَت القَسَم أصلاً، ويفرِّقون بين
الإثبات والنفي بوجودِ ((لا)) ولا وجودِها، وما اصطلاحُهم على هذا إلا كاصطلاح
الفرس ونحوهم في أيمانهم وغيرها . اهـ.
ويؤيِّد هذا ما ذكره العلامة قاسم(١) وغيرُه من أنَّه يُحمَل كلامُ كلِّ عاقدٍ وحالفٍ
وواقفٍ على عُرفِه وعادته، سواءٌ وافَق كلامَ العرب أم لا. ومثله في ((الفتح))(٢)،
وقد فرَّق النحاةُ بين ((بلى)) و((نعم)) في الجواب؛ أنَّ ((بلى)) لإيجاب ما بعد النفي،
و(نعم)) للتصديق، فإذا قيل: ما قام زيد، فإن قلتَ: بلى، كان المعنى: قد قام.
وإن: نعم، كان: ما قام. ونقل في ((شرح المنار))(٣) عن ((التحقيق))(٤) أنَّ المعتبرَ في
أحكام الشرع العرفُ، حتى يقام كلُّ واحدٍ منهما مقامَ الآخر، ومثله في ((التلويح)).
وقول ((المحيط)): والحلفُ بالعربية أن يقول في الإثبات: والله لأفعلنَّ، إلى
آخر ما قال، بيانٌ للحكم على قواعد العربية وعُرفِ العرب وعادتهم الخاليةِ عن
اللحن، وكلامُ الناس اليومَ إلا ما ندر خارجٌ عن هاتيك القواعد، فهو لغةٌ
اصطلاحيَّةٌ لهم كسائر اللغاتِ الأعجمية التي تَصَرَّفَ فيها أهلُها بما تصرَّفوا،
فلا يعامَلون بغير لغتهم وقصدِهم إلا مَن التزم منهم الإعرابَ أو قَصَدَ المعنى،
(١) هو أبو عدل قاسم بن قطلوبغا زين الدين السودوني، عالم بفقه الحنفية والحديث، مؤرخ
باحث، له: تاج التراجم، في تراجم علماء الحنفية، وغريب القرآن، وشرح مختصر المنار
في الأصول، وشرح النخبة لابن حجر، وتخريج أحاديث عوارف المعارف. توفي
(٨٧٩هـ). البدر الطالع ٤٥/٢، الضوء اللامع ١٨٤/٦، الأعلام ١٨٠/٥.
(٢) فتح القدير لابن الهمام ١٠/١، و٧٠/٥.
(٣) هو منار الأنوار في أصول الفقه الحنفي للإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد النسفي،
المتوفى سنة (٧١٠هـ). ومن شروحه: شرح لعبد اللطيف بن عبد العزيز ابن فرشتا الحنفي،
وشرح لعلاء الدين محمد بن علي الحصكفي المتوفى (١٠٨٨ هـ) صاحب الدر المختار.
خلاصة الأثر ٦٣/٤، وكشف الظنون ١٨٢٣/٢-١٨٢٤.
(٤) لعله شرح لكتاب المنتخب في أصول المذهب لحسام الدين محمد بن محمد الأحسيكثي
الحنفي المتوفى سنة (٦٤٤هـ)، شَرَحه عبد العزيز بن أحمد البخاري، وسمّاه: التحقيق،
توفي سنة (٧٣٠هـ). كشف الظنون ١٨٤٩/٢.

سُوُاَلُ كُوسُفَ
٤٦٤
الآية : ٨٥
فينبغي أن يديَّن، ومن هنا قال السائحاني: إنَّ أيماننا الآنَ لا تتوقّف على تأكيد،
فقد وضعناها نحن وضعاً جديداً، واصطلحنا عليها اصطلاحاً حادثاً، وتعارفْناها
تعارُفاً مشهوراً، فيجب معاملتُنا على قَدْرِ عقولِنا ونيَّاتِنا كما أوقع المتأخِّرون الطلاقَ
بـ : عليَّ الطلاقُ، ومَن لم يَدْرِ بُعُرف أهل زمانه فهو جاهلٌ. اهـ.
ونظير هذا ما قالوه من أنه لو أُسقِطت الفاءُ الرابطةُ لجواب الشرط فهو تنجيزٌ
لا تعليقٌ، حتى لو قال: إنْ دخلت الدارَ أنتِ طالقٌ. تَطلُق في الحال، وهو مبنيٌّ
على قواعد العربية أيضاً، وهو خلافُ المتعارَف الآن، فينبغي بناؤُه على العُرف
فيكون تعليقاً، وهو المرويُّ عن أبي يوسف.
وفي (البحر)): إنَّ الخلافَ مبنيٌّ على جوازِ حذفها اختياراً وعدمه، فأجازه أهلُ
الكوفة وعليه فرَّع أبو يوسف، ومنعه أهلُ البصرة وعليه تفرَّع المذهب(١).
وفي ((شرح نظم الكنز)) للمقدسي(٢): إنَّه ينبغي ترجيحُ قول أبي يوسف؛ لكثرة
حذف الفاء في الفصيح، ولقولهم: العوامُّ لا يُعتبَر منهم اللحنُ في قولهم: أنتِ
واحدةً؛ بالنصب، الذي لم يقل به أحد. اهـ.
هذا، ثم إنَّ ما ذكرنا إنَّما هو في القَسَم بخلاف التعليق، وهو وإن سمِّي عند
الفقهاء حَلِفاً ويميناً لكنه لا يسمَّى قَسَماً، فإن القَسَمَ خاصٌّ باليمين بالله تعالى
كما صرَّح به القهستاني(٣)، فلا يَجري فيه اشتراطُ اللام والنونِ في المثبت منه
لا عند الفقهاء ولا عند اللغويين، ومنه: الحرام يلزمني، و: عليَّ الطلاقُ لا أفعل
كذا، فإنه يراد به في العرف: إن فعلت كذا فهي طالق، فيجب إمضاؤه عليهم
كما صرَّح به في ((الفتح)) (٤) وغيره؛ قال الحلبي: وبهذا يندفع ما توقَّمه بعضُ
الأفاضل من أنَّ في قول القائل: عليَّ الطلاق أجيء اليوم، إن جاء في اليوم وقع
(١) البحر الرائق ١٣/٤.
(٢) وهو ما أشرنا إليه قريباً في ترجمة المقدسي.
(٣) هو شمس الدين محمد الخراساني ثم القهستاني، نزيل بخارى، ومرجع الفتوى فيها في
جميع ما وراء النهر، توفي في حدود (٩٦٢هـ)، شَرَح النقاية مختصر الوقاية لصدر الشريعة
عبيد الله بن مسعود الحنفي المتوفى (٧٤٥هـ). كشف الظنون ١٩٧١/٢. والكلام من حاشية
ابن عابدين ٧٢٤/٣.
(٤) فتح القدير لابن الهمام ٢٦/٤.

الآية : ٨٥
٤٦٥
الطلاق، وإلا فلا لعدم اللام والنون. وأنت خبيرٌ بأنَّ النحاةَ إنما اشترطوا ذلك في
جواب القَسَم المثبَت، لا في جواب الشرط؛ وكيف يسوغ لعاقلٍ فضلاً عن فاضلٍ
أن يقول: إنَّ: إن قام زيدٌ أقم، على معنى: إن قام زيدٌ لم أقم، على أنَّ ((أجيء))
ليس جوابَ الشرط، بل هو فعلُ الشرط؛ لأنَّ المعنى: إن لم أَجِئ اليومَ فأنتِ
طالق، وقد وقع هذا الوهمُ لكثيرٍ من المفتين كالخير الرمليِّ وغيرهِ.
وقال السيد أحمد الحموي(١) في ((تذكرته الكبرى)): رُفع إليَّ سؤالٌ صورتُه:
رجلٌ اغتاظ من ولد زوجته، فقال: عليَّ الطلاق بالثلاث إني أُصبح أشتكيك من
النقيب، فلمَّا أصبح تركه ولم يشتكه ومكث مدةً، فهل - والحالة هذه - يقع عليه
الطلاقُ أم لا؟ الجواب(٢): إذا ترك شكايته ومضت مدَّةٌ بعد حلفه، لا يقع عليه
الطلاق؛ لأنَّ الفعل(٣) المذكور وقع في جواب اليمين وهو مثبَتْ، فيقدَّر النفيُّ
حیث لم يؤگّد.
ثم قال: فأجبتُ أنا بعد الحمد لله تعالى: ما أفتى به هذا المجيب من عدم
وقوع الطلاق معلِّلاً بما ذكر، فمُنبِىء عن فرطِ جهلِه وحمقه وكثرةٍ مجازفته في
الدين وخرقِه، إذ ذاك في الفعل إذا وقع جواباً للقسم بالله تعالى نحو: ((تفتأ))، لا في
جواب اليمين بمعنى التعليق بما يشقُّ من طلاقٍ وعتاق ونحوهما، وحينئذٍ إذا أصبح
الحالفُ ولم يشتكه وقع عليه الطلاقُ الثلاث، وبانت زوجته منه بينونة كبرى. اهـ.
ولنعم ما قال، ولله تعالى درُّ القائل:
وعن كلِّ بدعيٍّ أتى بالعَجَائب
من الدین کشفُ الستر عن کلِّ كاذبٍ
صَوامِعُ دينِ الله من كلِّ جانِب (٤)
فلولا رجالٌ مُؤمِنُون لهُدِّمَت
(١) هو شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحموي الحسيني الحنفي، المدرس بمصر، توفي
سنة (١٠٩٨هـ)، له إتحاف الأذكياء بتحقيق عصمة الأنبياء، وغيره. إيضاح المكنون ١/ ١٤ .
وكلامه في حاشية ابن عابدين ٧٢٤/٣.
(٢) ورد في هامش (م) أن المجيب عبد المنعم النّبْتْتي. وهو أبو محمد عبد المنعم النبتيتي إمام
المشرق الحسيني ومدرِّسُه في النبتيت قريةٍ بمصر، مات سنة (١٠٨٤هـ). تاج العروس
(نبت).
(٣) في (م): الحلف، والمثبت من (م) وحاشية ابن عابدين.
(٤) ذكر البيتين ابن عابدين في حاشيته ٧٢٥/٣ دون نسبة.

سُورَةُ لُوسُفَ
٤٦٦
الآية : ٨٥
و((فتئ)) هذه من أخوات ((كان)) الناقصة كما أشرنا إليه، ويقال فيها: ((فَتَأَ))
كضَرَب، و: أَفْتَأَ كأكرم، وزعم ابن مالك أنَّها تكون بمعنى: سَكَن وفَتَر، فتكون
تامَّةً(١)، وعلى ذلك جاءَ تفسيرُ مجاهد لـ ((لا تفتأ)) بـ: لا تفتُر عن حبِّه، وأوَّله
الزمخشريُّ(٢) بأنَّه عليه الرحمة جعلَ الفتوء والفتور أخوين. أي: متلازمين، لا أنَّه
بمعناه، فإنَّ الذي بمعنى: فَتَر وسكن هو ((فئأ)) بالمثلثة، كما في ((الصحاح)) من
فَثَأْتُ القِدْرَ: إذا سَكَّنت غليانَها، والرجلَ: إذا سكَّنت(٣) غضبه.
ومن هنا خطَّأ أبو حيان ابنَ مالك فيما زعمه، وادَّعى أنه من التصحيف(٤).
وتعقّب بأنَّ الأمر ليس كما قاله، فإنَّ ابن مالك نقله عن الفراء، وقد صرَّح به
السَّرقُسطيُّ(٥)، ولا يمتنع اتفاقُ مادَّتين في معنّى، وهو كثيرٌ، وقد جمع ذلك ابنُ
مالك في كتاب سمَّاه: ((ما اختلف إعجامُه واتفق إفهامه)) ونقله عنه صاحب
((القاموس))(٦).
واستُدِلَّ بالآية على جواز الحلف بغلبة الظنِّ، وقيل: إنَّهم علموا ذلك منه
ولكنَّهم نزَّلوه منزلة المنكر، فلذا أكَّدوه بالقَسَم، أي: نقسم بالله تعالى لا تزال ذاكرَ
يوسف متفجِّعاً عليه ﴿حَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ مريضاً مُشفياً على الهلاك. وقيل:
الحَرَض: مَن أذابَه همٍّ أو مرضٌ وجعله مهزولاً نحيفاً، وهو في الأصل مصدرُ
(حَرِضَ)) فهو حَرِضٌ بكسر الراء، وجاء: أخْرَضَني كما في قوله:
إني امرُؤٌ لجَّ بي حبُّ فأخْرَضَنِي
حتى بُليتُ وحتى شَفَّني السقَمُ(٧)
(١) التسهيل ص ٥٣ بنحوه.
(٢) في الكشاف ٣٣٩/٢.
(٣) في الأصل و(م): سكن، والمثبت من الصحاح (فَثَّاً)، وحاشية الشهاب ٢٢/٥، والكلام
منه .
(٤) البحر ٣٢٧/٥.
(٥) هو أبو القاسم ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف، السرقسطي الأندلسي، صاحب
كتاب الدلائل، كان عالماً مفتياً، بصيراً بالحديث والنحو واللغة، توفي (٣١٣هـ)، وقيل:
(٣١٤ هـ). السير ١٤ / ٥٦٢.
(٦) مادة (فَتَأ)، وفيه أن اسمَ كتاب ابن مالك: جمع اللغات المشكلة.
(٧) البيت في مجاز القرآن لأبي عبيدة ٣١٧/١، وتفسير الطبري ٣٠١/١٣، وتفسير القرطبي
=

الآية : ٨٦
٤٦٧
سُؤَةٌ تُوسُفَ
ولكونه كذلك في الأصل لا يؤنَّث ولا يثنَّى ولا يُجمَع؛ لأنَّ المصدر يطلَقُ
على القليل والكثير، وقال ابن إسحاق: الحرَضُ: الفاسد الذي لا عقل له.
وقرىء: ((حَرِضاً)) بفتح الحاء وكسر الراء(١).
وقرأ الحسن البصريُّ: ((حُرُضاً)) بضمَّتين(٢). ونحوُه من الصفات: رجلٌ جُنُب
وغُرُب(٣).
﴿أَوْ تَكُنَ مِنَ الْهَلِكِينَ ﴾ أي: الميِّتين، و((أو)) قيل: يحتمل أن تكون
بمعنى (بل))، أو بمعنى ((إلى))، فلا يَرِد عليه أنَّ حقَّ هذا التقديمُ على ((حتى تكون
حرضاً))، فإن كانت للترديد فهي لمنع الخلوِّ، والتقديمُ على ترتيب الوجود، كما قيل
في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. أو لأنه أكثر وقوعاً.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُواْ بَقِى﴾ البثُّ في الأصل: إثارة الشيء وتفريقُه، كبثِّ الربح
الترابَ، واستُعمِل في الغمِّ الذي لا يُطيق صاحبُه الصبرَ عليه، كأنَّه ثقُل عليه
فلا يُطيق حمله وحدَه فيفرِّقُه على مَن يُعينه، فهو مصدرٌ بمعنى المفعول، وفيه
استعارةٌ تصریحیةٌ.
وجوِّز أن يكون بمعنى الفاعل، أي: الغمّ الذي بثَّ الفكرَ وفرَّقه، وأيًّا ما كان
فالظاهرُ أنَّ القومَ قالوا ما قالوا بطريق التسلية والإشكاء، فقال في جوابهم: إنَّي
لا أشكو ما بي إليكم أو إلى غيركم حتى تتصدّوا لِتَسليتي، وإنما أشكو غمِّي ﴿وَحُزْنِ
إِلَى اَللَّهِ﴾ تعالى ملتجئاً إلى جنابه متضرِّعاً في دفعه لدى بابه، فإنَّه القادرُ على ذلك.
وفي الخبر عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلّى: (من كنوز البرِّ إخفاءُ الصدقة
وكتمانُ المصائب والأمراضٍِ، ومَن بثَّ لم يصبر))(٤).
= ٤٣٤/١١ للعرجي، وهو عبد الله بن عمر بن عبد الله. وهو غير منسوب في المحرر الوجيز
٢٧٣/٢، وزاد المسير ٢٧٣/٤، والبحر ٣٢٧/٥.
(١) الكشاف ٣٣٩/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٥، والكشاف ٣٣٩/٢، والمحرر الوجيز ٢٧٣/٢.
(٣) ورد هنا في هامش الأصل و(م): في الصحاح: هو غريب وغُرُب أيضاً بضمِّ الغين
والراء. اهـ منه. وينظر الصحاح (غرب).
(٤) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٩٧/٨، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٠٥٠).

سُورَلُ لُوسُفَ
٤٦٨
الآية : ٨٧
وقرأ الحسن وعيسى: ((حَزَني) بفتحتين. وقرأ قتادة بضمَّتين(١).
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من لطفه ورحمته ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾﴾، فأرجو أن
يرحمني ويلطُفَ بي ولا يخيِّبَ رجائي، فالكلام على حذف مضاف، و((من)) بيانيّة
قدِّمت على المبيَّن، وقد جوَّزه النحاة.
وجوِّز أن تكونَ ابتدائيةً، أي: أعلم وحياً أو إلهاماً، أو: بسببٍ من أسباب
العلم من جهته تعالى ما لا تعلمون من حياة يوسف.
قيل: إنَّه عليه السلام علم ذلك من الرؤيا حسبما تقدَّم. وقيل: إنَّه رأى ملَكَ
الموت في المنام فأخبره أنَّ يوسف حيٍّ. ذكره غيره واحد، ولم يذكروا له سنداً (٢).
والمرويُّ عن ابن أبي حاتم (٣) عن النضر أنه قال: بلغني أنَّ يعقوب عليه السلام
مكث أربعةً وعشرين عاماً لا يدري أيوسف عليه السلام حيٍّ أم ميِّتٌ، حتى تمثّل له
ملَكُ الموت عليه السلام، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت. فقال: أنشدك
بإلهِ يعقوب هل قبضتَ روحَ يوسف؟ قال: لا . فعند ذلك قال عليه السلام:
﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُوْ فَتَحَتَسُوا﴾ أي: فتعرَّفوا، وهو تَفَعَّل من الحسِّ، وهو في
الأصل: الإدراكُ بالحاسَّة، وكذا أصل التحسُّسِ: طلبُ الإحساس، واستعماله في
التعرُّفِ استعمالٌ له في لازم معناه، وقريبٌ منه التجسُّس بالجبم، وقيل: إنَّه به في
الشرِّ، وبالحاء في الخير. ورُدَّ بأنه قرئ هنا: ((فَتَجَسَّسُوا)) بالجيم(٤) أيضاً. وقال
الراغب: أصلُ الجسِّ: مسُّ العِرْق وتعرُّفُ نَبضِه للحكم به على الصحّة والمرض،
وهو أخصُّ من الحسِّ فإِنَّه تعرُّفُ ما يُدرِكه الحِسُّ، والجَسَّ تعرُّفُ حالٍ مّا من
ذلك(٥)
﴿مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: من خبرهما، ولم يذكر الثالثَ لأنَّ غيبته اختياريةٌ
لا يعسرُ إزالتُها، وعلى فرضٍ ذلك الداعيةُ فيهم للتحسُّسِ منه لكونه أخاهم قويّةٌ
(١) القراءات الشاذة ص ٦٥، والبحر ٣٣٩/٥.
(٢) النكت والعيون ٧٢/٣، والكشاف ٢/ ٣٤٠، والبحر ٣٣٩/٥.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٢١٨٩/٧ -٢١٩٠.
(٤) القراءات الشاذة ص ٦٥، وهي قراءة النخعي.
(٥) مفردات الراغب (جس).

الآية : ٨٧
٤٦٩
سُوَلُّ لُوسُفَ
فلا حاجةَ لأمرهم بذلك، والجارُّ متعلُّقٌ بما عنده، وهو بمعنى ((عن)) بناءً على
ما نُقِل عن ابن الأنباري أنَّه لا يقال: تحسَّسْتُ من فلان، وإنما يقال: تحسَّستُ
عنه. وجوّز أن تكون للتبعيض على معنى: تحسَّسوا خبراً من أخبار يوسف وأخيه.
﴿وَلَا تَأْيِّئَسُواْ مِنْ زَّوْجِ اللَّهِ﴾ أي: لا تقنطوا من فَرَجه سبحانه وتنفيسه، وأصلُ
معنى الرَّوح بالفتح - كما قال الراغب(١) - التنفّس، يقال: أراح الإنسان: إذا
تنَفَّس، ثم استعير للفرج، كما قيل له تنفيس، من النَّفَس.
وقرأ عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة: (رُوح)) بالضَّمِّ(٢).
وفسِّر بالرحمة، على أنَّه استعارةٌ من معناها المعروف؛ لأنَّ الرحمة سببُ
الحياة كالرُّوح، وإضافتها إلى الله تعالى لأنَّها منه سبحانه، وقال ابن عطية(٣): كأنَّ
معنى هذه القراءة: لا تيأسوا من حيٍّ معه روحُ الله الذي وهبه، فإنَّ كلَّ مَن بقيت
روحُه يُرجى، ومن هذا قوله:
وفي غيرٍ مَن قد وَارَتِ الأرضُ فاظْمَعِ(٤)
وقول عبيد بنِ الأبرص:
وكلُّ ذي غَيبةٍ يَؤُوبُ وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ(٥)
وقرأ أبيٍّ: ((مِن رَحمةِ الله)). وعبدُ الله: ((من فضل الله))(٦). وكلاهما عند
أبي حيان تفسيرٌ لا قراءة(٧).
وقرىء: (تَأْيَسُوا))(٨).
(١) في المفردات (روح).
(٢) المحتسب ٣٤٨/١، والمحرر الوجيز ٣٧٤/٣، والبحر ٣٣٩/٥.
(٣) في المحرر الوجيز ٢٧٤/٣.
(٤) البيت لأرطاة بن سُهَيَّة كما في الأغاني ٣٩/١٣، وصدره: عن الدهر فاصفح إنه غير
مُعْتِبٍ.
(٥) ديوان عبيد بن الأبرص ص ٢٦ .
(٦) المحرر الوجيز ٢٧٥/٣، والبحر ٣٣٩/٥.
(٧) البحر ٣٣٩/٥.
(٨) وهي قراءة البزي عن ابن كثير كما في التيسير ص ١٢٩. وينظر الحجة ٤٣٢/٤-٤٣٣.

سُؤَدَّةُ لُوسُفَ
٤٧٠
الآية : ٨٧
وقرأ الأعرج: ((تِيتَّسُوا)) بكسر التاء(١).
والأمر والنهيُ على ما قيل إرشادٌ لهم إلى بعضٍ ما أبهم في قوله: (وَأَعْلَمُ مِن
اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، ثم إنَّه عليه السلام حذَّرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله:
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿لَا يَأْيِشَسُ مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴾ لعدم علمهم بالله
تعالى وصفاته، فإنَّ العارفَ لا يقنَطُ في حالٍ من الأحوال. أو تأكيدٌ(٢) لِمَا يعلمونه
من ذلك، قال ابن عباس: إنَّ المؤمن مِن الله تعالى على خيرٍ؛ يرجوه في البلاء
ويحمده في الرخاء.
وذكر الإمام أنَّ اليأسَ لا يحصُّل إلا إذا اعتقد الإنسانُ أنَّ الإله غيرُ قادرٍ على
الكمال، أو غيرُ عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم، واعتقادُ كلٍّ من هذه
الثلاث يُوجِب الكفرَ، فإذا كان اليأسُ لا يحصل إلا عند حصول أحدها - وكلٌّ منها
كفرٌ - ثبت أنَّ اليأسَ لا يحصل إلا لمن كان كافراً (٣).
واستَدلَّ بعضُ أصحابنا بالآية على أنَّ اليأسَ من رحمة الله تعالى كفرٌ، وادَّعى
أنها ظاهرةٌ في ذلك. وقال الشهاب: ليس فيها دليلٌ على ذلك، بل هو ثابتٌ بدلیل
(٤)
آخر (٤) .
وجمهورُ الفقهاء على أنَّ اليأسَ كبيرةٌ، ومفادُ الآية أنه من صفات الكفار، لا أنَّ
مَن ارتكبه كان كافراً بارتكابه، وكونُه لا يحصل إلا عند حصول أحدِ المكفِّرات
التي ذكرها الإمام، مع كونه في حيِّز المنع؛ لجوازٍ أن ييأسَ من رحمة الله تعالى
إياه مع إيمانه بعموم قدرته تعالى وشمولِ علمه وعِظَم كرمه جلَّ وعلا؛ لمجرَّد
استعظام ذنبه مثلاً واعتقادِه عدمَ أهليته لرحمة الله تعالى من غير أن يخطر له أدنى
ذرَّةٍ من تلك الاعتقادات السيئة الموجِبة للكفر = لا يستدعي أكثرَ من اقتضائه سابقيّة
الکفر دون کون ارتکابه نفسه کفراً. کذا قیل.
(١) البحر ٣٣٩/٥.
(٢) في (م): تأكيداً.
(٣) التفسير الكبير ١٩٩/١٨.
(٤) حاشية الشهاب ٥/ ٢٠٣.

الآية : ٨٨
٤٧١
سُوَاُ لُوسُفَ
وقيل: الأولى التزامُ القولِ بأنَّ اليأسَ قد يُجامِعِ الإيمانَ، وأنَّ القولَ بأنه
لا يحصل إلا بأحَد الاعتقادات المذكورة غيرُ بَيِّنٍ ولا مبينٍ.
نعم كونه كبيرةً مما لا شكَّ فيه، بل جاء عن ابن مسعود ظُهُ أنَّه أكبر
الكبائر(١)، وكذا القنوطُ وسوءُ الظنِّ، وفرَّقوا بينها بأنَّ اليأسَ عدمُ أملٍ وقوع شيءٍ
من أنواع الرحمة له، والقنوطُ هو ذاك مع انضمام حالةٍ هي أشدُّ منه في التصميم
على عدم الوقوع، وسوءُ الظن هو ذاك مع انضمام أنه مع عدم رحمته له يشدد له
العذاب کالكفار.
وذكر ابن نجيم في بعض رسائله(٢) ما به يرجع الخلافُ بين مَن قال: إن اليأسَ
كفرٌ. ومن قال: إنه كبيرةٌ = لفظيّاً، فقال: قد ذكر الفقهاءُ من الكبائر الأمنَ من
مكر الله تعالى واليأسَ من رحمته. وفي ((العقائد)): واليأسُ من رحمة الله تعالى كفرٌ
[والأمن من مكر الله تعالى كفر] فيحتاج إلى التوفيق.
والجوابُ أنَّ المرادَ باليأس إنكارُ سعة الرحمة للذنوب، ومن الأمن الاعتقادُ
أنْ لا مكر، ومرادُ الفقهاء من اليأس اليأسُ لاستعظام ذنوبه واستبعادِ العفوِ عنها،
ومن الأمن الأمنُ لغلبة الرجاء عليه بحيث دخل في حدِّ الأمن. ثم قال: والأوفق
بالسنَّة طريقُ الفقهاء؛ لحديث الدارقطنيٍّ عن ابن عباس مرفوعاً، حيث عدَّها من
الكبائر وعَطَفها على الإشراك بالله تعالى(٣). اهـ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، فليفهم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ أي: على يوسف عليه السلام بعد ما رجعوا إلى مصر
بموجب أمرٍ أبيهم، وإنَّما لم يُذكر؛ إيذاناً بمسارعتهم إلى ما أُمِروا به، وإشعاراً بأنَّ
ذلك أمرٌ محقَّقٌ لا يفتقر إلى الذكر والبيان.
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٦٤٨/٦ .
(٢) المسماة: رسالة في بيان الكبائر والصغائر من الذنوب ص٢٥٩ من مجموع رسائله،
وما سیرد بین حاصرتين منها .
(٣) رسائل ابن نجيم ص٢٥٩، وفيه: عدهما ... وعطفهما ... ، وحديث ابن عباس لم نقف
عليه عند الدارقطني، وقد ذكره في العلل ٣٤٢/٥ من حديث ابن مسعود مرفوعاً وموقوفاً،
وقال عن الموقوف: وهو الصواب.
وحديث ابن عباس أخرجه البزار (١٠٦- كشف)، وابن أبي حاتم ٩٣١/٣ بسند حسن
كما قال السيوطي في الدر ٢/ ١٤٧ .

سُوَلاَ مُوسُفَ
٤٧٢
الآية : ٨٨
وأنكر اليهود رجوعَهم بعد أخذ بنيامين إلى أبيهم ثم عودَهم إلى مصر، وزعموا
أنَّهم لمّا جاؤوا أولاً للميرة انَّهمهم بأنهم جواسيس، فاعتذروا وذكروا أنهم أولادٌ
نبيِّ الله تعالى يعقوب، وأنهم كانوا اثني عشر ولداً، هلك واحدٌ منهم وتخلّف أخوه
عند أبيهم يتسلَّى به عن الهالك حيث إنَّه كان يحبُّه كثيراً. فقال: ائتوني به لأتحقَّق
صدقَكم. وحبس شمعون عنده حتى يجيئوا، فلمّا أتوا به ووقع ما وقع من أمر
السرقة أظهروا الخضوعَ والانكسارَ، فلم يملك عليه السلام نفسَه حتى تعرَّف إليهم،
ثم أمرهم بالعود إلى أبيهم ليخبروه الخبرَ ويأتوا به. وهو الذي تضمَّنته توراتُهم
اليومَ(١)، وما بعد الحقِّ إلا الضلال.
﴿قَالُواْ يَّأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ خاطبوه بذلك تعظيماً له على حدِّ خطابهم السابق به على
ما هو الظاهر، وهل كانوا يعرفون اسمَه أم لا؟ لم أَرَ مَن تعرَّض لذلك، فإن كانوا
يعرفونه ازداد أمرُ جهالتهم غرابةً.
والمراد على ما قال الإمام(٢) وغيره: يا أيها الملكُ القادرُ المنيع ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا
الغُّرُ﴾ الهزال من شدَّة الجوع، والمراد بالأهل ما يشمل الزوجةَ وغيرَها ﴿وَجِثْنَا
بِضَعَةٍ مُرْجَئةٍ﴾ مدفوعةٍ يدفعها كلُّ تاجرٍ رغبةً عنها واحتقاراً، من: أَزْجَيْتُه: إذا
دَفَعْتَه وطردْتَه، والريحُ تُزجي السحابَ، وأنشدوا لحاتم:
وأرمَلَةٌ تُزجي مع الليل أرمَلَا(٣)
لِيَبْكِ على ملحان ضيفٌ مدقَّعٌ
وكنَى بها عن القليل أو الرديء؛ لأنَّه لعدم الاعتناء يُرمى ويُطرح، قيل: كانت
بضاعتُهم من متاع الأعراب صوفاً وسمناً، وقيل: الصنوبر وحبَّة الخضراء(٤).
ورُوي ذلك عن أبي صالح وزيد بن أسلم. وقيل: سويق المُقْل(٥) والأقِط. وقيل:
(١) ينظر العهد القديم، سفر التكوين ص١٣٤.
(٢) في التفسير الكبير ٢/١٨.
(٣) الزاهر لابن الأنباري ٩١/٢، وتفسير الطبري ٣١٧/١٣، والمحرر الوجيز ٢٧٥/٣، والبحر
٣٤٠/٥.
(٤) ورد في هامش الأصل و(م): معروفة. وليست الفستق كما ظنه أبو حيان. اهـ منه.
وهي ثمرة البُطم، من فصيلة الفستق. المعجم الوسيط (بطم). وقول أبي حيان في
البحر ٣٤٠/٥.
(٥) المُقْل: ثمر الدَّوْم. الصحاح (مقل).

الآية : ٨٨
٤٧٣
سُوَلاَ تُوسُفَ)
قديدٌ وحَشٌّ. وقيل: حبالاً وأعدالاً وأحقاباً (١).
وقيل: كانت دراهم زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة، ورُوي ذلك عن ابن
باس﴾(٢). والمروي عن الحسن تفسيرُها بقليلةٍ لا غير(٣). وعلى كلِّ فـ((مزجاة))
صفةٌ حقيقيّةٌ للبضاعة.
وقال الزّجَّاج: هي من قولهم: فلان يُزجي العيشَ، أي: يدفع الزمانَ
بالقليل، والمعنى: إنَّا جئنا ببضاعةٍ يدفع بها الزمانُ، وليسَتْ مما ينتفع به (٤).
والتقديرُ على هذا: ببضاعةٍ مزجاةٍ بها الأيامُ، أي: تُدْفَعُ بها ويُصْبَرُ عليها حتى
تنقضي، كما قيل:
دَرِّجِ الأيامَ تَندَرِجِ
وبيوتَ الهمِّ لا تَلِج (٥)
وما ذُكِر أوَّلاً هو الأولى.
وعن الكلبيِّ أنَّ ((مزجاة)) من لغة العجم. وقيل: من لغة القبط(٦).
وتعقّب ذلك ابنُ الأنباريِّ بأنَّه لا ينبغي أن يجعل لفظُ معروفُ الاشتقاقِ
والتصريفِ منسوباً إلى غيرِ لغة العرب (٧)، فالنسبة إلى ذلك: مزجاة.
وقرأ حمزة والكسائيُّ: ((مزجية)) بالإمالة (٨)، لأنَّ أصلها الياء.
والظاهرُ أنَّهم إنَّما قدَّموا هذا الكلامَ ليكون ذريعةً إلى إسعافِ مرامِهم ببَعثٍ
الشفقة وهزِّ العطف والرأفة وتحريكِ سلسلة الرحمة، ثم قالوا: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيَلَ﴾
(١) جمع حَقَب، وهو الحزام الذي يلي حَقْوَ البعير، وحبل تشدُّ به الحقيبة. المعجم الوسيط
(حقب).
(٢) تفسير الطبري ٣٢٣/١٣.
(٣) تفسير الطبري ٣٢١/١٣.
(٤) معاني القرآن للزجاج ١٢٧/٣.
(٥) ذكره الميكالي في كتاب المنتخل ٦٩٢/٢ دون نسبة، ونقله المصنف من حاشية الشهاب
٢٠٣/٥.
(٦) النكت والعيون ٧٣/٣.
(٧) نقله المصنف من التفسير الكبير ٢٠٠/١٨.
(٨) التيسير ص ٤٩، والنشر ص ٨٣.

سُؤَُّ لُوسُفَا
٤٧٤
الآية : ٨٨
أي: أتممه لنا ولا تَنْقُصْه؛ لقلَّة بضاعتنا أو رداءتها، واستُدِلَّ بهذا على أنَّ الكيل
علی البائع، ولا دليل فيه.
﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ ظاهرُه بالإيفاء، أو بالمسامحة وقبولِ المزجاة، أو بالزيادة
على ما يساويها .
وقال الضحاك وابن جريج: إنَّهم أرادوا: تصدَّق علينا بردِّ أخينا بنيامين على
أبيه(١). قيل: وهو الأنسب بحالهم بالنسبة إلى أمر أبيهم، وكأنهم أرادوا: تَفَضَّلْ
علينا بذلك. لأنَّ ردَّ الأخ ليس بصدقةٍ حقيقةً، وقد جاءت الصدقة بمعنى التفضُّل
كما قيل، ومنه: تصدَّق اللهُ تعالى على فلانٍ بكذا.
وأما قول الحسن لمن سمعه يقول: اللهم تصدَّق عليَّ: إنَّ الله تعالى
لا يتصدَّقُ، إنما يتصدَّقُ من يبغي الثوابَ، قل: اللهمَّ أعطني، أو: تفضَّل عليَّ،
أو: ارحمني(٢). فقد رُدَّ بقوله ◌َّهِ: ((صدقة تصدَّقَ اللهُ تعالى بها عليكم، فاقْبَلُوا
صدقتَه))(٣). وأجيب عنه [بأنَّه] (٤) مجاز أو مشاكلةٌ، وإنما ردَّ الحسن على القائل؛
لأنه لم يكن بليغاً كما في قصة المتوفَّى(٥).
وادعى بعضهم تعيُّنَ الحمل على المجاز أيضاً إذا كان المرادُ طلبَ الزيادة على
ما يُعطى بالثمن، بناءً على أنَّ حرمة أخذ الصدقة ليست خاصَّة بنبينا ◌َّ كما ذهب
إليه سفيان بن عيينة(٦)، بل هي عامَّةٌ له عليه الصلاة والسلام ولمن قبله من
الأنبياء - عليهم السلام -، وآلِهم كما ذهب إليه البعض، والسائلون من إحدى
الطائفتين لا محالةَ.
وتعقِّب بأنَّا لو سلَّمنا العمومَ لا نسلِّم أنَّ المحرَّمَ أخذُ الصدقة مطلقاً، بل
المحرَّمُ إنما هو أخذُ الصدقة المفروضة، وما هنا ليس منها.
(١) تفسير الطبري ٣٢٦/١٣.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٣٤٠/٢.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٤)، ومسلم (٦٨٦) من حديث عمر دائه.
(٤) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٠٣/٥، والكلام منه.
(٥) لم نقف على القصة.
(٦) أخرجه قوله الطبري في تفسيره ٣٦١/١٣.

الآية : ٨٩
٤٧٥
سُورَةُ بُوسُفَ
والظاهر - كما قال الزمخشريُّ(١) - أنَّهم تمسكنوا له عليه السلام بقولهم:
(مَسَّنَا) إلخ، وطلبوا إليه أن يتصدَّق عليهم بقولهم: (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَاً)، فلو لم يحمل
على الظاهر لما طابقه ذلك التمهيدُ ولا هذا التوطيدُ، أعني: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى
الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾﴾ بذكر الله تعالى وجزائه الحاملَيْنِ على ذلك، وأنَّ فاعلَه منه تعالى
بمكان.
قال النَّقَّاش: وفي العدول عن: إنَّ الله تعالى يجزيك بصدقتك، إلى ما في
النظم الكريم مندوحةٌ عن الكذب، فهو من المعاريض، فإنهم كانوا يعتقدونه ملكاً
كافراً، ورُوي مثلُه عن الضحاك.
ووُجِّه عدمُ بدءهم بما أمروا به على القول بخلاف الظاهر في متعلَّق التصدُّق
بأنَّ فيما سلكوه استجلاباً للشفقة والرحمة، فكأنهم أرادوا أن يملؤوا حياضَ قلبه
من نَميرها ليسقوا به أشجارَ تحسُّسِهم لُثُمِرَ لهم غرضَ أبيهم.
ووجَّهه بعضُهم(٢) بمثل هذا، ثم قال: على أنَّ قولَهم ((وتصدَّق)) إلخ، كلامٌ ذو
وجهين، فإنه يحتمل الحملَ على المحملين، فلعلَّه عليه السلام حَمَله على طلب
الردِّ ولذلك ﴿قَالَ﴾ مجيباً عمَّا عرَّضوا به وضمَّنوه كلامَهم من ذلك: ﴿هَلْ عَلِمْتُ مَّا
فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ وكان الظاهرُ على هذا الاقتصارَ على التعرُّضِ بما فُعِل مع
الأخ، إلا أنه عليه السلام تعرَّض لمَا فُعِل به أيضاً لاشتراكهما في وقوع الفعل
عليهما، فإنَّ المرادَ بذلك إفرادُهم له عنه(٣) وإذلالُه بذلك حتى كان لا يستطيع أن
يكلِّمهم إلا بعجزٍ وذلَّةٍ
والاستفهام ليس عن العلم بنفسٍ ما فعلوه؛ لأنَّ الفعل الإراديَّ مسبوقٌ بالشعور
لا محالةَ، بل هو عمَّا فيه من القبح بدليل قوله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَلِهِلُونَ (9َ﴾ أي: هل
علمتم قبحَ ما فعلتموه(٤) زمانَ جهلكم قبحَه، وزال ذلك الجهلُ أم لا؟ وفيه من
(١) في الكشاف ٢/ ٣٤٠.
(٢) تفسير أبي السعود ٣٠٣/٤.
(٣) أي: يوسف.
(٤) ورد هنا في هامش الأصل و(م) ما نصه: قيل: الكلام على حذف مضاف. وقيل: هو كناية
عما ذکر. فافهم. اهـ منه.

سُوَُّ لُوسُفَ
٤٧٦
الآية : ٨٩
إبداءِ عذرهم وتلقينهم إياه ما فيه، كما في قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيرِ﴾
[الانفطار: ٦].
والظاهر لهذا أنَّ ذلك لم يكن تشفِّياً بل حتٌّ على الإقلاع ونصحٌ لهم لمَّا رأى
من عجزهم وتمسكنهم ما رأى مع خفيٌّ معاتبةٍ على وجود الجهل، وأنه حقيقُ
الانتفاء في مثلهم، فلله تعالى هذا الخُلُق الكريم كيف ترك حظّه من التشفِّي إلى
حقِّ الله تعالى على وجهٍ يتضمَّن حقَّ الأخوَّتين أيضاً، والتلظُفَ في إسماعه مع
التنبيه على أنَّ هذا الضرَّ أولى بالكشف.
قيل: ويجوز أن يكونَ هذا الكلامُ منه عليه السلام منقطعاً عن كلامهم وتنبيهاً لهم
عمَّا هو حقُّهم ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمخُّض لطلب بنيامين،
بل يجوز أن يقف عليه السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه عليه السلام
وإرساله إيَّاهم للتحسُّس منه ومن أخيه، فلمَّا رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال.
والظاهر أنه عليه السلام لمَّا رأى ما رأى منهم وهو من أرقٌ خَلْق الله تعالى
قلباً، وكان قد بلغ الكتابُ أجلَه، شرع في كشف أمره فقال ما قال.
روي عن ابن إسحاق أنهم لمَّا استعطفوه رقَّ لهم ورحمهم حتى إنه ارفضَّ دمعُه
باکیاً ولم يملك نفسه، فشرع في التعرُّف لهم، وأراد بما فعلوه به جمیعَ ما جرى،
وبما فعلوه بأخيه أذاهم له وجفاءهم إياه وسوءَ معاملتهم له وإفرادَهم له كما سمعت.
ولم يذكر لهم ما آذوا به أباهم - على ما قيل - تعظيماً لقَدْرِه وتفخيماً لشأنه أن يذكره
مع نفسه وأخيه، مع أنَّ ذلك من فروع ما ذكر.
وقيل: إنهم أدّوا إليه كتاباً من أبيهم، وصورتُه كما في ((الكشاف))(١): من
يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر،
أما بعد، فإنَّا أهل بيت موَّلٌ بنا البلاء، أما جدِّي فشُدَّت يداه ورجلاه، ورُمي به
في النار ليحرق، فنجَّاه الله تعالى وجُعلت النارُ عليه بَرْداً وسلاماً، وأما أبي فوُضِع
على قفاه السكينُ ليُقتَل، فقداه الله تعالى، وأما أنا فكان لي ابنٌ وكان أحبَّ الأولاد
إليَّ، فذهب به إخوتُه إلى البَرِّيَّة، ثم أتوني بقميصه ملطّخاً بالدم وقالوا: قد أكله
(١) ٣٤١/٢.

الآية : ٨٩
٤٧٧
سُورَةٌ تُوسُفَ
الذئب. فذهبت عيناي من بكائي عليه، ثم كان لي ابنٌ كان أخاه من أمه، وكنتُ
أتسلّى به، فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا: إنه سَرَقَ، وإنَّك حبستَه لذلك، وإنَّا أهل
بيت لا نسرق ولا نلد سارقاً، فإن رددتَه عليَّ، وإلا دعوتُ عليك دعوةٌ تدرك السابعَ
من ولدك، والسلام. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق نحوه(١).
فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب لم يتمالك وعيل صبرُه، فقال لهم ذلك.
ورُوي أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجوابَ: اصبر كما صبروا، تظفر
كما ظفروا.
هذا، وما أشرنا إليه من كون المراد إثباتَ الجهل لهم حقيقةً هو الظاهر،
وقيل: لم يُرد نفْيَ العلم عنهم؛ لأنهم كانوا علماء، ولكنهم لمَّا لم يفعلوا ما يقتضيه
العلم، وتركُ مقتضى العلم من صنيع الجهَّال، سمَّاهم جاهلين.
وقيل: المرادُ: جاهلون بما يؤول إليه الأمر.
وعن ابن عباس والحسن: ((جاهلون)): صبيان قبلَ أن تبلغوا أوانَ الحُلم
والرزانة. وتعقِّب بأنه ليس بالوجه؛ لأنه لا يطابق الوجودَ، وينافي: ((ونحن
عصبة))، فالظاهرُ عدم صحة الإسناد.
وزعم في ((التحرير)) أنَّ قولَ الجمهور: إنَّ الاستفهام للتقرير والتوبيخ، ومرادُه
عليه السلام تعظيمُ الواقعة، أي: ما أعظمَ ما ارتكبتم في يوسف وأخيه، كما يقال:
هل تدري مَن عصيتَ؟.
وقيل: ((هل)) بمعنى ((قد)) كما في: ﴿هَلْ أَتَ عَلَى الْإِنسَنِ مِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]
والمقصود هو التوبيخ أيضاً.
وكلا القولين لا يعوَّل عليه، والصحيحُ ما تقدَّم.
ومن الغريب الذي لا يصحُّ ألبتة ما حكاه الثعلبيُّ أنه عليه السلام حين قالوا له
ما قالوا غضب عليهم فأمر بقتلهم، فبكوا وجزعوا، فرقَّ لهم وقال: (هَلّ
عَلِمْتُم) إلخ.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٨٥.

سُدُلُوسُفَا
٤٧٨
الآية : ٩٠
﴿قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفٌُ﴾ استفهامُ تقريرٍ، ولذلك أكَّد بـ ((إنَّ) واللام؛ لأنَّ
التأكيدَ يقتضي التحقَّقَ المنافي للاستفهام الحقيقيِّ، ولعلهم قالوه استغراباً وتعجُّباً.
وقرأ ابن كثير وقتادة وابن محيصن: ((إنَّكَ)) بغير همزة استفهام(١)، قال في
((البحر)): والظاهر أنها مرادة، ويَبْعُدُ حَمْلُه على الخبر المحض، وقد قاله بعضهم
لتعارُضِ الاستفهام والخبر إن انَّحد القائلون، وهو الظاهر، فإن قدِّر أنَّ بعضاً
استفهم وبعضاً أَخبَر، ونُسب كلٌّ إلى المجموع أمكن، وهو مع ذلك بعيدٌ(٢).
و((أنت)) في القراءتين مبتدأ، و((يوسف)) خبرُه، والجملة في موضع الرفع خبرُ
(إنَّ)، ولا يجوز أن يكون ((أنت)) تأكيداً للضمير الذي هو اسم ((إنَّ)؛ لحيلولة
اللام.
وقرأ أُبيِّ: ((أثنَّكَ أو أنتَ يوسف)). وخرَّج ذلك ابن جني في كتاب ((المحتسب))
على حذف خبر ((إنَّ))، وقدَّره: أئنك لغير يوسف أو أنت يوسف(٣). وكذا
الزمخشريُّ إلا أنه قدَّره: أئنَّكَ يوسف، أو أنت يوسف. ثم قال: وهذا كلامُ
متعجِّب مستغربٍ لِمَا يسمع فهو يكرِّر الاستثبات (٤).
قال في ((الكشف)): وما قدَّره أولى؛ لقلَّة الإضمار وقوَّة الدلالة على
المحذوف، وإن كان الأولُ أجرى على قانون الاستفهام. ولعلَّ الأنسب أن يقدَّر:
أثنَّكَ أنت أو أنت يوسف، تجهيلاً لنفسه أن يكون مخاطَبُه يوسف، أي: أننك
المعروفُ عزيزُ مصر أو أنت يوسف، استبعدوا أن يكون العزيزُ يوسفَ، أو يوسفُ
عزيزاً، وفيه قلَّة الإضمار أيضاً مع تغايُر المعطوفِ والمعطوف عليه، وقوَّة الدلالة
على المحذوفٍ، والجري على قانون الاستفهام مع زيادة الفائدة من إيهام البعد بين
الحالتين .
(١) التيسير ص ١٣٠، والنشر ٣٧٢/١، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، والكلام من البحر
المحيط ٣٤٢/٥.
(٢) البحر ٣٤٢/٥.
(٣) المحتسب ٣٤٩/١.
(٤) الكشاف ٣٤١/٢. وجاء في الأصل: الاشتياق. وفي (م): الاستيثاق. والمثبت من
المصدر.

الآية : ٩٠
٤٧٩
سُؤَةُ بُوسُفَ
فإن قيل: ذاك أوفق للمشهور لقوَّة الدلالة على أنه هو.
يجاب بأنه يكفي في الدلالة على الأوجُهِ كلِّها أنَّ الاستفهامَ غيرُ جارٍ على
الحقيقة، على أنَّ عدمَ التنافي بين كونه مخاطبَهم المعروفَ وکونِه يوسفَ شدیدُ
الدلالة أيضاً مع زيادة إفادةِ ذكرٍ موجبٍ استبعادِهم. وهو كلامٌ يلوح عليه مخايلٌ
التحقيق.
واختلفوا في تعيينٍ سببٍ معرفتهم إياه عليه السلام فقيل: عرفوه بروائه(١)
وشمائله، وكان قد أدناهم إليه ولم يُدنِهم من قَبْلُ. وقيل: كان يكلِّمهم من وراء
حجابٍ، فلمَّا أراد التعرُّفَ إليهم رفعه فعرفوه.
وقيل: تبسَّم فعرفوه بثناياه، وكانت كاللؤلؤ المنظوم، وكان يُضيء ما حواليه
من نورٍ تبسُّمه.
وقيل: إنَّه عليه السلام رفع التاجَ عن رأسه فنظروا إلى علامةٍ بقرنه كان ليعقوب
وإسحاق وسارة مثلُها تُشبه الشامةَ البيضاء، فعرفوه بذلك.
وينضمُّ إلى كلِّ ذلك علمُهم أنَّ ما خاطبهم به لا يصدُر مثلُه إلا عن حنيفٍ
مسلمٍ من سِنخ(٢) إبراهيم، لا عن بعض أعزَّاء مصر.
وزعم بعضهم أنهم إنما قالوا ذلك على التوهُم، ولم يعرفوه حتى أخبر عن
نفسه: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ والمعوَّل عليه ما تقدَّم، وهذا جوابٌ عن مساءلتهم، وزاد
عليه قوله: ﴿وَهَذَا أَنِىِ﴾ أي: من أبويَّ، مبالغةً في تعريف نفسه، قال بعضُ
المدقِّقين: إنَّهم سألوه متعجّبين عن كونه يوسف محقِّقين لذلك، مخيِّلين لشدَّة
التعُجُّب أنه ليس إياه، فأجابهم بما يحقِّق ذلك مؤكّداً، ولهذا لم يقل عليه السلام:
بلى، أو: أنا هو، فأعاد صريحَ الاسم، و((هذا أخي)) بمنزلة: أنا يوسف، لا شبهة
فيه، على أنَّ فيه ما يبنيه عليه من قوله: ﴿قَدْ مَبَ اللَّهُ عَلَيْنَاً﴾.
وجوَّز الطيبيُّ أن يكون ذلك جارياً على أسلوب الحكيم، كأنهم لمَّا سألوه
متعجّبين: أنت يوسف؟ أجاب: لا تسألوا عن ذلك، فإنَّه ظاهرٌ، ولكن اسألوا:
(١) أي: برؤية منظره. حاشية الشهاب ٢٠٤/٥.
(٢) السُّنْخ: الأصل، جمعه: سنوخ. اللسان (سنخ).

سُؤَدَلّ ◌ُوسُفَ
٤٨٠
الآية : ٩٠
ما فعل الله تعالى بك من الامتنان والإعزاز وكذلك بأخي. وليس من ذاك في شيء
كما لا يخفى.
وفي ((إرشاد العقل السليم)): إن في زيادة الجواب مبالغةً وتفخيماً لشأن الأخ
وتكملةً لمَا أفاده قولُه: ((هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه)) حسبما يفيده ((قد
مَنَّ)) إلخ، فكأنه قال: هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلال، فأنا يوسف وهذا
أخي، قد منَّ الله تعالى علينا بالخلاص عمَّا ابتُلينا به، والاجتماع بعد الفرقة، والعزَّة
بعد الذلَّة، والأنس بعد الوحشة. ولا يبعُد أن يكونَ فيه إشارةٌ إلى الجواب عن طلبهم
لردِّ بنيامين بأنه أخي لا أخوكم، فلا وجه لطلبكم(١). انتهى، وفيه ما فيه.
وجملة ((قد مَنَّ) إلخ عند أبي البقاء مستأنفةٌ(٢). وقيل: حالٌ من ((يوسف))
و((أخي)). وتعقِّب بأنَّ فيه بُعْداً؛ لعدم العامل في الحال حينئذٍ، ولا يصحُّ أن يكون
(هذا))، لأنه إشارة إلى واحدٍ، و((علينا)) راجعٌ إليهما جميعاً.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الشأن ﴿مَن يَتَّقِ﴾ أي: يفعل التقوى في جميع أحواله، أو: يَقِ
نفسَه عما يُوجِب سخطَ الله تعالى وعذابَه، ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على البلايا والمحَنِ، أو
على مشقَّة الطاعات، أو عن المعاصي التي تستلذَّها النفس ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ
أَجْرَ الْمُحْيِنِينَ ﴾ أي: أجرهم، وإنما وُضع المظهر موضعَ المضمر؛ تنبيهاً على
أنَّ المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان، والجملة في موضع العلَّة للمَنِّ.
واختار أبو حيَّان عدمَ التخصيص في التقوى والصبر(٣). وقال مجاهد: المراد:
من يتَّقِ في ترك المعصية ويصبر في السجن. والنخعي: من يتَّقِ الزنا ويصبر على
العزوبة(٤). وقيل: مَن يَتَّقِ المعاصي ويصبر على أذى الناس.
وقال الزمخشري: المراد: مَن يَخَفِ الله تعالى ويصبر عن المعاصي وعلى
الطاعات(٥).
(١) تفسير أبي السعود ٣٠٤/٤.
(٢) الإملاء ٣٥٨/٣.
(٣) البحر ٣٤٢/٥.
(٤) قول مجاهد في تفسير الطبري ٣٢٨/١٣-٣٢٩، وقول النخعي في النكت والعيون ٧٤/٣.
(٥) الكشاف ٢/ ٣٤٢.