النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٢٥ ٢٨١ سُؤَةٌ تُوسُفَ ﴿وَقَّدَتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على ((استبقا))، ويحتمل أن يكون في موضع الحال كما قال أبو حيان، أي: وقد قدَّت(١). والقدُّ: القطعُ والشقُّ، وأكثر استعماله فيما كان طولاً، وهو المراد هنا بناءً على ما قيل: إنها جذبته من ورائه(٢) فانخرق القميص إلى أسفله، ويستعملُ الفظُ فيما كان عَرْضاً، وعلى هذا جاء ما قيل في وصف عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: إنه كان إذا اعْتَلَى قدَّ وإذا اعْتَرِضَ قطّ(٣). وقيل القدُّ هنا مطلق الشقِّ، ويؤيِّده ما نقل عن ابن عطية أنه قرأت فرقة: ((قُطَ)) (٤). وقد وَجَدَ ذلك في مصحفِ المفضلُ بنُ حربٍ(٥). وعن يعقوب تخصيصُ القدِّ بما كان في الجلد والثوب الصحيحين(٦). والقميصُ معروفٌ، وجمعُه أَقْمِصَةٌ وَقُمُصٌ وقُمْصانٌ، وإسنادُ القدِّ بأيِّ معنّی كان إليها خاصةً مع أنَّ لقوةٍ يوسف عليه السلام أيضاً دخلاً فيه إمَّا لأنها الجزء الأخير للعلَّة التامة، وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذلِ مجهودها في ذلك، لفَوْتِ المحبوب أو لخوف الافتضاح. ﴿وَأَلْفَيَا﴾ أي: وجدا، وبذلك قرأ عبد الله(٧) ﴿سَيِّدَهَا﴾ أي: زوجَها، وهو (١) البحر ٢٩٧/٥. (٢) في (م): وراء. (٣) ويروى: وإذا توسَّط قطّ، أي: إذا علا قِرْنَه بالسيف قدَّه بنصفين طولاً، وإذا أصاب وسطه قطعه عرضاً نصفين وأبانه. اللسان والتاج (قطط). (٤) في الأصل و(م): وقط، والمثبت من البحر ٢٩٧/٥، والكلام منه، والذي في المحرر الوجيز ٢٣٦/٣: وقرأت فرقة: ((فلما رأى قميصه عُطّ من دبر)). ولعل هذا هو الصواب (أعني ((عط)))، وينظر التعليق الآتي. (٥) البحر ٢٩٧/٥، وفيه: وقال المفضل بن حرب: رأيت في مصحفٍ: ((قطَّ من دُبر)). وذكر ذلك أيضاً عن المفضل الزمخشري في أساس البلاغة (عطط)، والصغاني في العباب الزاخر (عطط)، والقرطبي في تفسيره ٣١٩/١١، إلا أنه عندهم: عط، بدل: قط. (٦) البحر ٢٩٧/٥. وهو في تفسير القرطبي ٣١٩/١١ بلفظ: العط، بدل: القط. ويعقوب هو ابن السکیت. (٧) أخرج ذلك عن ابن مسعود له ابن أبي حاتم في تفسيره ٢١٢٧/٧. سُوَلاَ تُوسُفَ ٢٨٢ الآية : ٢٥ فَيْعِل(١) من ساد يَسُود، وشاع إطلاقه على المالك وعلى الرئيس. وكانت المرأة إذ ذاك ـ على ما قيل - تقول لزوجها: سيدي، ولذا لم يقل: سيدهما. وفي ((البحر)): إنما لم يُضف إليهما لأنه لم يكن مالكاً ليوسف حقيقةً لحريته(٢). ﴿لَدَا الْبَابٍ﴾ أي: عند الباب البرَّانيّ، قيل: وجداه يريد أن يدخل مع ابنٍ عمِّ لها . ﴿قَالَتْ﴾ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالِ سائلٍ يقول: فماذا كان حين ألفيا السيد عند الباب؟ فقيل: قالت: ﴿مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ من الزنى ونحوه ﴿إِلَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ الظاهرُ أنَّ (ما)) نافية، و((جزاء)» مبتدأ، و((مَن)) موصولة أو موصوفة مضاف إليه، والمصدر المؤوَّل خبر، و((أو)) للتنويع خبر المبتدأ، وما بعدُ معطوفٌ على ذلك المصدر، أي: ليس جزاؤه إلا السَّجْنُ(٣) أو العذابُ الأليم، والمراد به على ما قيل: الضرب بالسوط، وعن ابن عباس: أنه القيد. وجوِّز أن تكون ((ما)) استفهامية فـ((جزاء)) مبتدأ أو خبر، أي: أيُّ شيءٍ جزاؤه غير ذلك أو ذلك. ولقد أتت في تلك الحالة التي يدهشُ فيها الفَطِنُ اللوذعيُّ - حيث شاهدها زوجها على تلك الهيئة - بحيلةٍ جمعت فيها غرضيها، وهما تبرئةُ ساحتها مما يلوح من ظاهر الحال، واستنزالُ يوسف عليه السلام عن رأيه في استعصائه عليها وعدمٍ مواتاته لها على مرادها، بإلقاء الرعب في قلبه من مَكْرِها طمعاً في مواقعته لها مُكْرَهاً عند يأسها عن ذلك مختاراً، كما قالت: (وَلَيِن لَمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ، لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَا مِنَ الضَّنْخِرِينَ). ثم إنها جعلت صدورَ الإرادة المذكورة عن يوسف عليه السلام أمراً محقّقاً مفروغاً عنه، غنيًّا عن الإخبار بوقوعه، وأنَّ ما هي عليه من الأفاعيل لأَجْلِ تحقيق جزائها . (١) جاء في حاشية (م): وهذا البناء مختص بالفعل المعتل، وشذ في غيره. اهـ منه. (٢) البحر ٢٩٧/٥. (٣) بفتح السين، مصدر سجَنَه: إذا حَبَسه. حاشية الشهاب ١٧٠/٥ . الآية : ٢٥ ٢٨٣ سُوَّ ◌ُوسُفَ) ولم تصرِّح بالاسم بل أتت بلفظٍ عامٍّ تهويلاً للأمر، ومبالغةً في التخويف، كأنَّ ذلك قانونٌ مَردٌ في حقِّ كلِّ أحدٍ كائناً مَن كان. وذكرتْ نفسها بعنوانِ أهلية العزيز إعظاماً للخَطْبِ، وإغراءً له على تحقيق ما يتوَّّاه بحكم الغضب والحميَّة، كذا قرَّره غيرُ واحد. وذكر الإمام في تفسيره ما فيه نوعُ مخالفةٍ لذلك، حيث قال: إنَّ في الآية لطائفَ: أحدها: أنَّ حَّها الشديدَ ليوسف عليه السلام حملها على رعايةٍ دقيقتين في هذا الموضع، وذلك لأنها بدأت بذكر السجن وأخَّرت ذِكْرَ العذاب؛ لأنَّ المحب لا يسعى في إيلام المحبوب. وأيضاً إنها لم تذكر أنَّ يوسف عليه السلام يجب أن يقابَلَ بأحد هذين الأمرين، بل ذكرت ذلك ذكراً كلِّيًّا صوناً للمحبوب عن الذكر بالشرِّ والألم. وأيضاً قالت: ((إلَّا أنْ يُسجن)) والمرادُ منه: أن يسجن يوماً أو أقلَّ على سبيل التخفيف، فأما الحبسُ الدائم فإنه لا يعبّر عنه بهذه العبارة، بل يقال: يجب أن يُجعل من المسجونين، ألا ترى أنَّ فرعون كيف قال حين هذَّد موسى عليه السلام: ﴿لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]. وثانيها: أنها لَمّا شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهايةِ الشهوة عَظُم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستَحْيَتْ أن تقول: إنَّ يوسف قصدني بسوءٍ، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح، بل اكتفت بهذا التعريض، وليت الحشوية كانوا یکتفون بمثل ما اكتفتْ به، ولكنهم لم يفعلوا ووصفوه بعد قريبٍ من أربعة آلاف سنةٍ بما وصفوه من القبيح وحاشاه. وثالثها: أنَّ يوسف عليه السلام أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه، وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء، فقولها ((ما جزاء)) إلخ جارٍ مجرى التعريضٍ، فلعلها بقلبها كانت تريدُ إقدامه على دفعها ومنعها، وفي ظاهر الأمر كانت تُوهِمُ أنه قصدني بما لا ينبغي(١). انتهى المراد منه، وفيه من الأنظار ما فيه. (١) تفسير الرازي ١٨/ ١٢٢. سُورَةٌ تُوسُفَ ٢٨٤ الآية : ٢٦ ـي: ((أو عذاباً أليماً)) بالنصب على المصدرية كما قال وقرأ زيد بن عليّ الكسائي،: أي: أو يعذَّب عذاباً أليماً (١)، إلا أنه حذف ذلك لظهوره، وهذه القراءةُ أوفقُ بقوله تعالى: (أَنْ يُنْجَنَ) ولم يظهر لي في سرِّ اختلاف التعبير على القراءة المشهورة ما يعوَّلُ عليه، والله تعالى أعلمُ بأسرار كتابه، فتدبَّر. ﴿قَالَ﴾ استئنافٌ وجوابٌ عمَّا يقال: فماذا قال يوسف عليه السلام حينئذ؟ فقيل: قال: ﴿هِىَ رَوَدَقْنِ عَن نَّفْسِىَّ﴾ أي: طالبتْني للمواتاة، لا أنِّي أردتُ بها سوءاً كما زعمت، وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عن التهمة ودَفْعِ الضرر عنها، لا لتفضیحها . وفي التعبير عنها بضمير الغيبة دون الخطاب أو اسم الإشارة مراعاةٌ لحسن الأدب، مع الإيماء إلى الإعراض عنها، كذا قالوا. وفي هذا الضمير ونحوه كلامٌ فقد ذكر ابن هشام في بعض حواشيه على قول ابن مالك في ألفيته: فما الذي غيبةٍ أو حضور (٢) ... إلخ: لِيُنْظَرْ إلى نحو ((هي راودتني)) فإنَّ ((هي)) ضميرٌ باتِّفاقٍ، وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة، وكذا ﴿يَأَبَتِ أَسْتَفْجِرَةٌ﴾ [القصص: ٢٦] وهذا في المتصل وذاك في المنفصل، وقول مَن يخاطب شخصاً في شأنٍ آخَر حاضرٍ معه: قلت له: اتق الله تعالى، وأمرتُه بفعل الخير، وقد يقال: إنه نزل الضمير فيهنَّ منزلةً الغائب، وكذا في عكس ذلك يبلغك عن شخصٍ غائبٍ شيٌ فتقول: ويحك يا فلان أتفعل كذا؟ تنزيلاً له منزلةَ مَن بالحضرة، وحينئذٍ يقال: الحدُّ المستفاد مما ذكر إنما هو للضمير باعتبار وضعه. اهـ. وقال السراج البلقينيُّ في رسالته المسماة ((نشر العبير لطي الضمير)): المفسِّر لضمير الغائب إما مصرَّحٌ به أو مستغنّى بحضورِ مدلوله حسًّا أو علماً، فالحسُّ نحوُ قوله تعالى: (هِىَ رَوَدَتْنِى) و﴿يَتَأَبَتِ اسْتَفْجِرَةٌ﴾ [القصص: ٢٦] كما ذكره ابن مالك، وتعقّبه شيخنا أبو حيان بأنه ليس كما مثَّل به؛ لأنَّ هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما، فضميرُ ((هي راودتني)) عائدٌ على الأهل في قولها: ((ما جزاءُ مَن أراد بأهلك سوءاً)) ولَمَّا كَنَتْ عن نفسها بذلك ولم تقل: بي، بدل «بأهلك» کنَی هو عليه (١) البحر ٢٩٧/٥. (٢) وبعده: كأنت وهو سَمِّ بالضمير. ألفية ابن مالك ٨٨/١ بشرح ابن عقيل. الآية : ٢٦ ٢٨٥ سُؤَةٌ يُوسُفَ السلام عنها بضمير الغيبة فقال: ((هي راودتني)) ولم يخاطبها بأنتٍ راودتيني، ولا أشار إليها بهذه راودتني، وكلُّ هذا على سبيل الأدب في الألفاظ، والاستحياءِ في الخطاب الذي لا يليقُ بالأنبياء عليهم السلام، فَأَبْرَزَ الاسمَ في صورة ضمير الغائب تأُّباً مع العزيز وحياءً منه، وضمير ((استأجره)) عائدٌ على موسى، فمفسره مصرَّحٌ بلفظه، وكأنَّ ابن مالك تخيَّل أنَّ هذا موضعُ إشارةٍ لكون صاحب الضمير حاضراً عند المخاطب، فاعتقد أنَّ المفسر يُستغنى عنه بحضور مدلوله حسًّا، فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة، والتحقيقُ ما ذكرناه. هذا كلامُه(١)، وعندي أنَّ الذي قاله ابن مالك أرجحُ مما قاله الشيخ، وذلك أنَّ الاثنين إذا وقعت بينهما خصومةٌ عند حاكم فيقول المدَّعي للحاكم: لي على هذا كذا، فيقول المدَّعَى عليه: هو يعلم أنه لا حقَّ له عليَّ، فالضميرُ في ((هو)) إنما هو لحضور مدلوله حسًّا، لا لقوله: لي، كما هو المتبادرُ إلى الأفهام. وأيضاً يَرِدُ على ما ذكره في ضمير ((استأجره)) أنَّ موسى عليه السلام لم يسبق له ذكرٌ عند حضوره مع بنت شعيب عليه السلام، وقد قالت: ((يا أبت استأجره)) وقَصْدُها بالضمير الرجلُ الحاضر الذي بان لها من قوَّته وأمانته الأمرُ العظيم. ثم إنَّ مَن خاصم زوجته فقال للحاضرين من أهلها أو من غيرهم: هي طالقٌ، تطلق زوجتُه لوجود ما قرَّره ابن مالك، ولا يتمشَّى على ما قرَّره الشيخ كما لا يخفى. وبالجملة إنَّ التأويل الذي ذكره في الآيتين وإنْ سلِّم فيهما لكن لا يكاد يتمثَّى معه في غيرهما هذا، فلْيُفْهَم. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ ذهب جمعٌ إلى أنه كان ابنَ خالها(٢)، وكان طفلاً في المهد(٣) أنطقه الله تعالى ببراءته عليه السلام، فقد ورد عنه وَلير: ((تكلّم أربعةٌ في المهد وهم صغارٌ: ابن ماشطة ابنةِ فرعون، وشاهدُ يوسفَ عليه السلام، وصاحبُ جريجٍ، وعيسى ابنُ مريم عليهما السلام)» (٤). (١) أي: كلام أبي حيان. (٢) جاء في هامش الأصل و(م): وفي بعض الآثار أنه ابن أختٍ لها، وكان عمره إذ ذاك ثلاثة أشهر. اهـ منه. (٣) جاء في هامش الأصل و(م): ولم يرتض ذلك الجبائي لوجوه ذكرها الإمام، ولا يخفى ما فيها. اهـ منه. (٤) سيأتي تخريجه قريباً. سُورَةُ بُوسُفَ ٢٨٦ الآية : ٢٦ وتعقّب ذلك الطيبيُّ بقوله: يردُّه دلالةُ الحصر في حديث الصحيحين عن أبي هريرة ﴿ه، أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثةٌ: عيسى ابنُ مريم، وصاحبُ جُرَيْج، وصبيٍّ كان يرضع من أمِّه فمرَّ راكبٌ حسنُ الهيئة، فقالت أمُّه: اللهمَّ اجعل ابني مثلَ هذا. فترك الصبيُّ الثديَ وقال: اللهمَّ لا تجعلني مثله)»(١) اهـ. وردَّه الجلال السيوطيُّ فقال: هذا منه على جاري عادته من عدم الاطّلاع على طرق الأحاديث، والحديثُ المتقدِّمُ صحیحٌ أخرجه أحمد في ((مسنده))، وابن حبان في ((صحيحه))، والحاكم في ((مستدركه)) وصحَّحه من حديث ابن عباس(٢). ورواه الحاكم أيضاً من حديث أبي هريرة، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين(٣)، وفي حديث الصحيحين المشارِ إليه آنفاً زيادةٌ على الأربعة: ((الصبيُّ الذي كان يرضع من أمه فمرَّ راكب)) إلخ فصاروا خمسةً، وهم أكثرُ من ذلك، ففي ((صحيح مسلم)) تكلّم الطفل في قصة أصحاب الأخدود(٤)، وقد جمعتُ مَن تكلّم في المهد فبلغوا أحدَ عشر، ونظمتُها فقلت: ويحيى وعيسى والخليلُ ومريمُ تكلّم في المهد النبيُّ محمدٌ وطفلٌ لذي الأخدود يرويه مسلمُ ومُبْري جريجٍ ثم شاهدٌ يوسف يقال لها تزني ولا تتكلّمُ وطفلٌ عليه مُرَّ بالأَمَةِ التي وفي زمن الهادي المبارهُ(٥) يختمُ وماشطةٌ في عهد فرعونَ طفلُها (١) صحيح البخاري (٣٤٣٦)، وصحيح مسلم (٢٥٥٠)، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٠٧١). (٢) مسند أحمد (٢٨٢٢)، والمستدرك ٤٩٦/٢-٤٩٧، وأخرجه أيضاً البزار (٥٤ - كشف)، والطبري ١٠٦/١٣. وهو في مسند أحمد (٢٨٢١)، وصحيح ابن حبان (٢٩٠٤) موقوف علی ابن عباس. (٣) المستدرك ٢/ ٥٩٥. (٤) صحيح مسلم (٣٠٠٥) من حديث صهيب ، وهو عند أحمد (٢٣٩٣١). (٥) هو مبارك اليمامة، روى البيهقي في دلائل النبوة ٥٩/٦، باب: ما جاء في شهادة الرضيع والأبكم لنبينا ﴿ إن صحت فيه الرواية، عن معرض بن معيقيب اليماني أنه جاء به (أي: بمبارك اليمامة) رجل إلى النبي و 8* يوم ولد، فقال له رسول الله ويلات: ((يا غلام، من أنا)) فقال: أنت رسول الله. قال: ((صدقت بارك الله فيك))، وذكر ذلك ابن حجر في فتح = الآية : ٢٦ ٢٨٧ سُوَلاَ تُوسُفَ انتهى، وفيه أنه لَمْ يُرِدِ الطيبيُّ الطعنَ على الحديث الذي ذكر كما توهم، وإنما أراد أنَّ بين الحديث الدالٌ على الحصر وغيره تعارُضاً يحتاجُ إلى التوفيق. وفي ((الكشف)) بعد ذِكْرِهِ حديثَ الأربعة وما تعقِّب به مما تقدَّم عن الطيبيِّ أنه نقل الزمخشري في سورة البروج خامساً (١)، فإن ثبتت هذه أيضاً فالوجهُ أن يجعل ((في المهد)» قيداً وتأكيداً لكونه في مبادي الصبا، وفي هذه الرواية يحمل على الإطلاق، أي: سواءٌ كان في المبادي أو بُعَيْدَها بحيث يكون تكلَّمه من الخوارق. ولا يخفى أنه توفیقٌ بعید. وقيل: كان ابنَ عمِّها الذي كان مع زوجها لدى الباب، وكان رجلاً ذا لحيةٍ، ولا ينافي هذا قول قتادة: إنه كان رجلاً حكيماً من أهلها ذا رأي يأخذ الملك برأيه ويستشيرُه. وجوِّز أن يكون بعضَ أهلها، وكان معهما في الدار بحيث لم يشعرا به، فبصُر بما جرى بينهما، فأغضبه الله تعالى ليوسف فقال الحقَّ. وعن مجاهدٍ أنَّ الشاهد هو القميص المقدود، وليس بشيءٍ كما لا يخفى. وجعل الله تعالى الشاهدَ من أهلها قيل: ليكون أدلَّ على نزاهته عليه السلام وأَنْفَى للتهمة وأَلْزِمَ لها، وخُصَّ هذا مما إذا لم يكن الشاهدُ الطفلَ الذي أنطقه الله تعالی الذي أنطق كلَّ شيء، وأما إذا كان ذلك فذِكْرُ کونِه من أهلها لبيان الواقع، فإنَّ شهادة الصبيِّ حجةٌ قاطعةٌ ولا فرقَ فيها بين الأقارب وغيرهم. وتعقِّب بأنَّ كونَ شهادة القريب مطلقاً أقوى مما لا ينبغي أن يشكّ فيه. وسمِّي شاهداً لأنه أدَّى تأديته في أنْ ثَبَتَ بكلامه قولُ يوسف وبَطَلَ قولُها. وقيل: سمي بذلك من حيث دلَّ على الشاهد وهو تخريقُ القميص. = الباري ٦/ ٤٨٠ وقال: وزعم الضحاك في تفسيره أن يحيى تكلم في المهد، أخرجه الثعلبي، وذكر البغوي في تفسيره أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد، وفي سير الواقدي أن النبي وَّر تكلم أوائل ما ولد. اهـ. وينظر ما سلف عند تفسير الآية (٣٧) من سورة آل عمران. (١) الكشاف ٢٣٨/٤، وهو طفل قصة أصحاب الأخدود الوارد في حديث صهيب څ عند مسلم، وقد سلف تخريجه قريباً . سُؤَدَاُ لُوسُفَ) ٢٨٨ الآية : ٢٦ وفسَّر مجاهدٌ - فيما أخرجه عنه ابنُ جرير(١) - الشهادةَ بالحكم، أي: وحَكَم حاكمٌ من أهلها . ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ أي: قدَّام يوسف عليه السلام، أو من قدَّام القميص، و((إنْ)) شرطية، و((كان)) فعلُ الشرط، وقولُه سبحانه: ﴿فَصَدَقَّتْ﴾ جوابُ الشرط، وهو بتقدير ((قد)) وإلَّا فالفاءُ لا تدخل في مثله، وعن ابن خروف أنَّ مثلَ هذا على إضمار المبتدأ، والجملةُ جوابُ الشرط لا الماضي وحده. وفي ((الكشاف)): أنَّ الشرطية هنا نظير قولك: إنْ أحسنت إليَّ فقد أحسنتُ إليك من قبل، لمن يمتنُّ عليك بإحسانه، فإنه على معنى: إنْ تمتنَّ عليَّ أمتنُ عليك، وكذا هنا المراد: إن يُعْلَمْ أنه كان قميصُه قدَّ ونحوه، وإلّا فبَيْنَ ((إنْ)) الذي للاستقبال و((كان)) تنافٍ(٢). قيل: وهو مبنيٌّ على ما ذهب إليه البعض من أنَّ ((كان)) قويةٌ في الدلالة على الزمان، فحرفُ الشرط لا يقلب ماضيها مستقبلاً، وإلا فكلُّ ماضٍ دخل عليه الشرط قَلَبه مستقبلاً من غير حاجةٍ إلى التأويل. وتعقِّب بأنه لا بدَّ من التأويل هاهنا، وجعل حدوثٍ العلم ونحوِهِ جُزأي الشرطية، كأن يقال: إنْ يُعْلَمْ أو يَظْهَرْ كونُه كذلك فقد ظهر الصدق، ويقال نظيرُه في الشرطية الأخرى الآتية، وإن كانت ((كان)) مما يقلبُ حرفُ الشرط ماضِيَها مستقبلاً كسائر الأفعال الماضية؛ لأنَّ المعنى ليس على تعليق الصدق أو الكذب في المستقبل على كون القميص كذا أو كذا كذلك، بل على تعليق ظهور أحد الأمرين الصدقِ والكذبِ على حدوث العلم بكونه كذلك، وهو ظاهرٌ، وهل هذا التأويل من باب التقدير أو من غيره؟ فيه خلاف، والذي يشير إليه كلامُ بعض المدققين أنه ينزَّلُ في مثل ذلك العلمُ بالشيء منزلةَ استقباله؛ لِمَا بينهما من التلازُم، كما قيل: أيُّ شيء يخفى؟ فقيل: ما لا يكون، فليفهم. ثم إنَّ متعلِّق الصدق ما دلَّ كلامُها عليه من أنَّ يوسف أراد سوءاً، وهو متعلّق الكذب المسند إليها فيما بعد، وهما كما يتعلقان بالنسبة التي يتضمَّنها الكلامُ (١) تفسير الطبري ١١٠/١٣. (٢) الكشاف ٣١٤/٢. الآية : ٢٧ ٢٨٩ سُورَةٌ تُوسُف باعتبارٍ منطوقه يتعلَّقان بالنسبة التي يتضمَّنها باعتبار ما يستلزمه، فكأنه قيل: إن كان قميصه قدَّ من قُبُلٍ فصدقت في دعواها أنَّ يوسف أراد بها سوءاً ﴿وَهُوَ مِنَ اَلْكَذِبِينَ ﴾﴾ في دعواه أنها راودته عن نفسه ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أي: من خلف يوسف عليه السلام، أو خلفِ القميص ﴿فَكَذَبَتْ﴾ في دعواها ﴿وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ في دعواه. والشرطيتان محكيَّتان: إمَّا بقولٍ مضمَرٍ، أي: شهد قائلاً، أو فقال: إن كان .. إلخ، كما هو مذهبُ البصريين. وإما بـ ((شَهِد)) لأنَّ الشهادة قولٌ من الأقوال فجاز أن تعمل في الجمل، كما هو مذهبُ الكوفيين. والإظهارُ في موضع الإضمار في الشرطية الثانية ليدلَّ على الاستقلال مع رعايةٍ زيادة الإيضاح. وجملتا ((وهو من الكاذبين)) ((وهو من الصادقين)) مؤكِّدتان؛ لأنَّ مِن قوله: ((فصدقت)) يُعلم كذبه، ومن قوله: ((فكذبت)) يعلم صدقُه. ووجهُ دلالة قدِّ القميصِ مِن دُبٍ على كذبها أنها تبعته وجذبتْ ثوبه فقدَّته، وأما دلالةُ قدِّه من قُبُلٍ على صِدْقها فمن وجهين: أحدهما: أنه إذا كان تابَعَها وهي دافعته عن نفسها (١)، قدَّتْ قميصَه من قدَّام بالدفع . وثانيهما: أنْ يُسرِعَ إليها ليلحقها فيتعثّر في مقادم(٢) قميصه فيشقَّه، كذا في ((الكشاف))(٣). وتعقّب ابنُ المنير(٤) الوجهَ الأول بأنَّ ما قرِّر في اتِّباعه لها يحتملُ مثله في اتِّباعها له، فإنها إنما تقدُّ قميصه من قُبُلٍ بتقديرِ أن يكون عليه السلام اجتذبها(٥) حتى صارا متقابلين فدفعته عن نفسها، وهذا بعينه يحتمل إذا كانت هي التابعة، بأن (١) في (م): نفسه، وهو خطأ. (٢) في الأصل و(م): مقام، والمثبت من الكشاف ٣١٤/٢، وحاشية الشهاب ١٧١/٥ . (٣) ٣١٤/٢. (٤) في الانتصاف ٣١٤/٢. (٥) في الأصل و(م): أخذ بها، والمثبت من الانتصاف. سُؤٌوَلا تُوسُفَ ٢٩٠ الآية : ٢٧ تكون اجْتَذَبته حتى صارا متقابلَيْنِ ثم جذبت قميصَه إليها من قُبلٍ، بلِ هذا (١) أظهرُ لأنَّ المُؤْجِبَ لقدِّ القميص غالباً الجذبُ لا الدفعُ. والوجهَ الثاني بأنَّ ما ذكر بعينه محتملٌ لو كانت هي التابعة وهو فارِّ منها، بأن ينقدَّ قميصه في إسراعه للفرار. اهـ. وأجيب عمَّا ذكره أوَّلاً بأنه غيرُ واردٍ؛ لأنَّ تلك الحالةَ السريعةَ لا تحتملُ إلا أَيْسِرَ ما يمكنُ وأَسْرعَه، وعلى تقديرِ اتِّباعها له تعيَّن القدُّ من دُبرٍ لأنه أهونُ الجذبين، ثم لا نَفْرِضُ كرَّ الفارٌ ليدفعها أو كما لحقت جذبت، فهذا الفرضُ لا وجهَ له هنالك، فإذا ثبت دلالتُه في الجملة على هذا القسم تعيّنَتْ. وعمّا ذكره ثانياً بأنَّ الظاهر على تقدير أنْ تكون تابعةً أنه إذا تعثّر الفارُّ يتعلَّقُ به التابع متشبّئاً، وإذا كانا منفلتين بَعُدَ ذلك الاحتمال. وذكر الفاضل المتعقِّب(٢) أنَّ الحقَّ في هذا الفصل أن يقال: إنَّ الشاهد المذكور إنْ كان صبيًّا أنطقه الله تعالى في المهد كما ورد في بعض الأحاديث، فالآيةُ في مجرَّد كلامه قبلَ أوانه، حتى لو قال: صَدَقَ يوسف وكذبتْ، لكفى برهاناً على صدقه عليه السلام، كما كان مجرَّدُ إخبارِ عيسى عليه السلام في المهد برهاناً على صدق مريم، فلا تنبغي المناسبةُ بين الأمارة المنصوبة وما رتِّب عليها؛ لأنَّ العمدة في الدلائل نَصْبُها لا مناسبتُها(٣). وإن كان قريباً لها قد بَصُرَ بها من حيث لا تشعرُ، فهذا - والله تعالى أعلم - كان من حقٌّه أن يصرِّح بما رأى فيصدِّقَ يوسف عليه السلام ويكذِّبها، ولكنه أراد أن لا يكون هو الفاضحَ لها، ووَثِقَ بأنَّ قدَّ قميصه إنما كان من دُبُرٍ، فنَصَبَه أمارةً لصدقه وكذبها، ثم ذكر القسمَ الآخر وهو قدُّه من قُبُلٍ على عِلْمٍ بأنه لم ينقدَّ كذلك، حتى ينفيَ عن نفسه التهمةَ في الشهادة وقَصْدِ الفضيحة وينصّفهما جميعاً، فلذا ذكر أمارةً على صدقها المعلومِ نفيُه كما ذكر أمارةً على صِدْقِهِ المعلوم وجودُه، وأخرجهما مخرجاً واحداً، وبَنَّى ◌َقدَّه لِمَا لَمْ يسمَّ فاعلُه في الموضعين ستراً على (١) في الانتصاف: هاهنا. (٢) يعني ابن المنير. (٣) جاء في هامش الأصل و(م): قيل: إن التصوير بصورة الشرطية على هذا الشق للإيذان بأن ذلك من العلائم أيضاً. اهـ منه. الآية : ٢٧ ٢٩١ سُوَّلُ بُوسُفَ مَن قدَّه، وقدَّم أمارةَ صدقها في الذكر إزاحةً للتهمة، ووثوقاً بأنَّ الأمارة الثانية هي الواقعةُ، فلا يضرُّه تأخیرُها . والحاصل أنَّ عمدة هذا الشاهد الأمارةُ الأخيرة فقط، والمناسبةُ فيها محقَّقة، وأما الأمارةُ الأولى فليست مقصودةً وإنما هي كالغرض ذُكرت توطئةً للثانية، فلم يلتمس لها مناسَبةً مثلَ تلك المناسبة. وأما إن كان الحكيمَ الذي كان الملك يرجع إلى رأيه، فلا بدَّ من التماسِ المناسبة في الطرفين لأنها عمدةُ الحكيم، وأقربُ وجهٍ في المناسبة أنَّ قدَّ القميص من دبرٍ دليلٌ على إدباره عنها، وقدَّه من قُبلٍ دليلٌ على إقباله عليها بوجهه(١). ولا يَخْفَى أنَّ مثل هذا الوجه لا يصلح أن يكون مطمحَ نظرٍ الحكيم الذي لا يلتفتُ إلا لليقينيات، فالأَوْلَى أن يقال: يحتمل أنَّ ذلك الحكيم كان واقفاً على حقيقة الحال بطريقٍ من الطرق الممكنة، ويسهُل أمرُ ذلك إذا قلنا: إنه كان ابنَ عمّ لها، فهو متيقِّنٌ بعدم مقدم الشرطية الأولى وبوجود مقدم الشرطية الثانية، ومن ضروريات ذلك الجزمُ بانتفاء تالي الأولى ووقوعٍ تالي الثانية، فإذاً هو إخبارٌ بكذبها وصِدْقِه عليه السلام، لكنه ساق شهادته مساقاً مأموناً من الجرح والطعن، حيث صوَّرها بصورةِ الشرطية المتردِّدة ظاهراً بين نَفْعِها ونَفْعِه، وأما حقيقةً فلا تردُّد فيها قطعاً كما أشير إليه. وإلى كون الشرطية الأولى غيرَ مقصودةٍ بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرِّضاً بغفلةِ القاضي البيضاوي، حيث قال: إنَّ قوله تعالى: (إِن كَانَ قَمِيصُهُ، قُدّ مِن قُبُلٍ) إلخ من قبيل المسامحةِ في أحد شقَّي الكلام لتعيُّنِ الآخَرِ عند القائل تنزيلاً للمحتمِلِ منزلةَ الظاهر؛ لأنَّ الشقَّ بالجذب في هذا الشقِّ أيضاً محتملٌ، ومَن غفل عن هذا قال: لأنه يدلُّ على أنه قَصَدَها فدفعتْ عن نفسها، إلى آخر عبارة *(٢) البيضاوي . (١) الانتصاف ٣١٤/٢-٣١٥. (٢) وعبارته في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٧١/٥ هي: لأنه يدل على أنها قدَّت قميصه من قدَّامه بالدفع عن نفسها، أو أنه أسرع خلفها فتعثر بذيله فانقدَّ جيبه. سُؤَلَاُ لُوسُفَ ٢٩٢ الآية : ٢٧ وحاصلُ ذلك على ما قرَّره بعضُ مشايخنا عليهم الرحمةُ: أنَّ القائل يعلمُ يقيناً وقوعَ الشَّقِّ من دبرٍ، لكنه ذكر الشَّقَّ من القُبُل (١) مع أنه محتمِلٌ أنْ يكون بِجَذْبِها إياه إلى طرفها كما أنَّ كونه مِن دَفْعِها إياه من بعض محتملاته، تنزيلاً لهذا المحتمل منزلةَ الظاهر تأكيداً ومبالغةً لثبوت ما دلَّت عليه الشرطيةُ الثانية من صدقه وكذبها، يعني أنَّا نحكم بصِدْقها وكذبه بمجرَّد وقوع الشقِّ في القُبُل، وإنْ كان محتملاً لأسبابٍ أُخَرَ غيرِ دَفْعِها، لكنه ما وقع هذا الشَّقُّ أصلاً فلا صِدْقَ لها، وذلك كما إذا قيل لك: بلَّغتَ إلى زيد الكلامَ الفلانيَّ في هذا اليوم؟ فقلت: إنْ كنتُ تكلَّمْتُ في هذا اليوم مع زيدٍ فقولكم هذا صادقٌ، مع أنَّ تكلُّمك معه في هذا اليوم مطلقاً لا يدلُّ على صدق دعواهم؛ لاحتمالِ أنك تكلَّمتَ معه بكلام غير ذلك الكلام، لكنك قلتَ ذلك تحقيقاً لعدم تبليغك ذلك الكلام إليه . هذا وذكر شيخُ مشايخنا العلّامةُ صبغةُ الله الحيدريُّ طَيِّبَ الله تعالى ثراه: أنَّ الظاهر أنَّ دلالة كلٍّ من الشَّقَّين في الشّقَّين على ما يدلُّ عليه من حيث موافقتُه لِمَا ادَّعاه صاحبُه، فإنها كانت تقول: هو طلبني مقبلاً عليَّ فخلَّصتُ نفسي عنه بالدفع أو الفرار. وهو كان يقول: هي الطالبةُ ففرَرْتُ منها وتبعتني واجْتَذَبَتْ ثوبي فقدَّته. فوقوعُ الشقِّ في شقِّ الدُّبر يدلُّ على كونه مُدْبِراً عنها لا مقبلاً عليها، وعكسُه على عكسه. ثم فرَّع على هذا أنَّ ما ذكره ابنُ الكمال غفلةٌ عن المخاصمة بالمقاوَلةِ. وهو توجيهٌ لطيفٌ للآية الكريمة، بيد أن دعوى وقوع المخاصمة بالمقاوَلةِ على الطرز الذي ذكره رحمه الله تعالى مما لا شاهد لها، وعلَى المدَّعي البيانُ، على أنه يَبْعدُ عقلاً أن تقول: هو طلبني مقبلاً فخلَّصْتُ نفسي منه فانقدَّ قميصه من قُبُلٍ، وهو الذي تقتضيه دعواه أنَّ الظاهر أنَّ دلالة كلٍّ من الشقين .. إلخ، لظهورِ أنَّ ظهور کذبها حينئذٍ أُسرُ ما يكون. وبالجملة قيل: إنَّ الاحتمالات المضعِّفةَ لهذه المشاهَدة كثيرةٌ؛ منها ما علمتَ ومنها ما تعلمُه بأدنى التفاتٍ، ومن هنا قالوا: إنَّ ذلك من بابِ اعتبارِ الأمارة، ولذلك احتَجَّ بالآية - كما قال ابن الفرس - مَن يرى الحُكْمَ من العلماء بالأمارات (١) في الأصل: قبل. الآية : ٢٨ ٢٩٣ سُوََّاُ لُوسُفَ والعلامات فيما لا تحضره البيناتُ، كاللقطة، والسرقة، والوديعة، ومعاقد الحيطان، والسقوف، وغير ذلك. وذكر الإمام أنَّ علامات كذب المرأة كانت كثيرةً بالغةً مبلغَ اليقين، فضمُّوا إليها هذه العلامةَ الأخرى لا لأَجْلِ أن يعوِّلوا في الحكم عليها، بل لأَجْلٍ أن يكون ذلك جارياً مجرى المقوِّيات والمرجِّحات، والله تعالى أعلم (١). وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية: ((من قُبْلٍ)) و((من دُبْرٍ)) بسكون الباء فيهما والتنوينٍ وهي لغةُ الحجاز وأسد(٢). وقرأ ابن يعمر (٣) وابن أبي إسحاق والعطارديُّ وأبو الزناد وآخرون: ((من قُبُلُ)) و ((من دُبُرُ)) بثلاث ضمات(٤). وقرأ الأوَّلان والجارود في روايةٍ عنهم بإسكان الباء فيهما مع بنائهما على الضم(٥)، جعلوهما كـ ((قَبْلُ)) و((بَعْدُ» بعد حذف المضاف إليه ونيةِ معناه. وتعقّب ذلك أبو حاتم بأنَّ هذا رديءٌ في العربية، وإنما يقعُ بعد البناء في الظروف، وهذان اللفظان اسمان متمگِّنان وليسا بظرفين. وعن ابن [أبي] إسحاق أنه قرأ: ((من قُبُلَ)) و((من دُبُرَ)) بالفتح (٦)؛ قيل: كأنه جعلهما عَلَمينٍ للجهتين فمنعهما الصرفَ للعَلَمية والتأنيث باعتبارِ الجهة(٧). ﴿فَلَمَّا رَءَا﴾ أي: السيد، وقيل: الشاهد، والفعلُ من الرؤية البصرية أو القلبية، (١) تفسير الرازي ١٢٤/١٨ . (٢) البحر ٢٩٨/٥، والقراءة ذكرها عن الحسن ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٢٣. (٣) في الأصل و(م): أبو يعمر، وهو خطأ، والمثبت من المصادر على ما يأتي، وابن يعمر هو یحیی بن یعمر. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/٢، والقراءات الشاذة ص٦٣، والمحتسب ٣٣٨/١، والبحر ٢٩٨/٥، والكلام منه. (٥) البحر ٢٩٨/٥. (٦) الكشاف ٣١٤/٢، والبحر ٢٩٨/٥، وما بين حاصرتين منهما. (٧) جاء في هامش الأصل و(م): قيل: وكأنه علمُ جنس، وفيه نظر. اهـ منه. والكلام من حاشية الشهاب ١٧٢/٥ . سُورَةُ تُوسُف ٢٩٤ الآية : ٢٨ أي: فلمَّا عَلِمَ ﴿قَبِيِصَهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ﴾ أي: هذا القَدُّ والشَّقُّ كما قال الضحاك ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ أي: ناشئٌّ من احتيالكُنَّ أيتها النساء ومَكْرِكُنَّ، ومسبَّبٌ عنه، وهذا تكذيبٌ لها وتصديقٌ له عليه السلام على ألطفِ وجهٍ، كأنه قيل: أنتِ التي راودتيه فلم يفعل وفرَّ، فاجتذبتيه فشقَقْتِ قميصه، فهو الصادقُ في إسناد المراودة إليك، وأنتِ الكاذبةُ في نسبة السوء إليه. وقيل: الضمير للأمر الذي وقع فيه التشاجُرُ(١)، وهو عبارةٌ عن إرادةِ السوء التي أُسْنِدَتْ إلى يوسف عليه السلام وتدبيرٍ عقوبته بقولها: ((ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً) إلخ، أي: إنَّ ذلك من جنس مَكْرِكُنَّ واحتيالِكُنَّ. وقيل: هو للسوء، وهو نفسُه وإن لم يكن احتيالاً لكنه يلازمه. وقال الماورديُّ(٢): هو لهذا الأمر، وهو طمعُها في يوسف عليه السلام. وجَعْلُه من الحيلة مجازٌ أيضاً كما في الوجه الذي قبله. وقال الزَجَّاج: هو لقولها: ((ما جزاء) إلخ فقط(٣). واختار العلّامة أبو السعود القيلَ الأول(٤)، وتَكلَّفَ له بما تَكلَّفَ، واعتَرضَ على ما بعده من الأقوال بما اعْتَرَضَ، ولعل ما ذكرناه أقربُ للذوق وأقلُّ مؤنةً مما تکلّف له. وأيًّا ما كان فالخطابُ عامٌّ للنساء مطلقاً، وکونُه لها ولجواریھا ۔ کما قيل - لیس بذاك. وتعميمُ الخطاب للتنبيه على أنَّ الكيد خُلُقٌ لهنَّ عريقٌ: ولا تحسبا هنداً لها الغدرُ وحدها سجيةُ نفسٍ كلُّ غانيةٍ هندُ(٥) (١) جاء في هامش الأصل و(م): لمْ يجعل هؤلاء ((مِن)) سبيةً كما أشرنا إليه، فافهم. اهـ منه. (٢) كما في البحر ٢٩٨/٥. (٣) معاني القرآن للزجاج ١٠٣/٣. (٤) وهو كونه للأمر الذي وقع فيه التشاجر. تفسير أبي السعود ٢٦٩/٤. (٥) جاء في هامش الأصل و(م): هو لأبي تمام من قصيدة. اهـ منه. والبيت في ديوان أبي تمام ٢/ ٨١، وجاء في شرحه للخطيب التبريزي: ((الغدر)) مبتدأ، وخبره ((سجيةُ نفسٍ))، وجملةُ المبتدأ والخبر في موضع المفعول الثاني. ويجوز أن يكون الغدر منصوباً على أنه بدل من قوله: ((هنداً))، ويكون ((سجية نفسٍ)) مفعولاً ثانياً. الآية : ٢٩ ٢٩٥ ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ فإنه ألطفُ وأَعْلَقُ بالقلب، وأشدُّ تأثيراً في النفس، ولأنَّ ذلك قد يُؤْرِثُ من العار ما لا يورثه كيدُ الرجال، ولربَّات القصور منهنَّ القِدْحُ المعلَّى من ذلك؛ لأنهنَّ أكثرُ تفرُّغاً من غيرهنَّ، مع كثرةِ اختلافِ الكيَّادات إليهن، فهنَّ جوامعُ كوامِلُ. ولعظم كيد النساء اتخذهنَّ إبليس(١) عليه اللعنةُ وسائلَ لإغواء مَن صَعُبَ عليه إغواؤه، ففي الخبر: ما أَيِسَ الشيطانُ من أحدٍ إلا أتاه من جهة النساء(٢). وحكي عن بعض العلماء أنه قال: أنا أخاف من النساء ما لا أَخاف من الشيطان؛ فإنه تعالى يقول: (إِنَّ كَيّدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: ٧٦] وقال للنساء: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)، ولأنَّ الشيطان يوسوسُ مسارَقَةً وهنَّ يواجِهْنَ به. ولا يخفى أنَّ استدلاله بالآيتين مبنيٌّ على ظاهر إطلاقهما، ومثلُه مما تنقبضُ له النفسُ وتنبسطُ يكفي فيه ذلك القَدْرُ، فلا يضرُّ كونُ ضَعْفٍ كيدِ الشيطان إنما هو في مقابلةِ كيدِ الله تعالى، وعظمٍ كيدهنَّ إنما هو بالنسبة إلى كيد الرجال. وما قيل: إنَّ ما ذکر ۔ لكونه محکیًّا عن قطفیر - لا يصلحُ للاستدلال به بوجهٍ من الوجوه، ليس بشيءٍ؛ لأنه سبحانه قصَّه من غير نكيرٍ، فلا جُناحَ في الاستدلال به كما لا يخفى. ﴿يُوسُفُ﴾ حُذفَ منه حرفُ النداء لقُرْبِهِ وكمالِ تفظُّنِه للحديث، وفي ندائه باسمه تقريبٌ له عليه السلام وتلطيفٌ. وقرأ الأعمش: ((يوسفَ)) بالفتح(٣)، والأشبهُ على ما قال أبو البقاء(٤): أن يكون أخرجه على أصل المنادى، كما جاء في الشعر: يا عديًّا لقد وَقَتْكَ الأواقي(٥) (١) جاء في هامش الأصل و(م): وهذا من كيده فافهم. اهـ منه. (٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٦٦/٢ عن سعيد بن المسيب قوله. (٣) الإملاء ٣/ ٣٣٠، والدر المصون ٤٧٢/٦، وحاشية الشهاب ١٧٢/٥ . (٤) في الإملاء ٣٣٠/٣. (٥) البيت لمهلهل بن ربيعة كما في المقتضب ٢١٤/٤، والأغاني ٥٤/٥، وأمالي ابن الشجري ١٨٨/٢، وشرح المفصل ١٠/١٠. وصدره: ضربت صدرها إلي وقالت .... ، وفي سِوَالُوسُفَ) ٢٩٦ الآية : ٢٩ وقيل: لم تُضبط هذه القراءة عن الأعمش. وقيل: إنه أَجْرَى الوقفَ مجرى الوصل، ونَقَلَ إلى الفاء حركةَ الهمزة من قوله تعالى: ﴿أَعْرِضِ عَنْ هَذَا﴾ - أي: عن هذا الأمر واكتُمْه، ولا تتحدَّثْ به فقد ظهر صدقُك وطهارةُ ثوبك - وهذا كما حُكي: الله أكبرَ اشهد ان لا إله إلا الله، بالوصل والفتح(١). وقرئ: ((أَعْرَضَ)) بصيغة الماضي(٢)، فيوسف حينئذ مبتدأ والجملةُ بعده خبر، ولعل المراد الطلبُ على أتمٍّ وجهٍ فيؤُولُ إلى معنى: ((أَعْرَضَ)) ﴿وَأَسْتَغْفِرِى﴾ أنتِ أيَّتها المرأة، وضعَّف أبو البقاء هذه القراءةَ بأنَّ الأشبه عليها أن يقال: فاستغفري. ﴿لِذَنِكِ﴾ الذي صَدَرَ عنك وثبتَ عليك ﴿إِنَّكِ كُنتِ﴾ بسبب ذلك ﴿مِنَ اْخَاطِئِينَ ﴾ أي: من جملة القوم المتعمِّدين للذنب، أو من جنسهم، يقال: خَطِئَ يَخْطَأ خِطْئاً وخَطَأَ إذا أذنب متعمِّداً، وأخطأ: إذا أَذْنَبَ من غير تعمُّدٍ. وذكر الراغبُ(٣) أنَّ الخطأ العدولُ عن الجهة، وهو أَضْرُبٌّ: الأول: أنْ يريدَ غيرَ ما تَحْسُنُ إرادتُه فيفعله، وهذا هو الخطأ التامُّ المأخوذُ به الإنسان. والثاني: أنْ يريدَ ما يَحْسُنُ فعلُه ولكنْ يقعُ منه خلافُ ما يريد، وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، ومن ذلك قولُه وَلِهِ: ((مَن اجتهد فأخطأ فله أجر))(٤). رواية: رفعت رأسها إلي وقالت ... قال السمين: يريد (يعني أبا البقاء) بأصل المنادى أنه مفعول به فحقُّه النصب كالبيت الذي أنشده. (١) قال السمين في الدر ٦/ ٤٧٤: يعني بالفتح في الجلالة، وفي (أكبر))، وفي ((أشهد))، وذلك أنه قدَّر الوقف على كل كلمةٍ من هذه الكلم، وألقى حركة الهمزة من كلِّ كلمة من الكلم الثلاث على الساكن قبله وأجرى الوصل مجرى الوقف في ذلك، والذي حكاه الناسُ إنما هو في أكبر خاصةً؛ لأنها مظنة الوقف. (٢) الإملاء ٣٣٠/٣، والدر المصون ٤٧٤/٦، وحاشية الشهاب ١٧٢/٥ . (٣) في مفرداته (خطأ). (٤) أخرجه أحمد (١٧٧٧٤) و (١٧٨١٦)، والبخاري (٧٢٥٣)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص به بلفظ: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)). الآية : ٣٠ ٢٩٧ سُوَةُ لُوسُفَ والثالث: أن يريدَ ما لا يَحْسُنُ فعلُه، ويتفق منه خلافُه، فهذا مخطئٌّ في الإرادة مصيبٌ في الفعل. ولا يخفى أنَّ المعنى الذي ذكرناه راجعٌ إلى الضرب الأول من هذه الضُّروب. والجملةُ المؤكّدة في موضع التعليل للأمر، والتذكيرُ لتغليب الذكور على الإناث. واحتمالُ أن يقال: المراد إنك من نسل الخاطئين، فمنهم سرى ذلك العرقُ الخبيثُ فيك، بعيدٌ جدًّا. وهذا النداء قيل: من الشاهد الحكيم، وروي ذلك عن ابن عباس، وحُمِلَ الاستغفارُ على طلب المغفرة والصَّفح من الزوج، ويحتمل أن يكون المراد به طلبَ المغفرة من الله تعالى، ويقال: إنَّ أولئك القومَ وإن كانوا يعبدون الأوثان، إلا أنهم مع ذلك يُثْبتون الصانعَ ويعتقدون أنَّ للقبائح عاقبةً سوءٍ من لدنه سبحانه إذا لم يغفرها، واستُدلَّ على أنهم يثبتون الصانعَ أيضاً بأنَّ يوسف عليه السلام قال لهم: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَفَرِفُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَحِدُ اُلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. والظاهر أنَّ قائل ذلك هو العزيزُ، ولعلہ ۔ کما قيل - کان رجلاً حليماً، وروي ذلك عن الحسن، ولذا اكْتَفَى بهذا القَدْرِ من مؤاخَذَتِها ورُوي أنه كان قليلَ الغيرة، وهو لطفٌ من الله تعالى بيوسف عليه السلام. وفي (البحر)): أنَّ تربةَ إقليم قطفير (١) اقتضت ذلك، وأين هذا مما جرى لبعض ملوك المغرب، أنه كان مع نُدمائه المختصِّين به في مجلسٍ أنسٍ وجاريةٌ تغنيهم من وراء سترٍ، فاستعاد بعضُ خلصائه بيتين من الجارية كانت قد غنَّت بهما، فما لبث أن جيء برأس الجارية مقطوعاً في طستٍ، وقال له الملك: اسْتَعِدِ البيتين من هذا الرأس. فسقط في يد المستعيد، ومَرِضَ مدةَ حياةِ الملك(٢). ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ المشهورُ - وإليه ذهب أبو حيان(٣) - أنه جمعُ تكسيرٍ للقلَّة، كصِبْيةٍ وغِلْمةٍ، وليس له واحدٌ من لفظه، بل من معناه وهو امرأة. وزعم ابن السرَّاج أنه اسمُ جمع. (١) يعني مصر. حاشية الشهاب ١٧٢/٥ . (٢) البحر ٢٩٨/٥. (٣) في البحر ٢٩٩/٥. سُوَلاَ تُوسُفَ ٢٩٨ الآية : ٣٠ وعلى كلٍّ فتأنيتُه غيرُ حقيقيٍّ، ولا التفاتَ إلى كون ذلك المفرد مؤنَّئاً حقيقيًّا؛ لأنه مع طروِّ ما عارض ذلك ليس كسائر المفردات، ولذا لم يؤنَّث فعله. وفي نونه لغتان: الكسر وهي المشهورة، والضُّ وبه قرأ المفضَّل والأعمش والسلميُّ كما قال القرطبي(١)، فلا عبرةَ بمن أنكر ذلك، وهو إذ ذاك اسم جمع بلا خلاف. ويُكسَّر للكثرة على نساء ونسوان. وكنَّ فيما روي عن مقاتل خمساً: امرأةُ الخباز، وامرأةُ الساقي، وامرأةٌ البوَّاب، وامرأة السجَّان، وامرأةٌ صاحب الدَّوَابِّ. ورَوَى الكلبيُّ أنهنَّ كنَّ أربعاً، بإسقاطِ امرأةٍ البوَّاب. ﴿فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ أريدَ بها مصر، والجارُّ والمجرورُ في موضع الصفة لـ ((نسوة)) على ما استظهره بعضُهم، ووُصِفْنَ بذلك لأنَّ إغاظةَ كلامهنَّ بهذا الاعتبار الاتّصافِهِنَّ بما يقوِّي جانبَ الصدق أكثر، فإنَّ كلام البدويات لبُعْدِهنَّ عن مظانٌ الاجتماع والاطلاع على حقيقة أحوال الحضريات القَصْريات لا يلتفت إلى كلامهنَّ، فلا يَغِيظُ تلك الإغاظةَ. والكثير على اختيار تعلُّقه بـ ((قال))، ومعنى كونٍ قولهنَّ في المدينة: إشاعتُه وإفشاؤه فيها. وتعقّب بأنَّ ذلك خلافُ الظاهر. ﴿أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ هو في الأصل الذي يَقْهَرُ ولا يُقْهَر، كأنه مأخوذٌ من عزَّ، أي: حصل في عَزازٍ، وهي الأرضُ الصلبة التي يصعب وَظْؤُها، ويُظْلَقُ على الملك، ولعلهم كانوا يطلقونه إذ ذاك فيما بينهم على كلِّ مَن ولَّاه الملكُ على بعضٍ مخصوصٍ من الولايات التي لها شأنٌ، فكأن من خواصِّه ذوي القَدْرِ الرفيع والمحلِّ المنيع، وهو بهذا المعنى مرادٌ هنا؛ لأنه أريد به قطفير، وهو في المشهور كما علمتَ إنما كان على خزائن الملك، وكان الملك الريانَ بنَ الوليد. وقيل: المراد به الملك، وكان قطفير ملكَ مصر وإسكندرية. وإضافتهنَّ لها إليه بهذا العنوان دون أن يصرِّحْنَ باسمها أو باسمه(٢) لِيَظْهَر (١) في تفسيره ٣٢٥/١١-٣٢٦، وذكرها العكبري في الإملاء ٣٣٠/٣ دون نسبة. (٢) في (م): أو اسمه. الآية : ٣٠ ٢٩٩ سُؤَةُ لُوسُفَ كونُها من ذوات الأخطار، فيكون عوناً على إشاعة الخبر بحكم أنَّ النفوس إلى سماع أخبار ذوي الأخطار أَمْيَلُ. وقيل - وهو الأَوْلَى - إنَّ ذاك لقَصْدِ المبالغة في لومها بقولهن: ﴿تُزَوِّدُ فَنْهَا عَنْ نَّفْسِةِ،﴾ أي: تطلب مُواقعتَه إياها وتتمَّلُ في ذلك. وإيثارهنَّ صيغةَ المضارع للدلالة على دوام المراودة كأنها صارت سجيةً لها . والفتى من الناس: الطريُّ من الشبان، وأصله فَتَيَ بالياء لقولهم في التثنية - وهي تردُّ الأشياءَ إلى أصولها -: فَتَيَانٍ، فالفترَّةُ على هذا شاذٌّ، وجمعه فتيةٌ وفتيانٌ، وقيل: إنه يائِيٍّ وواويٌّ كَكَنَوْتُ وكَنَّيْتُ، وله نظائرٌ كثيرةٌ. ويطلَقُ على المملوك والخادم لِمَا أنَّ جلَّ الخَدَمةِ شبّانٌ، وفي الحديث: (لا يَقُلْ أحدُكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتايَ وفتاتي)(١)، وأُطلق على يوسف عليه السلام هنا لأنه كان يخدمها، وقيل: لأنَّ زوجها وهبه لها، فهو مملوكُها بزعم النسوة. وتعبيرهنَّ عنه عليه السلام بذلك مضافاً إليها لا إلى العزيز؛ لإبانةِ ما بينهما من التباينِ البَيِّن الناشئ عن الخادمية والمخدومية، أو المالكية والمملوكية، وكلُّ ذلك التربيةِ ما مرَّ من المبالغة في اللوم، فإنَّ مَن لا زوجَ لها من النساء أو لها زوجٌ دنيءٌ قد تُعذَرُ في مراودة الأخدان، لاسيما إذا كان فيهم علوُّ الجناب، وأما التي لها زوجٌ وأيُّ زوجٍ، فمراودتُها لغيره لاسيما لمن لم يكن بينها وبينه كفاءةٌ لها وتَماديها في ذلك غايةٌ الغيِّ ونهايةُ الضلال. ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا﴾ أي: شقَّ حبُّه شَغَافَ قلبها، وهو حجابُه - وقيل: هو جلدةٌ رقيقةٌ يقال لها: لسان القلب - حتى وصل إلى فؤادها، وبهذا يحصلُ المبالغةُ في وصفها بالحبِّ له. وقيل: الشَّغَافُ سويداءُ القلب، فالمبالغةُ حينئذٍ ظاهرةٌ، وإلى هذا يرجع ما روي عن الحسن من أنَّ الشغاف باطنُ القلب، وما حكي عن أبي عليٍّ من أنه وسطُه. والفعلُ مفتوحُ الغين المعجَمةِ عند الجمهور، وقرأ ثابتٌ البنانيُّ بكسرها، وهي (١) أخرجه أحمد (١٠٣٦٨)، والبخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩) من حديث أبي هريرة سُورَةُ لُوسُفَا ٣٠٠ الآية : ٣٠ لغةُ تميم (١). وقرأ عليٍّ كرم الله تعالى وجهه، وعليّ بنُ الحسين وابنُه محمد وابنُه جعفر ﴿ه، والشعبيُّ وعوفٌ الأعرابيُّ: ((شَعَفَها)) بفتح العين المهملة، وهي روايةٌ عن قتادة وابن هرمز ومجاهد وحميد والزهري(٢). وروي عن ثابت البنانيّ أنه قرأ كذلك أيضاً إلا أنه كَسَر العين(٣)، وهو من شَعَفَ البعيرَ: إذا هَنَأَه فأَخْرَقَه بالقَطِران (٤)، فالمعنى: وصل حبُّه إلى قلبها فكاد يحترق، ومن هذا قولُ الأعشى: تعصي الوشاةَ وكان الحبُّ آونةً مما يزيِّنُ للمشعوف ما صنعا (٥) وذكر الراغب(٦) أنه من شَعَفةِ القلب، وهي رأسُه عند معلّق النياط، ويقال لأعلى الجبل شعفةٌ أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أنَّ الشَّغفَ الحبُّ القاتل، والشَّعفَ حبُّ دون ذلك. وأخرجا عن الشعبيِّ أنَّ الشغف الحبُّ، والشَّعفَ الجنون. وأخرجا أيضاً عن ابن زيد أنَّ الشغف في الحب، والشعف في البغض (٧). وهذا المعنى ممتنعُ الإرادة هنا على هذه القراءة. وفي كتاب ((أسرار البلاغة)) في فصل ترتيب الحبِّ (٨): أنَّ أول مراتب الحبِّ الهوى، ثم العَلاقةُ وهي الحبُّ اللازمُ للقلب، ثم الكَلَفُ وهو شدَّةُ الحب، ثم العشقُ وهو اسمٌ لِمَا فَضَل عن المقدار المسمَّى بالحب، ثم الشَّعَفُ بالمهملة وهو (١) البحر ٣٠١/٥. (٢) المحتسب ٣٣٩/١، والبحر ٣٠١/٥. (٣) البحر ٣٠١/٥، وجاء في هامش الأصل و(م): وروي ذلك عن أبي رجاء أيضاً. اهـ منه. (٤) هنأه: طلاه بالقطران، ومعنى إحراقه أنه أثَّر في جلده. حاشية الشهاب ١٧٣/٥ . (٥) ديوان الأعشى ص١٥١، وهو فيه برواية: للمشغوف بالغين المعجمة، وكذا ذكره أبو حيان في البحر ٢٩٩/٥، والسمين في الدر ٦/ ٤٧٥-٤٧٦. وهو برواية المصنف في المحرر الوجيز ٢٣٨/٣. (٦) في مفرداته (شعف). (٧) الأخبار الثلاثة في تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٣١٣١. (٨) وورد ذلك أيضاً في الفصل نفسه من كتاب فقه اللغة للثعالبي ص ١٦٧ .