النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ١٠٨ ١٢١ سِوَاُ هُود وما ألطفَ الإشارة في ((شَقُوا)) و((سُعدوا)) على قراءةِ البناء للفاعل في الأوَّل والبناءِ للمفعول في الثاني، فمَنْ وجدَ ذلك فليَحْمَدِ اللهَ تعالى، ومَن لم يجدْ فلا يلومنَّ إلا نفسَه. ﴿عَطَآءُ غَيْرَ مَجْذُونِ (9)﴾ أي: غيرَ مقطوع عنهم ولا مخترَم، ومصدرُه الجذُّ، وقد جاء: جذَذْتُ وجَدَدْتُ بالذال المعجمة والدَّالَ كما قال ابنُ قتيبة(١)، وبالمعجمة أكثر. ونُصب ((عطاء)) على المصدريَّة من معنى الجملة؛ لأن قولَه سبحانه: (فَفِى الْمَِّ خَلِينَ فِيهَا) يقتضي إعطاءً وإنعاماً، فكأنَّه قيل: يعطيهم إعطاءً، وهو إمَّا اسمُ مصدرٍ هو الإعطاء، أو مصدرٌ بحذفِ الزوائد، كقوله تعالى: ﴿أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧]. وقيل: هو نصبٌ على الحالية من المفعول المقدَّر للمشيئة، أو تمييزٌ؛ فإنَّ نسبةً مشيئة الخروج إلى الله تعالى تحتمل أن تكون على جهةٍ عطاءٍ مجذوذ، وعلى جهةٍ عطاءٍ غيرِ مجذوذ، فهو رافعٌ للإبهام عن النسبة، ولعلَّ النصبَ على المصدريَّة أَولى. وكأنَّه جيء بذلك اعتناءً ومبالغةً في التأبيد، ودفعاً لِمَا يُتوهّم من ظاهرِ الاستثناء من الانقطاع. وقيل: إنَّ ذلك لبيان أنَّ ثوابَ أهل الجنَّة - وهو إما نفسُ الدخول، أو ما هو كاللازم البيِّن له - لا ينقطع، فيُعلَم منه أنَّ الاستثناء ليس للدَّلالةِ على الانقطاع كما في العقاب، بل للدلالةِ على ترادفِ نعم ورضوانٍ من الله تعالى، أو لبيان النقصٍ من جانب المبدأ، ولهذا فرّق في النظم بيّن التأبيدين(٢)، حيث تَمَّم الأوَّلَ بقوله سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) للدَّلالة على أنه ينعِّمُ بعضَ مَن يعذِّبه ويبقي غيرَه كما يشاء ويختار، والثاني بقوله تعالى: (عَطَاءُ) إلخ بياناً لأنَّ إحسانَه لا ينقطع. ومن الناس مَن تمسَّك بصَدْر الآية أنَّه لا يبقى في النار أحدٌ، ولم يقل بذلك في الجنة، وتقوَّى مطلبُه ذاك بما أخرجه ابنُ المنذر عن الحسن قال: قال عمرُ: لو لبثَ أهلُ النار في النار كقَدْرِ رَمْلِ عالج لكان لهم يومٌ يخرجون فيه(٣) . (١) في تفسير غريب القرآن ص ٢١٠. (٢) في (م): بين التأبيد من. (٣) الدر المنثور ٣/ ٣٥٠، وأخرجه أيضاً عبد بن حميد في تفسيره كما في فتح الباري ٤٢٢/١١، وهو منقطع كما قال ابن حجر، وقال في تخريج أحاديث الكشاف ص٧٨: ومراسيل الحسن عندهم واهية لأنه كان يأخذ من کل أحد. سُوَلاَ هُودٍ ١٢٢ الآية : ١٠٨ وبما أخرج إسحاق بن راهويه عن أبي هريرة (١) قال: سيأتي على جهَّمَ يومٌ لا يبقى فيها أحد، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ الآية. وأخرج ابنُ المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آيةٌ أرجى لأهل النار من هذه الآية: (خَلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ) قال: وقال ابنُ مسعود: ليأتينَّ عليها زمانٌ تصفقُ فيه أبوابها(٢). وأخرج ابنُ جرير عن الشعبيِّ قال: جهنّمُ أسرعُ الدَّارين عمراناً وأسرعُهما خراباً(٣). إلى غير ذلك من الآثار. وقد نصَّ ابن الجوزيِّ على وضع بعضِها كخبرٍ عن عبد الله بن عمرو بن العاص: يأتي على جهنم يومٌ ما فيها من ابنِ آدمَ أحدٌ، تصفقُ أبوابُها كأنها أبواب الموحّدين(٤). وأوَّلَ البعضُ بعضَها، ومرَّ شيء من الكلام في ذلك(٥). وأنت تعلم أنَّ خلودَ الكفار مِمَّا أجمع عليه المسلمون، ولا عبرةَ بالمخالف، (١) كما في الدر المنثور ٣٥٠/٣. (٢) الدر المنثور ٣٥٠/٣. (٣) تفسير الطبري ١٢/ ٥٨٢ . (٤) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٧٣٥) بهذا اللفظ من حديث أبي أمامة حظ ه مرفوعاً، ولم نقف عليه عنده من حديث عبد الله بن عمرو ﴿ًا. وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ١٠٣/٢ قال: حدثنا بندار، عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي بَلْج، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن عمرو قال: ليأتينَّ على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد. ونقل الفسوي عن ثابت البناني أنه سأل الحسن عن هذا الحديث فأنكره. وذكره الذهبي في الميزان ٤/ ٣٨٥ على أنه من بلايا أبي بلج (واسمه یحیی بن سلیم، أو ابن أبي سليم) ثم قال: وهذا منكر. قلت: وأخرجه البزار في مسنده (٢٤٧٨) عن محمد بن بشير، عن أبي داود، بإسناد الفسوي ولفظِه، وفي آخره: ليس فيها أحد، يعني من الموحدين. قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٨٧: كذا فيه، والتفسير لا أدري ممن هو، ورجاله ثقات، ويؤيِّده ما رواه ابن عدي عن أنس ظه مرفوعاً: ((ليأتين على جهنم يوم تصفق أبوابها ما فيها من أمة محمد أحد)). اهـ. قلت: ولعل قوله: ((يعني من الموحّدين)) هو من كلام البزار، أو كلام شيخِه محمد بن بشير، فإنها لم ترد عند الفسوي. (٥) ينظر ما سلف ٤٠٥/١-٤١٥. الآية : ١٠٨ ١٢٣ سُؤَدَلُ هُود والقواطعُ أكثرُ من أن تُحصى، ولا يقاوم واحداً منها كثيرٌ من هذه الأخبار، ولا دليلَ في الآية على ما يقولُه المخالفُ؛ لِمَا علمتَه من الوجوه فيها، ولا حاجةً إلى دعوى النَّسخ فيها كما روي عن السدِّي، بل لا يكاد يصحُّ القول بالنسخ في مثل ذلك. هذا وقد ذُكر أنَّ في الآية صيغةَ الجمع مع التفريق والتقسيم؛ أمَّا الجمعُ ففي قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،) فإنَّ النفس كما تَقرَّر عامةٌ لكونها نكرةً في سياق النفي، وأمَّا التفريقُ ففي قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ)، وأمَّا التقسيمُ ففي قوله سبحانه: (فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ) إلخ، ونظيرُها في ذلك قول الشريف القيرواني: فهذا له فنٌّ وهذا له فنُّ لمختلفي الحاجات جمعٌ ببابه وللمذنب العُثْبَى وللخائف الأمنُ(١) فللخامل العليا وللمُعْدَم الغِنَى ومن هنا يُعلَمُ حالُ الفاءين: فاءِ ((فمنهم)) وفاءِ ((فأمَّا)) إلخ. قيل: وفي العدول عن: فأمَّا الشقيُّ ففي النار خالداً فيها .. إلخ وأما السعيد - أو المسعود - ففي الجنة خالداً فيها .. إلخ، إلى ما في النظم الجليل إشارةٌ إلى سَبْقِ هذه الشقاوة والسعادة، وأنَّ ذلك أمرٌ قد فُرِغَ منه، كما يدلُّ عليه ما أخرجه أحمد والترمذيُّ والنسائيُّ عن ابن عمرو (٢) ﴾ قال: خرج علينا رسولُ اللهِ وَله وفي يده كتابان، فقال: ((أتدرون ما هذان الكتابان؟)) قلنا: لا يا رسول الله، أمَا تُخبِرُنا؟ فقال للَّذي في يده اليمنى: (هذا كتابٌ من ربِّ العالمين فيه أسماءُ أهل الجنة وآبائهم وقبائلهم، ثم أجملهم على آخرهم فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبداً» ثم قال للذي في شماله: ((هذا كتابٌ من ربِّ العالمين فيه أسماءُ أهل النار وآبائهم وقبائلهم، ثم أجملهم على آخرهم فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبداً)» فقال أصحابه: فقيم العمل يا رسول الله إن كان أمرٌ قد فرغ منه؟ فقال: ((سدِّدوا وقارِبوا، فإنَّ صاحب الجنة يُختم له بعملٍ (١) خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة ص٤٠٨، ومعاهد التنصيص ٢/ ٣١٠، والقيرواني هو أبو الفضل جعفر بن محمد بن أبي سعيد بن شرف، نزيل الأندلس، توفي سنة (٥٣٤هـ). الوافي بالوفيات ١٤٩/١١. (٢) في الأصل و(م): عمر، والمثبت من مصادر التخريج. سُؤَدَلاً هُود! ١٢٤ الآية : ١٠٨ أهلِ الجنة وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ، وإنَّ صاحب النار يُختم له بعمل أهل النار وإنْ عَمِلَ أيَّ عَمَلٍ)) ثم قال ◌َّهُ بيده فنبذهما وقال: ((فرغ ربُّكم من العباد، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير))(١). وجاء في حديثٍ: ((الشقيُّ مَن شَقِيَ في بطن أمِّه، والسعيدُ مَن سَعِدَ في بطن أمِّه))(٢). وحَمَلَ ذلك بعضُهم على ظهور الأمر للمَلَكِ المؤكَّل بالنطفة، وإلا فالأمرُ قبل ذلك. وبعضُهم فسَّر الأمَّ بالثبوت العلميِّ الذي يظهر المعلوم منه إلى هذا الوجود الخارجيِّ، وهو ضربٌ من التأويل كما لا يخفى، ولا يأبى هذه الإشارةَ عند التأمُّل ما أخرجه الترمذيُّ وحسَّنه، وأبو يعلى وابنُ مردويه وغيرُهم عن عمر بن الخطاب ﴿به قال: لَمَّا نزلت: (فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ) قلت: يا رسول الله، فعَلَام نعمل: على شيءٍ قد فُرغ منه، أو على شيءٍ لم يُفْرَغْ منه؟ قال: ((بل على شيء قد فُرِغَ منه وجَرَتْ به الأقلامُ يا عمر، ولكنْ كلٌّ مِيسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له))(٣). وقيل: كان الظاهرُ هنا التعبيرَ بالمضارع، إلا أنه عبَّر بالماضي إشارةً إلى تحقَّق الوقوع. وأتى بالموصول جمعاً إيذاناً بأنَّ المراد بـ ((شقيّ وسعيد)»: فريقٌ شقيٍّ وفريقٌ سعيد، ولم يقل: أشقياءُ وسعداء؛ لأنَّ الإفراد أوفقُ بما قبلُ. (١) مسند أحمد (٦٥٦٣)، وسنن الترمذي (٢١٤١)، وسنن النسائي الكبرى (١١٤٠٩). قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. (٢) أخرجه البزار (٢١٥٠)، والطبراني في الصغير (٧٧٣) من حديث أبي هريرة نظُّه، واقتصر الطبراني على الشطر الثاني. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٣ : رواه البزار والطبراني في الصغير، ورجال البزار رجال الصحيح. اهـ. وصححه ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار ١٥١/٢. وطرفه الأول أخرجه مسلم (٢٦٤٥) من طريق عامر بن واثلة عن ابن مسعود عظته موقوفاً، وأخرجه من طريق آخر عن ابن مسعود موقوفاً أيضاً عبد الرزاق (٢٠٠٧٦) مطولاً، ورفعه ابن ماجه (٤٦)، وإسناد المرفوع ضعيف كما قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤٨/١. (٣) الحديث بهذا اللفظ في سنن الترمذي (٣١١١)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمر. وأخرجه أيضاً الترمذي (٢١٣٥)، وأبو يعلى (٥٥٧١) بنحوه دون ذكر الآية، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. الآية : ١٠٩ ١٢٥ سُؤَدْلُ هُودا وقيل: الإفرادُ أولاً للإشارة إلى أنَّ كلَّ فريقٍ من حيث اتِّصافُه بالشقاوة أو السعادة كشيءٍ واحد، وجمع ثانياً لِمَا أنَّ دخول كلِّ فريقٍ في الجنة والنار ليس جملةً واحدةً، بل جمعاً جمعاً وزمرةً زمرةً، وله شواهدُ من الكتاب والسنَّة. ﴿فَلَ تَلُكُ فِ مِرْيَةٍ﴾ أي: في شكِّ، والفاءُ لترتيب النهي على ما قصَّ من القصص، وبيَّن في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية، أي: فلا تكُ في شكِّ بعد أن بيِّن لك ما بيِّن. وَقِّمَا يَعْبُّدُ هَؤُلاءٍ﴾ أي: من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلالٌ مؤذٍّ إلى مثلٍ ما حلَّ بمن قبلهم ممن قصَصْتُ عليك سوءَ عاقبةٍ عبادتهم، فـ ((من)) ابتدائية، وجوِّز أن تكون بمعنى في. و((ما)) مصدرية، وجوِّز أن تكون موصولةً وفي الكلام مضافٌ محذوفٌ، أي: من حالٍ ما يعبدونه من أنه لا يضرُّ ولا ينفع؛ إذ لا معنى للمرية في أنفسهم. ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُّدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلٌ﴾ استئنافٌ بيانيٍّ وقع تعليلاً في المعنى للنهي عن المرية، والاستثناءُ إمَّا من مصدرٍ مقدرٍ، أو من (١) مفعولٍ محذوفٍ، أي: هم وآباؤهم سواءٌ في الشرك ما يعبدون عبادةً إلا كعبادةٍ آبائهم، أو: ما يعبدون شيئاً إلا مثلَ الذي عبدوه من الأوثان، وقد بلغك ما لحق آباءهم(٢) بسبب ذلك، فيلحقُهم مثلُه لأنَّ التماثل في الأسباب يقتضي التماثُل في المسيّيات. ومعنى ((كما يعبد)): كما كان يعبد(٣)، فحُذف لدلالةِ ((من (٤) قبل)) عليه، وكأنَّ اختيارَ هذا للإشارة إلى أنَّ ذلك كان عادةً مستمرَّةً لهم. ﴿وَإِنَّا لَمُوَقُّهُمْ﴾ يعني هؤلاء الكفرة ﴿نَصِيَهُمْ﴾ حظّهم من العذاب كما وقَّينا آباءهم حظوظَهم، أو من الرِّزق فيكون عذراً لتأخّر العذاب عنهم مع قیام ما یوجبه، (١) قوله: من، ليس في (م). (٢) في الأصل: آبائهم، وفي (م): أباؤهم، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٤١/٥. (٣) في الأصل و(م): عبد، والمثبت من تفسير البيضاوي، وقال الشهاب: وتقدير كان لأن مقتضى الظاهر: كما عبد. (٤) في الأصل: ما، وليست في (م)، والمثبت من حاشية الشهاب. سُؤَدَلُ هُود! ١٢٦ الآية : ١٠٩ وفي هذا من الإشارة إلى مزيدٍ فضل الله تعالى وكرمِه ما لا يخفى، حيثُ لم يَقطعْ رزقَهم مع ما هم عليه من عبادةٍ غيره. وفي التعبير بالنَّصيب على الأوَّل تهكُم؛ لأنَّه ما يُطلبُ ويُراد، والعذاب بمعزلٍ عن ذلك، وتفسيرُه بما ذكر مرويٌّ عن ابن زيد، وبالرزق عن أبي العالية. وعن ابن عباس: أنَّ المرادَ به ما قُدِّر من خيرٍ أو شرٌّ. وقرأ ابنُ محيصن: ((لمؤْفُوهم)) مخفَّفاً من أَوْنَى (١). ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ ﴾﴾ حالٌ مؤكِّدة من النصيب، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَيْتُم مُدْبِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] وفائدته دفعُ توهُّم التجوُّز، وإلى هذا ذهب العلّامة الطَّيبي، وقال: إنَّه الحقُّ. وفي ((الكشاف))(٢) أنه جيء بهذه الحال عن النَّصيب الموفَّى لأنَّه يجوز أن يوفّى وهو ناقصٌ ويوفَّى وهو كامل، ألا تراكَ تقول: وقَّيته شطرَ حقِّه، وثلثَ حقّه، وحقّه کاملاً وناقصاً. انتهى. وتعقّبه أبو حيَّان بأنَّ هذه مغلطةٌ؛ لأنَّه إذا قيل: وفَّيته شطرَ حقِّه، فالتوفيةُ إنَّما وقعت في الشطر، وكذا ثلث حقِّه، والمعنى: أعطيتُه الشطرَ أو الثلثَ كاملاً لم أنقصْه منه شيئاً، وأما قولك: وقَّيته حقَّه كاملاً، فالحالُ فيه مؤكِّدة؛ لأنَّ التوفيةَ تقتضي الإكمال، وأمَّا قولك: وقَّيته حقَّه ناقصاً، فغيرُ صحيح للمنافاة(٣). انتھی . وقال ابنُ المنيِّر: إنَّه وهم؛ لأنَّ التوفية تقتضي عدمَ نقصان الموفَّى كاملاً كان أو بعضاً، فقولك: وقَيته نصفَ حقِّه يستلزمُ عدمَ نقصان النصف الموقَّى، فالسؤالُ عن وجهِ انتصاب هذه الحال قائمٌ بعد، والأوجَهُ أن يقال: استُعملت التوفيةُ بمعنى الإعطاءِ كما استُعمل التوفِّي بمعنى الأخذ. ومَن قال: أعطيتُ فلاناً حقّه، كان جديراً أن يؤكِّده بقوله: غيرَ منقوص(٤). انتهى. (١) القراءات الشاذة ص٦١. (٢) ٢٩٥/٢. (٣) البحر ٢٦٦/٥. (٤) الانتصاف ٢٩٥/٢. الآية : ١١٠ ١٢٧ سُوَلاَ هُود! وفي ((الكشف)): أقول: في تعليق التوفية بالنِّصف مع أنَّ الكلَّ حقُّه ما يدلُّ على مطلوبه؛ إذ لا فرقَ بين قولك: نصفَ حقّه، وحقّه منصّفاً. فجاز: وقَّيته نصيبَه منصَّفاً، ونصيبَه ناقصاً، ويحسن فائدة التأكيد، ويظهرُ أنَّ الواهمَ مَن هو؟ فتأمل. ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ أي: التوراة ﴿فَأَخْتُلِفَ فِيْ﴾ أي: في شأن الكتاب وكونه من عند الله تعالى، فآمن به قومٌ وكفر به آخرون، فلا تُبالٍ باختلاف قومِك فيما آتيناكَ من القرآن، وقولِهِم: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَفْرُّ أَوْ جَآءَ مَعَهُ، مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وزَعْمِهم أنك افتریته. وجوِّز رجوعُ الضمير إلى موسى، وهو خلافُ الظاهر، وإن كان الاختلافُ فيه عليه السلام هل هو نبيٌّ أم لا؟ مستلزماً للاختلاف في كتابه هل هو من الله تعالى أم لا؟ وقيل: إنَّ ((في) على هذا الاحتمال بمعنى على، أي: فاختلف قومُه عليه وتعنَّتوا كما فعل قومُك معك. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ﴾ وهي كلمةُ القضاء بتأخيرِ العذاب إلى الأجل المعلوم على حسبِ الحكمة الدَّاعية إلى ذلك ﴿لَقُفِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لأُوقع القضاءُ بين المختلفين من قومك بإنزالِ العذاب الذي يستحقُّه المبطلون ليتميَّزوا به عن المحقِین. وفي ((البحر)) أنَّ الظاهر عودُ الضمير على قوم موسى(١)؛ قيل: وليس بذاك. وقال ابنُ عطية: عودُه على القومين أحسنُ عندي(٢). وتُعقّب بأنَّ قوله سبحانه: (وإن كلَّا)) إلخ ظاهرٌ في التعميم بعد التخصيص، وفيه نظر، والأَولى عندي الأوَّل. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: وإنَّ كفَّارَ قومك، أُريدَ بالضمير بعضُ مَن رجع إليهم ضمیرُ (بينهم) للأمن من الإلباس ﴿لَفِى سٍَّ﴾ عظيم ﴿مِّنْهُ﴾ أي: من القرآن، وإنْ لم يجرِ له ذكرٌ؛ فإنَّ ذكرَ إيتاء كتابٍ موسى ووقوعِ الاختلافِ فيهِ لاسيما بصددِ التَّسلیة ینادیه نداءً غيرَ خفيٍّ. وقيل: الضميرُ للوعيد المفهوم من الكلام. (١) البحر ٢٦٦/٥. (٢) المحرر الوجيز ٢١٠/٣. سُوَلاَ هُود! ١٢٨ الآية : ١١١ ﴾ أي: مُوقِعٍ في الرِّيبة، وجوِّز أنْ يكون من أراب: إذا صار ذا ريبةٍ. ﴿مُرِبٍ ﴿وَ إِنَّ كُلُّ﴾ التنوينُ عوضٌ عن المضافِ إليه كما هو المعروفُ في تنوين ((كلّ) عند قوم من النُّحاة، وقيل: إنه تنوينُ تمكينٍ لكنَّه لا يمنعُ تقدير المضاف إليه أيضاً، أي: وإنَّ كلَّ المختلفين المؤمنين والكافرين. وقال مقاتل: يعني به كفَّارَ هذه الأمة. ﴿لَّمَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: أجزيةَ أعمالهم، ولام ((ليوفِينَّهم)) واقعةٌ في جواب القسم، أي: والله ليوفينَّهم. و((لَمَّا)) بالتشديد، وهو مع تشديد ((إنَّ) قراءةُ ابنِ عامر وحمزة وحفص وأبي جعفر (١)، وتخريجُ الآية على هذه القراءة مُشْكِلٌ حتى قال المبرِّد: إنها لحنٌّ. وهو من الجسارةِ بمكانٍ لتواترِ القراءة، وليته قال كما قال الكسائيُّ: ما أدري ما وجهُ هذه القراءة. واختلفوا في تخريجها فقال أبو عبيد(٢): إنَّ أصلَ (لَمَّا)) هذه لَمَّا منؤَّناً، وقد قرئ كذلك(٣)، ثمَّ بني على فَعْلَى، وهو مأخوذٌ من لَمَمْتُه إذا جمعته. ولا يقال: إنها (لَمَّا)) المنوَّنة وُقف عليها بالألف وأُجري الوصلُ مجرى الوقف؛ لأنَّ ذلك على ما قال أبو حيَّان: إنَّما يكون في الشِّعر. واستَبْعَدَ هذا التخريجَ بأنَّه لا يُعرف بناءُ فَعْلَى من لمَّ، وبأنه يلزمُ لمن أمالَ فعلى أن يُميلها، ولم يُملْها أحدٌ بالإجماع، وبأنَّه كان القياس أنْ تُكتب بالياء ولم تُكتب بها(٤). وسيُعلم إعرابُ الآية على هذا مما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقيل: هي(٥) ((لماً)) المخفَّفةُ وشُدِّدت في الوقف، ثم أُجري الوصلُ مجرى (١) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢٩٠/٢-٢٩١. (٢) في الأصل و(م): عبيدة، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٠٦/٢، وتفسير القرطبي ٢٢٣/١١، والبحر ٢٦٧/٥ والكلام منه، وهو القاسم بن سلام كما نص على ذلك النحاس والقرطبي. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٠٥/٢، والقراءات الشاذة ص٦١، والمحتسب ٣٢٨/١، وتفسير القرطبي ٢٢٢/١١، والبحر ٢٦٧/٥. (٤) البحر ٢٦٧/٥. (٥) قوله: هي، ليس في (م). الآية : ١١١ ١٢٩ الوقف، وحينئذٍ فالإعراب ما ستعرفُه أيضاً إن شاء الله تعالى، وهو بعيدٌ جدًّا. وقيل: إنَّها بمعنى ((إلا))، و((إلَّا)) تقعُ زائدةً كما في قوله: حلفتُ يميناً غيرَ ذي مثْنويَّةٍ يمينَ امرئٍ إلا بها غيرَ آثم (١) فلا يبعدُ أنَّ (لَمَّا)) التي بمعناها زائدةٌ، وهو وجهٌ ضعيف مبنيٌّ على وجهٍ ضعيف في ((إلا)). وعن المازنيّ: أنَّ (إنَّ) المشدَّدَةَ هنا نافيةٌ، و((لَمَّا)) بمعنى إلَّا غير زائدة. وهو باطلٌ؛ لأنَّه لم يُعهد تثقيلُ ((إنْ)) النافية، ولِنَصْبِ ((كلّ)) والنافيةُ لا تَنْصِب. وقال الحوفيُّ: (إنَّ) على ظاهرها، و(لَمَّا)) بمعنى ((إلَّا)) كما في قولك: نشدتُكَ بالله إلَّا فعلتَ. وضعَّفه أبو علي(٢) بأنَّ((لَمَّا)) هذه لا تفارقُ القسم قبلها. وليس كما ذَكَرَ فقد تُفَارِق، وإنَّما يضعِّف ذلك بل يُبطلُه كما قال أبو حيَّان(٣): أنَّ الموضعَ ليس موضعَ دخول إلا ، ألا ترى أنَّك لو قلت: إنَّ زيداً إلَّا ضربتُ، لم يكن تركيباً عربيًّا . وقيل: إنَّ ((لمَّا)) هذه أصلها: لَمَنْ ما، فهي مرَّبة من اللام ومَن الموصولةِ أو الموصوفة وما الزائدة، فقُلبت النونُ ميماً للإدغام، فاجتمعت ثلاثُ ميمات فحذفت الوُسطى منها، ثم أُدغم المثلان، وإلى هذا ذهب المهدويُّ. وقال الفرَّاء(٤) - وتبعه جماعةٌ منهم نصر الشيرازي(٥) -: إنَّ أصلَها: لَمِنْ ما، بِمِن الجارَّةِ وما الموصولة أو الموصوفة، وهي على الاحتمالين واقعةٌ على مَن يعقلُ، فعُمِل بذلك نحوُ ما عُمِلَ على الوجه الذي قبلَه، وقد جاء هذا الأصل في قوله: (١) البيت لربيعة بن ثابت الرقي، كما في وفيات الأعيان ٣٢٣/٦، والخزانة ٢٨٧/٦، وهو في الأول برواية: آلٍ، بدل: إلا، وفي الثاني برواية: آلى. (٢) في الحجة ٤/ ٣٨٧، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٥/ ٢٦٧. (٣) في البحر ٢٦٧/٥. (٤) في معاني القرآن ٢٩/٢. (٥) كما في البحر ٢٦٧/٥، وهو نصر بن علي بن محمد، أبو عبد الله الشيرازي الفارسي الفَسَوي النحوي، يعرف بابن أبي مريم، صنف: التفسير، وشرح الإيضاح للفارسي، قرئ عليه سنة (٥٦٥هـ). طبقات المفسرين للداودي ٣٤٤/٢. سُوَلُ هُود! ١٣٠ الآية : ١١١ وإِنَّا لَمِمَّا نضربُ الكبشَ ضربةً على رأسه تُلقي اللسانَ من الفم(١) واللامُ على هذين الوجهين قيل: موّئةٌ للقسم، ونُقل عن الفارسيِّ(٢)، وهو مخالفٌ لِمَا اشْتَهرَ عن النُّحاة من أنَّ الموطّئة هي الداخلةُ على شرطٍ مقدَّم على جواب قسم تقدَّم لفظاً أو تقديراً لتؤذنَ بأنَّ الجوابَ له، نحو: والله لئن أكرمتني لأكرمنَّكَ، وليس ما دخلتْ عليه جوابَ القسم بل ما يأتي بعدَها، وكأنَّ مذهبه كمذهب الأخفش أنَّه لا يجبُ دخولها على الشرط، وإنَّما هي ما دلَّت على أنَّ ما بعدها صالحٌ لأنْ يكون جواباً للقسم مطلقاً . وقيل: إنَّها اللام الداخلةُ في خبر ((إنَّ)، و((مَن)) موصولاً أو موصوفاً على الوجه الأوَّل من الوجهين هو الخبرُ، والقسمُ وجوابُه صلةٌ أو صفةٌ، والمعنى: وإنَّ كلَّا اللَّذين أو الخَلْقُ واللهِ ليوفينَّهم ربُّك. و((مِن)) ومجرورُها على الوجه الثاني في موضع الخبر لـ ((إنَّ)، والجملةُ القَسَميَّة وجوابُها صلةٌ أو صفةٌ أيضاً لكنْ لـ ((ما))، والمعنى: وإنَّ كلَّا لَمِن الذين أو لَمِنْ خَلْقٍ واللهِ ليوفِّنَّهم ربُّك. قال في ((البحر)): وهذان الوجهان ضعيفان جدًّا، ولم يُعهد حذفُ نون مَنْ وكذا حذفُ نونِ مِنْ الجارَّةِ إلَّا في الشعر إذا لقيتْ لامَ التعريف أو شِبْهَها غيرَ المدغمة، نحو قولهم: مِلْمال، يريدون: من المال(٣). وفي ((تفسير)) القاضي وغيره: إنَّ الأصلَ: لمِنْ ما، بمن الجارَّةِ قُلبت النونُ ميماً فاجتمعت ثلاثُ ميمات فحُذفت أولاهنّ(٤). وفيه أيضاً ما فيه، ففي ((المغني)) أنَّ حذف هذه الميم استثقالاً لم يثبت(٥). انتهى. وقال الدَّمامينيُّ: كيف يستقيمُ تعليل الحذفِ بالاستثقال وقد اجتمعتْ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَىَّ أُمٍَّ مِّمَّن ◌َعَكَّ﴾ [هود: ٤٨] ثماني ميمات. انتهى. (١) البيت لأبي حية النميري، وهو في الكتاب ١٥٦/٣، والخزانة ٢١٤/١٠، والبحر ٢٦٧/٥. (٢) في الحجة ٣٨٥/٤. (٣) البحر ٢٦٧/٥. (٤) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ١٤٢ . (٥) المغني ص٣٧١. الآية : ١١١ ١٣١ سُؤَدَا هُود وأنشد الفرَّاء على ما ذهب إليه قولَ الشاعر: وإني لَمِمَّا أُصدِرُ الأمرَ وجْهَه إذا هو أَعيا بالسَّبيل مصادرُه(١) وزعم بعضُهم أنَّ(لَمَّا)) بمعنى حين، وفي الكلام حذفٌ، أي: لَمَّا عَمِلوا ما عَمِلوا، أو نحو ذلك، والحذفُ في الكلام كثير، نحو قوله: إذا قلت سيروا إنَّ ليلى لعلّها جرى دونَ ليلى مائلُ القَرْن أَعْضَبُ (٢) أراد: لعلَّها تلقاني، أو تصلُني، أو نحو ذلك. وهو كما ترى. وقال أبو حيَّان بعد أن ذكر أنَّ هذه التخريجات مما تُنزَّه ساحةُ التنزيل عن مثلها: كنتُ قد ظهر لي وجهٌ جارٍ على قواعد العربية عارٍ من التكلُّف، وهو أنَّ (لَمَّا)) هذه هي الجازمةُ حُذف فعلُها المجزومُ لدلالةِ المعنى عليه، كما حذفوه في قولهم: قاربْتُ المدينةَ ولَمَّا، يريدون: ولَمَّا أدخُلْها، والتقدير هنا: وإنَّ كلَّا لَمَّا يُنْقَصْ من جزاء عَمَلِهِ، ويدلُّ عليه: ((ليوفينَّهم ربُّك أعمالَهم))، وكنت أعتقدُ أنِّي ما سُبِقتُ إلى ذلك حتى تحقّقتُ أنَّ ابنَ الحاجب وُفِّق لذلك، فرأيتُ في كتاب (التحرير)) نقلاً عنه أنه قال: ((لَمَّا)) هذه هي الجازمةُ، حُذِفَ فعلُها للدلالة عليه، وقد ثبت الحذفُ في قولهم: خرجتُ ولَمًّا، وسافرتُ ولَمَّا، ونحوِهِ، وهو سائٌ فصيحٌ، فيكون التقديرُ: لَمَّا يُتركوا أو لما يُهمَلوا، ويدلُّ عليه تفصيلُ المجموعين ومجازاتهم، ثم قال: وما أعرفُ وجهاً أشبهَ من هذا، وإن كانت النفوسُ تستبعده من جهةٍ أنَّ مثلَه لم يقع في القرآن(٣). انتهى. ولا يخفى عليك أنَّ الأَولى أن يقدَّر: لَمَّا يوقّوا أعمالهم، أي: إلى الآن لم يوفّوها وسيوفَونها، وإلى ذلك ذهب ابنُ هشام؛ لِمَا يلزم على التقديراتِ السابقةِ - على ما هو المشهورُ في معنى ((لَمَّا)) - أنَّهم سيُنْقَصون من جزاءِ أعمالهم، (١) معاني القرآن للفراء ٢٩/٢، وذكره أيضاً الطبري ٥٩٣/١٢، والقرطبي ٢٢١/١١. ووقع في الأصل و(م): وإني لما أصدر .... ، والمثبت من المصادر. (٢) أمالي المرتضى ٧٣/٢، ومغني اللبيب ص٨٢٦. الأعضب: المكسور القرن، شبّه ما يحول بينهم وبين مرجوّهم في القبح وسوء الحال بكبش مال قرنه وعضب. حاشية الشمني على المغني ٢٥٩/٢. (٣) البحر ٢٦٧/٥-٢٦٨. سُوَلاَ هُودٍ ١٣٢ الآية : ١١١ وأنَّهم سيُتركون ويُهملون، وذلك بمعزلٍ عن أنْ يرادَ وهو ظاهرٌ، وهذا وجهُ النظر الذي عناه ابنُ هشام في قوله معترضاً على ابن الحاجب: وفي هذا التقدير نظر(١). وقال الجلبيُّ: وجهه أنَّ الدالَّ على المحذوف سابقٌ عليه بكثير، مع أنَّ ذلك المحذوفَ ليس من لفظٍ هذا الذي قيل: إنه دالٌّ عليه. وليس بذاك. ثم المرجّح عند كثيرٍ من المفسرين ما ذهب إليه الفرَّاء. وقرأ نافع وابن كثير: ((إنْ)) و((لِمَا)) بالتخفيف(٢). وخرِّجتْ هذه القراءة على أنَّ (إنْ)) عاملة وإن خفِّفت اعتباراً للأصل في العمل وهو شَبَهُ الفعل، ولا يضرُّ زوالُ الشَّبه اللفظي، وإلى ذلك ذهب البصريُّون، وذكر أبو حيَّن أنَّ مذهبَهم جوازُ إعمالها إذا خُفِّفت لكنْ على قلَّةٍ إلَّا مع المُضْمَر، فلا يجوز إلَّ إنْ ورد في شعر. ونَقَل عن سيبويه منهم أنه قال: أخبرني الثقةُ أنَّه سمع بعضَ العرب يقول: إنْ عَمْراً لَمنطلقٌ(٣). وزعم بعضٌ من النَّحْويين أنَّ المكسورة إذا خُفِّفت لا تعمل، وتأوَّل الآية بِجَعْلٍ (كلَّا)) منصوباً بفعلٍ مقدَّر، أي: وإنْ أرى كلًّا، مثلاً. وليس بشيء. وجَعَل هذا في ((البحر) مذهبَ الكوفيين(٤). وفي ((الارتشاف)): إنَّ الكوفيين لا يجوِّزون تخفيفَ المكسورة لا مُهْمَلَةً ولا مُعْمَلةً(٥). وذكر بعضُهم مثلَه وأنَّ ما يعدُّها البصريون مخفَّفةً يعدُّها الكوفيون نافيةً، واستُثني منهم الكسائيُّ فإنَّه وافق البصريين، ومذهبُهم في ذلك هو الحقُّ. و(كلَّا)) اسمُها، واللامُ هي الداخلةُ على خبر ((إن))، و((ما)) موصولةٌ خبرُ ((إِنْ)) والجملةُ القسميَّة وجوابُها صلةٌ، وإلى هذا ذهب الفرَّاء(٦)، واختار الطبريُّ في اللام مذهبَه، وفي ((ما)) كونَها نكرةً موصوفةً، والجملة صفتها، أي: وإنْ كلَّ لخَلْقٌ أو (١) المغني ص٣٧١- ٣٧٢. (٢) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢٩٠/٢-٢٩١. (٣) البحر ٢٦٦/٥، وكلام سيبويه في الكتاب ٢/ ١٤٠. (٤) البحر ٢٦٦/٥. (٥) ارتشاف الضَّرب من لسان العرب لأبي حيان ٣/ ١٢٧١ . (٦) في معاني القرآن ٢٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٦٦/٥. الآية : ١١١ ١٣٣ سُورَةُ هُود الفريقٌ موقَّى عملَه (١). واختار أبو عليٍّ في اللَّام ما اختاره، وجَعَل الجملةَ القسميَّة خبراً (٢) و(ما)) مزيدةً بين اللَّامين(٣)، وقد عُهِدتْ زيادتُها في غير ما موضع. وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف ((إنْ)) وتشديدِ ((لمَّا)) وقرأ الكسائيُّ وأبو عمرو بعكس ذلك(٤)، وتخريج القراءتين لا يخفى على مَن أحاط خُبراً بما ذُكر في تخريج القراءتين قبلُ. وقرأ أبيٍّ، والحسن بخلاف عنه، وأبان بن تغلب: ((وإنْ)) بالتخفيف ((كلٌّ) بالرفع (لَمَّا)) بالتشديد(٥). وخُرِّجت على أنَّ ((إنْ)) نافية، و((كلٌّ)) مبتدأ، والجملةُ القسمية وجوابُها خبرُه، و((لَمَّا)) بمعنى إلَّا، أي: ما كلٌّ إلا أُقسم والله ليوفينَّهم، وأنكر أبو عبيد(٦) مجيء ((لَمَّا)) بمعنى إلَّا في كلام العرب، وقال الفرَّاء: إنَّ جعْلَها هنا بمعنى إلَّ وجهٌ لا نعرفه، وقد قالت العربُ مع اليمين: باللهِ لَمَّا قمتَ عنَّا، وإلَّا قمتَ عنَّا، وأمَّا في غير ذلك فلم نسمعْ مجيئها بمعنى إلَّا لا في نثرٍ ولا في شعر. ويلزم القائل أن يجوِّز: قام الناسُ لَمَّا زيداً، على معنى: إلا زيداً(٧). ولا التفاتَ إلى إنكارهما، والقراءةُ المتواترةُ في ﴿وَإِن كُلُّ لَّمَّا جَميْعُ لََّيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] ﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لََّ عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] تثبتُ ما أنكراه، وقد نصَّ الخليلُ وسيبويه والكسائيُّ على مجيء ذلك؛ ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ على مَن لم يَحْفَظُ، وكونُ العرب خصَّصت مجيئها كذلك ببعض التراكيب لا يضرُّ شيئاً، فكم من شيءٍ خُصَّ بترکیبٍ دون ما أشبهه . وقرأ الزهريُّ وسليمان بن أرقم: ((وإن كلَّا لَمَّا)) بتشديد الميم والتنوين(٨)، ولم (١) البحر ٢٦٧/٥، وينظر تفسير الطبري ١٢/ ٥٩٧-٥٩٨. (٢) في الأصل: خبر إن. (٣) الحجة ٣٨٥/٤-٣٨٦، والبحر ٢٦٧/٥. (٤) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢٩١/٢. (٥) البحر ٢٦٦/٥. (٦) في الأصل و(م): عبيدة، والمثبت من البحر ٢٦٨/٥، والدر المصون ٤٠٨/٦. (٧) معاني القرآن للفراء ٢٩/٢، والبحر ٢٦٨/٥. (٨) القراءات الشاذة ص٦١، والمحتسب ٣٢٨/١، والبحر ٢٦٦/٥، والكلام منه. سُوَلاَ هُود ١٣٤ الآية : ١١١ يتعرَّضوا في النقل عنهما لتشديدِ ((إن)) ولا لتخفيفها، وهي في هذه القراءة مصدرٌ من قولهم: لممتُ الشيءَ، إذا جمعته كما مرَّ(١)، ونصبُها على الحالية من ضمير المفعول في ((ليوفِّنهم)) عند أبي البقاء، وضعَّفه(٢). وقال أبو علي: إنَّها صفةٌ لـ ((كلّ)) ويقدَّر مضافاً إلى نكرةٍ ليصحَّ وصفُه بالنكرة(٣). وكأنَّ المصدر حينئذٍ بمعنى اسم المفعول. وذكر الزمخشريُّ في معنى الآية على هذه القراءة أنَّه: وإن كلَّا ملمومين بمعنى مجموعين، كأنه قيل: وإن كلَّا جميعاً، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣](٤). وجعل ذلك الطيبيُّ منه ميلاً إلى القول بالتأكيد. وقال ابنُ جنِّي(٥): إنَّها منصوبة بـ ((ليوفينهم))، على حدٍّ قولهم: قياماً لأقومنَّ (٦)، والتقدير: توفيةً جامعةً لأعمالهم ليوفينَّهم، وخبر ((إنَّ) في ذلك جملةٌ القسم وجوابُه. وروى أبو حاتم أنَّ في مصحف أبيٍّ: ((وإنْ من كلِّ إلا ليوفينَّهم))(٧) وخُرِّج على أنَّ ((إِنْ)) نافية و ((من)) زائدة. وقرأ الأعمش نحوَ ذلك إلا أنَّه أسقط ((مِن))، وهو حرفُ ابنِ مسعود ◌َُّه(٨)، والوجهُ ظاهر. قيل: وقد تضمَّنت هذه الجملةُ عدَّةَ مؤكِّدات من ((إنَّ) و((اللام)) و((ما)) إذا كانت زائدةً، والقسم، ونون التوكيد، وذلك للمبالغة في وَعْدِ الطائعين ووعيدٍ العاصين. (١) ص١٢٨ من هذا الجزء. (٢) الإملاء ٣٠٧/٣. (٣) الحجة ٣٨٨/٤، والبحر ٢٦٨/٥. (٤) الكشاف ٢/ ٢٩٥ . (٥) في المحتسب ٣٢٨/١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٦٨/٥. (٦) في (م): لا أقومن، وهو تصحيف. (٧) المحرر الوجيز ٣/ ٢١٠، والبحر ٢٦٦/٥. (٨) القراءات الشاذة ص٦١، والمحتسب ٣٢٨/١، والبحر ٢٦٦/٥. الآية : ١١٢ ١٣٥ سُوَلاَ هُود ﴿إِنَُّ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾﴾ أي: إنه سبحانه بما يعمله كلُّ فردٍ من المختلفين من الخيرِ والشرِّ عليمٌ على أتمٍّ وجهٍ، بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من جلائله ودقائِقِه. والجملةُ قيل: توكيدٌ للوعد والوعيد؛ فإنه سبحانه لَمَّا كان عالماً بجميع المعلومات، كان عالماً بمقاديرِ الطاعات والمعاصي، وما يقتضيه كلُّ فردٍ منها من الجزاءِ بمقتضى الحكمة، وحينئذٍ تتأَتَّى توفيةُ كلِّ ذي حقِّ حقَّه، إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرّ. وقرأ ابن هرمز: ((تعملون)) على الالتفاتِ من الغيبة إلى الخطاب(١). ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لَمَّا بَيَّن أمرَ المختلفين في التوحيد والنبوَّة، وأطنبَ سبحانه في شرح الوعد والوعيد، أمرَ رسولَه وَلّ بالاستقامة مثل الاستقامةِ التي أُمر بها، وهذا يقتضي أَمْرَهِلَّهِ بوحي آخرَ ولو غيرَ متلوٌّ، كما قاله غيرُ واحد. والظاهرُ أنَّ هذا أمرٌ بالدوام على الاستقامة، وهي لزومُ المنهج المستقيم، وهو المتوسِّط بين الإفراط والتفريط. وهي كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ ما يتعلَّق بالعلم والعمل وسائرِ الأخلاق، فتشمل العقائدَ والأعمال المشتركةَ بينه وَّهِ وبين سائرِ المؤمنين، والأمورَ الخاصَّةَ به عليه الصلاة والسلام: من تبليغ الأحكام، والقيامٍ بوظائف النبؤَّة، وتحمُّلِ أعباء الرسالة وغيرِ ذلك. وقد قالوا: إنَّ التوسُّط بين الإفراط والتفريط، بحيث لا يكونُ ميلٌ إلى أحدِ الجانبين قيدَ عرضٍ شعرة، مما لا يحصلُ إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونَفْيٍ الحول والقوّة بالكلِّية، ومثَّلوا الأمرَ المتوسّط بين ذينك الطرفين بخطّ يكون بين الشمس والظلِّ ليس بشمسٍ ولا ظلِّ، بل هو أمرٌ فاصلٌ بينهما، ولعمري إنَّ ذلك الدقيقٌ، ولهذا قالوا: لا يُطيق الاستقامةَ إلَّا مَن أُيِّد بالمشاهدات القوية، والأنوارِ السَّنِيَّة، ثم عُصِم بالتشبُّك بالحقِّ ﴿وَلَوْلَا أَنْ تَبََّكَ لَقَدْ كِدِتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٤ وجَعَل بعضُ العارفين الصراطَ الذي هو أدقُّ من الشعرة وأحدٌّ من السيف إشارةً (١) البحر ٢٦٨/٥. ١٣٦ الآية : ١١٢ إلى هذا المنهج المتوسِّط، ومما يدلُّ على شدَّة هذا الأمر ما أخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنَّه قال: لَمَّا نزلت هذه الآيةُ قال ◌َِّ: ((شمِّروا شمِّروا)) وما رؤي بعدَها ضاحكاً (١). وعن ابن عباس ﴿هَا أنَّه قال: ما نزلتْ على رسول الله وَلِّ آيَةٌ أشدُّ من هذه الآيةِ ولا أشقُّ. واستدلَّ بعضُ المفسرين على عُسرِ الاستقامة بما شاع من قوله ◌َّر: ((شيبتني هودٌ)(٢). وأنت تعلم أنَّ الأخبار متضافرةٌ بضمِّ سورٍ أخرى إليها وإن اختلفتْ في تعيين المضموم كما مرَّ أوَّل السورة، وحينئذٍ لا يخفى ما في الاستدلال من الخفاء، ومن هنا قال صاحب ((الكشف)): التخصيصُ بهودٍ لهذه الآية غيرُ لائحٍ؛ إذ ليس في الأخوات ذكرُ الاستقامة. وذكر في ((قوت القلوب)) أنه لَمَّا كان القريبَ الحبيبَ وَلِّ شَيَّبه ذِكْرُ البُعدِ وأهلِه، ثم قال: ولعلَّ الأظهرَ أنه عليه الصلاة والسلام شيَّبه ذكرُ أهوالِ القيامة، وكأنَّه - بأبي هو وأمي - شاهَدَ منه يوماً يجعل الولدان شيباً (٣). انتهى. وبعضُهم استدلَّ للتخصيص برؤيا أبي علي الشَّبُّوي(٤) السَّابقة، وفيه بعد تسليم صحَّة الرواية أنَّ رؤيا النبي ◌َِّ وإن كانت حقًّا حيث إنَّ الشيطانَ لا يتمثَّل به عليه الصلاة والسلام، إلّا أنه من أين يُجزمُ بضبطِ الرائي وتحقيقِه ما رأى، على أنَّ مما يوهنُ أمرَ هذه الرؤيا ويقوِّي ظنَّ عدم ثبوتها ما أخرجه ابنُ عساكر عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنَّ رسول الله وَّهَ قال: ((شيبتني هودٌ وأخواتُها وما فُعِلَ بالأمم قبلي)» (٥). (١) الدر المنثور ٣٥١/٣. (٢) تقدم ٣٢٠/١١، وهو حديث ضعيف، وقد سلف الكلام عليه ثمة. (٣) قوت القلوب لأبي طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي ٢٢٩/١. (٤) في الأصل و(م): الشتري، والصواب ما أثبتناه، وقد سلفت ترجمته والكلام على رؤياه ٣٢١/١١. وينظر توضيح المشتبه ٢٩١/٥، والتقييد لابن نقطة ص ٨٥. (٥) تاريخ ابن عساكر ١٧٥/٤-١٧٦، وسلف ٣٢١/١١. الآية : ١١٢ ١٣٧ وَلاَ هُود وذكر الشِّهاب(١) ما يقوِّي اعتراضَ صاحبٍ ((الكشف)) من أنَّه ليس في الطرق المرويَّة في هذا الباب الاقتصارُ على ((هودٍ»، بل ذُكر معها أخواتُها، وليس فيها الأمر المذكور مع أنَّه وقع في غيرِها من آل حاميم. ثَّ ذَكر أنَّه لاح له ما يدفعُ الإشكال، وذلك أنَّ مَبْنَى هذه السورةِ الكريمة على إرشادِه تعالى شأنُه نبيَّه وَّه إلى كيفية الدعوة من مُفتَتحِها إلى مُخْتَتَمها، وإلى ما يعتري مَن تصدَّى لهذه المرتبة السنيّة من الشدائد، واحتماله لِمَا يترتَّب عليه من الفوائدٍ، لا على التسلية إذ لا يطابقُ المقامَ حسبما تقدَّم لك عن صاحب ((الكشف))، ولَمَّا كانت هذه السورةُ جامعةً لإرشاده من أوَّل أمره إلى آخره، وهذه الآيةُ فذلكة لها، فحينما نزلتْ هذه السورة هالَهُ ما فيها من الشدائدِ، وخاف من عدم القيام بأعبائها، حتى إذا لقي الله تعالى في يوم الجزاء ربما مسَّه نَصَبٌ من السؤال عنها، فذِكْرُ القيامة في تلك السُّور يخوِّفه هولَها لاحتمال تفريطِه فيما أرشدَه الله تعالى له في هذه، وهذا لا ينافي عصمتَه عليه الصلاة والسلام وقربَه لكونه الأعلمَ بالله تعالى والأخوفَ منه، فالخوفُ منها يذكّره بما تضمَّنته هذه السورة، فكأنها هي المشيِّبة له ◌َّ من بينها، ولذا بدأ بها في جميع الروايات، ولَمَّا كانت تلك الآيةُ فذلكةً لها كانت هي المشيِّةَ في الحقيقة، فلا منافاةً بين نسبة التشييب لتلك السُّوَر ولا لهذه السورةِ وحدَها كما فَعَلَه من فعله، ولا لتلكَ الآية كما وقع في تلك الرؤيا. انتهى. وسيأتي(٢) إن شاء الله تعالى وجهٌ آخرُ لنسبةٍ التشييب لهذه السورة، فليتأمَّل. وذهب بعضُ المحققين إلى كونِ الكاف في ((كما)) بمعنى ((على))، كما في قولهم: كنْ كما أنت عليه، أي: على ما أنت عليه. ومن هنا قال ابنُ عيينة(٣) وجماعةٌ: المعنى: استقم على القرآن. وقال مقاتل: امضٍ على التوحيد. وقال جعفر الصَّادق رَظُه: استقمْ على الإخبار عن الله تعالى بصحّة العزم. والأظهرُ إبقاء (١) في حاشيته على تفسير البيضاوي ١٤٣/٥ . (٢) في الأصل: وسيأتي قريباً. (٣) في الأصل و(م): ابن عطية، وهو تصحيف، والمثبت من زاد المسير ١٦٤/٤، والبحر ٢٦٨/٥، وعنه نقل المصنف. سُوَلا جُود ١٣٨ الآية : ١١٢ ((ما)) على العموم، أي: استقم على جميع ما أُمرتَ به، والكلام في حذف مثل هذا الضمير أمرٌ شائع، وقد مرَّ التنبيهُ عليه. ومال بعضُهم إلى كون الكافِ للتشبيه حسبما هو الظاهرُ منها، إلّا أنه قال: إنَّها في حكم ((مِثْل)) في قولهم: مثلُكَ لا يبخل، فكأنه قيل: استقم الاستقامةَ التي أُمِرْتَ بها، فراراً من تشبيه الشيء بنفسه، ولا يخفى أنه ليس بلازم. ومن الغريب ما نُقل عن أبي حيَّان أنَّه قال في (تذكرته))(١): فإن قلتَ: كيف جاء هذا التشبيه للاستقامة بالأمر؟ قلتُ: هو على حذفٍ مضافٍ تقديرُه: مثلَ مطلوبٍ الأمر، أي: مدلوله. فإن قلت: الاستقامةُ المأمورُ بها هي مطلوبُ الأمر، فكيف يكون مِثْلاً لها؟ قلت: مطلوبُ الأمر كلِّيٍّ والمأمور جزئيٌّ، فحصلت المغايرةُ وصحَّ التشبيه، كقولك: صلِّ ركعتين كما أُمرت. وأَبْعَدَ بعضُهم فجعل الكافَ بمعنى على واسْتَفْعِلْ للطلب، كاستَغْفِر الله تعالى، أي: اطلب الغفرانَ منه، وقال: المعنى: اطلب الإقامةَ على الدِّين. ﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾ أي: تاب من الشِّرْك وآمنَ معك، فالمعيَّةُ باعتبار اللازم من غيرِ نظرٍ إلى ما تقدّمه وغيره، وقد يقال: يكفي الاشتراك في التوبة والمعيَّةُ فيها مع قَطْع النَّظر عن المتوب عنه، وقد كان مِنَّهِ يستغفرُ الله تعالى في اليوم أكثرَ من سبعين مرَّةً(٢). واستظهر ذلك الجلبيُّ. و(مَن)) على ما اختاره أبو حيَّان(٣) وجماعةٌ عطفٌ على الضمير المستكنِّ في ((استقم))، وأغْنَى الفصلُ بالجارِّ والمجرور عن تأكيده بضميرٍ منفصلٍ لحصول الغرض به، وفي الكلام تغليبٌ لحكم الخطاب على الغَيبة في لفظِ الأمر. واختار كثيرٌ أنه فاعلٌ لفعلٍ محذوف، أي: ولْيَسْتَقِمْ مَن ... إلخ؛ لأنَّ الأمر لا يرفع الظاهر، وحينئذٍ فالجملةُ معطوفةٌ على الجملة الأولى، ومَن ذهب إلى (١) كما في حاشية الشهاب ١٤٣/٥ . (٢) أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة (٣) في البحر ٢٦٩/٥. الآية : ١١٢ ١٣٩ سُورَةٌ هُوَّد! الأوَّل رجَّحه بعدم احتياجه إلى التقدير، ودفع المحذور بأنَّه يُغتفر في التابع ما لا يُغتفر في المتبوع. وجوَّز أبو البقاء(١) كونَه منصوباً على أنَّه مفعولٌ معه، والمعنى: استقمْ مصاحباً لمن تاب، قيل: وهو في المعنى أتمُّ وإن كان في اللفظ نوعُ نَبْوَةٍ عنه. وقيل: إنَّه مبتدأ والخبرُ محذوفٌ، أي: فليستقم. وجوِّز كونُ الخبر ((معك)). ﴿وَلَا تَظْفَوْ﴾ أي: لا تنحرفوا عمَّا حُدَّ لكم بإفراطٍ أو تفريطٍ، فإنَّ كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأمورِ ذميمٌ، وسمِّي ذلك طغياناً - وهو مجاوزةُ الحدِّ - تغليظاً، أو تغليباً الحالِ سائر المؤمنين على حالِه ◌َله . وعن ابن عبّاس أنَّ المعنى: لا تطغَوا في القرآن فتُحِلُّوا وتحرِّموا ما لم تُؤْمروا به. وقال ابنُ زيد: لا تعصُوا ربَّكم. وقال مقاتل: لا تخلطُوا التوحيدَ بالشِّرك. ولعلَّ الأوَّلَ أولى. ﴿إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ ﴾ فيجازيكم على ذلك، وهو تعليلٌ للأمر والنهي السابقين، كأنَّه قيل: استقيموا ولا تطغوا؛ لأنَّ الله تعالى ناظرٌ لأعمالكم فيجازيكم عليها . وقيل: إنَّه تتميمٌ للأمر بالاستقامة. والأوَّل أحسن وأتمُّ فائدةً. وقرأ الحسن والأعمش: ((يعملون)» بياء الغيبة، ورُوي ذلك عن عيسى الثقفيِّ أيضاً (٢). وفي الآية - على ما قال غيرُ واحد - دليلٌ على وجوب اتِّباع المنصوص عليه من غيرِ انحراف بمجرَّد التشهِّي وإعمالِ العقلِ الصِّرف؛ فإن ذلك طغيانٌ وضلال، وأمَّا العمل بمقتضى الاجتهادِ التابع لعللِ النُّصوص، فذلك من باب الاستقامة كما أُمر على موجبٍ النصوص الآمرة بالاجتهاد. وقال الإمام: وعندي لا يجوزُ تخصيص النَّص بالقياس؛ لأنه لَمَّا دلَّ عمومُ (١) في الإملاء ٣٠٧/٣. (٢) البحر ٢٦٩/٥. سُورَةُ هُود! ١٤٠ الآية : ١١٣ النصِّ على حُكْم وجبَ الحكمُ بمقتضاه؛ لقوله تعالى: (فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)، والعملُ بالقياس انحرافَّ عنه، ولذا لَمَّا ورد القرآنُ بالأمر بالوضوء وجيء بالأعضاء مرتَّبة في اللفظ، وجب الترتيبُ فيها، ولَمَّا ورد الأمرُ في الزكاة بأداءِ الإبل من الإبلِ والبقرِ من البقر، وجب اعتبارُها، وكذا القولُ في كلِّ ما ورد أمرُ الله تعالى به، كلِّ ذلك للأمر بالاستقامة كما أمرَ(١). انتهى. وأنت تعلم أنَّ إيجابَ الترتيب في الوضوء لذلك ليس بشيءٍ، ويلزمُه أن يوجب الترتيبَ في الأوامر المتعاطفة بالواو، مثل ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وكذا في نحو ﴿ وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْؤُ﴾ [البقرة: ٤٥] بعين ما ذُكر في الوضوء، وهو كما ترى، وكأنَّه عفا الله تعالى عنه يجزمُ بأنَّ الحنفيَّة الذين لا يوجبون الترتيبَ في أعمال الوضوء طاغون خارجون عمَّا حَدَّ الله تعالى لا احتمالَ للقول بأنَّهم مستقيمون، وهو من الظلم بمكان. ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: لا تميلوا أدنى ميل، والمرادُ بهم المشركون كما روى ذلك ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم عن ابن عباس ﴿﴾(٢). وفسِّر الميلُ بميلِ القلب إليهم بالمحبة، وقد يفسّر بما هو أعمُّ من ذلك، كما يفسّر (الذين ظلموا)) بمن وُجِدَ منه ما يسمَّى ظلماً مطلقاً، قيل: ولإرادةِ ذلك لم يقلْ: إلى الظالمين، ويشمل النهيُّ حينئذٍ مداهنتَهم وتركَ التغيير عليهم مع القدرة، والتَّزيِّي بزيِّهم، وتعظيمَ ذِكْرهم، ومجالستَهم من غيرِ داعٍ شرعيٍّ، وكذا القيام لهم ونحو ذلك. ومدارُ النهي على الظّلم، والجمعُ باعتبارِ جمعيَّة المخاطبين. وقيل: إنَّ ذلك للمبالغة في النهي من حيث إنَّ كونَهم جماعةٌ مظنَّةُ الرخصةِ في مداهنتهم مثلاً . وتعقِّب بأنَّه إنما يتمُّ أنْ لو كان المراد النهيَ عن الرُّكون إليهم من حيث إنهم جماعةٌ، ولیس فلیس. ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ أي: فتصيبَكم بسبب ذلك، كما تُؤْذِنُ به الفاءُ الواقعة في جواب النهي ﴿النَّارُ﴾ وهي نارُ جهنم. (١) تفسير الرازي ١٨/ ٧١. (٢) تفسير الطبري ١٢/ ٦٠٠، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٩٠.