النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٣٠ ٣٠١ سُورَةُ لُوسُفَا احتراقُ القلب مع لذةٍ يجدُها، وكذلك اللَّوعةُ واللَّاعج، ثم الشَّغَفُ بالمعجمة وهو أن يبلغ الحبُّ شَغَافَ القلب، ثم الجوى وهو الهوى الباطن، ثم التَّيْم وهو أن يستعبده الحب، ثم التَّبْلُ هو أن يُسقمه الحب، ثم التدلُّه وهو ذهابُ العقل من الحب، ثم الهُيُوم وهو أن يذهب الرجل على وجهه لغلبة الهوى عليه. اهـ. ورتَّب بعضهم ذلك على طرزٍ آخر، والله تعالى أعلم. وأيًّا ما كان فالجملةُ إما خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من فاعلِ ((تُراود)» أو من مفعوله، والمقصودُ منها تكريرُ اللوم وتأكيدُ العذل ببيانِ اختلافِ أحوالها القَلْبيةِ کأحوالها القالبية. وجوَّز أبو البقاء كونَها استئنافيةً (١)، فهي حينئذٍ - على ما قيل - في موضع التعليل لدوام المراودة، وليس بذاك لأنه إن اعتبر من حيث الإنية كان مصيره إلى الاستدلال بالأخفى على الأَجْلَى، وإن اعتُبر من حديث اللَّمية كان فيه ميلٌ إلى تمهید العذر من قِبَلها، وليس المقامُ له. وانتصاب ((حبًّا)) على التمييز، هو محوَّلٌ عن الفاعل إذ الأصل قد شغفها حبُّه كما أُشيرَ إليه. وأدغم النحويان وحمزة وهشام وابن محيصنٍ دالَ ((قد)) في شين ((شغفها))(٢). ﴿إِنَّا لَهَا﴾ أي: نعلمُها، فالرؤيةُ قلبيةٌ واستعمالُها بمعنى العلم حقيقةٌ كاستعمالها بمعنى الإحساس بالبصر، وإذا أريدَ منها البصريةُ ثم تجوِّز بها عن العِلْمية كان أبلغَ في إفادة كونها فيما صنعت من المراودة والمحبة المفرطة مستقرّةً. ﴿فِي ضَكَلٍ﴾ عظيم عن طريق الرشد والصواب، أو سَنَن العقل ﴿ُِّينٍ واضحٍ لا يخفى كونُه ضلالاً على أحد، أو مُظْهِرٍ لأمرها بين الناس، فالتنوينُ للتفخيّم، والجملةُ مقرِّرةٌ لمضمونِ الجملتين السابقتين المسوقتين للَّوم والتشنيع، (١) الإملاء ٣٣١/٣. (٢) التيسير ص٤٢، والبحر ٣٠١/٥، والكلام منه، والنحويان هما أبو عمرو والكسائي. سُرَةُ لُوسُفَ ٣٠٢ الآية : ٣١ وتسجيلٌ عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم، وإنما لم يقلن: إنها لفي ضلالٍ مبينٍ، إشعاراً - كما قيل - بأنَّ ذلك الحكمَ غيرُ صادرٍ منهنَّ مجازفةً، بل عن علمٍ ورأي، مع التلويح بأنهنَّ متنزِّهاتٌ عن أمثال ما هي عليه، وصحَّ اللوم على الشغف، قيل: لأنه اختياريُّ باعتبار مبادیه كما يشير إليه قوله: مازَحْتُه فعشقتُه والعشقُ أوَّلُه مزاح وإلا فما ليس باختياريٍّ لا ينبغي اللومُ عليه كما أشار إليه البوصيري بقوله: يا لائمي في الهوى العذريِّ معذرةً منِّي إليك ولو أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ وقيل: اللوم عليه باعتبارِ الاسترسال معه وتركِ علاجه، فإنهم صرَّحوا بأنَّ ذلك من جملة الأدواء، وذكروا له من المعالجة ما ذكروا، ومن أحسن ما ذكر له من ذلك تذُّر مساوئ المحبوب، والتفكّر في عواقبه، فقد قيل: حُسْنِ الذي يَسْبِيه لم يَسْبِهِ (١) لو فكّر العاشق في منتهى وتمامُ الكلام في هذا المقام يطلب في محله. ﴿فَلَا سَمِعَتْ بِمَكْرِمِنَ﴾ أي: باغتيابهنَّ وسوءِ مقالتهنَّ، وتسميةُ ذلك مكراً لشَبَهِه له في الإخفاء. وقيل: كانت اسْتَكْتَمَتْهنَّ سرَّها فأفشيتَه وأطلعنَ على أمرها . وقيل: إنهنَّ قصدنَ بتلك المقالة إغضابها حتى تَعْرِضَ عليهنَّ يوسف لتبديَ عذرها فيفُزْنَ بمشاهدته. والمكرُ على هذين القولين حقيقة. ﴿أَرْسَتْ إِلَِنَّ﴾ تدعوهنَّ، قيل: دعت أربعين امرأةً، منهنَّ الخمسُ أو الأربعُ المذكورات، وروي ذلك عن وهب، والظاهرُ عودُ الضمير على تلك النسوة القائلةِ ما قلنَ عنها . ﴿وَأَعْتَّدَتْ﴾ أي: هيَّأتْ ﴿لَنَّ مُتَكَمَا﴾ أي: ما يتَّكِثْنَ عليه من النمارق والوسائد كما روي عن ابن عباس، وهو من الاتِّكاء: الميل إلى أحد الشقّين، وأصله مُؤْتَكاً لأنه من تَوَّأْتُ، فأبدلت الواو تاءً وأدغمت في مثلها . (١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ١/ ٣٣٧. الآية : ٣١ ٣٠٣ سُورَةُ لُوسُف وروي عن الحبر أيضاً أنَّ المتكأ مجلسُ الطعام؛ لأنهم كانوا يتّكؤون كعادة المترفين المتكبِّرين، ولذلك نهي عنه، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن جابر رَظ ◌ُه عن النبيِّي وَل﴿ أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكنًا(١). وقيل: أريد به نفسُ الطعام، قال القتبي(٢): يقال: انَّكأنا عند فلان، أي: أكلنا، ومن ذلك قولُ جميل : فظلِلْنا بنعمةٍ وانَّكأنا وشربنا الحلال من قُلَلِه(٣) وهو على هذا اسمُ مفعول، أي: متكأ له، أو مصدر أي: اتكاءً، وعبَّر بالهيئة التي يكون عليها الآكل المترفُ عن ذلك مجازاً. وقيل: هو من باب الكناية. وعن مجاهد: أنه الطعام يحزُّ حزًّا بالسكين. واختلفوا في تعيينه، فقيل: كان لحماً، وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزًّا بالسكاكين. وقيل: كان أُترجَّا (٤) وموزاً وبطيخاً. وقيل: الزُّماوَرْدُ، وهو الرقاقُ الملفوف باللحم وغيره(٥)، أو شيء شبيه بالأترجِّ، وكأنه إنما سمِّي ما يُقطع بالسكين بذلك لأنَّ عادةَ من يقطع شيئاً أن يعتمد عليه فيكون متكاً عليه. وقرأ الزهريُّ وأبو جعفر وشيبةُ: ((مُتَّكّى)) مشدَّد التاء من غير همزٍ بوزن متَّقّى (٦)، وهو حينئذٍ: إما أن يكون من الاتِّكاء وفيه تخفيفُ الهمزة، كما قالوا في (١) عزاه لابن أبي شيبة الشهاب في الحاشية ١٧٣/٥، وذكره ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٨٩ دون عزو، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٨/ ٢٩٤، باب في الأكل والشرب بالشمال، دون قوله: وأن يأكل متكئاً. وأخرج البخاري (٥٣٩٨) من حديث أبي جُحيفة قال: قال رسول الله وَله: ((لا آكل متكئاً)). (٢) في الأصل و(م): العتبي، وهو تصحيف، وكلام ابن قتيبة في تفسير الغريب ص٢١٦، وتأويل المشكل ص١٣٨، ونقله عنه أبو حيان في البحر ٣٠٢/٥. (٣) ديوان جميل بثينة ص١٨٩، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٢٥٧/١، والخزانة ٢١/١٠. قوله: الحلال، قيل: هو النبيذ، وسماه حلالاً على وجه الخلاعة، وقال البغدادي: ولا يخفى أن حمله على ظاهره أنسب، لأن قائله مؤمنٍ، وكان في عرفة في موسم الحج. (٤) من فصيلة الحمضيات، ويسمى بالشام الكُبَّاد، واحدته أترجَّة. معجم متن اللغة (ترج). (٥) وفي اللسان (ورد): هو طعام من البيض واللحم، معرب. (٦) المحتسب ٣٣٩/١، والبحر ٣٠٢/٥، وقراءة أبي جعفر في النشر ٣٩٩/١. سُورَةٌ تُوسُفَ ٣٠٤ الآية : ٣١ توضَّأت: توضَّيْتُ. أو يكون مُفْتَعَلاً من أَوْكَيْتُ السقاء: إذا شَدَدْتَه بالوِكاء، والمعنى: أعتَدَتْ لهنَّ ما يُشْتَدُّ عليه بالاتِّكاء أو بالقطع بالسكين. وقرأ الأعرج: ((مَتْكأَ)) على وزن ((مَفْعلاً))، من تَكِىَ يَتْكَأُ: إِذا اتَّكأ (١). وقرأ الحسن وابن هرمز: ((مُتَّكاءً)) بالمدِّ والهمز(٢)، وهو مُفْتَعَل من الاتِّكاء، إلا أنه أشبع الفتحة فتولَّدت منها الألفُ، وهو كثيرٌ في كلامهم، ومنه قوله: وعن ذمِّ الرجال بمنتزاح(٣) وأنت من الغوائل حين ترمي و قوله : يَنْباعُ من ذِقْرَى غضوبٍ جَسْرةٍ زيَّافةٍ مثل الفَنيقِ المُكْدَمِ(٤) وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة وآخرون(٥): (مُتْكاً)) بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف، وجاء ذلك عن ابن هرمز أيضاً(٦)، وهو الأترجُ عند الأصمعيِّ وجماعةٍ، والواحدُ مُتْكَة، وأنشد: فأهدتْ مُتْكةً لبني أبيها تَخُبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوَقاحُ(٧) (١) القراءات الشاذة ص ٦٣، والبحر ٣٠٢/٥، وحاشية الشهاب ١٧٣/٥. (٢) القراءات الشاذة ص٦٣، والمحتسب ٣٣٩/١، والبحر ٣٠٢/٥. (٣) البيت لإبراهيم بن هرمة، وهو في ديوانه ص٩٢، والبحر ٣٠٢/٥ برواية: ومن ذمّ الرجال .... (٤) البيت من معلقة عنترة، وهو في شرح المعلقات للنحاس ٢٤/٢، وللتبريزي ص٢٣٠، وللمرزوقي ص١٤٤. وذكروا في شرحه: قوله: ينباع، أراد ينبع، فأشبع الفتحة لإقامة الوزن. والذُّقْرى: ما خلف الأذن. والجسرة: الناقة الضخمة القوية، وقيل: الماضية في سيرها. والزيف: التبختر. والفنيق: الفحل من الإبل. والكدم: العض. يقول: ينبع هذا العرق من خلف أذن ناقةٍ غضوب موثَّقةِ الخلق شديدة التبختر في سيرها مثل فحل من الإبل قد كدمته الفحول، شبهها بالفحل في تبخترها ووثاقة خلقها وضخمها. وجاء في حاشية (م): ومنه قوله: أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب (٥) جاء في حاشية (م): منهم الضحاك والجحدري والكلبي. (٦) المحتسب ٣٣٩/١، والبحر ٣٠٢/٥. (٧) الكشاف ٣١٦/٢، والبحر ٢٩٩/٥، والدر المصون ٤٧٨/٦. العَثْمثمة من النوق: الشديدة. الصحاح (عثم). الآية : ٣١ ٣٠٥ سُورَةُ مُوسُفَ وقيل: هو اسم يعمُّ جميعَ ما يقطع بالسكين كالأترجّ وغيرِه من الفواكه، وأنشد : نشربُ الإثم بالصُّواعِ جِهَاراً وَتَرى المُتْكَ بيننا مستعارًا(١) وهو من مَتَكَ الشيء بمعنى بَتَكه، أي: قطعه، وعن الخليل تفسيرُ المُتْكِ مضمومٍ الميم بالعسل، وعن أبي عمرو تفسيرُه بالشراب الخالص، وحكى الكسائيُّ تثليثَ مَيمه، وفسَّره بالفالوذج، وكذا حكى التثليثَ المفضَّلُ لكن فسره بالزُّماوَرْد، وذكر أنه بالضم المائدةُ أو الخمر في لغةٍ كندة. وبالفتح قرأ عبدُ الله ومعاذٌ بِ﴾(٢). وفي الآية على سائر القراءات حذفٌ، أي: فجئن وجلسن ﴿وَتَتْ كُلَّ وَجِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكْنَا﴾. وقال بعض المحققين: لا يبعد أن تسمَّى هذه الواو فصيحة. وإنما أعطت كلَّ واحدةٍ ذلك لتستعمله في قطع ما يُعْهَدُ قَطْعُه مما قدِّم بين أيديهنَّ وقُرِّبَ إليهنَّ، وغرضُها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهنَّ لتبكِّتهنَّ بالحجة. وقيل: غرضُها ذاك، والتهويلُ على يوسف عليه السلام من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعاتٍ في أيديهنَّ الخناجرُ توهمُه أنهنَّ يَشِبْنَ عليه، فيكون خائفاً من مكرها دائماً فلعله يجيبها إلى مرادها. والسكين مذكَّرٌ عند السجستاني قال: وسألتُ أبا زيدِ الأنصاريَّ والأصمعيَّ وغيرهما ممن أدركناه فكلُّهم يذكِّره ويُنْكِرُ التأنيثَ فيه (٣). وعن الفرَّاء أنه يذكَّر ويؤنَّثُ(٤). وذلك حُكي عن اللِّحيانيّ ويعقوب(٥). ومَنَعَ بعضُهم أن يقال: سكِينة، وأنشد عن الكسائي ما يخالف ذلك، وهو قولُه: ثم قِرَابَا نَصْلِها في حَلْقِه (٦) الذئبُ سكِّينتُه في شدقه (١) تهذيب اللغة ١٦١/١٥، وزاد المسير ١٩١/٣، وتفسير القرطبي ٣٣٠/١١، والبحر ٢٩٩/٥. (٢) البحر ٣٠٢/٥. (٣) المذكر والمؤنث لأبي حاتم السجستاني ص١٤٦. (٤) المذكر والمؤنث للفراء ص٢٧ . (٥) المذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري ٣٨٩/١، وفيه: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا يعقوب، وحدثني أبي عن محمد بن الحكم عن اللحياني قال: السكِّين تذكّر وتؤنَّث. (٦) المذكر والمؤنث لأبي بكر الأنباري ٣٩١/١-٣٩٢، وفيه: أراد بقِرَابيها: غلافها ونصابَها. سُورَةٌ تُوسُفَ ٣٠٦ الآية : ٣١ ﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسفَ عليه السلام وهنَّ مشغولاتٌ بمعالجة السكاكين وإعمالِها فيما بأيديهنَّ. والعطفُ بالواو ربما يشير إلى أنَّ قوله: ﴿أَخْرُجْ عَلَئِنٌ﴾ أي: ابرز لهنَّ، لم يكن عقيب ترتيب أمورهنَّ ليتم غرضُها بهنَّ(١). والظاهر أنها لم تأمره بالخروج إلا لمجرَّد أن يَرَيْنَه فيحصل مرامُها. وقيل: أَمَرتْه بالخروج عليهنَّ للخدمة أو للسلام، وقد أَضْمَرتْ مع ذلك ما أضمَرتْ. يحكى أنها ألبسته ثياباً بيضاً في ذلك اليوم لأنَّ الجميل أحسنُ ما يكون في البياض. ﴿فَمَّا رَأَهُ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ يستدعيه الأمر بالخروج وينسحب عليه الكلامُ، أي: فخرج عليهنَّ فرأينه، وإنما حُذف على ما قيل: تحقيقاً لمفاجأة رؤيتهنَّ، كأنها تَفُوتُ عند ذكر خروجه عليهنَّ(٢)، وفيه إيذانٌ بسرعة امتثاله عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهِدُ مضرَّتَه من الأفاعيل، ونظير هذا آتٍ كما مرَّ آنفاً (٣). ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: أَعْظَمْنَه ودهشنَ برؤية جماله الفائق الرائع الرائق، فإنَّ فَضْلَ جماله على جمال كلِّ جميلٍ كان كفَضْلِ القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وأخرج ابنُ جرير وغيرُه عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((رأيتُ يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلة البدر)» (٤). وحُكي أنه عليه السلام كان إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يُرى نور الشمس. وجاء عن الحسن أنه أعطي ثلثَ الحسن. وفي رواية عن أنس مرفوعاً أنه عليه السلام أعطي هو وأمه (١) في تفسير أبي السعود ٢٧١/٤ (والكلام منه): ليتم غرضها من استغفالهن. (٢) جاء في حاشية (م): كما حذف لتحقيق السرعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًا عِنْدَهُ﴾ [النمل: ٤٠]. اهـ منه. (٣) لعله يشير إلى الآية (٤٠) من سورة النمل كما ورد في حاشية (م)، وينظر تفسير أبي السعود ٤/ ٢٧٢. (٤) لم نقف عليه عند الطبري، وأخرجه بنحوه الحاكم ٢/ ٥٧١، والثعلبي كما في تخريج أحاديث الكشاف ص٨٩، وفي إسناده أبو هارون العبدي عمارة بن جُوَيْن، وهو متروك كما ذكر الحافظ في التقريب. الآية : ٣١ ٣٠٧ سُوٌَّلاَ لُوسُفَ شطر الحسن (١). وتقدم خبرُ أنه عليه السلام كان يشبه آدم عليه السلام يوم خَلَقه رُّه(٢). أنَّ معنى أكبرن حضن، ومن ذلك قوله: وعن ابن عباس يأتي النساءَ على أطهارهنَّ ولا يأتي النساءَ إذا أَكْبَرْنَ إِكبارًا(٣) وكأنه إنما سمِّي الحيضُ إكباراً لكون البلوغ يُعرف به، فكأنه يُدخِلُ الصغارَ سنَّ الكبر، فيكون في الأصل كنايةً أو مجازاً، والهاء على هذا إما ضميرُ المصدر، فكأنه قيل: أكبرن إكباراً. وإما ضمير يوسف عليه السلام على إسقاط الجارِّ، أي: حِضْنَ لأجله من شدَّة شبقهنَّ، والمرأةُ كما زعم الواحديُّ إذا اشتدَّ شبقُها حاضت، ومن هنا أخذ المتنبي قوله : خَفِ الله واسْتُرْ ذا الجمالَ ببُرقُعِ إذا لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتِقُ(٤) وقيل: إنَّ الهاء للسكت. ورُدَّ بأنها لا تحرَّك ولا تثبتُ في الوصل، وإجراءُ الوصل مجرى الوقف وتحريكُها تشبيهاً بالضمير كما في قوله: وا حرَّ قلباه ممن قلبه شَبِمُ(٥) على تسليم صحته ضعيفٌ في العربية. (١) أخرجه الطبري ١٣٦/١٣، والحاكم ٥٧٠/٢ وصححه. وفي حديث الإسراء عند مسلم (١٦٢) عن أنس به: (( ... فإذا أنا بيوسف، إذا هو قد أعطي شطر الحسن ... )) وجاء في حاشية (م): قيل: إنه ورث الحسن عن جدته سارة. اهـ منه. (٢) سلف من خبر كعب الأحبار ص٢٥١ من هذا الجزء. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٠٦/٣، وتفسير الطبري ١٣٢/١٣، والمحرر الوجيز ٢٣٩/٣. وسيأتي ما قاله العلماء في هذا البيت من أنه مصنوع لا أصل له. (٤) ديوان المتنبي ٨٩/٣، والكشاف ٣١٧/٢، ورواية الديوان: ذابت، بدل: حاضت. وهما روايتان كما نقل الشهاب في الحاشية ١٧٤/٥ عن الواحدي. وقال الشهاب في شرح البيت: العواتق جمع عاتق، وهي المرأة الشابة، و((ذا الجمال)) بنصب ((الجمال)) نعت (ذا)) اسم الإشارة، وجوِّز أن يكون ((ذا)) بمعنى صاحب و((الجمال)) مجرور بالإضافة ومعناه الوجه، والأول أولى روايةً ودرايةً. (٥) وعجزه: ومَن بجسمي وحالي عنده سَقَمُ، والبيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٤/ ٨٠. سُورَةُ دُوسُفَ ٣٠٨ الآية : ٣١ واعترض في ((الكشف» التخريجين الأوَّلين فقال: إنَّ نَزْعَ الخافض ضعيفٌ؛ لأنه إنما يجري في الظروف والصِّفات والصِّلات، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف، وأما في مثل هذا فلا، والمصدرُ ليس من مجازه إذ ليس المقام للتأكيد، وزعم أنَّ الوجه هو الأخيرُ، وكلُّ ما ذكره في حيِّز المنع كما لا يخفى. وأنكر أبو عبيدة مجيءَ ((أكبرْنَ)) بمعنى حِضْنَ، وقال: لا نعرف ذلك في اللغة(١). والبيتُ مصنوعٌ مختلقٌ لا يعرفه العلماء بالشعر، ونُقل مثلُ ذلك عن الطبريٌّ(٢) وابنٍ عطية(٣)، وغيرٍ واحد من المحققين. وروايةُ ذلك عن ابن عباس إنَّما أخرجها ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد(٤)، وهو - وإن رَوَى ذلك عن أبيه عليٍّ عن أبيه ابن عباس - لا يعوَّلُ عليه، فقد قالوا: إنه عليه الرحمةُ ليس من رواة العلم. وعن الكُمَيْتِ الشاعرِ تفسيرُ (أكبرن)) بأَمْنَيْنَ(٥)، ولعل الكلام في ذلك كالكلام فيما تقدَّم تخريجاً وقبولاً، وأنا لا أرى الكميتَ من خيل هذا الميدان وفرسانِ ذلك الشان. ﴿وَقَطّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ أي: جَرَحْتَها بما في أيديهنَّ من السكاكين لفَرْطِ دهشتهنَّ، وخروجٍ حركاتِ جوارحِهنَّ عن منهاج الاختيار حتى لم يَعْلَمنَ بما عَمِلْنَ، ولم يَشْعُرْنَ بألم(٦) ما نالهنَّ، وهذا كما تقول: كنتُ أقطّعُ اللحم فقَطَعْتُ يدي. وهو معنَى حقيقيٍّ للتقطيع عند بعضٍ، وفي ((الكشف)) أنه معنًى مجازيٌّ على الأصح. والتضعيفُ للتكثير: إمَّا بالنسبة لكثرة القاطعات، وإما بالنسبة لكثرة القطع في يدِ كلِّ واحدةٍ منهنّ. (١) مجاز القرآن ٣٠٩/١. (٢) في تفسيره ١٣٢/١٣، قال: لا أحسب له أصلاً، لأنه ليس بالمعروف عند الرواة. (٣) في المحرر الوجيز ٢٣٩/٣. (٤) تفسير الطبري ١٣١/١٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٢١٣٥/٧ من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده ابن عباس. ولم يَرِد البيت في رواية الطبري. (٥) أخرجه عن الكميت أبو الشيخ كما في الدر المنثور ١٦/٤ . (٦) في (م): بمألم. الآية : ٣١ ٣٠٩ سُورَةُ لُوسُفَ وأخرج ابن المنذر وغيرُه عن مجاهد أنه فسَّر التقطيع بالإبانة(١). والمعنى الأولُ أسرعُ تبادُراً إلى الذهن. وحَمْلُ الأيدي على الجوارح المعلومةِ مما لا يكادُ يُفهم خلافه، ومن العجيب ما روي عن عكرمةَ من أنَّ المراد بها الأكمام، وأظنُّ أنَّ منشأ هذا محضُ استبعادٍ وقوعِ التقطيع على الأيدي بالمعنى المتبادر؛ ولعمري لو عُرِضَ ما قاله على أدنى الأفهام لاستبعَدَتْه. ﴿وَقُلْنَ﴾ تنزيهاً لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز، وتعجُّباً من قدرته جلَّ وعلا على مثل ذلك الصنع البديع ﴿حَشَ لِلَّهِ﴾ أصلُه: حاشا لله، بالألف كما قرأ أبو عمرو في الذَّرْج(٢)، فحذفت ألفُه الأخيرةُ تخفيفاً، وهو على ما قيل: حرفٌ وُضِعَ للاستثناء والتنزيهِ معاً، ثم نُقِلَ وجُعِلَ اسماً بمعنى التنزيه وتجرَّد عن معنى الاستثناء، ولم ينوَّن مراعاةً لأصله المنقولِ عنه، وكثيراً ما يراعون ذلك، ألا تراهم قالوا: جلستُ من عن يمينه؟ فجعلوا ((عن)) اسماً ولم يُعْرِبوه، وقالوا: غدت مِن عليه، فلم يثبتوا ألف ((على)) مع المضمرَ كما أثبتوا ألفَ فتى في فتاه، كلُّ ذلك مراعاة للأصل، واللامُ للبيان فهي متعلِّقةٌ بمحذوفٍ. وردًّ في ((البحر)) دعوى إفادتِه التنزيه في الاستثناء بأنَّ ذلك غيرُ معروفٍ عند النحاة، ولا فَرْقَ بين: قام القومُ إلا زيداً، وحاشا زيداً(٣). وتعقّب بأنَّ عدم ذكر النحاة ذلك لا يضرُّ؛ لأنه وظيفةُ اللغويين لا وظيفتهم. واعترض بعضُهم حديث النقل بأنَّ الحرف لا يكون اسماً إلَّا إذا نُقل وسمِّي به وُجُعِلَ عَلَماً، وحينئذٍ يجوز فيه الحكايةُ والإعرابُ، ولذا جعله ابن الحاجب اسمَ فعلٍ بمعنى: بَرِئَ اللهُ تعالى من السوء، ولعل دخول اللام كدخولها في ﴿هَيْهَاتَ هَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، وكونُ المعنى على المصدرية لا يَرِدُ عليه؛ لأنه قيل: إنَّ أسماء الأفعال موضوعةٌ لمعاني المصادر، وهو المنقولُ عن الزجَّاج(٤). (١) الدر المنثور ١٦/٤. (٢) التيسير ص١٢٨، والنشر ٢٩٥/٢. (٣) البحر ٣٠٠/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٧٤/٥، وما سيأتي منه. (٤) كما في حاشية الشهاب ١٧٤/٥، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٠٧/٣. سَُّل ◌ُوسُفَ﴾ ٣١٠ الآية : ٣١ نعم ذهب المبرد (١) وأبو عليٍّ(٢) وابنُ عطية(٣) وجماعةٌ إلى أنه فعلٌ ماضٍ بمعنى جانَبَ، وأصلُه من حاشية الشيء وحشیه، أي: جانبه وناحيته، وفيه ضميرُ يوسفَ، واللامُ للتعليل متعلِّقةٌ به، أي: جانَبَ يوسفُ ما قَرَفَ به الله تعالى، أي: لأَجْلٍ خوفه ومراقبته، والمرادُ تنزيههُ وبُعْدُه كأنه صار في جانبٍ عمَّا اتُّهم به لِمَا رُؤي فيه من آثار العصمة وأبَّهةِ النبوّة عليه الصلاة والسلام. ولا يَخْفَى أنه على هذا يفوتُ معنى التعجُّبِ. واستُدِلَّ على اسميتها بقراءة أبي السمال: ((حاشاً لله)) بالتنوين(٤). وهو في ذلك على حدٍّ: سَقْياً لك، وجوِّز أن يكونَ اسمَ فعلٍ والتنوينُ كما في ((صه))، وكذا بقراءة أبيٍّ وعبد الله ﴿هَا: ((حاشا الله)) بالإضافة(٥)، كسبحان الله، وزعم الفارسيُّ أنَّ ((حاشا)) في ذلك حرفُ جرِّ مرادٌ(٦) به الاستثناء كما في قوله: حاشا أبي ثوبانَ إنَّ أبا ثوبان ليس ببُكمةٍ فَدْمِ(٧) ورُدَّ بأنه لم يتقدّمه هنا ما يُستثنى منه. وجاء في رواية عن الحسن أنَّه قرأ: ((حاشْ الله))(٨) بسكون الشين وصلاً ووقفاً مع لام الجرِّ في الاسم الجليل على أنَّ الفتحةَ أُتبعت الألفَ في الإسقاط لأنَّها (١) في المقتضب ٣٩١/٤. (٢) في الحجة ٤٢٢/٤-٤٢٣. (٣) في المحرر الوجيز ٣/ ٢٤٠. (٤) القراءات الشاذة ص٦٣، والبحر ٣٠٣/٥. (٥) القراءات الشاذة ص٦٣، والمحتسب ٣٤١/١، والبحر ٣٠٣/٥، وجاء في حاشية (م): وروي عنهما أيضاً - كما قاله صاحب اللوامح - كقراءة أبي عمرو. اهـ منه. وهو منقول من البحر ٣٠٣/٥. (٦) في (م): مراداً، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٥/ ١٧٤ . (٧) البيت للجميح الأسدي، وهو في الأصمعيات ص٢١٨، والحجة للفارسي ٤/ ٤٢٢، والمحتسب ٣٤١/١، والدر المصون ٦/ ٤٨٢. قوله: فَدْم، الفَدْم: العبيُّ في الكلام في ثِقل ورخاوة وقلة فهم. القاموس (قدم). (٨) المحتسب ٣٤١/١، والبحر ٣٠٣/٥، وعزاها ابن خالويه في القراءات الشاذة للقطعي عن نافع. الآية : ٣١ ٣١١ سُورَةُ مُوسُفَ كالعَرَض اللَّاحق لها. وضُعِّفت هذه القراءة بأنَّ فيها التقاء الساكنين على غير حدِّه. وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ: ((حاشَ الإله))(١). وقرأ الأعمش: ((حشا لله)) بحذف الألف الأولى (٢). هذا واستدلَّ المبرِّدُ وابن جنِّي والكوفيون على أن ((حاش)) قد تكون فعلاً بالتصرُّف فيها بالحذف كما علمت في هذه القراءات، وبأنَّه قد جاء المضارع منها كما في قول النابغة: ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ولا أُحاشي من الأقوام من أحد(٣) ومقصودُهم الردُّ على سيبويه (٤) وأكثرِ البصريّة حیث أنكروا فعليّتها، وقالوا : إنها حرفٌ دائماً بمنزلة ((إلَّا)) لكنَّها تجرُّ المستثنى، وكأنَّه لم يبلغهم النصبُ بها كما في قوله: حاشا قريشاً فإنَّ الله فضَّلهم(٥) وربّما يجيبون عن التصرُّف بالحذف بأنَّ الحذف قد يدخل الحرفَ كقولهم: أما والله، وأَمَ والله، نعم رُدَّ عليهم أيضاً بأنَّها تقع قبل حرف الجرِّ. ويقابل هذا القولَ ما ذهب إليه الفرَّاء من أنَّها لا تكون حرفاً أصلاً، بل هي فعلٌ دائماً ولا فاعلَ لها، والجرُّ الواردُ بعدها كما في: حاشاي إنِّي مسلم معذور(٦) والبيتِ المارِّ آنفاً بلامٍ مقدرَّة. (١) المحتسب ٣٤١/١، والبحر ٣٠٣/٥. (٢) البحر ٣٠٣/٥. (٣) ديوان النابغة ص٣٣، والدر المصون ٤٨٤/٦. وينظر قول المبرد وابن جني وغيرهما في المقتضب ٣٩١/٤، والمحتسب ٣٤٢/١، والمغني لابن هشام ص١٦٤ - ١٦٥. (٤) في الكتاب ٣٤٩/٢، قال: وأما حاشا فليس باسم، ولكنه حرف يجر ما بعده كما تجر (حتى) ما بعدها، وفيه معنى الاستثناء. (٥) وعجزه: على البرية بالإسلام والدين، وهو في شرح الألفية لابن عقيل ١/ ١٧٧ . (٦) وصدره: في فتية جعلوا الصليب إلاهَهم، والبيت للأقيشر كما في اللسان (حشا)، والدرر اللوامع ١٧٧/٣، ودون نسبة في الأضداد لابن الأنباري ص٣٢٢. قوله: معذور، أي: مختون. سُوٌَّلاَ تُوسُفَ ٣١٢ الآية : ٣١ والحقُّ أنها تكون فعلاً تارةً؛ فينصب ما بعدَها، ولها فاعلٌ وهو ضميرٌ مستكنٍّ فيها وجوباً يعود إمَّا على البعض المفهوم من الكلام، أو المصدر المفهوم من الفعل، ولذا لم يُثنَّ، ولم يُجمِعْ، ولم يؤنَّثْ. وحرفاً أخرى ويجرُّ ما بعدها، ولا تتعلَّق بشي كالحروف الزائدةِ عند ابن هشام، أو تتعلَّق بما قبلها من فعلٍ أو شبههِ عند بعض، ولا تدخلُ عليها ((إلا)) كما إذا كانت فعلاً، خلافاً للكسائي في زعمه جوازَ ذلك إذا جَرَّت، وأنها إذا وقعت قبل لام الجرِّ كانت اسمَ مصدر مرادفاً للتنزيه، وتمامُ الكلام في محله. ﴿مَا هَذَا بَثَرًا﴾ نَفَيْنَ عنه البشريّة لِمَا شاهدْنَ من جماله الذي لم يُعْهَدْ مثالُه في النَّوع الإنساني، وقَصْرُهنَّ (١) على الملكيَّة بقولهنَّ: ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا ﴿إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ ﴾﴾ أي: شريفٌ كثيرُ المحاسن، بناء على ما رُكز في الطّباع من أنه لا حيَّ أحسنُ من المَلَك كما رُكز فيها أنْ لا أقبح من الشيطان، ولذا لا يزالُ يشبَّه بهما كلُّ متناهٍ في الحُسْنِ والقُبْح وإن لم يَرَهما أحدٌ، وأنشدوا لبعض العرب: تنزَّل من جوِّ السماء يَصُوبُ(٢) فلستَ لإنْسِيٍّ ولكنْ لِمِلْأكٍ وكثُر في شعر المُحدَثين ما هو من هذا الباب، ومنه قوله: تُرْكٌ إذا قُوبلوا كانوا ملائكةٌ حُسْناً وإن قُوتلوا كانوا عَفاريتا(٣) وغرضهنَّ من هذا وصفُه بأنَّه في أقصى مراتبِ الحُسن والكمال الملائم لطباعهنَّ. ويُعلم ممَّا قَرِّر أنَّ الآية لا تقومُ دليلاً على أنَّ المَلكَ أفضلُ من بني آدم كما ظنَّ (١) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي السعود ٢٧٢/٤ (والكلام منه): وقصرنه. (٢) البيت لعلقمة بن عبدة كما في المفضليات ص٣٩٤، وتحصيل عين الذهب ص ٥٩٠، وهو في زيادات ديوانه ص١١٨، ونسب في مجاز القرآن ٣٣/١، والصحاح (ملك) لجاهلي من عبد القيس يمدح بعض الملوك، وهو دون نسبة في الكتاب ٤/ ٣٨٠، والمنصف ١٠٢/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١١٢/١، وتفسير الطبري ٣٥٠/١. (٣) البيت لأبي إسحاق إبراهيم بن عثمان المعروف بالغزي، كما في خريدة القصر للعماد الأصفهاني ٩/١، والبحر ٢٤١/٥، وفيهما: قوم، بدل: ترك. الآية : ٣١ ٣١٣ سُوَاُ لُوسُفَ أبو علي الجبَّائي وأتباعه، وأيَّده الفَخْر - ولا فخر له - بما أيَّده(١). وذهب غيرُ واحد إلى أنَّ الغرض تنزيهُه عليه السَّلام عمَّا رمي به على أكملٍ وجه، وافتتحوا ذلك بـ ((حاش لله) على ما هو الشائع في مثل ذلك، ففي ((شرح التسهيل)): الاستعمال على أنَّهم إذا أرادوا تبرئةَ أحدٍ من سوءٍ ابتدؤوا تبرئةَ الله سبحانه من السُّوء، ثم يبرِّنون مَن أرادوا تبرئته، على معنى أنَّ الله تعالى منزَّهُ عن أنْ لا يطهِّرَه مما يضيمُه، فيكون آكدُ واَبْلَغ. والمنصور ما أشير إليه أولاً، وهو الذي يقتضيه السِّياق والسباق، نعم هذا الاستعمالُ ظاهر فيما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى عن النِّسوة: ﴿حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٌ﴾ [يوسف: ٥١]. و ((ما)) عاملةٌ عمل ((ليس)) - وهي لغة الحجازيين - لمشابهتِها لها في نفي الحال على ما هو المشهورٌ في ((ليس)) من أنَّها لذلك، أو في مطلَقِ النَّفي بناءً على ما قال الرضيُّ من أنها تَرِدُ لنفي الماضي والمستقبل، والغالبُ على لغتهم جرُّ الخبر بالباء، حتَّى إنَّ النحويين لم يجدوا شاهداً على النَّصب في أشعارهم غيرَ قوله: تصلُ الجيوشُ إليكم أقوادَها وأنا النذيرُ بحرَّةٍ مُسْودَّةٍ حَنْقُو الصدورِ وما هم أولادَها(٢) أبناؤها متكنِّفون أباهمُ والزمخشريُّ يسمِّ هذه اللغةَ: اللغةُ القُدْمى الحجازيَّةِ(٣). ولغةُ بني تميم في مثل ذلك الرفعُ، وعلى هذا جاء قولُه: ومُهَفْهَفِ الأعطافِ قلتُ له انتسبْ فأجاب ما قتلُ المحبِّ حرامٌ(٤) (١) تفسير الفخر الرازي ١٢٩/١٨. (٢) الحماسة البصرية ٨٦/١، وشرح الألفية لابن عقيل ٣٠٢/١، والبحر ٣٠٤/٥، والدر المصون ١٢٣/١. ووقع في الأصل و(م): قوادها، بدل: أقوادها، والمثبت من المصادر. الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرات كأنها أحرقت بالنار. وقوله: متكنفون، أي: محيطون، والكنف: ناحية الشيء. اللسان (حرر) و(كنف). (٣) الكشاف ٣١٧/٢. (٤) ذكره لسان الدين الخطيب في الإحاطة في أخبار غرناطة ٢١٩/٢، والتلمساني في نفح الطيب ٢٢٧/٥. ٣١٤ الآية : ٣٢ ظُ (١)؛ وزعم ابنُ عطيَّةً أنه لم يقرأ بها أحدٌ هنا (٢). وبلُغتهم قرأ ابنُ مسعودٍ وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي: ((ما هذا بِشِرى)) بالباء الجارَّة، وگَسْرِ الشين(٣)، على أنَّ (شِرى)) - كما قال صاحبُ ((اللوامح)) - مصدرٌ أُقيم مقامَ المفعول به(٤)، أي: ما هذا بمَشْرِيٍّ، أي: ليس ممنٍ(٥) يُشترى، بمعنى أنَّه أعزُّ من أن يجري عليه ذلك. ورَوَى هذه القراءة عبدُ الوارث عن أبي عمرو أيضاً إلَّا أنه رَوَى عنه أنَّه مع ذلك كَسَر اللام من («ملك»(٦)، وروى الكسرَ ابنُ عطيَّة عن الحسن وأبي الحويرث أيضاً(٧). والمراد إدخالُه في حيِّز الملوك بعد نفي كونه مما يصلحُ للمملوكية، فبين الجملتين تناسبٌ ظاهر. وكأنَّ بعضَهم لم يرَ أنَّ مَن قرأ بذلك قرأ أيضاً ((ملِك)) بكسر اللام فقال لتحصيل التناسُب بينهما في تفسير ذلك: أي: ما هذا بعبدٍ مشترَى لئيم(٨). وعلى التقديرَيْن لا يقال: إنَّ هذه القراءةَ مخالفةٌ لمقتضى المقام، نعم إنَّها مخالفةٌ لرسمِ المصحف؛ لأنَّه لم یکتب ذلك بالياء فيه. ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ الفاءُ فصيحة، والخطابُ للنسوة، والإشارة - حسبما يقتضيه الظاهر - إلى يوسفَ عليه السلام بالعنوان الذي وَصَفْتَه به الآن، من الخروج في الحُسْن والكمال عن المراتب البشريّة والاقتصارِ على المَلَكِيَّة. أو بعنوانِ ما ذكر مع الإكبار(٩) (١) البحر ٣٠٤/٥. (٢) المحرر الوجيز ٢٤٠/٣. (٣) المحتسب ٣٤٢/١، والبحر ٣٠٤/٥. (٤) جاء في حاشية (م): وجوِّز إبقاؤه على المصدرية، أي: لم يحصل هذا بِشِرى. اهـ منه. (٥) في الأصل: مما. (٦) البحر ٣٠٤/٥. (٧) المحرر الوجيز ٢٤٠/٣. (٨) جاء في هامش الأصل و(م): والأولى أن يقال: أي: ما هذا عبد لئيم يملك، بل سيد كريم مالك، فتدبر. اهـ منه. وقوله: ما هذا بعبد مشترى لئيم، هو قول الزمخشري في الكشاف ٣١٧/٢، والبيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٧٥/٥ . (٩) في (م): الإخبار، وهو تصحيف. الآية : ٣٢ ٣١٥ سُوَاُ لُوسُفَ وتقطيع الأيدي بسببه أيضاً، فاسم الإشارة مبتدأ والموصولُ خبرُه، والمعنى: إِنْ كان الأَمرُ كما قلتنَّ فذلكنَّ الملَكُ الكريم الخارجُ في الحُسْن عن المراتب البشريّة، أو الذي قطعتنَّ أيديكنَّ بسببه وأَكْبَرْتُنَّه ووصفتُتَّه بما وصفتنَّه هو ﴿الَّذِىِ لُمْتُنَِّى فِيَةِ﴾ أي: عيَّرتُنَّني في الافتتان فيه. أو بالعنوانِ الذي وَصَفْنَه به فيما سبق بقولهنَّ: امرأةُ العزيز عشقتْ عبدَها الكنعاني، فاسمُ الإشارة خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ دخلتِ الفاءُ عليه بعد حذْفِه، والموصولُ صفةُ اسم الإشارة، أي: فهو ذلكنَّ العبدُ الكنعانيُّ الذي صورتنَّ في أنفسكنَّ وقلتنَّ فيه وفيَّ ما قلتنَّ، فالآن قد علمتُنَّ مَن هو وما قولكنَّ فينا. وقيل: أرادت: هذا ذلك العبد الكنعانيُّ الذي صورتُنَّ في أنفسكنَّ ثمَّ لمتنَّني فيه، على معنى أنكنَّ لم تصوِّرنه بحقِّ صورته، ولو صوَّرتنَّه بما عاينتُنَّ لعذرتُتَّني في الافتتان به (١) . والإشارةُ بما يُشار به إلى البعيد مع قُرْب المشارِ إليه وحضورِه قيل: رفعاً لمنزلته في الحُسْن واستبعاداً لمحلِّه فيه، وإشارةً إلى أنَّه لغرابته بعيدٌ أنْ يوجَدَ مثله. وقيل: إنَّ يوسف عليه السلام كان في وقتِ اللَّوم غيرَ حاضر وهو عندَ هذا الكلام كان حاضراً، فإنْ جُعلت الإشارةُ إليه باعتبار الزمان الأوَّل كانتْ على أصلها، وإن لوحظ الثاني كان قريباً، وكانت الإشارة بما ذُكر لتنزيلِه - لعلوِّ منزلته - منزلةَ البعيد. واحتمالُ أنه عليه السلام أُبْعِدَ عنهنَّ وقت هذا الكلام لئلا يزددْنَ دهشةً وفتنة، ولذا أُشير إليه بـ ((ذلك)) بعيدٌ. وجوَّز ابنُ عطية كونَ الإشارة إلى حبٍّ يوسفَ عليه السلام، وضميرُ ((فيه)) عائدٌ إليه، وجعلَ الإشارة على هذا إلى غائبٍ على بابها(٢). ويبعدُه على ما فيه: ﴿وَلَقَدْ رَوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ﴾ وهو إباحةٌ منها ببقيةِ سرِّها بعد أنْ أقامتْ عليهنَّ الحجَّةَ، (١) في هامش الأصل و(م): تعقبه المولى أبو السعود بأنه لا يناسب المقام، وبيَّن ذلك بما فيه تأمل. اهـ. وينظر تفسير أبي السعود ٢٧٣/٤ . (٢) المحرر الوجيز ٢٤١/٣. سُؤَلةُ مُوسُفَ ٣١٦ الآية : ٣٢ وأوضحت لديهنَّ عُذرَها، وقد أصابهنَّ من قِبَله ما أصابَها(١)، أي: والله لقد راودتُه حسبما قلتنَّ وسمعتنَّ. ﴿فَأَسْتَعْصَمٌ﴾ قال ابن عطية: أي طلبَ العصمةَ وتمسَّك بها وعصاني(٢). وفي ((الكشاف)): أنَّ الاستعصامَ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحقُّظ الشديد، كأنَّه في عصمةٍ وهو مجتهدٌ في الاستزادة منها، ونحوُه: استمسَكَ، واسْتَوْسَعَ الفتقُ، واستَجْمَعَ الرأي، واستَفْحَلَ الخَطْبُ(٣). اهـ. وفي ((البحر)): والذي ذكره الصَّرفُّون في ((استعصم)) أنه موافقٌ لاعتصم، وأمَّا استمْسَك واستوسَع واستجْمَع، فاستفعل فيه أيضاً موافَقةٌ لافتعل، والمعنى: امْتسك واتَّسع واجتمع، وأمَّا استفحل، فاستفعل فيه موافقةٌ لتفعّل، أي: تفخَّل، نحو استكبر وتكبَر(٤). فالمعنى: فامتنع عمَّا أرادتْ منه، وبالامتناع فسِّرت العصمة على إرادةِ الطلب؛ لأنه هو معناها لغةً، قيل: وعنتْ بذلك فرارَه عليه السلام منها، فإنه امتنع منها أوَّلاً بالمقال، ثمَّ لمَّا لم يُفِدْه طلب ما يمنعُه منها بالفَرار، وليس المراد بالعصمة ما أودَعه الله تعالى في بعضٍ أنبيائه عليهم السَّلام ممَّا يمنعُ عن الميل للمعاصي، فإنه معنّى عُرفيٌّ لم يكنْ قبلُ، بل لو كان لم يكن مراداً كما لا يخفى. وتأكيدُ الجملة بالقسم - مع أنَّ مضمونها من مراودتها له عن نفسه مما تحدَّث به النسوة - لإظهار ابتهاجها بذلك. وقيل: إنه باعتبار المعطوف وهو الاستعصام، كأنَّها نَظَمته لقوَّةِ الداعي إلى خلافه من كونه عليه السلام في عنفوانِ الشباب ومزيد اختلاطه معها ومراودتها إيَّاه مع ارتفاع الموانع فيما تظنُّ في سلك ما ينكر ويكذَّب المخبِر به، فأَّدته لذلك. وهو كما ترى. وفي الآية دليلٌ على أنه عليه السلام لم يصدرْ منه ما سوَّد به القُصَّاص وجوهَ (١) في حاشية (م): وكأنها عملت بما قيل: لا تُخْفِ ما صنعت بك الأشواق (٢) المحرر الوجيز ٢٤١/٣. (٣) الكشاف ٣١٨/٢. (٤) البحر ٣٠٦/٥. واشرح هواك فكلنا عشاق الآية : ٣٢ ٣١٧ سُوَرَةُ لُوسُفَ الظُروس(١)، وليت السُّدِّيَّ لو كان قد سدَّ فاه عن قوله: فاستعصم بعد حلِّ سراويله. ثُمَّ إنها بعد أن اعترفتْ لهنَّ بما سمعْنَه وتحدَّثْنَ(٢) به، وأظهرتْ من إعراضِه عنها واستعصامِه ما أظهرتْ، ذكرت أنها مستمرَّة على ما كانت عليه، لا يَلْويها عنه(٣) لومٌ ولا إعراض، فقالت: ﴿وَلَيِنِ لَّْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُهُ﴾ أي: الذي آمرُ به فيما سيأتي كما لم يفعل فيما مضى، فـ ((ما)) موصولة، والجملةُ بعدَها صلةٌ، والعائدُ الهاء، وقد حذف حرفُ الجرِّ منه فاتصل بالفعل، وهذا أمر شائع مع ((أمر))، کقوله : أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به (٤) ومفعول ((أمر)) الأوَّلُ إمَّا متروكٌ لأنَّ مقصودَها لزومُ امتثال ما أمرتْ به مطلقاً كما قيل، وإمَّا محذوفٌ لدلالة ((يفعل)) عليه وهو ضميرٌ يعودُ على يوسف، أي: ما آمره به. وجوِّز أن يكون الضميرُ الموجود هو العائدَ على يوسف، والعائدُ على الموصول محذوفٌ، أي: به، ويعتبر الحذفُ تدريجيًّا لاشتراطهم في حذف العائد المجرور بالحرف كونَه مجروراً بِمْثلِ ما جُرَّ به الموصول لفظاً ومعنّى ومتعلَّقاً، وإذا اعتبر التدريج في الحذف يكون المحذوف منصوباً، وكذا يقال في أمثال ذلك. وقال ابن المنيِّر في «تفسيره))(٥): إنَّ هذا الجارَّ مما أُنس حذفُه، فلا يقدَّر العائد إلا منصوباً مفصولاً، كأنه قيل: آمر يوسف إيَّاه، لتعذّر اتصال ضمیرین من جنسٍ واحد. ويجوز أن تكون ((ما)) مصدريَّةً، فالضمير المذكورُ ليوسف، أي: لئن لم يفعل أمري إيَّاه، ومعنى فِعْلِ الأمر فِعْلُ موجبه ومقتضاه، فهو إمَّا على الإسناد المجازيِّ، (١) جمع الطّرس، وهي الصحيفة. اللسان (طرس). (٢) في (م): وتحدثهن، وهو تصحيف. (٣) في (م): عنها . (٤) وعجزه: فقد تركتك ذا مال وذا نَشَب، وسلف ٤٩٩/٧. (٥) كما في حاشية الشهاب ١٧٥/٥، واسم هذا التفسير كما في الديباج المذهب ٢٤٥/١ : البحر الكبير في نخب التفسير. سُودلُبُوسُفَ) ٣١٨ الآية : ٣٢ أو تقدير المضاف، وعبّرت عن مراودتها بالأمر إظهاراً لجريان حكومتها عليه واقتضاءً للامتثال لأمرِها . ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالنُّون الثقيلة، آثرت بناءَ الفعل للمفعول جرياً على رسم الملوك. وجوِّز أن يكون إيهاماً لسرعةِ ترتّب ذلك على عدم امتثاله لأمرِها كأنه لا يدخلُ بينهما فعلُ فاعلٍ . ﴿وَلَيَكُونَا﴾ بالمخفَّفة ﴿مِّنَ الصَِّغِرِينَ ﴾﴾ أي: الأذلَّاء المهانين، وهو من صَغِرِ كَفَرِحَ، ومصدرُه: صَغَرٌ بفتحتين، وصُغْرٌ بضمٌّ فسكون، وصَغَارٌ بالفتح، وهذا في القَدْر، وأمَّا في الجثّة والجِرْم فالفِعْل صغُر ككَرُمَ، ومصدرُه صِغَرٌ كعِنَب، وجعل بعضُهم الصَّغار مصدراً لهذا أيضاً، وكذا الصَّغَر بالتحريك، والمشهورُ الأوَّل. وأَّدت السَّجْنَ بالنون الثقيلة؛ قيل: لتحقُّقه، وما بعدَه بالنُّون الخفيفة لأنَّه غيرُ متحقِّق، وقيل: لأنَّ ذلك الكون من توابع السِّجن ولوازمه، فاكتفت في تأكيده بالُّون الخفيفة بعد أن أتَّدت الأوَّلَ بالثقيلة. وقرأت فرقةٌ بالتثقيل فيهما(١)، وهو مخالفٌ لرسم المصحف؛ لأنَّ النونَ رُسمت فيه بالألف كـ ﴿لَنَحْفَمَا﴾ [العلق: ١٥] على حكم الوقف، وهي يُوقف عليها بالألف كما في قول الأعشى: ولا تعبدِ الشيطانَ واللهَ فاعبدا(٢) وذلك في الحقيقة لشبهها بالتنوين لفظاً؛ لكونها نوناً ساكنة مفردةً تلحقُ الآخِر. واللامُ الدَّاخلة على حرف الشرط موّةٌ للقسم، وجوابُه سادٌّ مسدَّ الجوابين. ولا يخفى شدَّةُ ما توعَّدتْ به، كيف وإنَّ للذلِّ تأثيراً عظيماً في نفوس الأحرار، وقد يقدِّمون الموتَ عليه وعلى ما يجرُّ إليه. قيل: ولم تذكر العذابَ الأليم الذي ذكرتْه في (مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا) إلخ لأنَّها إذ ذاك كانت في طراوةٍ غَيظِها ومتنصِّلةً من أنَّها هي التي (١) الكشاف ٣١٨/٢، والبحر ٣٠٦/٥. (٢) وصدره: وذا النُّصُب المنصوب لا تَتْسُكنَّه، وهو في ديوان الأعشى ص ١٨٧ . الآية : ٣٣ ٣١٩ سُؤَدَةُ لُوسُفَ راودته، فناسَبَ هناك التغليظَ بالعقوبة، وأما هنا فإنها في طماعيةٍ ورجاء، وأقامت(١) عُذرها عند النسوة، فرقَّتْ عليه فتوغَّدته بالسّجن وما هو من فروعِه ومستتبعاته . وقيل: إنَّ قولها: ((ليكوناً من الصاغرين)) إنَّما أتت به بدلَ قولها هناك: ((عذاب أليم)) وأرادت(٢) ذَلَّه بالقيد، أو بالضرب، أو بغير ذلك. لكن يحتمل أنَّها أرادت بالذُّلِّ والعذاب الأليم ما يكونُ بالضرب بالسِّياط فقط، أو ما يكون به أو بغيره، أو أرادت بالذلِّ ما يكون بالضرب، وبالعذاب الأليم ما يكون به أو بغيره، أو بالعكس. وكيفما كان الأمر فما طلبتْه هنا أعظمُ مما لوَّحت بطلبه هناك؛ لمكان الواو هنا و((أو)) هناك، ولعلَّها إنما بالغتْ في ذلك بمحضرٍ من تلك النِّسوة لمزيد غيظِها بظهورٍ كذبها وصدقِه، وإصرارِه على عدم بلِّ غليلِها، ولتُعلَمَ يوسفَ عليه السَّلام أنها ليست في أمرها على خِيْفَةٍ ولا خفيةٍ من أحدٍ، فَتَضِيقُ عليه الحيل وتَعْيَى به العِلل، وينصحنَ له ويرشدْنَه إلى موافقتها، فتدبّر. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّ سائلاً يقول: فماذا صنع يوسفُ عليه السلام حينئذٍ؟ فقيل: قال مناجياً لربَّه عزَّ وجلَّ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ الذي وَعَدَتْني بالإلقاء فيه، وهو اسم للمَحْبس(٣) . وقرأ عثمان ومولاه طارق، وزيدُ بن علي، والزهريُّ، وابنُ أبي إسحاق، وابنُ هرمز، ويعقوبُ: ((السَّجْن)) بفتح السِّين(٤) على أنَّه مصدر سَجَنه، أي: حَبَسه، وهو في القراءتين مبتدأ خبرُه ما بعده. وقرئ: ((ربُّ)) بالضمِّ، و((السِّجنِ)) بكسر السين والجرِّ على الإضافة، فـ((ربُّ)) (١) في الأصل و(م): وإقامة، والمثبت من البحر ٣٠٦/٥، والكلام منه. وطارق مولى عثمان ◌ُ هو ابن عمرو المكي مولاهم القاضي، سمع من جابر بن عبد الله، ولاه عبد الملك على المدينة ثم عزله وولّى الحجاج. التهذيب ٢٣٣/٢ . (٢) قوله: وأرادت، ساقط من (م). (٣) في الأصل: للحبس. (٤) النشر ٢٩٥/٢ عن يعقوب، والكلام من البحر ٣٠٦/٥. سُوَلَ مُوسُفَ ٣٢٠ الآية : ٣٣ حينئذٍ مبتدأ والخبرُ هو الخبر، والمعنى على ما قيل: لقاءُ صاحب السِّجن، أو: مقاساةُ أمرِه(١). ﴿أَحَبُّ إِلَّ﴾ أي: آثَرُ عندي؛ لأنَّ فيه مشقَّةً قليلةً نافذةً، إثْرَها راحاتٌ كثيرةٌ أبديَّةٌ ﴿مِمَا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ﴾ من مواتاتها التي تؤدِّي إلى الشَّقاوة والعذاب الأليم، وصيغةُ التفضيل ليست على بابها؛ إذ ليس له عليه السلام شائبةٌ محبَّةٍ لِمَا يَدْعونه إليه، وإنَّما هو والسِّجن شرَّان أهونُهما وأقربهما إلى الإيثار السجن. والتعبيرُ عن الإيثار بالمحبَّة لحسم مادَّة طمعها عن المساعدةِ لها على مطلوبها خوفاً من الحبس. والاقتصارُ على السّجن لكون الصَّغار من مستتبعاته على ما قيل. وقيل: اكتفى عليه السَّلام بذكرِ السّجن عن ذكره لوفائِه بالغرض، وهو قطعُ طَمَعِها عن المساعدة خوفاً مما توعّدته به؛ لأنَّها تظنُّ أنَّ السجنَ أشدُّ عليه من الصَّغار، بناءً على زعمِها أنه فتاها حقيقةً، وأنَّ الفتيان لا يشقُّ عليهم ذلك مشقَّةَ السجن، ومتى كان الأشدُ أحبَّ إليه مما يدعونه إليه كان غيرُ الأشدِّ أحبَّ إليه من باب أولی، وفیه منثٌ ظاهر. وإسنادُ الدعوة إليهنَّ لأنهنَّ خوَّفْتَه عن مخالفتها، وزيَّنَّ له مطاوعتَها، فقد روي أنهنَّ قلنَ له: أطعْ مولاتَك واقضٍ حاجاتها لتأمنَ من عقوبتها، فإنَّها المظلومةُ وأنتَ الظالم. وروي أنَّ كلَّ منهنَّ طلبت الخلوةَ لنصيحته، فلما خلتْ به دعته إلى نفسها. وعن علي بن الحسين ﴿ها أنَّ كلَّ واحدة منهنَّ أرسلت إليه سرًّا تسألُه الزيارةَ. فإسنادُ ذلك إليهنَّ لأنهنَّ أيضاً دعونه إلى أنفسهنَّ صريحاً أو إشارةً. وفي أثرٍ ذكره القرطبيُّ أنه عليه السلام لما قال: ((ربِّ السجنُ أحبُّ إليَّ)) إلخ أوحى الله تعالى إليه: يا يوسف أنتَ جنيتَ على نفسك، ولو قلت: العافيةُ أحبُّ إليَّ، عُوفيتَ(٢). ولذلك ردَّ رسول الله وَّهِ على مَن كان يسأل الصَّبر، فقد رَوَى (١) الإملاء ٣٣٥/٣، والدر المصون ٦/ ٤٩٣. (٢) تفسير القرطبي ٣٣٩/١١، وذكره أيضاً ابن قتيبة في عيون الأخبار ٧٩/١.