النص المفهرس
صفحات 461-480
الآية : ٤٢ ٤٦١ سُؤٌوَلاَ هُود! فـ (معْزِل)) - بالكسر - اسمُ مكان العُزلة، وهي إما حقيقيةٌ أو مَجازيةٌ، وقد يكون اسمَ زمان، وإذا فتح كان مصدراً. وقيل: المراد: كان في مَعْزِل عن الكُفَّار قد انفردَ عنهم، وظنَّ نوح عليه السلام أنه يُريد مفارقَتهم، ولذلك دعاه إلى السفينة. وقيل: إنما ناداه لأنه كان يُنافقه، فظنّ أنه مؤمن، واختاره كثيرٌ من المُحقِّقين، کالماتريدي(١) وغيره. وقيل: كان يعلم أنه كافرٌ إلى ذلك الوقت، لكنه عليه السلام ظَنَّ أنه عند مشاهدةِ تلك الأهوال وبلوغ السيل الزُّبی ينزجز عما كان عليه، ويقبل الإيمان. وقيل: لم يَجْزِمْ بدخوله في الاستثناء لما أنه كان كالمُجمل، فحملَتْه شَفقةُ الأُبُوَّة على أنْ ناداه. ﴿يَبُنَّ﴾ بفتح الياء التي هي لامُ الكلمة اجتزاءً بالفتحة على الألف المُبدلة من ياء الإضافة في قوله: يا بُنَّا، وقيل: إنها سقطَتْ لالتقائها ساكنةً مع الراء الساكنة بعدَها، ويُؤَيِّد الأول أنه قُرئ كذلك حيث لا ساكنَ بعد. ومن الناس مَن قال: فيه ضعف، على ما حكاه يونس من ضَعْفِ: يا أبَ ويا أُمَّ، بحذف الألف والاجتزاء عنها بالفتحة. وقرأ الجمهور بالكسر(٢) اقتصاراً عليه من ياء الإضافة، وقيل: إنها حُذفت لالتقاء الساكنين كما قيل ذلك في الألف. ونداؤه بالتصغير من باب التحثُّن والرأفة، وكثيراً ما يُنادي الوالدُ ولدَه كذلك. ﴿أَرْكَبِ مَّعَنَا﴾ أي: في السفينة، ولِتعيُّنها وللإيذان بضيقِ المُقام حيث حال الجَرِيضُ دون القَريضِ(٣) مع إغناء المعية عن ذِكْرها لم تُذْكَر، وأَطلق الركوبَ. (١) في التأويلات ٥٢٩/٢. (٢) قرأ عاصم: (يا بُنَيَّ) بفتح الياء، وقرأ الباقون بكسرها. التيسير ص١٢٤، والنشر ٢٨٩/٢. (٣) قوله: حال الجَريضُ دون القَرِيض. مَثَلُ يضرب للأمر يقدر عليه أخيراً حين لا ينفع. ذكره الميداني في مجمع الأمثال ١٩١/١، والجريض: الغُصَّة، من الجَرَض، وهو الريق يُغَصُّ به. والقريض: الشِّعر. ٤٦٢ الآية : ٤٣ وتخفيفُ الباء وإدغامُها في الميم قراءتان سبعيتان (١)، ووجُه الإدغام التقاربُ في المخرج. ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ تأكيدٌ للأمر، وهو نهيٌّ عن مُشايعة (٢) الكَفَرة والدخولِ في غمارهم، وقَطْعٌ بأنَّ الدخولَ فيه يُوجب الغَرَق على الطريق البرهاني. ﴿قَالَ سَشَاوِىّ﴾ أي: سأَنضمّ ﴿إِلَى جَبَلٍ﴾ من الجبال، وقيل: عنى طورزيتا ﴿يَعْصِمُنِ﴾ أي: يحفظُني بارتفاعه ﴿مِنَ الْمَلَمْ﴾ فلا يَصِلُ إليَّ. قال ذلك زعماً منه أن ذلك كسائر المياه في أَزمنةِ السُّيول المُعتادة التي ربما يُتَّقى منها بالصعود إلى مرتفع، وجهلاً منه بأنَّ ذلك إنما كان لإهلاك الكَفَرة، فلا بدَّ أنْ يُدرِكَهم ولو كانوا فِي قُلَل الجبال. ﴿قَالَ﴾ مُبيِّناً له حقيقةَ الحال، وصارفاً له عن ذلك الفِكر المُحال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ نفيٌّ لجنس العاصم المُنتظِم لنفي جميع أفراده ذاتاً وصفةً للمبالغة في نفي كون الجبل عاصماً، وزاد ((اليوم)) للتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام التي تقع فيها الوقائع وتلمُّ فيها المُلِمَّات المعتادة التي ربما يُتخلّص منها بالالتجاء إلى بعض الأسباب العادية. وعبَّر عن الماء في محل إضماره بأمر الله، أي: عذابه الذي أُشير إليه أولاً بقوله سبحانه: (حََّ إِذَا جَآءَ أَغْرُنَا) تفخيماً لشأنه وتهويلاً لأمره، وتنبيهاً لابنه على خطئه في تسميته ماءً، وتَوَهُّمِه أنه كسائر المياه التي يُتُخَلَّص منها بالهرب إلى بعض المَهارب المعهودة، وتعليلاً للنفي المذكور؛ فإنَّ أمرَ الله سبحانه لا يُغالَب، وعذابَه لا يُرَدّ، وتمهيداً لحصر العصمة في جَناب الله تعالى عزَّ جاره بالاستثناء، كأنه قيل: لا عاصمَ من أمر الله تعالى إلا هو تعالى. وإنما قيل: ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَّ﴾ تفخيماً لشأنه الجليل جلَّ شأنه وإشعاراً بعلية رحمته بموجب سَبْقها غَضَبَه. (١) قرأ بالإظهار قالون والبزي وخلاد بخلف عنهم، وقرأه بالإظهار بلا خلاف ورش وابن عامر وخلف عن حمزة وفي اختياره وأبو جعفر. والباقون بالإدغام قولاً واحداً؛ وهم: قُنبل والبصريان والكسائي وعاصم. النشر ١١/٢، والبدور الزاهرة ص١٥٦ . (٢) في الأصل: متابعة. الآية : ٤٣ ٤٦٣ وَلَ هُود كلُّ ذلك لكمال عنايته عليه السلام بتحقيق ما يتوجّاه من نجاة ابنهٍ ببيان شأن الداهيةِ، وقطع أطماعه الفارغة، وصَرْف عنانه عن التعلُّل بما لا يُغني عنه شيئاً، وإرشاده إلى العِياذِ بالمُعاذ الحق عزَّ حِماه، ولذا عَدَلَ عما يقتضيه الظاهر من الجواب بقوله: لا يعصمك الجبلُ منه. كذا ذكره بعض المُحقِّقين، وهو أحدُ أوجهٍ في الآية وأقواها. والوجه الثاني: أنَّ عاصماً صيغةُ نسبة، والمراد بالموصول المرحوم، أي: لا ذا عصمة، أي: معصوم إلا مَنْ رَحِمه الله تعالى، وأيّد ذلك بأنه قُرئ: ((إلا مَنْ رُحِم)) بالبناء للمفعول(١). واعترضه في ((الكشف)) بأن فاعلاً بمعنى النسبة قليل. وأُجيب بأنه إنْ أراد قِلَّته في نَفْسه فممنوع، وإنْ بالنسبة إلى الوَصْف فلا يضرّ. والثالث: أن عاصماً على ظاهره، و((مَنْ رَحِم)) بمعنى المرحوم، والاستثناءُ منقطعٌ لا مُتَّصل كما في الوجهين الأولين، أي: لا عاصمَ من أمرِ الله، لكن مَنْ رحمه الله تعالى فهو معصومٌ. وأُورد عليه بأنَّ مثلَ هذا المنقطع قليلٌ؛ لأنه في الحقيقة جملةٌ منقطعة تخالف الأُولى لا في النفي والإثبات فقط، بل في الاسمية والفعلية أيضاً، والأكثرُ فيه مثل: ما جاءني القومُ إلا حماراً. والرابع: أنَّ عاصماً بمعنى معصوم، كدافق بمعنى مَدْفوق وفاتن بمعنى مفتون في قوله: بطيء القيام رخيمُ الكلا م أمسى فؤادي به فاتنا(٢) و(مَنْ رَحِم) بمعنى الراحم، والاستثناء منقطعٌ أيضاً، أي: لا معصوم إلا الراحم، على معنى: لكن الراحمُ يَعْصِمُ مَن أراد. والخامس: أن الكلام على إضمار المكان، والاستثناء متصلٌ، أي: لا عاصمَ (١) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٢٧١/٢، وأبو حيان في البحر ٢٢٧/٥. (٢) البيت في الصحاح (متن)، وتفسير القرطبي ١٢٥/١١، والبحر المحيط ٢٢٧/٥، ورواية الصحاح: رخيم الكلام قطيع القيام .... سُدةُ هُود! ٤٦٤ الآية : ٤٣ إلا مكان مَن رَحِمه الله من المؤمنين، وهو السفينة، قيل: وهو وجهٌ حسنٌ، فيه مُقابلةٌ لقوله: ((يعصمني)) وهو المُرجَّح بعد الأول، والعاصمُ على هذا حقيقة، لكن إسناده إلى المكان مجازيٌّ. وقيل: إنه مجازٌ مُرسَل عن مكان الاعتصام، والمعنى: لا مكانَ اعتصام إلا مكان مَنْ رَحِمه الله، وادُّعي أنه أرجحُ من الكُلِّ؛ لأنه ورد جواباً عن قوله: ((سآوي إلى جبل)) إلخ، وليس بمسلّم. والسادس: ما أبداه صاحب ((الكشف)) عنده، وهو أن المعنى: لا معصوم إلا مكان مَن رحمه الله تعالى، ويُراد به عصمة من فيه على الكِناية، فإن السفينةَ إذا عُصِمَتْ عُصِمَ مَنْ فيها. والسابع: أن الاستثناءَ مُفرَّغ، والمعنى: لا عاصمَ اليوم أحداً أو لأحد إلا من رحمه الله أو لمن رحمه الله سبحانه، وعدَّه بعضُهم أَقْربَها. ولا أظنُّك تعدِلُ بالوجه الأول وجهاً، وهو الذي أختاره. والظاهر على ما قال أبو حيان (١): أنَّ خبر ((لا)) محذوفٌ للعلم به، أي: ((لا عاصم)) موجودٌ، والأكثرُ الحذفُ في مثل ذلك عند الحجازيين، والتزم الحذفَ فيه بنو تميم. ويكون ((اليوم)) منصوباً على إضمار(٢) فعل يدلُّ عليه ((عاصم))، أي: (لا عاصم) يعصمُ اليومَ؛ والجار والمجرور متعلِّقٌ بذلك الفعل، ومنع جواز أن يكون ((اليوم)) منصوباً باسم ((لا)) وأن يكون الجار مُتعلِّقاً به؛ لأنه يلزم حينئذ أن يكون مُعرباً مُنوَّناً للطول. وجوَّز الحوفي أن يكون ((اليوم)) متعلِّقاً بمحذوف وقع خبراً لـ ((لا))، والجار متعلِّق بذلك المحذوف أيضاً، وأن يكون متعلِّقاً بمحذوف هو الخبر، و((اليوم)) في موضع النعت لـ ((عاصم)). وردَّ أبو البقاء(٣) خبريّة ((اليوم)) بأنه ظرفُ زمان، وهو لا يكون خبراً عن الجُثَّة، والتزم كونه معمول ((من أمر الله))، وكونَ الخبر هو الجار والمجرور. (١) في البحر المحيط ٢٢٧/٥. (٢) في (م): إضماره. (٣) في إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٣/ ٢٨٢. الآية : ٤٤ ٤٦٥ سُوَلاَ هُودٍ وردَّ أبو حيان(١) جوازَ النعتية بأنَّ ظرف الزمان لا يكون نعتاً للجُثث كما لا يكون خبراً عنها . ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا ◌ٌلْمَوْجُ﴾ أي: بين نوح عليه السلام وابنهِ، فانقطع ما بينهما من المُجاوبة، قيل: كانا يتراجعان الكلام، فما استتمَّت المراجعة حتى جاءت موجةٌ عظيمةٌ وكان راكباً على فرس قد بَطِرَ وأُعجب بنفسه فالتقمَتْه وفرسَه، وليس في الآية هنا إلا إثباتُ الحيلولة، وأما عِلْمُه عليه السلام بغرقِهِ فلم يحصل إلا بعدُ. وقال الفراء(٢): ((بينهما)) أي: بين ابن نوح عليه السلام والجبل، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم(٣) وأبو الشيخ عن القاسم بن أبي بزة. ١٤٣ وتعقّبه العلامةُ أبو السعود (٤) بأنَّ قوله تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ إنما يتفرَّع على حيلولة الموج بينه عليه السلام وبين ابنهِ، لا بينه وبين الجبل؛ لأنه بمعزل عن كونه عاصماً وإنْ لم يَحُلْ بينه وبين المُلتجأ إليه موج. وأجيب بأن التفريع لا يُنافي ذلك؛ لأن المرادَ: فكان من غير مُهلة، أو هو بناء على ظنّه أن الماء لا يصل إليه. وفي الآية دلالةٌ على غرق سائر الكفرة على أبلغ وجه، فكأنَّ ذلك أمرٌ مُقرَّرُ الوقوع غير مُفتقِر إلى البيان، وفي إيراد ((كان)) دون صار مبالغة في كونه منهم. ﴿وَقِيلَ يَتَأَرْضُ أَبْكَمِى﴾ أي: أَنشفي، استُعير من ازدراد الحيوان ما يأكله للدلالة على أنَّ ذلك ليس كالنَّشف المُعتاد التدريجي، وتخصيصُ البلع بما يُؤكل هو المشهور عن اللُّغويين، وقال الليث: يقال: بَلِعَ الماءَ، إذا شَرِبِه، وهو ظاهرٌ في أنه غير خاصٌّ بالمأكول، وذكر السيدُ أن ذلك مجازٌ. وأخرج ابن المنذر وغيره عن وهب بن مُنَبِّه أن البَلع بمعنى الازدراد لغةٌ حبشية(٥). وأخرج أبو الشيخ عن (١) في البحر المحيط ٢٢٧/٥. (٢) في معاني القرآن ٢/ ١٧. (٣) في تفسيره ٢٠٣٥/٦. (٤) في تفسيره ٢١١/٤. (٥) وأخرجه ابن أبي حاتم ٢٠٣٦/٦. سِوَاهُود! ٤٦٦ الآية : ٤٤ جعفر بن محمد عن أبيه أنه بمعنى الشُّرب لغةٌ هندية(١). ﴿مَآءَكٍ﴾ أي: ما على وجهك من ماء الطُّوفان، وعبَّر عنه بالماء بعد ما عبّر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى؛ لأن المَقامَ مقامُ النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل. ﴿وَنَسَمَُّ أَقْلِ﴾ أي: أمسكي عن إرسال المطر، يقال: أَقلعتِ السماءُ، إذا انقطع مَطَرُها؛ وأقلعت الحُمَّى إذا كَفَّتْ. والظاهرُ أنَّ المطر لم ينقطع حتى قيل للسماء ما قيل، وهل فورانُ الماء كان مستمرّاً حتى قيل للأرض ما قيل أَمْ لا؟ لم أَرَ فيه شيئاً، والآية ليست نصّاً في أحد الأمرين. ﴿وَغِيضَ الْمَآءُ﴾ أي: نَقَصَ؛ يقال: غاضه، إذا نَقَصَه، وجميعُ معانيه راجعةٌ إليه. وقولُ الجوهري(٢): غاض الماء، إذا قلَّ ونَضَبَ، وغيضَ الماءُ: فُعِلَ به ذلك، لا يُخالفه، فإنَّ القِلَّة عينُ النُّقصان، وتفسيرُ ذلك بالنقص مرويٌّ عن مجاهد. ﴿وَقُضِىَ الْأَثْرُ﴾ أي: أُنجز ما وعد الله تعالى نوحاً عليه السلام من إهلاك كُفَّار قومه وإنجائه بأهله المؤمنين، وجُوِّز أن يكون المعنى: أُتِمَّ الأمر. ﴿وَأَسْتَوَتْ﴾ استقرَّت يقال: استوى على السرير، إذا استقرَّ عليه ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ بتشديد الياء، وقرأ الأعمش وابن أبي عَبْلَ بتخفيفها(٣)، وهما لغتان كما قال ابن عطية(٤). وهو جبلٌ بالمَوْصل، أو بالشام، أو بآمُل؛ بالمد وضم الميم(٥)، والمشهور الأول. وجاء في بعض الآثار أن الجبال تشامَختْ إذْ ذاك وتواضعَ هو الله تعالى شأنه، فأكرمه الله سبحانه باستواء السفينة عليه، ومَن تواضعَ لله سبحانه رَفَعه. (١) الدر المنثور ٣٣٥/٣. (٢) في الصحاح (غيض). (٣) القراءات الشاذة ص ٦٠، والدر المصون ٣٣٤/٦. (٤) في المحرر الوجيز ١٧٦/٣ . (٥) آمُل: بضم الميم اسم أكبر مدينة بطبرستان. معجم البلدان ١/ ٥٧. وجاء في معاني الزجاج ٥٥/٣: آمِد. قال ياقوت في معجمه ٥٦/١: آمِد، بكسر الميم: أعظم مدن ديار بكر وأجلها قدراً. الآية : ٤٤ ٤٦٧ سُؤَالُ هُود وكان استواؤها عليه يومَ عاشوراء؛ فقد أخرج أحمد وغيره عن أبي هريرة قال: مرَّ النبيُّ وَّر بأُناسٍ من اليهود وقد صاموا يومَ عاشوراء، فقال: ((ما هذا الصوم؟)) فقيل: هذا اليومُ الذي أَنجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل من الغَرَق، وغَرَّقَ فيه فرعونَ، وهذا يومٌّ استوَتْ فيه السفينةُ على الجوديّ، فصامه نوحٌ وموسى عليهما السلام شكراً لله تعالى. فقال النبي ◌َّر: ((أنا أحقُّ بموسى عليه السلام، وأحقُّ بصوم هذا اليوم)) فصامه وأمر أصحابه بالصوم(١). وأخرج الأصبهاني في ((الترغيب)) عنه ◌َُّه أنه اليوم الذي وُلِدَ فيه عيسى عليه السلام أيضاً، وأنَّ صيامَهَ يعدِلُ سنةً مبرورة (٢). وكان ركوبُه عليه السلام - فيما رُوي عن قتادة - في عَشْرٍ خَلَوْنَ من رجب(٣). وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه مرفوعاً: ((أنه عليه السلام رَكِبَ في أول يوم من رجب، فصام هو ومَنْ معه، وجَرَتْ بهم السفينة ستةً أشهر، فانتهى ذلك إلى المُحرَّم، فأرسَتْ السفينة على الجُوديّ يومَ عاشوراء، فصام نوحٌ عليه السلام وأَمر جميعَ من معه من الوحش والدوابِّ فصامُوا شكراً لله))(٤). وفي بعض الآثار أنها طافَتْ بهم الأرضَ كلَّها، ولم تدخل الحرم لكنها طافَتْ به أسبوعاً (٥)، وأنَّ الحجرَ الأسود خُبئ في جبل أبي قُبيس(٦)، وأنَّ البيتَ رُفع إلى السماء. (١) مسند أحمد (٨٧١٧)، وفي إسناده عبد الصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه. وعبد الصمد ضعيف، ووالده مجهول. تقريب التهذيب. وأخرجه-دون ذكر قصة نوح عليه السلام- البخاري (٢٠٠٤)، ومسلم (١١٣٠) من حديث ابن عباس (٢) الدر المنثور ٣٣٥/٣. (٣) أخرجه الطبري ١٢/ ٤٢١ . (٤) تفسير الطبري ٤١٩/١٢. وأورده الحافظ ابن حجر في الإصابة ٣٣٦/٧ بهذا الإسناد ثم قال: وهذا مقلوب، وفيه انقطاع، والصواب رواية عبد الغفور عن أبيه عبد العزيز، عن أبيه سعيد، هذا من حيث السند، وإلا فرجاله ما بين ضعيف ومجهول. (٥) أي: سبع مرات. النهاية (سبع)، وهذا من الإسرائيليات الباطلة التي لا أساسَ لها من الصحة . (٦) هو جبل بمكة. القاموس المحيط (قبس). سُوَلاَ هُود! ٤٦٨ الآية : ٤٤ وفي رواية ابن عساكر عن مجاهد أنه لم يدخل الحرم من الماء شيء(١). والظاهرُ على هذا أنه لا خبء كما أنه لا رَفْعَ، وعندي أنَّ روايةَ تُبوتهما جميعاً مما لا تكاد تَصِحّ، وبفرض صِحَّتها لا يظهر لي سرُّ رَفْع البيت بلا حجر، وخبء الحَجَر بلا بيت، بل عندي في رفع البيت مطلقاً تردّدٌ، وإنْ كنتُ ممن لا يتردّد في أن الله تعالى على كلّ شيء قدير. ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: هلاكاً لهم، واللامُ صلةُ المصدر، وقيل: متعلّق بقيل، وأنَّ المعنى: قيل لأجلهم: بُعداً. وهو خلافُ الظاهر. والتعرُّض لوصف الظلم للإشعار بعليته للهلاك، ولِتذكير ما سبق في قوله سبحانه: (وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَّأْ). ولا يخفى ما في هذه الآية أيضاً من الدلالة على عموم هلاك الكفرة، ويشهد لذلك آياتٌ أُخَر وأخبارٌ كثيرة، بل فيها ما هو على علَّاته ظاهرٌ في عموم هلاك من على الأرض ما عدا أهل السفينة؛ فعن عُبيد بن عُمير أنَّ فيمن أصاب الغَرق امرأةً معها صبيٌّ لها، فوضَعَتْه على صَدْرها، فلما بلغها الماء وضعته على مَنْكِبها، فلما بلغها الماء وضعته على يديها، فقال الله سبحانه: لو رَحِمتُ أحداً من أهل الأرض لرحمتها، ولكن حقَّ القولُ مني(٢). وزعم بعضُهم أنه لم ينجُ أحدٌ من الكفّار سوى عُوج بن عُوق، وكان الماء يصل إلى حُجْزته(٣)، وسبب نجاته أن نوحاً عليه السلام احتاجَ إلى خشب ساج، فلم يُمكِنه نَقْله، فحملَه ◌ُوج من الشام إليه عليه السلام، فنجَّاه الله تعالى من الغَرَق لذلك، وظاهرُ كلام ((القاموس)) يقتضي نَجاته؛ فقد ذكر فيه عُوج بن عُوق - بضمِّهما - رجلٌ وُلِدَ في منزلِ آدَمَ عليه السلام، فعاش إلى زمن موسى عليه السلام(٤). (١) تاريخ ابن عساكر ٢٥٠/٦٢. (٢) الدر المنثور ٣٣٢/٣، وهو قطعة من حديث أخرجه الطبري ٣٩٤/١٢، والحاكم ٣٤٢/٢ من حديث عائشة وثنا، وفي إسناده موسى بن يعقوب، قال الذهبي في التلخيص: إسناده مظلم، وموسى ليس بذاك. (٣) حُجزة الإزار: مَعْقِدُه. مختار الصحاح (حجز). (٤) القاموس المحيط (عوج). الآية : ٤٤ ٤٦٩ سُؤَلاَ هُود! والحقُّ أنه لم يَنْجُ أحدٌ من الكُفَّار أصلاً، وخبر عُوج يرويه هيَّان ابن بيَّان، فلا تَعُجْ إلى القول به. ولا يُشكل إغراقُ الأطفال الذين لا ذنبَ لهم؛ لِمَا أنه مجرد سبب للموت بالنسبة إليهم، وأيُّ محذور في إماتةٍ مَنْ لا ذنبَ له؟ وفي كلِّ وقت يُميت اللهُ سبحانه مِن ذلك ما لا يُحصى، وهو جلَّ شأنه المالك الحقُّ والمتصرِّف المُطلق، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يُريد. ولا يُحتاج في الجواب إلى ما أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن عبد الله بن زياد بن سمعان عن رجال سمَّاهم، أنَّ الله تعالى أعقمَ رجالَهم قبل الطوفان بأربعين عاماً، وأَعقمَ نساءهم، فلم يتوالدوا أربعين عاماً منذ دعا نوٌ عليه السلام حتى أدركَ الصغيرُ فبلغَ الحِنْثَ، وصارت لله تعالى عليهم الحُجَّة، ثم أنزل السماءَ عليهم بالظُوفان(١). إذْ يبقى عليه - مع ضَعْفه والتعارُضِ بينه وبين الخبر السابق آنفاً - أمرُ إهلاكِ ما لم يكن في السفينةِ من أنَّ نوحاً عليه السلام لما حَمَلَ مَنْ الحيوانات، وقد جاء عن جعفر الصادق حَمَلَ في السفينة رأتِ البهائم والوحشُ والسِّباعُ العذابَ، فجعلَتْ تلحسُ قَدَمَه عليه السلام وتقول: إِحْمِلنا معك، فيقول: إنما أُمرتُ أنْ أحملَ مِنْ كلِّ زوجين اثنين. ولم يحملها . وكذا لا يُحتاج إلى الجواب بأنَّ الله تعالى إنما أهلك أولئك الأطفال لِعلمه جلَّ شأنه بما كانوا فاعلين - وذلك كما يقال في وجه إدخالِ أطفالِ الكُفَّار النار يومَ القيامة، على قول مَنْ يراه - لِمَا أنَّ فيه ما فيه. وبالجملة إماتةُ الأحياء بأيِّ سببٍ كان دفعةً أو تدريجاً مما لا مَحذورَ فيه، ولا يُسأل عنه. هذا، واعلم أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ قد بلغت من مراتبِ الإعجاز أقاصيَها، واستذلَّتْ مصاقعَ العرب فسفعَتْ بنواصيها، وجَمعتْ من المحاسن ما يضيقُ عنه نِطاق البيان، وكانت من سَمْهَري(٢) البلاغة مكان السِّنان، يُروى أنَّ كُفَّار قريش (١) تاريخ ابن عساكر ٢٤٩/٦٢. (٢) السَّمهري: الرمح الصلب، والمنسوب إلى سَمْهر زوج ردينة، وكانا مُثَقِّفَيْن للرماح. القاموس المحيط (سمهر). ٤٧٠ الآية : ٤٤ قصدوا أنْ يُعارِضوا القرآنَ، فعكفوا على لُباب البُرّ ولحوم الضأن وسُلاف الخمر(١) أربعين يوماً لِتصفو أذهانُهم، فلما أخذوا فيما قصدوه، وسمعوا هذه الآيةَ قال بعضُهم لبعض: هذا الكلام لا يُشبه كلامَ المخلوقين فتركوا ما أخذوا فيه، وتفرَّقوا(٢). ويروى أيضاً أن ابن المُقَفَّع - وكان كما في ((القاموس)) فصيحاً بليغاً (٣)، بل قيل: إنه أفصحُ أهل وقته - رام أن يعارض القرآن، فنَظَم كلاماً وجعله مفصَّلاً وسمّاه سوراً، فاجتاز يوماً بصبيٍّ يقرؤها في مكتبٍ، فرجع ومحا ما عمل، وقال: أشهد أنَّ هذا لا يُعارَضُ أبداً، وما هو من كلام البشر. ولا يخفى أنَّ هذا لا يستدعي أن لا يكون سائر آيات القرآن العظيم معجزاً، لِمَا أنَّ حدَّ الإعجاز هو المرتبةُ التي يعجزُ البشر عن الإتيان بمثلها، ولا تدخل على قُدرته قطعاً، وهي تشتمل على شيئين: الأول: الطرفُ الأعلى من البلاغة، أعني ما ينتهي إليه البلاغةُ ولا يتصوَّر تجاوزها إياه. والثاني: ما يَقْرُبُ من ذلك الطرف، أعني المراتبَ العَلِية التي تتقاصَرُ القوى البشريةُ عنها أيضاً. ومعنى إعجازِ آيات الكتاب المجيد بأسرها هو كونُها مما تتقاصَرُ القوى البشريةُ عن الإتيان بمثلها سواءٌ كانت من القسم الأول أو الثاني، فلا يضرُّ تفاؤُتُها في البلاغة، وهو الذي قاله علماءُ هذا الشأن، وأنشد بعضُ الفرس في ذلك: (١) سُلاف الخمر: أخلصُها وأفضلُها، وذلك إذا تحلَّب من العنب بلا عصر ولا مَرْث. اللسان ومعجم متن اللغة (سلف). (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٢/ ١٦٠ . (٣) القاموس (قفع)، وابن المقفع واسمه بعد إسلامه عبد الله كان من مجوس فارس، فأسلم على يد الأمير عيسى عمِّ السفاح، وهو الذي عرَّب كليلة ودِمْنة، وكان مع سعة فضله وفرط ذكائه فيه طيش، وكان يُتَّهم بالزندقة، قُتل بأمر المنصور سنة (١٤٥ هـ). السير ٢٠٨/٦، ولسان الميزان ٣٦٦/٣. الآية : ٤٤ ٤٧١ سُوَلاَ هُود! دَرْ بَيَان ودَرْ فَصَاحَتْ کِي بُوَدْ یَكْسَان سُخَنْ وَرْجه كوينْدَه ◌ُود جون حافظ وجون أصمعي دَرْ كلامٍ إِيزد بيجون که وَحْي مَنْزِلَسْت كي بُوَدْ تَبَّتْ يَدَا جون قيل يا أرض ابلعي(١) وقد فضَّل بعضَ مزايا هذه الآيةِ المَهَرةُ المُتْقِنون، وتركوا من ذلك ما لا يكاد يَصِفُه الواصفون، ولا بأس بذكر شيء مما ذُكر؛ إفادةً لجاهلٍ وتذكيراً لفاضلٍ غافلٍ، فنقول: ذكر العلّامة السكاكي أنَّ النظر فيها من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني، وهما مرجعا البلاغة. ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية. أمَّا النظرُ فيها من جهة علم البيان، وهو النظرُ فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية، وما يتَّصلُ بذلك من القرينة والترشيح والتعريض، فهو أنه عزَّ سلطانُه لَمَّا أراد أن يبيِّن معنى: أردنا أن نَردَّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتدَّ، وأن نقطعَ طوفان السماء فانقطع، وأن نغيضَ الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح عليه السلام وهو إنجازُ ما كنّا وعدناه من إغراق قومه فقُضي، وأن نسوِّي السفينة على الجوديِّ فاستوت، وأبقينا الظّلَمَة غَرْقَى = بَنَّى سبحانه الكلامَ على تشبيه المراد منه بالمأمور الذي لا يتأتَّى منه - لكمال هيبته من الآمر - العصيانُ، وتشبيهِ تكوينِ المراد بالأمر الجَزْمِ النافذ في تكوُّن المقصود، تصويراً لاقتداره سبحانه العظيم، وأنَّ هذه الأجرَامَ العظيمة من السماوات والأرض تابعةٌ لإرادته تعالى إيجاداً وإعداماً، ولمشيئته فيها تغييراً وتبديلاً، كأنها عقلاء مميِّزون قد عرفوه جلَّ شأنُه حقَّ معرفته، وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحُكْمِه، وتحثَّم بذلُ المجهود عليهم في تحصيل مراده، وتصوَّروا مزيدَ اقتدارِهِ، فعظّمَتْ مهابتُه في نفوسهم، وضَرَبتْ سرادقها في أفنية ضمائرهم، فكما يلوحُ لهم إشارته سبحانه كان المشارُ إليه مقدَّماً، وكما يَرِدُ عليهم أمرُه تعالى (١) ومعناه بالعربية: متى كان الكلام سواءً في الفصاحة والبيان، ولو كان لقائل مثل حافظ الشيرازي والأصمعي؟ وفي كلام الله الذي منزلته الوحي، كيف يكون ((تبت يدا)) مثل ((قيل يا أرض ابلعي»؟. سُوٌَّلاَ هُود! ٤٧٢ الآية : ٤٤ شأنُه كان المأمور به متمماً، لا تَلقِّيَ لإشارته بغير الإمضاء والانقياد، ولا لأَمْرِه بغير الإذعان والامتثال. ثم بنى على مجموع التشبيهين نَظْمَ الكلام، فقال جل وعلا: (وَقِيلَ) على سبيل المجازِ عن الإرادة من باب ذِكْرِ المسبَّب وإرادةِ السبب؛ لأنَّ الإرادة تكون سبباً لوقوع القول في الجملة، وجَعَلَ قرينة هذا المجاز خطابَ الجماد وهو ((يا أرض)) و(يا سماء))، إذ يصحُّ أن يراد حصولُ شيءٍ متعلِّقٍ بالجماد ولا يصحُّ القولُ له، ثم قال سبحانه كما ترى: (يَأَرّضُ) (وَيَسَمَاءُ) مخاطباً لهما على سبيل الاستعارة للشَّبَهِ (١) المذكور(١). والظاهر أنه أراد أنَّ هناك استعارةً بالكناية، حيث ذُكر المشبّهُ، أعني السماءَ والأرضَ المرادَ منهما حصولُ أمرٍ، وأُريد المشبَّهُ به، أعني المأمورَ الموصوفَ بأنه لا يتأتَى منه العصيان ادِّعاءً بقرينةِ نسبة الخطاب إليه ودخولِ حرف النداء عليه، وهما من خواصِ المأمور المطيع، ويكون(٢) هذا تخييلاً. وقد يقال: أراد أنَّ الاستعارة هاهنا تصريحيةٌ تبعيةٌ في حرف النداء بناءً على تشبيه تعلُّق الإرادة بالمراد منه بتعلُّق النداء والخطاب بالمنادى المخاطَب، وليس بشيءٍ؛ إذ لا يحسنُ هذا التشبيهُ ابتداءً، بل تبعاً للتشبيه الأول، فكيف يُجعل أصلاً لمتبوعه؟! على أنَّ قوله: للشبه المذكور، يدفع هذا الحمل. ثم استعار لغورِ الماء في الأرض البلعَ الذي هو إعمالُ الجاذبة في المطعوم للشَّبه بينهما، وهو الذهابُ إلى مقرٍّ خفيٍّ(٣). وفي ((الكشاف)) جَعَلَ البَلْعَ مستعاراً لنَشْفِ الأرضِ الماءَ(٤)، وهو أولى، فإنَّ النشفَ داٌّ على جَذْبٍ من أجزاء الأرضِ لِمَا عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان، ولأنَّ النشف فعلُ الأرض والغور فعلُ الماء، مع الطباق بين الفعلين تعدِّياً . (١) مفتاح العلوم ص٤١٧-٤١٨ . (٢) في الأصل: وقد يكون. (٣) مفتاح العلوم ص٤١٨. (٤) الكشاف ٢/ ٢٧١. الآية : ٤٤ ٤٧٣ سُوَلاَ هُود! ثم استعار الماء للغذاء استعارةً بالكناية تشبيهاً له بالغذاء، لتقوِّي الأرضِ بالماء في الإنبات الزروع والأشجار تقوِّيَ الآكل بالطعام، وجَعَل قرينةَ الاستعارة لفظةً (بلعي)) لكونها موضوعةً للاستعمال في الغذاء دون الماء(١). ولا يخفى عليك إذا اعتبر مذهب السلف في الاستعارة يكون ((ابلعي)) استعارةً تصريحيةً، ومع ذلك يكون بحسب اللفظ قرينةً للاستعارة بالكناية في الماء، على حدٍّ ما قالوا في ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وأما إذا اعتبر مذهبه فينبغي أن يكون البلع باقياً على حقيقته كالإنبات في: أنبت الربيعُ البقلَ، وهو بعيد، أو يُجعل مستعاراً لأمرٍ متوهّمٍ كما في: نطقت الحالُ، فيلزمه القول بالاستعارة التبعية كما هو المشهورُ. ثم إنه تعالى أَمَرَ على سبيل الاستعارة للتشبيه الثاني، وخاطب في الأمر ترشيحاً (٢) لاستعارة النداء والحاصل أنَّ في لفظ ((ابلعي)) باعتبارِ جوهره استعارةً لغور الماء، وباعتبارٍ صورته - أعني كونَه صورةً أمرٍ - استعارة أخرى لتكوين المراد، وباعتبار كونه أمرَ خطاب ترشيح للاستعارة المكنية التي في المنادى فإن قرينتها النداء، وما زاد على قرينة المكنية يكون ترشيحاً لها. وأمَّا جَعْلُ النداء استعارةً تصريحيةً تبعيةً حتى يكون خطابُ الآمر ترشيحاً لها فقد عَرَفْتَ ما فيه. ثم قال جلَّ وعلا: ((ماءك)) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً الاتّصال الماء بالأرض باتِّصال الملك بالمالك، واختار ضمیر الخطاب لأَجْلِ الترشيح(٣). وحاصلُه أنَّ هناك مجازاً لغويّاً في الهيئة الإضافية الدالّة على الاختصاص الملكيِّ، ولهذا جعل الخطاب ترشيحاً لهذه الاستعارة من حيث إنَّ الخطاب يدلُّ على صلوح الأرض للمالكية، فما قيل: إنَّ المجاز عقليٌّ والعبارة مصروفةٌ عن الظاهر، ليس بشيءٍ. (١) مفتاح العلوم ص٤١٨. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق. سؤالاً هُود! ٤٧٤ الآية : ٤٤ ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاعَ الذي هو تركَ الفاعِلِ الفعلَ؛ للشبه بينهما في عُدْمِ ما كان من المطر أو الفعل(١). ففي ((أقلعي)) استعارةٌ باعتبارٍ جوهره، وكذا باعتبار صيغته أيضاً، وهي مبنيةٌ على تشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ، والخطابُ فيه أيضاً ترشيحٌ لاستعارة النداء، والحاصلُ أنَّ الكلام فيه مثلُ ما مرَّ في «ابلعي)). ثم قال سبحانه: (وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِّ وَقِيلَ بُعْدًا) فلم يصرِّح جلَّ وعلا بمن غاضَ الماء، ولا بمن قَضَى الأمر وسوَّى السفينةَ وقال بُعْداً، كما لم يصرِّح سبحانه بقائل ((يا أرض)) ((ويا سماء)) في صدر الآية سلوكاً في كلِّ واحدٍ في ذلك لسبيل الكناية؛ لأنَّ تلك الأمورَ العظامَ لا تَصْدُرُ إلَّا من ذي قدرةٍ لا يُكْتَنَه، قَهَّارٍ لا يغالَبُ، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيرُه جلَّت عظمتُه قائلاً: (يا أرض)) ((ويا سماء))، ولا غائضَ ما غاضَ، ولا قاضي مثلَ ذلك الأمرِ الهائل، أو أن يكون تسويةُ السفينة وإقرارُها بتسويةٍ غيره(٢). والحاصلُ أنَّ الفعل إذا تعيَّن لفاعلٍ بعينه استتبع لذلك أن يُتْرَكَ ذكرُه ويُبْنَى الفعلُ لمفعوله، أو يُذْكَر ما هو أثرٌ لذلك الفعل على صيغة المبنيِّ للفاعل ويُسند إلى ذلك المفعول، فيكون كنايةً عن تخصيص الصفة التي هي الفعلُ بموصوفها . وهذا أولى مما قيل في تقرير الكناية هنا: إنَّ ترك ذكرٍ الفاعل وبناءً الفعل للمفعول من لوازم العلم بالفاعل وتعيُّنِهِ لفاعلية ذلك الفعل، فذُكر اللازمُ وأريدَ الملزومُ لِمَا أنَّ ((استوت)» غيرُ مبنيٌّ للمفعول كـ ((قيل)) و((غيض)). ثم إنه تعالى خَتَم الكلامَ بالتعريض، تنبيهاً لسالكي مسلكِ أولئك القوم في تكذيب الرسل عليهم السلام ظلماً لأنفسهم لا غير، خَتْمَ إظهارٍ لمكانِ السخطِ ولجهةِ استحقاقِهم إياه، وأنَّ قيامةَ الظُوفان وتلك الصورةَ الهائلةَ ما كانت إلا لظلمهم(٣)، كما يؤذِنُ بذلك الدعاءُ بالهلاك بعد هلاكهم، والوصف بالظلم مع تعليق الحکم به . (١) المصدر السابق دون قوله: من المطر أو الفعل. (٢) مفتاح العلوم ص٤١٩ . (٣) المصدر السابق. الآية : ٤٤ ٤٧٥ سُؤْرَةُ هُود! وذَكَر بعضُهم أنَّ البعد في الأصل ضدُّ القرب، وهو باعتبارِ المكان ويكون في المحسوس، وقد يقال في المعقول نحو ﴿ضَلُواْ ضَلَلأْ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] واستعمالُه في الهلاك مجازٌ، قال ناصر الدين: يقال: بَعُدَ بُعْداً بضمٌّ فسكون وبَعَداً بالتحريك، إذا بَعُدَ بُعْداً بعيداً بحيث لا يُرْجَى عودُه، ثم استُعير للهلاك وخُصَّ بدعاء السوء(١). ولم يفرِّق في ((القاموس))(٢) بين صيغتي الفعل في المعنيين حيث قال: البعدُ معروفٌ والموتُ، وفعلُهما ككَرُمَ وفَرِحَ(٣)، بُعْداً وبَعَداً. فافهم. وزعم بعضُهم أنَّ الأرض والسماء أُعطيتا ما يعقلان به الأمرَ، فقيل لهما حقيقةً ما قيل، وأنَّ القائل ((بعداً) نوح عليه السلام ومَن معه من المؤمنين. ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ الظاهر، ولا أثرَ فيه يعوَّلُ عليه، والكلامُ على الأول أبلغ. وأمَّا النظرُ فيها من جهة علم المعاني، وهو النظرُ في فائدة كلِّ كلمةٍ فيها، وجهةِ کلِّ تقدیم وتأخیرٍ فیما بینَ جُملها، فذلك أنه اختیر ((يا)) دون سائر أخواتها لكونها أكثرَ في الاستعمال، وأنها دالَّةٌ على بُعْدِ المنادَى الذي يستدعيه مقامُ إظهارِ العظمةِ، وإبداءِ شأن العزَّة والجبروت، وهو تبعيدُ المنادَى المؤذِنُ بالتهاون به. ولم يقل: يا أرضٍ - بالكسر -؛ لأنَّ الإضافة إلى نفسه جلَّ شأنه تقتضي تشريفاً للأرض وتكريماً لها، فترك إمداداً للتهاوُن. ولم (٤) يقل: يا أيتها الأرض، مع كثرته في نداء أسماء الأجناس، قصداً إلى الاختصار والاحترازِ عن تكلّفِ التنبيه المشعِرِ بالغفلة التي لا تُناسِبُ ذلك المقام. (١) تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٥/ ١٠٢. (٢) مادة (بعد). (٣) قال صاحب التاج: ظاهره أن فعلهما معاً من البابين بالمعنيين، وليس كذلك؛ فإن الأكثر على منع ذلك، والتفرقةِ بينهما، وأن البُعد الذي هو خلاف القرب الفعلُ منه بالضم ککرُم، والبَعَد - محرَّكةً - الذي هو الهلاك الفعل منه بَعِد بالكسر كفَرِح، ومَن جوَّز الاشتراك فيهما أشار إلى أفصحية الضم في خلاف القرب وأفصحية الكسر في معنى الهلاك. حققه شيخنا . (٤) في (م): لم، والمثبت من الأصل والمفتاح ص٤١٩، والكلام منه. سُوَةٌ هُوَدّ ٤٧٦ الآية : ٤٤ واختير لفظُ الأرض والسماء على سائر أسمائهما - كالمقلة والغبراء، وكالمُظِلَّة والخضراء - لكونهما أَخْصَرَ وأَوْرَدَ (١) في الاستعمال، وأَوْفَى بالمطابقة؛ فإنَّ تقابُلَهما إنما اشتهر بهذين الاسمين. واختير لفظ ((ابْلَعي)» على ابتلعي؛ لكونه أَخْصَرَ وأَوْفَرَ تجانساً بـ ((أقلعي))؛ لأن همزة الوصل إن اعتُبرتْ تَسَاوَيا في عدد الحروف، وإلا تقارَبا فيه، بخلاف ابتلعي. وقيل: ((ماءك)) بالإفراد دون الجمع لِمَا فيه من صورة الاستكثار المتأبِّي عنها مقامُ إظهارِ الكبرياء، وهو الوجهُ في إفراد الأرض والسماء. وإنما لم يقل: «ابلعي)) بدون المفعول؛ لئلا يستلزم تركُه ما ليس بمرادٍ من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكناتِ الماء بأسرهنَّ، نظراً إلى مقام عظمةِ الآمِر المهيب وكمالِ انقياد المأمور. ولَما عُلِمَ أنَّ المراد بَلْعُ الماء وحدَه عُلِمَ أنَّ المقصود بالإقلاع إمساكُ السماء عن إرسال الماء، فلم يذكر متعلِّق (أقلعي)) اختصاراً واحترازاً عن الحشو المستغنَى عنه، وهذا هو السببُ في ترك ذِكْرٍ حصول المأمور به بعدَ الأمر، فلم يقل: قيل يا أرض ابلعي فبلَعَتْ، و: يا سماء أقلعي فأقلعت(٢)؛ لأنَّ مقامَ الكبرياء وكمال الانقياد يغني عن ذكره الذي ربما أوهم إمكانَ المخالفة. واختير ((غيض)) على غيَّضَ المشدَّدِ لكونه أخصر. وقيل: ((الماء))، دون: ماء طوفان السماء، وكذا: ((الأمر)) دون: أمرُ نوح، وهو إنجازُ ما وُعِدَ؛ لقصد الاختصار، والاستغناءِ بحرف التعريف عن ذلك؛ لأنه إما بدلٌ من المضاف إليه كما هو مذهبُ الكوفية، وإمَّا لأنه يغني غناءَ الإضافة في الإشارة إلى المعهود. واختير ((استوت)) على سؤِّيَتْ - أي: أُقرَّتْ - مع كونه أنسبَ بأخواته المبنيةِ للمفعول؛ اعتباراً لكون الفعل المقابل للاستقرار أعني الجريان منسوباً إلى السفينة (١) في المفتاح: وأدور. (٢) في الأصل و(م): فقلعت، والمثبت من المفتاح. الآية : ٤٤ ٤٧٧ سُورَةٌ هُود على صيغة المبنيِّ للفاعل في قوله تعالى: (وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ) مع أنَّ ((استَوَتْ)) أخصرُ من سوِيَتْ. واختير المصدر أعني ((بعداً)) على: ليبعد القومُ، طلباً لتأكيد معنى الفعل بالمصدر، مع الاختصار في العبارة وهو نزولُ ((بعداً)) وحده منزلةً: ليبعدوا بعداً، مع فائدةٍ أخرى هي الدلالةُ على استحقاقِ الهلاك بذكر اللام، وإطلاقُ الظلم عن مقيِّداته في مقام المبالغة يفيدُ تناولَ كلِّ نوعٍ، فيدخلُ فيه ظلمهم على أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في التكذّيب، من حيث إنَّ تكذيبهم للرسل ظلمٌ على أنفسهم؛ لأن ضرره يعود إليهم. هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم. وأمَّا من حيث النظرُ إلى ترتيب الجمل، فذلك أنه قدَّم النداء على الأمر، فقيل: (يا أرضُ ابلعي)) ((ويا سماء أقلعي)) دون أن يقال: ابلعي يا أرضُ، وأقلعي يا سماء، جرياً على مقتضى اللازم فيمَن كان مأموراً حقيقةً، من تقديم التنبيه ليتمكَّن الأمرُ الواردُ عقيبه في نفس المنادَى، قصداً بذلك لمعنى الترشيح للاستعارة المكنية في الأرض والسماء. ثم قدَّم أمر الأرض على أمر السماء لكونها الأصلَ نظراً إلى كون ابتداء الطوفان منها، حيث فار تُّورُها أولاً. ثم جعل قوله سبحانه: (وَغِيضَ اَلْمَآءُ) تابعاً لأمر الأرض والسماء لاتصاله بقصة الماء وأَخْذِه بحجزتها، ألا ترى أصل(١) الكلام: قيل يا أرضُ ابلعي ماءك فبلعَتْ ماءَها، ويا سماءُ أقلعي عن إرسال الماء فَأَقْلَعتْ عن إرساله، وغيضَ الماء النازلُ من السماء فغاض(٢). وقيَّد الماء بالنازل وإنْ كان في الآية مطلقاً؛ لأنَّ ابتلاع الأرض ماءَها فُهِمَ من قوله سبحانه: (أَبَعِى مَآءَكٍ). واعتُرض بأنَّ الماء المخصوصَ بالأرض إنْ أريد به ما على وجهها فهو يتناولُ القبيلين الأرضيَّ والسمائيَّ، وإن أريد به ما نبع منها فاللفظُ لا يدلُّ عليه بوجهٍ، ولهذا حمل الزمخشريُّ الماء على مطلقه، وأشعر كلامه بأنَّ ((غيض الماء)» إخبارٌ عن الحصول المأمورِ به من قوله سبحانه: (يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكٍ وَيَسَمَاءُ أَقْلِى)(٣) فالتقدير: قيل لهما ذلك فامتثلا الأمر ونقص الماء. (١) قبلها في الأصل: أن، والمثبت من (م) والمفتاح. (٢) مفتاح العلوم ص٤١٩ - ٤٢٠ . (٣) ينظر الكشاف ٢٧١/٢. سُوَلاَ هُود! ٤٧٨ الآية : ٤٤ ورجّح الطيبيُّ ما ذهب إليه السكاكيُّ زاعماً أنَّ معنى الغيض حينئذٍ ما قاله الجوهريُّ(١)، وهو عنده مخالفٌ للمعنى الذي ذكره الزمخشريُّ، فقال: إنَّ إضافة الماء إلى الأرض لَمَّا كانت ترشيحاً للاستعارة تشبيهاً لاتِّصاله بها باتصال الملك بالمالك، ولذا جيء بضمير الخطاب، اقتضت إخراجَ سائر المياه سوى الذي بسببه صارت الأرض مهيأةً للخطاب بمنزلة المأمور المطيع، وهو المعهودُ في قوله تعالى: (وَفَارَ النَّنُورُ) وبهذا الاعتبار يحصلُ التواغُل(٢) في تناسي التشبيه والترشيح، ولو أجريت الإضافة على غير هذا تكون كالتجريد، وكم بينهما، هذا ولو حمل على العموم لاستلزمَ تعميمَ ابتلاعه المياهَ بأسرها؛ لورود الأمر من مقام العظمة كما علمتَ من كلام السكاكي، وليس بذاك. وتعقَّبه في ((الكشف)) بأنه دعوى بلا دليلٍ وردِّ يمين إذ لا معهود، والظاهر ما على وجه الأرض من الماء، ولا ينافي الترشيحَ وإضافةً المالكية، ثم الظاهرُ من تنزيل الماء منزلة الغذاء أن تجعل الإضافة من باب إضافة الغذاء إلى المغتذي في النفع والتقوية، وصيرورته جزءاً منه، ولا نظر فيه إلى كونه مملوكاً أو غير ذلك، وأمَّا التعميمُ فمطلوبٌ وحاصلٌ على التفسيرين؛ لانحصار الماء في الأرضيِّ والسمائيِّ، وقد قلتُم بنضوبهما من قوله سبحانه: فبلعت(٣)، وقوله تعالى: (وَغِيضَ)، ولا شكَّ أنَّ ما عندنا من الماء غيرُ ماء الطوفان. هذا والمطابقُ تفسيرُ الزمخشريِّ، ألا ترى إلى قوله جلَّ وعلا: ﴿فَلْنَفَى الْمَاءُ﴾ [القمر: ١٢] أي: الأرضيُّ والسمائيُّ، وهاهنا تقدَّم الماءان في قوله سبحانه: (مَآءَكِ وَسَمَاءُ أَقْلِى) لأنَّ تقديره: عن إرسال الماء، على زعمهم، فإذا قيل: ((وغيض الماء)» رجع إليهما لا محالةَ لتقدُّمِهما، ثم إذا جعل من توابع ((أقلعي)) خاصةً لم يَحْسُنْ عطفُه على أصل القصة، أعني ((وقيل يا أرض ابلعي))، كيف وفي إيثار هذا التفسير الإشارةُ إلى أنه زال كونُه طوفاناً؛ لأنَّ نقصان الماء غيرُ الإذهاب بالكلية، (١) سلف كلامه ص٤٦٦ من هذا الجزء. (٢) في الأصل: التوغل. (٣) وهذه الكلمة ليست من الآية، وإنما هي من تقدير السكاكي في معنى الآية، كما سلف عنه من أن أصل الكلام: قيل يا أرض ابلعي ماءك قبلعت .... الآية : ٤٤ ٤٧٩ سُوَلُ هُود وإلى أنَّ الأجزاء الباطنة من الأرض لم تبقَ على ما كانت عليه من قوَّة الإنباع، ورَجَعتْ إلى الاعتدال المطلوب، وليس في الاختصاص بالنضوب هذا المعنى البتة. انتهى. ، على أنَّ الماء المضافَ هو ما نبع وفار، وزعم الطبرسيُّ أنَّ أئمة البيتِ . وأنه هو الذي ابتُلع وغاض لا غير، وأنَّ ماء السماء صار بحاراً وأنهاراً (١). وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبيّ عن ابن عباس ما يؤيِّدُه(٢). وهذا مخالفٌ لِمَا يقتضيه كلامُ السكاكيِّ مخالفةً ظاهرة، وفي القلب من صحته ما فيه. ثم إنه تعالى أَتْبِعَ غَيْضَ الماء ما هو المقصودُ الأصليُّ من القصة، وهو قولُه جلَّت عظمته: (وَقُفِىَ الْأَمْرُ) ثم أَتْبعَ ذِكْرَ المقصود حديثَ السفينة لتأخّره عنه في الوجود، ثم خُتمت القصةُ بالتعريض الذي علمتَه. هذا(٣) كلُّه نظرٌ في الآية من جانبي البلاغة، وأمَّا النظرُ فيها من جانب الفصاحة المعنوية، فهي كما ترى: نَظُمٌ للمعاني لطيفٌ، وتأديةٌ لها ملخّصةً مبيَّنَةً لا تعقيدَ يُعِّرِ الفكرَ في طلب المراد، ولا الْتِواءَ يشيكُ الطريقَ إلى المرتاد، بل إذا جرَّبْتَ نفسك عند استماعها وجدْتَ ألفاظها تسابقُ معانيها، ومعانيها تُسابقُ ألفاظها، فما من لفظةٍ فيها تسبقُ إلى أذنك إلَّ ومعناها أسبقُ إلى قلبك. وأمَّا النظرُ فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظُها على ما ترى عربيةٌ مستعملةٌ جاريةٌ على قوانين اللغة، سليمةٌ عن التنافُر، بعيدةٌ عن البشاعة، عَذْبةٌ على العذبات، سَلِسَةٌ على الأسلات، كلٌّ منها كالماء في السّلالةِ، وكالعَسَلِ في الحلاوة، وكالنسيم في الرِّقَّة، ولله تعالى درُّ التنزيل ماذا جمعت آياته : وعلى تفتُّنٍ واصفيه بحُسْنِه يَفْنَى الزمانُ وفيه ما لم يُؤْصَفِ(٤) وما ذُكر في شرح مزايا هذه الآيةِ بالنسبة إلى ما فيها قطرةٌ من حِياضٍ، وزهرةٌ (١) مجمع البيان ١١/ ١٥٩ . (٢) تاريخ ابن عساكر ٢٤٥/٦٢-٢٤٦، وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات ٤٠/١-٤٢. (٣) في الأصل: وهذا، والمثبت من (م) ومفتاح العلوم ص٤٢١. (٤) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٥٤، وسلف ٢٤٣/١، و٥٩١/١٠. ◌َلاَهُو ٤٨٠ الآية : ٤٤ من رياضٍ، وقد ذكر ابنُ أبي الإصبع أنَّ فيها عشرين ضرباً من البديع مع أنها سبعَ عَشْرةَ لفظةً، وذلك: المناسبةُ التامة في ((ابْلعي)) و((أَقْلعي)»، والاستعارةُ فيهما، والطّباقُ بين الأرض والسماء، والمجازُ في ((يا سماء» فإنَّ الحقيقة: يا مطر السماء، والإشارة في ((وغيض الماء)) فإنه عبَّر به عن معانٍ كثيرةٍ؛ لأنَّ الماء لا يغيضُ حتى يقلعَ مطرُ السماء وتبلعَ الأرض ما يخرج منها، فينقصُ ما على وجه الأرض. والإرداف في ((واستَوتْ))، والتمثيلُ في ((وقضي الأمر))، والتعليلُ فإنَّ ((غيض الماء)» علَّةٌ للاستواء، وصحة التقسيم فإنه استوعبَ أقسام الماء حالَ نَقْصِه، والاحتراس في الدعاء لئلا يتوهّم أنَّ الغرق لعمومه شمل مَن لا يستحقُّ الهلاك، فإنَّ عَدْلَه تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحِقٌّ، وحُسْنُ النسقِ، وائتلافُ اللفظ مع المعنى، والإيجازُ فإنه سبحانه قصَّ القصة مستوعَبةً بأَخْصَرِ عبارةٍ، والتسهيم لأنَّ أول الآية يدلُّ على آخرها، والتهذيبُ لأنَّ مفرداتها موصوفةٌ بصفاتِ الحسن، وحُسْنُ البيان من جهةِ أنَّ السامع لا يتوقَّف في فَهْم معنى الكلام، ولا يُشْكِلُ عليه شيءٌ منه، والتمكينُ لأنَّ الفاصلة مستقرَّةٌ في محلٌّها مطمئنَّةٌ في مكانها، والانسجام(١). وزاد الجلال السيوطيُّ بعد أن نقل هذا عن ابن أبي الإصبع: الاعتراض (٢). وزاد آخرون أشياءَ كثيرةٌ، إلا أنها ككلام ابن أبي الإصبع قد أُشير إليها بإصبع الاعتراض. وقد ألَّف شيخُنا علاء الدين - أَعْلَى الله تعالى درجته في أعلى علِّين - رسالةً في هذه الآية الكريمة، جمع فيها ما ظهر له ووقف عليه من مزاياها، فبلغ ذلك مئةً وخمسين مزيَّةً، وقد تطلَّبْتُ هذه الرسالةَ لأَذْكُر شيئاً من لطائفها فلم أظفر بها، (١) هو أن يكون الكلام لخلوِّه من العقادة منحدراً كتحدُّر الماء المنسجم، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقةً، والقرآن كله كذلك. الإتقان ٢/ ٩٠٨. (٢) الإتقان ٩٣٩/٢. والاعتراض هو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب في أثناء كلام أو كلامين اتصلا معنًى، لنكتةٍ غير دفع الإبهام. وفي الآية اعترض بقوله تعالى ﴿وَقُفِىَ اٌلْأَمْرُ﴾ بين ﴿وَغِيضَ﴾ و﴿وَأَسْتَوَتْ﴾ لأن الاستواء يحصل عقب الغيض. الإتقان ٢/ ٨٧٢.