النص المفهرس
صفحات 41-60
الآية : ٨٠ ٤١ سُوَلاَ هُود لـ ((تعلم))، وهو بمعنى تعرف، وهي موصولةٌ والعائد محذوف، أي: الذي نريده. وقيل: إنَّها مصدريَّة فلا حذفَ، أي: إرادتنا. وجوِّز أن تكون استفهاميَّةً وقعت مفعولاً لـ ((نريد)»، وهي حينئذٍ معلِّقةٌ لـ ((تعلم)). ولَمَّا يئس عليه السَّلام من ارعوائهم عمَّا هم عليه من الغيّ ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ أي: لو ثَبتَ أنَّ لي قوَّةً ملتبسةً بكم بالمقاومة على دفعكم بنفسي لفعلتُ، فـ (لو)) شرطيةٌ وجوابُها محذوف كما حذف في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُبِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ [الرعد: ٣١] وجوِّز أن تكون للتمنِّي. و((بكم)) حالٌ من ((قوة)) كما هو المعروفُ في صفةِ النكرة إذا قُدِّمت عليها، وضعِّف تعلَّقه بها؛ لأنَّ معمولَ المصدر لا يتقدّم عليه في المشهور. وقوله: ﴿أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ ﴾﴾ عطفٌ على ما قبله بناءً على ما علمتَ من معناه الذي يقتضيه مذهبُ المبرِّد(١) والمضارعُ واقعٌ موقعَ الماضي، واستظهر ذلك أبو حيَّان(٢)، وقال الحوفيُّ: إنَّه عطف على ما تقدَّم باعتبارِ أنَّ المراد: أو أنِّي آوي. وجوَّز ذلك أبو البقاء، وكذا جوَّز أن تكون الجملةُ مستأنفةٌ(٣). والركن في الأصل: الناحيةُ من البيت أو الجبلٍ، ويقال: رُكُن بضمِّ الكاف، وقد قرئ به (٤). ويُجمع على أركان. وأراد عليه السَّلام به القويّ، شبَّهه بركن الجبل في شدَّته ومَنعَتِه، أي: أو أنضمُّ إلى قويٌّ أتمنَّع به عنكم وأنتصرُ به عليكم، وقد عدَّ رسول الله وَّهِ هذا القولَ منه عليه السلام بادرةً واستغربه، فقد أخرج البخاريُّ ومسلم عن أبي هريرةَ رَُّهُ أَنَّهِ وَ له قال: ((رحم الله تعالى أخي لوطاً كان يأوي إلى ركنٍ شديد)»(٥) يعني عليه الصلاة والسلام به الله تعالى؛ فإنه لا ركنَ أشدُّ منه عزَّ وجلّ: (١) ويعني به تقدير فعل مثل ((ثبت)) بعد ((لو)) تكون ((أن)) مرفوعةً به، كما سلف قريباً. البحر ٢٤٧/٥، والدر المصون ٣٦٣/٦. (٢) في البحر ٢٤٧/٥ . (٣) الإملاء ٢٩٨/٣. (٤) القراءات الشاذة ص٦١ عن عمرو بن عبيد وسعيد بن أبي عروبة. (٥) صحيح البخاري (٣٣٨٧)، وصحيح مسلم (١٥١)، وسلف ٣٥٤/١٠. سوداُ هُود ٤٢ الآية : ٨١ إذا كان غيرُ الله للمرء عُدَّةً أتْه الرَّزَايا من وجوهِ الفوائد(١) وجاء أنه سبحانه - لهذه الكلمة - لم يبعث بعدَ لوطٍ نبيًّا إلا في منعةٍ من عشيرته. وفي ((البحر)) أنه يجوز - على رأي الكوفيين - أن تكون ((أو)) بمعنى بل، ويكون عليه السَّلام قد أضرب عن الجملة السابقة، وقال: بل آوي في حالي معكم إلى ركنٍ شديد، وكَنَّى به عن جناب الله تعالى(٢). ولا يخفى أنه يأبى الحملَ على هذه الكناية تصريحُ الأخبار الصحيحة بما يخالفها . وقرأ شيبة وأبو جعفر: ((آويَ)) بالنَّصب(٣) على إضمارٍ أنْ بعد ((أو))، فيقدَّر بالمصدر عطفاً على ((قوة))، ونظيرُ ذلك قوله: وآلِ سُبَيع أو أَسُوءَكَ عَلْقما (٤) ولولا رجالٌ من رِزَامِ أعزَّةٌ أي: لو أنَّ لي بكم قوَّةً أو أُوِيًّا. روي أنه عليه السلام أغلق بابَه دون أضيافه، وأخذ يجادل قومَه عنهم من وراء الباب، فتسوَّروا الجدارَ، فلمَّا رأت الملائكةُ عليهم السلام ما على لوط من الكرب ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ بضررٍ ولا مكروهٍ، فافتح البابَ ودعنا وإيَّاهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريلُ عليه السلام ربَّ العزَّة في عقوبتهم فأذن له، فلمَّا دنوا طَمَسَ أعينَهم فانطلقوا عُمياً يركب بعضُهم بعضاً، وهم يقولون: النجاءَ النجاءَ، فإنَّ في بيت لوط قوماً سحرة. وفي رواية أنَّه عليه السلام أغلق الباب على ضيفه، فجاؤوا فكسروا البابَ، فطمس جبريلُ أعينهم فقالوا: يا لوط جئتنا بسحرةٍ، وتوَّّدوه، فأوجس في نفسه خيفةً قال: يذهب هؤلاء ويذروني. فعندها قال جبريل عليه السلام: لا تخف ((إنَّا رسلُ ربك)». (١) البيت لأبي فراس، وهو في ديوانه ص ٨٣. (٢) البحر ٢٤٧/٥. (٣) القراءات الشاذة ص ٦٠-٦١، والمحتسب ٣٢٦/١، والبحر ٢٤٧/٥. (٤) البيت للحصين بن الحمام، كما في الكتاب ٤٩/٣ - ٥٠، والمفضليات ص٦٦، ومنتهى الطلب ١٥٣/٢، والخزانة ٣٢٤/٣. قوله: أَسوءَكَ، منصوب بإضمار ((أن))، والمعنى: لولا هؤلاء الموصوفون وأن أسوءك لفعلت كذا، والبيت مُضمَنٌ تمامُه فيما بعده، ورزام وسبيع قبيلتان. شرح الشواهد للأعلم ص٤٠٢. الآية : ٨١ ٤٣ سُوَلاَ هُود! ﴿فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بالقَطْع من الإسراء. وقرأ ابنُ كثير ونافع بالوصل(١) حيث جاء في القرآن، من السُّرَىَ، وقد جاء سَرَى، وهما بمعنَى واحدٍ عند أبي عبيدة والأزهريّ(٢). وعن الليث: أسرى: سار أوَّلَ الليل، وسرى: سار آخرَه، ولا يقال في النهار إلا سار، وليس هو مقلوب سَرَىَ. والفاءُ لترتيب الأمر بالإسراء على الإخبار برسالتهم المُؤذِنةِ بورود الأمر والنهي من جنابه عزَّ وجلَّ إليه عليه السلام. والباءُ للتعدية أو للمُلابسة، أي: سِرْ مُلابِساً بأهلك. ﴿يِقِطْعِ مِّنَ الَّلِ﴾ قال ابنُ عباس: بطائفةٍ منه. وقال قتادةُ: بعد مضيٍّ صَدْرٍ منه. وقيل: نصفه. وفي روايةٍ أخرى عن الحبر: آخرَه، وأَنشد قولَ مالك بن كنانةً: على رَجْلٍ أهانَتْه شَعوبُ(٣) ونائحةٍ تقومُ بقِظْعٍ ليلٍ وليس من باب الاستدلال، وإلى هذا ذهب محمدُ بنُ زياد(٤)؛ لقوله سبحانه: ﴿تَخَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]. وتعقَّبه ابنُ عطية(٥) بأنَّه يحتمل أنَّه أَسرى بأهله من أوَّل الليل حتى جاوزوا البلدَ المقتلَعَ، ووقعتْ نجاتُهم بسَحَر. وأصلُ القِطْع: القطعة من الشيء، لكن قال ابنُ الأنباري: إنَّ ذلك يختصُّ بالليل، فلا يقال: عندي قِطْعٌ من الثوب. وفسَّر بعضُهم القِطْعَ من الليل بطائفةٍ من ظلمتِهِ، وعن الحَبْر أيضاً تفسيرُه بنفسِ السَّواد، ولعلَّه من باب المساهلة. ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُ﴾ أي: لا يتخلَّف، كما رُوي عن ابن عباس. أو: لا ينظرْ إلى ورائهِ، كما روي عن قتادة؛ قيل: وهذا هو المعنى المشهورُ الحقیقُ (١) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢/ ٢٩٠، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. (٢) مجاز القرآن ٢٩٥/١، وتهذيب اللغة ٥٢/٣. (٣) قطعة من خبر ابن عباس الطويل في جوابه على سؤالات نافع بن الأزرق، وأخرجه ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٨٥/١، والسيوطي في الإتقان ١/ ٤٠٠، وفيه: شعوب، أي: داهية. (٤) هو الفراء في معاني القرآن ٢٤/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٤٨/٥ . (٥) في المحرر الوجيز ١٩٦/٣. سُولُ هُود ٤٤ الآية : ٨١ للالتفاتِ، وأمَّا الأوَّل فلأنه يقال: لفتُّه عن الأمر: إذا صرفتَه عنه، فالتفت أي: انصرف، والتخلّف انصرافٌ عن المسير، قال تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَ نَا﴾ [يونس: ٧٨] أي: تَصْرِفنا، كذا قال الراغب(١). وفي ((الأساس)) أنه معنَى مجازيٌّ(٢). والنهيُ في اللفظ لـ ((أحد)) وفي المعنى للوطِ عليه السَّلام، على ما نُقل عن المبرِّد، وهذا كما تقول لخادمك: لا يقُمْ أحدٌ، في أنَّ النهي في الظاهر لأحدٍ، وهو في الحقيقة للخادم أنْ لا يدع أحداً يقوم، فالمعنى هنا: فأسْرِ بأهلك ولا تَدَعْ أحداً منهم يلتفت، ولا يَخْفَى أنه على هذا تتمُّ المناسبةُ بين المعطوف عليه والمعطوف؛ لأنَّ الأول لأمره عليه السلام، والثاني لنهيه . ويعلم من هذا أنَّ ضمير ((منكم)) للأهل، وقد صرَّح بذلك شهابُ فلكِ الفضل الخفاجيُّ، فقال: وهاهنا لطيفةٌ، وهو أنَّ المتأخِّرين من أهل البديع اخترعوا نوعاً من البديع سمَّوه: تسمية النوع، وهو أنْ يؤتى بشيءٍ من البديع ويُذكرَ اسمُه على سبيل التورية، كقوله في البديعية في الاستخدام: واستخدموا العينَ منِّ فَهْي جاريةٌ وكم سمحتُ بها في يوم بَينِهِمُ وتبجَّحوا باختراعه، وأنا بمنَّ الله تعالى أقول: إنَّه وقع في القرآن في هذه الآية؛ لأنَّ قولَه سبحانه: (فَأَشْرِ بِأَهْلِكَ) إلخ وقعَ فيه ضميرُ ((منكم)) للأهل، فقوله جلَّ وعلا: ((لا يلتفت)) من تسمية النوع، وهذا من بديع النُّكات. انتهى(٣). وسرُّ النهي عن الالتفات بمعنى التخلُّف ظاهرٌ، وأما سرُّه إذا كان بمعنى النظر إلى وراء، فهو أن يجدُّوا في السير، فإنَّ مَن يلتفتُ إلى ورائِهِ لا يخلو عن أدنى وقفةٍ. أو: أنْ لا يَرَوا ما ينزل بقومِهم من العذاب فيَرِقُّوا لهم. وذكر بعضُهم أنَّ النهيَ وَكذا الضميرُ للوطِ عليه السلام ولأهله، أي: لا يلتفتْ أحدٌ منك ومن أهلك. (١) في مفرداته (لفت). (٢) أساس البلاغة (لفت)، وفيه: ومن المجاز: لفتُّه عن رأيه: صرفته. (٣) حاشية الشهاب ١٢١/٥. الآية : ٨١ ٤٥ سُؤَلُ هُود ﴿إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ بالنصب، وهو قراءةُ أكثر السبعة. وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو بالرفع(١). وقد كثر الكلامُ في ذلك؛ فقال الزمخشريُّ(٢): إنَّه سبحانه استئناها من قوله: ((فأسر بأهلك)، ويدلُّ عليه قراءةُ عبد الله: ((فأسْرِ بأهلك بقطعٍ من الليل إلا امرأتك)) ويجوزُ أن ينتصب من ((لا يلتفت)) على أصلِ الاستثناء، وإن كان الفصيحُ هو البدل، أعني قراءةَ مَن قرأ بالرفع فأبدلَها من ((أحد)». وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنَّه أخرجها معهم، وأمر أنْ لا يلتفتَ منهم أحدٌ إلا هي، فلما سمعتْ هدَّة العذاب التفتَتْ وقالت: يا قوماه، فأدْرَكها حجرٌ فقتلها. وروي أنَّه (٣) أُمر أنْ يخلِّفها مع قومِها فإنَّ هواها إليهم، فلم يسْرِ بها. واختلاف القراءتین لاختلاف الروایتین، انتهى. وأورد عليه ابنُ الحاجب ما خلاصتُه: أنه إمّا أن يسريَ بها فالاستثناءُ من ((أحد)) متعيِّنٌ، أوْ لا فيتعيَّن من ((فأسر بأهلك))، والقصة واحدةٌ فأحدُ التأويلين باطلٌ قطعاً، والقراءتان الثابتتان قطعاً لا يجوز حملُهما على ما يوجب بطلانَ أحدهما، فالأوْلَى أن يكون ((إلا امرأتك)) رفعاً ونصباً مثل ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ولا يبعدُ أنْ يكون بعضُ القرَّاء على الوجه الأقوى وأكثرُهم على ما دونه، بل جوَّز بعضُهم أن تَتَّفق القرَّاء على القراءة بغير الأقوى. وأجاب عنه بعضُ المغاربة بما أشار إليه في ((الكشف)) من منع التنافي؛ لأنَّ الاستثناءَ من الأهل يقتضي أن لا يكون لوط عليه السلام مأموراً بالإسراء بها، ولا يمنعُ أنها سَرَتْ بنفسها، ويكفي لصحّة الاستثناءين هذا المقدارُ، كيف ولم يُنْهَ عن إخراجها ولكنَّه أُمر بإخراج غيرها. نعم يَرِدُ على قوله: واختلافُ القراءتين لاختلاف الروايتين أنَّه يلزمُ الشَّكُّ في كلامٍ لا ريبَ فيه من ربِّ العالمين. ویجاب بأنَّ معناه: اختلاف القراءتين جالبٌ وسببٌ لاختلاف الروایتین، كما تقول: السلاحُ للغزو، أي: أداةٌ وصالحٌ - مثلاً - له، ولم يُرِدْ أنَّ اختلاف القراءتين لأَجْلِ اختلافِ الروايتين قد حصل، ولا شكَّ أنَّ كلَّ روايةٍ تناسبُ قراءةً (١) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٩٠/٢. (٢) في الكشاف ٢٨٤/٢. (٣) بعدها في (م): لما، والمثبت من الأصل والكشاف. سِوُدَاهُود ٤٦ الآية : ٨١ وإن أمكن الجمع. وأمَّا قولُه: وأمر أنْ لا يلتفت منهم أحدٌ إلا هي. فنقلٌ للروايةِ لا تفسيرٌ للَفْظِ القرآن، وإنما الكائنُ فيه استثناؤها عن الحكم الذي للاستصلاح إذ لم يُعنَ بها. وإلى معنى ما أشار إليه صاحب ((الكشف)) في مَنْع التنافي أشار أبو شامة فقال: وقع في تصحيح ما أعربَه النُّحاة معنًى حسنٌّ، وذلكَ أن يكونَ في الكلام اختصارٌ نَّه عليه اختلافُ القراءتين، فكأنَّه قيل: فأسْرِ بأهلك إلا امرأتك، كما قرأ به عبدُ الله ورواه أبو عبيدة عن مصحفِهِ، فهذا دليلٌ على أنَّ استثناءها من السُّرى بهم، ثم كأنه قال سبحانه: فإن خرجتْ معكم وتبعتْكُم من غير أن تكون أنت سريتَ بها، فَانْهَ أهلك عن الالتفات غيرها، فإنَّها ستهلك ويصيبُها ما يصيب قومَها، فكانت قراءةُ النصب دالَّةً على المعنى المتقدِّم، وقراءةُ الرفع دالَّة على هذا المعنى المتأخِّر، ومجموعُهما دالٌّ على جملة المعنى المشروح. ولا يخفى ما في ذلك من التكلُّف كما قال ابنُ مالك، ولذا اختار أنَّ الرفعَ على أنَّ الاستثناء منقطعٌ، و((امرأتُك)) مبتدأ، والجملةُ بعدها خبرُه، و((إلا)) بمعنى لكن(١). وقال ابن هشام في ((المغني))(٢) في الجهة الثامنة من الباب الخامس: إنَّ ما ذكره الزمخشريُّ - وقد سَبَقَه إليه غيرُه - في الآية خلافُ الظاهر، والذي حَمَلَ القائلين عليه أنَّ النصبَ قراءةُ الأكثرين، فإذا قدِّر الاستثناء من ((أحد)) كانت قراءتهم على الوجه المرجوح، وقد التزم بعضُهم جوازَ مجيء الأمرين مستدلا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] فإن النصبَ في ذلك عند سيبويه(٣) على حدٍّ قولهم: زيداً ضربتُه، ولم يرَ خوف إلْباسِ المفسِّر بالصفة مرجِّحاً (٤) كما رآه بعضُ المتأخرین. (١) شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح لابن مالك ص٤٢. (٢) ص٧٧٩ - ٧٨٠. (٣) في الكتاب ١٤٨/١ . (٤) أي: لم يَرَ سيبويه خوفَ إلباس المفسِّر - وهو (خلقناه)) - بالصفة إذا رفع الاسم مرجِّحاً للنصب على الرفع. حاشية الشمني على المغني ٢٤١/٢، وينظر تتمة الشرح فيه. الآية : ٨١ ٤٧ سُوَلُ هُود ثم قال: والذي أجزمُ به أنَّ قراءةَ الأكثرين لا تكون مرجّحة (١)، وأنَّ الاستثناء على القراءتين من جملة الأمر بدليل سقوط ((ولا يلتفت)) إلخ في قراءة ابن مسعود، والاستثناءُ منقطع بدليل سقوطِه في آية ((الحجر)) ولأنَّ المرادَ بالأهل المؤمنون وإن لم يكونوا من أهل بيتِهِ، لا أهلُ بيته وإن لم يكونوا مؤمنين، كما في قوله تعالى لنوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾ [هود: ٤٦] ووجهُ الرفع أنَّه على الابتداء، وما بعده الخبر، والمستثنى الجملة، ونظيره: إلَّا مَن تَوَلَّى بمصيطِرِ عَلَيْـ ◌َّسْتَ وَكَفَرَ ﴿ فَعَذِّبُهُ اَللَّهُ﴾ [الغاشية: ٢ واختار أبو شامة ما اخترتُه من أنَّ الاستثناء منقطعٌ، لكنَّه قال: وجاء النصبُ على اللغة الحجازيَّة، والرفعُ على التميميَّة، وهذا يدلُّ على أنَّه جعل الاستثناء من جملة النهي، وما قدَّمتُه أولى؛ لضعفِ اللغة التميميَّة، ولِمَا قدَّمتُ من سقوطِ جملة النهي في قراءة عبد الله. انتهى. واستظهر ذلك الحمصي(٢) في ((حواشيه)) على ((التصريح))، واستحسنه غيرُ واحد. وقد نقل أبو حيَّان القولَ بالانقطاع على القراءتين وتخريجَ النصب على اللغة الحجازية والرفع عن الأخرى، ثمَّ قال: إنَّه كلامٌ لا تحقيقَ فيه؛ فإنه إذا لم يقصد إخراجَها من المأمور بالإسراءِ بهم ولا من المنهيِّين عن الالتفات، وكان المعنى: لكن امرأتك يجري عليها كذا وكذا، كان من الاستثناء الذي لا يتوجَّه إليه العامل، وهذا النوعُ من الاستثناء المنقطع يجبُ فيه النصبُ بإجماع العرب، وإنَّما الخلاف في المنقطع الذي يمكن توجُّهُ العامل إليه(٣). وفيه نظر، ففي (التوضيح)) لابن مالك(٤): حقُّ المستثنى بإلَّا من كلام تامٌ مُؤْجَبٍ - مفرداً كان أو مكمَّلاً معنًى بما بعده كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمُتَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّ أَمْرَأَتَهُ. قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَيِينَ﴾ [الحجر: ٥٩-٦٠] - النصبُ، ولا يَعرف أكثرُ (١) كذا في الأصل و(م)، وفي المغني: مرجوحة، وكذا نقل عنه الشهاب في الحاشية ١٢٢/٥. (٢) هو ياسين بن زين الدين الحمصي الشافعي الشهير بالعليمي، نزيل مصر، شيخ العربية، من كتبه: حاشية على المطول، وحاشية على المختصر، وحاشية على التصريح شرح التوضيح، وحاشية على شرح الألفية، وغيرها، توفي سنة (١٠٦١هـ). خلاصة الأثر ٤/ ٤٩١. (٣) البحر ٢٤٩/٥ . (٤) ص٤١- ٤٢ . سُوَلاَ هُود! ٤٨ الآية : ٨١ المتأخِّرين من البصريين إلا النصبَ، وقد غفلوا عن وروده مرفوعاً بالابتداء ثابت الخبر، كقول أبي قتادة: أَخْرَموا كلُّهم إلَّا أبو قتادة لم يُحرم(١)، ومحذوفَه نحو: (لا تدري نفسٌ بأيٌّ أرضٍ تموتُ إلَّا الله))(٢) و(إلا)) في ذلك بمعنى لكنْ، أي: لكنْ أبو قتادة لم يُحرم، ولكن اللهُ يعلم. انتهى. وما نحن فيه من قبيل هذا. وفي ((حاشيتي)) البدر الدماميني، وتقي الدين الشمني أنَّ الرَّضيَّ قد أجاب بما يقتضي أنَّ الاستثناء مثَّصلٌ ولا تناقضَ، وذلك أنَّه قال: ولَمَّا تقرَّر أنَّ الإتباع هو الوجهُ مع الشرائط المذكورة، وكان أكثرُ القرَّاء على النصب في ((ولا يلتفت)) إلخ تكلَّف الزمخشريُّ لئلا تكون قراءةُ الأكثر محمولةً على وجهٍ غيرِ مختارٍ بما تكلّف. واعترضه ابنُ الحاجب بلزوم التناقض؛ لأنَّ الاستثناء من ((أَسْرِ بأهلك)» يقتضي كونَها غيرَ مُسرَى بها، ومن ((لا يلتفت منكم أحد)» يقتضي كونَها مُسرّى بها؛ لأنَّ الالتفاتَ بالإسراء. والجواب أنَّ الإسراءَ وإن كان مطلقاً في الظاهر إلا أنَّه في المعنى مقيَّدٌ بعدم الالتفات، فمأَلُه: أُسْرِ بأهلك إسراءً لا التفاتَ فيه إلا امرأتك فإنك تسري بها إسراءً مع الالتفات، فاستثْنٍ على هذا إن شئتَ من ((أسرٍ)) أو (لا يلتفتْ)) ولا تناقضَ، وهذا كما تقول: امشٍ ولا تتبختر، أي: امش مشياً لا تتبختر فيه، فكأنه قيل: ولا يلتفتْ منكم أحدٌ في الإسراء، وكذا: امشِ ولا تتبختر في المشي، فحُذف الجارُّ والمجرورُ للعلم به(٣). انتهى. وأورد عليه السيِّد السند في ((حواشيه)) أنَّ الاستثناء إذا رجع إلى القيد، كان المعنى: فأسْرِ بجميع أهلك إسراءً لا التفاتَ فيه إلا من امرأتِك، فيكونُ الإسراء بها داخلاً في المأمور به، وإذا رجع إلى المقيَّد لم يكن الإسراء بها داخلاً في المأمور به، فيكون المحذور باقياً بحاله، ولا مخلِّصَ عنه إلا بأن يقال: إنَّ تناول العامِّ إياها ليس قطعيًّا لجوازٍ أن يكون مخصوصاً، فلا يلزمُ من رجوع الاستثناء إلى قوله (١) قطعة من حديث أخرجه البخاري (١٨٢٤)، ومسلم (١١٩٦) عن أبي قتادة حظه، وجاء في بعض الروايات: إلا أبا قتادة؛ قال الحافظ في الفتح ٢٩/٤: قوله: إلا أبا قتادة، كذا للكشميهني، ولغيره: إلا أبو قتادة بالرفع، ووقع بالنصب عند مسلم وغيره من هذا الوجه، ثم نقل كلام ابن مالك في التوضيح. (٢) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٧٣٧٩) عن ابن عمر اته. (٣) حاشية الشمني على المغني ٢٤١/٢ دون قوله: فكأنه قيل ولا يلتفت ... إلخ. الآية : ٨١ ٤٩ سُوَلاَ هُود! تعالى: (وَلَا يَلْنَفِتْ) كونُه عليه السلام مأموراً بالإسراء بها، وحينئذٍ يوجَّه الاستثناء بما ذكر من أنَّها تَبعتْهم أو أسرى بها مع كونِهِ غيرَ مأمور بذلك؛ إذ لا يلزم من عدم الأمر به النھيُ عنه، فتأمَّل. انتهى. وبحث فيه الشهابُ ولم يرتضِ احتمالَ التخصيص، لِمَا أنَّه لا دليلَ عليه، ويُفْهِمُ صنيعُه ارتضاءَ كلام الرضي، ثم قال: ومرادُه بالتقييد أنه ذكر شيئان متعاطفان، فالظاهرُ أنَّ المرادَ الجمع بينهما لا أنَّ الجملة حاليَّة، فلا يَرِدُ عليه أنَّ الحمل على التقييد مع كونِ الواو للنسق ممنوعٌ، وكذا جعلها للحالِ مع ((لا)) الناهية، وأيضاً القراءةُ بإسقاطِها تدلُّ على عدم اعتبار ذلك التقييدِ(١). ولا يخلو عن شيء. هذا وقد ألِّفتْ في تحقيق هذا الاستثناءِ عدَّةُ رسائل، منها: رسالة للحمصي، وأخرى للعلامة الكافِيجي ألَّفها لبعض سلاطين آلٍ عثمان غمرَهم الله سبحانه بصنوفِ الفَضْل والإحسان، حين طلب منه - لبحثٍ وقع في مجلسِه - ذلك. وبالجملة: القولُ بالانقطاع أقلُّ تكلُّفاً فيما يظهر، والقول بأنَّه حينئذٍ لا يبقى ارتباطٌ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ ناشئٌ عن عدم الالتفات، فلا ينبغي أن يُلتفت إليه، كما لا يخفى على مَن أحاط خُبْراً بما تقدَّم نقلُه، فتأمل. وضمير ((إنه)) للشأن، و((ما أصابهم)) مبتدأ، و((مصيبها)) خبرُه، والجملةُ خبر (إنَّ) الذي اسمُه ضميرُ الشأن، وفي (البحر)): أنَّ (مصيبها)) مبتدأ، و((ما أصابهم)) خبرُه، والجملةُ خبرُ ((إنَّ)، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون ((مصيبها)) خبر (إنَّ) و((ما)) فاعل به؛ لأنَّهم يجوِّزون: إنَّه قائم أخواك، ومذهب البصريين أنَّ ضميرَ الشأن لا يكون خبرُه إلا جملةً مصرَّحاً بجزأيها، فلا يجوز هذا الإعراب عندهم(٢). والأَوْلى ما ذُكر أوَّلاً . والجملةُ إمَّا تعليلٌ على طريقة الاستئناف، أو خبرٌ لـ ((امرأتك)) على قراءة الرفع. والمراد من ((ما)): العذاب، ومن ((أصابهم)): يصيبهم، والتعبير به دونه للإيذان بتحقُّق الوقوع، وفي الإبهام واسميةِ الجملة والتأكيدِ ما لا يخفى. (١) حاشية الشهاب ٥/ ١٢٢-١٢٣. (٢) البحر ٢٤٩/٥. سُؤَدَةُ هُود! ٥٠ الآية : ٨٢ ج ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي: موعد عذابهم وهلاكهم ذلك، وكأنَّ هذا - على ما قيل - تعليلٌ للأمر بالإسراء، والنهي عن الالتفات المُشْعِر بالحثِّ على الإسراع. تأكيدٌ للتعليل، فإنَّ قُرْبَ الصُّبح داعٍ وقولُه سبحانه: ﴿أَلَيْسَ الصُبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾﴾ إلى الإسراع للتباعُدِ عن مواقع العذاب، ورُوي أنَّه عليه السلام سألَ الملائكةَ عليهم السلام عن وقتِ هلاكهم فقالوا: موعدُهم الصُّبح، فقال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا له: ((أليس الصبح بقريب)). ولعلَّه إنما جعل ميقات هلاكهم الصُّبح لأنَّه وقتُ الدَّعة والراحة، فيكون حلولُ العذاب حينئذٍ أفظعَ، ولأنَّه أنسبُ بكون ذلك عبرةً للناظرين . وقرأ عيسى بن عمر: ((الصُّبُحُ)) بضم الباء (١)؛ قيل: وهي لغةٌ، فلا يكون ذلك إتباعاً . ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: عذابُنا، أو الأمرُ به، فالأمرُ على الأوَّل واحدُ الأمور، وعلى الثاني واحد الأوامر، قيل: ونسبةُ المجيء إليه بالمعنيين مجازيَّة، والمرادُ: لَمَّا حان وقوعُه، ولا حاجةً إلى تقدير الوقت مع دلالةِ ((لَمَّا)) عليه. وقيل: إنَّه يقدَّر على الثاني، أي: جاء وقتُ أمرنا؛ لأنَّ الأمرَ نفسه وَرَدَ قبله، ونحن في غنّى عن ادِّعاء تكراره. ورجّح تفسيرُ الأمر بما هو واحدُ الأوامر - أعني ضدَّ النهي - بأنَّه الأصل فيه؛ لأنه مصدرُ أَمَرَه، وأمَّا كونُه بمعنى العذاب فيُخرجه عن المصدريَّة الأصلية وعن معناه المشهورِ الشائع، وبجَعْل(٢) التعذيب مسبَّباً عنه بقوله سبحانه: ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ فإنه جواب (لَمَّا)) والتعذيبُ نفسُ إيقاع العذاب، فلا يحسُنُ جعلُه مسبَّباً عن ذلك، بل العكس أولى إلّا أن يؤوَّل المجيء بإرادته. وضمير ((عاليها)) و((سافلها)» لمدائن قوم لوطِ المعلومةِ من السِّياق، وهي المؤتفكات، وهي خمسُ مدائن: ميعة، وصعرة، وعصرة، ودوما، وسدوم. (١) القراءات الشاذة ص ٦١، والبحر ٢٤٩/٥. (٢) قوله: وبجعل، معطوف على قوله: بأنه الأصل فيه. الآية : ٨٢ ٥١ سُؤَلُ هُود وقيل: سبعٌ أعظمُها سَدوم، وهي القرية التي كان فيها لوط عليه السلام، وكان فيها على ما روي عن قتادةَ أربعةُ آلافِ ألفِ إنسان أو ما شاء الله تعالى من ذلك. وقيل: إنَّ هذا العددَ إنما كان في المدائن كلِّها. وقيل: إنَّ ما كان في المدائن أكثرُ من ذلك بكثير، والله تعالى أعلم. ونُصب ((عاليها)) و((سافلها)) على أنَّهما مفعولان للجعل، والمرادُ: قَلَبْناها على تلكَ الهيئة، وهو جَعْلُ العالي سافلاً، وإنَّما قُلبت كذلك ولم يعكس تهويلاً للأمر، وتفظيعاً للخطب؛ لأنَّ جَعْلَ عاليها الذي هو مقرُّهم ومسكنُهم سافلَها أشقُّ من جَعْلٍ سافلها عاليَها وإن كان مستلزماً له. ورُوي أنَّ لوطاً عليه السلام سرى بِمَنْ معه قبل الفجر، وطوى اللهُ تعالى له الأرض حتَّى وصل إلى إبراهيم عليه السلام، ثمَّ إنَّ جبريل عليه السلام اقتلع المدائنَ بيده، وفي رواية: أدخل جناحَه تحت المدائن فرفعها حتى سمع أهلُ السماء صياحَ الدِّيكة ونباحَ الكلاب، ثمَّ قلبها. وما أعظمَ حكمةَ اللهِ تعالى في هذا القلب الذي هو أشبهُ شيءٍ بما كانوا عليه من إتيان الأعجاز، والإعراض عمَّا تقتضيه الطباعُ السليمة! ولا ينبغي أن يُجعلَ الكلامُ كنايةً عن إنزال أمرٍ عظيم فيها، كما يقول القائل: اليومَ قلبتُ الدنيا على فلانٍ؛ لِمَا فيه من العدول عن الظاهر، والانحرافِ عمَّا نطقتْ به الآثارُ من غير داعٍ سوى استبعادٍ مثل ذلك، وما ذلك ببعيد. وإسنادُ الجعل إلى ضميره تعالى باعتبار أنه المسبِّب، فهو إسنادٌ مجازيٌّ باعتبار اللغة وإن كان سبحانه هو الفاعلُ الحقيقيُّ، والنكتةُ في ذلك: تعظيمُ الأمر وتهويلُه، فإنَّ ما يتولَّه العظيمُ من الأمور فهو عظيم، ويقوِّي ذلك ضميرُ العظمة أيضاً. وعلى هذا الطرزِ قولُه سبحانه: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ أي: على المدائن، أو شُذَّاذِ أهلها ﴿حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ وكان ذلك زيادةً في تفظيع حالهم، أو قَطْعاً لشأفتهم واستئصالاً لهم، وروي أنَّ رجلاً منهم كان بالحرم، فبقي حجرٌ معلَّقٌ بالهواء حتى خرج منه فوقع عليه وأهلكه. سُوَلَ هُود! ٥٢ الآية : ٨٢ والسجيل: الطين المتحجِّر؛ لقوله تعالى في الآية الأخرى: (حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ) والقرآنُ يفسِّر بعضُه بعضاً، ويتعيَّن إرجاعُ بعضه إلى بعضٍ(١) في قصَّة واحدة؛ وهو كما أخرج عبدُ بنُ حميد عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ معرَّبُ: سنك کل(٢). وقال أبو عبيدة(٣): السجِّيلُ كالسجِّين: الشديدُ من الحجارة. وقيل: هو مِن أَسْجَلَه: إذا أرسلَه، أو أدرَّ عطيَّته، والمعنى: حجارة كائنة من مثلِ الشيء المرسَل، أو مثل العطيَّة في الإدرار، وهو على هذا خارجٌ مخرجَ التهكم . وقيل: من السِّجلّ - بتشديد اللام - وهو الصُّ، ومعنى كونه من ذلك أنه مما كتب الله تعالی علیهم أن يعذّبهم به. وقيل: أصلُه من سجِّين، وهو اسمٌ لجهَّم أو لوادٍ فيها، فأبدلتْ نونُه لاماً. وقال أبو العالية وابن زيد: السِّجيل اسمٌ لسماء الدنيا؛ قال أبو حيَّان: وهو ضعيفٌ؛ لوصفِه بقوله سبحانه: ﴿مَنْضُورِ ﴾﴾(٤) أي: نُضد ووُضع بعضُه على بعض معدًّا لعذابهم، أو: نُضد في الإرسال يرسَلُ بعضُه إثرَ بعضٍ كقطار الأمطار، ولا يخفى أنَّ هذه المعاني كما تَأَبَى ما قال أبو العالية وابنُ زيد تَأْبَى بحسب الظاهر ما قيل: إنَّ المراد جهنم، وتكلَّف بعضُهم فقال: يمكن وصفُ جهنّم بذلك باعتبار المعنى الأول بناءً على أنها دركاتٌ بعضُها فوقَ بعض، أو أنَّ الأصلَ: منضود فيه، فاتّسع، وقد يتكلَّف بنحو هذا لِمَا قاله أبو العالية وابن زيد. وجوِّز أن يكون ((منضود)) صفةً ((حجارة)) على تأويل الحجر، وجرّه للجوار، وعليه فالأمرُ ظاهرٌ إلَّا أنه من التكلُّف بمكان. (١) في (م): لبعض. (٢) الدر المنثور ٣٤٥/٣-٣٤٦، وفيه: سنك وكل، وزاد بعده في خبر ابن عباس: حجر وطین. (٣) في مجاز القرآن ٢٩٦/١. (٤) البحر ٢٤٩/٥. الآية : ٨٣ ٥٣ ◌ُوَلاَ هُود! ﴿مُسَوَّمَةٌ﴾ أي: عليها سِيْما يُعلم بها أنها ليستْ من حجارة الأرض؛ قاله ابنُ جريج. وقيل: معلّمة ببياضٍ وحُمرة؛ وروي ذلك عن ابن عبّاس والحسن. وجاء في روايةٍ أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضُها أسودَ فيه نقطةٌ بيضاءُ، وبعضُها أبيض فيه نقطةٌ سوداء. وعن الربيع أنَّها كانت معلَّمةً باسم مَن يُرمَی بها . وکان بعضُها ۔ كما قيل -: مثل رؤوس الإبل، وبعضُها مثلَ مَبَارِكها، وبعضُها مثلَ قبضةِ الرجل. ﴿يعِندَ رَيْكٌ﴾ أي: في خزائنه التي لا يملكها غيرُه سبحانه، ولا يتصرَّف بها سواه عزَّ وجلَّ، والظرفُ قيل: منصوبٌ بـ ((مسؤَّمة))، أو متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع صفةً له. والمرويُّ عن مقاتل أنَّ المعنى أنها جاءت من عند ربِّك. وعن أبي بكر الهذليِّ أنَّها معدَّةٌ عنده سبحانه. وقال ابنُ الأنباري: المراد: أُلزم هذا التسويمُ للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدَّةِ عذابه، فلیفهم. ﴿وَمَا هِىَ﴾ أي: الحجارة الموصوفة بما ذكر ﴿مِنَ الظَّلِينَ﴾ من كلِّ ظالم ﴾ فإنهم بسبب ظلمهم مستحِقُّون لها، وفيه وعيدٌ لأهل الظُلم كافَّةً، بِبَعِيدٍ ورُوي هذا عن الربيع. وأخرج ابنُ جرير وغيرُه عن قتادة أنَّ المرادَ من ((الظالمين)) ظالمو هذه الأمَّة(١). وجاء في خبر ذكرَه الثعلبيُّ - وقال فيه العراقي: لم أقف له على إسناد - أنَّهِ وَلِهِ سألَ جبريل عليه السلام عن ذلك، فقال: يعني ظالمي أمَّتِك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعُرْضٍٍ(٢) حجرٍ يسقطُ عليه من ساعةٍ إلى ساعة. وقيل: المراد بالظالمين قومُ لوط عليه السلام، والمعنى: لم تكن الحجارةُ لُخطِئَهم. وعن ابن عباس أنَّ المعنى: وما عقوبتُهم مِمَّن يعمل عملَهم ببعيد. وظاهرُه أنَّ الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام، و((الظالمين)) مَن يُشْبِههم من الناس، ويمكن أن يقال: إنَّ مرادَه بيانُ حاصل المعنى لا مرجع الضمير. (١) تفسير الطبري ١٢/ ٥٣٣. (٢) بضم العين وسكون الراء، أي: مستعدٌّ ومعرَّضٌ له. حاشية الشهاب ١٢٤/٥. سُوٌَّةُ هُوّد! ٥٤ الآية : ٨٤ وذهب أبو حيَّان(١) إلى أنَّ الظاهرَ أن يكون ضمير ((هي)) للقرى التي جُعِلَ عاليها سافلها، والمراد من ((الظالمين)) ظالمو مَّة، وقد كانت قريبةً إليهم يمرُّون عليها في أسفارهم إلى الشام. وتذكيرُ البعيد يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجرِ المرادِ به الجنس، أو إجرائه على موصوفٍ مذكّر، أي: بشيءٍ بعيد، أو بمكانٍ بعيد، فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البُعد من الأرض إلا أنَّها هَوَتْ منها فهي أسرعُ شيءٍ لحوقاً بهم، فكأنَّها بمكانٍ قريبٍ منهم. أو لأنَّه على زنةِ المصدر - كالزفير والصهيل - والمصادرُ يستوي في الوصف بها المذكَّرُ والمؤنثُ. ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ﴾ أي: أولادٍ مدين بن إبراهيم عليه السَّلام، فُحذف المضافُ أو جُعل اسماً بالغلبة للقبيلة، وكثيراً ما تسمَّى القبيلةُ باسم أبيهم - كمضر وتميم - ولعلَّ هذا أولى. وجوِّز أن يرادَ بمدين المدينة التي بناها مدينُ فسمِّيت به، فيقدَّر حينئذ مضافٌ، أي: وإلى أهل مدین. ﴿أَنَاهُمْ﴾ نسيبَهم ﴿شُعَيْبَا﴾ قد مرَّ ما قيل في نسبه عليه السلام(٢). والجملةُ معطوفةٌ على قوله سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾، أي: وأرسلنا إلى مدين شعيباً. ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌ﴾ أمرٌ بالتوحيد على وجهٍ أكيدٍ، ولَمَّا كان ملاكَ الأمر قدَّمه على النهي عمَّا اعتادوه من البَخْسِ المنافي للعَدْل، المخلِّ بحكمة التعاوُضِ وإيصالِ الحقوقِ لأصحابها، بقوله: ﴿وَلَ نَقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ قيل: أي: لا تنقصوا الناسَ من المكيال والميزان، يعني مِمَّا يُكال ويُوزن على ذِكْر المحلِّ وإرادةِ الحالِّ، واستُظهر أنَّ المرادَ: لا تَنْقُصوا حجمَ المكيال عن المعهود، وكذا الصنجات، وقد تقدَّم في (الأعراف)) ﴿اَلْكَيْلَ﴾ [الآية: ٨٥] بدل (الْمِكْيَالَ)، فتذكَّر وتأمَّل. (١) في البحر ٢٥٠/٥. (٢) ٩/ ٢٢٧. الآية : ٨٤ ٥٥ سُؤَلُ هُود! ﴿إِنَّ أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي: ملتبسين بثروةٍ واسعةٍ تُغنيكم عن ذلك، أو بنعمةٍ من الله تعالى حقُّها أن تقابلَ بغير ما أنتم عليه، بأنْ تتفضَّلوا على الناس شُكراً عليها، فإنَّ أجلَّ شكرِ النعم الإحسانُ والتفضُّلُ على عباد الله تعالى. أو: أراكم بخيرٍ وغنّى فلا تزيلوه بما تأتونه من الشرِّ. وعلى كلِّ حالٍ الجملةُ في موضع التعليل للنهي. وعقّب بعلَّةٍ أخرى، أعني قولَه تعالى: ﴿وَإِنَّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنْ لم تنتهوا عن ذلك ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ ﴾﴾ وجوِّز أن يكون تعليلاً للأمر والنهي جميعاً. وفُسِّر المحيط بما لا يشذُّ منه أحدٌ منهم. وفسَّره الزمخشريُّ بالمُهْلِكِ، أَخْذاً من قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصلُه من إحاطة العدو. وادَّعى أنَّ وَصْفَ اليوم بالإحاطة أبلغُ من وصف العذاب؛ لأنَّ اليوم زمان يشتملُ على الحوادث، فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذَّب ما اشتمل عليه منه، كما إذا أحاط بنعيمه(١). يعني أنَّ اليومِ لَمَّا كان زماناً مشتملاً على الحوادثِ الكائنةِ فيه عذاباً أو غيرَه، فإذا أحاط بالمعذَّب ملتبساً بعذابه لأنَّه حادثة، فقد اجتمع للمعذَّب الأمرُ الذي يشتمل عليه اليومُ وهو العذاب، كما إذا أحاط ملتبساً بنعيمِه. والحاصلُ أنَّ إحاطةَ اليوم تدلُّ على إحاطة كلِّ ما فيه من العذاب، وأما إحاطةُ العذاب على قوم فقد يكون بأن يصيب كلُّ فردٍ منهم فرداً من أفراد العذاب، وأمَّا فيما نحنُ فيه فيدلُّ عل إحاطةِ أنواعِ العذاب المشتمل عليها اليوم بكلِّ فردٍ، ولا شكَّ في أبلغية هذا، كذا في ((الكشف)) وتمامُ الكلام فيه. وقال بعضُ المحققين في بيان الأبلغية: إنَّ اليوم زمانٌ لجميع الحوادث، فيومُ العذاب زمانُ جميع أنواع العذاب الواقعة فيه، فإذا كان محيطاً بالمعذّب فقد اجتمع أنواعُ العذاب له، وهذا كقوله: إنَّ المروءةَ والسماحةَ والنَّدى في قُبَّةٍ ضُرِبت على ابن الحشرج(٢) (١) الكشاف ٢٨٥/٣. (٢) البيت لزياد الأعجم، وهو في ديوانه ص٧٧، وابن الحشرج هو عبد الله بن الحشرج أحد سادات قيس. الأغاني ٢٣/١٢ . سُوَلاَ هُودٍ ٥٦ الآية : ٨٥ فإنَّ وقوعَ العذاب في اليوم كوجود الأوصاف في القبة، وجَعْلُ اليوم محيطاً بالمعذَّب كضَرْب القبة على الممدوح، فكما أنَّ هذا كنايةٌ عن ثبوت تلك الأوصاف له، كذلك ذاك كنايةٌ عن ثبوت أنواع العذاب للمعذَّب. وأما وصفُ العذاب بالإحاطة ففيه استعارةُ إحاطته لاشتمالَ على المعذَّب، فكما أنَّ المحيط لا يفوتُه شيءٌ من أجزاء المحاط، لا يفوتُ العذابَ شيءٌ من أجزاءِ المعذَّب، وهذه الاستعارةُ تفيد أنَّ العذاب لكلِّ المعذَّب، وتلك الكنايةُ تفيد أنَّ كلَّ العذاب له، ولا يخفى ما بينهما من التفاوت في الأبلغية. وجوِّز أن يكون ((محيط)) نعتاً لـ ((عذاب)) وجُرَّ للجوار. وقيل: هو نعتٌ لـ ((يوم)) جارٍ على غيرِ مَن هو له، والتقديرُ: عذابَ يوم محيطٍ عذابُه، وليس بشيء کما لا يخفى. وأيًّا ما كان فالمراد عذابُ يوم القيامة أو عذابُ الاستئصال في الدنيا. وأخرج ابنُ جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ًّا أنَّه فسَّر الخيرَ برُخْصِ السعر، والعذابَ بغلائه(١). ﴿وَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْبَلَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: أَتِمُّوهما. وفائدةُ التصريح بذلك مع أنَّ الانتهاء المطلوبَ من النهي السابق لا يتحقَّق بدون الإتمام، فيكون مطلوباً تبعاً، وهذا مسلَّمٌ على المذاهبِ جَعْلُ النهي عن الشيء عينَ الأمر بالضدِّ، أو مستلزماً له تضمُّناً أو التزاماً؛ لأن الخلافَ في مقتضى اللفظ، لا أنَّ التحريم أو الوجوب ينفقُ عن مقابلة الضدِّ غير واحدة = النعيُ بما كانوا عليه من القبيح - وهو النقصُ - مبالغةً في الكفّ، ثمَّ الأمرُ بالضدِّ مبالغةً في الترغيب، وإشعاراً بأنَّه مطلوبٌ أصالةً وتبعاً، مع الإشعار بتبعيَّة الكفّ عكساً، وتقييده بقوله سبحانه: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل من غيرِ زيادة ولا نقصان، ثمَّ إدماجُ أنَّ المطلوبَ من الإتمام العدلُ، ولهذا قد يكون الفضل محرَّماً كما في الرَّبويَّات، وإلى هذا يشير كلامُ الزمخشريّ(٢)، وظاهرُه حملُ المکیال والمیزان علی ما یکال ویوزن. (١) تفسير الطبري ٥٣٨/١٢-٥٣٩، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣٤٦/٣. (٢) في الكشاف ٢٨٥/٣. الآية : ٨٥ ٥٧ سُوَلاَ هُوّد وحَمَلَهما بعضُهم في الموضعين على الآلتين المعروفتين، وفسَّر القسطَ بما ذكرنا، ثمّ قال: إنَّ الزيادة في الكيل والوزنِ وإن كانت تفضُّلاً مندوباً إليه لكنَّها في الآلة محظورةٌ كالنقص، فلعلَّ الزائدَ للاستعمال عند الاكتيال والناقصَ للاستعمال عند الكيل، وفائدةُ الأمر بتسوية الآلتين وتعديلهما بعد النهي عن نقصهما المبالغةُ في الحمل على الإيفاء، والمنعِ من البَخْس(١)، والتنبيهُ على أنَّه لا يكفيهم مجرَّدُ الكفِّ عن النقص والبخس، بل يجبُ عليهم إصلاحُ ما أفسدوه وجعلوه معياراً لظلمهم وقانوناً لعدوانهم. وفيه حملُ اللفظ على المتبادر منه، فإنَّ الحملَ على المعنى الآخر مجازٌ كما أشرنا إليه. وادَّعى الفاضل الجلبي أنَّ هذا الأمرَ بعد النهي السابق ليس من باب التكرار في شيءٍ، فقال: إنَّ النهي قد كان عن نقص حجم المكيال وصنجاتٍ الميزان، والأمر بإيفاء المكيال والميزان حقَّهما بأنْ لا ينقصَ في الكيل والوزن، وهذا الأمر بعد مساواة المكيال والميزان للمعهود فلا تكرارَ، كيف ولو كان تكريراً للتأكيد والمبالغة لم يكن موضعُ الواو لكمال الاتِّصال بين الجملتين. انتھی . وتعقّب(٢) بأنَّ حمل هذين اللفظين - وقد تكرَّرا - في أحد الموضعين على أحد معنيين متغايرين خلافُ الظاهر. وأنَّ في التكرار من الفوائد ما جعله أقوى من التأسيس، فلا ينبغي الهربُ منه. وأمَّا العطفُ فلأنَّ اختلافَ المقاصد في ذينك المتعاطفين جَعَلهما كالمتغايرين، فحسُنَ لذلك، وقد صرَّح به أهلُ المعاني في قوله سبحانه: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ وَيُدَتِحُونَ أَبْنَاءَ كُمْ﴾ [إبراهيم: ٦]. انتهى. وفي ورود ما تعقَّب به أوَّلاً تأمُّل، فتأمَّل. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ يحتملُ أن يكون تعميماً بعد تخصيص، فإنه يشملُ الجودةَ والرداءةَ وغيرَ المكيل والموزون أيضاً، فهو تذييلٌ وتتميمٌ لِمَا تقدَّم، وكذا قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ فإنَّ (١) في الأصل و(م): والمنع والبخس، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٣١/٤، والكلام منه. (٢) المتعقب هو الشهاب في الحاشية ١٢٥/٥. سُوَلُ هُود! ٥٨ الآية : ٨٦ العثيَّ يعمُّ تنقيصَ الحقوق وغيرَه؛ لأنَّه عبارةٌ عن مطلق الفساد، وفعلُه من باب رَمَى وسَعَى وَرَضِيَ وجاء واويًّا ويائيًّا(١). ويحتمل أن يكون نهياً عن بخس المكيل والموزون بعد النهي عن نقص المعيار والأمرِ بإيفائه، أي: لا تنقصوا الناسَ بسبب نقص المكيال والميزان وعدمٍ اعتدالهما أشياءَهم التي يشترونها بهما. والتصريحُ بهذا النهي بعد ما عُلم في ضمن النهي والأمرين السابقين للاهتمام بشأنِه، والترغيبٍ في إيفاء الحقوق بعد الترهيبٍ والزَّجْرِ عن نَقْصِها. وإلى كلٌّ من الاحتمالين ذهب بعضٌ، وهو مبنيٌّ على ما علمتَ من الاختلاف السابق في تفسير ما سبق. وقيل: المرادُ بالبخس المكسُ، كأخذِ العشور على نحوِ ما يُفعل اليوم، والعثيُّ السرقةُ وقطعُ الطريق والغارة. و((مفسدين)) حال من ضمير ((تعثوا))، وفائدةُ ذلك إخراجُ ما يُقْصَدُ به الإصلاحُ كما فعل الخضرُ عليه السلام من قَتْلِ الغلام وخرقِ السفينة، فهو حالٌ مؤسِّسة. وقيل: ليس الفائدةُ الإخراجَ المذكور، فإنَّ المعنى: لا تعثوا في الأرض بتنقيص الحقوق مثلاً مفسدين مصالحَ دينِكم وأمرَ آخرتِکم، ومآلُ ذلك - علی ما قيل - إلى تعليل النهي، كأنه قيل: لا تفسدوا في الأرض فإنه مفسدٌ لدينكم وآخرتِكم . ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: أي: ما أبقاه سبحانه من الحلال بعد الإيفاء ﴿غَيْرٌ لَّكُمْ﴾ مما تجمعون بالبخس فإنَّ ذلك هباءٌ منثورٌ، بل هو شرٌّ محضّ وإن زعمتم أنه خير ﴿إِن كُتُم مُؤْمِنِينٌ﴾ أي: بشرط أن تؤمنوا؛ إذ مع الكفر لا خيرَ في شيءٍ أصلاً، أو: إنْ كنتم مصدِّقين بي في مقالتي لكم. وفي رواية أخرى عن الحَبْر أنَّه فسَّر البقية بالرِّزق. وقال الربيع: هي وصيّتُه تعالى. وقال مقاتل: ثوابُه في الآخرة. وقال الفرَّاء(٢): مراقبتُه عزَّ وجلَّ. وقال قتادة: ذخيرتُه. وقال الحسن: فرائضُه سبحانه. (١) في القاموس (عثا): عثا كرمى وسعى ورضي عُنِيًّا وعَثَياناً، وعثا يعثو عُثُوًّا. (٢) في معاني القرآن ٢/ ٢٥. الآية : ٨٧ ٥٩ سُوَلُ هُود! وزعم ابنُ عطية أنَّ كلَّ هذا لا يعطيه لفظُ الآية، وإنَّما معناه الإبقاءُ(١). وهو مأخوذٌ مما روي عن ابن جريج أنَّه قال: المعنى إبقاءُ الله تعالى النعيمَ علیکم خيرٌ لكم مما يحصلُ من النقص بالتطفيف. وأيًّا ما كان فجوابُ الشرط محذوفٌ يدلُّ عليه ما قبلَه على ما ذهب إليه جمهور البَصريين، وهو الصحيح. وقرأ إسماعيلُ بنُ جعفر عن أهل المدينة: ((بَقِيَة)) بتخفيف الياء، قال ابن عطية: وهي لغة(٢). قال أبو حيَّان: إنَّ حقَّ وصفٍ فَعِلَ اللازم أن يكون على وزن فَعِل(٣)، نحو شَجِيَتِ المرأةُ فهي شَجِيَة، فإذا شدِّدت الياء كان على وزن فعيل للمبالغة (٤). وقرأ الحسن: ((تقيةُ الله)) بالتاء(٥)، والمرادُ تقواه سبحانه ومراقبتُه الصارفةُ عن المعاصي. ﴿وَمَّا أَنَّا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظِ ﴾﴾ أحفظُكم من القبائح، أو: أحفظُ عليكم أعمالَكم وأجازيكم بها، وإنَّما أنا ناصحٌ مبلِّغٌ، وقد أَغْذَرْتُ إذ أَنْذَرْتُ ولم آلُ جهداً. أو: ما أنا بحافظٍ عليكم نِعَمَ الله تعالى لو لم تتركوا سوءَ صنيعكم. ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ من الأصنام، أجابوا بذلك أمرَه عليه السلام إيَّاهم بعبادة الله تعالى وحده المتضمِّن لنهيهم عن عبادةِ الأصنام، وغرضُهم منه إنكارُ الوحي الآمر، لكنَّهم بالغوا في ذلك إلى حيث أنكروا أنْ يكون هناك آمِرٌ من العقل، وزعموا أنَّ ذلك من أحكام الوسوسة والجنون. قاتلهم الله تعالى أنى يؤفكون. وعلى هذا بَنوا استفهامَهم وأخرجوا كلامَهم، وقالوا بطريق الاستهزاء: أصلاتك التي هي من نتائج الوسوسة وأفاعيلِ المجانين تأمرك بأنْ نتركَ ما استمرّ (١) المحرر الوجيز ١٩٩/٣. (٢) المحرر الوجيز ١٩٩/٣، وذكر القراءة أيضاً أبو حيان في البحر ٢٥٢/٥. (٣) في (م): فاعل، وهو خطأ . (٤) البحر ٢٥٢/٥. (٥) المصدر السابق. سُوَلاَ هُود! ٦٠ الآية : ٨٧ على عبادتِه آباؤنا جيلاً بعد جيل من الأوثان والتماثيل؟ وإنَّما جعلوه عليه السلام مأموراً مع أنَّ الصادرَ عنه إنما هو الأمر بعبادة الله تعالى وغير ذلك من الشرائع؛ لأنه عليه السلام لم يكن يأمرُهم من تلقاء نفسِه، بل من جهةِ الوحي، وأنَّه كان يُعْلِمُهم بأنه مأمورٌ بتبليغه إليهم. وتخصيصهم بإسناد(١) الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكام النبوة؛ لأنَّه عليه السلام كان كثيرَ الصلاة معروفاً بذلك، بل أخرج ابنُ عساكر(٢) عن الأحنف أنَّه عليه السلام كان أكثرَ الأنبياء صلاةً. وكانوا إذا رأوه يصلِّي يتغامزون ويتضاحكون، فكانت هي من بين شعائر الدِّين ضحكةً لهم. وقيل: إنَّ ذلك لأنَّه عليه السلام كان يصلِّي ويقول لهم: إنَّ الصلاة تأمرُ بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر. وروي هذا عن ابن عباس ◌ًا، وإلى الأوَّل ذهب غيرُ واحد. وهذا الإسناد حقيقيٍّ لا مجازيٌّ، غايةُ ما في الباب أنهم قصدوا الحقيقةَ تهكُّماً، واختيارُ المضارع ليدلَّ على العموم بحسب الزمان. وقوله سبحانه: (أَن تَتْرُكَ) على تقدير: بتكليف أن نترك، فُحذف المضافُ وهو تكليف، فدخل الجارُّ على ((أن)) ثم حُذف، وحَذْفُه قبلَها مظَّرد، وعُرفُ التخاطبِ في مثله يقتضي ذلك. وقيل: إنَّ الداعي إليه أنَّ الشخص لا يكلّف بفعل غيره؛ لأنه غیرُ مقدور له أصلاً. وقيل: لا تقدير، والمعنى: أصلاتك تأمرُك بما ليس في وسعكَ وعهدتكَ من أفاعيل غيرِك؟ وغرضُهم من ذلك التعريضُ بركاكة رأيه - وحاشاه عليه السلام - والاستهزاءُ به من تلك الجهة. وتعقّب بأنَّه يأباه دخولُ الهمزة على الصلاة دون الأمر، ويستدعي أن يصدر عنه عليه السلام في أثناء الدعوة ما يدلُّ على ذلك أو يوهمه، وأنَّى ذلك، فتأمل. وقرأ أكثر السبعة: ((أصلواتك)) بالجمع(٣). وأمرُ الجمع بين القراءتين سهل. (١) في (م): إسناد. (٢) كما في الدر المنثور ٣٤٦/٣. (٣) التيسير ص١١٩، والنشر ٢/ ٢٩٠، وقرأ بالتوحيد حفص وحمزة والكسائي، ومن العشرة خلف.