النص المفهرس

صفحات 101-120

الآية : ١٠١
١٠١
وقوله سبحانه: ﴿لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَيِّكَ﴾ أي: حين مجيء عذابِه، منصوبٌ بـ ((أغنت))
وهذا - على ما في ((البحر)) - بناء على خلافٍ مذهب سيبويه؛ لأنَّ مذهبَه أنَّ ((لَمَّا))
حرفُ وجوبٍ لوجوبٍ(١).
وقرئ: ((آلهتهم اللاتي)) و((يُدْعَون)) بالبناء للمفعول(٢)، وهو وصفٌ للآلهة كالتي
في المشهورة، وفيه مطابقةٌ للموصوفِ ليست في ((التي))، لكن قيل - كما في ((جمعِ
الجوامع)) للجلال السيوطي - إنَّ ((التي) في جمعِ غيرِ عالمٍ أكثرُ من اللاتي، نعم إنّ
الآلهة قد عوملت في الآية معاملةَ العقلاء؛ لأَن عبَدَتهاَ نزَّلوها منزلةَ العقلاء في
ومن هنا قيل :
اعتقادهم فيها أنها تنفع وتضرُ، فقيل: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَیْرَ تَنِيپٍ
إِنَّ ((اللاتي)) في تلك القراءة واقعٌ موقعَ الأُلَى أو الذين.
و((التتبيب)) على ما في ((البحر)): التخسير، يقال: تبَّ خَسِر، وتَبَّبه خسَّره(٣).
وذكر الجوهري أنَّ التبَّ الخسران والهلاك، والتتبيب الإهلاك(٤). وفي
((القاموس)): التبُّ والتَّبَبُ والتَّباب والتَّتبيب: النَّقص والخسار(٥).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر ومجاهدٍ تفسيرَ ذلك بالتخسير(٦).
وكذا أخرج الطستي عن ابن عباس رضيًّا، إلا أنه استشهد عليه بقول بشر بن
أبي خازم:
هُمُ جَدَعوا الأنوفَ فأذهبُوها وهُمْ تركوا بني سعدٍ تباباً(٧)
وحينئذٍ فالمعنى: فما زادوهم غيرَ تخسيرٍ - أو خسارةٍ - لنفوسهم، حيث
استحقُّوا العذابَ الأليم الدائمَ على عبادتهم لها، نسألُ الله تعالى العفو والعافية.
(١) البحر ٢٦٠/٥، وينظر الكتاب ٢٣٤/٤.
(٢) تفسير أبي السعود ٤/ ٢٤٠.
(٣) البحر ٢٥١/٥.
(٤) الصحاح (تبب).
(٥) القاموس (تبب).
:
(٦) تفسير الطبري ١٢/ ٥٧٠، والدر المنثور ٣٤٩/٣.
(٧) ذكره عن الطستي السيوطي في الدر المنثور ٣٤٩/٣، وأخرجه من طريق الطستي في الإتقان
٣٩٩/١، والبيت في ديوان بشر ص٧٧ برواية يبابا. وجاء في المصادر: فأوعبوها، بدل:
فأذهبوها .

سُوَلاَ هُود!
١٠٢
الآية : ١٠٢
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلُ ذلك الأخذِ والإهلاكِ الذي مرَّ بيانُه، وهو على ما قال
السَّمين: خبرٌ مقدَّم، وقولُه سبحانه: ﴿أَخْذُ رَيِّكَ﴾ مبتدأٌ مؤخّر (١). وقيل: بالعكس.
والكافُ يحتمل أن تكونَ اسميَّةً وأن تكون حرفيَّة، وقد يجعل المشارُ إليه الأخذَ
المذكورَ بعدُ كما تحقَّق قبلُ.
وفي قراءة عبد الله: ((كذلك)) بغير واو (٢).
﴿إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى﴾ أي: أهلَها، وإنَّما أسند إليها للإشعار بسريانِ أثرِه.
وقرأ الجحدريُّ وأبو رجاء: ((وكذلك أخَذَ ربُّك إذ أخذ))(٣) على أنَّ((أَخَذَ ربُّك))
فعلٌ وفاعل، والظرفُ لِمَا مضى، وهو إخبارٌ عمَّا جرت به عادةُ الله تعالى في
إهلاك مَن تقدَّم من الأمم، و((كذلك)) على هذا سادٌّ مسدَّ المصدر النوعيِّ، ولا مانعَ
من تقدُّمه على الفعل.
و((القرى)) متنازعٌ للمصدر والفعل.
وقولُه سبحانه: ﴿وَهِىَ ظَالِيّةُ﴾ في موضع الحال من ((القرى))، ولذا أَنَّث الضمير
و((ظالمة))، إلَّ أنَّ وصفَ القرى بالظّلم مجازٌ، وهو في الحقيقة صفةُ أهلها. وجَعْلُه
حالاً من المضاف المقدَّر أوَّلاً وتأنيثُه مكتسبٌ من المضاف إليه تكلُّفٌ.
وفائدةُ هذه الحال: الإشعارُ بأنَّ أَخْذَهم بسبب ظلمهم، وفي ذلك من إنذار
الظالم ما لا يخفى.
والمرادُ بالظلم إما الكفرُ أو ما هو أعمُّ، وظاهرُ صنيع بعضهم أخذاً من إطلاقه
أنه شاملٌ لظلم المرء نفسَه وغیرَه.
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾ وجيعٌ ﴿شَدِيدُ ﴾﴾ لا يُرجى منه الخلاصُ، وهذا مبالغةٌ في
التهديد والتحذير، أخرج الشيخان في ((صحيحيهما)) والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه
(١) الدر المصون ٣٨٥/٦.
(٢) أخرجها ابن أبي داود كما في الدر المنثور ٣٤٩/٣.
(٣) البحر ٢٦١/٥، والدر المصون ٣٨٥/٦. ووقع في الأصل و(م): إذا، بدل: إذ، وهي
كذلك على قراءة طلحة بن مصرف كما ذكر أبو حيان والسمين عنه أنه قرأ: ((وكذلك أَخَذ
ربُّك إذا أُخَذَ».

الآية : ١٠٣
١٠٣
سُؤَالٌ هُوَّد!
وآخرون عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ الله تعالى ليُمْلي
للظالم حتى إذا أَخَذَه لم يُفْلِتْه)) ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ) إلى قوله تعالى: (إِنَّ
أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ)(١).
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾ أي: في أخذِه سبحانه للأمم المهلكة، أو فيما قصَّ من أخبارهم
﴿لَيَّةٌ﴾ أي: لعلامةً، وفسَّرها بعضُهم بالعبرة لِمَا أنَّها تلزمُها، وهو حسنٌّ،
والتنوين للتعظيم، أي: لَعبرةً عظيمة ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَ﴾ فإنَّه إذا رأى ما وقع
في الدنيا بالمجرمين من العذاب الأليم اعتبر به حالَ العذابِ الموعود، فإنَّه عصاً
من عُصيَّة(٢)، وقليلٌ من كثير، وانزجر بذلك عن المعاصي التي يترتَّب عليها
العذابُ، وأكبَّ على التقوى والخشية من الله تعالى.
وقد أقيم ((من خاف)) إلخ مُقام مَن صدَّق بذلك؛ لما بينهما من اللزوم، ولأنَّ
الاعتبار إنَّما ينشأ من الخوف، وذكر هذا القيد لأنَّ مَن أنكر الآخرةَ وأحالَ فناءً
هذا العالم، أسندَ الحوادث إلى أسبابٍ فلكيّة وأوضاع مخصوصة، فلم يعتبر بذلك
أصلاً، ولم يَنْزجر عن الضلالة قطعاً، وقال: إنَّ ما وَقَع إنَّما وقع لهاتيك الأسباب
والأوضاع، لا للمعاصي التي اقترفتْها الأممُ المُهلّكة.
وقيل: المرادُ: إنَّ فيما ذكر دليلاً على عذاب المجرمين في الآخرة؛ لأنَّهم إذا
عذِّبوا في الدنيا لإجرامهم وهي دارُ العمل، فَلَأَنْ يعذَّبوا في الآخرة عليه - وهي دارُ
الجزاء - أَولى.
وقيل: المراد: إنَّ فيه دليلاً على البعث والجزاء، وذلك أنَّ الأنبياء عليهم
السلام قد أَخبروا باستئصال من كذَّبهم وأشرك بالله، ووقع ما أخبرُوا به وفقَ
إخبارهم، وذلك أحدُ الشواهد على صِدْقهم، فيكونون صادقين فيما يُخبرون به من
البعث والجزاءِ، فلا بدَّ أن يقع لا محالةَ، والتقييدُ بما ذكر هنا كالتقييد في قوله
سبحانه: ﴿هُدِّى لِلْمَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وهو كما ترى.
(١) صحيح البخاري (٤٦٨٦)، وصحيح مسلم (٢٥٨٣)، وسنن الترمذي (٣١١٠)، وسنن
النسائي الكبرى (١١١٨١)، وسنن ابن ماجه (٤٠١٨).
(٢) في المثل: إن العصا من العصية، والعصا فرس جذيمة، والعصية أمها، أي: بعضُ الأمر
من بعضٍ. المستقصى ٣٣٤/١، والقاموس (عصا).

سُوَلاَ هُودٍ
١٠٤
الآية : ١٠٣
﴿وَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكرِ الآخرة ﴿يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ﴾
أي: يُجمعُ له الناسُ للمحاسبة والجزاء، فـ ((الناسُ)) نائبُ فاعلِ ((مجموعٌ))، وأجاز
ابنُ عطيةً أن يكون مبتدأً، و((مجموعٌ) خبرُه(١). وفيه بُعدٌ؛ إذ الظاهرُ حينئذٍ أن يكون
مجموعاً(٢).
وعدل عن الفعل - وكان الظاهرَ - ليدلَّ الكلامُ على ثبوت معنى الجمع وتحقُّقِ
وقوعه لا محالةَ، وأنَّ الناس لا ينفكُّون عنه، فهو أبلغُ من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَتُكُتْ
لِيَوْمِ الْجَنَّعْ﴾ [التغابن: ٩] وإيضاحُه: أنَّ في هذا دلالةٌ على لزومِ الوصف ولزومٍ
الإسناد، وفي ذلك على حدوث تعلَّق الجمع بالمخاطبين واختصاصِه باليوم، ولهذا
استدركه بقوله: ((الجمع))، فأضاف اليوم إليه ليدلَّ على لزومه له، وإنَّما الحادثُ
جمعُ الأوَّلين والآخِرِين دفعةٌ.
﴿وَذَلِكَ﴾ أي: يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمعِ الناس له ﴿يَوْمٌ مَّشْهُوٌ
٨٠٣
أي: مشهودٌ فيه، فاتَّسع في الجارِّ والمجرور، ووصل الفعل إلى الضمير إجراءً له
مجرى المفعولِ به، كما في قوله :
ويوماً شهدناه سُلَيماً وعامراً قليل سوى طَعْنِ الدّراك نوافلُه(٣)
أي: يشهدُ فيه الخلائقُ الموقفَ لا يغيبُ عنه أحدٌ، وإنما لم يُجعل نفسُ اليوم
مشهوداً بل جُعل مشهوداً فيه ولم يُذكر المشهودُ، تهويلاً وتعظيماً أن يجري على
اللسان، وذهاباً إلى أنْ لا مجال لالتفاتِ الذِّهن إلى غيره.
وقد يقال: المشهودُ هو الذي كثُر شاهدوه، ومنه قولهم: لفلانٍ مجلسٌ
مشهودٌ، وطعامٌ محضورٌ، ولأمِّ قيسٍ الضبِّيةِ:
في محفلٍ من نواصي الناس مشهودٍ (٤)
ومشهدٍ قد گفیتَ الناطقين به
(١) المحرر الوجيز ٢٠٦/٣.
(٢) أي: مجموعون، كما يقال: الناس قائمون ومضروبون، ولا يقال: قائم ومضروبٌ،
إلا بضعف. الدر المصون ٣٨٦/٦.
(٣) البيت لرجل من بني عامر، وسلف ٢٨٤/١، و٥٣١/١١.
(٤) شرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٠٦٠/٣، واللسان (نصو)، وحاشية الشهاب ١٣٦/٥،
وذكره دون نسبة الجوهري في الصحاح (نصا)، وهو في هذه المصادر برواية: الغائبين،
=

الآية : ١٠٤ - ١٠٥
١٠٥
سُوَلُ هُود!
واعتبروا كثرةَ شاهِدِيهِ نظراً إلى أنَّه الذي يستحقُّ أن يطلقَ اسمُ المشهود على
الإطلاق عليه، ولو جُعِلَ اليومُ نفسُه مشهوداً من غير هذا الاعتبارِ لم يحصل
الغرضُ من تعظيم اليوم وتمييزِهِ، فإنَّ سائر الأيام كذلك، لكنْ جاء الامتيازُ من
ذلك لِمَا أُضيف إليه من الكثرة المهولةِ المميِّزة، وبما ذكر يُعلم سقوطُ ما قيل:
الشهودُ الحضور، واجتماع الناس حضورهم، فـ ((مشهود)) بعد ((مجموع)) مكرَّر.
﴿وَمَا تُؤَخِرُهُ﴾ أي: ذلك اليوم الملحوظ بعنوان الجمع والشهود، ونقل
الحوفيُّ رجوعَ الضمير للجزاء. وقرأ الأعمشُ ويعقوب: ((يؤخِّره)) بالياء(١).
﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُورِ ﴿٣)﴾ أي: لانتهاء مدَّةٍ قليلة، فالعدُّ كنايةٌ عن القلّة، وقد
يُجعلُ كنايةً عن التناهي. والأجَلُ عبارةٌ عن جميع المدَّة المعيِّنة للشيء، وقد يُطلق
على نهايتِها، ومنعُ إرادة ذلك هنا لأنَّه لا يوصفُ بالعدِّ في كلامهم بوجهٍ. وجوَّزها
بعضُهم بناءً على أنَّ الكناية لا يُشترط فيها إمكانُ المعنى الأصلي. وتُعقّب بأنَّه
عدولٌ عن الظاهر، وتقديرُ المضاف أسهلُ منه.
واللامُ للتوقيت، وفي ((المجمع)) أنَّها تدلُّ على الغرض، وأنَّ الحكمة اقتضت
التأخيرَ، ولذا عُدل عن ((إلى)) إليها (٢).
وفي الآية ردٌّ على الدهريَّة والفلاسفة، الزاعمين أنَّه لا انقضاءً لمدّة الدنيا،
وهو بحثٌ مفروغ منه.
﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أي: ذلك اليومُ المؤخّرُ بانقضاءِ أجلِه المضروبِ حَسْبَما تقتضيه
الحكمةُ، وهو المرويُّ عن ابن جريج.
وقيل: الضميرُ للجزاء أيضاً.
= بدل: الناطقين. وذكر عجزه الزمخشري في الكشاف ٢٩٢/٣. وهو في الأغاني ٣٠٣/١٨
دون نسبة برواية: وموقفٍ قد كفيت الناطقين به.
قال المرزوقي في شرح البيت: نواصي الناس، أي: أشرافهم والمقدَّمين فيهم، تقول: ربَّ
مشهدٍ عظيم الشأن تكلمت فيه عن نفسك، ونُبت عن الغائبين من مُعْتِلِقِي حَبْلِكَ، واليوم يومٌ
مشهودٌ، ورؤساء الناس وأمائلهم فيه شهود.
(١) تفسير البغوي ٤٠١/٢، وزاد المسير ١٥٧/٤، والبحر ٢٦١/٥.
(٢) مجمع البيان ٢١٦/١٢.

١٠٦
الآية : ١٠٥
وقيل: لله تعالى، وفيه من تفخيم شأن اليوم ما لا يخفى، ويعضدُه قراءةُ
(ما يؤخره)) بالياء، ونسبةُ الإتيان ونحوِه إليه سبحانه أتت في غير ما آية.
واعتُرض الأوَّل بأنَّ التقديرَ عليه: يوم إتيانِ ذلك اليوم، ولا يصحُّ لأنَّ تعرُّف
اليوم بالإتيان يأبى تعرُّف الإتيان به، ولأنَّ إتيانَ اليوم لا ينفكُّ عن يوم الإتيان،
فيكفي الإسناد وتلغو الإضافةُ، ونقل العلّامة الطيبيُّ نصًّا على عدم جوازه،
کما لا تقول: جئتك يوم يسرُّك.
وأجيبَ أنَّ كلَّ زمانٍ له شأنٌ يعتبرُ تجدُّده، کالعيد، والنيروز، والساعة مثلاً،
يجري مَجرى الزمانيِّ وإن كان في نفسه زماناً، فباعتبار تغايُر الجهتين صحَّت الإضافةُ
والإسنادُ، كما يصحُّ أن يقال: يومَ تقومُ الساعة، ويومَ يأتي العيدُ، والعيدُ في يوم
كذا، فالأوَّلُ زمانٌ وضميرُه - أعني فاعلَ الفعل - زمانيٌّ، وإذا حسُن مثلُ قوله:
فسَقَى الغضى والسَّاكنيه وإن هُمُ شَبُّوه بين جَوَانحي وضُلُوعي(١)
فهذا أحسنُ.
وقرأ النحويان ونافع: ((يأتي)) بإثبات الياء وصلاً وحذفِها وقفاً، وابنُ كثير
بإثباتها وصلاً ووقفاً، وهي ثابتةٌ في مصحف أبيٍّ، وقرأ باقي السبعة بِحَذْفِها وصلاً
ووقفاً (٢). وسقطت في مصحف عثمان رضي﴾(٣).
وإثباتُها وَضْلاً وَوَقْفاً هو الوجهُ، ووجهُ حَذْفِها في الوقف التشبيهُ بالفواصل،
ووصلاً ووقفاً التخفيف، كما قالوا: لا أدر ولا أبالٍ، وذكر الزمخشريُّ أنَّ الاجتزاء
بالكسرةِ عن الياء كثيرٌ في لغة هذيل(٤)، ومن ذلك قوله:
(١) معاهد التنصيص على شواهد التلخيص للعباسي ٢٦٩/٢، والتاج (غضا)، والبيت للبحتري،
وهو في ديوانه ٢٤٦/١، برواية: شبُّوه بن جوانحِ وقلوبٍ. قال العباسي: هكذا هو في
ديوانه، وإن كان في كثير من نسخ التلخيص، بل وفي كثير من كتب هذا الفن بلفظ: بين
جوانحي وضلوعي. وقال صاحب التاج: أعاد ضمير شبُّوه إلى الغضا، وأراد به ناره؛ إذ
هو من أجود الوقود.
(٢) التيسير ص١٢٧، والنشر ٢٩٢/٢، والبحر ٢٦١/٥، والكلام منه.
(٣) المقنع للداني ص٣١-٣٣، والبحر ٢٦١/٥، والكلام منه.
(٤) الكشاف ٢/ ٢٩٣.

الآية : ١٠٥
١٠٧
سُؤَلةُ هُودٍ
جوداً وأخرى تُعْطِ بالسيف الدَّما(١)
كفَّاكَ كفّ ما تُلِيقُ درهماً
وقرأ الأعمش: ((يوم يأتون)) بواو الجمع، وكذا في مصحف عبد الله(٢)، أي:
يوم يأتي الناسُ، أو أهلُ الموقف.
﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ﴾ أي: لا تتكلّم بما ينفعُ وينجي من جوابٍ أو شفاعة. وهذا
الفعلُ على الأظهر هو الناصبُ للظرف السابق. وجوِّز أن يكون منصوباً بالانتهاء
المضافِ إلى الأجل، وأنْ يكون مفعولاً به لـ ((اذكر)) محذوفاً.
وهذه الجملة في موضع الحال من ضميرٍ اليوم. وأجاز الحوفيُّ وابن عطية
كونَها نعتاً لـ (يوم))(٣). وتُعقِّب بأنه يقتضي أنَّ إضافته لا تفيده تعريفاً، وهو ممنوع،
ولعلَّ مَن يدَّعي ذلك يقول: إنَّ الجمل بمنزلة النَّكرات حتَّى أطلقوا عليها ذلك،
فالإضافة إليها كالإضافة إليها .
﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلا بإذن الله تعالى شأنُه وعزَّ سلطانُه في التكلُّم، كقوله
سبحانه: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]. وهذا في موقفٍ من
مواقفٍ ذلك اليوم، وقولُه تبارك وتعالى: ﴿هَذَا يَّمُ لَا يَطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ
فَيَغْنَذِّرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥-٣٦] في موقف آخرَ من مواقفِه، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ
تَأْتِى كُلُ نَفْسٍ تُجَدِلُ عَنْ تَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] في آخر منها، وروي هذا عن
الحسن .
وقد ذكر غيرُ واحد أنَّ المأذونَ فيه الأجوبةُ الحقَّة، والممنوعَ منه الأعذارُ
الباطلة، نعم قد يُؤذّنُ فيها أيضاً لإظهار بطلانها كما في قول الكفرة: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا
كُنَا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ونظائرِهِ. والقولُ بأنَّ هذا ليس من قبيل الأعذار وإنَّما هو
إسنادُ الذَّنب إلى كبرائهم وأنَّهم أضلُّوهم، ليس بشيءٍ كما لا يخفى.
وفي ((الدُّرر والغُرر)) للسيِّد المرتضى أنَّ بين قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ
(١) معاني القرآن للفراء ٢٧/٢، والأضداد لابن الأنباري ص٢٦٤، ودرة الغواص ص١٦٥ .
قوله: ما تليق درهماً، أي: ما تحبسه. اللسان (ليق).
(٢) المحرر الوجيز ٢٠٦/٣-٢٠٧، والبحر ٢٦٢/٥.
(٣) المحرر الوجيز ٢٠٧/٣، وذكره عنه وعن الحوفي أبو حيان في البحر ٢٦٢/٥.

سُؤَدَلاَ هُود
١٠٨
الآية : ١٠٥
نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿هَذَا يَّمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُونَ﴾
[المرسلات: ٣٥-٣٦] وكذا قوله جلَّ وعلا: ﴿وَقْلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات:
٢٧] اختلافاً بحسب الظاهر. وأجاب قومٌ من المفسرين عن ذلك بأنَّ يومَ القيامة
يومٌ طويل ممتدٌّ، فيجوز أن يُمنعوا النُّطْقَ في بعضه ويؤذَنَ لهم في بعضٍ آخرَ منه.
ويُضعف هذا الجوابَ أنَّ الإشارة إلى يوم القيامة بطولِه، فكيف يجوزُ أن تكون
الآياتُ فيه مختلفة؟ وعلى ما ذكروه يكون معنى (هَذَا يَؤُ لَا يَطِقُونَ): هذا يوم
لا ينطقون في بعضه، وهو خلافُ الظاهر.
والجواب السَّديد عن ذلك أن يقال: إنَّما أريدَ نفيُ النُّطق المسموعِ المقبولِ
الذي ينتفعون به، ويكونُ لهم في مثلِه إقامةُ حجَّةٍ وخلاصٌ، لا نفيُ النُّطَق مطلقاً
بحيث يعمُّ ما ليس له هذه الحالة، ويجري هذا المجرى قولُهم: خَرِسَ فلانٌ عن
حجَّته، و: حَضَرْنا فلاناً يناظر فلاناً فلم نرهُ قال شيئاً، وإن كان الذي وُصِف
بالخرس والذي نُفي عنه القولُ قد تكلّم بكلام كثير، إلا أنَّه من حيثُ لم يكنْ فيه
حجّةٌ ولم يتضمَّن منفعةً جاز إطلاقُ ما حكيناه عليه، ومثلُه قولُ الشاعر:
حتَّى يواري جارتي الخدرُ
أعمى إذا ما جارتي خَرجَتْ
سمعي وما بي غيرَه وقرُ (١)
ويصمُّ عمَّا كان بينهما
وعلى هذا فلا اختلافَ؛ لأنَّ التساؤُلَ والتلاؤُمَ مثلاً لا حَجَّة فيه.
وأمَّا قوله سبحانه: (وَلَا يُؤْذَنُ لَمْ فَيََّذِرُونَ) فقد قيل فيه: إنَّهم غيرُ مأمورين
بالاعتذار فكيف يعتذرون؟ ويحمل الإذن على الأمر، وإنما لم يؤمروا به لأنَّ تلك
الحالةَ لا تكليفَ فيها، والعبادُ ملجؤون عند مشاهدةِ الأهوال إلى الاعترافِ
والإقرار، وأحسنُ من هذا أن يُحملَ (وَلَا يُؤْذَنُ لَمْ) أنه لا يُسمِعُ لهم ولا يُقبل
عذرهم(٢). انتھی.
وأنت تعلم أن تضعيفَه لِمَا أجاب به القوم من امتدادٍ يوم القيامة، وجوازٍ كون
المنع من النَّطق في بعضٍ منه والإذنِ في بعضٍ آخرَ، ليس بمرتضّى عند ذي الفكرِ
(١) البيتان لمسكين الداري، وقد سلفا ٤٧٣/١.
(٢) أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد ٤٣/١-٤٤.

الآية : ١٠٥
١٠٩
سُؤَالُ هُودٍ
الرضيِّ؛ لظهورٍ صحَّة وقوع الزمان الممتدّ ظرفاً للنقيضين فيما إذا لم يقتضِ كلِّ
منهما أو أحدُهما جميعَ ذلك الزمان، وقد شاع دفعُ التناقض بين الكلامين بمثل
ما فعلوا، ومرجعُه إلى القول باختلاف الزمان كما أنَّ مرجعَ ما روي عن الحسن
إلى القول باختلافِ المكان، واتِّحادُ الزمان والمكان من شروط تناقُضِ القضيّتين،
وليس هذا الذي فعلوه بأبعدَ مِمَّا فعله المرتضى، على أنَّ في كلامه بعدُ
ما لا يخفى.
وقال بعض الفضلاء: لا منافاةً بين هذه الآية والآيات التي تدلُّ على التكلُّم
يومَ القيامة؛ لأنَّ المرادَ من ((يوم يأتي)): حين يأتي، والقضيَّةُ المشتملةُ على ذلك
وقتَّةٌ حُكم فيها بسلب المحمول عن جميع أفرادِ الموضوع في وقتٍ معيَّنٍ، وهذا
لا ينافي ثبوتَ المحمول للموضوع في غير ذلك الوقت.
وقال ابن عطية: لا بدَّ من أحدٍ أمرين: إمّا أن يقال: إنَّ ما جاء في الآيات من
التلاؤُم والتساؤل والتجادُل ونحوِ ذلك مما هو صريحٌ في التكلَّم كان عن إذن، وإمَّا
أن يحملَ التكلُّم هنا على تكلُّم شفاعةٍ أو إقامةِ حَجَّة (١). وكلا القولين كما ترى.
والاستثناء قيل: من أعمِّ الأسباب، أي: لا تكلّم نفسٌ بسببٍ من الأسباب
إلا بسببٍ إذنه تعالى؛ وهو مثَّصل. وجوِّز أن يكون منقطعاً ويقدّر ما لا يتناول
المستثنى، أي: لا تكلَّمُ نفسٌ باقتدارٍ من عندها إلَّا بإذنه تعالى، ولا يخفى أنَّ هذا
استثناءٌ مفرَّغ، وقد طرقَ سمعَك ما هو الأصحُّ فيه. وقرئ كما في ((المصاحف))
لابن الأنباري: ((يوم يأتون لا تكلّم دابَّة إلا بإذنه))(٢).
﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي: من(٣) أهل الموقفِ المدلولِ عليه بقوله سبحانه: ﴿لَا تَكَلَّمُ
نَفْسُ﴾، أو الجميع الذي تضمَّنه ((نفس)) إذ هو اسمُ جنس أريدَ به الجميعُ على
ما نقله أبو حيَّان عَن ابن عطيّة(٤)، أو الناسِ المذكورِ في قوله سبحانه: (تَجْمُوعُ لَّهُ
النَّاسُ).
(١) المحرر الوجيز ٢٠٧/٣.
(٢) الدر المنثور ٣٤٩/٣، والقارئ هو عمر بن ذر.
(٣) قوله: من، ليس في (م).
(٤) المحرر الوجيز ٢٠٧/٣، والبحر ٢٦٢/٥.

١١٠
الآية : ١٠٦
ونقل ابنُ الأنباري أنَّ الضميرَ لأمةِ محمدٍ نَّهِ، وهو من الغرابةِ بمكان، وكأنَّه
قَصَدَ هذا القائلُ بذلك تمهيداً لتوجيه (١) الاستثناء الآتي، وهو ولله الحمدُ غنيٌّ عن
ذلك.
والظاهرُ أنَّ (مِن)) للتبعيض، والجارُّ والمجرورُ خبرٌ مقدَّم، وقوله سبحانه:
﴿شَفِىٌّ﴾ مبتدأ. وقوله تعالى: ﴿وَسَعِيدٌ ﴾ بتقدير: ومنهم سعيد، وحذف منهم
لدلالة الأوَّل عليه.
والسعادةُ على ما قال الراغب: معاونةُ الأمور الإلهية للإنسان على نَيل الخير،
ويضادُّها الشقاوة(٢). وفسَّر في ((البحر)) الشقاوةَ بنكدِ العيش وسوئِه، ثم قال:
والسَّعادة ضدُّها(٣). وفي القاموس ما يقرُبُ من ذلك(٤)، فالشقيُّ والسعيدُ
هما المتَّصفان بما ذُكر.
وفسّر غيرُ واحد الأوَّل بمن استحقَّ النار بمقتضى الوعيد، والثاني بمن استحقّ
الجنَّة بموجبٍ الوعد، وهذا هو المتعارَفُ بين الشَّرْعِيِينَ.
وتقديمُ الشقيّ على السعيد لأنَّ المقامَ مقامُ الإنذار والتحذير.
﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ أي: سَبَقتْ لهم الشَّقاوة ﴿فَفِى النَّارِ﴾ أي: مستقرُّون فيها
﴿لَّمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيٌ ﴾﴾ قال أهلُ اللغة من الكوفية والبصريَّة: الزفيرُ بمنزلة
ابتداءِ صوت الحمار، والشهيقُ بمنزلة آخرِ نهيقه، قال رؤبة :
حتَّى يقال ناهقٌ وما نَهَقْ(٥)
حَشْرجَ في الصَّدْر صھیلاً أو شَھَقْ
وقال ابن فارس: الزفير إخراجُ النَّفَس، والشهيق ردُّهُ (٦). قال الشمَّاخ في حمارٍ
وحش:
(١) في الأصل: تمهيد التوجيه.
(٢) مفردات الراغب (سعد).
(٣) البحر ٢٥١/٥.
(٤) القاموس (سعد) و (شقي).
(٥) ديوان رؤبة ص١٠٦، والبحر ٢٥١/٥، ورواية الديوان: حشرج في الجوف سميلاً أو
شهق . . .
(٦) مجمل اللغة ٥١٤/١.

الآية : ١٠٧
١١١
سُوَلاَ هُود!
زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ مُحشرج(١)
بعيدُ مَدَى الشَّطريبِ أوَّلُ صوتِه .
وقال الراغب: الزفير: ترديدُ النَّفَس حتى تنتفخَ الضُّلوع منه، من زَفَر فلانٌ: إذا
حَمَلَ حملاً بِمشقَّةٍ فتردّد فيه نَفَسُه، ومنه قيل للإماء الحاملات الماءَ: زوافر.
والشهيق: طولُ الزفير، وهو ردّ النَّفَس، والزفير مدُّه، وأصله من: جبلٍ شاهقٍ،
أي: مُتناهٍ في الطول(٢).
وعن ابن السائب(٣) أنَّ الزفير للحمير، والشهيق للبغال. وهو غريبٌ.
ويُراد بهما الدّلالةُ على كَرْبِهم وغمِّهم، وتشبيهُ حالهم بحالٍ مَن استولتْ على
قلبه الحرارةُ وانحصر فيه روحُه، أو تشبيهُ أصواتهم بأصوات الحمير، ففي الكلام
استعارةٌ تمثيليّة أو استعارةٌ مصرِّحة.
والمأثورُ عن ابن عباس ﴿ّ أنَّه قال: يريد ندامةً، ونَفَساً عالياً، وبكاءً
لا ينقطع.
وقرأ الحسن: ((شُقُوا)) بضمِّ الشين(٤). فاستُعمل متعدِّياً؛ لأنه يقال: شقاه اللهُ
تعالى، كما يقال: أشقاه.
وجملة ((لهم فيها زفير)) إلخ مستأنفةٌ، كأنَّ سائلاً قال: ما شأنُهم فيها؟ فقيل:
لهم فيها كذا وكذا. وجوِّز أن تكون منصوبةَ المحلِّ على الحاليَّة من ((النار)) أو من
الضمير في الجارِّ والمجرور، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ خلا أنه إن أُريد
حدوثُ كونِهم في النار، فالحالُ مقدَّرة.
﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: مدَّةَ دوامهما، وهذا عبارةٌ عن التأبيد ونفي
الانقطاع، على منهاجٍ قول العرب: لا أفعلُ كذا ما لاحَ كوكبٌ، وما أضاءَ الفجرُ،
(١) ديوان الشماخ ص٨٨، والكشاف ٢٩٣/٢، والبحر ٢٥١/٥، ورواية الديوان:
بعيدُ مدى التطريبٍ أُولى نهاقِه سحيلٌ وأُخراء خفيُّ المحشرج
(٢) مفردات الراغب (زفر) و (شهق).
(٣) في الأصل و(م): وعن السائب، والمثبت من زاد المسير ١٥٩/٢، والبحر ٢٦٣/٥، وهو
محمد بن السائب الكلبي.
(٤) القراءات الشاذة ص ٦١، والبحر ٢٦٤/٥.

١١٢
الآية : ١٠٧
وما اختلف الليلُ والنهار، وما بلَّ بحرٌ صوفةً، وما تغنَّت حمامةٌ، إلى غيرِ ذلك من
كلمات التأبيد عندَهم، لا تعليقِ قرارِهم فيها بدوامٍ هذه السماوات والأرض، فإنَّ
النصوصَ القاطعةَ دالَّةٌ على تأبيد قرارِهم فيها وانقطاع دوامهما، وروي هذا عن ابن
جریر(١).
وجوِّز أن يحملَ ذلك على التعليق، والمرادُ بالسماوات والأرض سماواتُ
الآخرة وأرضُها، وهي دائمةٌ للأبد؛ قال الزمخشريُّ: والدليل على أنَّ لها سماواتٍ
وأرضاً قولُه سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقوله
سبحانه: ﴿وَأَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ﴾ [الزمر: ٧٤] ولأنه لا بدَّ لأهل
الآخرة مما يقلُّهم ويظلُّهم، إما سماء يخلقُها الله تعالى أو يظلُّهم العرش، وكلُّ
ما أظلَّك فهو سماء(٢). انتهى.
قال القاضي: وفيه نظر؛ لأنه تشبيهٌ بما لا يَعْرفُ أكثرُ الخلق وجودَه ودوامَه،
ومَن عرفه فإنما عَرفَه بما يدلُّ على دوام الثواب والعقاب، فلا يُجدي له
التشبيه(٣).
وأجاب عنه صاحب ((الكشف)) بأنَّه إذا أُريدَ ما يظلُّهم وما يقلُّهم فهو ظاهرُ
السقوط؛ لأن هذا القَدْرَ معلومُ الوجود لكلِّ عاقلٍ، وأمَّا الدَّوامُ فليس مستفاداً من
دليلٍ دوام الثواب والعقاب، بل مما يدلُّ على دوام الجنَّة والنَّار، سواءٌ عُرف
أنَّهمَا دارُ الثواب والعقاب وأنَّ أهلَهما السعداءُ والأشقياءُ من الناس أوْ لا، على
أنه ليس من تشبيهِ ما يُعرف بما لا يُعرف بل العكس. انتهى.
وتعقّبه الجلبيُّ بأنَّ قوله: لكلِّ عاقلٍ، غيرُ صحيح؛ فإنَّه لا يعترفُ بذلك
إلا المؤمنون بالآخرة، وقوله: الدوامُ مستفادٌ مما يدلُّ على دوام الجنَّة والنَّار،
لا يدفعُ ما ذكره القاضي؛ لأنَّه يريد أنَّ المشبّه به ليس أعرفَ من المشبّه، لا عند
المتديِّن لأنه يعرِفُ كليهما من قِبَلَ الأنبياء عليهم السلام، وليس فيه ما يوجبُ
أعرفيَّةَ دوام سماوات الآخرة وأرضِها، وليس مرادُه أن دوامهما مستفادٌ من
(١) في تفسيره ١٢ / ٥٧٨ .
(٢) الکشاف ٢/ ٢٩٣ -٢٩٤.
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٣٨/٥.

الآية : ١٠٧
١١٣
سُؤَدَةٌ هُودٍ
خصوص الدليل الدَّالِّ على الثواب والعقاب بعينه، فإنه لا يهمه ليمنعَ، ولا عندَ غیر
المتديِّن؛ فإنه لا يعترفُ به ولا بها ولا يعرفه. وقوله: على أنَّه ليس من
تشبيه .. إلخ، مبنيٌّ على أنَّه تشبيهُ تلك الدَّار بهذه الدَّار، وليس بذلك، وإنَّما المرادُ
التشبيهُ الضّمني لدوامهم بدوامهما. انتهى، وفيه بحث.
والحقُّ أنَّ صحَّةَ إرادةٍ ذلك مما لا ينبغي أن ينتطحَ فيه كبشان، وفي الأخبار
عن ابن عباس والحسن والسُّدِّي وغيرِهم ما يقتضيه، ومَن تأمَّل مُنْصِفاً بعد تسليم
أنَّ هناك تشبيهاً يَظهرُ له أنَّ المشبَّه به أعرفُ من المشبَّه وأقربُ إلى الذهن،
واتحادُ طريق العلم بهما لا يضرُّ في ذلك شيئاً بداهةَ أنَّ ثبوتَ الحيِّز أعرفُ
وأقربُ إلى الذهن من ثبوتٍ ما تحيَّز فيه وإن ورَدَا من طرقِ السمع كما لا يخفى،
على أنَّ اشتراط كون المشبّه به أعرفَ في كلِّ تشبيهٍ غيرُ مسلَّم عند الناظر في
المعاني.
نعم المتبادِر من السماوات والأرض هذه الأجرامُ المعهودةُ عندنا، فالأَولى أن
تبقى على ظاهرِها، ويُجعلَ الكلامُ خارجاً مخرج ما اعتادته العربُ في محاوراتهم
عند إرادة التبعيد والتأبيد، وهو أكثرُ من أن يُحصى. ولعلَّ هذا أولى أيضاً مما في
(تفسير ابنٍ كثيرٍ))(١) من حمل السماوات والأرض على الجنسِ الشاملِ لِمَا في
الدنيا والآخرة، أي: المظلِّ والمقلِّ في كلِّ دار.
وجاء في رواية عن الحبر: أن السماوات والأرض في الآخرة يُردَّان إلى النور
الذي أُخِذتا منه، فهما دائمتان أبداً في نور العرش، فتأمل(٢).
وفي ((الدرر))(٣) أنه يمكن أن يكون المرادُ أنهم خالدون بمقدارٍ مدَّة بقاء
السماوات والأرض التي يعلم(٤) انقطاعها، ثم يزيدهم سبحانه على ذلك ويخلِّدهم
ويؤبِّد مُقامهم.
(١) عند تفسير هذه الآية.
(٢) من قوله: وجاء في رواية عن الحبر، إلى هذا الموضع، ليس في (م).
(٣) في الأصل: الدر المنثور، وهو خطأ، والكلام من غرر الفوائد ودرر القلائد للمرتضى
٩١/٢.
(٤) في الأصل: يمكن، وفي الغرر والدرر: يعلم الله.

سُوَلاَ هُودٍ
١١٤
الآية : ١٠٧
ولعلَّه أراد مدَّةَ بقائهما منذ خلقَهما الله تعالى إلى أنْ يبدِّلَهما، لا مدَّةَ
بقائهما بعدَ دخولهم النارَ يوم القيامة؛ لأنَّهما يبدَّلان قبل دخولهم، والآيةُ على هذا
من قبيل قوله سبحانه: ﴿لَّبِثِينَ فِيَهَآَ أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣].
﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ قيل: هو استثناءٌ من الضمير المستكنِّ في ((خالدين))، وتكونُ
(ما)) واقعةً على نوع مَن يَعْقِلُ، كما في قوله سبحانه: ﴿فَأَتَكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ
اُلِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، أو واقعةً على مَن يَعْقِلُ على مذهبٍ مَن يرى وقوعَها عليه
مطلقاً. والمراد بمن شاء: فُسَّاقُ الموحِّدين، فإنهم يُخْرَجون منها كما نطقتْ به
الأخبارُ، وذلك كافٍ في صحَّة الاستثناء؛ لأنَّ زوالَ الحكم عن الكلِّ يكفيه زوالُه
عن البعض، وهم المرادُ بالاستثناء الثاني؛ فإنَّهم مفارقون عن الجنة أيامَ عذابهم،
والتأبيدُ من مبدأ معيَّنٍ ينتقضُ باعتبار الابتداء كما ينتقضُ باعتبار الانتهاء، ألا ترى
أنَّك إذا قلت: مكثتُ يومَ الخميس في البستان إلا ثلاثَ ساعات، جاز أن يكون
ذلك الزمانُ الواقعُ فيه عدمُ المكث من أوَّله ومن آخره، وهؤلاء وإن شَقُوا بعصيانهم
فقد سُعِدُوا بإيمانهم.
ولا يقال: فعلى هذا لا يكون قولُه سبحانه: (فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ) تقسيماً
صحيحاً؛ لأنَّ مِن شَرْطِه أن تكونَ صفةُ كلِّ قسم منفيةً عن قسيمه. لأنَّ ذلك الشرطَ
حيث الانفصالُ حقيقيٍّ أو مانعٌ من الجمعَ، وهاهنا المرادُ أنَّ أهلَ الموقف
لا يخرجون من القسمين، وأنَّ حالَهم لا تخلو عن السَّعادة والشقاوة، وذلك لا يمنعُ
اجتماعَ الأمرين في شخصٍ واحد باعتبارين. انتهى، وهو ما ذكره الإمام(١) وآثرَه
(٢)
القاضي (٢).
واعتُرض بأنَّه لا دلالةَ في اللفظ على المبدأ المعيّن، ولو سُلِّم فالاستثناء
يقتضي إخراجاً عن حكم الخلودِ، وهو لا محالةً بعد الدخول، فكيف ينتقضُ
بما سبق عليه؟ وكيف وقد سبق قوله تعالى: (فَفِى الَّْةِ)؟ ثم قيل: فإن قلتَ: زمانُ
تفرُّقِهم عن الموقف هو الابتداءُ، وهو آخِرُ ((يوم يأتي)). قلت: إن ادُّعي أنَّ الابتداءَ
من ابتداء ذلك الزمان جاز أن يسلّمَ دلالةُ اللفظ عليه، ولا ينفع؛ لأنَّ الكلَّ في
(١) هو الرازي في تفسيره ١٨/ ٦٣.
(٢) في تفسيره مع حاشية الشهاب ١٣٨/٥-١٣٩.

الآية : ١٠٧
١١٥
سُؤَدَلاَهُود!
الدارين غيرُ خالدين على هذا التقدير، وأمَّا جَعْلُ ابتداء المدَّة من انتهائه فلا. وبأنَّ
تقابلَ الحُكْمين يدلُّ على تقابل القسمين بمعنى منع الجمعِ مطلقاً.
وأجيب - بعد غَمْضٍ العين عمَّا في ذلك من الخروج عن آداب المناظرة - بأنَّ
مبدأ زمان خلودِ أهل الجنّة من زمانِ دخولِ أهل النار في النار، ويدلُّ على ذلك
اتحادُ معيارٍ الخلودين، وهو ((ما دامت السماوات والأرض» فإنه يدلُّ على زمان
خلودِهما، ولا اتحادَ مع الاختلاف في المبدأ، والاستثناءُ عن حكم الخلود من
مبدأ معيَّنٍ يكون بالإخراج عن حُكم الدخول الذي يتضمَّنه الخلودُ فيها لا محالة.
وخلاصةُ المعنى على هذا: أنَّ السعداء كلَّهم خالدون في الجنة من زمانٍ
دخولِ أهل النارِ في النار إلَّا العصاةَ منهم الذين أرادَ الله سبحانه دخولَهم في النار
مدَّةً معيَّنة عِلْمُها عنده جلَّ وعلا، وما ذكر من حديثٍ تقابُل الحكمين إن أريدَ
تقابلُهما بمعنى منع الجمع فلا تقابلَ فيهما بهذا المعنى لاجتماعهما في العصاة،
وإن أريد مطلقاً فلا دلالةَ على تقابل القسمين بذلك المعنى. انتهى.
ولا يخفى على المُنصف ما في ذلك القولِ من التكلُّف ومخالفةِ الظاهر،
والانتصارُ له بما ذُكر لا يُجديه نفعاً.
وقيل: هو استثناءٌ من الضمير المتقدِّم إلَّا أنَّ الحكم الخلودُ في عذاب النار،
وكذا يقال فيما بعدُ: إنَّ الحكم فيه الخلودُ في نعيم الجنة، وأهلُ النار يُنقلُون منها
إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً، وكذلك أهلُ الجنة ينعَّمون بما هو أعلى
منها، كالاتِّصال بجناب القُدس، والفوزِ برضوان الله تعالى الذي هو أكبرُ،
وما يتفضَّل به عليهم سوى ثوابٍ الجنة مما لا يَعرف كنْهَه إلا هو سبحانه وتعالى،
وإلى هذا ذهب الزمخشري(١) سالًّا سيف البَغي والاعتزال، وقد ردَّه العلامة الطّيبيُّ
وأطالَ الكلامَ في ذلك.
وقال صاحب ((الكشف)): إنَّ ذلك في أهل النار ظاهرٌ؛ لأنَّهم يُنقَلُون من حرِّ
النار إلى بردِ الزمهرير، والردُّ بأنَّ النارَ عبارةٌ عن دار العقاب غيرُ وارد؛ لأنَّا لا نُنكر
استعمالَ النار فيها تغليباً، أمَّا دعوى الغلبة حتى يُهجر الأصل فكلًا، ألا ترى إلى
(١) في الكشاف ٢/ ٢٩٤.

سُورَةُهُود
١١٦
الآية : ١٠٧
قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَغَى﴾ [الليل: ١٤] ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾؟ [التحريم: ٦] وكم
وكم، وأمَّا رضوان الله تعالى عن أهل الجنّة وهم فيها فيأبى الاستثناءَ، كيف وقولُه
سبحانه: (خَالِدِينَ فِهَا) لا يدلُّ بظاهرِه على أنَّهم منعَّمون بها فضلاً عن انفرادِها
بتنعُّمهم، إلا أنْ يخصَّص بجنَّة الثواب لا محضِ التفضُّل، وكفاه بطلاناً التخصيصُ
من غير دلیل.
واعتُرض بأنَّ لك أن تقول: هجرُ الأصل في الآيتين اللتين ذُكرتا عُلم من
الوصف، وفي هذه الآية ذِكْرُها في مقابلة الجنة يعضدُ أنَّ المرادَ بها دارُ العقاب
مطلقاً .
وقيل: إنَّ الاستثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأوقات، و((ما)) على أصلِها لِمَا لا يعقل
وهو الزمانُ، والحكمُ الكونُ في النار، والمعنى: أمَّا الذين شَقُوا ففي النار في كلِّ
زمانٍ بعد إتيان ذلك اليوم، إلا زماناً شاء اللهُ تعالى فيه عدمَ كونِهم فيها، وهو زمانٌ
موقفٍ الحساب.
واعترض بأنَّ عصاةَ المؤمنين الدَّاخلين النارَ إمَّا سعداءُ فيلزم أنْ يخلدوا في
الجنة فيما سوى الزمانِ المستثنى، وليس كذلك. أو أشقياءُ فيلزم أنْ يخلدوا في
النَّار، وهو خلافُ مذهبٍ أهل السنّة. وأيضاً تأخُّره عن الحال - ولا مدخلَ لها في
الاستثناء - لا يُفصح(١)، والإبهامُ بقوله سبحانه: (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ)، والتفخيمُ الذي
یعطیە لا یبقی لە رَوْنقٌ.
وأجيب بأنَّه قد يقال: إنَّ القائل بذلك يخصُّ الأشقياء بالكفار والسعداءَ
بالأتقياءِ، ويكونُ العصاةُ مسكوتاً عنهم هنا، فلا يَرِدُ عليه شيءٌ إن كان سنّيًّا، وإن
كان معتزليًّا فقد وافق سَنَنَ طبعِه، ويُجاب عمَّا بعدُ بالمنع.
وقيل: أمرُ الاستثناء ما علمتَ، إلا أنَّ المستثنى مدَّةُ لبثهم في الدنيا أو
البرزخ، ويقطع النظر عن ((يوم يأتي))، والمعنى أنَّهم في النار جميعَ أزمان وجودهم
إلا زماناً شاء الله تعالى لبثَهم في الدنيا أو البرزخ، والمراد مع زمانِ الموقف؛ إذ
ليسوا في زمانه أيضاً في النار، إلّا أنْ يرادَ بالنار العذابُ فلا يحتاج للمعيَّة، لكنْ
(١) كذا في الأصل و(م)، وفي حاشية الشهاب ١٣٩/٥: لا يتضح.

الآية : ١٠٧
١١٧
سُاَلُ هُودٍ
يَرِدُ أنَّهم معذَّبون في البرزخ أيضاً، إلا أنْ يقال: لا يعتدُّ بذلك لأنَّه عذابٌ غيرُ تامّ؛
لعدمٍ تمام حیاتِهم فيه.
وأَورد عليه ما أورد على ما قبله، وأُجيب بأنه إنَّما يَرِدُ لو كان المستثنى في
الاستثناء الثاني هو ذلك الزمانُ المستثنى في الاستثناء الأوَّل، وهو غيرُ مسلّم،
فليكن المستثنى منه زمانَ لبثهم في النار مع ذلك الزمان المستثنى في الآية الأولى،
فإِنَّ المستثنى ليس فيه ما يدلُّ على تعيين زمانٍ حتى لا يمكن الزيادةُ عليه. وهو
كما ترى.
وقيل: هو استثناءٌ من قوله سبحانه: (لَكُمْ فِهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ). ورُدَّ بأنَّ المقابل
لا يجري فيه هذا، ويبقى الإشكال. وأُجيب بأنَّ المرادَ ذكرُ ما تحتملُه الآیةُ،
والاطّراد ليس بلازم. وتُعقِّب بأنه ليس المرادُ إلا بيانَ ضعف هذا الوجه، وكفى
بعدمِ الاطّراد ضعفاً.
وقيل: ((إلا)) بمعنى سوى، كقولك: لك عليَّ ألفان إلا الألف التي كانت،
يعني سواها، ونُقل ذلك عن الزجَّاج، والفرَّاء، والسجاونديِّ، والمعنى: سوى
ما شاء ربُّك من الزيادة التي لا آخرَ لها على مدَّة بقاء السماوات والأرض(١)،
والاستثناءُ في ذلك منقطعٌ.
ويحتمل أنْ يريدوا أنَّ ((إلا)) بمعنى غير صفةٌ لِمَا قبلها، والمعنى: يخلدون فيها
مقدارَ مدَّةِ السماوات والأرض سوى ما شاء الله تعالى مِمَّا لا يتناهى. وضعِّف هذا
القيلُ بأنه يلزمُ حملُ السماوات والأرض على هذين الجسمين المعروفين من غيرِ
نظرٍ إلى معنى التأبيد، وهو فاسدٌ.
وقيل: ((إلا)) بمعنى الواو، أي: وما شاء ربُّك زائداً على ذلك، واستشهد على
مجيئها بمعنى الواو بقوله:
وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه
لعمرُ أبيكَ إلَّ الفَرْقَدان(٢)
وفيه أنَّ هذا قولٌ مردودٌ عند النحاة.
(١) معاني القرآن للفراء ٢٨/٢، وللزجاج ٧٩/٣.
(٢) سلف ٣٧٠/٣. وذكر هذا الوجه المرتضى في الأمالي ٨٨/٢، وأبو حيان في البحر ٢٦٤/٥.

سُؤَدَلا هُودٍ
١١٨
الآية : ١٠٧
وقال العلامة الطيبي: الحقُّ الذي لا محيد عنه أنْ يُحمل ((ما)) على مَن؛
لإرادةِ الوصفيَّة وهي المرحومية، و((خالدين)) حالٌ مقدَّرةٌ من ضميرٍ الاستقرار،
أي: في النار، والمعنى: وأما الذين شَقُوا ففي النَّار مقدَّرين الخلودَ إلا المرحوم
الذي شاء الله تعالى أن لا يستقرَّ مخلَّداً، فيفيدُ أن لا يستقرَّ فيها مطلقاً أو يستقرَّ
غيرَ مخلَّد، وأحوالُ العصاةِ على هذا النهج كما عُلم من النصوص، وفي ذلك
إيذانٌ بأنَّ إخراجَهم بمحضٍ رحمة الله تعالى فينطبقُ عليه قولُه سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ
فَقَالٌ لِّمَا يُرِيدُ
وتُعقّب بأنَّه لا يجري في المقابل إلا بتأويلِ الإمام، وقد مرَّ ما فيه، أو بجَعْلِه
من أصل الحكم ويقتضي أن لا يدخلوا أصلاً، وإذا أوِّل بمقدَّرين فلو جُعل استثناءً
من مقدَّرين لم يتَّجه، ومن قوله تعالى: (فَفِى النَّارِ) فلا يكون لهم دخولٌ أصلاً،
ودلالة ((ما)) لإبهامها إمَّا على التفخيم أو التحقير ولا يطابقُ المقام.
وقيل وقيل، والأوجَهُ أن يقال: إنَّ الاستثناء في الموضعين مبنيٌّ على الفرض
والتقدير، فمعنى «إلا ما شاء)»: إن شاء، أي: لو فُرِضَ أنَّ الله تعالى شاء إخراجَهم
من النار أو الجنَّة في زمانٍ لكان مستثنّى من مدَّة خلودِهم، لكنَّ ذلك لا يقعُ لدلالةِ
القواطع على عدمٍ وقوعه، وهذا كما قال الطيبي من أسلوب ﴿حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَدٍ
اَلْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، و﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان:
٥٦]، وذكر أنَّه وَقَفَ على نصٍّ من قِبَلِ الزَّجَّاج يوافق ذلك(١).
وفي ((المعالم)) عن الفرَّاء أيضاً ما يوافقه، حيثُ نُقل عنه أنه قال: هذا استثناءٌ
استثناه سبحانَه ولا يفعلُه، كقولك: والله لأضربنَّك إلا أنْ أرى غيرَ ذلك، وعزيمتُك
أن تضربَه. وحذو القذةِ بالقذةِ ما نقله قبلُ عن بعضهم أنَّ المعنى: لو شاء
لأخرجَهم لكنَّ لا يشاء؛ لأنَّه سبحانه حكم لهم بالخلود (٢).
وفي ((البحر)) عن ابن عطية نقلاً عن بعضٍ ما هو بمعناه أيضاً، حيث قال: وأمَّا
قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكْ) فقيل فيه: إنَّه على طريق الاستثناء الذي ندب الشرعُ
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ٧٩/٣.
(٢) تفسير البغوي ٢/ ٤٠٢، وما نقله عن الفراء مذكور في معاني القرآن له ٢٨/٢.

الآية : ١٠٧
١١٩
سُوَلاَ هُوَّدٍ
إلى استعمالِه في كلِّ كلامٍ، فهو على نحوٍ قوله جلَّ وعلا: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
إِن شَآءَ اللَّهُه ◌َامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] استثناء في واجب، وهذا الاستثناءُ في حكم
الشرطِ، كأنَّ قيل: إن شاء ربُّك، فليس يحتاج أن يوصفَ بمتَّصلٍ ولا منقطع(١).
ومِمَّن ذهب إلى ذلك أيضاً الفاضلُ ميرزاجان الشيرازي في ((تعليقاته)) على
تفسير البيضاوي(٢) ونصَّ على أنَّه من قبيل التعليق بالمُحالِ حتى يُثبِتَ محاليَّةً
المعلَّق، ويكون كدعوى الشيء مع بيِّئة.
وهو أحدُ الأَوجُه التي ذكرها السيِّد المرتضى في ((درره))(٣). وتفسيرُ الاستثناء
الأول بالشرط أخرجه ابنُ مردويه عن جابر عن رسولِ الله وَّه كما ذكر ذلك الجلالُ
السيوطيُّ في ((الدر المنثور))(٤)، ولعلَّ النُّكتَةَ في هذا الاستثناء على ما قيل: إرشادُ
العبادِ إلى تفويض الأمور إليه جلَّ شأنُه، وإعلامُهم بأنَّها مَنوطةٌ بمشيئته جلَّ
وعلا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا حقَّ لأحدٍ عليه ولا يجبُ عليه شيء،
كما قال تبارك وتعالى: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ).
وذكر بعضُ الأفاضل أنَّ فائدتَه دفعُ توهُّم كون الخلود أمراً واجباً عليه تعالى
لا يمكن له سبحانه نقضُه كما ذهب إليه المعتزلةُ، حيث أَخبر به جلَّ وعلا مؤكّداً،
والمراد بـ ((الذين شَقُوا)) على هذا الوجه الكفَّارُ فقط، فإنَّهم الأحقّاءُ بهذا الاسم
على الحقيقة، وبـ ((الذين سُعدوا)) المؤمنون كانَّة مطيعُهم وعاصيهم، فيكونُ التقسيم
في قوله سبحانه: (فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ) للانفصال الحقيقيّ، ولا ينافيه قولُه تعالى:
(فَفِى الْجَنَّةِ) لأنَّه يَصْدُقُ بالدخول في الجملة.
وفي ((الكشف)) بعد نقل أنَّ الاستثناءَ من باب ﴿حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠]:
فإن قلتَ: فقد حصلَ مغزى الزمخشريِّ من خلودِ الفُسَّاق. قلت: لا كذلك لأنَّهم
داخلون في السعداء، والآية تقتضي خلودَ السعيد وذلك بعدَ دخوله فيها لا محالة،
-
(١) البحر ٢٦٤/٥، والمحرر الوجيز ٢٠٨/٣.
(٢) في (م): القاضي.
(٣) ٨٩/٢ -٩٠.
(٤) ٣٥٠/٣، ولفظه: قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ قال
رسول الله وَّ: ((إن شاء ربك أن يُخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل)).

سُوَلاَ هُود!
١٢٠
الآية : ١٠٨
ولا تنفي كينونته في النار قبل دخولِه في الجنة، فإنَّ اللفظ لا يقتضي أنْ
يدخلوا - أعني السعداءَ - كلُّهم في الجنة معاً، كيف والقاطع يدلُّ على دخولهم أوَّلاً
فأوَّلاً على حسب مراتبهم. انتهى، فتأمَّلْ فإنَّ الآية من المُعْضِلات.
وإنَّما لم يضمر في ((إنَّ ربَّك)) إلخ كما هو الظاهرُ؛ لتربيةِ المهابة وزيادةٍ
التقرير. واللام في ((لِمَا)) قيل: للتقوية، أي: فعَّالٌ ما يريدُه سبحانه لا يتعاصَى عليه
شيء بوجهٍ من الوجوه.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَّةِ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبِّكَّ﴾
الكلامُ فيه ما علمتَ خلا أنَّه لم يذكر هاهنا أنَّ لهم بهجةً وسروراً كما ذكر في أهل
النار: ((لهم فيها زفيرٌ وشهيق)) لأنَّ المقامَ مقامُ التحذيرِ والإنذار.
و((سُعدوا)) بالبناء للمفعول قراءةُ حمزةَ والكسائيّ وحفص(١)، ونُسبت إلى ابن
مسعود وطلحةَ بنِ مصرِّف وابنٍ وثاب والأعمش، وقرأ جمهور السبعة: ((سَعِدوا))
بالبناء للفاعل، واختار ذلك عليٍّ بن سليمان، وكان يقول: عجباً من الكسائيّ كيف
قرأ: ((سُعِدوا)) مع علمه بالعربية (٢).
وهذا عجيبٌ منه فإنَّه ما قرأ إلَّا ما صَّ عنده، ولم يقرأ بالرأي ولم يتفرَّد
بذلك، وروي عنه أنَّه احتجَّ لذلك بقولهم: مسعود. وتُعقِّب بأنَّه لا حجَّةَ فيه؛
لاحتمال أنه کان: مسعود فیه(٣).
وذُكر أنَّ الفرَّاء حكى أنَّ هذيلاً تقول: سَعَدَه اللهُ تعالى بمعنى أسعدَه، وقال
الجوهريُّ: سَعِد بالكسرة فهو سعيد، مثل قولهم: سَلِم فهو سليم، وسُعِدَ فهو مسعود.
وقال أبو نصر عبد الرحيم القُشيري: ورَدَ: سَعَدَه الله تعالى فهو مَسعود،
وأَسْعَدَه الله تعالى فهو مُسْعَد (٤).
(١) التيسير ص١٢٦، والنشر ٢/ ٢٩٠، وهي قراءة خلف من العشرة.
(٢) البحر ٢٦٤/٥، وعلي بن سليمان هو الأخفش الصغير، أبو الحسن، المتوفى سنة
(٣١٥هـ). السير ١٤/ ٤٨٠-٤٨١.
(٣) البحر ٢٦٤/٥، وقال أبو حيان: ثم حذف ((فيه)) وسمِّي به.
(٤) نقل المصنف هذه الأقوال بواسطة أبي حيان في البحر ٢٥١/٥، وقول الجوهري في
الصحاح (سعد).