النص المفهرس

صفحات 181-200

الآية : ٢
١٨١
سُورَةُ لُوسُفَ
وأُميمٍ وجُرْهمٍ والعماليق، وأمم غيرِهم لا يعلمهم إلا الله سبحانه كانوا قبل الخليل
عليه السلام وفي زمانه، وكان عربُ الحجاز من ذريته (١)، وأمَّا عربُ اليمن - وهم
حميرُ - فالمشهورُ كما قال ابن ماكولا: أنهم من قحطان واسمه مهرِّم(٢)، وهو ابن
هود، وقيل: أخوه، وقيل: من ذريته، وقيل: قحطان هو هود. وحكى ابن
إسحاق(٣) وغيرُه أنه من ذرية إسماعيل.
والجمهورُ على أنَّ العرب القحطانيةَ من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من ذريته
عليه السلام(٤)، وأنَّ اللغة العربية مطلقاً كانت قبله وهي إحدى اللغاتِ التي عُلِّمها
آدم عليه السلام وكان يتكلّم بها وبغيرها أيضاً، وكثُر تكلُّمه - فيما قيل - بالسريانية.
واذَّعى بعضُهم أنها أولُ اللغات، وأنَّ كلَّ لغةٍ سواها حدثت بعدها إمَّا توقيفاً
أو اصطلاحاً، واستدلُّوا على أسبقيتها وجوداً بأنَّ القرآن كلامُ الله تعالى وهو عربيٍّ،
وفيه ما فيه .
وهي أفضلُ اللغات، حتى حكى شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية عن الإمام أبي يوسفَ
عليه الرحمةُ كراهةَ التكلُّم بغيرها لمن يُحْسِنُها من غير حاجةٍ (٥).
وبعدها في الفضل على ما قيل: الفارسية الدرية(٦) حتى روي(٧) عن الإمام
(١) جاء في هامش الأصل و(م): وذكر بعضهم أنهم كانوا أربعة إخوة: قحطان وقاحط ومقحط
وفالغ، وفي قحطان الخلاف. اهـ منه. وينظر المزهر ٣٤/١.
(٢) الإكمال لابن ماكولا ٧/ ٣٠٥، وفيه أن مهرِّم براء مشددة مكسورة هو اسم قحطان. وقوله:
وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان، ليس من كلام ابن ماكولا كما توهم
عبارة المصنف. وجاءت العبارة في البداية والنهاية والمزهر: وأما عرب اليمن وهم حمير
فالمشهور أنهم من قحطان، واسمه مهرِّم، قاله ابن ماكولا. وتصحفت مهرم إلى مهزم
بالزاي في كل من الأصل و(م)، ومطبوع البداية والنهاية والمزهر.
(٣) كما في سيرة ابن هشام ١/ ٧.
(٤) إلى هذا الموضع ينتهي كلام ابن كثير.
(٥) ذكر ذلك ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٤٦٤ عن بعض الصحابة والتابعين،
وذكره أيضاً عن الشافعي، ولم نقف فيه على نقل عن أبي يوسف في هذه المسألة.
(٦) أي: الفصيحة. ينظر حاشية ابن عابدين ٤٨٣/١.
(٧) جاء عندها في هامش الأصل: وفي رواية عنه أنه لا فرق في ذلك بين الفارسية وغيرها من
اللغات. اهـ منه. ووقع هذا في حاشية (م) عند قوله: الدرية.

سُورَةُ بُوسُفَ
١٨٢
الآية : ٢
أبي حنيفةَ ظُبه جواز قراءة القرآن بها، سواءٌ في ذلك ما كان ثناءً كالإخلاص
وغيره، وسواءٌ كانت عن عَجْزٍ عن العربية أم لا، وروي عن صاحبيه جوازُ القراءة
في الصلاة بغير العربية لمن لا يُحْسِنُها(١).
وفي (النهاية))(٢) و((الدراية))(٣) أنَّ أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسيِّ أن
يكتب لهم الفاتحةَ بالفارسية فكتب، فكانوا يقرؤون ما كتب في الصلاة حتى لانت
ألسنتُهم، وقد عَرَضَ ذلك على النبيِّ عليه الصلاة والسلام ولم ينكِرْ عليه(٤). نعم
الصحيحُ أنَّ الإمام رجع عن ذلك(٥).
وفي ((النفحة القدسية في أحكام قراءة القرآن وكتابته بالفارسية)) للشرنبلالي
ما ملخَّصُه: حرمةُ كتابةِ القرآن بالفارسية إلَّا أن يُكْتب(٦) بالعربية ويُكتَبَ تفسيرُ كلِّ
حرفٍ وترجمتُه، وحرمةُ مسِّه لغيرِ الطاهر اتِّفاقاً كقراءته، وعدمُ صحة الصلاة
بافتتاحها بالفارسية، وعدمُ صحتها بالقراءة بها إذا كانت ثناءً واقتصاره عليها مع
القدرة على العربية، وعدمُ الفساد بما هو ذِكْرٌ وفسادُها بما ليس ذكراً بمجرَّد قراءته،
ولا يخرج عن كونه أميًّا وهو يعلم الفارسية فقط، وتصحُّ الصلاة بدون قراءةٍ للعجز
عن العربية على الصحيح عند الإمام وصاحبيه. وأطال الكلام في ذلك.
وفي (معراج الدراية))(٧): مَن تعمَّد قراءةَ القرآن أو كتابته بالفارسية فهو مجنونٌ
(١) ينظر قول أبي حنيفة وقول صاحبيه في المبسوط ٣٧/١.
(٢) النهاية شرح الهداية لحسام الدين حسين بن علي الحنفي المتوفى سنة (٧١٠هـ). كشف
الظنون ٢٠٣٢/٢.
(٣) الدراية شرح الهداية لأبي عبد الله محمد بن مباركشاه بن محمد الملقب بمعين الهروي.
كشف الظنون ٢٠٣٨/٢.
(٤) ذكره السرخسي في المبسوط ٣٧/١ دون قوله: وقد عرض ذلك على النبي وَ طير ولم ينكر
عليه .
(٥) قال الحصكفي في الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٨٤/١: الأصح رجوعه إلى
قولهما وعليه الفتوى. اهـ. وقال صاحب الهداية: وعليه الاعتماد. البناية في شرح الهداية
١٢٩/٢.
(٦) في (م): يكتبه.
(٧) معراج الدراية إلى شرح الهداية لقوام الدين محمد بن محمد البخاري الكاكي، المتوفى سنة
(٧٤٩هـ). كشف الظنون ٢٠٣٣/٢.

الآية : ٢
١٨٣
سُؤْرَةُ لُوسُفَ
أو زنديقٌ، والمجنونُ يُدَاوَى والزنديقُ يقتل، وروي ذلك عن أبي بكر محمد بن
الفضل البخاري، ومع هذا لا ينكَرُ فضلُ الفارسية، ففي الحديث: ((لسانُ أهل
الجنة العربيُّ والفارسيُّ الدرِّيُّ))(١)، وقد اشتهر ذلك لكن ذكر الذهبي في ((تاريخه))
عن سفيان أنه قال: بَلَغنا أنَّ الناس يتكلَّمون يومَ القيامة بالسريانية، فإذا دخلوا
الجنةَ تكلَّموا بالعربية .
وأخرج الطبرانيُّ والحاكم والبيهقيُّ وآخرون عن ابن عباس قال: قال
رسول الله وَله: ((أحِبُّوا العربَ لثلاثٍ: لأنِّي عربيٍّ، والقرآنُ عربيٍّ، وكلامُ أهلِ
الجنة عربيٍّ»(٢).
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة ما يعضده(٣).
ولا يخفى على الخبير بمزايا الكلام أنَّ في الكلام العربيِّ من لطائف المعاني
ودقائق الأسرار ما لا يستقلُّ بأدائه لسانٌ، ويليه في ذلك الكلامُ الفارسيُّ(٤)، فإنْ
كان هذا مدارَ الفضل فلا ينبغي أن يتنازع اثنان في أفضلية العربيِّ ثم الفارسيِّ
مما وصل إلينا من اللغات، وإن كان شيئاً آخَرَ فالظاهرُ وجودُه في العربيِّ الذي
اختار سبحانه إنزال القرآن به لا غير.
وقد قُسِمَ لنبيِّنا وَّرَ من هذا اللسان ما لم يُقْسَم لأحدٍ من فُصَحاءِ العرب، فقد
أخرج ابنُ عساكر في ((تاريخه)) عن عمر بن الخطاب ظُه أنه قال: يا رسول الله،
ما لَكَ أفصحُنا ولم تخرجْ من بين أظهرنا؟ قال: ((كانت لغةُ إسماعيل قد دَرَستْ،
فجاء بها جبريلُ عليه السلام فحقَّظنيها فحفِظْتُها))(٥).
(١) ذكره الحصكفي في الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٨٣/١، وهو حديث موضوع
كما في الأسرار المرفوعة للملا علي القاري ص ٢٧٧ .
(٢) المعجم الكبير (١١٤٤١)، والمستدرك ٨٧/٤، وشعب الإيمان (١٦١٠). قال أبو حاتم
كما في العلل لابنه ٣٧٥/٢: هذا حديث كذب.
(٣) الدر المنثور ٣/٤، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٩١٤٧) ولفظه: ((أنا عربي،
والقرآن عربي، ولسان أهل الجنة عربي)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٣/١٠: فيه
عبد العزيز بن عمران، وهو متروك.
(٤) جاء في هامش الأصل و(م): وكذا في العربي ثم الفارسي من الاتساع ما لا يخفى. اهـ منه.
(٥) تاريخ ابن عساكر ٣/٤-٤ من طريق حامد بن أبي حمزة، عن علي بن الحسين بن واقد،

سُوَلُ ◌ُوسُفَ
١٨٤
الآية : ٢
وأخرج البيهقيُّ من طريق موسى بن محمد(١) بن إبراهيم بن الحارث التيميِّ،
عن أبيه من حديثٍ فيه طولٌ: قال رجل: يا رسول الله ما أَفْصَحَكَ، ما رأينا الذي
هو أعربُ منك! قال: ((حقَّ لي، فإنما أُنزل القرآن عليَّ بلسانٍ عربيٍّ مُبِينٍ))(٢).
هذا وجوِّز أن يكون العربيُّ منسوباً إلى عربة، وهي ناحيةُ دار إسماعيل عليه
السلام؛ قال الشاعر:
وعَرْبَةُ أرضٌ ما يُحِلُّ حرامَها
من الناس إلَّ اللَّوْذعيُّ الحلاحِلُ(٣)
والمراد لغةُ أهل هذه الناحية.
واستدلَّ جماعةٌ منهم الشافعيُّ ◌َظُته وابن جرير وأبو عبيدة والقاضي أبو بكر
بوصفِ القرآن بكونه عربيًّا على أنه لا معرَّبَ فيه (٤)، وشدَّد الشافعيُّ النكير على مَن
زعم وقوعَ ذلك فيه، وكذا أبو عبيدةً فإنه قال: مَن زعم أنَّ فيه غيرَ العربية فقد أَعْظَمَ
القول(٥).
ووجَّه ابن جرير ما ورد عن ابن عباس وغيره في تفسير ألفاظ منه أنها بالفارسية
أو الحبشية أو النبطية كذا، بأنَّ ذلك مِمَّا اتَّفق فيه توارُدُ اللغات(٦).
عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن عمر له أنه قال ... ، وهو بهذا الإسناد في
=
معرفة علوم الحديث للحاكم ص١١٦، وجزء ابن الغطريف (٥١). وذكر الحاكم وابن
عساكر أن لهذا الحديث علة عجيبة، وهي أن علي بن خشرم المروزي رواه عن علي بن
الحسين بن واقد قال: بلغني أن عمر قال ... ، وذكره.
(١) في الأصل و(م): من طريق يونس عن محمد، وفي المزهر ٣٥/١ (والكلام منه): من طريق
يونس بن محمد، والمثبت من شعب الإيمان (١٤٣١)، ومثله في العظمة (٧٢٠)، وتفسير
ابن أبي حاتم ٢٨١٨/٩. وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٣٠٤.
(٢) حديث ضعيف لإرساله، محمد بن إبراهيم التيمي تابعي، كما أن ابنه موسى منكر الحديث
كما ذكر الحافظ في التقريب.
(٣) البيت لأبي طالب كما في معجم البلدان ٤/ ٩٧ .
(٤) الرسالة للشافعي ص٤١-٤٢، وتفسير الطبري ١٥/١، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١٧/١،
والتقريب للقاضي أبي بكر الباقلاني ٣٩٩/١، وذكره عنهم الزركشي في البرهان ١/ ٢٨٧،
والسيوطي في الإتقان ١/ ٤٢٧، والكلام منه.
(٥) مجاز القرآن ١/ ١٧.
(٦) تفسير الطبري ١٥/١ .

الآية : ٢
١٨٥
سُورَةُ بُوسُفَ
وقال غيره: بل كان للعرب التي نزل القرآن بلغتهم بعضُ مخالطةٍ لأهل سائر
الألسنة في أسفارٍ لهم، فعلقت من لغاتهم ألفاظٌ غيَّرت بعضَها بالنقص من حروفها
واستعملتها في أشعارها ومحاورتها، حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها
البيان، وعلى هذا الحدِّ نزل بها القرآن.
وقال آخرون: كلُّ تلك الألفاظ عربيةٌ صرفة، ولكن لغة العرب متسعةٌ جدًّا
ولا يبعُدُ أن تَخْفَى على الأكابر الأجلَّة، وقد خفي على ابن عباس معنى ((فاطر))
و(فاتح))(١)، ومن هنا قال الشافعيُّ في ((الرسالة)): لا يحيطُ باللغة إلا نبيٌّ(٢).
وذهب جمعٌ إلى وقوع غير العربيِّ فيه، وأجابوا عن الآية بأنَّ الكلمات اليسيرةَ
بغير العربيةِ لا تُخْرِجُه عن العربية، فالقصيدةُ الفارسيةُ لا تَخْرجُ عن كونها فارسيةً
بلفظةٍ عربيةٍ.
وقال غير واحد: المراد أنه عربيُّ الأسلوب، واستدلُّوا باتِّفاق النحاة على أنَّ
مَنْعَ صَرْفِ نَحْوِ إبراهيم للعَلَمية والعُجمة. ورُدَّ بأنَّ الأعلام ليست محلَّ خلافٍ
وإنما الخلافُ في غيرها. وأجيب بأنه إذا اتُّفق على وقوع الأعلام فلا مانعَ من
وقوع الأجناس، ونُظر فيه.
واختار الجلال السيوطيُّ القولَ بالوقوع، واستدلَّ عليه بما صحَّ عن أبي ميسرة
التابعيِّ الجليل أنه قال: في القرآن من کلِّ لسانٍ. وروي مثله عن سعيد بن جبير
ووهب بن منبِّهِ. وذكر أن حكمة وقوع تلك الألفاظ فيه أنه حوى علومَ الأوَّلين
والآخِرِين ونبأ كلِّ شيءٍ، فلا بد أن تقع فيه الإشارةُ إلى أنواع اللغات لتَتِمَّ إحاطتُه
بكلِّ شيءٍ، فاختير له من كلِّ لغةٍ أعذبُها وأخفُها وأكثرُها استعمالاً للعرب، وأيضاً
لَمَّا كان النبيُّ نَّهِ مرسَلاً إلى كلِّ أمةٍ ناسَبَ أن يكون في كتابه المبعوثِ به من لسان
كلِّ قومٍ شيءٌ، وقد أشار إلى الوجه الأول ابنُ النقيب(٣).
(١) قال ابن عباس: ما كنت أدري ما ((فاطر السماوات والأرض)) حتى أتاني أعرابيان مختصمان
في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يعنى ابتدأتها. وقال: ما كنت أدري ما قوله تعالى:
﴿َرَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِأَلْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْقَئِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] حتى سمعت ابنة ذي
يزن الحميري وهي تقول: تعال أفاتحك، أي: أقاضيك. البرهان ٢٩٣/١.
(٢) الرسالة ص ٤٢.
(٣) الإتقان ١/ ٤١٠.

الآية : ٢
١٨٦
سُؤَةُ لُوسُفَ
وقال أبو عبيد(١) القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء
والمنع عن أهل العربية: الصوابُ تصديقُ القولين جميعاً، وذلك أنَّ هذه الأحرفَ
أصولُهَا عجميةٌ كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب فعرَّبتها بألسنتها، وحوَّلتها عن
ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربيةً، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الأحرف
بكلام العرب، فمن قال: إنها عربيةٌ، فهو صادق، ومَن قال: إنها أعجمية فهو
صادقُ. ومال إلى هذا القول الجواليقيُّ وابن الجوزي(٢) وآخرون، وسيأتي إن
شاء الله تعالى في سورة إبراهيم عليه السلام ما يتعلق بهذا المبحث أيضاً فليتفطن
وليتأمل.
واحتج الجبائيُّ(٣) بالآية على كون القرآن مخلوقاً من أربعة أوجُهٍ :
الأولُ: وَصْفُه بالإنزال، والقديم لا يجوزُ عليه ذلك.
الثاني: وَصْفُه بكونه عربيًّا، والقديم لا يكون عربيًّا ولا فارسيًّا.
الثالث: أنَّ قوله تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرَُّنَا عَرَبِيًّا) يدلُّ على أنه سبحانه قادرٌ على
إنزاله غيرَ عربيٍّ، وهو ظاهرُ الدلالة على حدوثه.
الرابع: أن قوله عز شأنه: (تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ) يدل على تركُّبه من الآيات
والكلمات، وكلُّ ما كان مرَّبًا كان مُحْدَثاً، ضرورةَ أنَّ الجزء الثانيَ غيرُ موجودٍ
حالَ وجود الجزء الأول.
وأجاب الأشاعرة عن ذلك كلِّه بأنَّ قصارى ما يلزمُ منه أنَّ المرَّب من
الحروف والكلمات محدَثٌ، وذلك مما لا نزاع لنا فيه، والذي ندّعي قدمَه شيءٌ
آخَرُ نسمِّيه الكلامَ النفسيَّ، وهو مما لا يتَّصفُ بالإنزال ولا بكونه عربيًّا ولا غيره؛
ولا بكونه مرگّبًا من الحروف ولا غيرِها.
وقد تقدَّم لك في المقدِّمات ما ينفعُكَ هنا (٤)، فلا تغفل.
(١) في الأصل و(م): أبو عبد الله، والمثبت من الإتقان ١/ ٤٣٠، وهو الصواب.
(٢) في الأصل و(م): وابن الجزري، والمثبت من الإتقان ١/ ٤٣٠، وينظر زاد المسير ١٧٨/٤.
(٣) كما في تفسير الرازي ٨٤/١٨.
(٤) ينظر ما سلف ١١٦/١ وما بعدها.

الآية : ٣
١٨٧
سَُّلُ تُوسُفَ
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي: لكي تفهموا معانِيَه وتحيطوا بما فيه من البدائع،
أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنه خارجٌ عن طوق البشر، مشتمِلٌ على ما يشهد له
أنه منزَّلٌ من عند خلَّاق القوى والقُدَر، وهذا بيانٌ لحكمة إنزاله بتلك الصفة،
وصرَّح غير واحدٍ أنَّ (لعل)) مستعملةٌ بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة
التبعية، ومراده من ذلك ظاهر، وجَعْلُها للرجاء من جانب المخاطبين وإن كان
جائزاً لا يناسب المقام.
وزعم الجبائيُّ أنَّ المعنى: أنزله لتعقلوا معانيه في أمر الدِّين، فتعرفوا الأدلَّة
الدالّة على توحيده وما كلَّفكم به، وفيه دليلٌ على أنه تعالى أراد من الكلِّ الإيمانَ
والعملَ الصالح، مَن حَصَلَ منه ذلك ومَن لم يحصلْ. وفيه أنه بمعزلٍ عن
الاستدلال به على ما ذكر كما لا يخفى.
﴿نَحْنُ نَقُضُ عَلَيْكَ﴾ أي: نُخبرك ونحدِّثك، من قَصَّ أثره: إذا اتّبعه، كأنَّ
المحدِّث يتّبع ما حدَّثَ به وذَكَرَه شيئاً فشيئاً، ومثلُ ذلك: تَلَى.
﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أي: أحسن الاقتصاص، فنَصْبُه على المصدرية إمَّا لإضافته
إلى المصدر، أو لكونه في الأصل صفةً مصدرٍ، أي: قَصَصاً أحسنَ القصص، وفيه
مع بيان الواقع إيهامٌ لِمَا في اقتصاص أهل الكتاب من القبح والخلل، والمفعولُ به
محذوفٌ، أي: مضمونَ هذا القرآن، والمراد به هذه السورة، وكذا في قوله عز
وجل: ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَا﴾ أي: بسبب إيحائنا ﴿إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ﴾ والتعرُّضُ لعنوان
قرآنيتها لتحقيق أنَّ الاقتصاص ليس بطريق الإلهام أو الوحي غير المتلوِّ.
ولعل كلمة ((هذا) للإيماء إلى تعظيم المشار إليه، وقيل: فيها إيماءٌ إلى مغايرة
((هذا القرآن)) لِمَا في قوله تعالى: (قُرْءَانًا عَرَبِيًّا) بأنْ يكون المراد بذلك المجموعَ،
وفيه تأمل.
وأحسنيتُه لأنه قد قُصَّ على أبدع الطرائق الرائعة الرائقة، وأعجبِ الأساليب
الفائقة اللائقة، كما لا يكاد يخفى على مَن طالع القصة من كتب الأولين، وإن كان
لا يميِّز الغثَّ من السمين، ولا يفرِّقُ بين الشمال واليمين.
وجوِّز أن يكون هذا المذكورُ مفعولَ ((نقصُّ)). وصرَّح غيرُ واحدٍ أنَّ الآية من

الآية : ٣
١٨٨
سُوُاَلُ لُوسُفَ
باب تنازُع الفعلين، والمذهبُ البصريُّ أولى هنا: أمَّا لفظاً فظاهرٌ، وأما معنَى فلأنَّ
القرآن كما سمعتَ السورةُ، وإيقاعُ الإيحاء عليها أظهرُ من إيقاع ((نقصُ)) باعتبار
اشتمالها على القصة، وما هو أظهر أولى بإعمالِ صريح الفعل فيه، وفيه من تفخيم
القرآن وإحضار ما فيه من الإعجاز وحُسْنِ البيان ما ليس في إعمال ((نقصُّ))
صريحاً .
وجوِّز تنزيلُ أحدِ الفعلين منزلةً اللازم. ويجوز أن يكون ((أحسن)) مفعولاً به
لـ (نقصُّ))، والقصصُ: إما فَعَلٌ بمعنى مفعول كالنبأ والخبر، أو مصدرٌ سمِّي به
المفعول كالخلق والصيد، أي: نقصُّ عليك أحسنَ ما يُقَصُّ من الأنباء، وهي قصةٌ
آل يعقوبَ عليه السلام.
ووجهُ أحسنيتها: اشتمالُها على حاسدٍ ومحسود، ومالكٍ ومملوك، وشاهدٍ
ومشهود، وعاشقٍ ومعشوق، وحَبْسٍ وإطلاق، وخِصْبٍ وجَدْبٍ، وذنبٍ وعفو،
وفراقٍ ووصال، وسَقَم وصحة، وحلٌّ وارتحال، وذلِّ وعزّ، وقد أفادت أنه لا دافع
لقضاء الله تعالى، ولا مانعَ من قدره، وأنه سبحانه إذا قضى لإنسانٍ بخيرٍ ومَكْرُمّةٍ
فلو أنَّ أهل العالم اجتمعوا على دفع ذلك لم يقدروا، وأن الحسد سببُ الخذلان
والنقصان، وأنَّ الصبر مفتاحُ الفَرَج، وأنَّ التدبير من العقل وبه يصلُح أمرُ المعاش،
إلى غير ذلك مما يعجز عن بيانه بنانُ التحرير.
وقيل: إنما كانت ((أحسن)) لأنَّ غالب مَن ذكر فيها كان مالُه إلى السعادة.
وقيل: المقصوصُ أخبارُ الأمم السالفة والقرونِ الماضية، لا قصةُ آل يعقوب
فقط، والمرادُ بهذا القرآن ما اشتمل على ذلك، و((أحسن)) ليس أفعل تفضيل بل هو
بمعنى حَسَنٍ، كأنه قيل: حَسَنَ القصص، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف،
أي: القَصَصَ الحَسَنَ، والمعوَّل(١) عليه عند الجمهور ما ذكرنا.
قيل: ولكونها بتلك المثابة من الحسن تتوفّر الدواعي إلى نقلها، ولذا لم تتكرَّر
کغيرها من القصص. وقيل: سبب ذلك من افتتان امرأةٍ ونسوةٍ بأبدع الناس جمالاً،
ويناسب ذلك عدم التكرار لِمَا فيه من الإغضاء والستر، وقد صحَّح الحاكم في
(١) في (م): والقول.

الآية : ٣
١٨٩
سُوَةٌ تُوسُفَ
(مستدركه)) حديثَ النهي عن تعليم النساء سورة يوسف(١).
وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنما كرَّر الله تعالى قصص الأنبياء وساق هذه القصة
مساقاً واحداً إشارةً إلى عجز العرب، كأن النبيَّ وَّ قال لهم: إن كان من تلقاء
نفسي فافعلوا في قصة يوسف ما فعلتُ في سائر القصص(٢). وهو وجهٌ حسن إلا أنه
يبقى على أنَّ تخصيص سورة يوسف لذلك يحتاجُ إلى بيانٍ، فإنَّ سوق قصة آدم عليه
السلام مثلاً مساقاً واحداً يتضمَّنُ الإشارة إلى ذلك أيضاً بعين ما ذكر.
وقال الجلال السيوطي: ظهر لي وجهٌ في سَوْقها كذلك، وهو أنها نزلتْ بسبب
طلب الصحابة أن يقصَّ عليهم، فنزلت مبسوطةً تامةً ليحصل لهم مقصودُ القصص:
من الاستيعاب، وترويحِ النفس بالإحاطة(٣).
ولا يَخْفَى ما فيه، وكأنه لذلك قال: وأقوى ما يُجاب به أنَّ قصص الأنبياء
إنما كرِّرت لأنَّ المقصود بها إفادةُ إهلاك مَن كذَّبوا رسلَهم، والحاجةُ داعيةٌ إلى
ذلك، كتكرير تكذيب الكفار للرسول وَله، فكلَّما كذَّبوا أُنزلت قصةٌ منذِرةٌ بحلول
العذاب كما حلَّ بالمكذِّبين، ولهذا قال سبحانه في آيات: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّثُ
الْأَوَِّينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ﴿أَلَ يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْدٍ﴾ [الأنعام: ٦] وقصةُ
يوسف لم يقصد منها ذلك. وبهذا أيضاً يَحْصلُ الجوابُ عن عدم تكرير قصة
أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين، وقصة موسى مع الخضر، وقصة الذبيح.
ثم قال: فإن قلت: قد تكرَّرتْ قصةُ ولادة يحيى وولادةٍ عيسى عليهما السلام
مرتين، وليست من قبيل ما ذكّرْتَ.
قلت: الأُولى في سورة ((كهيعص))، وهي مكيةٌ أنزلت خطاباً لأهل مكة،
والثانية في سورة آل عمران وهي مدنية أنزلت خطاباً لليهود ولنصارى نجران حين
قَدِموا، ولهذا اتَّصل بها(٤) ذكر المحاجَّة والمباهلة. اهـ.
(١) لم نقف عليه في المستدرك، وعزاه إليه الزركشي في البرهان ٢٩/٣، والسيوطي في الإتقان
٨٥٤/٢، وعنه نقل المصنف.
(٢) الإتقان ٢/ ٨٥٤.
(٣) الإتقان ٨٥٤/٢-٨٥٥، وفيه: وترويح النفس بها والإحاطة بطرفيها.
(٤) في الأصل و(م): بهذا، والمثبت من الإتقان ٨٥٥/٢٠.

سُؤَدَةٌ تُوسُفَ)
١٩٠
الآية : ٤
واعتُرض بأنَّ قصة آدم عليه السلام كرِّرت مع أنه ليس المقصودُ بها إفادةَ إهلاكِ
مَن گذَّبوا رسلهم.
وأجيب بأنها وإن لم يكن المقصود بها إفادة ما ذكر إلا أنَّ فيها من الزجر عن
المعصية ما فيها، فهي أشبهُ قصةٍ بتلك القصص التي كرِّرت لذلك. فافهم.
﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ ﴾ أي: قبل إيحائنا إليك ذلك ﴿لَمِنَ الْغَفِينَ ﴾﴾
عنه، لم يخطر ببالك ولم يَقْرَعْ سَمْعكَ، وهذا تعليلٌ لكونه موحّى كما ذكره بعض
المحقّقين، والأكثرُ في مثله ترُ الواو.
والتعبيرُ عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأن النبيِّ وَِّ، وكذا العدولُ عن:
لغافلاً، إلى ما في النظم الجليل عند بعضٍ. ويمكن أن يقال: إنَّ الشيء إذا كان
بديعاً وفيه نوعُ غرابةٍ إذا وقف عليه قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلاً، فيجوز أن
يقصد الإشارةُ إلى غرابة تلك القصة، فيكون كالتأكيد لِمَا تقدَّم، إلا أنَّ فيه
ما لا يخفى.
و (((إِنْ)) مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الشأن واللامُ فارِقَةٌ، وجملةُ ((كنتَ)) إلخ
خبرُ ((إنْ)).
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ نصبٌ بإضمار اذكر بناءً على تصرُّفها، وذِكْرُ الوقت كنايةٌ عن
ذِكْرٍ ما حَدَثَ فيه، والكلامُ شروعٌ في إنجاز ما وعد سبحانه.
وحكى مكِّي أنَّ العامل في ((إذا: ((الغافلين))(١). وقال ابن عطية: يجوز أن
يكون العامل فيها ((نقصُّ)). وروي ذلك عن الزجَّاج، على معنى: نقصُّ عليك
الحال إذ ... إلخ(٢)، وهي للوقت المطلق المجرَّد عن اعتبار المضيِّ. وفي كلا
الوجهين ما فيه.
واستظهر أبو حيان بقاءها على معناها الأصليّ، وأن العامل فيها: ((قال
يا بني))، كما تقول: إذ قام زيد قام عمرو (٣). ولا يخلو عن بُعْدٍ.
(١) مشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب ٣٧٧/١.
(٢) المحرر الوجيز ٢١٩/٣، ومعاني القرآن للزجاج ٨٨/٣.
(٣) البحر ٢٧٩/٥ .

الآية : ٤
١٩١
سُورَةُ لُوسُف
وجوَّز الزمخشريُّ كونَها بدلاً من ((أحسن القصص)) على تقدير جَعْلِهِ مفعولاً به،
وهو بدلُ اشتمال(١).
وأُورد: أنه إذا كان بدلاً من المفعول يكون الوقتُ مقصوصاً، ولا معنى له.
وأجيب: بأنَّ المراد لازمُه وهو اقتصاصُ قول يوسف عليه السلام، فإن
اقتصاص وقتِ القول ملزومٌ الاقتصاص القول.
واعترض بأنه يكون بدلَ بعضٍ أو كلِّ لا اشتمالٍ.
وأجيب بأنه إنما يلزمُ ما ذكر لو كان الوقتُ بمعنى القول وهو إما عينُ
المقصوص أو بعضُه، أمَّا لو بقي على معناه وجُعل مقصوصاً باعتبار ما فيه فلا يَرِدُ
الاعتراض.
هذا ولم يجوِّزوا البدليةَ على تقدير نصب ((أحسنَ القصص)) على المصدرية،
وعلِّل ذلك بعدم صحة المعنى حينئذ، وبقيام المانع عربيةً، أما الأول فلأنَّ
المقصوص في ذلك الوقتُ لا الاقتصاصُ. وأما الثاني فلأنَّ أحسن الاقتصاص
مصدرٌ، فلو كان الظرف بدلاً وهو المقصود بالنسبة لكان مصدراً أيضاً، وهو غيرُ
جائزٍ لعدم صحة تأويله بالفعل.
وأُورد على هذا أنَّ المصدر كما يكون ظرفاً، نحو: أتيتُكَ طلوعَ الشمس،
يكونُ الظرفُ أيضاً مصدراً ومفعولاً مطلقاً لسدِّه مسدَّ المصدر، كما في قوله:
أَلم تَغْتَمِضْ عيناك ليلةَ أَرْمَدَ(٢)
فإنهم صرَّحوا - كما في ((التسهيل))(٣) وشروحه - أنَّ ليلةَ مفعولٌ مطلقٌ، أي:
اغتماضَ ليلة، وما ذكر من حديث التأويل بالفعل فهو من الأوهام الفارغة، نعم إذا
ناب عن المصدر ففي كونه بدلَ اشتمالٍ شبهةٌ، وهو شيءٌ آخَرُ غيرُ ما ذكر.
(١) الكشاف ٣٠١/٢.
(٢) وعجزه: وعادك ما عاد السليم المسهَّدا، والبيت للأعشى، وهو في ديوانه ص٤٥، وصدره
في حاشية الشهاب ١٥٣/٥ والكلام منه. ووقع في الأصل و(م): لم، بدل: ألم، والمثبت
من الديوان وحاشية الشهاب.
(٣) ينظر التسهيل ص ٨٧، والكلام من حاشية الشهاب ١٥٣/٥.

سُؤَةٌ تُوسُفَ
١٩٢
الآية : ٤
وعلى الأول أنه وإن لم يشتمل الوقتُ على الاقتصاص فهو مشتملٌ على
المقصوص، فلِمَ لَمْ تجز البدليةُ بهذه الملابسة؟ وردًّ بأنَّ مثل هذه الملابسة
لا تصحِّحُ البدلية.
ونُقل عن الرضيِّ(١) أنَّ الاشتمال ليس كاشتمال الظرف على المظروف، بل
كونه دالًا عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجهٍ ما، بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول
متشوِّقةً إلى الثاني منتظرةً له، فيجيء الثاني مبيِّناً لِمَا أُجمل فيه، فإنْ لم يكن كذلك
يكن بدلَ غلطٍ، وعلى هذا يقال في عدم صحة البدلية: إنَّ النفس إنما تتشوَّقُ لذكر
وقتِ الشيء لا لذكر وقت لازمه، ووقتُ القول ليس وقتاً للاقتصاص.
و(يوسف)) عَلَمٌ أعجميٍّ لا عربيٍّ مشتقٌّ من الأسف، وسمي به لأَسَفِ أبيه
عليه، أو أسفِه على أبيه، أو أسفِ مَن يراه على مفارقته لمزيدٍ حُسْنِه كما قيل،
وإلا لانْصَرفَ لأنه ليس فيه غيرُ العَلَميةِ، ولا يُتَوَهَّمنَّ أنَّ فيه وزنَ الفعل أيضاً؛ إذ
ليس لنا فعلٌ مضارعٌ مضمومُ الأول والثالث، وكذا يقال في يونس.
وقرئ بفتح السين وكسرها (٢) على ما هو الشائع في الأسماء الأعجمية من
التغيير، لا على أنه مضارعٌ بني للمفعول أو للفاعل من آسَفَ؛ لأنَّ القراءة
المشهورة شهدت بعَجَميته، ولا يجوز أن يكون أعجميًّا وغيرَ أعجميٍّ؛ قاله غيرُ
واحدٍ، لكن في ((الصحاح)): أنَّ يعفر والد الأسود الشاعر إذا قلتَه بفتح الياء لم
تَصْرِفْه لأنه مثلُ يَقْتُل، وقال يونس: سمعتُ رؤبة يقول: أسود بن يُعفُر بضم الياء،
وهذا ينصرفُ لأنه قد زال عنه شَبَهُ الفعل(٣) . اهـ.
وصرَّحوا بأنَّ هذا مذهبُ سيبويه، وأنَّ الأخفش خالفه فمنع صَرْفَه لعروض
الضمِّ للإتباع، وعلى هذا يحتمل أن يقال: إنه عربيٌّ ومُنع من الصرف على قراءة
الفتح والكسر للعَلَمية ووزنِ الفعل، وكذا على قراءة الضمِّ بناءً على ما يقوله
الأخفش، ويلتزم كونُ ضمِّ ثالثه إتباعاً لضمٍّ أوَّله.
(١) نقله الشهاب في الحاشية ١٥٣/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص٦٢، والكشاف ٣٠١/٢.
(٣) الصحاح (عفر).

الآية : ٤
١٩٣
سُؤَدَةُ لُوسف
وأُجيبَ بأنه لو كان عربيًّا لوقع فيه الخلافُ كما وقع في يعفر، والظاهرُ أنَّ
أعجميته متحقِّقةٌ عندهم، ولذا التزموا مَنْعَه من الصرف لها وللعَلَمية، ولا التفاتَ
لذلك الاحتمال.
وقرأ طلحةُ بنُ مصرِّفٍ: ((يؤسَف)) بالهمز وفتح السين. وقد جاء فيه الضمُّ
والكسر مع الهمز أيضاً، فيكون فيه ستُّ لغاتٍ(١).
﴿لِأَِّهِ﴾ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وفي الصحيح عن ابن عمر ﴿يا قال:
قال رسول الله مَّي: ((الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ
إسحاق بن إبراهيم)» (٢):
نسبٌ كأنَّ عليه من شمس الضحى
نوراً ومن ضوء الصباح عمودا (٣)
﴿يَأَبَتِ﴾ أصلُه: يا أبي، فعوِّض عن الياء تاءُ التأنيث؛ لتناسُبِهما في كونِ كلِّ
منهما من حروف الزيادة ويضمُّ إلى الاسم في آخره، ولهذا قَلَبها هاءً في الوقف ابنُ
كثير وابن عامر (٤)، وخالف الباقون فأبقَوْها تاءً في الوقف. وكُسِرتْ لأنها عوضٌ
عن الياء التي هي أختُ الكسرة، فحرِّكت بحركةٍ تناسبُ أصلَها، لا لتدلَّ على الياء
ليكون ذلك كالجمع بين عوضين أو بين العوض والمعوَّض. وجعل الزمخشريُّ هذه
الكسرةَ كسرةَ الياء زُحلقت إلى التاء لَمَّا فُتح ما قبلها للزوم فَتْحِ ما قبل التأنيث(٥).
وقرأ ابن عامر وأبو جعفر والأعرج بفتحها(٦)؛ لأنَّ أصلها وهو الياء إذا حرِّك
حرِّك بالفتح.
(١) المحرر الوجيز ٢١٩/٣، وذكر النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٣١٠ عن طلحة أنه قرأ بالهمز
مع كسر السين.
(٢) صحيح البخاري (٣٣٩٠)، وهو عند أحمد (٥٧١٢).
(٣) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ١/ ٤١٣.
(٤) التيسير ص٦٠ و ١٢٧ .
(٥) الكشاف ٢/ ٣٠١.
(٦) التيسير ص١٢٧ عن ابن عامر، والنشر ٢٩٣/٢ عنه وعن أبي جعفر. وجاء في حاشية (م):
المروي عن ابن عامر أنه قرأ به في كل القرآن. اهـ منه. قلنا: وكذا قرأ أبو جعفر بفتح التاء
حيث جاء كما ذكر صاحب النشر.

سُؤَةُ لُوسُفَ
١٩٤
الآية : ٤
وقيل: لأنَّ أصل ((يا أبت)): يا أبتا، بأن قُلبت الياء ألفاً ثم حُذفت وأبقيتْ
فتحتُها دليلاً عليها .
وتعقّب بأنَّ يا أبتا ضعيفٌ(١) ك: يا أبتي، حتى قيل: إنه يختصُّ بالضرورة كقوله:
يا أبتا علَّك أو عساك(٢)
وقال الفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم: إنَّ الألف المحذوفةَ من يا أبتا للندبة (٣).
ورُدَّ بأنَّ الموضع ليس موضعَ ندبة.
وعن قطرب أنَّ الأصل يا أبةً بالتنوين، فحذف، والنداءُ بابُ حذفٍ. وردً بأن
التنوينَ لا يُحذف من المنادى المنصوب، نحو: يا ضارباً رجلاً.
وقرئ بضمِّ التاء (٤) إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنَّثة بالتاء من غير اعتبارٍ
التعويض، وأنت تعلم أنَّ ضم المنادى المضافِ شاٌ.
وإنما لم تسكَّن مع أن الياء التي وقعت هي عوضاً عنها تسكَّن؛ لأنها حرفٌ
صحيحٌ منزَّلٌ منزلةَ الاسم فيجب تحريكُها ككاف الخطاب.
وزعم بعضهم أن الياء أُبدلت تاءً لأنها تدلُّ على المبالغة والتعظيم في نحو: علامة
ونسَّابة، والأبُ والأمُّ مَظِنَةُ التعظيم. فعلى هذا لا حذفَ ولا تعويضَ، والتاءُ حينئذٍ
اسم، فقد صرَّحوا أنَّ الاسم إذا كان على حرفٍ واحد وأُبدل لا يخرج عن الاسمية.
(١) جاء في هامش الأصل و(م): لما فيه من الجمع بين عوضين، وفي الثاني الجمع بين
العوض والمعوض. اهـ منه.
(٢) الرجز في الكتاب ٣٧٥/٢، والخزانة ٢٦٢/٥، وعزاه سيبويه لرؤبة، وقال البغدادي: وقد
ذكر جميع شراح الشواهد أن ما قبله: تقول بنتي قد أنى إناكا، ثم قال: والأكثرون على أن
هذا الرجز لرؤبة بن العجاج لا للعجاج. اهـ. قلنا: هو في ملحقات ديوان رؤبة ص ١٨١ .
وأنى: فعل ماض بمعنى قَرُبَ، والإنى: الوقت، وأنى إناك: حان حينُك، أي: حين ارتحالك
إلى سفر تطلب رزقاً لعلك إن سافرت أصبت ما نحتاج إليه. الخزانة ٣٦٦/٥-٣٦٧.
(٣) ذكره عنهم النحاس في إعراب القرآن ٣١١/٢، وأبو حيان في البحر ٢٧٩/٥، والكلام
منه، وقول الفراء في معاني القرآن ٣٢/٢.
(٤) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٣٠١/٢، وقال الفراء في معاني القرآن ٣٢/٢: ولو قرأ
قارئٍّ: يا أبتُ، لجاز ولم يقرأ به أحد نعلمه.

الآية : ٤
١٩٥
سُورَةُ لُوسُفَ
وقال الكوفيون: إنَّ التاء لمجرَّد التأنيث، وياءُ الإضافة مقدَّرةٌ. ويأباه عدمُ
سماع يا أبتي في السعة، وكذا سماع فتحها على ما قيل. وتعقِّب بأن تاء ((لات))
للتأنيث عند الجمهور، وكذا تاءُ ربَّتَ وثمتَ وهي مفتوحةٌ.
﴿إِنِّ رَأَيْتُ﴾ أي: في المنام، كما يقتضيه كلام ابن عباس وغيره، وكذا قولُه
سبحانه: (لَا نَقْصُصْ رُءْيَاكَ) و(هَذَا تَأْوِيلُ رُنْيَىَ) فإنَّ مصدر رأى الحُلُمية الرؤيا،
ومصدرُ البصرية الرؤية في المشهور، ولذا خطّئ المتنبي في قوله:
ورؤياك أحلى في العيون من الغمض (١)
وذهب السهيليُّ وبعضُ اللغويين إلى أنَّ الرؤيا سُمِعتْ من العرب بمعنى الرؤية
ليلاً ومطلقاً .
واستدلَّ بعضُهم لكون رأى حُلُميةً بأنَّ ذلك لو وقع يقظةً وهو أمرٌ خارقٌ للعادة
لشاع وعُدَّ معجزةً ليعقوبَ عليه السلام، أو إرهاصاً ليوسف عليه السلام. وأجيب
بأنه يجوز أن يكون في زمانٍ يسيرٍ من الليل والناسُ غافلون. والحقُّ أنها حُلُميةٌ،
ومثلُ هذا الاحتمال مما لا يُلتفتُ إليه.
وقرأ أبو جعفر: ((إِنِّيَ)) بفتح الياء(٢).
﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وهي: جَرِيَّان، والطارق، والذيَّال، وقابسٍ، وعمودان،
والفليق، والمُصْبِح، والفَرْغُ، ووثَّاب، وذو الكَتِفَيْن، والضّروج(٣). فقد روي عن
(١) وصدره: مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي، وهو في ديوانه ٣٢٧/٢.
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٢، والبحر ٢٧٩/٢.
(٣) نقلها المصنف عن الشهاب في الحاشية ٥/ ١٥٥، وقال الشهاب: وتعيين هذه الكواكب
وضبط أسمائها لم يتعرَّضوا له هنا، ولم أَرَه في كلام مَن يوثق به، وجريان: بفتح الجيم
وكسر الراء المهملة وتشديد الياء، والطارق معلوم: ما يطلع ليلاً، والذيال من ذوات
الأذناب، وقابس: مقتبس النار، وعمودان تثنية عمود، والفليق: نجم منفرد، والمصبح:
ما يطلع قبيل الفجر، والفرغ بفاء وراءٍ مهملة ساكنة وغين معجمة: نجم عند الدلو، ووثاب
بالتشديد: سريع الحركة، وذو الكتفين تثنية كتف: نجم كبير. وهذه نجوم غير مرصودة
خصت بالرؤيا. اهـ. ووقع في الأصل و(م): الفيلق، بدل: الفليق.

سُؤَلالُوسُفَا
١٩٦
الآية : ٤
جابر أنَّ سناناً (١) اليهوديّ جاء إلى رسول الله وَّله فقال: أخبرني يا محمد عن
النجوم التي رآهنَّ يوسف فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك، فقال عليه
الصلاة والسلام: ((هل أنت مؤمن إن أخبرتك؟)) قال: نعم. فعدَّ بَّهِ ما ذُكر، فقال
اليهوديُّ: إي واللهِ إنها لأسماؤها.
وأخرج السهيلي عن الحارث بن أبي أسامةَ نحوَ ذلك، إلا أنه ذكر النطح بدل
المصبح(٢)، وأخرج الخبرَ الأوَّلَ جماعةٌ من المفسِّرين وأهلِ الأخبار، وصححه
الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، وقال أبو زرعة وابن الجوزيِّ: إنه منكر
موضوع(٣).
(١) كذا نقل المصنف عن حاشية الشهاب ١٥٤/٥، وجاء في أكثر الكتب التي خرجت
الحديث: بستاني، وقال الحافظ في الإصابة ٢٤٣/١: وبستاني أورده ابن فتحون في الذيل
في الباء الموحدة، ورأيته في نسخة من تفسير ابن مردويه بضم الياء التحتانية بعدها سين
مهملة ثم مثناة ثم ألف ثم نون مفتوحة بعد ياء تحتانية، ولعله أصوب. اهـ.
(٢) التعريف والإعلام ص٧٩، وفيه: أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسنداً ورواه الحارث بن
أبي أسامة في مسنده قال: جاء بستاني ... ، وذكر الحديث.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٩٦/٤ من طريق أسباط بن نصر، عن السدي، عن
عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، به. وقد تفرد به الحاكم من هذه الطريق، فقد أخرجه
سعيد بن منصور في سننه (١١١١ - تفسير)، والبزار (٢٢٢٠ - كشف)، وابن حبان في
المجروحين ١/ ٢٥٠-٢٥١، والطبري ١٠/١٣، والعقيلي في الضعفاء ٢٥٩/١، والبيهقي
في الدلائل ٦/ ٢٧٧، وابن الجوزي في الموضوعات (٧٠) من طريق الحكم بن ظهير، عن
السدي، به.
قال ابن حبان: هذا لا أصل له من حديث رسول الله ◌َظهر، والحكم بن ظهير كان يشتم
أصحاب محمد #*، يروي عن الثقات الأشياء الموضوعات. وقال ابن الجوزي: هذا
حديث موضوع على رسول ◌َّ﴾، وقال يحيى بن معين: الحكم بن ظهير ليس بشيء، وقال
النسائي: متروك. اهـ. وقال الجوزجاني كما في التهذيب ٤٦٤/١: الحكم بن ظهير ساقط؛
لمیله وأعاجيب حديثه، وهو صاحب حديث نجوم يوسف. اهـ. وقال ابن كثير عند تفسير
هذه الآية: تفرد به الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمة وتركه الأكثرون. اهـ.
قلنا: وظاهر رواية الحاكم يدل على أن الحكم لم يتفرد به، وقد أشار لذلك السيوطي في
اللآلي المصنوعة ٨٣/١، فقال: وللحكم متابع قوي أخرجه الحاكم في المستدرك، فزالت
تهمة الحكم، والله أعلم. اهـ. وقد ردَّ ذلك الشيخ عبد الرحمن المعلِّمي في تعليقه على
الفوائد المجموعة ص٤٦٤ فقال: قد جزم الجوزجاني ثم العقيلي بأن الحكم بن ظهير تفرد
=

الآية : ٤
١٩٧
سِوَرَةُ لُوسُفَ
وقرأ الحسن وطلحة بن سليمان وغيرهما: ((أَحَدَ عْشَرَ)) بسكون العين(١)؛
التوالي الحركات، وليظهر جَعْلُ الاسمين اسماً واحداً.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطف على ما قبلُ، وزعم بعضهم أنَّ الواو للمعية وليس
بذاك. وتخصيصُهما بالذكر وعدم الاندراج في عموم الكواكب لاختصاصهما
بالشرف، وتأخيرُهما لأنَّ سجودهما أبلغُ وأعلى كعباً، فهو من بابٍ: لا يعرفه فلانٌ
ولا أهلُ بلده.
وتقديمُ الشمس على القمر لِمَا جرت عليه عادة القرآن إذا جمع الشمس
والقمر، وكأن ذلك إما لكونها أعظمَ جرماً وأسطعَ نوراً وأكثرَ نفعاً من القمر،
وإما لكونها أعلى مكاناً منه وكونٍ فلكها أبسط من فلكه على ما زعمه أهل الهيئة
وكثيرٌ من غيرهم، وإمَّا لأنها مفيضةُ النور عليه كما ادَّعاه غيرُ واحد، واستأنس له
بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٍ وَاُلْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
وإنما أَوْرَدَ الكلامَ على هذا الأسلوب ولم يَظْوِ ذِكْرَ العدد لأنَّ المقصود
الأصليَّ أن يتطابق المنامُ ومَن هو في شأنهم، وبترك العدد يفوتُ ذلك.
﴿رَيُْهُمْ لِ سَيِدِينَ ﴾﴾ استَظْهَر في ((البحر))(٢) أنَّ ((رأيتهم)) تأكيدٌ لِمَا تقدَّم
تطرية للعهد (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُمْ وَكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُم
تُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥].
واختار الزمخشريُّ التأسيسَ، وأنَّ الكلام جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنَّ يعقوب عليه
السلام قال له عند قوله: ((رأيتُ أحدَ عَشَرَ كوكباً والشمسَ والقمر»: كيف رأيتَها؟
= به عن السدي، ومن طريق الحكم ذكره المفسرون، مع أن تفسير أسباط عن السدي عندهم
جميعاً، فكيف فاتهم منه هذا الخبر ووقع للحاكم بذاك السند؟! هذا يُشعر بأن بعض الرواة
وهم، وقع له الخبر من طريق الحكم، ثم التبس عليه فظنه من طريق أسباط، كالجادّة، والله
أعلم. وكلام أبي زرعة ذكره ابن أبي حاتم في العلل ٤٠٢/٢، فقال: قال أبو زرعة: هذا
حديث منكر ليس بشيء.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٣١٣/٢، والمحرر الوجيز ٢١٩/٣، والبحر ٢٧٩/٥. وهي قراءة
أبي جعفر من العشرة كما في النشر ٢٧٩/٢ .
(٢) ٥/ ٢٨٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٥٥/٥.
(٣) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب: تطرية لطول العهد، وهو الأنسب بالسياق.

سُاَلُ مُوسُفَ
١٩٨
الآية : ٤
سائلاً عن حال رؤيتها، فقال: ((رأيتهم لي ساجدين))(١). وكأنه لا يرى أنَّ رأى
الحُلُمية تتعدّى إلى مفعولين كالعِلْمية ليلتزم كونَ المفعول الثاني للفعل الأول
محذوفاً، ويرى أنها تتعدّى لواحدٍ كالبصرية فلا حذف، و((ساجدين)) حالٌ عنده
كما يشير إليه كلامُه، والمشهورُ عند الجمهور أنها تتعدّى إلى مفعولين، ولا يُحذف
ثانيهما اقتصاراً.
وجوِّز أن يكون مذهبه القولَ بالتعدِّي إلى ما ذكر، إلا أنه يقول بجواز ما منعوه
من الحذف، وأنت تعلم أن ما استظهره في ((البحر)) سالم عن المخالفة، والتطريةُ(٢)
أمرٌ معهودٌ في الكتاب الجليل(٣).
وإنما أُجْرِيَتْ هذه المتعاطفاتُ مجرى العقلاء في الضمير وجَمْعِ الصفةِ لوَصْفها
بوصف العقلاء، أعني السجودَ سواءٌ كان المرادُ منه التواضعَ أو السجودَ الحقيقيَّ،
وإعطاءُ الشيء الملابِسِ لآخَرَ من بعض الوجوه حُكْماً من أحكامه إظهاراً لأثرٍ
الملابَسةِ والمقارَبةِ شائعٌ في الكلام القديم والحديث، وفي الكلام - على
ما قيل - استعارةٌ مكنيةٌ بتشبيه المذكورات بقومٍ عقلاء ساجدين، والضميرُ والسجودُ
قرينةٌ، أو أحدُهما قرينةٌ تخييليةٌ والآخَرُ ترشيح.
وذهب جماعةٌ من الفلاسفة إلى أنَّ الكواكب أحياءٌ ناطقةٌ، واستُدلَّ لهم بهذه
الآية ونظائرِها، وكثيرٌ من ظواهر الكتاب والسنَّة يشهد لهم، وليس في القول بذلك
إنکار ما هو من ضروریات الدین.
وتقديمُ الجارِّ والمجرور لإظهار العناية والاهتمام، مع ما في ضمنه - على
ما قيل - من رعاية الفواصل.
وكانت هذه الرؤيةُ - فيما قيل - ليلة الجمعة، وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبِّهِ
أنها كانت ليلة القَدْرِ (٤)، ولعله لا منافاةً؛ لظهور إمكانِ كون ليلةٍ واحدةٍ ليلةَ القَدْرِ
(١) الكشاف ٣٠٢/٢.
(٢) في (م): والنظرية، وهو تصحيف.
(٣) جاء في هامش الأصل و(م): وزعم بعضهم أن أحد الفعلين من الرؤية، والآخر من الرؤيا،
وهو کما تری. اهـ منه.
(٤) الدر المنثور ٤ / ٤ .

الآية : ٤
١٩٩
سُورَ ةُ لُوسُفَ
وليلةَ الجمعة. واستشكل كونها في ليلة القدر بأنها من خواصِّ هذه الأمة، وأجيب
بأنَّ ما هو من الخواصِّ تضعيفُ ثواب العمل فيها إلى ما قصَّ الله سبحانه.
وكان عمره عليه السلام حين رأى ذلك اثنتي عَشْرةَ سنةً فيما يُروى عن وهب.
وقيل: سبع عشرة سنة (١). وكان قد رأى قبلُ وهو ابنُ سبع سنين أنَّ إحدى عَشْرةَ
عصاً طوالاً كانت مركوزةً في الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصاً صغيرةٌ تَشِبُ عليها
حتى اقتلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، وتعبيرُ
العصيِّ الإحدى(٢) عَشْرَةَ هو بعينه تعبيرُ الأحَدَ عَشَرَ كوكباً، فإنَّ كلّ منهما إشارةٌ
إلى إخوته، وليس في الرؤية الأولى ما يشير إلى ما يشير إليه الشمسُ والقمر في
الرؤية الثانية، ولا ضرورة إلى التزام القول باتِّحاد المنامين بأن يقال: إنه عليه
السلام رأى في كلِّ أَحَدَ عشر شيئاً، إلا أنَّ ذلك في الأول عصيٍّ وفي الثاني
كواكبُ، ويكون عطفُ الشمس والقمر على ما قبله من قبيل عطف جبريل وميكائيل
عليهما السلام على الملائکة کما یوهمُه کلامُ بعضهم.
وعبِّرت الشمسُ بأبيه والقمرُ بأمِّه، اعتباراً للمكان والمكانة، وروي ذلك عن
قتادة. وعن السديٌّ: أنَّ القمر خالتُه لأن أمه راحيل قد ماتت، والقولُ: بأنَّ الله
تعالى أحياها بعدُ لتصديق رؤياه لا يخفى حالُه.
وعن ابن جُريجٍ: أنَّ الشمس أمُّه والقمر أبوه، وهو اعتبارٌ للتأنيث والتذكير،
وقد تعبّر الشمس بالملك وبالذهب وبالزوجة الجميلة، والقمرُ بالأمير، والكواكبُ
بالرؤساء، وكذا بالعلماء أيضاً.
وعن جعفر الصادق ﴿به أنَّ رؤية القمر تؤوَّلُ على أَحَدٍ سَبْعةً عَشَرَ وجهاً:
ملكٍ، أو وزيرٍ، أو نديمِ الملك، أو رئيسٍ، أو شريفٍ، أو جاريةٍ، أو غلام، أو
أمرٍ باطلٍ، أو والٍ، أو عالمٍ مُفْسدٍ، أو رجلٍ معظّمٍ، أو والدٍ، أو والدةٍ، أو
زوجةٍ، أو بعلٍ لها، أو ولدٍ، أو عَظمةٍ. ولعل ذلك مبنيٌّ على اختلاف الرائي
و كيفية الرؤية.
(١) جاء في هامش الأصل: وإليه ذهب اليهود، وهو مذكور في توراتهم.
(٢) في (م): لإحدى، وهو تصحيف.

سُؤَلُ مُوسُفَ
٢٠٠
الآية : ٥
وزعم بعضهم أنه عليه السلام لم يكن رأى الكواكبَ ولا الشمسَ والقمرَ،
وإنما رأى إخوتَه وأبويه، إلا أنه عبَّر عنهم بذلك على طريقة الاستعارة التصريحية،
وهو خلافُ الظاهر جدًّا، ويكاد يعدُّ من كلام النائم. ويؤيِّد الظاهرَ ما نقله كثير من
المفسرين أنه عليه السلام رأى الكواكب والشمس والقمر قد نزلت فسجدت له،
فقصَّ ذلك على أبيه.
﴿قَالَ يَبُنَّ﴾ صِغَّرِه للشفقة، ويسمِّي النحاةُ مثلَ هذا: تصغيرَ التحبيب،
وما أَلْطَفَ قولَ بعض المتأخِّرين:
قد صغّر الجوهر في ثغره لكنَّه تصغيرُ تحبيبٍ(١)
ويحتملُ أن يكون لذلك ولصغر السنِّ، وفَتْحُ الياء قراءةٌ حفص، وقرأ الباقون
بكسرها (٢). والجملةُ استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ، كأنه قيل: فماذا قال الأبُ بعد
سماع هذه الرؤيةِ العجيبةِ من ابنه؟ فقيل: ﴿قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُوْيَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ
فَيَّكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾ أي: فيحتالوا لإهلاكك حيلةً عظيمةً لا تقدرُ على التَّفَصِّي عنها،
أو خفيَّةً لا تتصدَّى لمدافعتها .
وإنما قال له ذلك لِمَا أنه عليه السلام عَرَفَ من رؤياه أنْ سيُبلِّغُه الله تعالى مبلغاً
جليلاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوَّة، وينعمُ عليه بشرف الدارين، فخاف عليه حسدَ
الإخوة وبَغْيَهم، فقال له ذلك صيانةً لهم من الوقوع فيما لا ينبغي في حقِّه، وله من
معاناة المشاقِّ ومقاساةِ الأحزان، وإن كان واثقاً بأنهم لا يقدرون على تحويل
ما دلَّت عليه الرؤيا، وأنه سبحانه سيحقِّقُ ذلك لا محالةَ، وطمعاً في حصوله
بلا مشقَّةٍ، وليس ذلك من الغيبة المحظورة في شيءٍ.
والرؤيا مصدرُ رأى الحُلُمية الدالَّةِ على ما يقع في النوم سواءٌ كان مرئيًّا أم
لا على ما هو المشهور، والرؤية مصدر رأى البَصَريَّةِ الدالّةِ على إدراكِ مخصوص،
وفرِّق بين مصدر المعنيين بالتأنيثين، ونظيرُ ذلك القُرْبةُ للتقرُّب المعنويِّ بعبادةٍ
ونحوها، والقُرْبَى للتقرُّبِ النَّسَبِي.
(١) حاشية الشهاب ١٥٥/٥.
(٢) التيسير ص١٢٧، والنشر ٢٨٩/٢.