النص المفهرس

صفحات 521-540

الآية : ٦٠
٥٢١
◌ُهُود
بالمعجَب بما عنده(١). والجوهريُّ: بمن خالفَ الحقَّ وردَّه وهو يعرفه(٢). وكذا
(عانِد)) ويُطلق الأخيرُ على البعير الذي يجور عن الطريق ويَعْدِلُ عن القصد، وجمعُه
(ُنَّد)) كراكع ورُبَّع، وجمعُ العنيد ((عُنُد)) كرغيف ورُغُف.
والعَنود قيل: بمعنى العنيد. وزعم بعضهم أنه يقال: بعيرٌ عَنودٌ، ولا يقال:
عنيد، ويجمع الأوَّل على ((عَنَدَة))، والثاني على ((عند)). وآخر: أنَّ العنود العادلُ
عن الطريق المحسوس، والعنيد العادلُ عن الطريق في الحكم، وكلاهما من
(عَندَ)).
وأصل معناه على ما قيل: اعْتَزَلَ في جانبٍ؛ لأنَّ ((العَنَد)) بالتحريك الجانب،
يقال: يمشي وَسَطاً لا عَنَداً، ومنه ((عِنْد)) الظرفية، ويقال للناحية أيضاً: العنْد مثلَّة.
وهذا الحُكْمُ ليس كالحُكْمين السَّابقين من جحودِ الآيات وعصيان الرُّسُل في
الشمولِ لكلِّ فردٍ فردٍ منهم، فإنَّ اتِّاع الأمر من أحكام الأسافلِ دون الرؤساء.
وقيل: هو مثلُ ذلك في الشمول، والمراد بالأمرِ الشأنُ، وبـ ((كلِّ جبارٍ عنيدٍ))
مَن هذه صفتُه من الناس، لا أناسٌ مخصوصون من عادٍ متَّصفون بذلك، والمراد
باتِّباع الأمر ملازمتُه أو الرِّضا به على أتمٍّ وجهٍ، ويَؤُولُ ذلك إلى الاتِّصاف، أي:
إنَّ كلّ منهم اتَّصف بصفةِ كلِّ جَبَّار عنيدٍ. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف الظاهر،
وقد یدَّعَی العمومُ من غیرِ حاجةٍ إلى ارتكاب مثله.
والمراد على ما تقدَّم أنهم عصَوا مَنْ دعاهم إلى سبيل الهدى، وأطاعوا مَنْ
حداهم إلى مهاوي الرَّدی.
﴿وَأَّعُواْ فِ هَذِهِ الدُّنَا لَقْنَةٌ﴾ أي: إبعاداً عن الرحمة وعن كلِّ خير، أي: جُعلت
اللعنةُ لازمةً لهم، وعبّر عن ذلك بالتبعيّة للمبالغة، فكأنَّها لا تفارقهم وإن ذهبوا كلَّ
مذهب، بل تدور معهم حسبما داروا، أو لوقوعه في صحبة اتِّباعهم. وقيل: الكلامُ
على التمثيل بجعلِ اللعنةِ كشخصٍ تبعَ آخرَ ليدفعه في هوَّةٍ قدامَه.
وضميرُ الجمع لعاد مطلقاً كما هو الظاهر، وجوِّز أن يكون للمتَّبِعِين للجبَّارين
(١) مفردات الراغب (عند).
(٢) الصحاح (عند).

سُوا هُود
٥٢٢
الآية : ٦٠
منهم، وما حالُ قوم قدَّامهم الجبّارون أهلُ النار وخلفَهم اللعنةُ والبوار؟! ويُعلم من
لعنةِ هؤلاءِ لعنةُ غيرِهم المتبوعين - على ما قيل - بالطريق الأَوْلى.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾ أي: وأُتبعوا يومَ القيامة أيضاً لعنةً؛ وهي عذابُ النار المخلَّد،
حُذف ذلك لدلالة الأوَّل عليه. وللإيذان بأنَّ كلّاً من اللَّعنين نوعٌ برأسه لم يجتمعا
في قرنٍ واحدٍ بأن يقال: وأُثْبعوا في هذه الدنيا ويومَ القيامة لعنةً، ونظيرُ هذا قولُه
تعالى: ﴿وَأَكْتُبْ لَا فِ هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
وعبَّر بـ ((يوم القيامة)) بدلَ: الآخرة، هنا للتهويلِ الذي يقتضيه المقام.
﴿أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمّ﴾ أي: بربِّهم، أو: كفروا نعمتَه ولم يشكروها
بالإيمان، أو: جحدوه.
﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ دعاءٌ عليهم بالهلاك مع أنَّهم هالكون أيَّ هلاك؛ تسجيلاً عليهم
باستحقاقٍ ذلك والاستئهال له، ويقال في الدعاء بالبقاء واستحقاقه: لا يبعد فلان،
وهو في كلام العرب کثیرٌ، ومنه قوله:
لا يَبْعَدَنْ قومي الذین هُمُ
سُمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ(١)
وجوِّز أن يكون دعاءً باللَّعن، كما في ((القاموس)): البُعد والبِعاد: اللَّعن(٢).
واللام للبيان كما في قولهم: سقياً لك(٣). وقيل: للاستحقاق، وليس بذاك.
وتكريرُ حرف التنبيه وإعادةُ ((عاد)» للمبالغة في تفظيع حالِهم، والحثِّ على
الاعتبار بقصَّتهم.
وقولُه سبحانه: ﴿قَوْمِ هُورٍ ﴾﴾ عطفُ بيانٍ على ((عاد)»، وفائدتُه الإشارةُ إلى
أنَّ عاداً كانوا فريقين: عاداً الأولى، وعاداً الثانية، وهي عادُ إرَم في قولٍ، وذكر
الزمخشريُّ في ((الفجر)) أنَّ عَقِبَ عاد بنِ عوص بن إرم بن سام بن نوح قيل لهم:
(١) البيت للخِرْنِق بنت بدر أخت طرفة بن العبد لأمه، وهو في ديوانها ص٢٩، والكتاب
٢٠٢/١ و٦٤/٢، والخزانة ٤١/٥. قال شارح الديوان: أي: هم لأعدائهم كالسمِّ،
وهم آفة الجزر؛ لأنهم ينحرونها للأضياف.
(٢) القاموس (بعد).
(٣) جاء في هامش الأصل: والجار والمجرور في مثله خبر لمبتدأ واجب الحذف.

الآية : ٦١
٥٢٣
سُؤَّا هُود
عاد، كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم قيل: للأوَّلين منهم: عاد الأولى وإرم؛
تسميةً لهم باسم جدِّهم، ولمن بعدهم عاد الأخيرة، وأنشد لابن الرقيَّات:
مَجْداً تَليداً بناه أوَّلُهُ أدركَ عاداً وقبلَها إرما (١)
ولعله الأوفقُ للنَّقل، مع الإيماء إلى أنَّ استحقاقَهم للبُعد بسببٍ ما جرى بينهم
وبين هودٍ عليه السلام وهم قومُه، وليس ذلك لدفع اللَّبس؛ إذ لا لَّبْسَ فِي أنَّ عاداً
هذه ليست إلا قومَ هودٍ عليه السلام؛ للتصريح باسمه وتكريرِه في القصّة.
وقيل: ذُكر ليفيدَ مزيدَ تأكيدٍ بالتنصيص عليهم، مع ما في ذلك من تناسُبٍ
فواصل(٢) الآي.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًاْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَهُ﴾ الكلامُ فيه
كالكلام في نظيره السابق آنفاً، وجمهورُ القراء على منع صرف («ثمود)» ذهاباً إلى
القبيلة. وقرأ ابنُ وثَّاب والأعمش بالصَّرف على إرادة الحيّ(٣).
﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خَلْقَكم منها فإنَّها المادَّةُ الأُولى، وآدمُ الذي
هو أصل البشر خُلق منها. وقيل: الكلام على حذف مضافٍ، أي: أنشأ أباكم.
وقيل: ((من)) بمعنى في، وليس بشيءٍ.
والمراد الحصرُ كما يُفْهِمُه كلامُ بعض الأجلَّة، كأنَّ القومَ لعدم أدائهم حقَّه
سبحانه قد اعتقدوا أنَّ الفاعل لذلك غيرُه تعالى، أو هو مع غيرِهِ، فخوطبوا على
وجهٍ قَصْرِ القَلْبِ أو قَصْرِ الإفراد بذلك، واحتمالُ أنَّهم كانوا يعتقدون أحدَ الأمرين
حقيقةً لا تنزيلاً يستدعي القول بأنَّهم كانوا طبيعيةً أو ثَنَويَّةً، وإلا فالوثنيَّة - وإن
عبدوا معه سبحانه غيرَه - لا يعتقدون خالقيَّةً غيرِه لهم بوجهٍ من الوجوه.
وأُخذ الحصرُ على ما قيل: من تقديم الفاعل المعنوي، وقيل: إنَّه مستفادٌ من
السِّياق؛ لأنه لَمَّا حصر الإلهية فيه تعالَى اقتضى حَصْرَ الخالقيَّة أيضاً، فبيانٌ
ما خُلقوا منه بعد بيانِ أنَّه الخالق لا غيره يقتضي هذا، فتدبّر.
(١) الكشاف ٢٥٠/٤، والبيت في ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات ص١٥٥ .
(٢) في الأصل: رؤوس.
(٣) القراءات الشاذة ص٤٤، والبحر ٢٣٨/٥، والكلام منه.

سُوَلُ هُود!
٥٢٤
الآية : ٦١
والظاهر أنَّ مَن يقول بالحصر هنا يقولُ به في قوله سبحانه: ﴿وَأَسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾
لمكان العطفٍ وكونِه معطوفاً بعد اعتبار التقديم، فلا ينسحبُ على ما بعدَه
مما لا فائدةً في التزامه، أي: وهو الذي جعلكم عُمَّارها وسكّانها، فالاستفعالُ
بمعنى الإفعال؛ يقال: أعمرتُه الأرضَ واستعمرتُه: إذا جعلتَه عامرَها وفوَّضتَ إليه
عمارتها، وإلى هذا ذهب الراغب (١) وكثيرٌ من المفسرين.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أمركم بعمارةِ ما تحتاجون إليه، من بناءِ مساكنَ،
وحفرٍ أنهار، وغرسٍ أشجار، وغيرِ ذلك، فالسينُ للطلب. وإلى هذا ذهب الكيا،
واستدلَّ بالآية على أنَّ عمارة الأرض واجبةٌ لهذا الطلب(٢).
وقسّمها في ((الكشاف))(٣) إلى: واجب كعمارة القناطر اللازمة والمسجد
الجامع، ومندوبٍ كعمارة المساجد، ومباحٍ كعمارة المنازل، وحرامٍ كعمارة
الخانات، وما يبنى للمباهاة أو من مال حرام، كأبنيةِ كثيرٍ من الظَّمة.
واعتُرض على الكيا بأنَّه لم يكن هناك طلبٌ حقيقةً، ولكن نزِّل جعلُهم
محتاجين لذلك، وإقدارُهم عليه، وإلهامُهم كيف يعمرون، منزلةَ الطلب.
وقال الضخَّاك: المعنى: عمَّركم فيها واستبْقاكم، وكان أحدُهم يعمَّر طويلاً
حتى إنَّ منهم مَن يعمَّر ألفَ سنة. والمشهور أنَّ الفعل من العمر وهو مدَّة الحياة
بالتشديد، ومن العمارة نقيض الخراب بالتخفيف، ففي أخذ ذلك من العمر
تجُّز.
وعن مجاهد: أنَّ استعمر من العُمْرَى بضمٌّ فسكون مقصور، وهي - كما قال
الراغبُ - في العطيّة أن تجعل له شيئاً مدَّةَ عمرك أو عمرٍه (٤). والمعنى: أعمركم
فيها دياركم(٥)، أي: أعطاكم ذلك ما دمتم أحياء، ثمَّ هو سبحانه وارثُها منكم، أو
(١) في مفرداته (عمر).
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٦/٣.
(٣) ٢٧٨/٢.
(٤) مفردات الراغب (عمر).
(٥) في (م): ورباكم، والمثبت من الأصل، والكشاف ٢٧٨/٢، والبحر ٢٣٨/٥، وتفسير
البيضاوي مع حاشية الشهاب ١١٠/٥، وتفسير أبي السعود ٢٢١/٤.

الآية : ٦٢
٥٢٥
سُورَةُ هُود!
المعنى: جعلكم معمِّرين ديارَكم فيها؛ لأنَّ الرجل إذا ورَّث دارَه مَن بعده
فكأنَّما أعمرَه إياها؛ لأنه يسكنُها عمرَه ثمَّ يتركها لغيره.
﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم، فإنَّ ما ذُكر من صنوف إحسانِه
سبحانه داعٍ إلى الاستغفار والتوبة.
وقوله: ﴿إِنَّ رَّ قَرِيبٌ﴾ أي: قريبُ الرحمة؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ
قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً ﴿تُجِيبُ ﴾﴾ لمن
دعاه وسأله زيادةً في بيان ما يوجبُ ذلك، والأوَّل علَّةٌ باعثة، وهذا علَّةٌ غائيَّة،
وما ألطفَ التقديم والتأخير.
وصرَّح بعضُهم أنَّ ((قریب)) ناظر لـ ((توبوا)) و((مجيب)) لـ ((استغفروا))، كأنه قيل:
ارجعوا إلى الله تعالى فإنه سبحانه قريبٌ منكم أقربُ من حبل الوريد، واسألوه
المغفرةَ فإنه جلَّ وعلا مجيب السائلين. ولا يخلو عن حُسن.
﴿قَالُواْ يَصَلِعُ قَدْ كُتَ فِنَا﴾ أي: فيما بيننا ﴿مَرْجُوًا﴾ فاضلاً خيِّراً نقدِّمك على
جميعنا، على ما روي عن ابن عباس.
وقال ابنُ عطيّةُ(١): مشوراً (٢) نؤمِّلُ فيك(٣) أن تكون سيِّداً سادّاً مسدّ الأكابر.
وقال كعب: كانوا يرجونه للملك بعد ملكِهم، لأنَّه كان ذا حَسَبٍ وثروة.
وقال مقاتل: كانوا يرجون رجوعَه إلى دينهم؛ إذ كان يبغضُ أصنامَهم ويعدلُ
عن دينهم ﴿قَّلَ هَذَا﴾ أي: الذي باشَرْتَه من الدعوة إلى التوحيد وتركِ عبادةٍ
الآلهة، فلمَّا سمعنا منكَ ما سمعناه انقطع عنكَ رجاؤُنا .
وقيل: كانوا يرجون دخولَه في دينهم بعد دعواه إلى الحقِّ، ثمَّ انقطع رجاؤهم،
فـ ((قبل هذا)): قبل هذا الوقت، لا قبلَ الذي باشره من الدَّعوة.
وحكى النقَّاش عن بعضِهم أنَّ (مرجوّاً)) بمعنى حقيراً، وكأنه فسَّره أولاً بمؤخّراً
(١) في المحرر الوجيز ١٨٣/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي حيان في البحر ٢٣٨/٥.
(٢) في المحرر الوجيز: مسوداً.
(٣) في (م): نأمل منك.

سُوَلاَ مُود!
٥٢٦
الآية : ٦٢
غير معتنّى به ولا مهتمٍّ بشأنه، ثم أراد منه ذلك، وإلّا فمرجوٌّ (١) بمعنى حقير لم
يأتِ في كلام العرب.
وجاء قولهم: ﴿أَنْهَنْنَا أَن تَّعْبُدَ مَا يَقْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ على جهة التوعُد والاستبشاع
لتلك المقالة منه. والتعبير بـ ((يعبد)» لحكاية الحال الماضية.
وقرأ طلحة: (مرجوءاً) بالمدِّ والهمز(٢).
﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّعَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد وتركِ عبادة الآلهة، وغيرِ ذلك من
الاستغفار والتوبة.
﴿ُِيبٍ ﴾﴾ اسم فاعلٍ من أرابه المتعدِّي بنفسه: إذا أوقعه في الرِّيبة؛ وهي
قلقٌ وانتفاءُ الطمأنينة باليقين، أو من أراب الرجلُ اللازم: إذا كان ذا ريبة.
والإسناد على الوجهين مجازيٌّ، إلا أنَّ بينهما - كما قال بعضُ المحقّقين - فرقاً؛
وهو أنَّ الأوَّل منقولٌ من الأعيان إلى المعنى، والثاني منقولٌ من صاحب الشكِّ إلى
الشكِّ؛ كما تقول: شِعْرٌ شاعر، فعلى الأول هو من باب الإسناد إلى السبب؛ لأنَّ
وجودَ الشكِّ سببٌ لتشكيك المشكِّك، ولولاه لما قَدَر على التشكيك.
والتنوينُ في ((مريبٍ)) وفي ((شكٌّ)) للتفخیم.
((وإننا)) بثلاثِ نوناتٍ، ويقال: إنَّا بنونين، وهما لغتان لقريش. قال الفرَّاء: مَن
قال: إنَّنا، أخرج الحرفَ على أصلِه؛ لأنَّ كنايةَ المتكلِّمين ((نا)) فاجتمعتْ ثلاثُ
نوناتٍ، ومَن قال: إنَّا، استثقلَ اجتماعَها فأسقطَ الثالثة وأبقى الأُولَيين.
واختار أبو حيَّان(٣) أنَّ المحذوفَ النونُ الثانية لا الثالثة؛ لأنَّ في حَذْفِها
إجحافاً بالكلمة، إذ لا يبقى منها إلا حرفٌ واحدٌ ساكنٌ، دونَ حَذْفِ الثانية لظهورِ
بقاء حرفين بعدَه، على أنَّه قد عُهد حذفُ النون الثانية من إنَّ مع غيرٍ ضمير
المتكلِّمين ولم يُعهد حذفُ نون ((نا)»، ولا ريبَ في أنَّ ارتكابَ المعهود أَولى من
ارتكاب غير المعهود.
(١) في (م): فمرجوا.
(٢) تفسير أبي السعود ٤/ ٢٢١.
(٣) في البحر ٢٣٨/٥، وعنه نقل المصنف قول الفراء.

الآية : ٦٣
٥٢٧
سُوَلاَمُود
﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ﴾ أخبروني ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ حجَّةٍ ظاهرةٍ وبرهانٍ
وبصيرةٍ ﴿مِّن رَّبِ﴾ مالكي ومتولّي أموري ﴿وَءَاتَلِ مِنْهُ﴾ من قِبَلِه سبحانه ﴿رَ
نبوّة، وهذا من الكلام المنصفِ والاستدراج؛ إذ لا يُتصوَّر منه عليه السلام شكٌ
فيما في حيِّز ((إنْ))، وأصلُ وضعها أنَّها لشكِّ المتكلِّم.
﴿فَمَنْ يَصُرُفِ مِنَ اللَّهِ﴾ أي فمن يمنعني من عذابه، ففي الكلام مضافٌ مقدَّر،
والنُّصرةُ مستعمَلةٌ في لازم معناها، أو أنَّ الفعلَ مضمَّن معنى المنع، ولذا تعدَّى
بـ ((من))، والعدول إلى الإظهار لزيادة التهويل، والفاءُ لترتيب إنكارِ النَّصر على
ما سبق من كونه على بيِّنة وإيتاءِ الرحمة، على تقدير العصيان حسبما يُعرب عنه
قولُه: ﴿إِنْ عَصَيْتٌُ﴾ أي: في المساهلة في تبليغ الرسالة، والمنعِ عن الشرك به
تعالى، والمجاراةِ معكم فيما تشتهون، فإنَّ العصيانَ مِمَّن ذلك شأنُه أبعدُ،
والمؤاخذةَ عليه ألزمُ، وإنكارَ نصرته أدخلُ.
ـا تَزِيدُونَنِ﴾ إذنْ باستتباعكم إيَّاي، أي: لا تُفيدونني؛ إذ لم يكنْ فيه أصلُ
الخسران حتى يزيدوه
﴾ أي: غيرَ أن تجعلوني خاسراً بإبطال
﴿غير تخْسِيرٍ
أعمالي، وتعريضي لسخط الله تعالى.
أو: فما تزيدونني بما تقولون غيرَ أنْ أَنسبكم إلى الخسران، وأقول لكم: إنَّكم
الخاسرون، لا أنْ أَّبعكم، ورُوي هذا عن الحسن بن الفضل. فالفاعلُ على الأوَّل
هم والمفعولُ صالح، وعلى الثاني بالعكس، والتفعيلُ كثيراً ما يكون للنسبة،
كفسَّقْتُهُ وفَجَّرتُه، والزيادةُ على معناها.
والفاءُ لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقديرٍ
العصيان، مع تحقّق ما ينفيه من كونه عليه السلام على بيّنةٍ من ربِّه وإيتائه النبوّة.
وعن ابن عباس ﴿ أنَّ المعنى: فما تزيدونني غيرَ بصارَةٍ(١) في خسرانكم.
فالكلامُ على حذفِ مضافٍ.
(١) في الأصل و(م): مضارة، والمثبت من تفسير البغوي ٣٩١/٢، وزاد المسير ١٢٤/٤،
والبحر ٩٠/٥، والكلام منه، وذكره القرطبي ١٥٣/١١ بلفظ: فما تزيدونني باحتجاجكم
بدین آبائكم غير بصيرة بخسارتكم.
٢٠

سُوَلُ هُود!
٥٢٨
الآية : ٦٤
وعن مجاهد: ما تزدادون أنتم باحتجاجكم بعبادةِ آبائكم إلا خساراً، وأضاف
الزيادةَ إلى نفسه لأنَّهم أعطوه ذلك وكان قد سألهم الإيمان.
وقال ابنُ عطيّة(١): المعنى: فما تعطوني فيما أقتضيه منكم من الإيمان غير
تخسير لأنفسكم، وأضافَ الزيادةَ إلى نفسه من حيثُ إنه مقتضٍ لأقوالهم موَّلٌ
بإيمانهم، كما تقول لمن توصيه: أنا أريدُ بك خيراً وأنتَ تزيدنيّ (٢) شرّاً(٣)، وكان
الوجهُ البَيِّن أن تقول: وأنت تزيد(٤) شرّاً، لكن من حيث كنتَ مريدَ خيرٍ ومقتضي
ذلك حَسُنَ أن تضيفَ الزيادة إلى نفسك.
وقيل: المعنى: فما تزيدونني غيرَ تخسيري إِيَّكم، حيث إنكم كلَّما ازددتم
تكذيباً إيّاي ازدادت خسارتكم. وهي أقوال كما ترى.
﴿وَبَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافةُ للتشريف والتنبيهِ على أنَّها مفارِقةٌ لسائرٍ
ما يُجانسها خَلْقاً وخُلُقاً .
﴿لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ معجزةً دالَّةً على صدقي في دعوى النبوّة، وهي حالٌ من
(ناقة الله))، والعاملُ ما في اسم الإشارة من معنى الفعل. وقيل: معنى التنبيه.
والظاهر أنَّها حالٌ مؤسِّسة، وجوِّز فيها أن تكون مؤكِّدةً، كهذا أبوك عطوفاً، لدلالة
الإضافة على أنَّها آية. و((لكم)) كما في البحر(٥) وغيرِه حال منها تقدمت(٦) عليها
التنكيرِها، ولو تأخّرت لكانت صفةً لها. واعتُرض بأنَّ مجيء الحال من الحال لم
يقلْ به أحدٌ من النحاة؛ لأنَّ الحالَ من الحال تبيِّن هيئةَ الفاعل أو المفعول، وليست
الحالُ شيئاً منهما .
وأُجيب بأنَّها في معنى المفعول للإشارة؛ لأنها مثَّحدةٌ مع المشارِ إليه الذي هو
مفعولٌ في المعنى. ولا يخفى ما فيه من التكلُّف.
(١) في المحرر الوجيز ١٨٤/٣، وذكر قوله أيضاً أبو حيان في البحر ٢٣٩/٥.
(٢) في الأصل و(م) والمحرر: تريد بي، وفي البحر، تريدني، والصواب ما أثبتناه.
(٣) في الأصل و(م) والبحر: سوءاً، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٤) في الأصل و(م) والبحر: تريد، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٥) ٢٣٩/٥.
(٦) في (م): فقدمت.

الآية : ٦٤
٥٢٩
لأُهُود
وقيل: الأَولى أن يقال: إنَّ هذه الحالَ صفةٌ في المعنى، لكنْ لم يُعْرِبوها صفةً
لأمرٍ تَواضَعَ النحويُّون عليه من منع تقدُّم ما يسمُّونه تابعاً على المتبوع، فحديثُ أنَّ
الحال تبيّنُ الهيئةَ مخصوصٌ بغيرِ هذه الحال.
واعتُرض بأنَّ هذا ونحوَه لا يحسم مادَّة الاعتراض؛ لأنَّ المعترض نفى قولَ
أحدٍ من النحاة بمجيء الحال من الحال، وبما ذُكر لا يثبتُ القول، وهو ظاهر.
نعم، قد يقال: إنَّ اقتصار أبي حيَّان والزمخشريِّ - وهما مَن تعلَمُ في
العربية - على هذا النحو من الإعراب كافٍ في الغرض على أتمٍّ وجهٍ. وأراد
الزمخشريُّ بالتعلُّق في كلامه التعلُّقَ المعنويَّ لا النحويَّ(١)، فلا تناقضَ فيه، على
أنه بحثٌ لا يضرُّ.
وقيل: ((لكم)) حالٌ من ((ناقة))، و ((آية)) حالٌ من الضمير فيه، فهي متداخلة،
ومعنى كونِ الناقة للمخاطبين أنَّها نافعةٌ لهم ومختصَّةٌ بهم هي ومنافعها، فلا يَرِدُ أنَّه
لا اختصاصَ لذات الناقة بهم وإنما المختصُّ كونُها آيةً لهم.
وقيل: ((لكم)) حالٌ من الضمير في ((آية))؛ لأنها بمعنى المشتقِّ(٢)، والأظهرُ
كونُ ((لكم)) بيانَ مَن هي آيةٌ له.
وجوِّز كونُ ((ناقة)) بدلاً أو عطفَ بيان من اسم الإشارة، و((لكم)) خبرُه، و(«آيَةً))
حالٌ من الضمير المستتر فيه.
﴿فَذَرُوهَا﴾ دعوها ﴿تَأْكُلُ فِىَ أَرْضِ اللَّهِ﴾ فليس عليكم مؤنتُها، والفعلُ مجزومٌ
لوقوعه في جواب الطلب. وقرئ بالرفع على الاستئناف أو على الحال، كما في
((البحر)(٣).
(١) قال الزمخشري في الكشاف ٢٧٩/٣: فإن قلت: فيم يتعلق ((لكم))؟ قلت: بآية حالاً منها
متقدمة؛ لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها. وتعقبه أبو حيان في البحر ٢٣٩/٥ بقوله: وهذا
متناقض؛ لأنه من حيث تعلَّق ((لكم)) بـ ((آية)) كان معمولاً لـ («آية))، وإذا كان معمولاً لها امتنع
أن يكون حالاً منها؛ لأن الحال تتعلق بمحذوف. وتعقبه السمين في الدر المصون ٣٤٨/٦
بما ذكره المصنف من التعلُّق المعنويّ.
(٢) أي: معلَّمة. حاشية الشهاب ١٤٢/٥ .
(٣) ٢٣٩/٥.

لأجود
٥٣٠
الآية : ٦٥
والمتبادرُ من الأكل معناه الحقيقي، لكن قيل: في الآية اكتفاء(١)، أي: تأكل
وتشرب. وجوِّز أن يكونَ مجازاً عن التغذِّي مطلقاً والمقامُ قرينةٌ لذلك.
﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ﴾ أي: بشيء منه فضلاً عن العَقْر والقتل، والنهيُ هنا على
حدِّ النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ اُلْيَقِيِ﴾ إلخ [الأنعام: ١٥٢] ﴿فَأْخُذَّكُ﴾
لذلك ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ عاجلٌ لا يستأخر عن مسِّكم إيَّها بسوءٍ إلا يسيراً، وذلك
ثلاثة أيام ثمَّ یقع علیکم.
وقيل: أرادَ مِن وَصْفِه بالقُرب كونَه في الدنيا. وإلى الأول ذهب غيرُ واحد من
المفسِّرين، وكان الإخبار عن وحي من الله تعالی.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أي: فخالفوا ما أُمروا به فعقروها. والعقرُ، قيل: قطعُ عضو يؤثِّر
في النفس. وقال الراغبُ: يقال: عَقَرْتُ البعير: إذا نحرته(٢). ويجيء بمعنى
الجَرْحِ أيضاً، كما في ((القاموس))(٣).
وأَسند العقرَ إليهم مع أنَّ الفاعل له (٤) واحدٌ منهم، وهو قُدار - کھمام - في
قول، ويقال له: أحمر ثمود، وبه يُضرب المثلُ في الشُّؤْم لرضاهم بفعله، وقد جاء
أنَّهم اقتسموا لَحمَها جميعاً.
﴿فَقَالَ﴾ لهم صالحٌ عليه السلام ﴿تَمَتَّعُواْ﴾ عيشوا ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ أي: بلدكم،
وتسمَّى البلادُ الدِّيارَ لأنَّها يُدار فيها، أي: يُتَصرَّف؛ يقال: ديارُ بكرٍ، لبلادهم،
وتقول العرب الذين حوالي مگّة: نحنُ من عرب الدَّار، يريدون: من عرب البلد.
وإلى هذا ذهب الزمخشريُّ(٥).
وقال ابنُ عطيّة: هو جمعُ دارة، كساحة وساحٍ وسُوحٍ، ومنه قول أميَّة بنِ
أبي الصَّلت يمدحُ عبدَ الله بنَ جدعان:
(١) الاكتفاء: هو أن يقتضي المقام شيئين بينهما تلازمٌ وارتباط، فيكتفى بأحدهما عن الآخر
لنكتة. الإتقان ٨٣٠/٢.
(٢) مفردات الراغب (عقر).
(٣) مادة (عقر).
(٤) قوله: له، ليس في (م).
(٥) في الكشاف ٢٧٩/٢ .

الآية : ٦٥
٥٣١
سُوٌَّلُ هُود
له داعٍ بمكةَ مُشْمَعِلٌّ وآخرُ فوقَ دارتهِ ينادي(١)
ويمكن أنْ يسمَّى جميعُ مسكن الحيِّ داراً، وتُطلق الدَّارُ على الدنيا أيضاً،
وبذلك فسَّرها بعضُهم هنا.
وفسَّر الطبرسيُّ(٢) التمتّعَ بالتلذُّذ، أي: تلذَّذُوا بما تريدون ﴿ثَثَةَ أَيَّارِ﴾ ثمَّ
يأخذُكم العذاب.
قيل: إنَّهم لَمَّا عقروا الناقةَ، صعد فصيلُها الجبلَ ورغا ثلاثَ رغواتٍ، فقال
صالحُ عليه السلام: لكلِّ رغوةٍ أَجَلُ يوم.
وابتداء الأيام - على ما في بعض الروايات - الأربعاء.
وروي أنه عليه السلام قال لهم: تصبحُ وجوهُكم غداً مصفرَّة، وبعد غدٍ
محمرَّة، واليوم الثالث مسودَّة، يصبِّحكم العذابُ. فكان كما قال.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما يدلُّ عليه الأمر بالتمتُّع ثلاثةَ أيام من نزول العذاب
عقيبها، وما فيه من معنى البُعد للتفخيم.
﴿وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾﴾ أي: غيرُ مكذوب فيه، فحُذف الجارُّ وصار
المجرورُ مفعولاً على التوسُّع؛ لأنَّ الضميرَ لا يجوز نصبُه على الظرفية، والجارُّ
لا يعمل بعد حذفه، ويسمُّون هذا الحذفَ والإيصال، وهو كثيرٌ في كلامهم،
ويكون في الاسم كـ : مُشْتَرَكِ(٣)، وفي الفعل كقوله:
ويومٍ شهدناه سُلَيماً وعامراً
قليلٍ سوى طعن النِّهال نوافلُه(٤)
(١) المحرر الوجيز ١٨٥/٣، والبيت في ديوان أمية ص٦٣. المشمعلُّ: الجادُّ في الأمر
الخفيف في جميع ما أخذ فيه من العمل. الخزانة ٢٣٦/٤.
(٢) في مجمع البيان ١٧٩/١٢ .
(٣) وهذا كما يقال: طريق مشتّرَك، والأصل: مشترك فيه، المصباح المنير (شرك).
(٤) البيت لرجل من بني عامر، وسلف ٢٨٤/١. قال الشهاب في الحاشية ١١٣/٥: شهد
بمعنى حفر متعدٍّ لواحدٍ وهو سليماً وعامراً، وهما اسما قبيلتين صرفا باعتبار الحي.
فشهدناه أصله: شهدنا فیه. وقلیل صفة یوم المجرور بعد واو رب، ونوافلُه فاعله، وهو
جمع نافلة، وهي العطية. والنهال جمع ناهل بمعنى عطشان، أي: ليس في ذلك اليوم
عطايا سوى الطعان.

سُؤَدَلاً هُود
٥٣٢
الآية : ٦٦
أو ((غير مكذوب)) على المجاز، كأنَّ الواعدَ قال له: أفي بك، فإن وَفَى به
صَدَقه وإلا كَذَبه، فهناك استعارة مكنيَّة تخييليَّة. وقيل: مجازٌ مرسل بجعل
(مكذوب)) بمعنى باطل ومُتَخَلِّف.
أو: وعدٌ غيرُ كَذِبٍ، على أنَّ ((مكذوب)» مصدرٌ على وزن مفعول، كمجلود
ومعقول بمعنى: عَقْلٍ وجَلْدٍ، فإنه سُمع منهم ذلك لكنَّه نادر. ولا يخفى ما في
تسمية ذلك وعداً من المبالغة في التھگُم.
﴿فَمَّا جَآءَ أَقْرُنَا﴾ أي: عذابُنا، أو: أمرُنا بنزوله، وفيه ما لا يخفى من التَّهويل
﴿بَيِّنَا صَلِحًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾ متعلِّقٌ بـ (نَجَينا)) أو بـ ((آمنوا)) ﴿بِرَحْمَةٍ مِّنَّا﴾
أي: بسببها، أو مُلْتَبِسينَ بها، وفي التَّنوين والوصفِ نوعان من التعظيم ﴿وَمِنْ خِزْىِ
يَوْمِيذٌ﴾ أي: نجَّيناهم من خزي يومئذٍ، وهو الهلاكُ بالصَّيْحة، وهذا كقوله تعالى:
﴿وَيَّنَهُ مِّنْ عَذَابٍ غليظٍ﴾ [هود: ٥٨] على معنى: إنَّا نجيناهم، وكانت تلك التنجيةُ
من خزي يومئذٍ، وجوِّز أن يرادَ: ونجَّيناهم من ذلِّ وفضيحةٍ يوم القيامة، أي: من
عذابه، فهذه الآيةُ كآية هود سواء بسواء.
وتعقّب أبو حيَّان(١) هذا بأنه ليس بجيِّد؛ إذ لم تتقدَّم جملة فيها ذكرُ يوم القيامة
ليكون التنوينُ عوضاً عن ذلك، والمذكور إنَّما هو ((جاء أمرنا))، فليقدَّر: يوم إذ جاء
أمرنا. وهو جيّد، والدفعُ بأنَّ القرينة قد تكون غيرَ لفظية كما هنا فيه نظر. وقيل:
القرينةُ قوله سبحانه فيما مرَّ: ﴿عَذَابٍ غَلِظٍ﴾، وفيه ما فيه.
وقيل: الواو زائدة، فيتعلَّق ((من)) بـ ((نجينا)) المذكور، وهذا لا يجوز عند
البَصريين؛ لأنَّ الواوَ لا تُزاد عندهم، فيوجبون هنا التعلُّق بمحذوف، وهو معطوفٌ
على ما تقدَّم.
وقرأ طلحة وأبان: ((ومن خزي)) بالتنوين، ونصب ((يومَئذٍ)) على الظرفية معمولاً
لـ «خزي)»(٢).
(١) في البحر ٥/ ٢٤٠، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١١٣/٥.
(٢) البحر ٥/ ٢٤٠، والقراءة في المحرر الوجيز ١٨٦/٣ دون نسبة.

الآية : ٦٧ - ٦٨
٥٣٣
سُورَةٌ هُوَّدٍ
وعن نافع والكسائيّ أنهما قرأا بالإضافة وفتح ((يوم))(١) لأنه مضاف إلى ((إذ))
وهو غيرُ متمكّنٍ، وهذا كما فُتح ((حينَ)) في قول النابغة:
على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا فقلت: ألمَّا أصْحُ والشَّيبُ وازِعُ (٢)
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ خطابٌ لرسول اللهِنَّهِ ﴿هُوَ اُلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴾﴾ أي: القادرُ على
كلِّ شيء، والغالبُ عليه في كلِّ وقتٍ، ويندرجُ في ذلك الإنجاءُ والإهلاك في ذلك
اليوم.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: قوم صالح، وعَدَل عن الضمير إلى الظاهر تسجيلاً
عليهم بالظّلم، وإشعاراً بعليته لنزولِ العذاب بهم.
﴿الضَّيْحَةُ﴾ أي: صيحةُ جبريل، أو صيحةٌ من السماء فيها كلُّ صاعقة وصوتٍ
مفزع، وهي على ما في ((البحر)) فَعْلَة، للمرَّة الواحدة من الصِّياح، يقال: صاح
يصيحُ إذا صوَّت بقوة(٣). وأصلُ ذلك - كما قال الراغب - تشقيقُ الصوت، من
قولهم: انصاحَ الخشبُ أو الثوبُ: إذا انشقَّ فسُمع منه صوتٌ، وصيح الثوبُ
كذلك(٤). وقد يعبّر بالصَّيحة عن الفزع، وفي ((الأعراف)): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾
[الآية: ٧٨] قيل: ولعلَّها وقعتْ عقيبَ الصَّيحة المستتبعةِ لتموُّج الهواء، وقد تقدَّم
الكلام منَّا في ذلك.
﴾
٦٧
﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ﴾ أي: منازلهم ومساكنهم، وقيل: بلادِهم ﴿جَثِينَ
هامدين موتى لا يتحرَّكون، وقد مرَّ تمامُ الكلام في ذلك معنّى وإعراباً .
﴿أَن ◌َّمْ يَغنوا﴾ أي: کأنهم لم يقيموا ﴿بها﴾ أي: في ديارهم.
والجملة قيل: في موضع الحال، أي: أصبحوا جاثمين مماثلين لمن لم يوجّد
ولم يُقِمْ في مقام قط.
﴿أَلَّ إِنَّ ثَمُودَا﴾ وُضع موضعَ الضمير لزيادة البيان، ومنعه من الصَّرف حفص
(١) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢، وهي قراءة أبي جعفر.
(٢) ديوان النابغة الذبياني ص٧٩، وسلف ٥٠٨/٧.
(٣) البحر ٢٣٦/٥.
(٤) مفردات الراغب (صاح).

٥٣٤
الآية : ٦٨
وحمزةُ نظراً إلى القبيلة (١). وصرفه أكثرُ السبعة نظراً إلى الحيِّ كما قدَّمنا آنفاً،
وقيل: نظراً إلى الأبِ الأكبر، يعني يكون المرادُ به الأبَ الأوَّلَ وهو مصروفٌ،
وحينئذٍ يقدَّر مضافٌ كنسل وأولاد ونحوه. وقيل: المراد أنَّه صُرف نظراً لأوَّلٍ
وَضْعِه وإن كان المرادُ به هنا القبيلة.
﴿كَفَرُواْ رَّهُمْ﴾ صرَّح بكفرِهم مع كونه معلوماً مما سبق من أحوالهم؛ تقبيحاً
لحالهم وتعليلاً لاستحقاقهم الدعاءَ عليهم بالبُعد والهلاك في قوله سبحانه: ﴿أَلَا
بُعْدًا لِّشَمُودَ ﴾ وقرأ الكسائيُّ لا غير بالتنوين(٢). وقد تقدَّم الكلامُ في شرح
قصّتهم على أتمٍّ وجه.
تم الجزء الحادي عشر من تفسير روح المعاني، ويليه الجزء
الثاني عشر، وأوله تفسير قوله تعالى من سورة هود:
﴿وَلَقَدْ جََّتْ رُسُلْنَآ إِنَزَهِيَمَ بِلْبُشْرَى﴾
(١) التيسير ص ١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢، وهي قراءة يعقوب.
(٢) التيسير ص١٢٥، والنشر ٢٨٩/٢ -٢٩٠.

فهرس الموضوعات
٥
آية رقم (١)
٩
آیة رقم (٢)
١٨
آية رقم (٣)
٢٢
آیة رقم (٤)
٢٥
آیة رقم (٥)
٣٥
آية رقم (٦)
٣٧
آية رقم (٧)
٣٩
آیة رقم (٨)
٣٩
آیة رقم (٩)
٤٢
آية رقم (١٠)
٤٨
آية رقم (١١)
٥٢
آية رقم (١٢)
٥٥
آية رقم (١٣)
٥٩
آية رقم (١٤)
آیة رقم (١٥)
٦١
سُولُونََّ
٦

٥٣٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
٦٥
آية رقم (١٦)
٦٩
آية رقم (١٧)
٧٠
آیة رقم (١٨)
٧٣
آية رقم (١٩)
التفسير الإشاري
٧٥
آية رقم (٢٠)
٧٩
آية رقم (٢١)
٨١
٨٥
آية رقم (٢٢)
٩٢
آية رقم (٢٣)
٩٧
آية رقم (٢٤)
آية رقم (٢٥)
١٠٢
آية رقم (٢٦)
١٠٣
آية رقم (٢٧)
١٠٥
آية رقم (٢٨)
١١٠
آية رقم (٢٩)
١١٥
آية رقم (٣٠)
١١٧
آية رقم (٣١)
١١٩
آية رقم (٣٢)
١٢٣
آية رقم (٣٣)
١٢٥
آية رقم (٣٤)
١٢٥
آية رقم (٣٥)
١٢٧
آية رقم (٣٦)
١٣٢

٥٣٧
فهرس الموضوعات
١٣٤
آية رقم (٣٧)
١٣٨
آیة رقم (٣٨)
١٤١
آية رقم (٣٩)
١٤٦
آیة رقم (٤٠)
آیة رقم (٤١)
١٤٧
التفسير الإشاري
١٤٧
آية رقم (٤٢)
١٥٢
آية رقم (٤٣)
١٥٣
آية رقم (٤٤)
١٥٤
آية رقم (٤٥)
١٥٦
آیة رقم (٤٦)
١٦٠
آية رقم (٤٧)
١٦١٠
آية رقم (٤٨)
١٦٢
آية رقم (٤٩)
١٦٣
آية رقم (٥٠)
١٦٨
آية رقم (٥١)
١٧١
آية رقم (٥٢)
١٧٣
آية رقم (٥٣)
١٧٤
آية رقم (٥٤)
١٧٧
آیة رقم (٥٥)
١٨٠
آية رقم (٥٦)
١٨١
آیة رقم (٥٧)
١٨١

٥٣٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
١٨٥
آیة رقم (٥٨)
١٨٩
آية رقم (٥٩)
١٩٠
آية رقم (٦٠)
١٩٢
آية رقم (٦١)
١٩٩
آية رقم (٦٢)
٢٠٢
آية رقم (٦٣)
٢٠٩
آية رقم (٦٤)
٢١٣
آیة رقم (٦٥)
٢١٥
آية رقم (٦٦)
٢١٧
آية رقم (٦٧)
٢١٩
آیة رقم (٦٨)
٢٢٠
آیة رقم (٦٩)
٢٢١
آية رقم (٧٠)
٢٢٢
آیة رقم (٧١)
٢٢٧
آية رقم (٧٢)
٢٢٩
آية رقم (٧٣)
٢٣١
آية رقم (٧٤)
٢٣٦
آیة رقم (٧٥)
٢٣٧
آية رقم (٧٦)
آية رقم (٧٧)
٢٣٧
٢٤٠
آية رقم (٧٨)
آية رقم (٧٩)
٢٤٢

٥٣٩
فهرس الموضوعات
٢٤٢
آية رقم (٨٠)
٢٤٣
آية رقم (٨١)
٢٤٥
آية رقم (٨٢)
آية رقم (٨٣)
٢٤٦
آية رقم (٨٤)
٢٥٠
آیة رقم (٨٥)
٢٥١
آية رقم (٨٦)
٢٥١
آية رقم (٨٧)
٢٥٢
آیة رقم (٨٨)
٢٥٥
آية رقم (٨٩)
٢٦٠
التفسير الإشاري
٢٦٢
آية رقم (٩٠)
٢٧٤
آية رقم (٩١)
٢٧٧
آية رقم (٩٢)
٢٨٠
آية رقم (٩٣)
٢٩١
آية رقم (٩٤)
٢٩٣
آية رقم (٩٥)
٢٩٥
آية رقم (٩٦)
٢٩٥
آية رقم (٩٧)
٢٩٦
آیة رقم (٩٨)
٢٩٦
آية رقم (٩٩)
٣٠١
آية رقم (١٠٠)
٣٠٢

٥٤٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
٣٠٤
آیة رقم (١٠١)
٣٠٥
آية رقم (١٠٢)
٣٠٦
آية رقم (١٠٣)
آية رقم (١٠٤)
٣٠٧
آية رقم (١٠٥)
٣١٠
٣١٢
آية رقم (١٠٦)
٣١٣
آية رقم (١٠٧)
٣١٧
آية رقم (١٠٨)
آية رقم (١٠٩)
٣١٨
سُوَلاَ هُود!
٣١٩
آیة رقم (١)
٣٢٢
آية رقم (٢)
٣٢٩
٣٣٠
آية رقم (٣)
٣٣٣
آية رقم (٤)
٣٣٤
آیة رقم (٥)
٣٤٢
آية رقم (٦)
٣٤٦
آیة رقم (٧)
٣٦٧
آية رقم (٨)
٣٦٩
آية رقم (٩)
٣٧٠
التفسير الإشاري
آية رقم (١٠)
٣٧١
آية رقم (١١)
٣٧٣