النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ٤٠ ٣٤١ سُوَةٌ تُوسُفَ) وقيل: كانوا يُطلقون على معبوداتِهم الباطلةِ اسمَ الآلهة، ويزعمون الدَّليل على ذلك، فرُدُّوا بأنَّكم سمَّيتم مالم يدلَّ على استحقاقه هذا الاسمَ عقلٌ ولا نقلٌ، ثم أخذتُم تعبدون ذلك باعتبار ما تطلقونه عليه. وإنما لم يذكر المسمَّيات تربيةً لِمَا يقتضيه المقامُ من إسقاطها عن مرتبة الوجودِ، وإيذاناً بأنَّ تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمَّى كعبادتهم حيثُ کانت بلا معبود. ويُلحقُ بهؤلاء الذين يزعمون أنَّهم يعبدون الله تعالى وهم يتخيَّلونه سبحانه جسماً عظيماً جالساً فوقَ العرش، أو نحوَ ذلك مما ينزِّهه العقلُ والنَّقلُ عنه تعالى، تعالى اللهُ عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيراً؛ لأنَّ ما وُضع له الاسمُ الجليل في نفس الأمر ليس هو الذي تخيَّلوه، بل هو أمرٌ وراءَ ذلك، وهو المستحقُّ للعبادة، وما وضعوه هم له ليس بإله في نفس الأمر ولا مستحقٌّ للعبادة وهو الذي عبدوه، فما عبدوا في الحقيقة إلا اسماً لا مطابقَ له في الخارج، لأنَّ ما في الخارج أمرٌ وما وضعوا الاسمَ له أمرٌ آخر. ﴿إِنِ اَلْحُكْمُ﴾ أي: ما الحكم في شأن العبادة المتفرِّعة على تلك التَّسمية وفي صحتها ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ عزَّ سلطانُه؛ لأنَّه المستحقُّ لها بالذَّات؛ إذ هو الواجبُ بالذَّات الموجِدُ للكلِّ والمالكُ لأمره. ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوَا﴾ أي: بأنْ لا تعبدوا أحداً ﴿إِلَّ إِيَّهُ﴾ حسبما تقضي(١) به قضيةُ العقل أيضاً. والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ناشئٍ من الجملة السَّابقة، كأنه قيل: فماذا حكم الله سبحانه في هذا الشأن؟ فقيل: ((أمر)) إلخ. وقيل: في موضع التعليل لمحذوفٍ، كأنه قيل: حيث لم يكن الحكم في أمر العبادة إلا له، فلا تكونُ العبادةُ إلا له سبحانه، أو لمن يأمرُ بعبادته، وهو لا يأمرُ بذلك ولا يجعلُه لغيره؛ لأنه سبحانه أمر أنْ لا تعبدوا إلا إياه. وهو خلافُ الظاهر. وجوِّز أن يكون سردُ هذه الجمل على هذا الطرْز لسدِّ الطّرق في توجيه صحَّة عبادة الأصنام عليهم أحكمَ سدٍّ؛ فإنَّهم إن قالوا: إنَّ الله تعالى قد أنزل حجَّة في (١) في (م): يقتضي. ٣٤٢ الآية : ٤١ ذلك، رُدُّوا بقوله: ((ما أنزل الله بها من سلطان)) وإن قالوا: حَكَمَ لنا بذلك كبراؤُنا، رُدُّوا بقوله: ((إن الحكمُ إلا لله)) وإن قالوا: حيث لم يُنزل حُجَّةً في ذلك، ولم يكن حُكْمٌ لغيره، بقي الأمر موقوفاً إذ عدمُ إنزالِ حَجَّةٍ تدلُّ على الصِّحة لا يستلزمُ إنزالَ حجَّة على البطلان، رُدُّوا بقوله: ((أمر أنْ لا تعبدوا إلا إيَّاه)). ﴿ذَلِكَ﴾ أي تخصيصُه تعالى بالعبادة ﴿ الَّذِينُ الْقَيِّمُ﴾ الثابتُ الذي دلَّت عليه البراهين العقليَّة والنقليَّة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أنَّ ذلك هو الدِّين القَيِّم لجهلهم تلك البراهين، أو لا يعلمون شيئاً أصلاً فيعبدون أسماءً سمَّوها من عند أنفسهم مُعرضِين عمَّا يقتضيه العقلُ ويسوقُ إليه سائقُ النَّقل، ومنشأ هذا الإعراضِ الوقوفُ عند المألوفات والتقيُّدُ بالحسِّيات، وهو مركوزٌ في أكثر الطّباع، ومن ذلك جاء التشبيهُ والتجسيم، ونسبةُ الحوادث الكونيّة إلى الشمس والقمر وسائرٍ الكواكب، ونحو ذلك. ثمَّ إنه عليه السلام بعد تحقيق الحقِّ وبيانِهِ لهما مقدارَ علمه الواسعِ شَرَعَ في إنبائهما عمَّا استنبأاه عنه، ولكونه بحثاً مغايراً لِمَا سبق فصَلَه عنه بتكريرِ الخطاب فقال: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ أراد به الشرابيَّ، وإنما لم يعيِّنْه عليه السلام ثقةً بدلالة التعبير، مع ما فيه من رعايةِ حُسْن الصُّحبة ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ﴾ أي: سيِّدَه ﴿خَمْرًا﴾. روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيتَ من الكرمة وحسنِها هو الملكُ وحسنُ حالك عنده، وأمَّا القضبانُ الثلاثة فإنها ثلاثةُ أيام تمضي في السِّجن ثم تخرجُ وتعود إلى ما كنتَ عليه. وقرئ: ((فُيُسقي)) بضمِّ الياء والبناء للفاعل من أَسْقَى؛ قال صاحب ((اللوامح)): يقال: سَقَى وأسقى بمعنّى(١). وقرئ في السبعة: ((نَسقيكم)) و: ((نُسقيكم)) بالفتح والضمِّ(٢). والمعروفُ أنَّ سقاه: ناوله ليشربَ، وأسقاه: جعلَ له سُقْيَا. ونُسب (١) البحر ٣١١/٥. (٢) قرأ بالفتح نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة ويعقوب، والباقون بالضم، وذلك في قوله تعالى ﴿نُتْقِيكُ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦]. التيسير ص١٣٨، والنشر ٣٠٤/٢. الآية : ٤١ ٣٤٣ سُوَلُّ لُوسُفَ ضمُّ الياء لعكرمة والجحدري(١). وذكر بعضُهم أنَّ عكرمةَ قرأ: ((فيُسقَى)) بالبناء للمفعول، و((رِيَّه)) بالياء المثناة والراء المكسورة، والمرادُ به: ما يُرْوَى به(٢)، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ((يُسْقَى))، والمفعولُ الأوَّل الضميرُ النائب عن الفاعل العائدُ على ((أحد)»، ونصب ((خمراً)) حينئذٍ على التمييز. ﴿وَمَّا الَْخَرُ﴾ وهو الخبَّازِ ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ روي أنه عليه السلام قال له: ما رأيتَ من السلال الثلاثِ ثلاثةُ أيام تمرُّ ثمَّ تُخْرَجُ فتُصلب. ﴿قُضِىَ﴾ أُتِمَّ وأُحْكِم ﴿الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾﴾ وهو ما يؤولُ إليه حالُكما وتدلُّ عليه رؤياكما من نجاةٍ أحدكما وهلاكِ الآخر، ومعنى استفتائهما فيه قال: ما رأى سؤالُهما عنه، أخرج جماعةٌ منهم الحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود ( صاحبا يوسفَ شيئاً، وإنَّما تحَالَما ليجرِّبًا عِلْمَه، فلمَّا أوَّل رؤياهما قالا: إنَّما كنّا نلعبُ ولم نرَ شيئاً. فقال عليه السلام: ((قضي الأمر)) إلخ، يقول: وقعت العبارة(٣). اهـ. وقيل: المرادُ بالأمر ما اتُّهما به، والكلام حينئذٍ على حذف مضافٍ، أي: عاقبةُ ذلك. وذهب بعضُ المحقّقين(٤) إلى أنَّ المراد به ما رأياه من الرُّؤيتين، ونفى أن يكون المرادُ ما يؤولُ إليه أمرهما، قال: لأنَّ الاستفتاءَ إنما يكون في الحادثة لا في حُكْمِها؛ يقال: استَفْتَى الفقيهَ في الحادثة، أي: طَلبَ منه بيانَ حُكْمِها. ولا يقال: استفتاه في حُكْمِها. وكذا الإفتاءُ، يقال: أَفْتَى في الواقعة الفلانية بكذا، ولا يقال: أَفْتَى في حُكْمِها بكذا. ومما هو عَلَمٌ في ذلك قولُه تعالى: (يَأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِ فِ رُمْيَىَ) ومعنى استفتائهما فيه طلبُهما لتأويله بقولهما: ((نبِّئْنا بتأويله)) وعبَّر عن ذلك بالأمر وعن طلبٍ تأويله بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه؛ إذ الاستفتاءُ إنما يكون في النوازل المشكلةِ الحكمِ المبهمةِ الجوابِ. وإيثارُ صيغة المضارع لمَا أنَّهما بصدد (١) البحر ٣١١/٥. وفي المحتسب عنهما أنهما قرأا: ((فُيُسْقَى ربُّه خمراً)). (٢) الكشاف ٣٢١/٢. (٣) المستدرك ٣٩٥/٤-٣٩٦. (٤) هو أبو السعود في تفسيره ٢٧٩/٤. سُورَةٌ تُوسُفَ ٣٤٤ الآية : ٤١ الاستفتاء إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطرَه، وإسنادُ القضاء إليه مع أنَّه من أحوال مآله لأنَّه في الحقيقة عينُ ذلك المآل، وقد ظهر في عالم المثالِ بتلك الصُّورة، وأما توحيده مع تعدُّد رؤياهما فواردٌ على حسب ما وحَّداه في قولهما: ((نبّنا بتأويله))، لا لأنَّ الأمر ما اتُّهِما به وسُجنا لأجله من سَمِّ الملك، فإنَّهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورته، بل فيما هو صورةٌ لماله وعاقبتِه، فتأمل. اهـ. وتُعقِّب بأنه لا مانعَ من أنْ يُراد بالأمر المآلُ كما يقتضيه ظاهرُ إسنادِ القضاء إليه، وإليه ذهب الكثيرُ، وتُجعل ((في)) للسببية مثلها في قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (إنَّ امرأةً دخلت النَّار في هرَّة)) (١)، ويكون معنى الاستفتاء فيه: الاستفتاءَ بسببه، أي: طلبَ بيانِ حكم الرؤيتَيْن لأجله، وهما إنَّما طلبا ذلك لتعرُّفِ حالِهما ومآلٍ أمرهما . وإن أبيتَ ذلك فأيُّ مانعٍ من أن يكون الاستفتاء في الأمر مع أنَّ الاستفتاء إنما يكون في الحادثة - وهي هنا الرؤيتان - لِمَا أنَّ بين الأمر وتلك الحادثة اتِّحاداً كما ادَّعاه هو، ووجَّه به إسنادَ القضاء إلى الأمر بالمعنى الذي حمله عليه مع أنه من أحوال مآله، وليس له أن يقول بصحّة اعتبار العينية في إسناد القضاء وعدم صحّة اعتبارها في تعلَّق الاستفتاء؛ إذ بعد اعتبار العينيّة بين شيئين يكون صحَّةُ نسبةَ ما هو من أحوالِ أحدهما إلى الآخر دونَ صحَّةٍ نسبة ما هو من أحوالِ ذلك الآخَر إليه ترجيحاً بلا مرجِّحٍ، ومنعُ ذلك مكابرةٌ. ويرجِّح ما ذهب إليه الكثير أنَّ فيه سلامةً من نزع الخفِّ قبل الوصول إلى الماء، كما لا يخفى على مَن تيمَّم كعبةَ الإنصاف، وبَأنَّ ما ذكره في تعليل عدم صحَّة تفسير الأمر بما اتُّهما به وسُجنا لأجله لا يخلو عن دغدغةٍ، على أنَّ ذلك كان تعريضاً بصاحب ((الكشاف))(٢)، وهو على ما قال الطَّيبي: ما عنى بالأمر (١) أخرجه البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٣) من حديث أبي هريرة ﴿ه، وسلف ١٠٥/٣. (٢) ٢/ ٣٢٢، وفيه: المراد بالأمر ما اتَّهما به من سَمِّ الملك، وما سُجنا من أجله، وظنًّا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فكأنهما كانا يستفتيانه في الأمر الذي نزل بهما: أعاقبته نجاةٌ أم هلاك؟ فقال لهما: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، أي: ما يجر إليه من العاقبة، وهو نجاة أحدهما وهلاك الآخر. الآية : ٤٢ ٣٤٥ سُؤَُّ لُوسُفَ إلا العاقبةَ، نعم صدرُ كلامه ظاهرٌ فيما ذكر والأمرُ فيه سهلٌ. ولعلَّ وجه الأمر بالتأمُّل في كلام هذا المحقِّق مجموعُ ما ذكرناه، فتأمَّل. ثمّ إنَّ هذا الإخبار كما يحتمل أن يكون للردِّ عليهما حسبما ورد في الأثر، يحتملُ أن يكون تحقيقاً لتعبيره وتأكيداً له، ولا يُشكل على الأوَّل أنه لا داعيَ لجحود الشَّرابي؛ لأنَّا نقول على تقدير كذبهما في ذلك: يحتمل أن يكونَ لمراعاة جانبٍ صاحبه الخبَّاز. وجاء في بعض الآثار أنَّ الذي جحد هو الخبَّاز، فحينئذٍ الأمرُ واضحٌ. واستُدلَّ بذلك على ما هو المشهور من أنَّ الرؤيا تقعُ كما تعبّر، ولذا قيل: المنامُ على جناحٍ طائر إذا قُصَّ وقع(١). وَقَالَ﴾ أي: يوسف عليه السلام ﴿لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ. نَاجٍ﴾ أُوثر على صيغةٍ المضارع مبالغةً في الدلالة على تحقّقِ (٢) النَّجاة حَسْبَما يفيدُه قوله: ((قُضي الأمرُ)) إلخ، وهو السِّرُّ في إيثار ما عليه النَّظْم الكريم على أنْ يقال: للذي ظنَّه ناجياً. ﴿مِنْهُمَا﴾ أي: من صاحبيه. وإنَّما ذكر بوصفِ النَّجاة تمهيداً لمناطِ النَّوصية بالذِّكر(٣) بما يدور عليه الامتيازُ بينه وبين صاحبه المذكور بوصفِ الهلاك. والظانُّ هو يوسفُ عليه السلام لا صاحبُه، وإن ذهب إليه بعضُ السَّلف؛ لأنَّ التوصيةَ لا تدور على ظنِّ الناجي، بل على ظنِّ يوسفَ عليه السلام، وهو بمعنى اليقين كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] ونظائرِه، ولعلَّ التعبير به من باب إرخاءِ العِنان والتأدُّبٍ مع الله تعالى، فالتعبيرُ على هذا بالوحي كما ينبئ عنه قولُه: ((قضي الأمر)) إلخ، وقيل: هو بمعناه، والتعبيرُ بالاجتهاد والحُكم بقضاء الأمر أيضاً اجتهاديٌّ، واستدلَّ به مَن قال: إنَّ تعبير الرؤيا ظنِّي لا قطعيّ. (١) ورد في هذا المعنى حديث صحيح كما سيرد عند تفسير الآية (٤٩) من هذه السورة. (٢) في (م): تحقيق، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ٢٨٠. (٣) في هامش الأصل و(م): ولذا لم يذكره بعنوان التقرب المفهوم من التعبير المذكور، وإن كان أدخلَ وأَدْعَى إلى تحقيق ما وصاه به. اهـ منه. وينظر تفسير أبي السعود ٤/ ٢٨٠. سُؤَلٌ ◌ُوسُفَا ٣٤٦ الآية : ٤٢ والجارُّ والمجرورُ إِمَّا في موضع الصِّفة لـ ((ناج))، أو الحالِ من الموصول، ولا يجوز أن يكون متعلِّقاً بـ ((ناج)) لأنَّه ليس المعنى عليه. ﴿أَذْكُرْنِ﴾ بما أنا عليه من الحال والصِّفة ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ سيِّدِك، رُوي أنَّه لمَّا انتهى بالناجي في اليوم الثالث إلى باب السِّجن، قال له: أوصني بحاجتك، فقال عليه السلام: حاجتي أن تذكرَني عند ربِّك وتَصِفَني بصفتي التي شاهدْتَها. ﴿فَأَنْسَنْهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: أَنْسى ذلك الناجي بوسوسته وإلقائِه في قلبه أشغالاً حتى يذهلَ عن الذِّكر، وإلا فالإنساءُ حقيقةً لله تعالى، والفاء للسبيَّة، فإنَّ توصيتَه عليه السلام المتضمِّنةَ للاستعانة بغيره سبحانه وتعالى كانت باعثةً لِمَا ذكر من إنسائه. ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: ذِكْرَ يوسفَ عليه السَّلام عند المَلِك، والإضافةُ لأدنى ملابسةٍ، ويجوز أن تكونَ من إضافة المصدر إلى المفعول بتقديرِ مضاف، أي: ذِكْرَ إخبارِ ربِّه. ﴿فَلَبِثَ﴾ أي: فمكث يوسفُ عليه السَّلام بسبب ذلك القَول أو الإنساءِ ﴿فِى اُلْسِجْنِ يِضْعَ سِنِينَ ﴾﴾ البِضعُ ما بين الثلاث إلى التِّسْع كما روي عن قتادة. وعن مجاهد أنَّه من الثلاث إلى السَّبع. وقال أبو عبيدةً: من الواحد إلى العشرة(١). ولا يُذكَر - على ما قال الفرَّاء - إلَّا مع العشراتِ دون المئة والألف. وهو مأخوذٌ من البَضْع بمعنى القَطْع. والمرادُ به هنا في أكثر الأقاويل سبعُ سنين، وهي مدَّةُ لبثِه كلها فيما صحَّحه البعضُ، وسنتان منها كانت مدَّةَ لبثه بعد ذلك القَوْل، ولا يأبى ذلك فاءُ السببية؛ لأنَّ لبثَ هذا المجموع مسبَّبُ عمَّا ذُكر. وقيل: إنَّ هذه السبعَ مَّةُ لبثه بعد ذلك القول، وقد لبث قبلَها خمساً، فجمیعُ المدَّة اثنتا عشرة سنة، ويدل عليه خبرُ: ((رحم الله تعالى أخي يوسف لو لم يقل: (١) ذكره عن أبي عبيدة أبو حيان في البحر ٥/ ٣٠٠ بلفظ: البضع لا يبلغ العقد ولا نصف العقد، وإنما هو من الواحد إلى العشرة. اهـ. كذا ذكر: إلى العشرة، وقال الأزهري في تهذيب اللغة ٤٨٨/١: قال أبو عبيدة: البضع مالم يبلغ العقد ولا نصفه. يريد ما بين الواحد إلى أربعة. ومثله في المحرر الوجيز ٢٤٧/٣، وزاد المسير ٢٢٨/٤، وتفسير القرطبي ٣٥٧/١١. الآية : ٤٢ ٣٤٧ سُؤَُّ لُوسُفَا (أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ) لمَا لبث في السِّجن سبعاً بعد خمس))(١). وتعُقِّب بأنَّ الخبرَ لم يثبت بهذا اللفظ، وإنَّما الثابتُ في عدَّة رواياتٍ: ((ما لبث في السِّجن طولَ ما لبث))(٢) وهو لا يدلُّ على المدَّعَى. وروى ابنُ أَبِي حاتم عن طاوس والضحَّاك تفسيرَ البِضْعِ ها هنا بأربعَ عَشْرةً سنةً(٣). وهو خلافُ المعروف في تفسيره، والأَوْلى أنْ لا يُجزم بمقدارٍ معيَّن كما قدّمنا. وكونُ هذا اللبث مسبَّباً عن القول هو الذي تضافرت عليه الأخبارُ، كالخبر السَّابق، والخبرِ الذي رُوي عن أنس قال: أَوْحَى الله تعالى إلى يوسفَ عليه السلام: مَن استنقذكَ من القتل حين همَّ إخوتُك أن يقتلوك؟ قال: أنت يارب. قال: فمن استنقذكَ من الجبِّ إذ ألقَوْك فيه؟ قال: أنت يارب. قال: فمن استنقذك من المرأة إذ همَّتْ بك؟ قال: أنت يارب. قال: فما بالك نسيتني وذكرت آدميًّا؟ قال: يارب، كلمةٌ تكلَّم بها لساني. قال: وعزَّتي لأُخْلِدَنَّك في السِّجن بضعَ سنين(٤). وغير ذلك من الأخبار. (١) ذكره البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٥/ ١٨٠، وأبو السعود ٤/ ٢٨٠، ولم نقف عليه مسنداً . (٢) قطعة من حديث أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (١٦٠)، والطبري ١٧٣/١٣، والطبراني في الكبير (١١٦٤٠) من طريق إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يا، عن النبي وطهر. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣٢٣/١ بإسناد آخر من طريق عكرمة عن النبي * مرسلاً. وسيأتي باقي الحديث ص٣٦٩ من هذا الجزء. وإسناد المتصل ضعيف جدًّا كما قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وإبراهيم بن يزيد (وهو الخوزي) متروك كما ذكر الحافظ في التقريب. وقد ورد نحو هذه العبارة في حديث أبي هريرة ﴿ه، أخرجه ابن حبان (٦٢٠٥) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة له عن النبي ◌َّهِ. وتعقبه ابن كثير في البداية والنهاية ٤٧٨/١ بسبب إدراج هذا الحدیث في صحيحه، وقال: إنه حديث منکر من هذا الوجه، ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها . (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٢١٥٠. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٢١٤٩/٧-٢١٥٠. ووقع في (م): لأدخلنك، بدل: لأخلدنك، وهو تصحيف . سُؤَةُ بُوسُفَ ٣٤٨ الآية : ٤٣ ولا يُشْكِلُ على هذا أنَّ الاستعانة بالعباد في كشف الشَّدائد مما لا بأس به، فقد قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] فكيف عُوتب عليه السلام في ذلك؟ لأنَّ ذلك مما يختلف باختلاف الأشخاص، واللائق بمناصب الأنبياء عليهم السَّلام تركُ ذلك والأخذُ بالعزائم. واختار أبو حيَّان أنَّ يوسف عليه السلام إنما قال للشرابي ما قال ليتوصَّل بذلك إلى هداية المَلِك وإيمانِه بالله تعالى كما توصَّل إلى إيضاح الحقِّ لصاحبيه(١)، وأنَّ ذلك ليس من باب الاستعانة بغير الله تعالى في تفريج كرْبه وخلاصِه من السِّجن. ولا يخفى أنَّ ذلك خلافُ الظاهر، وموجبٌ للطعن في غيرِ ما خبرٍ، نعم إنَّه اللائقُ بمنصبه عليه الصَّلاة والسَّلام. وجوَّز بعضُهم كونَ ضمير ((أنساه)) و((ربّه)) عائدَيْن على يوسف عليه السلام، وإنساءُ الشيطان ليس من الإغواء في شيء، بل هو تَرْكُ الأَوْلى بالنّسبة لمقام الخواصِّ الرافعين للأسباب من البَيْن. وأنت تعلم أنَّ الأوَّل هو المناسبُ؛ لمكانٍ الفاء، ولقوله تعالى الآتي: (وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ). ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ وهو الريَّان بن الوليد(٢) وكان كافراً، ففي إطلاق ذلك عليه دلالةٌ - على ما قيل - على جواز تسميةِ الكافر مَلِكاً. ومَنَعَه بعضُهم، وكذا مَنَعَ أنْ يقال له أمير؛ احتجاجاً بأنَّه ◌َلي كتب إلى هرقل: ((عظيم الروم)»(٣)، ولم يكتب: مَلِك الروم أو أميرهم، لِمَا فيه من إيهامٍ كونِه على الحقِّ، وجَعَل هذا حكايةَ اسمِ مَضَى حُكْمُهُ وتَصَرَّمَ وقتُه، ومثلُه لا يضرُّ . أي: قال لمن عنده: ﴿إِنّ أَرَى﴾ أي: رأيتُ، وإيثارُ صيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ﴿سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَاٍ﴾ ممتلئاتٍ لحماً وشحماً، من سَمِنَ كسمع سَمانةً بالفتح، وسِمَناً كعِنَباً، فهو سامن وسمين. وذُكر أنَّ سميناً وسمينةً تُجمع على سِمَان، فهو ككِرَام جمعُ کریم وكريمة؛ يقال: رجالٌ كِرام ونِسوةٌ کِرام. (١) البحر ٣١١/٥. (٢) قوله: ابن الوليد، ليس في (م). (٣) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣) عن ابن عباس الآية : ٤٣ ٣٤٩ سُبَةٌ تُوسُفَ يَأْكُلُهُنَّ﴾ أي: أَكَلَهنَّ، والعدولُ إلى المضارع لاستحضارِ الصورة تعجيباً، والجملة حالٌ من البقرات أو صفةٌ لها. ﴿َسَبْعُ عِجَافٌ﴾ أي: سبعُ بقراتٍ مهزولاتٍ جدًّا، ومن قولهم: نَصْلٌ أَعْجفُ، أي: دقيق، وهو جمعُ عَجْفاء على خلافِ القياس، والقياسُ عُجْفٌ، كحمراء وحُمْر، فإنَّ فعلاء وأَفْعَل لا يُجمع على فِعَال، لكنَّهم بنَوْه على ((سِمَان)) وهم قد يَبْنون الشيءَ على ضدِّه، كقولهم: عدوَّةٌ بالهاء لمكان صديقة. وفَعولٌ بمعنى فاعل لا تدخله الهاءُ. وأُجري ((سِمَان)» على المميَّز فجُرَّ على أنه وصفٌ له، ولم يُنصَبْ على أن يكونَ صفةً للعدد المميَّز؛ لأنَّ وصفَ تمييزه وصفٌ له معنًى، وقد ذكروا أنَّه إذا وُصف التمييزُ كان التمييزُ بالنوع، وإذا وُصف المميَّز كان التمييزُ بالجنس، ولا شكَّ أنَّ الأوَّل أَوْلى وأبلغُ لاشتمال النَّوع على الجنس، فهو أزيدُ في رفع الإبهام المقصود من التمييز، فلهذا رجِّح ما في النّظم الكريم على غيرِهِ. ولم يقل: سبعُ عجافٍ، بالإضافة وجَعْلِه صفةً للتمييز المقدَّر على قياسِ ما قبله؛ لأنَّ التمييز لبيان الجنسِ والحقيقة، الوصفُ لا يدلُّ عليه بل على شيءٍ مّا لَه حالٌ وصفة، فلذا ذكروا أنَّ التمييز يكون باسم الجنسِ الجامدِ ولا يكون بالوصف المشتقِّ في فصيح الكلام، فتقول: عندي ثلاثةٌ قرشيُّون. ولا تقول: قرشيين بالإضافة، وأمَّا قولك: ثلاثةُ فرسانٍ، وخمسةُ ركبانٍ، فَلِجَرَيان الفارسِ والراكب مجرى الأسماءِ؛ لاستعمالها في الأغلب من غيرِ موصوف. واعترض صاحب ((الفرائد)) بأنَّ الأصلَ في العدد التمييزُ بالإضافة، فإذا وُصف السَّبْعُ بالعِجاف فلا بدَّ من تقدير المضاف إليه، وكلُّ واحدٍ من الوصف وتقدیرِ المضاف إليه خلافُ الأصل، أمَّا إذا أضيف كانت الصِّفة قائمةً مقامَ الموصوف، فقولنا: سبع عِجافٍ، في قوَّة قولنا: سبع بقراتٍ عجافٍ، فالتمييزُ المطلوبُ بالإضافة حاصلٌ بالإضافة إلى الصِّفة لقيامها مَقام الموصوف، فكما يجوز: سبعُ بقراتٍ عجافٍ، يجوز: سبعُ عجافٍ، وإنما لم يضُف لأنَّه قائمٌ مقام البقراتِ وهي موصوفةٌ بعجافٍ، فكانت من قبيلٍ إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وهي غيرُ جائزة إلا بتأويل. سُودَةُ لُوسُفَ ٣٥٠ الآية : ٤٣ وتعقَّب ذلك القطبُ بأنَّه هبْ أنَّ الأصل في العدد التمييزُ بالإضافة، لكنْ لمَّا سبق ذكرُ ((سبع بقرات سمان)) تبيَّن أنَّ السبعَ العجافَ بقراتٌ، فهذا السَّبْع مميَّز بما تقدَّم، فقد حصل التمييزُ بالإضافة، فلو أضيف إلى العِجاف لكان العِجافُ قائماً مَقام البقرات في التمييز، فيكون التمييزُ بالوصف وهو خلافُ الأصل، وأمَّا أنَّ السَّبْع قائم مقامَ البقرات فإنما يكون إذا وُصف بالعِجَاف، أما إذا أُضيف بكون العِجاف قائمةً مقام البقرات، فلا يلزم إضافةُ الموصوف إلى الصِّفة. اهـ. وفيه تأمُّل. وذكر العلّامة الطّبي في هذا المقام أنَّه يمكن أن يقال: إنَّ المميز إذا وُصف ثمَّ رُفع به الإبهامُ والإجمال من العدد آذَنَ بأنَّهما مقصودان في الذِّكر، بخلافه إذا ميّز ثم وُصف، بل الوصفُ أدعى لأنَّ المميز إنما استُجلب للوصف، ومن ثَمَّ تُرك التمييز في القرائن الثلاث، والمقامُ يقتضي ذلك لأنَّ المقصود بيانُ الابتلاء بالشدّة بعد الرخاء، وبيانُ الكميَّة بالعدد والكيفيَّة بالبقرات تابعٌ، فليفهم. ويُعلم من ذلك وجهُ العُدُول إلى ما في النظم الكريم عن أنْ يقال: إنِّي أرى سبعَ بقراتٍ عجافٍ يأكلْنَ سبعاً سماناً، الأخصرُ منه. وقيل: إنَّ التعبير بذلك لأنَّه(١) أوَّل ما رأى السِّمان، فقد رُوي أنه رأى سبعَ بقراتٍ سمانٍ خرجْنَ من نهرٍ يابس، ثَّ خرج عقيبهنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ فابتلعت السِّمانَ، ولم يتبيَّن عليها منهنَّ شيءٍ. ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حَبُّها ﴿وَأُخَرَ﴾ أي: وسبعاً أُخَر ﴿يَاِسَتِّ﴾ قد أدركتْ والْتَوَتْ على الخضر، حتى غلبتْها ولم يبق من خُضرتها شيءٌ على ما روي، ولعلَّ عدم التعرُّض لذِكر العدد للاكتفاء بما ذُكر من حال البقرات. ولا يجوز عطفُ (أُخَر)) على ((سنبلات)) لأنَّ العطف على المميز يقتضي أن يكون المعطوف والمعطوفُ عليه بياناً للمعدود، سواءٌ قيل بالانسحاب أو بتكرير العامل؛ لأنَّ المعنى على القولين لا يختلف، وإنما الاختلافُ في التقدير اللفظي، وحينئذ يلزمُ التدافُع في الآية لأنَّ العطف يقتضي أن تكونَ السُّنبلات خضرُها ويابسُها سبعاً، ولفظ ((أخر)) يقتضي أن يكون غيرَ السبع، وذلك لأنَّ تباينَها في (١) في (م): بأنه. الآية : ٤٣ ٣٥١ سُاَلُ بُوسُفَ الوصف أعني الخضرةَ والييسَ منطوقٌ واشتراكهما في السنبليَّة، فيكون مقتضى لفظ (أخر)) تغايرَهما في العدد ولزم التدافعُ. وعلى هذا يصحُّ أن تقول: عندي سبعةُ رجالٍ قيامٍ وقعودٍ، بالجرِّ؛ لأنَّك ميّزت سبعةَ رجال موصوفين بالقيام والقعود على أنَّ بعضَهَم كذا وبعضَهم كذا، ولا يصحُّ: سبعةُ رجالٍ قيامٍ وآخرين قعودٍ لِمَا علمت. فالآيةُ والمثال في هذا المبحث على وزانٍ واحد كما يقتضيه كلامُ ((الكشاف))(١). ونظر في ذلك صاحب ((الفرائد)) فقال: إنَّ الصحيح أنَّ العطفَ في حكم تكرير العامل، لا الانسحاب، فلو عطفَ ((آخرين)) على ((رجالٍ قيام)) لكان ((سبعة)) مكرَّرةً في المعطوف، أي: وسبعة آخرين، أي: رجالٍ آخرين قعودّ، ويفسد المعنى لأنَّ المفروض أنَّ الرجال سبعة، وأما الآية فلو كرر فيها وقيل: وسبع أخر، أي: وسبع سنبلاتٍ أُخر، استقام لأنَّ الخُضْر سبعٌ واليابساتِ سبعٌ، نعم لو خرِّج ذلك على المرجوح وهو الانسحابُ أدَّى إلى أنَّ السَّبْعَ المذكورة مميّزة بسنبلاتٍ خُضْر وسنبلات أُخَر يابسات، وفسد، إذ المراد أنَّ كلَّ منهما سبعة لا أنها (٢) سبعة، فالمثالُ والآية ليسا على وزانٍ؛ إذ هو على تكريرِ العامل يفسد وعلى الانسحاب يصحُّ، والآية بالعكس. ثم بنى على ما زَعَمه - من أنَّ الصحيح قولُ التكرير - جوازَ العطف، وادَّعى أنَّ الأَولى أن يكون العطفُ على ((خُضر)) لا على ((يابسات)) ليدلَّ على موصوف آخر وهو ((سنبلات))، ولا يقدَّر موصوفُها بقرينة السياق. ولا يخفى أنَّ الكلام إنما هو على تقديرٍ أن يكون مميزُ السَّبْع ما علمتَ، وعلى ذلك يلزم التَّدافع، ولا يُبنى على فرض أنَّهم سبعةٌ أو أربعة عشر فيصحُّ في الآية ولا يصحُّ في المثال، فإنَّه وَهْم، ومن ذلك يظهر أنَّه لا مدخل للتّكرير والانسحاب في هذا الفَرَض. ثم إنَّ المختار قولُ الانسحاب على ما نصَّ عليه الشيخ ابنُ الحاجب وحقَّقه في (١) ٣٢٣/٢. (٢) في الأصل: أنهما. سُوَ لا تُوسُفَ ٣٥٢ الآية : ٤٣ غيرِ موضع، وأما الاستدلالُ بالآية على الانسحاب لا التقديرِ وإلا لكان لفظُ ((أخر)» تطويلاً يُصان كلامُ الله تعالى المعجِزُ عنه، فغيرُ سديدٍ على ما في ((الكشف))؛ لأنَّ القائل بالتقدير يدَّعي الظهورَ في الاستقلال، وكذلك القائل بالانسحاب يدَّعي الظهورَ في المقابل على ما نصَّ عليه أئمةُ العربية، فلا يكون التأكيد بـ (أُخر)) لإرادة النُّصوص تطويلاً، بل إطناباً يكون واقعاً في حاقٌ(١) موقعِه هذا. ﴿وَأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطابٌ للأشراف ممن يُظُّ به العلم، يُروى أنَّه جمع السّحرة والكَهَنة والمعبِّرين فقال لهم: ﴿وَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُءْيَىَ﴾ هذه، أي: عبِّروها وبيِّنْوا حكْمَها، وما تؤولُ إليه من العاقبة. وقيل: هو خطابٌ لجلسائه وأهلِ مشورته، والتعبيرُ عن التعبير بالإفتاء لتشريفِهم وتفخيمٍ أمرٍ رؤياه. ﴿إِن كُمْ لِلُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ أي: تعلمون عبارةَ جنس الرؤيا(٢) عِلْماً مستمرًّا، وهي الانتقالُ من الصورةِ المشاهَدةِ في المنام إلى ما هي صورةٌ ومثالٌ لها من الأمور الآفاقيَّة والأنفسيَّة الواقعة في الخارج، من العُبُور: وهو المجاوزة، تقول: عَبَرْتُ النهرَ إذا قطعتَه وجاوَزْتَه، ونحوه: أوَّلتها، أي: ذكرتُ ما تَؤُول إليه، وعَبَرت الرؤيا - بالتخفيف - عبارةً، أقوى وأعرفُ عند أهل اللغة من عبَّرت بالتشديد تعبيراً، حتَّى إنَّ بعضهم أنكر التشديدَ، ويَرِدُ عليه ما أنشده المبرِّد في ((الكامل)) لبعض الأعراب وهو: رأيتُ رؤيا ثمَّ عبَّرتها وكنتُ للأحلام عبَّارا(٣) والجمعُ بين الماضي والمستقبل للدلالةِ على الاستمرار كما أشيرَ إليه. واللامُ قيل: متعلِّقةٌ بمحذوفٍ، والمقصودُ بذاك البيانُ، كأنَّه لمّا قيل: (تعبرون))، قيل: لأيِّ شيءٍ؟ فقيل: للرؤيا، فهي للبيان كما في: سَقْياً له، إلَّا أنَّ تقديم البيان على المبيَّن لا يخلو عن شيء. (١) حاقُّ كل شيء: وسطه. معجم متن اللغة (حقق). (٢) جاء في حاشية (م): ذكر بعض المحققين أن الرؤيا تكون جمعاً فلا تغفل. اهـ منه. (٣) الكامل ٢/ ٥٦٣. الآية : ٤٤ ٣٥٣ سُوَلُ كُوسف وقيل - واختاره أبو حيَّان(١) .: إنَّها لتقوية الفعل المذكور؛ لأنَّه ضعُف بالتأخير، ويقال لها: لامُ التقوية، وتدخل في الفصيح على المعمول إذا تقدَّم على عامله مطلقاً، وعلى معمول غيرِ الفعل إذا تأخّر، كـ : زيدٌ ضاربٌ لعمرو. وفي كونها زائدةً أو لا خلافٌ. وقيل: إنَّه جيء بها لتضمين الفعل المتعدِّي معنَى فعلٍ قاصرٍ يتعدَّى باللام، أي: إن كنتم تَتْتَدِبون (٢) لعبارتها . وجوِّز أن يكون ((للرؤيا)) خبر كان، كما تقول: كان فلانٌ لهذا الأمر، إذا كان مستقلًّا(٣) به متمكِّناً منه، وجملةُ ((تعبرون)) خبرٌ آخرُ أو حالٌ. ولا يخفى ما في ذلك من التكلُّف، وكذا فيما قبله. وقرأ أبو جعفر بالإدغام في ((الرؤيا)) وبابِهِ بعد قَلْب الهمزة واواً، ثمَّ قلبٍ الواو ياءً لسَبْقها إيَّاها ساكنة(٤)، ونصُّوا على شذوذِ ذلك؛ لأنَّ الواو بدلٌ غيرُ لازم. ﴿قَالُواْ﴾ استئناف بيانيٌّ، كأنه قيل: فماذا قال الملأ للمَلِك إذ قال لهم ذلك؟ فقيل: ﴿قَالُواْ أَضْغَاثُ أَعْلَئِ﴾ أي: هي أضغاث ... إلخ، وهي جمع ضِغْث وهو أقلُّ من الحُزْمة وأكثرُ من القَبضة من أخلاط النبات، وقد يُطلق على ما كان من جنسٍ واحد كما في قوله: حَودٌ كأنَّ فِراشَها وُضِعتْ به أضغاثُ رَيْحانٍ غَدَاةَ شمالٍ (٥) وجُعل من ذلك ما في قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْفًا فَأَضْرِب ◌ِهِ﴾ [ص: ٤٤] فقد رُوي أنَّ أيوب عليه السلام أخذ عثكالاً (٦) من النَّخْل فضرب به. (١) في البحر ٣١٢/٥. (٢) الانتداب افتعال من ندبه للأمر: إذا دعاه فانتدب له، أي: أجاب، فهو مطاوع له. حاشية الشهاب ١٨١/٥. (٣) في (م): مستقبلاً، والمثبت من الأصل، وهو الموافق لما في الكشاف ٣٢٣/٢، والدر المصون ٥٠٤/٦، وتفسير أبي السعود ٢٨١/٤. (٤) النشر ٣٩١/١، والبحر ٣١٢/٥. (٥) البيت لتميم بن أبيّ بن مقبل، وهو في ديوانه ص ٢٦٠. قوله: خود، الخود: الفتاة الحسنة الخَلْقِ. اللسان (خود). (٦) هو في النخل بمنزلة العنقود من الكرم. اللسان (عثكل). سُؤَةٌ مُوسُفَ ٣٥٤ الآية : ٤٤ وفي ((الكشاف)) (١): أنَّ أضغاث الأحلام تخليطُها وأباطيلُها، وما يكون منها من حديثٍ نفسٍ أو وسوسةِ شيطان، وقد استُعيرت لذلك، وأصلُها ما جُمع من أخلاطِ النبات وخُزِمٍ (٢)، وإضافتُها على معنى ((من))، أي: أضغاتٌ من أحلام. وأُورد عليه أنَّ الأضغاث إذا استُعيرت للأحلام الباطلة والأحلامُ مذكورة، ولفظ ((هي)) المقدَّر عبارةٌ عن رؤيا مخصوصةٍ، فقد ذُكِر المستعار والمستعارُ له، وذلك مانع من الاستعارة على الصحيح عندهم. وقد أجاب الكثيرُ عن ذلك بما لا يخلو عن بحث، وذكر بعضُ المحقّقين(٣) في تقرير ذاك وجهين : الأوَّل: أنَّه يريد أنَّ حقيقةَ الأضغاث أخلاطُ النبات، فشُبِّه به التخاليطُ والأباطيلُ مطلقاً سواءٌ كانت أحلاماً أم غيرَها، ويشهد له قول ((الصحاح)) و (الأساس)»: ضَغَثَ الحديثَ: خَلَطَه(٤). ثمَّ أريد هنا بواسطة الإضافة أباطيلُ مخصوصةٌ، فطرفا الاستعارة أخلاطُ النبات والأباطيل الملفَّقات، فالأحلام ورؤيا المَلِك خارجان عنهما، فلا يضرُّ ذكرهما، كما إذا قلت: رأيتُ أسدَ قریشٍ، فهو قرينةٌ أو تجريد، وقوله: تخاليطُها، تفسير له بعد التخصيص، وقوله: وقد استُغيرت لذلك، إشارةٌ إلى التخاليط. الثاني: أن الأضغاثَ استُعيرت للتخاليط الواقعة في الرؤيا الواحدة، فهي أجزاؤها لا عينُها، فالمستعارُ منه حزم النبات والمستعارُ له أجزاء الرؤيا، وهذا كما إذا استعرتَ الوَرْد للخدِّ، ثم قلت: شممتُ وردَ هندٍ مثلاً، فإنه لا يقال: إنَّه ذكر فيه الطَّرفان. اهـ، ولا يخفى ما فيه من التكلَّف وارتكابٍ غير الظاهر. واستظهر بعضُهم كونَ ((أضغاث أحلام)) من قبيل: لُجين الماء، ولا يخفى أنَّه (١) ٢/ ٣٢٤. (٢) في (م): وحزمة، وليست في الأصل، والمثبت من الكشاف، ومثله في حاشية الشهاب ١٨١/٥ نقلاً عن الكشاف. (٣) هو الشهاب في الحاشية ١٨١/٥. (٤) الصحاح والأساس (ضغث). الآية : ٤٤ ٣٥٥ سالم عمَّا أُورد على الزمخشري، إلا أن صاحب ((الأساس)) قد صرَّح بأنَّ ذلك من المجاز(١)، والمتبادر منه المجاز المتعارَفُ الذي لا يُطلق على ما ذكر(٢)، ولعلَّ الأمر في ذلك سهل. والأحلام جمع حُلم بضمةٍ وبضمتين: المناماتُ الباطلةُ، على ما نصَّ عليه جمع. وقال بعضُهم: الرؤيا والحُلم عبارةٌ عمَّا يراه النائم مطلقاً، لكنْ غُلِّبت الرؤيا على ما يراه من الخيرِ والشيءِ الحَسَن، وغُلِّب الحُلُم على خلافه، وفي الحديث: ((الرؤيا من الله تعالى والحُلم من الشيطان))(٣). وقال التوربشتي(٤): الحُلم عند العرب يُستعمل استعمالَ الرُّؤيا، والتفريقُ من الاصطلاحات التي سنَّها الشارع وَلِّ للفَصْل بين الحقِّ والباطل، كأنَّه كره أن يسمَّى ما كان من الله تعالى وما كان من الشيطان باسم واحدٍ، فجعل الرؤيا عبارةً عن القِسْم الصالح لِمَا فيها من الدّلالة على مشاهدة الشيءٍ بالبصر والبصيرة، وجعل الحُلمَ عبارةً عمَّا كان من الشيطان؛ لأنَّ أصل الكلمة لم تُستعمل إلا فيما يخيَّل للحالم في منامه من قضاءِ الشهوة بما لا حقيقةً له. اهـ وهو كلامٌ حسنٌ، وممَّا يشهد له في دعوى كونِ الحُلم يُستعمل عند العرب استعمالَ الرؤيا البيتُ السَّابق الذي أنشده المبرِّد كما لا يخفى. وإنما قالوا: ((أضغاث أحلام)) بالجمع مع أنَّ الرؤيا ما كانت إلَّا واحدةً للمبالغة في وصف ذلك بالبُطلان، وهذا كما يقال: فلانٌ يركب الخَيل ويلبس عمائمَ الخزِّ، لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامةٌ فَرْدةٌ. وفي ((الفرائد)): لمَّا كانت ((أضغاث أحلام)) مستعارةٌ لِمَا ذُكر وهي تخاليطُها (١) وهو قوله: ومن المجاز: هذه أضغاث أحلام، وهي ما التبس منها، وضَغَثَ الحديثَ: خلطه. أساس البلاغة (ضغث)، وحاشية الشهاب ١٨٢/٥، والكلام منه. (٢) جاء في حاشية (م): لا يخفى أن صاحب ((الأساس)) قد يطلق المجاز على غير ما هو المتعارف. اهـ منه. والكلام من حاشية الشهاب ١٨٢/٥ . (٣) أخرجه البخاري (٥٧٤٧)، ومسلم (٢٢٦١) عن أبي قتادة ظه، وسلف ص٢٠١ من هذا الجزء. (٤) فضل الله بن حسن، شهاب الدين أبو عبد الله الفقيه الحنفي، المتوفى سنة (٦٦١هـ). هدية العارفين ٨٢١/١، وذكر كلامه الشهاب في الحاشية ١٨٢/٥-١٨٣. سُؤَاُ لُوسُفَ ٣٥٦ الآية : ٤٤ وأباطيلُها، وهي متحقِّقة في رؤيا واحدةٍ بحسب أنَّها مركّبةٌ (١) من أشياءَ كلٌّ منها حُلم فكانت أحلاماً. قال الشِّهاب(٢): وهو واهٍ وإن استحسنه العلامة الطّيبي، نعم ليس هذا من إطلاقٍ الجمع على الواحد لوجود ذلك في هذا الجنس؛ إذ الإضافة على معنى في (٣). ثُمَّ نَقَلَ عن الرضيِّ أنه قال في ((شرح الشافية)): إنَّ جمعَ القِلَّة ليس بأصلٍ في الجمع؛ لأنَّه لا يذكر إلا حيث يُراد بيانُ القِلَّة، فلا يُستعمل لمجرَّد الجمعيَّة والجنسيّة كما يُستعمل له جمعُ الكثرة، يقال: فلانٌ حسنُ الثياب، في معنى: حَسَنُ الثَّوب، ولا يَحْسُنُ: حَسَنُ الأثواب(٤). و: كم عندك من الثَّوب أو من الثياب، ولا يحسُنُ: من الأثواب(٥). اهـ. ثم قال: وقد ذكره الشريفُ في ((شرح المفتاح)) وهو مخالفٌ لما ذكروه هنا. فتأمَّلْه. ولعلَّ ما ذُكر بعد تسليمه إنَّما هو في جمع القِلَّة الذي معه جمعُ كثرة كما ذكره في المثال، لا في ذلك وجَمْعِ القِلَّة الذي ليس معه جمعُ كثرة كما هنا، فإِنَّا لم نجد في كتب اللغة جمعاً لمفردٍ هذا الجمعِ غيرَ هذا الجمع، وقد ذكر غيرُ واحد أنَّ جمع القِلَّة إذا لم يُوجَد معه جمعُ كثرة يستعملُ استعمالَ جمع الكثرة. ثمَّ لا يخفى حُسْنُ موقع الأضغاث مع السَّنَابل، فياللهِ دُرُّ شأن التنزيل ما أبدعَ ریاض بلاغتِه! ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ اْأَعْلَِ﴾ أي: المناماتِ الباطلة ﴿بِعَلِينَ ﴾﴾ لأنَّها لا تأويلَ لها وإنما التأويلُ للمنامات الصادقة، وهذا إمَّا لشيوع الأحلام في أباطيلِها، وإما لكون اللَّام للعَهْد والمعهودُ الأضغاث منها، والكلام وارد على أسلوب: (١) في (م): متركبة، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٨٢/٥، وفيه: إذا كانت مركبة، بدل: بحسب أنها مركبة. (٢) في الحاشية ١٨٢/٥ . (٣) كذا في الأصل و(م)، والذي في حاشية الشهاب: على معنى من. (٤) في (م): الثوب، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب وشرح الشافية ٢/ ٩٢. (٥) شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين الأستراباذي ٢/ ٩٢. الآية : ٤٤ ٣٥٧ سُُّ لُوسُفَ على لاحبٍ لا يَهتدي بمنارِه(١) وهو إشارةٌ إلى كبرى قياسٍ ساقوه للعُذر عن جَهْلهم، كأنَّهم قالوا: هذه رؤيا باطلة، وكلُّ رؤيا كذلك لا نعلم تأويلَها، أي: لا تأويلَ لها حتَّى نعلمَه، ینتج: هذه رؤیا لا تأويل لها . وجوِّز أن يكون المرادُ من الأحلام الرُّؤى(٢) مطلقاً، و((أل)) فيه للجنس، والكلامُ اعترافٌ منهم بقصور عِلْمهم وأنَّهم ليسوا بنحارير في تأويلِ الرُّؤى مع أنَّ لها تأويلاً . واختاره ابن المنيِّر، وادَّعى أنَّه الظاهر(٣)، وأنَّ قولَ المَلِك لهم أوَّلاً: ((إن كنتم للرؤيا تعبرون)) دليلٌ على أنَّهم لم يكونوا في عِلْمه عالمين بها؛ لأنَّه أتى بكلمة الشكِّ، فجاء اعترافُهم بالقُصور مطابقاً لشكِّ المَلِك الذي أخرجه مخرِجَ استفهامِهم عن كونهم عالمين، وأنَّ قول الفتى: ((أنا أنبئكم بتأويله)) إلى قوله: ((لعلَّ أرجعُ إلى الناس لعلَّهم يعلمون)» دليلٌ على ذلك أيضاً (٤). وذكر بعضُ المحقّقين أنه يُشعر به عُدُولهم عمَّا وقع في كلام الملك من العبارة المُعْرِبة(٥) عن مجرَّد الانتقال من الدَّالِّ إلى المدلول، حيثُ لم يقولوا: بتعبير الأحلام، أو: عبارتها، إلى التأويل المنبئ عن التصرُّف والتكلَّف في ذلك؛ لما بين الآيلِ والمآل من البُعد. واعتُرض بأنَّه على هذا يبقى قولُهم: ((أضغاث أحلام)) ضائعاً؛ إذ لا دخلَ له في العذر. وأجيب بأنَّه يمكن أن يكون المقصودُ منه إزالةَ خوف الملك من تلك الرؤيا، فلا يبقى ضائعاً . (١) وعجزه: إذا سافه العَودُ النباطيُّ جرجرا، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦، وسلف ٢٤١/٢. (٢) في حاشية (م): هي جمع رؤيا. (٣) في حاشية (م): وكذا ادعى أبو حيان في البحر. أهـ منه. (٤) الانتصاف ٣٢٤/٢. (٥) في (م): المعبرة، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٢١٨/٤، والكلام منه، وهو المقصود بقول المصنف: بعض المحققين. سُؤٌَّةُ لُوسُفَا ٣٥٨ الآية : ٤٥ وقال صاحب ((الكشف)): إنَّ وجه ذلك أن يجعل الأول جواباً مستقِلًّا، والثاني كذلك، أي: هاهنا أمران: أحدهما من جانب الرائي، والثاني من جانب المعبِّر، ووجهُ تقديم الظّرف على عامله: أنَّا أصحابُ الآراء والتدابير، وعِلْمُنا بذلك رصينٌ لا بتأويل الرُّؤى، ووَجْهُه على الأوَّل ظاهرٌ، وادَّعَى أنَّ المقامَ يطابقه، وورودُه على ذلك الأسلوب مقوٍّ له لا مُوهِنٍ، خلافاً لما في ((الانتصاف))، ويَقْوَى عند اختيار الوجه الثاني إذا كان الخطاب لجلسائِهِ وأهلِ مشورته من أهل الحلِّ والعَقْد؛ لأنَّ الأغلبَ على أمثالهم الجهلُ بمثل هذا العلم الذي لا يعلمُه إلا أفرادٌ من الناس. ﴿وَقَالَ الَّذِى نَا مِنْهُمَا﴾ أي: صاحبي يوسفَ عليه السلام، وهو الشرابيُّ ﴿وَأَذَّكَرَ﴾ بالدَّال غيرِ المعجمة عند الجمهور، وأصلُه: اذتكر؛ أُبدلت التاءُ دالاً وأدغمت الدَّال فيها. وقرأ الحسن: ((اذَّكر))، بإبدال التاء ذالاً معجمة وإدغام الذال المعجمة فيها(١)، والقراءة الأُولى أفصحُ. والمعنى على كليهما: تَذكَّرَ ما سبق له مع يوسفَ عليه السَّلام ﴿َبَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: طائفةٍ من الزمان ومدَّةٍ طويلة. وقرأ الأشهب العقيلي: ((إِمَّة)) بكسرِ الهمزة وتشديدِ الميم (٢)، أي: نعمةٍ عليهِ بعدَ نعمة، والمراد بذلك خلاصُه من القتل والسِّجن وإنعامُ مَلِكه عليه، وعلى هذا جاء قولُه : ألا لا أَرى ذا إمَّةٍ أصبَحَت به فتترُكُه الأيامُ وهي كما هيا (٣) وقال ابن عطيّة: المراد بعد نعمةٍ أنعم اللهُ تعالى بها على يوسفَ عليه السلام، وهي تقريبُ إطلاقه(٤). ولا يخفى بُعْدُه. (١) القراءات الشاذة ص٦٤، والبحر ٣١٤/٥. (٢) القراءات الشاذة ص ٦٤، والمحتسب ٣٤٤/١، والبحر ٣١٤/٥. (٣) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه ص٢٨٨. قال ثعلب شارح الديوان: يقول: مَن أصبحت به نعمة لم تتركه الأيام حتى تغيرها. وجاء في حاشية (م): وقوله: ثم بعد الفلاح والملك والإمَّة وارتهم هناك قبور. اهـ منه. (٤) المحرر الوجيز ٢٤٩/٣. . الآية : ٤٥ ٣٥٩ سُوَلاَ تُوسُف وقرأ ابنُ عباس وزيدُ بنُ علي ظُ، وأمةٌ (١): (أَمَهٍ)) بفتح الهمزة والميم المخفَّفة وهاءٍ منوَّنةٍ (٢)، من أَمِه يأمَه أمَهاً: إذا نسي. وجاء في المصدر: ((أَمْه)) بسكون الميم أيضاً، فقد رُوي عن مجاهد وعكرمة وشُبيل بن عَزْرة الضبعي أنهم قرؤوا بذلك(٣)، ولا عبرةَ بمن أنكر. والجملةُ اعتراضٌ بين القول والمقول. وجوِّز أن تكون حالاً من الموصول أو من ضميرِه في الصِّلة، ويحتاج ذلك إلى تقديرِ ((قد)) على المشهور. وقيل: معطوفةٌ على ((نجا)). وليس بشيء - كما قال بعضُ المحققين - لأنَّ حقَّ كلٍّ من الصِّلة والصِّفة أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصول والموصوف عند المخاطب كما عند المتكلِّم، ومن هنا قيل: الأوصافُ قبل العِلم بها أخبارٌ، والأخبارُ بعد العلم بها أوصاف، وأنت تعلم أن تذكُّره بعد أمَّة إنَّما عُلم بهذه الجملة، فلا معنى لنظمِه مع نجاته المعلومة من قبلُ في سلك الصِّلة. ﴿أَنَا أُنَيِّئُكُمْ بِتَأْوِيِ.﴾ أي: أُخبركم بتأويل ذلك الذي خَفِيَ أمرُه بالتلقِّي ممن عندَه علمُه لا من تلقاء نفسي، ولذلك لم يَقُل: أفتيكم في ذلك، وعقَّبه بقوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ ﴾﴾ إلى مَن عندَه عِلمُه، وأراد به يوسفَ عليه السلام، وإنما لم يصرِّح به حرصاً على أن يكون هو المرسَلَ إليه، فإنه لو ذكّره فلربَّما أرسلوا غيرَه. وضميرُ الجمع إمَّا لأنه أراد الملك ومَن معه، أو لأنه(٤) أراد الملك وحدَه لكنْ خاطبَه بذلك على سبيل التَّعظيم كما هو المعروفُ في خطاب الملوك، ويؤيِّده ما روي أنه لما سمع مقالةَ القوم جثى بين يدي الملك وقال: إنَّ في السِّجن رجلاً عالماً يعبرُ الرؤيا، فابعثوني إليه. فبعثوه. (١) في حاشية (م): أي: جماعة من التابعين. اهـ منه. وينظر التعليق الذي بعده. (٢) البحر ٣١٤/٥ عن ابن عباس وزيد بن عليٍّ والضحاك وقتادة وأبو رجاء وشبيل بن عزرة الضبعي وربيعة بن عمرو. وقد أخرجها الطبري ١٨٤/١٣-١٨٦ عن ابن عباس وعكرمة وقتادة والضحاك ومجاهد. (٣) البحر ٣١٤/٥، وشبيل بن عزرة الضبعي، أبو عمرو البصري النحوي، هو ختن قتادة، وكان من أفاضل أهل البصرة وقرائهم. التهذيب ١٥٢/٢. وأخرج هذه القراءة عن مجاهد الطبري ١٨٦/١٣. (٤) قوله: أراد الملك ومن معه أو لأنه، ساقط من (م). سُوَةُ تُوسُفَ ٣٦٠ الآية : ٤٦ وكان السجن - على ما روي عن ابن عباس ﴿ - في غير مدينة الملك. وقيل: كان فيها. قال أبو حيَّن ويرسمُ الناس اليوم سجنَ يوسف عليه السلام في موضعٍ على النيل بينه وبين الفُسطاط ثمانيةُ أميال(١). والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وأخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه كان يقرأ: ((أنا آتيكم)) مضارعُ أتى من الإتيان، فقيل له: إنما هو: ((أنا أنبِّئكم)) فقال: أهو كان ينبِّئهم(٢)؟ !. وأخرج ابنُ المنذر وغيرُه عن أبيٍّ أنه قرأ أيضاً كذلك(٣). وفي ((البحر)) أنه كذا في الإمام أيضاً (٤). ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ في الكلام حذفٌ، أي: فأرسَلوه، فأتاه فقال: يا يوسفُ، ووَصَفَه بالمبالغة في الصِّدق حسبما عَلِمه وجرَّب أحواله في مدَّة إقامته معه في السِّجن؛ لكونهِ بصددِ اغتنام آثارِه واقتباسٍ أنواره، فهو من باب براعةِ الاستهلال، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه ينبغي للمستفتي أن يعظِّم المفتي. واستُدلَّ بذلك على أنَّهما لم يكذبا على يوسفَ في منامهما، وأنَّهما كذبا في قولهما: کذبْنا، إن ثبت. ﴿أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَ سَبْعُ عِبَانٌ وَسَيْعٍ سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَيِسَتِ﴾ أي: في رؤيا ذلك، وإنَّما لم يصرِّح به لوضوح مرامِه بقرينةٍ ما سبق من معاملتِهما، ولدلالةِ مضمون الحادثةِ عليه، حيث إنَّ مثله لا يقعُ في عالم الشهادة. والمعنى: بيِّن لنا مآلَ ذلك وحُكمه. وعبَّر عن ذلك بالإفتاء، ولم يقل كما قال هو وصاحبُه أوَّلاً: ((نبِّئنا بتأويله))، تفخيماً لشأنه عليه السَّلام حيثُ عاين رتبتَه في الفَضْل. ولم يقل: أفتني، مع أنَّه المستفتي وحده، إشعاراً بأنَّ الرؤيا ليست له بل لغيرِهِ ممَّن له ملابسةٌ بأمور العامَّة، (١) البحر ٣١٥/٥. (٢) الدر المنثور ٢٢/٤، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٢١٥٢/٧. والقراءة عن الحسن في القراءات الشاذة ص٦٤، والبحر ٣١٤/٥. وجاء في حاشية (م): لعله لم يُرِدْ إلا مجرد ترجیح قراءته، فافهم. اهـ منه. (٣) الدر المنثور ٢٢/٤، وذكرها عن أبيٍّ أبو حيان في البحر ٣١٤/٥. (٤) البحر ٣١٤/٥.