النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ٣٨
٤٤١
الدِّيك، واجعَلْ لها أبواباً في جنبها وشُدَّها بِدُسُر (١). وأَمره أن يَظْليها بالقارِ، ولم
يكن في الأرض قارٌ، ففجّر اللهُ تعالى له عينَ القار - حيث يَنْحِتُها - يغلي غلياناً حتى
طلاها، الخبر. وفيه أنَّ الله تعالى بعث جبريل عليه السلام فعلَّمه صنعتها(٢).
وقيل: كانت الملائكةُ عليهم السلام تُعلِّمه.
﴿وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوْ﴾ أي: لا تُراجعني فيهم، ولا تَدْعُني باستدفاع
العذاب عنهم، وفيه من المبالغةِ ما ليس فيما لو قيل: ولا تَدْعُني فيهم، وحيث كان
فيه ما يلوِّح بما يستتبعه أكَّد التعليل فقيل: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴾ أي: محكومٌ عليهم
بالإغراق؛ وقد جرى به القضاء وجفَّ القلم، فلا سبيل إلى كَفِّه.
والظاهر أنَّ المرادَ من الموصول من لم يؤمنْ من قومه مطلقاً. وقيل: المرادُ
واعلةُ زوجتُهُ وكنعانُ ابنُه، وليس بشيءٍ.
﴿وَيَصْنَعُ الْقُلْكَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضية لاستحضارِ صورتها العجيبة. وقيل:
تقديره: وأَخذ، أو: أَقبل يصنع الفُلك.
وكانت على ما رُوي عن قتادة وعكرمة والكلبي من خشب الساج، وقد
غَرسه بنفسه، ولم يقطعْه حتى صار طُولُهُ أربعَ مئة ذراع - والذراع إلى المَنْكِب - في
أربعين سنة على ما رُوي عن سلمان الفارسي(٣). وقيل: أبقاه عشرين سنة. وقيل:
مکثَ مئة سنة یغرِسُ ويقطع ومُبِّس.
وقال عمرو بن الحارث: لم يَغْرِسْه، بل قطعه من جَبَل لبنان.
وعن ابن عباس: أنها كانت من خَشَبِ الشمشاذ(٤)، وقطعه من جبل لبنان.
وقيل: إنه ورد في التوراة أنها كانت من الصنوبر.
(١) الدُّسُر جمع الدِّسار، وهي خيوط تُشَدُّ بها ألواح السفينة، وقيل: هي المسامير. مختار
الصحاح (دسر).
(٢) الدر المنثور ٣٢٧/٣، وهو في تاريخ ابن عساكر ٢٤٨/٦٢ - ٢٤٩.
(٣) في الأصل و(م): سليمان الفراسي، ولم نعرفه، والخبر في تاريخ الطبري ١/ ١٨١، وتفسير
القرطبي ١١١/١١، والمثبت منهما.
(٤) الشمشاذ، معرَّب شمشاد، وهو شجر السرو. تاج العروس (شمذ).

سوداُهُودا
٤٤٢
الآية : ٣٨
ورُوي أنه كان سام وحام ويافث يَنْحِتون معه، وفي رواية أنه عليه السلام كان
معه أيضاً أُناسٌ استأجرهم يَنْحِتُون. وذُكر أن طولَها ثلاث مئة ذراع، وعرضها
خمسون، وارتفاعها في السماء ثلاثون.
وأخرج ابنُ جرير(١) وغيره عن الحسن قال: كان طولُها ألفَ ذراع ومئتي
ذراع، وعرضُها ست مئة ذراع، وصنع لها باباً في وسطها .
وأتمَّ صنعها على ما رُوي عن مجاهد في ثلاث سنين. وعن كعب الأحبار: في
أربعين سنة، وقيل: في ستين، وقيل: في مئة سنة، وقيل: في أربع مئة سنة.
واختلف في أنه في أي موضع صَنَعها؟ فقيل: في الكوفة، وقيل: في الهند،
وقيل: في أرض الجزيرة، وقيل: في أرض الشام.
وسفينةُ الأخبار في تحقيق الحال - فيما أرى - لا تصلحُ للركوب فيها؛ إذْ هي
غيرُ سالمةٍ عن عيب، فالحَرِيُّ بحال من لا يَميل إلى الفُضول أن يؤمنَ بأنه عليه
السلام صنعَ الفُلك حسبما قصَّ اللهُ تعالى في كتابه، ولا يخوض في مقدارِ طولها
وعرضِها وارتفاعِها، ومن أيِّ خشب صَنَعها، وبكم مُدَّة أتمَّ عملها، إلى غير ذلك
مما لم يَشْرحه الكتابُ، ولم تُبيِّنْه السنة الصحيحة.
هذا وفي التعبير بـ ((يصنع)) - على ما قيل - ملاءمةٌ للاستمرار المفهوم من
الجملة الواقعة حالاً من ضميره، أَعني قوله تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأْ مِّن
قَوْمِهِ، سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: استهزؤوا به لعمله السفينة، إما لأنهم ما كانوا يعرفونها
ولا كيفيةَ استعمالها، فتعجَبوا من ذلك وسَخِروا منه، ويشهدُ لِعَدَمِ معرفتهم ما رُوي
عن ابن عباس أنه عليه السلام حين قال الله تعالى له: (اصنع الفلك)) قال:
يا ربّ، وما الفُلك؟ قال: بيتٌ من خَشَب يَجري على وجه الماء. قال يا رب:
وأين الماء؟ قال: إني على ما أشاءُ قدير. وإما لأنه عليه السلام كان يصنعها في
بَرِّيَّةٍ بعيدة عن الماء، وكانوا يتضاحكون، ويقولون: يا نوحُ، صرتَ نجاراً بعد
ما كنت نبيّاً. وهذا مَبنيٍّ على أنَّ السفينة كانت معروفةً بينهم. ويشهد له ما أخرجه
ابنُ جرير والحاكم وصحَّحه - وضعَّفه الذهبي - عن عائشة قالت: قال
(١) في تفسيره ٣٩٥/١٢.

الآية : ٣٨
٤٤٣
سُؤَ
رسولُ اللهِ وَر: ((كان نوحٌ قد مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم،
حتى كان آخر زمانه غرس شجرةً فَعَظُمَتْ وذهبتْ كلَّ مَذْهب، ثم قَطَعها، ثم
جعل يعملُها سفينةً. فَيَروْنه ويسألونَه، فيقول: أعملُها سفينةً. فيسخرون منه
ويقولون: تعمل سفينةً في البرّ! وكيف تجري؟! فيقول: سوف تعلمون))(١)
الحدیث.
والأكثرون - كما قال ابن عطية(٢) - على أنهم لم يكونوا رأوا سفينة قط،
ولا كانت إذ ذاك.
وقد ذكر في كُتب الأوَّليات أنَّ نوحاً عليه السلام أولُ من عَمِلَ السفينة، والحقُّ
أنه لا قَطْعَ بذلك. و((كلّ)) منصوبٌ على الظرفية و((ما)) مصدرية وقتية، أي: كلَّ
وقتٍ مرورٍ، والعامل فيه جوابه وهو ((سخروا)).
وقوله سبحانه: ﴿قَالَ إِن نَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأن سائلاً
سأل فقال: فما صنع نوٌ عليه السلام عند بلوغهم منه هذا المَبْلغ؟ فقيل: قال:
(إن تسخروا منا)) لهذا العمل ومباشرةٍ أسبابِ الخلاص من العذاب ((فإنا نسخر
منكم)) لما أنتم فيه من الإعراض عن استدفاعهِ بالإيمان والطاعة، ومن الاستمرارِ
على الكُفر والمعاصي، والتعرُّضِ لأسباب حُلول سخط اللهِ تعالى التي من جُملتها
سُخْريتكم منّا واستهزاؤكم بنا.
وإطلاقُ السُّخرية عليهم حقيقةٌ وعليه عليه السلام لِلمُشاكلة؛ لأنها لا تَليق
بالأنبياء عليهم السلام، وفسَّرها بعضُهم بالاستجهال، وهو مجازٌ؛ لأنه سببٌ
للشُّخرية، فأُطلقت السُّخرية وأُريد سببُها .
وقيل: إنها منه عليه السلام لمَّا كانت الجزائهم مِن جِئْس صَنيعهم لم تَقْبُحْ،
فلا حاجةً لارتكاب خلافِ الظاهر.
وُجُمع الضمير في ((منا)) إما لأنَّ سُخريتهم منه عليه السلام سُخرية من المؤمنين
أيضاً، أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً، إلا أنه اكتفى بذِكْرٍ سُخريتهم منه عليه
(١) تفسير الطبري ٣٩٤/١٢، والمستدرك ٣٤٢/٢.
(٢) في المحرر الوجيز ٣/ ١٧٠ .

سُدَلةُ هُود
٤٤٤
الآية : ٣٨
السلام، ولذلك تعرَّض الجميعُ للمجازاة في قوله: ((نَسْخَرُ منكم)) فتكافأ الكلامُ من
الجانبين.
والتشبيهُ في قوله سبحانه: ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾﴾ إما في مجرَّد التحقُّق والوقوع،
وإما في التجدُّد والتكرُّر حسبما صدرَ عن ملأ بعد ملأ، وقيل: لا مانعَ من أنْ يُرادَ
الظاهرُ، ولا ضررَ في ذلك لحديث الجزاء. ومن هنا قال بعضُهم: إنَّ في الآية
دليلاً على جواز مُقابلةِ نحو الجاهل والأحمق بمثل فِعْله ويشهدُ له قولُه تعالى:
﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى﴾ [البقرة: ١٩٤] ﴿وَجَزَّوْاْ سَيْئَةٍ سَيَِّةُ
مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَإِنْ عَقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] إلى
غير ذلك. والظاهرُ أنَّ كِلَا الفعلين واقعٌ في موقع(١) الحال.
وقال ابنُ جُريج: المعنى: ((إنْ تسخروا مِنّا)) في الدنيا ((فإنا نَسْخرُ منكم)) في
الآخرة. وقيل: في الدنيا عند الغَرَق، وفي الآخرة عند الحَرَق، قال الطبرسي(٢):
إنَّ المرادَ من ((نسخر منكم)) على هذا: نُجازيكم على سُخريتكم، أو نَشْمتُ بكم
عند غَرَقِكم وحَرقکم، وفيه خَفاءٌ.
هذا، وجُوِّز أن يكون عامل ((كلما)) ((قال))، وهو الجواب، وجملة ((سخروا))
صفة لـ (ملأ))، أو بدل من ((مرَّ) بدلَ اشتمال؛ لأنّ مرورَهم للسُّخرية، فلا يضرُّ كونُ
السُّخرية ليست بمعنى المرور ولا نوعاً منه، وأبو حيان جعل ذلك مُبعِداً للبدلية(٣)،
وليس بذلك.
ويلزم على هذا التجويز استمرارُ هذا القولِ منه عليه السلام، وهو ظاهر، وعلى
الإعراب قيل: لا استمرارَ، وإنما أَجابهم به في بعض المرَّات، ورُجّح بأنَّ
المقصودَ بيانُ تناهيهم في إيذائه عليه السلام وتحمُّله لأذَّتهم، لا مسارعته عليه
السلام إلى الجواب كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام.
وقد يقال: إنَّ في ذلك إشارةً إلى أنه عليه السلام بعد أن يَئِسَ من إيمانهم لم
(١) قوله: موقع، ليس في (م).
(٢) في مجمع البيان ١٤٩/١٢ .
(٣) البحر ٢٢١/٥.

الآية : ٣٩
٤٤٥
سُؤَلُ هُود
يُبالِ بإغضابهم، ولذا هدَّدهم التهديدَ البليغ بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن بَأَنِيهِ عَذَابٌ
يُخْزِيدِ﴾ أي: يَفْضَحُه، أو يُذِلُّه، أو يُهْلِكُه، وهي أقوالٌ متقاربةٌ، والمرادُ بذلك
العذاب الغَرَقُ ﴿وَحِلُّ عَيْهِ﴾ حلولَ الدَّينِ المُؤَجَّل ﴿عَذَابٌ مُقِيمُ ﴾ أي: دائمٌ،
وهو عذاب النار.
و (مَن)) عبارة عنهم، وهي موصولة في محلّ نصب مفعول للعلم، وهو بمعنى
المعرفة فيتعدَّى إلى واحد. وجوَّز ابنُ عطية (١) أنْ يُرادَ العلم المتعدِّي إلى مفعولين،
لكنه اقتصر على واحد، وتعقّبه في ((البحر))(٢) بأنه لا يجوز حذفُ الثاني اقتصاراً؛
لأن أصلَه خبرُ مبتدأ، ولا اختصاراً هنا؛ لأنه لا دليلَ على حَذْفِهِ.
وقيل: إنَّ ((مَنْ)) استفهامية مبتدأ، والجملةُ بعدَها خبر، وجملةُ المبتدأ والخبر
مُعلَّق عنها سادَّة مَسَدَّ المفعول أو المفعولين.
قيل: ولما كان مدارُ سُخريتهم استجهالَهم إِيَّه عليه السلام في مُكابدة المَشَاقٌ
الفادحة لِدَفْعِ ما لا يكاد يدخلُ تحت الصِّحة - على زَعْمهم - من الطُوفان، ومُقاساةٍ
الشدائد في عمل السفينة، وكانوا يَعُدُّونه عذاباً = قيل بعد استجهالهم:
(فسوف)) إلخ، يعني: إن ما أُباشِرُه ليس فيه عذابٌ لاحِقٌ بي ((فسوف تعلمون)) مَنْ
يُعذَّب، ولقد أصاب العلم بعد استجهالهم مَحَزَّه. انتهى. وهو ظاهرٌ على تقدير
حَمْل السُّخرية المنسوبة إليه عليه السلام على الاستجهال. ولعله يُمكن إجراؤه على
تقدير حَمْلها على ظاهرِها أيضاً بأدنى عناية. فافهم.
ووصفُ العذاب بالإخزاء لما في الاستهزاء والسُّخرية من لُحوق الخِزْي والعار
عادةً، والتعرُّضُ لحلول العذاب المُقيم للمبالغة في التهديد، وفيه من المَجاز
ما لا يخفى، وتخصيصُه بالمُؤَجَّل، وإيرادُ الأول بالإتيان [في](٣) غاية الجزالة.
وحكى الزهراوي أنه قُرئ: ((يَحُلُّ) بضم الحاء (٤).
(١) في المحرر الوجيز ٣/ ١٧٠.
(٢) ٥/ ٢٢٢.
(٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ٢٠٧/٤، والكلام منه.
(٤) ذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٢٢٢/٥.

سُوَلاَ هُودٍ
٤٤٦
الآية : ٤٠
﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَغْرُنَا﴾ غايةٌ لقوله سبحانه: (يصنع الفُلك)) و((حتى)) إما جارّةٌ
متعلِّقة به، و((إذا)) لمجرّد الظرفية، وإما ابتدائية داخلةٌ على الشرط وجوابه، والجملةُ
لا محلَّ لها من الإعراب، وحال ما وقع في البين قد مرت الإشارة إليه.
والأمرُ إما واحدُ الأوامر، أي: الأمرُ بركوب السفينة، أو بالفوران، أو
للسحاب بالإرسال، أو للملائكة عليهم السلام بالتصرُّف فيما يُراد، أو نحو ذلك.
وإما واحدُ الأمور، وهو الشأنُ، أعني نزول العذاب بهم.
﴿وَفَارَ النَُّورُ﴾ أي: نَبَعَ منه الماء وارتفع بشدّة كما تفور القِدْرُ بِغَلَيانها، وفيه
من الاستعارة ما لا يخفى.
والمرادُ من التُّور تَنُّور الخبز عند الجمهور، وكان - على ما رُوي عن الحسن
ومجاهد - تنوراً لحواء تخبزُ فيه، ثم صار لنوح عليه السلام، وكان من حِجارة.
وقيل: هو تنُّورٌ في الكوفة في موضع مسجدِها عن يمين الداخل مما يلي باب
كندة، وجاء ذلك في رواية عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه.
وقيل : تنورٌ بالهند.
وقيل: بعين وردة من أرض الجزيرة العمرية (١)، أو من أرض الشام.
وقيل: ليس المرادُ به تنوراً معيَّناً، بل الجنس، والمرادُ: فار الماءُ من التنانير،
وفي ذلك من عجيبٍ القُدرة ما لا يخفى.
ولا تنافي بين هذا وقوله سبحانه: ﴿وَفَجَّنَا الْأَرْضَ عُونًا﴾ [القمر: ١٢] إذْ يمكن
أن يكونَ التفجيرُ غيرَ الفوران، فحصل الفورانُ للتنور والتفجيرُ للأرض، أو يُراد
بالأرض أماكنُ التنانير.
ووَزْنُه تَفْعول من النور، وأصله تَنْوور، فقلبت الواو الأُولى همزة لانضمامها،
ثم حُذفت تخفيفاً، ثم شُدِّدتْ النون عوضاً عما حُذف، ونُقل هذا عن ثعلب.
وقال أبو علي الفارسي: وزنه فَقُول. وقيل على هذا: إنه أعجمي، ولا اشتقاق
(١) عين وردة: هي رأس عين، المدينة المشهورة بالجزيرة، وبقربها يقع جبل طورزيتا عند قنطرة
الخابور. ينظر معجم البلدان ٤/ ٤٧ - و١٨٠.

الآية : ٤٠
٤٤٧
سُوٌّلُ هُود
له، ومادَّته تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء، ونرجس مُعرَّب أيضاً،
والمشهورُ أنه مما اتَّفق فيه لغة العرب والعجم، كالصابون والسَّمُّور.
وعن ابن عباس وعكرمة والزهري: أن ((التنُّور)) وجه الأرض هنا. وعن قتادة
أنه أشرفُ موضع منها، أي: أعلاه وأرفعُه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ
وغيرهما عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه تنوير الصبح(١). والظاهر أنه لم يستعمل
في اللغة العَجَمية بهذه المعاني الأخيرة.
وجُوِّز أن يكون فورانُ التثُّور مجازاً عن ظهور العذاب وشِدَّة الهول، وهذا
كما جاء في الخبر: ((حَمِيَ الوطيس))(٢) مجازاً عن شِدَّة الحرب، وليس بين
الجُملتين كثيرُ فرق في المعنى، وهو معنّى حسنٌ لكنه بعيدٌ عما جاءت به الأخبار.
﴿قُلْنَا أَحِلْ فِيَهَا﴾ أي: في الفلك، وأَنَّث الضميرَ لأنه بمعنى السفينة، والجملةُ
استئنافٌ أو جواب إذا. ﴿مِن كُلٍ﴾ أي: من كلِّ نوع من الحيوانات يَنتفع به
الذين ينجون من الغَرق وذراريهم بعدُ، ولم تكن العادةُ جاريةً بخلقه من غير ذكر
وأُنثى.
والجار والمجرور متعلِّق بـ ((احمل))، أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله، أعني
قوله سبحانه: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ وهو تثنيةُ زوج، والمرادُ به الواحدُ المُزدوج بآخرَ من
جنسه، فالذكرُ زوجٌ للأنثى كما هي زوجٌ له، وقد يُطلق على مجموعهما، وليس
بمراد، وإلا لَزِمَ أن يحمل من كلِّ صنفٍ أربعة، ولئلا يُرادَ ذلك وصف بقوله
تعالى: ﴿أَثْنَيْنِ﴾ وحاصلُ المعنى: احمل ذكراً وأُنثى من كل نوع من الحيوانات.
وقرأ الأكثرون: ((مِنْ كلِّ زوجين)) بالإضافة(٣)، فـ ((اثنين)) على هذا مفعول
((احمل))، و((من كلِّ زوجين)) حال منه، ولو أُخِّر لكان صفةً له، أي: احمل اثنين من
كلِّ زوجين، أي: صنف ذَكر وصنف أُنثى. وقيل: ((مِن)) زائدة، وما بعدَها مفعولٌ
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٤٠١ -٤٠٣.
(٢) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (١٧٧٥)، ومسلم (١٧٧٥). والوطيس: التنور. قاله
السندي كما في حاشية المسند.
(٣) قرأ حفص: ((كلِّ)) بالتنوين، وقرأ الباقون بالإضافة. التيسير ص١٢٤، والنشر ٢٨٨/٢.

سورةهود
٤٤٨
الآية : ٤٠
((احمل))، و((اثنين)) نعت لـ ((زوجين)) بناءً على جواز زيادة ((من)) في الموجب.
ثم ما ذكرناه في تفسير العموم هو الذي مال إليه البعضُ، وأَدرج فيه أناسٌ
الهواءَّ والطير.
وذكر أنه رُوي أنه عليه السلام جعل للسفينة ثلاثةَ بطون، وحمل في البطن
الأسفل الوحوشَ والسِّباعَ والهوامَّ، وفي البطن الأوسط الدوابَّ والأنعام، ورَكِبَ
هو ومَن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسدَ آدم
عليه السلام، وجعله مُعترضاً بين الرجال والنساء، وكان حمله بوصية منه عليه
السلام وتوارثها وَلدُه حتى وصلَتْ إلى نوح عليه السلام.
ويُعارض هذا التقسيم ما رُوي أنَّ الطبقةَ السُّفلى للوحش والوسطى للطعام
والعليا له عليه السلام ولمن آمن.
وتوسَّع بعضُهم في العموم فأَدرج فيه ما ليس من جنس الحيوان، وأيّد
بما أخرجه إسحاق بن بشر وغيره عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه مرفوعاً ((أنَّ نوحاً
عليه السلام حَمل معه في السفينة مِن جميع الشجر))(١). وبما أخرجه أبو الشيخ عن
جعفر بن محمد ﴿ًا قال: أُمِرَ نوحٌ عليه السلام أن يحمِلَ معه مِن كلِّ زوجين
اثنين، فحمل من التمر العجوة واللون(٢).
وأخرج النَّسائي عن أنس بن مالك أنَّ نوحاً عليه السلام نازعه الشيطانُ في عود
الكرم، فقال: هذا لي. وقال نوحٌ: هو لي. فاصطلحا على أنَّ لنوح ثُلُثَها
وللشيطان ثُلثيها(٣).
ولا يكادُ يُعَوَّل على مثل هذه الأخبار عند التنقير(٤). ومما يُحمل معها في
(١) أخرجه إسحاق بن بشر في المبتدأ كما في كنز العمال ٢/ ٤٣٧، ومن طريقه أخرجه ابن
عساكر ٦٢/ ٢٦١ .
(٢) الدر المنثور ٣٣٠/٣، والعجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة. واللون: الدَّقَل، وهو أرداً
أنواع التمر. اللسان (عجو) و(لون) و(دقل) وقد تحرفت العبارة في مطبوع الدر المنثور إلى:
فحمل من اليمن العجوة واللوز.
(٣) المجتبى ٣٣٠/٨.
(٤) التنقير: البحث. اللسان (نقر).

الآية : ٤٠
٤٤٩
سُوَلُ هُود!
قال: تأذَّى أهلُ السفينة بالفأر،
سفينة ما أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس
فعطس الأسدُ فخرجَ من مَنْخِرِيهِ سِنَّوران ذكرٌ وأُنثى، فأكلا الفأرَ إلا ما أراد اللهُ
تعالى أن يبقى منه، وتأذَّوا بأذى أهلِ السفينة، فعطس الفيلُ فخرج من مَنْخِرِيه
خنزيران ذكر وأنثى، فأكلا أذى أهلِ السفينة (١).
وفي روايةِ الحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)) وابن جرير وغيرهما عنه أنَّ
نوحاً عليه السلام شكا إلى الله تعالى قرضَ الفأر حبالَ السفينة، فأوحى الله إليه،
فمسح جبهةَ الأسد فخرجَ سِنَّوران، وشكا عَذِرَةً في السفينة، فأَوحى إليه سبحانه،
فمسح ذنبَ الفيل، فخرج خنزيران، فأكلا العَذْرَةَ(٢).
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه مرفوعاً أن أهلَ السفينة
شكّوا الفأرةَ فقالوا: الفُويسقة تُفسد علينا طعامَنا ومتاعَنا، فأوحى اللهُ تعالى إلى
الأسد فعطسَ، فخرجت الهِرَّةُ منه، فتخبّأت الفأرة منها(٣).
ولم يذكر فيه بحث الخنزير، ويُفهم منها على ما فيها أنَّ الهِرَّة لم تكن عند
الحمل، ومن الأولين أنها والخنزير لم يكونا، وفي بعض الآثار ما يُخالفه، فقد
أخرج أحمد في ((الزهد)) وأبو الشيخ عن وَهْب بن مُنَبِّه قال: لما أمر اللهُ تعالى نوحاً
عليه السلام بالحمل قال: كيف أصنعُ بالأسد والبقرة؟ وكيف أصنع بالعَنَاق(٤)
والذئب؟ وكيف أصنع بالحمام والهِرّ؟ فقال الله تعالى: مَنْ أَلقَى بينهما العداوة؟
قال: أنت يا رب. قال: فإني أُؤَلِّف بينهم حتى لا يتضارُّون(٥).
ولا يخفى ما بين هذا وبين التقسيم الأول أيضاً.
وجاء في شأن الأسد روايات مختلفة: ففي روايةٍ أن أصحابَه عليه السلام
قالوا: كيف نَظْمئنُّ ومعنا الأسد؟ فسلَّط الله تعالى عليه الحُمَّى، وكانت أولَ حُمَّى
نزلت الأرض.
(١) الدر المنثور ٣٣١/٣.
(٢) نوادر الأصول ص١٣١، وتفسير الطبري ١٢/ ٤٠٠.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٣١.
(٤) العَناق: الأنثى من ولد المَعْز. مختار الصحاح (عنق).
(٥) الدر المنثور ٣٣٠/٣، ولم نقف عليه في مطبوع الزهد لأحمد.

سُؤَدَأُ مُودا
٤٥٠
الآية : ٤٠
وفي رواية: أنه كان يُؤذيهم في السفينة، فأُلقيتْ عليه الحُمَّى ليشتغلَ بنفسه.
وفي أُخرى: أنه عليه السلام حين أمر بالحمل قال: يا رب، كيف بالأسد
والفيل؟ فقال له سبحانه: سأُلقي عليهما الحُمَّى، وهي ثقيلة.
وفي أُخرى عن أبي عبيدة أنه عليه السلام حين أُمر بالحمل لم يستطع أن يحملَ
الأسدَ حتى أُلقيت عليه الحُمَّى، فحمله فأدخله.
ولا يخفى أنها مع دلالة بعضها على أنَّ إلقاءَ الحُمَّى قبلَ الدخول، وبعضها
على أنه بعدَه، وكان يُغني عن إلقائها بعدُ - دفعاً لأذاه(١) - التأليفُ بينه وبين
الإنسان، كما أُلِّف بين ما مرَّ بعضهِ مع بعض، ولعلَّ لِدَفْع الأذى بالحُمَّى دون
التأليف - إنْ صحَّ ذلك - حكمةً، لكنها غيرُ ظاهرة لنا .
وجاء في بعض الآثار ما يُفهم منه أنه كان معه عليه السلام في السفينة من الجن
ما كان، وفي بعضها أنَّ إبليسَ - عليه اللعنة - كان أيضاً؛ فعن ابن عباس أنه
لما أراد الله تعالى أن يُدخل الحمارَ السفينة أخذَ نوحُ بأذني الحمار، وأخذَ إبليسُ
بذنبه، فجعل نوعٌ يَجذِبُه، وجعل إبليسُ يجذبه، فقال نوح عليه السلام: ادْخُل
شيطان، فدخل الحمار ودخل إبليسُ معه، فلما سارت السفينةُ جلسَ في ذنبها
يتغنَّى، فقال له نوح: ويلك مَنْ أَذِنَ لك؟ قال: أنت، قال: متى؟ قال: إذْ قلتَ
للحمار: ادْخُلْ شيطان، فدخلت بإذنٍ منك.
وفي رواية أُخرى عنه أن نوحاً عليه السلام قال للحمار: ويحك، ادخُلْ وإنْ
كان الشيطانُ معك، كلمة جَرَتْ على لسانه، فدخل ودخلَ معه الشيطان(٢).
وأخرج ابنُ عساكر عن عطاء أن اللعينَ جاء لِيركَبَ السفينةَ فدفَعه نوحٌ عليه
السلام فقال: يا نوحُ، إني منظورٌ، ولا سبيل لك عليَّ. فعرف أنه صادقٌ، فأمره أن
يجلسَ على خَيْزُرانِ السفينة. وهو بظاهره مُخالفٌ لما رُوي عن ابن عباس(٣).
(١) في (م): لأذاء.
(٢) تفسير الرازي ٢٩٨/١٢.
(٣) أورد هذه الأخبار السيوطي في الدر المنثور ٣٣٠/٣-٣٣١، وهي من الإسرائيليات التي
لا أساس لها .

الآية : ٤٠
٤٥١
سُورَةُ هُود
واختلفوا في أنه كيف جُمعت الحيواناتُ على تفرُّقها في أكناف الأرض،
فقيل: إنها أَحسَّتْ بالعذاب فاجتمعت.
وعن الزهري أن اللهَ تعالى بعثَ ريحاً فحمل إليه من كلِّ زوجين اثنين من الطير
والسِّباع والوحش والبهائم.
يا أن الله تعالى بعثَ جبريل عليه السلام فحشرها،
وعن جعفر بن محمد
فجعل عليه السلام يضربُ بيديه على الزوجين فتقع يدُه اليُمنى على الذَّكَر واليُسرى
على الأُنثى، فَيُدْخِلُهما السفينة، حتى أدخل عِدَّةَ ما أمر الله تعالى به.
وروى إسحاقُ بن بِشْر وغيرُه عن زيدٍ بن ثابت أنه استعصَتْ عليهِ عليهِ السلام
الماعزةُ، فدفعها في ذنبها فمن ثَمَّ انكسر وبدا حياها، ومضت النعجةُ حتى دخلَتْ،
فمسح على ذنبها فَسُتِرَ حياها.
وفي كتب الأخبار كثيرٌ من هذه الآثار التي يقضى منها العجب، وأنا لا أعتقدُ
سوى أنَّ الله تعالى - عزَّتْ قُدرته - خلق الماعزةَ والنعجةَ من قبلُ على ما هما عليه
اليوم، وأنه سبحانه لم يخلقِ الهِرَّةَ من الأسد وإنْ أَشبهته صورةً، ولا الخنزير من
الفيل وإنْ كان بينهما شبهٌ ما كما شاهدناه عامَ مَجيء الفيل إلى بغداد، ولو كُلِّف
الفيلُ أكلَ العَذِرة لكان أحبَّ إلى أهل السفينة من زيادة خنزير فيها، وأحبُّ من ذلك
كلِّه إليهم أن لا يكونَ في السفينة غيرُهم، أو يكون حيوانٌ واحدٌ يخلُقُ لهم من
◌ُطاسهِ ما يُریدونه من الحيوانات ويحتاجون إليه بعد!
والذي يميلُ القلبُ إليه أن الطوفان لم يكن عامّاً - كما قال به البعضُ - وأنه
عليه السلام لم يُؤمر بحمل ما جَرَتِ العادةُ بتكوُّنه من عُفونةِ الأرض كالفارِ
والحشرات، بل أمر بحمل ما يُحتاج إليه إذا نجا ومَنْ معه من الغَرق لئلا يغتمُّوا
لِفَقْده ويتكلَّفوا مشقَّة جَلَبهِ من الأصقاع النائية التي لم يَصِلْها الغرقُ، فكأنَّه قيل:
قلنا : احمِلْ فيها من كل ما تحتاجونه إذا نجوتم زوجين اثنين.
وإنْ قلنا بعموم الغرق نقول أيضاً: إنه عليه السلام لم يُكلَّفْ بحمل شيء من
المُتكوِّنات من العُفونة، بل كُلِّف بالحمل مما يتناسلُ من الحيوانات لمصلحةٍ بقاء
النوع، وكانت السفينةُ بحيث تسعُ ذلك عادةً أو مُعجزةً، وقُدرةُ الله تعالى أجلُّ من
أن تضيقَ عن ذلك.

سُؤَدُ هُود!
٤٥٢
الآية : ٤٠
وإن قيل بالعموم على وجهٍ يبقى معه بعضُ الجبال جاز أن يقال: إنه عليه
السلام لم يحملْ إلا مما لا مهربَ له ويضرُّ فقده بجماعته.
ولو قيل: إن العمومَ على إطلاقه، وإنه عليه السلام لم يحمل في السفينة
إلا ما تتَّسعُ له عادةً مما يُحتاج إليه، لئلا يضيقَ أصحابه ذرعاً بفقده بالكُلِّية
حسبما تقتضيه الطّباع البشرية، وغَرِقَ ما عدا ذلك، لكن الله تعالى جلَّت قُدرته خلق
نظيرَ ما غَرِقَ بعدُ على الوجهِ الذي فعل قبلُ، لم يكن ذلك بِدْعاً ممن أَمْرُه بين
الكافِ والنون جلَّ شأنُه وعَظُمَ سلطانه.
هذا، وإنما قُدِّم ذلك على أهلهِ وسائر المؤمنين قيل: لكونه عريقاً بالحمل
المأمورِ به؛ لأنه يحتاج إلى مُزاولةِ الأعمال منه عليه السلام في تمييز بعضٍ عن
بعض وتعيين الأزواج، وأما البشرُ فإنما يدخلُ الفُلك باختياره، فيخفُّ فيه معنى
الحمل، أو لأنَّ ذلك إنما يُحمل بمباشرة البشر، وهم إنما يدخلونها بعد حَمْلهم
إِيَّاه، ويجوز أن يكون التقديم حفظاً للنظم الكريم عن الانتشار، وأيّاً ما كان فقولُه
سبحانه: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على ((زوجين)) أو على ((اثنين)).
والمرادُ بأهله على ما في بعض الآثار: امرأتُه المسلمة وبنوه منها، وهم سام
عليه السلام - وهو أبو العرب - وأصله على ما قال البكري: بالشين المعجمة(١)،
وحام - وهو أبو السودان - قيل: إنه أصابَ زوجته في السفينة فدعا نوحٌ عليه السلام
أن تُغيَّر نطفته فَغُيِّرتْ، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جُريج عن
أبي صالح(٢). ويانِث - كصاحب - وهو أبو الترك ويأجوج ومأجوج، وزوجة كلِّ
منهم.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المُغْرَقين، لِظُلمهم، وذلك في قوله سبحانه:
(وَلَا تُخَطِبْنِ فِى الَّذِينَ ظَلَمُوَأْ) الآية، والمرادُ زوجةٌ له أُخرى تُسمَّى واعلة، بالعين
المهملة - وفي رواية والقة - وابنه منها كنعان، وكان اسمه فيما قيل: يام، وهذا لَقَبُه
عند أهل الكتاب، وكانا كافرين، وفي هذا دلالةٌ على أنَّ الأنبياء عليهم السلام
(١) معجم ما استعجم ٧٧٣/٣، والذي فيه: واسمه سام بالسين المهملة، فَعُرِّب، فقيل: شام،
بالشين المعجمة.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٢٠٣٢/٦.

الآية : ٤١
٤٥٣
سُؤَلُ هُودٍ
يحلُّ لهم نكاحُ الكافرة بخلاف نبيِّنَا بَّهِ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾
الآية [الأحزاب: ٥٠].
والاستثناءُ جوِّز أن يكون متصلاً إنْ أُريد بالأهل الأهلُ إيماناً، وأن يكون منقطعاً
إِنْ أُريدَ به الأهلُ قَرابةً، ويكفي في صحةِ الاستثناء المعلومية عند المراجعة إلى
أحوالهم والتفحّصٍ عن أعمالهم، وجيء بـ ((على)) لكون السابق ضارّاً لهم، كما جِيء
باللام فيما هو نافعٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
﴿وَمَنْ ءَامَنَ﴾ عطفٌ على الأهل، أي: والمؤمنين من غيرهم، وإفرادُ أولئك
منهم للاستثناء المذكور، وإيثارُ صيغة الإفراد في ((آمن)) محافظة على لفظ ((من))
للإيذان بالقِلَّة كما أفصحَ عن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ ﴾﴾ قيل:
كانوا سبعةً: زوجته وأبناؤه الثلاثة، وكنائنه الثلاث، ورُوي هذا عن قتادة
والحكم بن عقبة وابن ◌ُريج ومحمد بن كعب، ويَردُّه عطفُ ((ومَنْ آمن)) على الأهل
إلا أن يكونَ الأهلُ بمعنى الزوجة، فإنه قد ثبتَ بهذا المعنى، لكن قيل: إنه خلافُ
الظاهر، والاستثناءُ عليه منقطعٌ أيضاً.
وعن ابن إسحاق أنهم كانوا عشرةً: خمسة رجال وخمس نسوة. وعنه أنهم
كانوا مع نوح عليه السلام عشرين نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساؤهم.
وقيل: كانوا ثمانيةً وسبعين نصفهم ذكور ونصفهم أناث.
وقيل: كانوا ثمانين رجلاً وثمانين امرأة.
وقيل وقيل، والروايةُ الصحيحة أنهم كانوا تسعةً وسبعين؛ زوجته وبنوه الثلاثة
ونساؤهم واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم من بني شيث.
واعتبارُ المعية في الإيمان للإيماء إلى المعية في مَقَرِّ الإيمان والنجاة.
﴿وَقَالَ﴾ أي: نوح عليه السلام لمن معه من المؤمنين كما يُنبئ عنه قوله تعالى:
(إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).
وقيل: الضمير لله تعالى. وفيه أنه لو كان كذلك لكان المناسبُ: إنَّ
ربّكم ... إلخ.

سُؤَدَلاً مُودا
٤٥٤
الآية : ٤١
ولعل هذا القولَ بعد إدخال ما أُمر بحمله في الفُلك من الأزواج، كأنه قيل:
فحمل الأزواجَ حسبما أُمر، أو أَدخلَها في الفُلك، وقال للمؤمنين: ﴿أَرْكَبُواْ فِهَا﴾
أي: صيروا فيها، وجعل ذلك ركوباً؛ لأنها في الماء كالمركوب في الأرض، ففيه
استعارةٌ تبعية من حيث تشبيهُ الصيرورةِ فيها بالركوب، وقيل: استعارةٌ مَكْنية،
والتعدية بفي لاعتبار الصيرورة، وإلا فالفعل يتعدَّى بنفسه، وإلى هذا ذهب القاضي
البيضاوي(١). وقيل: التعدية بذلك لأنه ضُمِّن معنى (ادخلوا)). وقيل: تقديره اركبوا
الماءَ فيها، وقيل: في زائدة للتوكيد. وكأنَّ الأول أولى.
وقال بعض المُحقِّقين(٢): الركوبُ العلو على شيء متحرِّك، ويتعدَّى بنفسه،
واستعمالُه هاهنا بفي ليس لأنَّ المأمورَ به كونهم في جوفها لا فوقَها كما تُنَّ، فإن
أظهرَ الروايات أنه عليه السلامَ رَكِبَ هو ومن معه في الأعلى، بل لرعاية جانب
المَحلِّية والمكانية في الفُلك. والسرُّ فيه أن معنى الركوب العلو على شيء له
حركة، إما إرادية، كالحيوان، أو قَسْرية كالسفينة والعَجَلة ونحوهما، فإذا استُعمل
في الأول توقَّر له حظّ الأصل فيقال: رَكِبْتُ الفرسَ، وعليه قولُه تعالى: ﴿وَالْخَلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُهَا﴾ [النحل: ٨] وإن استُعمل في الثاني يلوحُ بمحلية المفعول
بكلمة في، فيقال: رَكِبْتُ في السفينة، وعليه الآيةُ الكريمة وقولُه سبحانه: ﴿فَإِذَا
رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] و﴿حََّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف: ٧١].
انتهى، وظاهرُه أنَّ الركوبَ هاهنا حقيقي، وصرَّح بعضُهم أنه ليس به.
وقال الراغب: الركوبُ في الأصل كونُ الإنسان على ظهر حيوان، وقد
يُستعمل في السفينة (٣). وفيه تأكيدٌ لما صرَّح به البعض.
﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ حال من فاعل ((اركبوا)) والباء للملابسة، ولما كانت ملابسةُ
اسم الله عزَّ اسمه بذكره قالوا: المعنى: اركبوا مُسمِّين الله، وجوَّزوا أن تكون
الحال محذوفةً، وهذا معمولٌ لها سادٌّ مَسَدَّها، ولذلك سمَّوه حالاً، والأصلُ:
(اركبوا) قائلين: ((بسم الله)).
(١) في تفسيره (بهامش حاشية الشهاب) ٩٨/٥.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٢٠٩/٤.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن (ركب).
١

الآية : ٤١
٤٥٥
◌ُ الأُ مُود
﴿بَحْرِهَا وَمُرْسَهَا﴾ نصب على الظرفية، أي: وقتَ إجرائها وإرسائها على
أنهما اسما زمان، أو مصدران ميميان بمعنى الإجراء والإرساء، ويُقدَّر مضاف
محذوف، وهو وقت، كما في قولك: أتيتُكَ خُفوقَ النجم، فإنَّ التقدير: وقتَ
خُفوقه، إلا أنه لما حُذِفَ المضاف سدَّ المضافُ إليه مَسَدَّه، وانتصب انتصابَه، وهو
كثيرٌ في المصادر. ويجوز أن يكونا اسمي مكان.
وانتصابُهما بالاستقرار الذي تعلَّق به الجار والمجرور، أو بقائلين، ولا يجوز
أن يكون بـ ((اركبوا)) إذْ ليس المعنى على: اركبوا في وقت الإجراء والإرساء، أو
في مكانهما، وإنما المعنى: مُتبرِّكين، أو قائلين فيهما، وتُعُقِّب القولُ
بانتصابهما مطلقاً بأنهما محدودان، ومحدودُ المكان لا بدَّ له من في، وبعضُهم
يُجوِّز النصبَ في مثل ذلك بما فيه من الإبهام.
وجوّز رفعُهما فاعلين(١) بالظرف لاعتماده على ذي الحال، أو على
أنهما مبتدأ ومعطوفٌ عليه، و((بسم الله)) خبرٌ، أو الخبر محذوف تقديره:
متحققان ونحوه، وهو صلة لهما، والجملةُ إما مُقتضَبةٌ منقطعةٌ عما قبلَها
لاختلافهما خبراً وطلباً على أنَّ نوحاً عليه السلام أمرهم بالركوب في السفينة،
ثم أخبرهم بأنَّ إجراءها وإرساءها باسم الله تعالى، أو بأنَّ إجراءها وإرساءَها
باسمه تعالى متحقِّقان لا يُشَكُّ فيهما، وفي ذلك حقٌّ على الركوب وإزالةٌ
لما عسى يختلجُ في قلوبهم من خوف الغَرَق ونحوه، ويُروى عن الضحاك أنه
عليه السلام كان إذا أراد أن يُجريها، يقول: ((بسم الله)) فتجري، وإذا أراد أنْ
يُرسِيَها قال: ((بسم الله)) فترسُو، وإما في موضع الحال من ضمير الفلك، أي:
اركبوا فيها مجراة ومرساة باسم الله، وهي حال مقدَّرة، إذْ لا إجراءَ ولا إرساءَ
وقت الركوب. کذا قيل.
وتعقَّبه في ((التقريب)) بأنَّ الحال إنما تكون مُقدَّرة إذا كانت مفردة، كمجراة،
أما إذا كانت جملةً فلا؛ لأن معنى الجملة: اركبوا وإجراؤها بسم الله، وهذا واقعٌ
حال الركوب، انتهى.
(١) في الأصل: مصدرين.

سُورَةُ هُود!
٤٥٦
الآية : ٤١
وأجاب عنه في ((الكشف)) بأنه لا فرقَ بين قوله تعالى: ﴿فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾
[الزمر: ٧٣] وقول القائل: ادخلوها وأنتم مُخلَّدون، في عدمِ المُقارنة والرجوعِ إلى
الحال المُقدَّرة، فكذلك ما نحن فيه. واعترض على المُجيبَ بأنَّ مرادَ ذلك القائل
إجراؤها مجرى المُفرد على نحو: كلَّمته فوهُ إلى فيَّ، بأنه تكلُّفٌ لا حاجةَ إليه،
وهو غير مُسلَّم في المُستشهد به أيضاً، وإنما ذلك في قول القائل: كلَّمته فاه إلى
فيَّ. انتهى.
وكأنه لم ينكشِفْ له مُرادُ صاحب ((التقريب))، فإنهم ذكروا أن الفرقَ بين الحال
إذا كانت مفردةً وإذا كانت جملةً أن الثانيةَ تقتضي التحقُّق في نفسها والتلبُّس بها،
وربما أشعرت بوقوعها قبل العامل واستمرارها معه، كما إذا قلتَ: جاءني وهو
راكبٌ، فإنه يقتضي تلبُّسه بالركوب واستمراره عليه، وهذا يُنافي كونها مُنتظرةً،
ولا أقلّ من أنْ لا يحسنَ الحملُ عليه حيث تيسّر الإفراد فافهم.
وجوِّز أن تكون حالاً مقدَّرة أيضاً من فاعل ((اركبوا))، واعتُرض بأنه لا عائدَ
على ذي الحال، وضميرُ ((بسم الله)) للمبتدأ، وتقديره: أي: فإجراؤها معكم أو بكم
كائن بسم الله تكلُّف، والقول بأنَّ الرضي قد ذكر أن الجملةَ الحالية إذا كانت اسميةً
قد تخلو من الرابطين عند ظهور المُلابسة نحو: خرجت زيدٌ على الباب، ليس
بشيء لضعف ما ذكر في العربية، فلا ينبغي التخريجُ عليه، نعم كون الاسميةِ لا بدَّ
فيها من الواو، والقول بأنَّ الحال المُقدَّرة لا تكون جملة مطلقاً، كلٌّ منهما في حيِّز
المنع كما لا يخفى.
وجُوِّز أن یکون الاسم مُقحماً كما في قول لبید:
فقوما وقُولا بالذي قد عَرَفْتُما ولا تَخْمِشا وجهاً ولا تَحْلِقًا الشَّعَر
ومَنْ يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذَرِ(١)
إلى الحولِ ثمَّ اسمُ السلام علیکما
ويُراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بقدرته، أو بأمره، أو بإذنه، ويقدّر
ذلك أو يُراد معنّى. وخَصَّ بعضهم هذا الجوازَ بما إذا لم يقدَّر مُسمِّين أو قائِلين،
إذْ لا يظهر المعنى حينئذ، ويجري على تقديري الكلام الواحد والكلامين، وكذا
(١) شرح ديوان لبيد ص٢١٣-٢١٤، وفيه: شعر، بدل: الشعر.

الآية : ٤١
٤٥٧
سُوٌَّ لُ هُودٍ
على تقدير الزمان والمكان في رأي، ويُعتبر الإسنادُ مَجازيّاً من قَبيل: نهارُه صائمٌ
وطریق بَرٍّ .
وقُرئ: ((مَجريها ومَرساها)) بفتح الميم(١) مصدرين، أو زمانين، أو مكانين على
أنهما من جَرى ورَسا الثُّلاثیین.
وقرأ مجاهد: (مُجرِيها ومُرسِيها)) بصيغة اسم الفاعل(٢). وخرَّج ذلك
أبو البقاء(٣) على أنهما صفتان للاسم الجليل، وقيل عليه: إنَّ إضافةً اسم
الفاعل إذا كان بمعنى المستقبل لفظية، فهو نكرةٌ لا يَصِحّ توصيفُ المعرفة به،
فالحقُّ البدلية، والقولُ بأنَّ مرادَ المُعرب الصفةُ المعنوية لا النعت النحوي
فلا يُنافي البدلية بعيدٌ، لكن عن الخليل: إنَّ ما كانت إضافته غير مَخْضة قد
يَصِحُّ أن تُجعل محضةً فتُعرَّف، إلا ما كان من الصفة المُشبهة فلا تتمخَّض
إضافتُها فلا تُعرَّف.
والرُّسوُّ التُبوت والاستقرار، ومنه قول الشاعر:
فَصَبرتُ نَفْساً عند ذلك حُرَّةً ترسُو إذا نفسُ الجَبَانِ تَطِلَّعُ(٤)
﴿إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ قيل: الجملةُ مستأنفةٌ لبيان المُوجب، أي:
لولا مغفرتُه لفرطاتكم ورحمتُه إياكم لما أَنجاكم من هذه الطَّامة إيمانُكم، وفيه دلالةٌ
على أنَّ نجاتَهم لم تكن عن استحقاق بسبب أنهم كانوا مؤمنين، بل بمحض
رحمةِ الله تعالى وغُفرانه على ما عليه أهلُ السنة.
ومَنْعُ صلاحية كونها علَّةً لـ ((اركبوا)) لعدم المناسبة، فيقدَّر ما يصح به الكلام
بأن يقال: امتثلوا هذا الحُكمَ لِيُنجيكم من الهلاك بمغفرته ورحمته، أو يقال:
(١) قرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: ((مَجْريها)) بفتح الميم، وقرأ الباقون بالضم. واتفق
العشرة على ضم الميم في ((مُرساها)). التيسير ص١٢٤، والنشر ٢/ ٢٨٨. وقرأ ابن مسعود
وعيسى الثقفي وزيد بن علي والأعمش: ((مَرْساها)) بفتح الميم. البحر المحيط ٢٢٥/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٠، والبحر المحيط ٢٢٥/٥.
(٣) في إملاء ما من به الرحمن (بهامش الفتوحات الإلهية) ٣/ ٢٧٥.
(٤) البيت لعنترة، وهو في ديوانه ص٤٩، وفيه: فَصَبَرْتُ عارفةً لذلك ...

مُؤُولُهُود
٤٥٨
الآية : ٤٢
اركبوا فيها ذاكرين الله تعالى، ولا تخافوا الغَرَقَ لما عسى فَرَطَ منكم من التقصير؛
لأن الله تعالى شأنه غفورٌ للخطايا والذنوب رحيمٌ بعباده.
وجعلها بعضُهم تعليلاً بالنظر إلى ما فيها من الإشارة إلى النجاة، فكأنه قيل:
اركبوا لِيُنجِيَكم الله سبحانه.
وقوله سبحانه: ﴿وَهِىَ تَّرِى بِهِمْ فِ مَوْجِ كَالْجِبَالِ﴾ جُوِّز فيه ثلاثةُ أوجه: الأول:
أن يكون مستأنفاً. الثاني: أن يكون حالاً من الضمير المستتر في ((بسم الله)) أي:
جَريانها استقرَّ بسم الله حالَ كونها جارية. الثالث: أنه حالٌ من شيء محذوف دلَّ
عليه السياق، أي: فركبوا فيها جارية، والفاء المُقدَّرة للعطف. و((بهم)) متعلِّقٌ
بـ (تجري))، أو بمحذوف، أي: مُلتبسة، والمضارع لحكايةِ الحال الماضية،
ولا معنى للحالية من الضمير المُستتر في الحال الأولى كما لا يخفى.
والموجُ ما ارتفع من الماء عند اضطرابه، واحدُه مَوْجة.
و ((كالجبال)) في موضع الصفة لـ ((موج))، أي: في موجٍ مرتفعٍ مُتفاوتٍ في
الارتفاع مُتراكم. وقيل: إنها جَرَتْ بهم في موج كذلك وقد بقي منها فوق الماء
ستةُ أذرع، واستشكل هذا الجَريان مع ما رُوي أن الماء طبقَ ما بين السماء
والأرض، وأنَّ السفينةَ كانت تجري في داخله كالسمك.
وأُجيب بأنَّ الرواية مما لا صحةَ لها ويكادُ العقلُ يأبى ذلك، نعم أخرج
ابنُ أبي شيبة وابن جرير وابن عساكر وعبد بن حُميد من طريق مجاهد عن
عُبيد بن عُمير قال: إنَّ الماء علا رأسَ كل جبل خمسةَ عشرَ ذراعاً (١). على أنه
لو سُلِّم صحةُ ما ذُكر فهذا الجَريان كان في ابتداء الأمر قبلَ أن يتفاقمَ الخطبُ
كما يدلُّ عليه قولُه سبحانه: ﴿وَنَادَى نُوُ أَبْنَهُ﴾ إلخ، فإن ذلك إنما يُتَصوَّر قبل
أن تنقطعَ العلاقةُ بين السفينة والبر، إذْ حينئذ يمكن جريان ما جرى بين نوح
عليه السلام وبين ابنه من المُفاوضةِ والاستدعاءِ إلى السفينة والجوابِ بالاعتصام
بالجبل.
وقال بعض المُحقِّقين: إنَّ هذا النداءَ إنما كان قبلَ الركوب في السفينة، والواو
(١) الدر المنثور ٣٣٢/٣.

الآية : ٤٢
٤٥٩
سُوَلُ هُود!
لا تدلُّ على الترتيب، وعن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ: ((ابنها)) (١) على أنَّ
ضميرَ التأنيث لامرأته، وفي إضافته إليها إشعارٌ بأنه رَبِيبُه؛ لأن الإضافةَ إلى الأم مع
ذِكْر الأب خلافُ الظاهر وإنْ جَوَّزوه، ووجّهَ بأنه نُسب إليها لكونه كافراً مثلها،
وما يقال: من أنه كان لغير رِشْدة (٢) لقوله سبحانه: ﴿فَخَاتَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]
فارتكابُ عظيمة لا يُقادر قَدْرها، فإن اللهَ تعالى قد طهّر الأنبياءَ عليهم السلام
عما هو دون ذلك من النقص بمراحلَ، فحاشاهم ثم حاشاهم أن يُشار إليهم بأصبع
الطّعن، وإنما المرادُ بالخيانةِ الخيانةُ في الدين، ونسبةُ هذا القول إلى الحسن
ومجاهد - كما زعم الطبرسي (٣) ۔ كذبٌ صريح.
وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير ﴿ه: ((ابنه))(٤) بهاء مفتوحة دون ألف
اكتفاءً بالفتحة عنها(٥)، وهو لغة كما قال ابنُ عطية(٦)، ومن ذلك قوله:
أما تقودُ بها شاةً فتأكُلها أو أنْ تَبيعَهَ في بعض الأراكيبِ(٧)
قيل: وهو ضعيفٌ في العربية حتى خَصَّه بعضُهم بالضرورة، والضمير للأم
أيضاً.
وقرأ ابنُ عباس: ((ابنَهْ)) بسكون الهاء(٨)، وهي - على ما قال ابنُ عطية(٩)
وأبو الفضل الرازي - لغةُ أزد، فإنهم يُسكنون هاءَ الكناية من المُذكَّر، ومنه قوله:
ومِظْواي(١٠) مُشتاقان لَهْ أَرِقانِ
(١) القراءات الشاذة ص ٦٠.
(٢) الرُّشْدة ضد الزِّنْية. يقال للولد إذا كان من نكاح لا من زنّى وسفاح: هو لرِشْدة. حاشية
الشهاب ٥/ ١٠٠.
(٣) في مجمع البيان ١٢/ ١٦٤ .
(٤) القراءات الشاذة ص٦٠، والمحتسب ٣٢٢/١.
(٥) في الأصل و(م): اكتفاءً بالألف عنها. والمثبت من حاشية الشهاب ٩٩/٥.
(٦) في المحرر الوجيز ٣/ ١٧٣.
(٧) البيت في رصف المباني ص١٥، وخزانة الأدب ٥/ ٢٧٢.
(٨) المحتسب ٣٢٢/١.
(٩) في المحرر الوجيز ١٧٣/٣ .
(١٠) في الأصل و(م): ونضواي، والمثبت من المصادر، والبيت ليعلى الأحول الأزدي،
=

الأَهُود
٤٦٠
الآية : ٤٢
وقيل: إنها لغةٌ لبني كلاب وعَقيل، ومن النحويين مَن يخصُّ هذا السكون
بالضرورة ويُنشد :
وأَشربُ الماءَ ما بي نحوه عَطَشٌ إلا لأنَّ عيونَهْ سيلُ وادِيها(١)
وقرأ السدي: ((ابناه)) بألف وهاء سكت(٢)، وخرج ذلك على الندبة، واستُشْكل
بأنَّ النُّحاةَ صرَّحوا بأنَّ حرف النداء لا يُحذف في النُّدبة، وأُجيب بأنَّ هذا حكاية،
والذي منعوه في النُّدبة نفسُها لا في حكايتها .
وعن ابن عطية: ((أَبناه)) بفتح همزة القطع التي للنداء(٣)، وفيه أنه لا يُنادَى
المندوب بالهمزة، وأن الروايةَ بالوصل فيها، والنداءُ بالهمزة لم يَقَعْ في القرآن.
ويُبعِد القولَ بالنُّدبة أنها لا تُلائم الاستدعاءَ إلى السفينة بعدُ كما لا يخفى. ولو
قيل: إنَّ ((ابناه)) - على هذه القراءة - مفعول ((نادى)) أيضاً كما في غيرها من
القراءات، والألف للإشباع، والهاءُ الساكنة هاءُ الضمير في بعض اللَّغات، لم يكن
هناك محذورٌ من جهةِ المعنى، وهو ظاهر، نعم يتوقَّف القول بذلك على السَّماع في
مثله، ومتى ثبتَ تعيَّن عندي تخريجُ القراءة - إنْ صَّت - عليه.
وقرأ الجمهور: ((ابنَهُ)) بالإضافةِ إلى ضمير نوح، ووصلوا بالهاء واواً، وتوصل
في الفصيح.
وتنوينُ ((نوح)) مكسورٌ عند الجمهور دَفْعاً لالتقاء الساكنين، وقرأ وكيع بِضمِّه
إتباعاً لحركة الإعراب(٤). وقال أبو حاتم: هي لغةُ سوء لا تُعرف.
﴿وَكَانَ فِ مَعْزِلٍ﴾ أي: مكانٍ عَزَلَ فيه نَفْسَه عن أبيه وإخوته ومَن آمن مِن
قومه. والمرادُ بُعْدُه عنهم إمَّا حسّاً أو معنَى. وحاصلُه المخالفةُ لهم في الدين،
= وصدره: فَبِتُّ لدى البيت العتيق أُريغه ... وهو في الخصائص ٣٧٠/١، والخزانة ٢٦٩/٥.
وقوله: مطواي: مثنى مطو، وهو الصاحب. قاله البغدادي.
(١) لم نهتد إلى قائله، وهو في المحتسب ٢٤٤/١، والخزانة ٢٧٠/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص ٦٠، والمحتسب ٣٢٢/١.
(٣) المحرر الوجيز ١٧٣/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٠٠/٥.
(٤) المحرر الوجيز ١٧٤/٣، وفيه قول أبي حاتم الذي بعده.