النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ٦٥
٤٠١١
سُؤَلُ ◌ُوسُفَ
وقيل: معنى ((ما نبغي)): أيَّ مطلبٍ نطلبُ من مهماتنا، والجُمَلُ الواقعة بعده
توضیحٌ وبیانٌ لِمَا يُشْعِرُ به الإنکارُ من کونھم فائزین ببعض المطالب أو متمگِّنین من
تحصيله، فكأنَّهم قالوا: هذه بضاعتُنا حاضرةٌ، فنستظهر بها ونميرُ أهلنا ونحفظ
أخانا من المكروه، ونزدادُ بسببه غيرَ ما نكتالُهُ لأنفسنا كيلَ بعيرٍ، فأيَّ شيءٍ نبغي
وراءَ هذه المباغي. وما ذكرنا من العطف على المقدَّر هو المشهور.
وفي ((الكشف)): لك أن تقول: إنَّ (نمير)) وما تلاه معطوفٌ على مجموع
((ما نبغي)) والمعنى اجتماعُ هذين القولين منهم في الوجود، ولا يحتاجُ إلى جامعٍ
وراءَ ذلك لكونهما محكيَّيْن قولاً لهم على أنَّه حاصلٌ لا شتراك الكلِّ في كونهُ
لاستنزال يعقوب عليه السلام عن رأيه، وأنَّ الملك إذا كان محسناً كان الحفظُ
أهونَ شيء، والاستفهامُ لرجوعه إلى النفي لا يمنعُ العطفَ. ووافقه في ذلك
بعضُھم.
وقرأ ابن مسعود وأبو حيوة: ((ما تبغي)) بتاء الخطاب. وروت عائشةُ ضِّنا ذلك
عن النبي ◌َلٍ(١). والخطاب ليعقوب عليه السلام، والمعنى: أيَّ شيءٍ [تبغي](٢) وراءَ
هذه المباغي المشتملة على سلامةِ أخينا وسعةٍ ذات أيدينا، أو وراء ما فعل معنا
الملكُ من الإحسان داعياً إلى التوجُّه إليه، والجملة المستأنفة موضِّحة أيضاً لذلك.
أو أيَّ شيء تبغي شاهداً على صِدْقنا فيما وصفنا لك من إحسانه، والجملةُ
المذكورة عبارةٌ عن الشاهد المدلول عليه بفحوى الإشكار.
ويحتمل أن تكون ((ما)) نافيةً، ومفعولُ ((نبغي)) محذوفٌ، أي: ما نبغي شيئاً غير
ما رأيناه من إحسان الملك في وجوب المراجعة إليه، أو: ما نبغي غيرَ هذه
المباغي. والقولُ بأنَّ المعنى: ما نبغي منك بضاعةً أخرى نشتري بها، ضعيف.
والجملة المستأنفة على كلِّ تقدير تعليلٌ للنفي.
وأمَّا إذا فسِّر البغيُ بمجاوزة الحدِّ، فـ (ما)) نافية فقط، والمعنى: ما نبغي في
القول ولا نكذبُ فيما وصفنا لك من إحسان الملك إلينا وكرمِه الموجِب لِمَا ذُكر،
(١) القراءات الشاذة ص ٦٤، والبحر ٣٢٤/٥.
(٢) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٩١/٤، والكلام منه.

سُوَةٌ تُوسُفَ
٤٠٢
الآية : ٦٦
والجملةُ المستأنفة لبيانِ ما ادَّعوا من عدم البغي، وقوله: ((ونمير)) إلخ عطفٌ على
(ما نبغي))، أي: لا نبغي فيما نقولُ ونميرُ ونفعلُ كيت وكيت، فاجتمع أسبابُ
الإذن في الإرسال، والأوَّل كالتمهيد والمقدِّمة للبواقي، والتناسب من هذا الوجه
لأنَّ الكلَّ متشاركة في أنَّ المطلوب يتوقّف عليها بوجهٍ ما، على أنه لو لم يكن غير
الاجتماع في المقولية لكفى على ما مرَّ آنفاً عن ((الكشف)).
وجوِّز(١) كونُه كلاماً مبتدأ، أي: جملةً تذييليَّةً اعتراضيَّةً، كقولك: فلانٌ ينطقُ
بالحقِّ، والحقُّ أبلجُ. كأنه قيل: وينبغي أنْ نميرَ، ووجه التأكيد الذي يقتضيه
التذييلُ أنَّ المعنى: إنَّ الملك محسنٌ ونحن محتاجون، ففيمَ التوقُّف في الإرسال
وقد تأكّد موجباه؟ وقال العلامة الطَّيبي: إنَّما صحَّ التأكيدُ والتذييلُ لأنَّ الكلام في
الامتيار وكلٌّ من الجمل بمعناه.
أو المعنى: ما نبغي في الرأي وما نعدلُ عن الصَّواب فيما نُشير به عليك من
إرسال أخينا معنا ، والجمل كلُّها للبيان أيضاً، إلا أنَّ ثَمَّ محذوفاً ينساقُ إليه الكلامُ،
أي: بضاعتُنا حاضرةٌ نستظهر بها ونميرُ أهلنا ونصنعُ كيت وذيت. وهو - على
ما قيل - وجهٌ واضحٌ حَسَنٌ يلائمُ ما كانوا فيه مع أبيهم، فتأمل.
هذا وقرأت عائشةُ وأبو عبد الرحمن السُّلمي: ((ونُمير)) بضمِّ النون(٢)، وقد
جاء: مار عيالَه وأمارَهم بمعنىّ كما في ((القاموس))(٣).
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ، مَعَكُمْ﴾ بعد أن عاينتُ منكم ما أَجْرَى المدامع ﴿حَّى تُؤْثُونٍ
مَّوْثِقًاً مِّنَ اللَّهِ﴾ أي: حتى تُعطوني ما أَتوثَّق به من جهته تعالى، فالمَوْثِقُ مصدرٌ
ميميٌّ بمعنى المفعول، وأراد عليه السلام أن يحلفوا له بالله تعالى. وإنَّما جعل
الحلف به سبحانه موثقاً منه لأنَّه مما تؤكّد العهودُ به وتشدَّد، وقد أَذِنَ الله تعالى
بذلك، فهو إذن منه تعالى شأنه.
(١) في هامش الأصل و(م): فيه ردٌّ على صاحب الفرائد حيث غفل عن ذلك، فقَال رادّاً على
هذا التجويز: إن الواو لا تصلح في الابتداء. والتزم العطف.
(٢) المحرر الوجيز ٣/ ٢٦٠، والبحر ٣٢٤/٥، والدر المصون ٦/ ٥٢٠.
(٣) مادة (مير).

الآية : ٦٦
٤٠٣
سُوَةٌ تُوسُفَ
﴿لَتَأْنُثَنِى بِهِ﴾ جوابُ قسم مضمرٍ؛ إذ المعنى: حتى تحلفوا بالله وتقولوا: واللهِ
لنأتینَّك به.
وفي ((مجمع البيان)) نقلاً عن ابن عباس أنَّه عليه السلام طلب منهم أن يحلفوا
بمحمَّد ◌َِّ خاتم النبيِّين وسيِّد المرسلين(١). والظاهرُ عدمُ صحَّة الخبر.
وذكر العماديُّ أنه عليه السلام قال لهم: قولوا: بالله ربِّ محمَّد ◌َلِ لنأتينَّك به.
﴿إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تُغلبوا فلا تطيقوا ذلك، أو: إلا أن تهلكوا
جميعاً، وكلاهما مرويٌّ عن مجاهد، وأصلُه من إحاطة العدوِّ، واستعمالُه في
الهلاك لأنَّ مَن أحاط به العدوُّ فقد هلك غالباً.
والاستثناء قيل: مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، والتقدير: لتأتُثَّني به على كلِّ حال
إلا حالَ الإحاطةِ بكم. ورُدَّ بأنَّ المصدر من ((أنْ)) والفعلِ لا يقع موقعَ الحال
كالمصدر الصريح، فيجوز: جئتكَ ركضاً، أي: راكضاً، دون: جئتكَ أن أركض،
وإنْ كان في تأويله؛ لِمَا أنَّ الحالَ عندهم نكرةٌ، و((أنْ)) مع ما في حيِّزها معرفةٌ في
رتبة الضمير.
وأجيب بأنَّه ليس المرادُ بالحال الحالَ المصطلَحَ عليها بل الحالَ اللغوية،
ويؤول ذلك إلى نصب المصدر المؤوَّل على الظرفية، وفيه نظر.
وفي ((البحر)) أنه لو قدِّر كونُ ((أن)) والفعلِ في موقع المصدر الواقع ظرفَ
زمان، أي: لتأتَّني به في كلِّ وقتٍ إلا إحاطةً بكم، أي: إلا وقتَ إحاطةٍ بكم،
ولم يجز عند ابن الأنباريِّ؛ لأنَّه يَمنع وقوعَ المصدر المؤوَّل ظرفاً، ويشترط
المصدرَ الصريحَ، فيجوز: خرجنا صياحَ الدِّيك، دون: خرجنا أنْ يصيح الدِّيك،
أو: ما يصيحُ الديك، وجاز عند ابن جنِّ المجوِّز لذاك كما في قول أبي ذؤيب
الهذلي :
وتالله ما إنْ شهلةٌ أُمُّ واحدٍ
بأوجدَ مني أن يُهان صغيرُها(٢)
(١) مجمع البيان ١٣/ ٨٧.
(٢) البحر ٣٢٥/٥، والبيت لساعدة بن جؤية وليس لأبي ذؤيب كما ذكر أبو حيان، وهو في
دیوان الهذليين ٢١٤/٢.

سُبَلُ لُوسُفَ
٤٠٤
الآية : ٦٦
وقيل: من أعمِّ العِلل على تأويل الكلام بالنفي الذي ينساق إليه، أي: لتأتُّني
ولا تمتنعُنَّ من الإتيان به إلا للإحاطة بكم، كقولهم: أقسمتُ عليك إلا فعلت(١)،
أي: ما أطلب إلا فِعْلَكَ.
والظاهرُ اعتبارُ التأويل على الوجه الأول أيضاً، فإنَّ الاستثناء فيه مفرٌَّ
كما علمت، وهو لا يكون في الإثبات إلا إذا صحَّ وظهر إرادةُ العموم فيه، نحو:
قرأت إلا يومَ الجمعة، لإمكان القراءة في كلِّ يومٍ غيرِ الجمعة، وهنا غيرُ صحيح؛
لأنَّه لا يمكن لإخوة يوسف عليه السلام أنْ يأتوا بأخيهم في كلِّ وقت وعلى كلِّ
حالٍ سوى وقتِ الإحاطة بهم؛ لظهورِ أنَّهم لا يأتون به له وهو في الطريق أو في
مصر، اللهم إلا أن يقال: إنَّه من ذلك القبيل، وإنَّ العموم والاستغراقَ فيه عرفيٍّ،
أي: في كلِّ حال يُتُصوَّر الإتيان به(٢) فيها .
وتعقّب المولى أبو السُّعود(٣) تجويزَ الأول بلا تأويل بقوله: وأنت تدري أنه
حيث لم يكن الإتيانُ [به] من الأفعال الممتدَّة الشاملة للأحوال على سبيل المعيَّة
كما في قولك: لألزمنَّك إلا أن تقضيني حقّي، ولم يكن مرادُه عليه السلام مقارنته
على سبيل البدل لِمَا عدا الحال المستثناة كما إذا قلت: صلِّ إلا أن تكون مُحدِثاً،
بل مجرَّد تحقُّقِه ووقوعِه من غيرِ إخلال به، كما في قولك: لأحجَّن العامَ إلا أنْ
أُحصر، فإنَّ مرادك إنَّما هو الإخبارِ بعدم منع ما سوى حالِ الإحصار عن الحجِّ،
لا الإخبارُ بمقارنتِه لتلك الأحوال على سبيل البدل كما هو مرادُكَ في مثال
الصَّلاة = كان اعتبارُ الأحوال معه من حيثُ عدمُ منعها منه، فآلَ المعنى إلى التَّأويل
المذكور. اهـ.
وبَحَثَ فيه واحدٌ من الفُضَلاءِ بثلاثةِ أُوجوٍ :
الأوَّل: أنه لو كان المرادُ من قوله: («لتأتنني به)) الإخبارَ بمجرَّد تحقّق الإتيان
ووقوعِه من غير إخلالٍ بِهِ لم يحتجْ إلى التأويل المذكور - أعني التأويلَ
بالتَّفي - كما لا يخفى على المتأمِّل، فكلامُه يفيد خلافَ مراده.
(١) بعدها في الأصل: كذا.
(٢) قوله: به، ليس في (م).
(٣) في تفسيره ٢٩١/٤، وما سيأتي بين حاصرتين منه.

الآية : ٦٧
٤٠٠٥
سُوَلا تُوسُفَ
الثاني: أنَّا سلَّمنا أن ليس مرادُ القائل من قوله: لأحجَّنَّ .. إلخ الإخبارَ بمقارنة
الحجِّ لِمَا عدا حال الإحصار على سبيل البدل، لكن لا نسلِّم أن ليس مرادُه منه
إلا الإخبارَ بعدم منع ما سوى حالِ الإحصار عنه، غايتُهُ أنَّ بينهما ملازمةً، وذاك
لا يستلزم الاحتياجَ إلى التأويل بالنَّفي.
الثالث: أنَّه إن أراد من قوله: كان اعتبار الأحوال .. إلخ، أنَّ الإتيان به لم
يكن معه اعتبارُ الأحوال كما هو الظاهر، فممنوع، وإن أراد أنَّ اعتبار الأحوال معه
يستلزم حيثيَّة عدم منعها منه قمسلَّم، لكن لا يلزم منه الاحتياجُ إلى التأويل المذكور
أيضاً، وليس المدَّعَى إلا ذاك. اهـ، وهو كما ترى فتبصّر.
ثم إنَّهم أجابوه عليه السلام إلى ما أراد ﴿فَلَمَآ ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عَهْدَهم من الله
تعالى حسبما أراد عليه السلام ﴿قَالَ﴾ عَرْضاً لثقته بالله تعالى، وحثّاً لهم على
مراعاة حَلِفهم به عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ في أثناء طلب الموثِق وإيتائه من
الجانبين. وإيثارُ صيغة الاستقبال لاستحضارٍ الصُّورة المؤدّي إلى تثبُّتِهم ومحافظتهم
على تذكُّره ومراقبته ﴿وَكِلٌ ﴾﴾ أي: مطّلعٌ رقيبٌ، فإنَّ الموكلَ بالأمر يراقبه
ويحفظُه، قيل: والمراد أنه سبحانه مُجازٍ على ذلك.
﴿وَقَالَ﴾ ناصحاً لهم لمَّا عزم على إرسالهم جميعاً: ﴿يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ﴾ مصرَ
﴿مِنْ بَابٍ وَحِدٍ﴾ نهاهم عليه السلام عن ذلك حَذَراً من إصابة العين، فإنهم كانوا
ذوي جمالٍ وشارةٍ حسنة، وقد اشتهروا بين أهلِ مصرَ بالزُّلفى والكرامةِ التي لم
تكنْ لغيرهم عند الملك، فكانوا مظنَّةً لأنْ يُعانوا إذا دخلوا كوكبةً واحدة، وحيث
كانوا مجهولين مغمورين بين الناس لم يوصِهم بالتفرُّق في المرّة الأولى.
وجوِّز أن يكون خوفُه عليه السلام عليهم من العين في هذه الكرَّة بسبب أنَّ
فيهم محبوبَه وهو بنيامين الذي يتسلَّى به عن شقيقِه يوسفَ عليه السلام، ولم
يكن فيهم في المرّة الأولى، فأهمل أمرَهم ولم يحتفلْ بهم لسوءٍ صنيعهم في
یوسف.
والقولُ أنَّه عليه السلام نهاهم عن ذلك [خشيةً](١) أن يُستراب بهم لتقدُّم قول:
(١) ما بين حاصرتين من البحر ٣٢٥/٥، وعنه نقل المصنف هذا القولَ والقولَ الذي بعده.

سُبَل ◌ُوسُفَ
٤٠٦
الآية : ٦٧
أنتم جواسيس. ليس بشيء أصلاً، ومثله ما قيل: إنَّ ذلك كان طمعاً أن يتسمَّعوا
خبرَ يوسف عليه السلام.
و((العينُ حقٌّ، كما صحَّ عن رسول الله وَلَّ(١)، وصحَّ أيضاً بزيادة: ((ولو كان
شيءٌ سابق القدر سَبَقَتْه العينُ، وإذا استُغْسِلتُم فاغسلوا))(٢).
وقد وَرَدَ أيضاً: ((إنَّ العين لتُدخِلُ الرجلَ القَبَرَ والجملَ القِدْرَ))(٣).
وقد كان ◌َّ* يعوِّذ الحسنين ﴿ّ بقوله: ((أعوذ بكلماتِ الله تعالى التامَّة من كلِّ
شيطانٍ وهامَّة ومن كلِّ عينٍ لامَّة)) وكان يقول: ((كان أبوكما يعوِّذ بها إسماعيلَ
وإسحاق عليهم السلام)) (٤).
ولبعضهم في هذا المقام كلامٌ مفصّل مبسوطٌ لا بأس باطلاعك عليه، وهو أنَّ
تأثيرَ شيءٍ في آخَرَ إمَّا نفسانيٍّ أو جسماني، وكلٌّ منهما إمّا في نفسانيٍّ أو جسمانيٍّ،
فالأنواعُ أربعةٌ يندرج تحتَها ضروب الوحي والمعجزات والكرامات والإلهامات
والمنامات وأنواع السحر والأعين والنّيْرَنْجات(٥) ونحو ذلك.
أما النوعُ الأوَّل - أعني تأثيرَ النفساني في مثله - فكتأثير المبادي العالية في
النفوس الإنسانية بإفاضة العلوم والمعارف، ويندرج في ذلك صنفان:
أحدهما: ما يتعلَّق بالعلم الحقيقيِّ، بأن يُلقى إلى النفس (٦) المستعدَّة لذلك
(١) صحيح البخاري (٥٧٤٠)، وصحيح مسلم (٢١٨٧)، وأخرجه أحمد (٨٢٤٥)، وهو من
حديث أبي هريرة قـ
به .
(٢) أخرجه مسلم (٢١٨٨) من حديث ابن عباس ﴿يا. ووقع في (م): فاغتسلوا. قوله: ((ولو
كان شيء ... )) أي: لو فُرِض أن شيئاً له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين، لكنها لا تسبق.
وقوله: ((وإذا استغسلتم ... )) أي: إذا أُمر العائن بالاغتسال عنه طلب المعيون منه ذلك.
فتح الباري ٢٠٤/١٠. وسيأتي قريباً الكلام في كيفية الاغتسال.
(٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٩٠، والقضاعي في الشهاب (١٠٥٧)، والخطيب في تاريخ
بغداد ٩/ ٢٤٤ من حديث جابر .
جًا. الهامة: كل ذات
(٤) أخرجه أحمد (٢١١٢)، والبخاري (٣٣٧١) من حديث ابن عباس ـ
سمّ يقتل. النهاية (همم). واللامَّة: العين التي تصيب الإنسان. اللسان (لمم).
(٥) النَّيْرَنج: أَخْذٌ كالسحر ليست بحقيقيَّةٍ، وإنما هي تشبيه وتلبيس. معجم متن اللغة (نرج).
(٦) في الأصل: النفوس.

الآية : ٦٧
٤٠٧
سُوَّلُ بُوسُفَ
كمالُ العلم من غير واسطةٍ تعليم وتعلّم، حتى تحيطّ بمعرفة حقائق الأشياء على
ما هي عليه بحسب الطاقة البشريّة، كما ألقي إلى نبيِّنا وَّرِ علومُ الأوَّلين
والآخرين مع أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يتلو من قبلُ كتاباً ولا يخُه
بیمینه .
وثانيهما: ما يتعلَّق بالتخيُّل القويِّ، بأنْ يُلقى إلى مَن يكون مستعداً له ما يقوى
به على تخيُّلات الأمور الماضية، والاطلاع على المغيَّيات المستقبلة، والمناماتُ
والإلهاماتُ داخلةٌ أيضاً تحت هذا النوع.
وقد يدخل تحتَه نوعٌ من السحر وهو تأثيرُ النفوس البشريةِ القويةِ فيها قوَّتا
التخيُّلِ والوهمِ في نفوسٍ بشريّة أخرى ضعيفةٍ فيها هاتان القوَّتان، كنفوس البُلْه
والصبيان والعوامِّ الذين لم تَقْوَ قوَّتُهم العقليةُ فتتخيَّل ما ليس بموجودٍ في الخارج
موجوداً فيه، وما هو موجودٌ فيه على ضدِّ الحال الذي هو عليها، وقد يستعان في
هذا القسم من السِّحر بأفعالٍ وحركات يعرض منها للحسِّ حيرةٌ وللخيال دهشةٌ،
ومن ذلك الاستهتارُ في الكلام والتخليط فيه.
وأما النوع الثاني - أعني تأثيرَ النفساني في الجسماني - فكتأثير النفوس الإنسانية
في الأبدان، من تغذيتها وإنمائها، وقيامها وقعودِها، إلى غير ذلك.
ومن هذا القبيل صنفٌ من المعجزات، وهو ما يتعلَّق بالقوّة المحرِّكة للنفس بأنْ
تبلغَ قوَّتُها إلى حيث تتمكّن من التصرُّف في العالم تمكُّنَها من التصرُّف في بدنِها،
كتدمير قومٍ بريحِ عاصفةٍ أو صاعقة أو زلزلةٍ أو طوفان، وربَّما يُستعان فيه بالتضرُّع
والابتهال إلى المبادي العالية، كأن يستسقي للناس فيُسقون، أو يدعو عليهم
فیھلکون، ولھم فینجُون.
ويندرجُ في هذا صنفٌ من السِّحر أيضاً، كما في بعض النفوس الخبيثة التي
تَقْوَى فيها القوَّةُ الوهمية بسببٍ من الأسباب کالرياضة والمجاهدة مثلاً، فيسلِّطها
صاحبُها على التأثير فيمَن أرادَه بتوجُّهِ تامّ وعزيمة صادقةٍ، إلى أن يحصلَ المطلوبُ
الذي هو تأثّره بنحوِ مَرَضٍ وذبولِ جسمٍ، ويصل ذلك إلى الهلاك.
وأما النوع الثالث - وهو تأثير الجسماني في الجسماني - فكتأثير الأدوية

سُورَةُ نُوسُفَنَ
٤٠٨
الآية : ٦٧
والسُّموم في الأبدان، ويدخلُ فيه أنواع النِّيرَنْجات والطَّلَّسْمات(١)؛ فإنّها بتاثير
بعضِ المركَّبات الطبيعيّة في بعضٍ بسببٍ خواصَّ فيها، كجذبِ المغناطيس للحديد،
واختطافِ الكهرباء التبنَ. وقد يُستعان في ذلك بتحصين المناسبات بالأجرام العلويَّة
المؤثّرة في عالم الكون والفَساد، كما يُشاهد في صورٍ أشكالٍ موضوعةٍ في أوقاتٍ
مخصوصةٍ على أوضاعِ معلومةٍ في مقابلةِ بعض الجهاتِ ومُسامتةٍ بعض الكواكب،
يُستدفعُ بها كثيرٌ من أذية الحيوانات.
وأما النوعُ الرابع - وهو تأثيرُ الجسمانيِّ في النفساني - فكتأثير الصُّور
المستحسنة أو المستقبَحَة في النفوس الإنسانية، من استمالتِها إليها وتنفيرِها عنها،
وعُدَّ من ذلك تأثير أصنافِ الأغاني والرقص والملاهي في بعض النفوس، وتأثيرُ
البيان فيمَن له ذوقٌ كما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ من البيان
لسحراً))(٢).
إذا تمهّد هذا فاعلم أنَّهم اختلفوا في إصابة العين، فأبو عليٍّ الجبَّائِيُّ (٣) أنكرها
إنكاراً بليغاً، ولم يذكر لذلك شبهةً فضلاً عن حجَّة، وأثبتها غيرُه من أهل السُّنة
والمعتزلةِ وغيرهم، إلا أنَّهم اختلفوا في كيفيَّة ذلك:
فقال الجاحظ: إنَّه يمتدُّ من العين أجزاءٌ، فتصلُ بالشخص المستَحْسَنِ، فتؤثِّر
فيه تأثيرَ السُّمِّ في الأبدان. فالتأثيرُ عنده من تأثير الجسماني في الجسماني.
وضعَّف ذلك القاضي(٤) بأنَّه لو كان الأمرُ كما قال، لوجب أن تؤثِّر العينُ في
الشخص الذي لا يُسْتَحْسَنُ کتأثیرِها فیما یستحسن.
وتعقّبه الإمامُ بأنه تضعيفٌ ضعيفٌ، وذلك لأنَّه إذا استحسن العائنُ شيئاً فإمّا أن
يحبَّ بقاءَه كما إذا استحسن ولدَه مثلاً، وإمَّا أن يكرهَ ذلك؛ كما إذا أحسَّ بذلك
المستحسَنِ عند عدوِّه الحاسدِ هو له، فإنْ كان الأوَّلَ فإنه يحصل عند ذلك
(١) هي نقوش تنقش على أجساد خاصة في ساعات مناسبة بكيفيات ملائمة لحوائج معلومة،
واحدها: ◌ِلَّسْم. معجم متن اللغة (طلسم).
(٢) أخرجه أحمد (٤٦٥١)، والبخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر ◌ًا، وسلف ٣٤٩/٢.
(٣) كما في تفسير الرازي ١٨/ ١٧٣، وعنه نقل المصنف هذا القول وما بعده من أقوال.
(٤) هو القاضي عبد الجبار المعتزلي.

الآية : ٦٧
٤٠٩
سُوَلاَ يُوسُفَ
الاستحسانِ خوفٌ شديدٌ من زواله، وهو يوجبُ انحصارَ الروح في داخل القلب،
فحينئذٍ يسخنُ القلبُ والروح جدّاً، ويحصلُ في الروح الباصرة كيفيَّةٌ قويَّةٌ مسخّنةٌ،
وإن كان الثاني فإنه يحصل عند ذلك الاستحسان همٍّ شديدٌ وحزنٌ عظيم بسببٍ
حصول ذلك المستحسَن لعدوّه، وذلك أيضاً يوجب انحصارَ الروح وحصولَ الكيفية
القويَّة المسخّنة، وفي الصورتين يسخنُ شعاعُ العين فيؤثِّر، ولا كذلك في عدم
الاستحسان، فبان الفرق، ولذلك السبب أمر رسولُ اللهِ وَّ﴿ العائنَ بالوضوء، ومن
أُصيب بالاغتسالِ(١). اهـ.
وما أشار إليه من أنَّ العائن قد يُصيب ولدَه مثلاً ممَّا شهدت له التجربة، لکن
أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) عن أبي هريرة - وقال الهيثمي: رجاله رجالُ
الصحيح - أنه وَ ل﴿ قال: ((العينُ حقٌّ، يَحْضُرها الشيطانُ وحَسَدُ ابن آدم))(٢) وظاهرُه
يقتضي خلاف ذلك.
وأمّا ما ذكره من الأمر بالوضوء والاغتسال، فقد جاء في بعض الروايات،
وكيفيةُ ذلك: أن يغسل العائنُ وجهه ويديه ومِرْفَقَيْه وركبتيه وأطرافَ رجليه وداخلَ
إزارِه(٣)، أي: ما يلي جسده من الإزار، وقيل: وَرْكَيْهِ، وقيل: مذاكيره، ويصبُّ
الغسالة على رأس المعين.
وقد مرَّ: ((إذا استُغْسِلتُم فاغسلوا)) وهو خطابٌ للعائنين، أي: إذا طلب منكم
ما اعْتِيدَ من الغسل فافعلوا، والأمرُ للندب عند بعضٍ، وقال المازري(٤) تبعاً
لجماعة: للوجوب، فيجبُ على العائن أن يغسل ثمَّ يعطي الغسالةً للمَعين؛ لأنه
الذي يقتضيه ظاهرُ الأمر، ولأنَّه قد جرِّب ذلك وعلم البرء به، ففيه تخليصٌ من
(١) تفسير الرازي ١٧٣/١٨، وسيأتي تخريج الحديث قريباً.
(٢) مسند أحمد (٩٦٦٨)، ومن طريق أحمد أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٤٥٩)
و(٣٤٦٦)، ورواية المسند: ((ويحضر بها)). وكلام الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٠٧.
والحديث من طريق مكحول عن أبي هريرة له، ومكحول لم يسمع من أبي هريرة.
(٣) أخرجه مالك في الموطأ ٩٣٩/٢، وأحمد (١٥٩٨٠)، والنسائي في الكبرى (٧٥٧٢) من
ه ..
حديث سهل بن حنيف
(٤) في الأصل و(م): الماوردي، والمثبت هو الصواب، وقد نقله عن المازري ابن حجر في
الفتح ٢٠٤/١٠، والسيوطي في الديباج على صحيح مسلم ٢٠٥/٥، والمناوي في فيض
القدير ٣٩٧/٤، والشهاب في الحاشية ١٩٢/٥، وهو في كتابه المُعْلِم بفوائد مسلم ٣/ ٩٢.

سُورَلالُوسُفَ
٤١٠
الآية : ٦٧
الهلاك كإطعام المضطر، وذكر أنَّ ذلك أمرٌ تعبُّدي، وهو مخالفٌ لما أشار إليه
الإمام من كونِ الحكمة فيه تبريدُ تلك السخونة، وهو مأخوذٌ من كلام ابنِ القيِّم
حيث قال في تعليل ذلك: لأنَّه كما يؤخذ ترياقُ لسمِّ الحيّة من لحمها يُؤخذ علاجُ
هذا الأمر من أثرِ الشخصِ العائن، وأثرُ تلك العين كشُعلةٍ نار أصابت الجسدَ، ففي
الاغتسال إطفاءٌ لتلك الشعلة(١). وهو على علَّاته(٢) أَوْفَى من كلام الإمام.
ويَرِدُ على ما قرَّره في الانتصار للجاحظ أنَّه لا يسدُّ عنه بابَ الاعتراض على
ما ذكره في كيفية إصابة العين، إذ يَرِدُ عليه ما ثبت من أنَّ بعض العائنين قد يُصيب
ما يُوصَفُ له ويمثَّل، ولو كان بينه وبينه فراسخُ، والتزامُ امتداد تلك الأجزاء إلى
حيثُ المصاب ممَّا لا يكاد يُقبل، كما لا يخفى على ذي عين.
وقال الحكماءُ - واختاره بعضُ المحقّقين من أهل السنة -: إنَّ ذلك من تأثير
النفساني بالجسماني، وبنَوه على أنه ليس من شرطِ المؤثِّر أن يكون تأثیرُه بحسب
هذه الكيفيات المحسوسة - أعني الحرارةَ والبرودة والرطوبة واليبوسة - بل قد يكون
التأثيرُ نفسيّاً محضاً، كما يدل عليه أنَّ اللوح الذي يكون قليلَ عرضٍ إذا كان
موضوعاً على الأرض يقدر كلُّ إنسان على المشي عليه، ولو كان موضوعاً بين
جدارين مرتفعين لم يقدر كلُّ أحد على المشي عليه، وما ذاك إلا لأنَّ الخوف من
السقوط منه يوجبُ السُّقوط.
وأيضاً إنَّ الإنسان إذا تصور أنَّ فلاناً مؤذياً له حصل في قلبه غضبٌ وتسخن
مزاجُه، فمبدأ ذلك ليس إلا التصوُّر النفساني، بل مبدأ الحركات البدنية مطلقاً ليس
إلا التصوُّرات النفسانية، ومتى ثبت أنَّ تصوُّر النفس يوجب تغيُّر بدنه الخاصِّ، لم
يبعد أيضاً أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدَّى تأثيراتُها إلى سائر الأبدان.
وأيضاً جواهرُ النفوس مختلفة، فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث تؤثّر
في تغيُّر بدنِ حيوانٍ آخرَ بشرطِ أن تراه، أو ترى مثالَه - على ما نقل - وتتعجّب منه.
(١) بنحوه في زاد المعاد ١٧١/٤، وينظر فيض القدير ٢٩٧/٤.
(٢) جاء في هامش الأصل و(م): فيه إشارة إلى أن فيه ما فيه أيضاً، فقد ذكر ابن القيم نفسه أن
ذلك لا ينتفع به من أنكره. ولا يخفى أنه لو كان الأمر كما ذكر لم يكن فرقٌ بين المنكِر
والمعتقِد في الانتفاع، فتأمل. اهـ منه. وكلام ابن القيم في زاد المعاد ١٧١/٤ .

الآية : ٦٧
٤١١
سُورَةٌ تُوسُفَ
ومتى ثبت أنَّ ذلك غيرُ ممتنع وكانت التجارب شاهدةً بوقوعه، وَجَب القولُ به
من غير تلعثُم، ولأنَّ وقوع ذلك أكثريٌّ عند إعمال العين والنظرِ بها إلى الشيء
نُسب التأثير إلى العين، وإلا فالمؤثِّر إنما هو النفس، ونسبة التأثير إليها كنسبة
الإحراق إلى النار، والريِّ إلى الماء، ونحوِ ذلك.
والفاعل للآثار في الحقيقة هو الله عزَّ سلطانُه بالإجماع، لكن جرتْ عادتُه
تعالى على خلقها بالأسباب - من غير توقُّفٍ عقليّ عليها كما يظنُّ جهلة
الفلاسفة - على ما نقل عن السلف، أو عند الأسباب من غير مدخليَّةٍ لها بوجهٍ من
الوجوه، على ما شاع عن الأشعريِّ.
فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((العين حقٌّ)) أنَّ إصابة النفس بواسطتها أمرٌ
كائن مقضيٍّ به في الوضع الإلهي لا شبهةً في تحقُّقه، وهو كسائر الآثار المشاهدةِ
لنحو النار والماء والأدوية مثلاً. وأنت تعلم أنَّ مدار كلِّ شيء المشيئةُ الإلهية،
فما شاء الله تعالی کان وما لم يشأ لم یکن.
وحكمةُ خَلْقِ اللهِ تعالى التأثيرَ في مسألة العين أمرٌ مجهولٌ لنا، وزعم أبو هاشم
وأبو القاسم البلخيُّ(١) أنَّ ذلك ممَّا يرجع إلى مصلحة التَّكليف، قالا: لا يمتنع أن
تكون العينُ حقاً، على معنى: أنَّ صاحبَ العين إذا شاهد الشيءَ وأُعجب به
استحساناً كان المصلحةُ له في تكليفه أن يغيِّر الله تعالى ذلك الشيء، حتى لا يبقى
قلبُ ذلك المكلَّف متعلِّقاً به. ثم لا يبعُدُ أيضاً أنه لو ذَكَر ربَّه عند تلك الحالة
وعدل عن الإعجاب وسأل ربَّه سبحانه بقاءَ ذلك، تتغيَّر المصلحة فيبقيه الله تعالى
ولا يُقنيه. وهو كما ترى.
ثمّ إن ما أشار إليه من نَفْع ذكر الله تعالى والالتجاء إليه سبحانه حقٌّ، فقد
صرَّحوا بأن الأدعية والرُّقى من جملة الأسباب لدفع أذى العين، بل إنَّ من ذلك
ما يكون سبباً لردِّ سهم العائن إليه؛ فقد أخرج ابنُ عساكر أنَّ سعيداً النَّاجي(٢) قيل
(١) كما في تفسير الرازي ١٧٣/١٨ .
(٢) في الأصل و(م): أن سعيد الساحي، وفي الحلية: الساجي، وهو خطأ. والنِّباجي هو:
سعيد بن بُريد الصوفي، أبو عبد الله، له كلام شريف ومواعظ، وله ترجمة طويلة في الحلية
٣١٠/٩ وفيه: ابن يزيد، وهو تصحيف كذلك، وينظر سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٨٦.

سُورَة ◌ُوسُفَ
٤١٢
الآية : ٦٧
له: احفظ ناقتَك من فلانٍ العائن. فقال: لا سبيلَ له إليها. فعانها فسقطت
تضطربُ، فأخبر النِّباجي(١) فوقف عليها فقال: حَبْس حابِس، وشهاب قابس،
رَدَدْتُ عينَ العائن عليه، وعلى أحبِّ الناس إليه، وعلى كبدهِ وكليتيه رشيق وفي ماله
يليق ﴿فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ الآية [الملك: ٣] فخرجت حدقتا العائنِ وسَلِمَتِ
الناقة(٢).
ويدلُّ على نفع الرقية من العين مشروعيَّتُها كما تدلُّ عليه الآثار، وقد جاء في
بعضها أنه وَ ﴿ قال: ((لا رقيةً إلا من عينٍ أو حُمَةٍ))(٣) والمراد منه أنه لا رقيةً أولى
وأنفعُ من رقيةِ العين والحمة، وإلا فقد رَقَّى نَّهُ بعضَ أصحابه من غيرهما(٤).
وينبغي لمن علم من نفسه أنه ذو عينٍ أن لا ينظر إلى شيءٍ نظرَ إعجاب، وأن
يذكر الله تعالى عند رؤية ما يستحسن(٥)، فقد ذكر غيرُ واحد من المجرِّبين أنه إذا
فعل ذلك لا يؤثِّر، ونقل الأجهوري أنه يندب أنه يعوِّذ المَعِينَ فيقول: اللهم بارك
فيه ولا تضرَّه، ما شاء الله لا قوَّة إلا بالله.
وفي ((تحفة المحتاج)) أنَّ من أدويتها - أي: العين - المجرَّبة التي أمر النبيُّ ◌َّل
بها أن يتوضَّأ العائنُ .. إلى آخر ما ذكرناه آنفاً، وأن يدعو للمعين، وأن يقول
المعينُ: ما شاء الله لا قوَّة إلا بالله، حصَّنتُ نفسي بالحيِّ القيوم الذي لا يموت
(١) تحرف في الأصل و(م) إلى: الساحي.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢١/٢١، والحلية ٣١٦/٩-٣١٧، ونقله المصنف بواسطة المناوي في
فيض القدير ٣٩٧/٤، وجاء في تاريخ ابن عساكر والحلية: في كليتيه رشيق، بدل: وعلى
کبده و کلیتیه رشیق.
(٣) أخرجه أحمد (١٩٩٠٨)، وأبو داود (٣٨٨٤)، والترمذي (٢٠٥٧) من حديث عمران بن
حصين به مرفوعاً. وأخرجه البخاري (٥٧٠٥) عن عمران ◌ُه موقوفاً، ومسلم (٢٢٠)
عن بريدة ◌ُه موقوفاً أيضاً. وإسناد المرفوع صحيح، والحُمَّة: اسم العقرب كما قال
ثعلب، وقال ابن سيده: هي الإبرة التي تضرب بها العقرب والزنبور. وقال الخطابي: هي
كل هامة ذات سمٍّ من حية أو عقرب. الفتح ١٥٦/١٠.
(٤) من ذلك ما أخرجه مسلم (٢١٩٤) من حديث عائشة پا.
(٥) وقد ورد ذلك في حديث سهل بن حنيف الذي سلف تخريجه ص٤٠٩ من هذا الجزء، وهو
حديث صحيح، وفيه أن رسول الله وفر قال للعائن: ((ألا برَّكت))، والتبريك أن يقول:
تبارك الله أحسن الخالقين، اللهم بارك فيه، كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢٤١/٦ .

الآية : ٦٧
٤١٣
سُؤَّ ◌ُوسُفَا
أبداً، ودفعتُ عنها السوءَ بألفٍ لا حول ولا قوة إلا بالله. ويُسنُّ عند القاضي(١)
لمن رأى نفسه سليمةً وأحواله معتدلةً أن يقول ذلك.
وفي ((شرح مسلم))(٢) عن العلماء: أنَّه على السلطان منعُ مَن عُرف بذلك من
مخالطةِ الناس، ويرزقُه من بيت المال إن كان فقيراً؛ فإنَّ ضررَه أشدُّ من ضرر
المجذوم الذي منعه عمر
من مخالطةِ الناس.
ورأيتُ لبعض أصحابنا أيضاً القولَ بنَذْبٍ ذلك، وأنه لا كفارةً على عائن،
قيل: لأنَّ العين لا تعدُّ مهلكاً عادةً، على أنَّ التأثير يقع عندها لا بها حتَّى بالنظر
للظاهر، وهذا بخلافِ الساحر فإنهم صرَّحوا بأنه يُقتل إذا أَقرَّ أن سحرَه يَقْتُل غالباً.
ونُقل عن المالكيَّة أنه لا فرق بين الساحر والعائن، فيُقتلان إذا قَتَلا.
ثَّ إنَّ العين على ما نُقل عن الرازي لا تؤثِّر ممَّن له نفسٌ شريفة؛ لِمَا في ذلك
من الاستعظام للشيء. وفيما أخرجه الإمام أحمدُ في ((مسنده)) ما يؤيِّد المدَّعَى(٣).
واعتُرض بما رواه القاضي(٤) أنَّ نبيّاً استكثر قومَه، فمات منهم في ليلةٍ مئةٌ
ألف، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فقال له سبحانه وتعالى: إنك استكثرتهم فعِنْتَهم،
هلَّا حصَّنتهم إذا استكثرتهم، فقال: يا ربّ، كيف أحصِّنُهم؟ قال: تقول: حصَّنتكم
بالحيِّ القيوم. إلى آخر ما تقدَّم.
وقد يُجاب بأنَّ ما ذكر الرازي هو الأغلب، بل يتعيّن تأويل هذا - إنْ صحَّ - بأنَّ
ذلك النبيَّ عليه السلام لمَّا غفل عن الذِّكر عند الاستكثار، عُوقب فيهم ليَسْأَلَ
فيعلم، فهو كالإصابة بالعين، لا أنَّه عانَ حقيقةً هذا، والله تعالى أعلم.
ثم إنه عليه السلام لم يكتفِ بالنهي عن الدخول من بابٍ واحدٍ، بل ضمَّ إليه
قولَه: ﴿وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ﴾ بياناً للمراد به، وذلك؛ لأنَّ عدم الدخول من بابٍ
(١) هو حسين بن محمد بن أحمد، أبو عليّ القاضي المَرْوَرُّوذي، صاحب التعليقة المشهورة،
من كبار أئمة الشافعية، وكان فقيه خراسان، توفي سنة (٤٦٢هـ). طبقات الشافعية ٣٥٦/٣.
(٢) للنووي ١٧٣/٣ .
(٣) لعله قوله عليه الصلاة والسلام: ((العين حق يحضرها الشيطان وحسد ابن آدم)) وقد سلف
ص٤٠٩ من هذا الجزء.
(٤) هو القاضي حسين، وقد سلفت ترجمته قريباً.

سُرَةُ بُوسُفَ
٤١٤
الآية : ٦٧
واحدٍ غيرُ مستلزم للدخول من أبوابٍ متفرقة، وفي دخولهم من بابين أو ثلاثةٍ بعضُ
ما في الدُّخول من بابٍ واحدٍ من نوعٍ اجتماع مصححٍ لوقوعِ المحذور، وإنما لم
يكتفِ بهذا الأمر مع كونه مستلزماً للنّهي السابق؛ إظهاراً لكمال العناية به، وإيذاناً
بأنه المرادُ بالأمر المذكور لا تحقيق شيء آخر.
﴿وَمَآ أُغْنِى عَنَكُمْ﴾ أي: لا أنفعُكم ولا أدفع عنكم بتدبيري ﴿مِّنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾
أي: من قضائه تعالى عليكم شيئاً، فإنه لا يغني حذرٌ من قَدَر، ولم يُرِذ بهذا عليه
السلام - كما قيل - إلغاءَ الحذر بالمرَّة، كيف وقد قال سبحانه: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾
[النساء: ٧١]، وقال عزَّ قائلاً: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّلْكَةُ﴾ [البقرة: ١٩٥]، بل أراد
بيانَ أنَّ ما وصَّاهم به ليس ممَّا يستوجب المراد لا محالة، بل هو تدبيرٌ وتشبُّكُ
بالأسباب العادية التي لا تؤثِّر إلا بإذنه تعالى، وأنَّ ذلك ليس بمدافعةٍ للقدر، بل
هو استعانةٌ بالله تعالى، وهربٌ منه إليه.
﴿إِنِ اَلْحُكْمُ﴾ أي: ما الحكمُ مطلقاً ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ لا يشاركه أحدٌ ولا يمانعه شيء
﴿عَلَيْهِ﴾ سبحانه دونَ غيره ﴿تَوَكَّتٌ﴾ في كلِّ ما آتَي به وأَذَر، وفيه دلالةٌ على أنَّ
ترتيب الأسباب غيرُ مخلِّ بالتوُّل، وفي الخبر: ((اعقِلْها وتوكّل))(١).
﴿وَعَلَيْهِ﴾ عزَّ سلطانُه دونَ غيره ﴿فَلْيَتَوََّّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ أي: المريدون
للتوّل. قيل: جَمَعَ بين الواو والفاء في عطف الجملة على الجملة مع تقديم الصِّلة
للاختصاص؛ ليفيد بالواو عطفَ فِعْلٍ غيرِه من تخصيصٍ التوكُّل بالله تعالَى شأنه
على فِعْلِ نفسه، وبالفاء سبيَّةَ فِعْلِه لكونه نبيّاً لفِعْلٍ غيرِه من المقتدين به.
وهي على ما صرَّح به بعضُهم زائدةٌ، حيث قال: ولا بدَّ من القول بزيادةِ الفاء
وإفادتِها السببيَّةَ، ويلتزم أنَّ الزائد قد يدلُّ على معنَى غيرِ التوكيد، وذكر أنَّه لو
اكتُفيَ بالفاء وحدَها، وقيل: فعليه فليتوكل .. إلخ، أفاد تسبُّبَ الاختصاص لا أصلَ
التوگُّل وهو المقصود، وكلُّ ذلك لا يخلو عن بحث.
واختار بعضُهم أنه جيء بالفاء إفادةً للتأكيد فقط، كما هو الأمرُ الشائع في
الحروف الزائدة، فتدبّر.
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) عن أنس، وابن حبان (٧٣١) عن عمرو بن أمية ؤها، وسلف ٩٨/٥.

الآية : ٦٨
٤١٥
سُورَةُ بُوسُفَ
وأيّاً ما كان فيدخل بنوه عليه السلام في عموم الأمر دخولاً أوليًّا، وفي
الأسلوب ما لا يخفى من حُسن هدايتهم وإرشادهم إلى التوكُّل - فيما هم
بصدده - على الله تعالى شأنه، غيرَ معتمدين على ما وصَّاهم به من التدبير.
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُهُم﴾ من الأبواب المتفرِّقة من البلد، قيل:
كانت له أربعةُ أبواب فدخلوا منها، وإنَّما اكتفى بذكرِه؛ لاستلزامه الانتهاءَ عمَّا
نُهوا عنه، وحاصلُه: لمَّا دخلوا متفرِّقين ﴿مَّا كَانَ﴾ ذلك الدخول ﴿يُغْنِى
عَنْهُم مِّنَ اَللَّهِ﴾ من جهته سبحانه ﴿مِن شَىْءٍ﴾ أي: شيئاً ممَّا قضاه عليهم جلَّ
شأنه.
والجملة قيل: جوابُ ((لمَّا))، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقُّق
المقارنةِ الواجبة بين جواب ((لمَّا)) ومدخولها، فإنَّ عدم الإغناء بالفعل إنما يتحقَّق
عند نزول المحذور لا وقتَ الدخول، وإنما المتحقِّق حينئذٍ ما أفاده الجمعُ المذكور
من عدم كون الدخول مغنياً فيما سيأتي.
وليس المراد بيانَ سببيَّةِ الدُّخول المذكورِ لعدم الإغناء كما في قوله تعالى:
﴿فَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] فإنَّ مجيء النذير هناك سببٌ لزيادة
نفورهم، بل بيان عدم سببيَّته للإغناء مع كونها متوقَّعةً في بادىء الرَّأي، حيث إنه
وقع حسبما وصَّاهم به عليه السلام، وهو نظير قولك: حلف أن يعطيني حقِّي عند
حلول الأجل، فلمَّا حلَّ لم يعطِني شيئاً، فإنَّ المراد بيانُ عدم سببيَّة حلول الأجل
للإعطاء مع كونها مرجوَّةً بموجب الحلف، لا بيانُ سببيَّته لعدم الإعطاء، فالمآل
بيانُ عدم ترثُّب الغرض المقصود على التَّدبير المعهود مع كونه مرجوَّ الوجود،
لا بیانُ ترتّب عدمه عليه.
ويجوز أن يُراد ذلك أيضاً بناءً على ما ذكره عليه السلام في تضاعيف وصيّته من
أنه لا يغني عنهم تدبيرُه من الله تعالى شيئاً، فكأنه قيل: ولمَّا فعلوا ما وصَّاهم به لم
يُفذْهم ذلك شيئاً، ووقع الأمرُ حسبما قال عليه السلام، فلقُوا ما لقُوا، فيكون من
بابٍ وقوعِ المتوقّع(١). اهـ.
(١) تفسير أبي السعود ٤/ ٢٩٣.

سُولُلُوسُفَ
٤١٦
الآية : ٦٨
وإلى كون الجواب ما ذُكر ذهب أبو حيَّان وقال: إنَّ فيه حجَّةً لمن زعم أنَّ
(مَّا)) حرفُ وجوبٍ لوجوب لا ظرفُ زمانٍ بمعنى حين، إذ لو كان كذلك ما جاز
أن يكون معمولاً لِمَا بعدَ ((ما)» النافية(١). ولعل مَن يذهبُ إلى ظرفيَّتها يجوِّز
ذلك بناءً على أنَّ الظرف يُتُوسَّع فيه ما لا يُتُوسَّع في غيره.
وقال أبو البقاء: في جواب ((لمَّا)) وجهان:
أحدهما: أنه ((آوى))، وهو جواب ((لمَّا)) الأولى والثانية، كقولك: لمَّا جئتكَ
وكلَّمتك أجبتني، وحَسَّن ذلك أنَّ دخولَهم على يوسف عليه السلام تعقَّب دخولَهم
من الأبواب.
والثاني: أنَّه محذوف، أي: امتثلُوا أو قضَوا حاجةَ أبيهم(٢).
وإلى الوجه الأخير ذهب ابنُ عطية أيضاً (٣)، ولا يخفى أنَّه عليه وعلى ما قبلَه
ترتفع غائلةُ توجيه أمر الترتّب.
وما أشار إليه صاحبُ القيل في ثاني وجهيه هو الذي يقتضيه ظاهرُ كلام کثیرٍ
من المفسِّرين، حيث ذكروا أنَّ هذا منه تعالى تصديقٌ لِمَا أشار إليه يعقوبُ عليه
السلام في قوله: ولا أغني عنكم من الله شيئاً (٤).
واعتُرض القول بعدم ترتُّب الغرض على التدبير، بأنَّ الغرضَ ليس إلا دفعُ
إصابة العين لهم، وقد تحقَّق بدخولهم متفرِّقين، وهو واردٌ أيضاً على ما ذُكر في
الوجه الأخير كما لا يخفى.
وأُجيب بأنَّ المراد بدفع العين أنْ لا يمسَّهم سوءٌ ما، وإنَّما خُصَّت إصابةُ العين
لظهورها .
وقيل: إنَّ ما أصابهم من العين أيضاً، فلم يترتَّب الغرضُ على التدبير، بل
تخلَّف ما أراده عليه السلام عن تدبيره. وتُعقِّب بأنَّه تكلُّف.
(١) البحر ٣٢٥/٥.
(٢) الإملاء ٣٤٢/٣-٣٤٦.
(٣) المحرر الوجيز ٢٦٢/٣.
(٤) كذا ذكر، والذي في الآية: ﴿وَمَّآ أُغْنِى عَنكُمْ مِنَ اللّهِ مِن شَىْءٍ﴾.

الآية : ٦٨
٤١٧
سُؤَلاُ لُوسُف
واستُظْهِرَ أنَّ المراد أنه عليه السلام خشي عليهم شرَّ العين فأصابهم شرٌّ آخرُ لم
يخطر بباله، فلم يُقدْ دفعُ ما خافه شيئاً، وحينئذٍ يُدَّعَى أنَّ دخولهم من حيث أمرهم
أبوهم كان مفيداً لهم من حيثُ إنه دَفَعَ العينَ عنهم، إلا أنَّه لمَّا أصابهم ما أصابهم
من إضافة السرقة إليهم، وافتضاحهم بذلك مع أخيهم بوجدان الصُّواع في رَحْلِهِ،
وتضاعُفِ المصيبة على أبيهم، لم يعد ذلك فائدةً، فكأنَّ دخولهم لم يُقدهم شيئاً.
واعتُرض أيضاً ما ذكر في توجيه الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل بأنَّ
المشهور أنَّ الغرض منه إفادةُ الاستمرار كما مرَّت الإشارةُ إليه غير مرَّة، وظاهرٌ
ذلك لا يدلُّ عليه، قيل: وإذا كان الغرضُ هنا ذاك احتمل الكلامُ وجهين: نفيَ
استمرار الإغناء، واستمرارَ نفيه. وفيه تأمُّلٌ، فتأمَّلْ جدّاً.
هذا وما أشرنا إليه من زيادة ((مِن)) في المنصوب هو أحدُ وجهين ذكرهما الرازيُّ
في الآية، ثانيهما جوازُ كونها زائدةً في المرفوع(١). وحينئذٍ ليس في الكلام ضميرُ
الدُّخول كما لا يخفى. قيل: ولو اعتُبر على هذا الوجه كونُ مرفوع ((كان)) ضميرَ
الشأن، لم يَبْعُدْ، أي: ما كان الشأنُ يغني عنهم من الله تعالى شيءٌ.
﴿إِلَّا حَاجَةٌ﴾ استثناءٌ منقطع، أي: ولكنْ حاجة ﴿فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَنهَا﴾ أي:
أظهرها ووصَّاهم بها؛ دفعاً للخاطرة (٢)، غير معتقدٍ أنَّ للتدبير تأثيراً في تغيير
التقدير.
والمرادُ بالحاجة: شفقتُه عليه السلام وحَرَازتُه(٣) من أن يُعانوا. وذكر الراغب
أنَّ الحاجةَ إلى الشيء الفقرُ إليه مع محبَّته، وجمعُه: حاجٌ وحاجات وحوائجُ،
وحاجَ يَحُوجِ: احتاج، ثمَّ ذكر الآية(٤). وأنكر بعضُهم مجيء الحوائج جمعاً لها،
وهو محجوجٌ بوروده في الفصيح.
وفي التصريح باسمه عليه السلام إشعارٌ بالتعظّف والشفقة والترخُّم؛ لأنَّه عليه
السلام قد اشتهر بالحُزن والرِّقَّة.
(١) والتقدير: ما كان يغني عنهم من الله شيءٌ مع قضائه. تفسير الرازي ١٨/ ١٧٦.
(٢) في (م): للخطرة، والمثبت موافق لما في تفسير أبي السعود ٢٩٣/٤، والكلام منه.
(٣) الحرازة بفتح الحاء: الاحتراز. حاشية الشهاب ١٩٣/٥.
(٤) مفردات الراغب (حاج).

سَُّاُ لُوسُفَ
٤١٨
الآية : ٦٨
وجوِّز أن يكون ضميرُ ((قضاها)) للدخول، على معنى أنَّ ذلك الدخول قضی
حاجةً في نفس يعقوب عليه السلام، وهي إرادتُه أن يكون دخولُهم من أبوابٍ متفرّقةٍ،
فالمعنى: ما كان ذلك الدُّخول يُغني عنهم من جهةِ الله تعالى شيئاً، لكن قضى حاجةٌ
حاصلةً في نفس يعقوبَ؛ لوقوعه حَسْبَ إرادته. والاستثناءُ منقطع أيضاً.
وجملة ((قضاها)) صفة ((حاجة))، وجوِّز أن يكون خبرَ ((إلا)) لأنَّها بمعنى ((لكن))
وهي يكون لها اسمٌ وخبر، فإذا أوِّلت بها فقد يقدَّر خبرُها وقد يصرَّح به كما نقله
القُطب وغيرُه عن ابن الحاجب. وفيه أنَّ عَمَلَ ((إلا)) بمعنى ((لكن)) عَمَلَها(١) ممَّا لم
يقل به أحدٌ من أهل العربية.
وجوَّز الطّيبي كونَ الاستثناء متَّصلاً على أنه من بابٍ:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم(٢)
فالمعنى: ما أَغْنَى عنهم ما وصَّاهم به أبوهم شيئاً إلَّا شفَقَته التي في نفسه،
ومن الضرورة أنَّ شفقة الأب مع قَدَر الله تعالى كالهباء، فإذنْ ما أغنى عنهم شيئاً
أصلاً.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلٍَّ﴾ جليلٍ ﴿لِمَا عَلَّمْنَهُ﴾ أي: لتعليمنا إِيَّاه بالوحي ونصبِ الأدلَّة،
حيث لم يعتقد أنَّ الحذر يدفعُ القَدَر حتى يتبيَّن الخلل في رأيه عند تخلّف الأثر، أو
حيث بثّ القول بأنه لا يغني عنهم من الله تعالى شيئاً، فكانت الحالُ كما قال.
فاللام للتعليل، و ((ما)) مصدرية، والضميرُ المنصوبُ ليعقوب عليه السلام.
وجوِّز كونُ ((ما)) موصولاً اسميّاً، والضمير لها، واللام صلة ((عِلْمٍ))، والمرادُ به
الحفظ، أي: إنه لذو حِفْظٍ ومراقبةٍ للذي علَّمناه إيَّاه.
وقيل: المعنى: إنَّه لذو علم لفوائدِ الذي علَّمناه وحُسْنٍ آثاره، وهو إشارةٌ إلى
كونه عليه السلام عاملاً بما عَلِمه.
وما أشير إليه أوَّلاً هو الأولى، ويؤيِّد التعليلَ قراءةُ الأعمش: ((مما علَّمناه)(٣).
(١) أي: عَمَلَ ((لكن)).
(٢) وعجزه: بهن فلول من قراع الكتائب، والبيت النابغة الذبياني، وسلف ٥/ ٤٠٧.
(٣) البحر ٣٢٦/٥.

الآية : ٦٨
٤١٩
سُوَلاَّ ◌ُوسُفَ
وفي تأكيد الجملة بـ ((إنَّ) واللام، وتنكيرِ ((عِلْم)) وتعليلِه بالتعليم المسنَد إلى
ضميرٍ العظمة، من الدّلالة على جلالة شأن يعقوب عليه السلام وعلوِّ مرتبة عِلْمه
وفخامتِه ما لا يخفى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ سرَّ القَدَر، ويزعمون أنَّه يُغني عنه الحَذَر.
وقيل: المراد: لا يعلمون إيجابَ الحَذَر مع أنه لا يغني شيئاً من القدر.
وتُعقِّب بأنَّه يأباه مقامُ بيانٍ تخلَّف المطلوب عن المبادي.
وقيل: المراد: لا يعلمون أن يعقوبَ عليه السلام بهذه المثابة من العلم، ويُراد
بـ ((أكثر الناس)) حينئذٍ المشركون؛ فإنَّهم لا يعلمون أنَّ الله تعالى أرشد(١) أولياءه إلى
العلوم التي تنفعهم في الدنيا والآخرة. وفيه أنَّه بمعزلٍ عمَّا نحن فيه.
وجَعْلُ المفعول سرَّ القَدَر هو الذي ذهب إليه غيرُ واحد من المحقّقين، وقد
سعى في بيان المراد منه وتحقيقِ إلغاء الحَذَر بعضُ أفاضل المتأخِّرين المتشبّئين
بأذيال الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارَهم، فقال: إنَّ لنا قضاءً وقَدَراً وسرَّ قَدَرٍ وسرَّ
سرّه، وبيانُه أنَّ الممكناتِ الموجودةَ وإن كانت حادثةً باعتبارٍ وجودها العيني،
لكنَّها قديمةٌ باعتبارٍ وجودها العِلْمي، وتسمَّى بهذا الاعتبار مهيِّئات الأشياء
والحروف العالية والأعيان الثابتة.
ثم إنَّ تلك الأعيانَ الثابتة صورٌ نسبيَّةٍ وظِلالُ شُؤوناتٍ ذاتيةٍ لحضرةِ الواجب
تعالى، فكما أنَّ الواجب تعالى والشُّؤونَ الذاتية له سبحانه مقدّسةٌ عن قبولِ التغيُّر
أزلاً وأبداً، كذلك الأعيانُ الثابتة التي هي ظلالُها وصورُها يمتنع عليها أنْ تتغيّر عن
الأحكام التي هي عليها في حدِّ نفسها .
فالقضاءُ: هو الحكمُ الكلِّيُّ على أعين الموجودات بأحوالٍ جاريةٍ وأحكام
طارئةٍ عليها من الأزل إلى الأبد.
والقَدَرُ: تفصيلُ هذا الحكم الكلِّي بتخصيصٍ إيجادِ الأعيان وإظهارِها بأوقاتٍ
وأزمانٍ يقتضي استعدادُها الوقوعَ فيها، وتعليقِ كلِّ حال من أحوالها بزمانٍ معيَّنٍ
وسببٍ مخصوص.
(١) في (م): كيف أرشد.

سُورَةُ لُوسُفَ
٤٢٠
الآية : ٦٨
وسرُّ القَدَر: هو أن يمتنع أن يظهرَ عينٌ من الأعيان إلَّا على حَسَبٍ ما يقتضيه
استعداده.
وسرُّ سرِّ القَدَر: هو أنَّ تلك الاستعداداتِ أزليةٌ غيرُ مجعولةٍ بجَعْلِ الجاعل؛
لكون تلك الأعيان ظلالَ شؤوناتٍ ذاتيةٍ مقدّسةٍ عن الجعل والانفعال.
ولا شكَّ أن الحكم الكلِّيَّ على الموجودات تابعٌ لعلمه تعالى بأعيانها الثابتة،
وعلمُه سبحانه بتلك الأعيان تابعٌ لنفس تلك الأعيان؛ إذ لا أثرَ للعلم الأزلي في
المعلوم بإثبات أمرٍ له لا يكون ثابتاً، أو بنفي أمر عنه يكون ثابتاً، بل عِلْمُه تعالى
بأمرٍ ما إنَّما يكون على وجهٍ يكون هو في حدٍّ ذاته على ذلك الوجه، وأمَّا الأعيان
فقد عرفتَ أنَّها ظلالٌ لأمورٍ أزليَّةٍ مقدَّسةٍ عن شوائب التغيُّر، فكانت أزلاً، فالله
تعالى عَلِم بها كما كانت، وقَضَى وحَكَم كما عَلِم، وقدَّر وأَوْجَدَ كما قضى
وحَكَم، فالقَدَر تابعٌ للقضاء التابعِ للعلم التابعِ للمعلوم التابعِ لِمَا هو ظلٌّ له.
فإليه سبحانه يرجع الأمرُ كلُّه، فيمتنع أن يظهرَ خلافُ ما عَلِمَ، فلذا يلغو
الحَذَر، لكن أمر به؛ رعايةً للأسباب فإنَّ تعطيلها ممَّا يفوِّت انتظامَ أمر هذه النَّشأة،
ولذا ورد أنَّ نبيّاً من الأنبياء عليهم السلام ترك تعاطي أسباب تحصيل الغذاء وقال:
لا أسعى في طلب شيء بعد أن كان الله تعالى هو المتكفِّل برزقي، ولا آكلُ
ولا أشربُ ما لم يكن سبحانه هو الذي يطعمني ويسقيني، فبقي أيَّاماً على ذلك
حتى كادت تغيظُ نفسه مما كابده، فأوحى إليه سبحانه: يا فلان، لو بقيتَ كذلك
إلى يوم القيامة ولم تتعاط سبباً ما رزقتك، أتريد أن تعطّل أسبابي؟!
وقال بعض المحقّقين: إنَّ سبب إيجاب الحَذَر أنَّ كثيراً من الأمور قُضي
معلّقاً، ونِيطَ تحصيلُه بالأفعال الاختيارية للبشر بترتيب أسبابه ودفع موانعه، فيمكن
أن يكون الحفظُ عن المكروه من جملة ما نِيط بفعلٍ اختياري وهو الحَذَر، وهو
لا یابی ما قلناه كما لا يخفى.
هذا وذكر الشيخُ الأكبر (١) قُدِّس سرُّه أنَّ القَدَر مرتبةٌ بين الذات والمَظاهر، ومَن
عَلِمَ اللهَ تعالى عَلِمَه، ومَن جَهِلَه سبحانه جَهِلَه، والله تعالى شأنُه لا يُعْلَم، فالقَدَر
(١) في الفتوحات المكية ٦٤/٢ - ٦٥.