النص المفهرس

صفحات 61-80

الآية : ٨٧
٦١
سُؤَدَةُ هُود
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ تَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤْ﴾ أجابوا به أمره عليه السلام
بإيفاء الحقوق ونهيَه عن البخس والنقص، وهو عطفٌ على ((ما))، و((أو)) بمعنى
الواو، أي: وأن نترك فِعْلَنا ما نشاءُ في أموالنا من التطفيف وغيره. ولا يصحُّ عطفُه
على ((أن نترك)) لاستحالة المعنى، إذ يصير حينئذ: تأمرك بفعلنا في أموالنا ما نشاءُ
من التطفيف وغيره. وهم منهُّون عن ذلك لا مأمورون به.
وحملُ ((ما)) على ما أشرنا إليه هو الظاهر، وقيل: كانوا يَقرضون الدراهم
والدنانير ويُجرونها مع الصحيحة على جهة التدليس، فنُهوا عن ذلك فقالوا ما قالوا.
وروي هذا عن محمد بن كعب. وأدخل بعضُهم ذلك الفعل في العثيِّ في الأرض،
فيكون النهيُ عنه نهياً عنه، ولا مانعَ من اندراجه في عموم ((ما)).
وقرأ الضحاك بن قيس وابن أبي عبلة وزيد بن علي بالتاء في الفعلين على
الخطاب(١)، فالعطف على مفعول ((تأمرك))، أي: أصلاتك تأمرك أن تفعل في
أموالنا ما تشاء، أي: من إيفاء المكيال والميزان كما هو الظاهر، وقيل: من
الزكاة، فقد كان عليه السلام يأمرُهم بها كما روي عن سفيان الثوري.
قيل: وفي الآية على هذا مع حمل الصلاة على ما يتبادرُ منها دليلٌ على أنَّه
كان في شريعته عليه السلام صلاةٌ وزكاة، وأُيِّد بما روي عن الحسن أنه قال: لم
يبعثِ الله تعالى نبيًّا إلا فرضَ عليه الصلاة والزكاة.
وأنت تعلم أنَّ حمل ((ما تشاء)) على الزكاة غيرُ متعيِّن، بل هو خلافُ ظاهر
السَّوق، وحمل الصلاة على ذلك وإن كان ظاهراً إلا أنَّه رَوَى ابنُ المنذر وغيرُه عن
الأعمش تفسيرَها بالقراءة (٢)، ونُقِل عن غيره تفسيرُها بالدعاء الذي هو المعنى
اللغويُّ لها .
وعن أبي مسلم وعطاء (٣) تفسيرها بالدِّين لأنها من أجلِّ أموره. وعلى تقديرٍ أنْ
يُرادَ منها الصلاةُ بالمعنى الآخَرِ لا تدلُّ الآية على أكثرَ من أن يكون له عليه السلام
(١) البحر ٢٥٣/٥، ويعني بالفعلين: ((نفعل)) و ((نشاء)).
(٢) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣٤٦/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٥٤٦/١٢-٥٤٧.
(٣) قوله: وعطاء، ساقط من (م).

سُوَلاَ هُود!
٦١
الآية : ٨٨
صلاةٌ، ولا تدُّ على أنها من الأمور المكلَّفِ بها أحدٌ من أمته، فيمكن أن يكون
ذلك من خصوصيَّاته عليه السلام، وما روي عن الحسن ليس نصًّا في الغرض
كما لا يخفى.
هذا وجوِّز أن يكون العطفُ على هذه القراءة على ((ما))، وتعقّب بأنه يستدعي
أن يُحمل التركُ على معنيين مختلفين، ولا يتركَ على ما يتبادر منه.
وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحةُ بالنون في الأول والتاءِ في الثاني(١)، والعطفُ
على مفعول ((تأمرك))، والمعنى ظاهر مما تقدَّم.
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾﴾ وَصَفوه عليه السَّلام بهذين الوصفين الجليلين
على طريقة الاستعارة التهكّمية، فالمراد بهما ضدُّ معناهما، وهذا هو المرويُّ عن
ابن عباس رضيًّا، وإليه ذهب قتادةُ والمبرِّد.
وجوِّز أن يكونوا وصفوه بذلك بناءً على الزَّعم، والجملةُ تعليلٌ لِمَا سبق من
استبعاد ما ذكروه، كأنَّهم قالوا: كيف تكلِّفنا بما تكلِّفنا مع أنَّك أنتَ الحليم الرشيد
بزعمك.
وقيل: يجوز أن يكون تعليلاً باقياً على ظاهره بناءً على أنه عليه السلام كان
موصوفاً عندهم بالحِلْم والرُّشد، وكان ذلك بزَعْمِهم مانعاً من صدور ما صدر منه
عليه السلام.
ورُجِّح الأوَّل بأنه الأنسبُ بما قبله لأنَّه تهكُم أيضاً، ورجّح الأخيرُ بأنه
يكون الكلامُ عليه نظيرَ ما مرَّ في قصَّة صالح عليه السلام من قولهم له: ﴿قَدْ
كُنُتَ غِنَا مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَّاٌ﴾ [هود: ٦٢] وتعقيبُهُ بمثل ما عقِّب به ذلك - حَسْبَما تضمَّنه
قولُه سبحانه: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهَّيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةِ﴾ حجَّةٍ ظاهرة ﴿مِّن رَّبِ﴾
ومالكِ أموري (٢) ﴿وَرَزَقَّتِى مِنْهُ﴾ من لدنه سبحانه ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو النبوَّةُ
والحكمةُ - يدلُّ على ذلك، والجوابُ عليه من باب إرخاءِ العنان والكلام
المُنْصِف، كأنَّه عليه السلام قال: صَدَقْتُم فيما قلتم أنِّ لم أزل مرشداً لكمَ
(١) البحر ٢٥٣/٥، وهي في القراءات الشاذة ص٦١ عن علي ته والضحاك.
(٢) في الأصل: أمري.

الآية : ٨٨
٦٣
سُوَلٌ هُودٍ
حليماً فيما بينكم، لكن ما جئتُ به ليس غيرَ الإرشاد والنصيحة لكم، انظروا
بعين الإنصاف وأنتم ألبَّاءُ: إن كنتُ على حجَّة واضحةٍ ويقينٍ من ربي، وكنتُ
نبيًّا على الحقيقة، أيصحُ لي وأنا مرشدُكم والناصحُ لكم أنْ لا آمرَكم بترك
عبادةِ الأوثان والكفّ عن المعاصي، والأنبياءُ لا يُبعثون إلا لذلك؟ ثم إنه عليه
السلام أكَّد معنى الإرشاد وأدرج معنى الحلم فيما سيأتي من كلامه وَّر. كذا
قرَّره العلّامة الطّيبي.
واختار شيخُ الإسلامِ(١) عدمَ كونه باقياً على الظاهر لِمَا أنَّ مقام الاستهزاء آبٍ
عنه وذَكر قدِّس سرُّه أنَّ المرادَ بالبيِّنة والرزق الحسن النبوةُ والحكمةُ، وأنَّ التعبيرَ
عنهما بذلك للتنبيه على أنَّهما مع كونهما بيِّنةً رزقٌ حسن، كيف لا وذلك مناطٌ
الحياة الأبديَّة له عليه السلام ولأمَّتِه، وأنَّ هذا الكلام منه عليه السلام رةٌّ على
مقالتهم الشنعاءِ المتضمّنِ زغْمَ عدم استناد أمره ونھیه إلى سند.
ثم قال: وجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه فحوى الكلام، أي: أتقولون،
والمعنى أنَّكم عَدَدْتُم ما صدر عنِّي من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصحُّ
أن يتفوَّه به عاقل، وجعلتُموه من أَحكام الوسوسة والجنون؛ واستهزأتم بي
وبأفعالي، وقلتم ما قلتم، فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالكِ أموري ثابتاً
على النبوَّة والحكمةِ التي ليس وراءَها غايةٌ للكمال ولا مطمحٌ لطامح، ورزقني
لذلك رزقاً حسناً، أتقولون في شأني وشأن أفعالي ما تقولون مِمَّا لا خيرَ فيه
ولا شرَّ وراءه؟! وادَّعى أنَّ هذا هو الجواب الذي يستدعيه السِّياق، ويساعدُه
النظمُ الكريم (٢).
وفسَّر القاضي (٣) الرزقَ الحسنَ بما آتاه الله تعالى من المالِ الحلالِ، ومعنى
كونِ ذلك منه تعالى أنَّه من عنده سبحانه وبإعانته بلا كدٍّ في تحصيله، وقدَّر جواب
الشرط: فهل يَسعُ لي مع هذا الإنعام الجامع للسعادة الروحانية والجسمانية أنْ
أخونَ في وحيه وأخالفه في أمرِهِ ونهيه، وذكر أَنَّ هذا الكلامَ منه عليه السلام اعتذارٌ
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٢٣٣/٤.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٣٣/٤.
(٣) هو البيضاوي في تفسيره مع حاشية الشهاب ٥/ ١٢٧ .

سُوٌَّلُ هُوْد!
٦٤
الآية : ٨٨
عمَّا أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء. وقدَّر بعضُهم ما قدَّره
العلّامة الطّيبي(١).
وزعم شيخُ الإسلام أنَّ ذينك التقديرين بمعزلٍ عمَّا يستدعيه السِّياق،
وأنهما إنما يناسبان إنْ حُمل كلامُهم على الحقيقة، وأُريد بالصلاة الدِّينُ حَسْبما نُقل
عن أبي مسلم وعطاء، ويكون المرادُ بالرزق الحسن على ذلك ما آتاهُ الله تعالى من
الحلالِ فقط كما روي عن الضَّحَّاك، ويكون المعنى حينئذٍ: أخبروني إن كنت نبيًّا
من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين، أيصحُ أن أخالفَ
أمرَه أو أوافقَكم فيما تأتون وما تذرون(٢). انتهى.
وأقول: لا يخفى أنَّ المناسب للمقام حملُ الرزق الحسن على ما آتاه الله تعالى
من الحلال الخالي عن التطفيف والبخس، وتقديرُ جواب الشَّرط نحو ما قدَّره
القاضي ليس في الكلام ما يأبى عنه، ولا يتوقّف على حمل الكلام على الحقيقة
والصَّلاةِ على الدِّين، بل يتأتَّى تقديرُ ذلك ولو كان الكلامُ على سبيل التهكُم
والصلاةُ بالمعنى المتبادر، بأن يقال: إنَّهم - قاتلهم الله تعالى - لَمَّا قَالُوا(٣) في
ظِلال الضَّلال، وقالوا ما قالوا في حقِّ نبيِّهم وما صدر منه من الأفعال، لم يكن
لهم مقصودٌ إلا تركَ الدَّعوة وتركَهم وما يفعلون، ولم يتعرَّض عليه السلام صريحاً
لردِّ قولهم المتضمِّن لرميه - وحاشاه - بالوسوسة والجنون والسَّفه والغواية، إيذاناً
بأنَّ ذلك مما لا يستحقُّ جواباً لظهور بطلانه، وتعرَّض لجوابهم عمَّا قصدوه
بكلامهم ذلك مما يكون فيه قطعُ أطماعهم من أوَّل الأمر، مع الإشارة إلى ردِّ
ما تضمنته مقالتُهم الشنعاء، فكأنه عليه السلام قال لهم: يا قوم إنَّكم اجترأتُم على
هذه المقالة الشنيعةِ وضمَّنتُموها ما هو ظاهرُ البطلان لقصدِ أن أترككم وشأنكم من
عبادة الأوثان ونقصٍ المكيال والميزانِ، فأخبروني إن كنتُ نبيًّا من عند الله تعالى،
ومستغنياً بما رزقني من المال الحلال عنكم وعن غيركم، أيصحُّ أن أخالفَ وحيَه
(١) أي أن المحذوف: أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي، وقد
سلف عن الطيبي قريباً، وينظر تفسير أبي السعود ٢٣٣/٤.
(٢) تفسير أبي السعود ٢٣٤/٤ .
(٣) من القيلولة.

الآية : ٨٨
٦٥
سُورَةٌ هُوّد!
وأوافق هواكم؟ لا يكون ذلك منِّي أصلاً، فإذن لا فائدةً لكم في هذا الكلام
الشنيع .
وربَّما يقال: إنَّ في هذا الجواب إشارةً إلى وصفِهم بنحو ما وصفوه به عليه
السلام، كأنه قال: إنَّ طلبكم منِّي تركَ الدعوة وموافقةً الهوى مع أنِّي مأمور
بدعوتكم وغنيٌّ عنكم مِمَّا لا يصدر عن عاقل، ولا يرتكبه إلا سفيةٌ غارٍ، وكأنَّ
التعرُّض لِذِكر الرزق مع الكون على بيِّنةٍ للإشارة إلى وجود المقتضي وارتفاع ما يُظنُّ
مانعاً، ولا يخفى ما في إخراج الجواب على هذا الوجه من الحُسن، فتأمل.
بقي أنَّ الذي ذكره النُّحاة على ما قال أبو حيَّان(١) في مثل هذا الكلام - أعني
(أرأيتم إن كنت)) إلخ - أنْ تقدَّر الجملةُ الاستفهامية على أنَّها في موضع المفعول
الثاني لـ ((أرأيتم)) المتضمِّنةِ معنى أخبروني المتعدِّيةِ إلى مفعولين، والغالب في الثاني
أن يكون جملةً استفهامية، وجوابُ الشرط ما يدلُّ عليه الجملةُ السابقة مع متعلّقها،
والتقدير: إن كنتُ على بيِّنةٍ من ربِّي فأخبروني هل يَسَعُ لي ... إلخ، فافهم
ولا تغفل.
﴿وَمَا أُرِيدٌ﴾ بنهبي إِيَّاكم عمَّا أنهاكم عنه من البَخْس والتطفيف ﴿أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
أَنْهَئِكُمْ عَنْهُ﴾ أي: أَقْصِدَه بعدَ ما ولَّيتم عنه، فأستبدَّ به دونَكم، كما هو شأنُ
بعضٍ الناس في المنع عن بعض الأمور، يقال: خالفني فلانٌ إلى كذا: إذا قصدَه
وأنت مولٌّ عنه، وخالفني عنه: إذا ولَّى عنه وأنتَ قاصدُه.
قال في ((البحر)): والظاهرُ ما ذكروه أنَّ (أن أخالفكم)) في موضع المفعول به
لـ ((أُريدُ)) أي: وما أريد مخالفتَكم، ويكون خالَفَ بمعنى خَلَفَ، نحو جاوَزَ وجازَ،
ويكون المعنى: وما أريد أن أكون خَلَفاً منكم، و((إلى)، متعلِّقة بـ ((أخالف)»، أو
بمحذوف أي: مائلاً إلى ما أنهاكم عنه. وقيل: في الكلام فعلٌ محذوف معطوفٌ
على المذكور، أي: وأميلَ إلى ... إلخ. ويجوز أن يبقى ((أخالف)) على ظاهرِه من
المخالفة، ويكون ((أن)) وما بعدها في موضع المفعول به لـ ((أريد» ويقدر: مائلاً
إلى، كما تقدَّم، أو يكون ((أن)) وما بعدها في موضع المفعول له، و((إلى ما)) متعلِّقاً
(١) في البحر ٢٥٤/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٥/ ١٢٧ .

سُوَلاَ هُود!
٦٦
الآية : ٨٨
بـ ((أريد)) أي: وما أقصد لأَجْل مخالفتكم إلى ما أنهاكم عنه. وقال الزجَّاج في
معنى ذلك: أي: ما أقصد بخلافكم إلى ارتكاب ما أنهاكم عنه(١).
﴿إِنْ أُرِيدٌ﴾ أي: ما أريد بما أقول لكم ﴿إِلَّ الْإِصْلَحَ﴾ أي: إلا أنْ أُضْلِحَكم
بالنَّصيحة والموعظة ﴿مَا أَسْتَطَغْتُ﴾ أي: مدَّة استطاعتي ذلك وتمكّني منه لا آلو فيه
جهداً، فـ ((ما)) مصدريَّة ظرفية.
وجوِّز فيها أن تكون موصولةً بدلاً من ((الإصلاح))، أي: المقدار الذي
استطعته، أو: إلا الإصلاحَ إصلاحَ ما استطعتُ، وهي إمَّا بدلُ بعضٍ أو كلِّ؛ لأنَّ
المتبادر من الإصلاح ما يقدر عليه. وقيل: بدلُ اشتمال، وعليه وعلى الأول يقدّر
ضمير، أي: منه؛ لأنَّه في مثل ذلك لا بدَّ منه. وجوِّز أيضاً أن تكون مفعولاً به
للمصدر المذکور کقوله:
يخالُ الفرار يراخي الأجل(٢)
ضعيفُ النكاية أعداءَه
أي: ما أريد إلا أنْ أصلحَ ما استطعتُ إصلاحَه من فاسدكم.
والأبلغُ الأظهرُ ما قدمناه؛ لأنَّ في احتمال البدلية إضماراً وفواتَ المبالغة.
وفي الاحتمال الأخير إعمال المصدر المعرَّفِ في المفعول به، وفيه - مع أنَّه
لا يجوز عند الكوفيين، ويقلُّ عند البصريين - فواتُها، وزيادةُ إضمارٍ مفعول
((استطعت)).
﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ﴾ أي: ما كوني موقَّقاً لتحقيق ما أتوتّاه من إصلاحكم ﴿إِلَّا بِاللّهِ﴾
أي: بتأییدِه سبحانه ومعونته.
واختار بعضُهم أن يكون المراد: وما توفيقي لإصابة الحقِّ والصوابِ في كلِّ
ما آتي وأَذَرُ إلا بهدايته تعالى ومعونته.
والظاهرُ أنَّ المراد: وما كلُّ فردٍ من أفراد توفيقي؛ لِمَا صرَّحوا به من أنَّ
المصدر المضافَ من صيغ العموم، ويؤُول إلى هذا ما قيل: إنَّ المعنى: ما جنسُ
(١) البحر ٢٥٤/٥، وقول الزجاج في معاني القرآن ٧٣/٣.
(٢) الكتاب ١٣٨/٣، والخزانة ١٢٧/٨. وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها،
كما ذكر البغدادي.

الآية : ٨٨
٦٧
لأجود
توفيقي؛ لأن انحصارَ الجنس يقتضي انحصارَ أفراده، لكنْ على الأول بطريق
المفهوم، وعلى الثاني بطريق المنطوق.
وتقديرُ المضاف بعد الباء مما التزمه كثيرٌ، وفيه - على ما قيل - دفعُ الإشكال
بأنَّ فاعل التوفيق هو الله تعالى، وأهلُ العربية يستقبحون نسبةَ الفعل إلى الفاعل
بالباء لأنها تدخل على الآلة، فلا يحسنُ: ضربي بزيد، وإنما يقال: من زيد،
فالاستعمالُ الفصيحُ بناءً على هذا: وما توفيقي إلا من عند الله، ووجهُ الدفع بذلك
التقدير ظاهر؛ لأنَّ الدخولَ ليس على الفاعل حينئذ.
وجوِّز أن يكون ذلك التقديرُ؛ لِمَا أنَّ التوفيق - وهو كونُ فعلِ العبد موافقاً لِمَا
يحبُّه الله تعالى ويرضاه - لا يكون إلا بدلالةِ الله تعالى عليه، ومجرَّدُ الدلالة
لا يجدي بدون المعونة منه عزَّ شأنُه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ﴾ في ذلك، أو: في جميع أموري، لا على غيرِهِ؛ فإنه سبحانه
القادرُ المتمكِّن من كلِّ شيءٍ، وغيرُه سبحانه عاجزٌ في حدٍّ ذاته، بل معدومٌ ساقطٌ
عن درجة الاعتبار، كما أشار إليه الكتابُ وعاينه أولو البصائر والألباب.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾﴾ أي: أَرْجِعُ فيما أنا بصدده، أو: أُقْبِلُ بِشراشِري(١) في
مجامع أموري لا إلى غيره. والجملةُ معطوفة على ما قبلها، وكأنَّ إيثارَ صيغة
الاستقبال فيها على الماضي الأنسبِ للتقرُّر والتحقُّق كما في التوّل لاستحضارِ
الصورة والدِّلالة على الاستمرار، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام مما لا يكاد
يوجدُ في كلامٍ خطيبٍ إلا أنْ يكون نيًّا .
وفي ((أنوار التنزيل)) أنَّ لأجوبته عليه السلام الثلاثةِ، يعني ((يا قوم أرأيتم)) إلخ،
و(ما أريد أن أخالفكم)) إلخ، و((إنْ أريد)) إلخ على هذا النَّسق شأناً، وهو التنبيهُ
على أنَّ العاقل يجب أن يراعيّ في كلِّ ما يأتيه ويذرُه ثلاثةَ حقوق؛ أهمُّها
وأعلاها: حقُّ الله تعالى؛ فإن الجواب الأوَّل متضمِّن بيانَ حقِّ الله تعالى من شکرِ
نعمته والاجتهادِ في خدمته. وثانيها: حقُّ النَّفس، فإن الجوابَ الثاني متضمِّنٌّ بيانَ
حقِّ نفسه من كفِّها عمَّا ينبغي أن ينتهي عنه غيرُه. وثالثُها: حقُّ الناس؛ فإنَّ الجواب
(١) الشراشر: النفس، والأثقال، وجميع الجسد، والمحبة. القاموس (شرر).

سُوَلُ هُود!
٦٨
الآية : ٨٩
الثالثَ متضمِّن للإشارة إلى أنَّ حقَّ الغير عليه إصلاحُه وإرشادُه(١).
وإنما لم يعطف قوله: ((إن أريد)) إلخ على ما قبله؛ لكونه مؤكّداً ومقرِّراً له؛
لأنَّه لو أراد الاستئثارَ بما نَهَى عنه لم يكن مريداً للإصلاح، ولا ينافي هذا كونَه
متضمّناً لجوابٍ آخر، وكأنَّ قوله: ((وما توفيقي)) إلخ إزاحةٌ لِمَا عسى أن يوهمَه
إسنادُ الاستطاعة إليه بإرادته من استبداده (٢) بذلك، ونظير ذلك (إيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ) وفيه مع ما بعده إشارةٌ إلى محض التوحيد.
وقال غيرُ واحد: إنَّه قد اشتمل كلامُه عليه السلام على مراعاة لطفِ المراجعة،
ورفقِ الاستنزال، والمحافظةِ على حسن المجاراة والمحاورة، وتمهيدِ معاقد الحقِّ
بطلب التوفيق من جانبه تعالى، والاستعانة به عزَّ شأنُه في أموره، وحسمِ أطماع
الكفّار، وإظهارِ الفراغ عنهم، وعدم المبالاة بمعاداتهم.
قيل: وفيه أيضاً تهديدُهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء، وذلك من قوله:
(وإليه أنيب))؛ لأنَّ الرجوعَ إليه سبحانه يُكْنَى به عن الجزاء، وهو وإن كان هنا
مخصوصاً به لاقتضاء المقام له، لكنَّه لا فرقَ فيه بينه وبين غيره.
وفيه - مع خفاء وجهِ الإشارة - أنَّ الإنابة إنَّما هي الرجوع الاختياري بالفعل إليه
سبحانه، لا الرجوعُ الاضطراري للجزاء وما يعمُّه.
وقد يقال: إنَّ في قوله: ((عليه توكّلتُ)) إشارةً أيضاً إلى تهديدهم؛ لأنَّه عزَّ وجلَّ
الكافي المعينُ لمن توثَّل عليه، لكنْ لا يتعيَّن أن يكون ذلك تهديداً بالجزاء يوم
القيامة .
﴿وَقَوْمِ لَا يَحْرِمَنَّكُمْ﴾ أي: لا يكسبنكم ﴿شِقَافِىَ﴾ أي: معاداتي، وأصلُها أنَّ
أحد المتعاديين يكون في عدوةٍ وشقِّ. والآخَرُ(٣) في آخَرَ، وروي هذا عن السُّدِّي.
وعن الحسن: ضراري، وعن بعضٍ: فراقي. والكلّ متقارب.
وهو فاعل ((يجرمنَّكم))، والكافُ مفعوله الأول، وقولُه سبحانه: ﴿أَنْ
(١) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ١٢٧ .
(٢) في الأصل: استعداده، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٢٣٤/٤.
(٣) في الأصل: والآخر يكون.

الآية : ٨٩
٦٩
سُوَلاَ هُود!
يُصِيبَكُمْ﴾ مفعوله الثاني، وقد جاء تعدِّي ((جَرَمَ)) إلى مفعولين كما جاء تعدِّيها
لواحد، وهي مثلُ ((كسب)) في ذلك، ومن الأوَّل قولُه:
ولقد طعنتَ أبا عُيينةَ طعنةً جَرَمَتْ فزارةَ بعدَها أن يغضبُوا(١)
وإضافةُ ((شقاق)) إلى ياء المتكلِّم من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي:
لا يكسبنَّكم شقاقُكم إيَّاي أن يصيبكم ﴿مِثْلُ مَّ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغَرَق ﴿أَوْ قَوْمَ
هُودٍ﴾ من الرِّيحِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَلِحْ﴾ من الرَّجفة والصَّيحة. ونهي الشقاق مجازٌ أو كناية
عن نهيهم، وهو أبلغُ من توجيه النهي إليهم؛ لأنه إذا نُهي وهو لا يَعْقِلُ عُلِمَ نهيُ
المشاقِّين بالطريق الأَوْلى.
وقرأ ابن وثاب والأعمش: ((يُجْرِمِنَّكم)) بضمِّ الياء(٢)، وحُكي أيضاً عن ابن
كثير(٣)، وهو حينئذٍ من أَجْرَمْتُه ذَنْباً: إذا جعلتَه جارماً له، أي: كاسباً، والهمزةُ
للنقل من جَرَم المتعدِّي إلى مفعولٍ واحد، ونظيره في النَّقْل كذلك: كَسَبَ المال
فإنه يقال فيه (٤): أَكْسَبَه المالَ، والقراءتان سواءٌ في المعنى، إلا أنَّ المشهورةَ جاريةٌ
على ما هو الأكثرُ استعمالاً في كلام الفصحاء من العرب الموثوقِ بعربيّتهم.
وقرأ مجاهد والجحدريُّ وابنُ أبي إسحاق: ((مثلَ)) بالفتح(٥). وروي ذلك عن
نافع(٦). وخرَّجه جمعٌ على أنَّ((مثلَ)) فاعلٌ أيضاً، إلا أنَّه بُني على الفتح لإضافته
إلى غيرِ متمكّنٍ، وقد جوِّز فيه وكذا في ((غير)) مع ((ما)) و((أن)) المخفَّفةِ والمشدَّدةِ
ذلك كالظروف المضافة للمبنيٌّ، وعلى هذا جاء قولُه:
لم يمنع الشربَ منها غير أنْ نطقَتْ حَمامةٌ في غصونٍ ذاتٍ أوْقالٍ (٧)
(١) الكتاب ١٣٨/٣، والخزانة ٢٨٣/١٠، وسلف ٢٤/٧.
(٢) المحتسب ٣٢٧/١، والبحر ٢٥٥/٥.
(٣) نسبها إليه الزمخشري في الكشاف ٢٨٨/٢، والمشهور عنه القراءة بفتح الياء.
(٤) في الأصل: في.
(٥) القراءات الشاذة ص٦١، والبحر ٢٥٥/٥.
(٦) البحر ٢٥٥/٥، والمشهور عنه القراءة بالضم.
(٧) الكتاب ٣٢٩/٢، والأصول في النحو ٢٧٦/١، وسر صناعة الإعراب ٥٠٧/٢، والإنصاف
٢٨٧/١ و٢٩٠، والمغني ٦٧١/١، والخزانة ٤٠٦/٣، وفيه: نطقت: صوَّتت وصلحت.
وذات صفة لغصون. والأوقال جمع وَقْل، وفي كتاب النبات للدينوري، المقل إذا كان رطباً

سُوَلاَ هُود
٧٠
الآية : ٨٩
وبعضٌ: على أنَّه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ والفتحةُ إعراب، أي: إصابةً مثلَ إصابةٍ
قوم نوحٍ، وفاعلُ ((يصيبكم)) ضمير مستتر يعودُ على العذاب المفهوم من السِّياق،
وفيه تكلّف.
﴿َوَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ ﴾﴾ زماناً كما رُوي عن قتادة، أو مكاناً
كما رُوي عن غيره، ومرادُه عليه السلام: أنكم إن لم تعتبروا بِمَنْ قبلُ لقِدَم عهدٍ أو
بُعدِ مكانٍ فاعتبروا بهؤلاء، فإنَّهم بِمَرْأَى ومَسْمع منكم، وكأنَّه إنما غيَّرَ أسلوبَ
التحذير بهم واكتفى بذِكْر قُربهم إيذاناً بأنَّ ذلك مُغْنٍ عن ذِكْرٍ ما أصابهم لشُهرة كونه
منظوماً في سمط ما ذكر من دواهي الأمم المرقومة.
وجوِّز أن يرادَ بالبُعد البعدُ المعنويُّ، أي: ليسوا ببعيدٍ منكم في الكفر
والمَسَاوي، فاحذروا أن يحلَّ بكم ما أحلَّ بهم من العذاب، وقد أخذ هذا المعنى
بعضُ المتأخّرين فقال:
فإنْ لم تكونوا قومَ لوطٍ بعينهمْ فما قومُ لوط منكمُ ببعيدٍ(١)
وإفرادُ ((بعيد)) وتذكيرُه مع كون المخبَر عنه وهو ((قوم)) اسمَ جمع، ومؤنثاً لفظاً
على ما نصّ عليه الزمخشريُّ، واستَدلَّ له بتصغيره على قُويمة، وذلك يقتضي أن
يقال: ببعيدةٍ موافَقةً للَّفظ، وببُعدَاءَ موافقةً للمعنى = لأنَّ المراد: وما إهلاكُهم،
أو: وما هم بشيءٍ بعيد، أو: وما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد، وجوَّز أن يكون
ذلك لأنَّه يستوي في ((بعيد)) المذكَّرُ والمؤنَّثُ لكونه على زنةِ المصادر، كالنهيق
(٢)
والصهيل(٢).
وفي ((الكشف)) عن الجوهري: أنَّ القوم يذكَّر ويؤنَّث؛ لأنَّ أسماءَ الجموع التي
لا واحدَ لها من لَفْظِها إذا كانت للآدميين تذكَّر وتؤنَّث، مثل رهط ونفر وقوم، وإذا
صَغَّرت لم تُدخِلْ فيه الهاءَ، وقلتَ: قُوَيْم، ورُهَيْط، ونُفَيْر، ويدخل الهاء فيما يكون
= لم يدرك فهو البهش، فإذا يبس فهو الوَقْل. اهـ. والمقل: حملُ الدوم، والدوم: شجر عظام
من الفصيلة النخيلية. المعجم الوسيط (دوم) و (مقل). والبيت لأبي قيس بن الأسلت أو
لأبي قيس بن رفاعة. ينظر الخزانة ٣/ ٤١٣ .
(١) البيت لبهاء الدين زهير بن محمد، وهو في ديوانه ص٨٣.
(٢) الكشاف ٢٨٨/٢ و١١٩/٣ -١٢٠.

الآية : ٩٠ - ٩١
٧١
سُؤَالاً هُود
لغير الآدميين، مثل الإبل والغنم؛ لأن التأنيثَ لازمٌ(١). وبينَه وبين ما نقل عن
الزمخشريِّ بونٌ بعيد، وعليه فلا حاجةً إلى التأويل.
هذا، ثم إنَّه عليه السلام لَمَّا أنذرهم سوءَ عاقبةٍ صنيعهم عقَّبه طمعاً في
ارعِوائهم عمَّا هم فيه من الضلال بالحَمْل على الاستغفار والتوبة، فقال:
﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ مرَّ تفسيرُ مثله ﴿إِنَّ رَبٍِ رَحِيمٌ﴾ عظيمُ الرحمة،
﴾ أي: كثيرُ الودِّ والمحبَّة، فيحبُّ مَن
فيرحمُ مَن يَطْلبُ منه المغفرةَ ﴿وَدُودُ (
يتوبُ ويرجع إليه، والمشهورُ جعلُ الودود مجازاً باعتبار الغاية، أي: مبالغٌ في فِعْلٍ
ما يفعلُ البليغُ المودَّة بمن يودُّه من اللطفِ والإحسان. وجوِّز أن يكون كنايةً عندَ
مَن لم يشترط إمكانَ المعنى الأصلي.
والداعي لارتكاب المجاز أو الكناية على ما قيل: أنَّ المودة بمعنى الميل
القلبي، وهو مِمَّا لا يصحُّ وصفُه تعالى به، والسلفي يقول: المودةُ فينا الميلُ
المذكور، وفیه سبحانه وراءَ ذلك مِمَّا یلیق بجلال ذاتِهِ جلَّ جلاله.
وقيل: معنى ((ودود)) متحبِّب إلى عباده بالإحسان إليهم. وقيل: محبوبُ
المؤمنين. وتفسيرُه هنا بما تقدَّم أولى.
والجملة في موضع التعليل للأمر السَّابق، ولم يَعْتَبرِ الأكثر ما أشرنا إليه من
نحو التوزيع، فقال: عظيمُ الرحمة للتائبين، مبالغٌ في اللطف والإحسان بهم، وهو
مما لا بأس به.
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ﴾ أي: ما نفهمُ ذلك، كأنَّهم جعلوا كلامَه
المشتملَ على فنون الحِكَم والمواعظ، وأنواعِ العلوم والمعارف، إذ ضاقتْ عليهم
الحِيَل، وعيَّتْ بهم العِلَل، ولم يجدوا إلى محاورته عليه السلام سبيلاً، من قبيل
التخليط والهذيان الذي لا يُفهم معناه ولا يُدرَك فحواه.
وقيل: قالوا ذلك استهانةً به عليه السلام، كما يقول الرجل لمن لا يعبأ به:
لا أدري ما تقول. وليس فيه کثیرُ مغايرة للأول.
(١) الصحاح (قوم).

سُوَلاَ هُود!
٧٢
الآية : ٩١
ويحتمل أن يكون ذلك لعدم توجّههم إلى سماع كلامه عليه السلام؛ لمزيدٍ
نفرتهم عنه، أو لغباوتهم وقصورِ عقولهم.
قيل: وقولهم: ((كثيراً)) للفرار عن المكابرة، ولا يصحُّ أن يراد به الكلُّ وإن ورد
في اللغة؛ لأنَّ ((مما تقول)) يأبى ذلك، كما أنَّ ((كثيراً)) نفسه يأبى حملَ كلامهم هذا
على أنَّه كنايةٌ عن عدم القبول.
وزعم بعضُهم أنَّهم إنَّما لم يفقهوا كثيراً مِمَّا يقول لأنه عليه السَّلام كان أَلْثَ،
وأظنُّ أنه لم يُفصِحْ بذلك خبرٌ صحيح، على أنَّ ظاهر ما جاء من وصفِه عليه
السلام بأنَّه خطيبُ الأنبياء يأبى ذلك. ولعلَّ صيغة المضارع للإيذان بالاستمرار.
﴿وَإِنَّا لَئِكَ فِنَا﴾ أي: فيما بيننا ﴿ضَعِيفًا﴾ لا قوةَ لك ولا قدرةَ على شيءٍ
من الضرِّ والنفعِ والإيقاعِ والدَّفعِ.
وروي عن ابن عباس وابن جبير وسفيان الثوري وأبي صالح تفسيرُ الضعيف
بالأعمى، وهي لغةُ أهل اليمن، وذلك كما يطلقون عليه ضریراً، وهو من باب
الكناية على ما نصَّ عليه البعضُ، وإطلاقُ البصير عليه كما هو شائعٌ من باب
الاستعارة تلميحاً.
وضعِّف هذا التفسير بأنَّ التقييد بقولهم: ((فينا)) يصير لغواً؛ لأنَّ مَن كان أعمى
يكون أعمّى فيهم وفي غيرهم، وإرادةُ لازمه وهي الضعفُ بين مَن ينصره ويعاديه
لا يَخْفَى تكلُّفه، ومن هنا قال الإمام: جوَّز بعضُ أصحابنا العمى على الأنبياء
عليهم السلام، لكن لا يحسنُ الحملُ عليه هنا (١).
وأنتَ تعلم أنَّ المصحَّحَ عند أهل السنّة أنَّ الأنبياء عليهم السلام ليس فيهم
أعمى، وما حكاهُ الله تعالى عن يعقوبَ عليه السلام كان أمراً عارضاً وذهب.
والأخبارُ المرويَّة عمَّن ذكرنا في شعيب عليه السلام لم نقف على تصحيحٍ لها
فإنَّ الحاكم صحح بعضَ طرقِهِ (٢)، لكنَّ تصحيح
سوى ما روي عن ابن عباس
الحاكم كتضعيفِ ابنِ الجوزي غيرُ معوَّل عليه، وربَّما يقال فيه نحوُ ما قيل في
(١) تفسير الرازي ٤٩/١٨.
(٢) المستدرك ٥٦٨/٢.

الآية : ٩١
٧٣
أجود
يعقوب عليه السَّلام، فقد أخرج الواحديُّ وابنُ عساكر عن شدَّاد بن أوس قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((بكى شعيبٌ عليه السلام من حبِّ الله تعالى حتى عمي، فردَّ الله
تعالى عليه بصرَه، وأَوْحَى إليه: يا شعيبُ ما هذا البكاءُ، أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً
من النار؟ فقال: لا، ولكن اعتقدتُ حبَّكَ بقلبي، فإذا نظرتُ إليك فلا أبالي ما الذي
تصنع بي. فأوحى الله تعالى إليه: يا شعيب، إن يكن ذلك حقًّا فهنيئاً لك لقائي،
يا شعيب لذلك أخدمتُكَ موسى بن عمران كليمي)»(١).
وذهب بعضُ المعتزلة إلى أنَّه لا يجوز استنباء الأعمى لكونه صفةً منقِّرةً؛ لعدم
الاحترازِ معه عن النجاسات، ولأنه يُخلُّ بالقضاء والشهادة، فإخلالُه بمقام النبوَّة
أَوْلَی.
وأجيبَ بأنَّا لا نسلِّم عدمَ الاحتراز معه عن النجاسات؛ فإنَّ كثيراً مِمَّن نشاهدُه
من العميان أكثرُ احترازاً عنها من غيره، وبأنَّ القاضي والشاهد يحتاجان إلى التمييز
بين المدَّعي والمدَّعَى عليه، والنبيُّ لا يحتاج لتمييز مَن يَدْعوه، مع أنَّه معصومٌ
فلا يخطئ کغیرِه. کذا قيل، فلينظر.
﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ أي: جماعتُك، قال الراغبُ: هم ما دون العشرة(٢).
وقال الزمخشري: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى السبعة(٣). وقيل: بل
يقال: إلى الأربعين. ولا يقعُ فيما قيل - كالعُصبة والنَّفر - إلا على الرجال، ومثله
الراهط، وجمعه أَرْهُط، وجمع الجمع أراهِط، وأصله على ما نقل عن الرمَّانيِّ
الشدُّ، ومنه الرهيط لشدَّة الأكل، والرَّاهِطاء لِجُحْرِ اليَرْبوع؛ لأنه يتوثَّقُ به ويَخْبَأ فيه
ولدَه.
والظاهر أنَّ مرادَهم: لولا مراعاةُ جانب رهطك ﴿لَرَجَمْنَكٌ﴾ أي: لقتلناك برمي
الأحجار، وهو المرويُّ عن ابن زید.
وقيل: ذلك كنايةٌ عن نكايةِ القتل، كأنَّهم قالوا: لقتلناك بأصعبٍ وجهٍ.
(١) تاريخ ابن عساكر ١٩/٩، وعزاه للواحدي السيوطي في الدر المنثور ٣٤٨/٣، وهو حديث
باطل لا أصل له كما قال الذهبي في الميزان ٢٣٩/١.
(٢) مفردات الراغب (رهط).
(٣) الكشاف ٢٨٩/٢.

سُؤْدَلُ هُودٍ
٧٤
الآية : ٩٢
وقال الطبريُّ(١): أرادوا: لسَبَبْناك، كما في قوله تعالى: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِي
مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦].
وقيل: لأبعدناكَ وأخرجناكَ من أرضِنا.
ولم يجوِّزوا أن يكون المرادُ: لولا ممانعةُ رهطِك ومدافعتُهم؛ لأنَّ ممانعة
الرهط وهم عددٌ نزرٌ لألوفٍ مؤلَّفةٍ مما لا يكاد يتوقّم.
ومعنى ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾﴾: ما أنت بمكرم محتَرَمِ حتَّى نمتنع من
رَجْمِك، وإنَّما نكفُّ عنك للمحافظة على حرمةِ رَهْطِكَ الذين ثبتوا على ديننا ولم
يختاروكَ علينا .
والجارُّ الأوَّلُ متعلِّق بـ ((عزيز)) وجاز لكونِ المعمول ظرفاً والباءِ مزيدةً، ولك أن
تجعلَه متعلِّقاً بمحذوف يفسِّره الظاهرُ، وهو خبرُ ((أنت)). وقد صرَّح السَّكاكي في
(المفتاح)) أنَّه قُصد بتقديم هذا الضمير الذي هو فاعلٌ معنويٌّ - وإن لم يكن الخبرُ
فعلاً بل صفةً مشبَّهةً - وَإِيلائه النفيَ الحصرُ والاختصاص(٢)، أي: اختصاص
النفي، بمعنى أنَّ عدم العزَّة مقصورٌ عليك لا يتجاوزُك إلى رهطك، لا بمعنى نفي
الاختصاص بمعنى: لستَ منفرداً بالعزَّة، وهو ظاهر؛ قاله العلامة الثاني. قال
السِّيد السند: إنَّه قصد فيه نفيُ العزَّة عن شعيب عليه السلام وإثباتُها لرهطِه، فيكونُ
تخصيصاً للعزَّة بهم، ويلزمُه تخصيصُ عَدَمِها به، إلا أنَّ المتبادر كما يشهدُ به
الذوقُ السليم هو القصدُ إلى الأوَّل.
واستدلَّ السكاكي على كون ذلك للاختصاص بقوله عليه السلام في جواب هذا
الكلام ما حكي بقوله عزَّ شأنه: ﴿قَالَ بَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من
نبيِّ الله على ما قال عليه الرحمة(٣).
ووجه الاستدلال كما قال العلّامة وغيرُه: أنَّه لو لم يكن قصدُهم اختصاصَه بنفي
العزَّة بل مجرَّد الإخبار بعدم عزَّته عليهم، لم يستقمْ هذا الجواب ولم يكن مطابقاً
(١) في تفسيره ١٢/ ٥٥٤ .
(٢) مفتاح العلوم ص٢٣١- ٢٣٢.
(٣) مفتاح العلوم ص٢٣٢.

الآية : ٩٢
٧٥
سُؤَدَةٌ هُوَّدٍ
لمقالهم؛ إذ لا دلالةَ لنفي العزَّة عنه على ثبوتها للغير، وإنَّما يدل على ذلك
اختصاصُه بنفي العزَّة.
واعترض صاحب ((الإيضاح)»(١) بأنَّ هذا من باب: أنا عارف، وهو لا يفيدُ
الاختصاصَ وفاقاً، وإنَّما يفيدُه التقديم على الفعل مثل: أنا عرفتُ، وكون
المشتقَّات قريبةً من الأفعال في التقوِّي لا يقتضي كونَها كالأفعال في الاختصاص،
والتمسُّكُ بالجواب ضعيفٌ؛ لجواز أن يكون جواباً لقولهم: ((لولا رهطُكَ
لرجمناك)) فإنه يدلُّ على أنَّ رهطَه هم الأعزَّة حيثُ كان الامتناعُ عن رجمه بسببهم
لا بسببه، ومعلومٌ بحسب الحال والمقام أنَّ ذلك لعزَّتهم لا لخوفهم.
وتعقَّبه السِّيد السند بأنَّ صاحب ((الكشاف)» صرَّح بالتخصيص في قوله تعالى:
﴿كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠](٢) فكيف يقال: بابُ أنا عارفٌ لا يفيدُ
الاختصاصَ اتفاقاً؟ وأنَّ جَعْلَه جواباً لـ ((ما أنت عليه بعزيز)) هو الظاهر بأن يجعل
التنوين للتعظيم فيدلّ على ثبوت أصلِ العزَّة له عليه السلام ولا دلالة لقولهم:
(ولولا رهطك لرجمناك)) على اشتراك العزَّة، فلا يلائمه ((أرهطي أعزُّ عليكم)).
ثم قال: فإن قيل: شرط التخصيص عند السَّكاكي أن يكون المقدَّم بحيث إذا
أُخْر کان فاعلاً معنويًّا(٣)، ولا یتصوَّر ذلك فیما نحن فيه.
١٫١٠
قلنا: إنَّ الصِّفة بعد النفي تستقلُّ مع فاعلها كلاماً، فجاز أن يقال: ما عزيزٌ
أنتَ، على أن يكون ((أنت)) تأكيداً للمستتر، ثمَّ يقدّم ويدخلُ الباء على ((عزيز)) بعد
تقديم ((أنت)) وجعله مبتدأ، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَنْ يِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[هود: ٢٩] ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيَّهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] مما يلي حرف النفي وكان الخبرُ
صفة، وقد صرَّح صاحبُ ((الكشّاف)) وغيرُه بإفادة التقديم الحصرَ في ذلك كلِّه(٤)،
وأما صورةُ الإثبات نحو: أنا عارف، فلا يجري فيها ذلك، فلا يفيدُ عنده
تخصيصاً، وإن كان مفيداً إيَّه عند مَن لا يشترط ذلك.
(١) الإيضاح في علوم البلاغة ١/ ٦٢.
(٢) الكشاف ٤٢/٣، وينظر حاشية الشهاب ١٣٠/٥.
(٣) ينظر مفتاح العلوم ص٢٢١ و٢٢٢ و٢٣١، والإيضاح ٥٩/١.
(٤) ينظر الكشاف ٢٥٦/٢ و ٤٦٠/٣.

أهُود
٧٦
الآية : ٩٢
وأجاب صاحب ((الكشف)) عما قاله صاحب ((الإيضاح)) بعد نقل خلاصته: بأنَّ
ما فيه الخبرُ وصفاً كما يقارب ما فيه الخبرُ فعلاً في إفادة التقوِّي على ما سلَّمه
المعترِضُ يقاربه في إفادة الحَضْر لذلك الدليل بعينه، وأنَّ قولهم: ((ولولا رهطُك
الرجمناك)) كفى به دليلاً أنَّ حقَّ الكلام أن يُفاد التخصيصُ لا أصلُ العزَّةِ(١) ففهْمُه
من ذلك لا ينافي كونَه جواباً لهذا الكلام بل يؤكِّده، وقد صرَّح الزمخشري بإفادة
نحو هذا التركيب الاحتمالين في ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠](٢).
وقال العلّامة الّيبي: إنَّ قوله تعالى: (وَلَوْلَا رَهُْكَ لَرَجَمْتٌَ)، وقوله سبحانه:
(وَمَآ أَنْتَ عَلَيَّنَا بِعَزِيزٍ) من باب الطَّرد والعكس(٣) عناداً منهم، فلا بدَّ من دلالتي
المنطوق والمفهوم في كلِّ من اللفظين. انتهى.
ويُعلم من جميع ما ذُكر ضعفُ اعتراض صاحب ((الإيضاح))، والعجبُ من
العلّامة حيث قال: إنَّه اعتراضٌ قويٌّ.
وأشار السَّكاكي بتقدير المضاف(٤) إلى دَفْع الإشكال بأنَّ كلامَهم إنَّما وقع في
شعيبٍ عليه السَّلام وفي رَهْطِه، وأنَّهم هم الأعزَّة دونَه، من غيرِ دلالةٍ على أنَّهم
أعزُّ من الله تعالى.
وأجيب أيضاً بأنَّ تهاؤُنَهم بنبيِّ الله تعالى تهاوُنٌ به سبحانه، فحين عزَّ عليهم
رهطُه دونَه كان رهطُه أعزَّ عليهم من الله تعالى، أو بأنَّ المعنى: أرهطي أعزُّ عليكم
(١) في (م): العز.
(٢) الكشاف ٤٢/٣، قال: هو قائلها لا محالة، أو: هو قائلها وحده، وينظر حاشية الشهاب
١٣٠/٥.
(٣) الطرد والعكس كما عرَّفه الطيبي: هو أن يؤتى بكلامين يقرِّر الأول بمنطوقه مفهوم الثاني،
وبالعكس، كقوله: ﴿لِيَسْتَقْذِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتِكُمْ وَالَذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ الْلُمُ مِنْكُرْ ثَلَثَ مَّةٍ﴾ إلى قوله:
﴿لَيْسَ عَيْكُرُ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاٌ بَعْدَهُنُّ﴾ فمنطوق الأمر بالاستئذان في تلك الأوقات خاصة
مقرَّرٌ لمفهوم رفع الجناح فيما عداها، وبالعكس. قال السيوطي: وهذا النوع يقابله في
الإيجاز نوع الاحتباك، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني
ما أثبت نظيره في الأول. ينظر الإتقان ٨٣١/٢ و٨٧٠.
(٤) أي: بتقدير: من نبيِّ الله، في قوله تعالى: ﴿مِنَ اَللَّهِ﴾ كما سلف قريباً.

الآية : ٩٢
٧٧
من الله تعالى حتى كان امتناعُكم عن رجمي بسبب انتسابي إليهم وأنَّهم رهطي،
لا بسبب انتسابي إلى الله تعالى وأنِّي رسولُه.
ثم ما ذكره السِّيد قُدِّس سرُّه مِن جَعْلِ التنوين في ((عزیز)) للتعظيم، وحينئذٍ يدلُّ
الكلامُ على ثبوتِ أصلِ العِزَّة له عليه السَّلام فيلائمه: ((أرهطي أعزُّ) إلخ = صحيحٌ في
نفسِهِ، إلَّ أنَّ ذلك بعيد جدًّا من حال القوم، فإنَّ الظاهرَ أنهم إنما قصدوا نفيَ العزّة عنه
عليه السلام مطلقاً وإثباتَها لرهطِه، لا نفيَ العزَّةِ العظيمة عنه وإثباتها لهم ليدگَّ الكلامُ
على اشتراكهما في أصل العزَّة وزيادتِها فيهم، وذلك لأنَّ العزَّة وإن لم تكن عظيمةً تمنعُ
القَتْل بالحجارة الذي هو من أشرِّ أنواع القتل، ولا أظنُّ إنكارَ ذلك إلا مكابرةً.
وكأنَّه لهذا لم يعتبر مولانا أبو السُّعود عليه الرحمة جَعْلَ التنوين للتعظيم لتتأثَّى
المشاركةُ فيظهر وجهُ إنكار الأعزِّيَّة، فاحتاج للكشف عن ذلك مع عدم المشاركة،
فقال(١): وإنَّما أنكر عليه السلام عليهم أعزِّيَّة رهطِه منه تعالى مع أنَّ ما أثبتوه
إنَّما هو مطلقُ عزَّةِ رهطِه لا أعزَّيتُهم منه عزَّ وجلَّ مع الاشتراك في أصل العزَّة؛
التثنية التقريع وتكريرِ التوبيخ، حيثُ أنكر عليهم أوَّلاً ترجيحَ جنبةِ الرَّهط على
جنبةِ الله تعالى، وثانياً نفيَ العزَّة بالمرَّة، والمعنى: أرهطي أعَزُّ عليكم من الله فإنه
مما لا يكاد يصحُّ والحال أنكم لم تجعلوا له تعالى حظًّا من العِزَّة أصلاً
﴿وَخَذْتُمُوهُ﴾ بسبب عدم اعتدادِكم بِمَنْ لا يردُ ولا يصدرُ إلا بأمره ﴿وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾
شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسيًّا. انتهى.
وأنا أقول: قد ذكر الرضيُّ أنَّ المجرورَ بـ (مِن)) التفضيليَّة لا يخلو من مشاركة
المفضَّل في المعنى؛ إمَّا تحقيقاً كما في: زيدٌ أحسن مِن عمرو، أو تقديراً كقول
عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: لأَنْ أصومَ يوماً من شعبان أحبُّ إليَّ من أنْ أفطرَ يوماً
من رمضان(٢). وذلك لأنَّ إفطارَ يوم الشكِّ الذي يمكن أن يكون من رمضان
محبوبٌ عند المخالف، فقدَّره عليٍّ كرَّمَ الله تعالى وجهه محبوباً إلى نفسه أيضاً، ثم
فضَّل صومَ شعبان عليه، فكأنَّه قال: هبْ أنه محبوبٌ عندي أيضاً، أليس صومُ يومٍ
من شعبان أحبَّ منه؟ انتهى.
(١) في تفسيره ٢٣٦/٤.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه (٢٢٠٥).

سِوَدَةُ هُود
٧٨
الآية : ٩٢
وما في الآية يمكن تخريجُه على طِرْزِ الأخير، فيكون إنكارُه عليه السَّلام عليهم
أعزِّيَّةَ رَهْطِه منه تعالى على تقديرٍ أنْ يكون عزَّ وجلَّ عزيزاً عندهم أيضاً، ويُعلم من
ذلك إنكارُ ما هم عليه بطريقِ الأَوْلَى، وكأنَّ هذا هو الداعي لاختيار هذا الأسلوب
من الإنكار، ووقوعُه في الجواب لا يأبى ذلك. وإن قيل بجواز خلوِّ المجرور
بـ (من)) من مشاركة المفضَّل، وإرادةٍ مجرَّد المبالغة من أفعل المقرونِ بها بناءً على
مجيء ذلك بقلّة كما قال الجلال السيوطي في ((همع الهوامع))، نحو: العسل أحلى
من الخلِّ، والصيف أحرُّ من الشتاء (١)، واعتُمد هنا على قرينة السِّباق
والسِّیاق = فالأمرُ واضحٌ.
واستُحسن كونُ قوله تعالى: (وَأَتَّخَذْتُمُوهُ) إلخ اعتراضاً، وفائدتُه تأكيدُ تهاوُنِهم
بالله تعالى ببيانِ أنَّهم قومٌ عادتُهم أن لا يعبؤوا بالله تعالى ويجعلوه كالشيء المنبوذ.
وجوَّز بعضٌ كونَه عطفاً على ما قبله على معنى: أفضَّلتم رَهْطي على الله سبحانه،
وتهاوَنْتُم به تعالى ونسيتُموه ولم تخشَوا جزاءَه عزَّ وجلَّ .
وقال غيرُ واحد: إنه يحتمل أن يكون الغرضُ من قوله عليه السلام ((أرهطي)) إلخ
الردَّ والتكذيبَ لقومه، فإنَّهم لَمَّا ادَّعَوا أنَّهم لا يكفُّون عن رجمه عليه السلام لعزَّته
بل لمراعاةٍ جانبٍ رهطه، ردَّ عليهم ذلك بأنَّكم ما قدَّرتُم الله تعالى حقَّ قَدْرِه، ولم
تُراعوا جَنَابَه القويَّ، فكيف تُراعونَ رهطي الأذلَّةُ؟!
وأيًّا ما كان فضمير ((اتخذتموه)) عائدٌ إلى الله تعالى، وهو الذي ذهب إليه
جمهور المفسرين، وروي عن ابن عباس والحسن وغيرهما .
والظّهريُّ: منسوبٌ إلى الظّهر، وأصلُه: المَرْميُّ وراءَ الظهر، والكسرُ من
تغييراتٍ النسب، كما قالوا في النسبة إلى أمس: إمسِيّ بالكسر، وإلى الدهر:
دُهري بالضم، ثم توسَّعوا فيه فاستعملوه للمنسيِّ المتروك، وذكروا أنه يحتمل أن
يكون في الكلام استعارةٌ تصريحية وأن يكون استعارةٌ تمثيلية.
وزعم بعضُهم أنَّ الضمير له تعالى، و الظّهريُّ: العونُ وما يتقوَّى به، والجملةُ
في موضع الحال، والمعنى: أفضَّلتم الرهطَ على الله تعالى ولم تُراعوا حقَّه سبحانه
(١) همع الهوامع ٩٨/٣.

الآية : ٩٣
٧٩
سُوَلاَ هُود
والحالُ أنَّكم تتخذونه سندَ ظهوركم وعمادَ آمالكم. ونقل ابنُ عطيّة هذا المعنى عن
جماعةٍ(١).
وقيل: الظّهريُّ: المنسيُّ، والضميرُ عائدٌ على الشرع الذي جاء به شعيب عليه
السلام وإن لم يُذكر صريحاً، ورُوي عن مجاهدٍ: أو على أمر الله، ونُقل عن
(٢)
الزَّجَّاج(٢).
وقيل: الظّهريُّ بمعنى المُعين، والضمير الله تعالى، وفي الكلام مضافٌ
محذوف، أي: عصيانه، والمعنى على ما قرَّره أبو حيَّان(٣): واتخذتُم عصيانَه
تعالى عوناً وعدَّةً لدفعي.
وقيل: لا حذفَ والضميرُ للعصيان، وهو الذي يقتضيه كلامُ المبرِّد.
ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الخروج عن الظاهر من غيرِ فائدة. ومما يُنظم
في سلكها تفسيرُ العزيز بالملك زَعْماً أنهم كانوا يسمُّون الملك عزيزاً، على أنَّ مَن
له أدنى ذوقٍ لا يكاد يسلِّم صحَّةَ ذلك، فتفطّن.
ونُصِبَ ((ظهريًّا)) على أنه مفعولٌ ثانٍ لـ «اتَّخذتموه)» والهاء مفعولُه الأوَّل،
و((وراءكم)) ظرفٌ له، أو حال من ((ظهريًّا)).
﴿إِنَ رَّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (﴾﴾ تهديدٌ عظيم لأولئك الكفرة الفجرة، أي:
إنه سبحانه قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة التي من جملتها رعايتُكم جانبَ الرَّهط
دون رعايةٍ جنابه جلَّ جلالُه فيَّ، فيجازيكم على ذلك.
وكذا قوله: ﴿وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَيِِّكُمْ﴾ أي: غايةٍ تمكُّنكم من أمركم،
وأقصى استطاعتِكم وإمكانِكم، وهو مصدرُ ((مَكُنَ)) يقال: مَكُنَ مكانةً إذا تمكَّن أبلغ
تمَكُّنٍ، والميم على هذا أصليَّة. وفي ((البحر)): يقال: المكان والمكانة مَفعل
ومفعلة من الكون، والميم حينئذ زائدة (٤).
(١) المحرر الوجيز ٢٠٣/٣.
(٢) في معاني القرآن ٣/ ٧٥.
(٣) في البحر ٢٥٦/٥.
(٤) البحر ٢٢٦/٤.
٢٠

٨٠
الآية : ٩٣
وفسَّر ابنُ زيد المكانةَ بالحال، يقال: على مكانتكَ يا فلانُ، إذا أمرتَه أن يثبتَ
على حالِهِ، كأنك قلت: اثبتْ على حالكَ التي أنت عليها لا تنحرفْ، وهو من
استعارةِ العين للمعنى كما نصَّ عليه غيرُ واحد، وحاصل المعنى هاهنا: اثبتوا على
ما أنتم عليه من الكفر والمشاقَّة لي وسائرٍ ما لا خیرَ فیه.
وقرأ أبو بكر: ((مكاناتكم)) على الجمع(١)، وهو باعتبار جمع المخاطبين كما أنَّ
الإفراد باعتبار الجنس.
والجارُّ والمجرورَ كما قال بعضُهم: يحتمل أن يكون متعلِّقاً بما عنده على
تضمين الفِعْل(٢) معنى البناء ونحوِهِ، كما تقول: عَمِلَ على الجدِّ وعلى القوَّة
ونحوهما، وأن يكون في موضع الحال، أي: اعملوا قارِّين وثابتين على
مكانتكم.
﴿إِنّ عَمِلٌ﴾ على مكانتي حَسْبما يؤيِّدني الله تعالى، ويوفِّقُني بأنواع التأييد
والتوفيق، وكأنَّه حذف على مكانتي للاختصار، ولما فيه من زيادةِ الوعيد.
وقوله سبحانه: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ استئنافٌ وقع جوابَ سؤالٍ مقدَّرٍ ناشئٍ من
تهديده عليه السَّلام إيَّاهم بقوله ((اعملوا)) إلخ، كأنَّ سائلاً منهم سأل: فماذا يكون
بعد ذلك؟ فقيل: ((سوف تعلمون) ولذا سقطت الفاءُ، وذكرت في آية ((الأنعام))(٣)
للتصريح بأنَّ الوعيد ناشئٌ ومتفرِّعُ عن إصرارهم على ما هم عليه والتمكُّنِ فيه،
وما هنا أبلغُ في التهويل للإشعار بأنَّ ذلك مما يُسأل عنه ويُعتنى به، والسؤالُ
المقدَّر يدلُّ على ما دلَّت عليه الفاء، مع ما في ذلك من تكثير المعنى بتقليلِ اللفظ،
وكأنَّ الداعي إلى الإتيان بالأبلغ هنا دونَ ما تقدَّم أنَّ القومَ - قاتلهم الله تعالى - بالغوا
في الاستهانة به عليه السَّلام، وبلغوا الغايةَ في ذلك، فناسب أنْ يبالغَ لهم في
التهديد ويبلغَ فيه الغاية، وإن كانوا في عدم الانتفاعِ كالأنعام، وما فيها نحو ذلك.
(١) التيسير ص١٠٧، والنشر ٢٦٣/٢.
(٢) بعدها في (م): على.
(٣) وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ
عَقِبَةُ الدَّارِ﴾ [الآية: ١٣٥].