النص المفهرس

صفحات 421-440

الآية : ٢٨
٤٢١
سُوَلاَ هُود!
وأجاز بعضهم الاتصال واستشهد بقول عثمان ظه: أَراهُمُني (١)، ولم يقل:
أَراهم إيَّاي، وتمامُ الكلام على ذلك في محلِّه.
وجيء بالواو تتمةً لميم الجمع، وحُكي عن أبي عمرو إسكانُ الميم الأُولى
تخفيفاً (٢) ويجوز مثلُ ذلك عند الفراء (٣)، وقال الزجاج: أجمع النحويون البصريون
على أنه لا يجوز إسكانُ حركةِ الإعراب إلا في ضرورةِ الشعر (٤). كقوله:
إثماً من اللهِ ولا واغلِ (٥)
فاليومَ أَشْربْ غیرَ مُسْتَحْقِبٍ
و قوله:
وناعٍ يُخبِّرنا بمهلِكِ سيِّد تَقَطَّعُ من وَجْد عليه الأناملُ(٦)
وأما ما رُوي عن أبي عمرو من الإسكان فلم يَضْبطه عنه الراوي، وقد روى عنه
سيبويه أنه كان يُخفِّفُ الحركة ويختلسها، وهذا هو الحقّ، وذكر نحو ذلك
الزمخشري(٧)، وقال: إنَّ الإسكانَ الصريح لحنٌّ عند الخليل وسيبويه وحُذَّاق
البصريين .
وفي قراءة أبيّ: ((أَنْلزِمُكموها من شَطْر أنفسنا))، وروي عن ابن عباس ظًا أنه
قرأ: ((من شَطْر قُلوبنا)) (٨) أي: من تِلقائها وجهتها، وفي ((البحر)) (٩) أن ذلك على
جهة التفسير، لا على أنه قرآنٌ؛ لمخالفته سواد المصحف.
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية، وتمامه: أراهمني الباطلُ شيطاناً.
(٢) ذكره الزمخشري في الكشاف ٢٦٦/٢، وهو غير المشهور عن أبي عمرو.
(٣) في معاني القرآن ٢/ ١٢.
(٤) معاني القرآن للزجاج ٤٨/٣، والكلام فيه بنحوه.
(٥) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٢٢، والبحر ٢١٧/٥، ورواية الديوان: فاليومَ
أُسقى. قال شارحه: قوله: غير مستحقب إثماً من الله، أي: غير مكتسبه ولا محتمله،
وأصله من حمل الشيء في الحقيبة، فضربه مثلاً. والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم
يُدْعَ.
(٦) لم نهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للقراء ٢/ ١٢.
(٧) في الكشاف ٢٦٦/٢ .
(٨) ذكر القراءتين ابن عطية في المحرر الوجيز ١٦٥/٣.
(٩) ٢١٧/٥.

سُوَلاَ هُود
٤٢٢
الآية : ٢٨
﴾ أي: لا تختارونها ولا تتأمَّلون فيها، والجملة في
٨٨
﴿وَأَنْتُمْ لَمَا كَلِمُونَ
موضع الحال؛ قال السمين(١): إما من الفاعل، أو من أحد المفعولين. واختير أنها
في موضع الحال من ضمير المُخاطبين، وقُدِّم الجارُّ رعايةً للفواصل.
ومحصولُ الجواب: أخبروني إنْ كنتُ على حُجَّة ظاهرةِ الدلالة على صحة
دعوايَ، إلا أنها خافيةٌ عليكم غيرُ مُسَلَّمة لديكم، أَيُمكننا أن نُكْرِمَكُم على قَبولها
وأنتم مُعرضون عنها غير متدبِّرين فيها، أي: لا يكون ذلك. كذا قرَّره شيخ
الإسلام(٢)، ثم قال: وظاهرُه مُشعِرٌ بصدوره عنه عليه السلام بطريق إظهارِ اليأس
عن إلزامهم والقعود عن مُحاجَّتهم، كقوله: ﴿وَلَا يَنَفَعُّكُمْ نُصْحِىَ﴾ إلخ [هود: ٣٤]،
لكنه محمولٌ على أن مُرادَه عليه السلام ردُّهم عن الإعراض عنها، وحَثُّهم على
التدبُّر فيها بصرف الإنكار المُستفاد من الهمزة إلى الإلزام حالَ كراهتهم لا إلى
الإلزام مطلقاً .
وقال مولانا سعدي جلبي: إنَّ المرادَ من الإلزام هنا الجَبْر بالقتل ونحوه،
لا الإيجاب لأنه واقعٌ، فَلْيُفهم.
وجوِّز أن يُراد بالبينةِ دليلُ العقل الذي هو ملاكُ الفضل، وبحَسبهِ يمتازُ أفرادُ
البشر بعضها عن بعض، وبه تُناط الكرامةُ عند الله عز وجل والاجتباء للرسالة،
وبالكونِ عليها التمسُّكُ به والثَّباتُ عليه، وبخفائها على الكَفَرة - على أن يكونَ
الضميرُ للبيِّنة - عدمُ إدراكهم لكونه(٣) عليه السلام عليها، وبالرحمةِ النبوةُ التي
أَنْكَروا اختصاصَه عليه السلام بها بين ظَهْرانَيْهم. ويكون المعنى: إنكم زعمتُم أنَّ
عهدَ النبوة لا يَنالُهُ إلا مَنْ له فضيلةٌ على سائر الناس مُستتبعٌ لاختصاصهِ به دونهم،
أخبروني إنْ امتزتُ عليكم بزيادة مَزِيَّةٍ وحِيازة فضيلةٍ من ربي، وآتاني بحسبها نبوةً
من عنده، فَخَفِيَتْ عليكم تلك البيِّنةُ، ولم تُصيبوها، ولم تنالوها، ولم تعلموا
حِيازتي لها، وكوني عليها إلى الآن، حتى زعمتم أني مِثْلُكم، وهي مُتحقِّقةٌ في
نفسها؛ أَنُلْزِمُكم قَبولَ نبوَّتي التابعة لها والحال أنكم كارهون لذلك؟!
(١) في الدر المصون ٣١٧/٦.
(٢) في تفسيره ٢٠١/٤ .
(٣) في (م): لكونهم.

الآية : ٢٩
٤٢٣
سُوالمُود
ثم قيل: فيكون الاستفهام للحمل على الإقرار، وهو الأنسبُ بمقام المُحاجَّة،
وحينئذ يكون كلامُه عليه السلام جواباً عن شُبهتهم التي أدرجوها في خلال مقالهم
من كونه عليه السلام بشراً قُصارى أمرِه أن يكون مِثْلَهم، من غيرٍ فَضْلٍ له عليهم،
وقطعاً لِشأفة آرائهم الركيكة. انتهى.
وفيه أن كون معنى ((أنلزمكموها)): أَفُلْزِمُكم قَبولَ نبؤَّتي التابعة لها، غيرُ ظاهر،
على أن في أمر التبعية نظراً كما لا يخفى. ولعلَّ الإتيانَ بما أتى به من الشرط من
باب المُجاراة.
وإسنادُ الإلزام لضمير الجماعة إما للتعظيم، أو لاعتبارِ مُتَّبعيه عليه السلام معه
في ذلك.
﴿وَقَوْرٍ﴾ ناداهم بذلك تَلَطُفاً بهم واستدراجاً لهم ﴿لَا أَشْشَلُكُمْ عَلَّهِ﴾ أي:
التبليغ المفهوم مما تقدَّم، وقيل: الضمير للإنذار، وإفرادِ الله سبحانه بالعبادة،
وقيل: للدُّعاء إلى التوحيد، وقيل غيرُ ذلك، وكلُّها أقوالٌ متقاربةٌ، أي: لا أطلبُ
منكم على ذلك ﴿مَالًا﴾ تُؤْذُّونه إليَّ بعد إيمانكم، وأجراً (١) لي في مقابلة اهتدائكم
﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَِّ﴾ فهو سبحانه يُثيبني على ذلك في الآخرة ولا بدَّ حسب وعدِهِ
الذي لا يُخلَف. فالمرادُ بالأجر الأجرُ على التبليغ، وجوِّز أن يُرادَ الأجر على
الطاعة مطلقاً، ويدخل فيه ذلك دخولاً أوليّاً .
وفي التعبير بالمال أولاً وبالأجر ثانياً ما لا يخفى من مَزِيَّة ما عند الله تعالى
على ما عندهم.
﴿وَمَآ أَنَّأْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قيل: هو جوابٌ عما لَوَّحوا به بقولهم:
(وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذِلُنا)) من أنه لو اتَّبعه الأشراف لوافقوهم، وأنَّ
اتِّباعَ الفقراء مانعٌ لهم عن ذلك كما صرَّحوا به في قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَنََّعَكَ
اْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] فكان ذلك التماساً منهم لِطَرْدهم، وتعليقاً لإيمانهم به
عليه السلام بذلك أَنَفةً من الانتظام معهم في سلكٍ واحد. انتهى.
والمَروي عن ابن جُريج أنهم قالوا له: يا نوح، إنْ أحببتَ أن نتَّبعكَ فاظُرُدْ
(١) في الأصل: أجراً، دون واو.

وَلأُهُود
٤٢٤
الآية : ٢٩
هؤلاء، وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء؛ وذلك كما قال قریش
للنبي وَ ل﴿ في فقراء الصحابة ﴿ه: اطرُدْ هؤلاءِ عنك ونحن نتَّبعك، فإنا نستحي أن
نجلسَ معهم في مَجْلسك. فهو جوابٌ عما لم يُذكر في النظم الكريم، لكن فيه نوعُ
إشارةٍ إليه .
وقُرئ: ((بطاردٍ)) بالتنوين (١)؛ قال الزمخشري: على الأصل(٢). يعني أنَّ اسمَ
الفاعل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، فأصلُه أن يعملَ ولا يُضاف، وهو ظاهرُ
كلام سيبويه .
واستدركَ عليه أبو حيان(٣) بأنه قد يقال: إنَّ الأصلَ الإضافةُ، لأنه قد اعتَوره
شَبَهان: أحدهما شَبَهُهُ بالمضارعِ، وهو شَبَهٌ بغير جنسه، والآخر شَبَهُهُ بالأسماء إذا
كانت فيها الإضافة، وإلحاقُه بجنسه أَولى من إلحاقهِ بغير جنسه. انتهى.
وربما يقال: إنَّ أولويةَ إلحاقه بالأسماء إنما يَتِمُّ القولُ بها إذا كانت الإضافةُ في
الأسماء هي الأصلَ، ولیس فليس.
﴿إِنَّهُم مُلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ تعليلٌ للامتناع من طَرْدهم، كأنه قيل: لا أَطردهم
ولا أُبْعِدُهم عن مجلسي؛ لأنهم من أهل الزُّلفى المُقرَّبون الفائزون عند الله تعالى؛
وانفهام الفوز بمعونة المقام، وإلا فملاقاةُ اللهِ تعالى تكون للفائزِ وغيره. أو: إنهم
ملاقو ربِّهم، فَيُخاصِمون طارِدَهم عنده، فَيُعاقِيه على ما فعل.
وحملُه على أنهم مُصَدِّقون في الدنيا بلقاء ربهم، مُوقنون به، عالمون أنهم مُلاقوه
لا محالةَ فكيف أطردهم؟! خلافُ الظاهر، على أن هذا التصديقَ من توابعِ الإيمان.
وقيل: المعنى: إنهم يُلاقونه تعالى فَيُجازيهم على ما في قلوبهم من إيمانٍ
صحيح ثابت كما ظهر لي، أو على خلاف ذلك مما تعرفونهم به من بِناءِ أمرهم
على بادئ الرأي من غير تعمُّقٍ في الفِكر، وما عليَّ أن أشقَّ عن قلوبهم وأتعرَّفَ سَّ
ذلك منهم حتى أَطْرُدَهم إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون.
(١) القراءات الشاذة ص ٦٠، ونسبها لأبي حيوة.
(٢) الكشاف ٢٦٦/٢.
(٣) في البحر المحيط ٢١٨/٥.

الآية : ٣٠ - ٣١
٤٢٥
سُالمُودا
وفيه أنه مع كونه مبنيّاً على أن سؤالَ الطَّردِ لِعدم إخلاصِهم لا لاسترذالهم،
وحالُه أظهرُ من أن يخفى، يأباه الجَزْمُ بترتُّب غضبِ الله تعالى على طَرْدِهم
كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
﴿وَلَكِنِّي أَرَّكُمْ قَوْمًا تَّجْهَلُونَ ﴾﴾ أي: بكل ما ينبغي أن يُعلَم، ويدخلُ فيه
جهلُهم بمنزلتهم عند الله تعالى، وبما يترتَّب من المحذور على طَرْدِهم، وبركاكة
رأيهم في التماسِ ذلك، وتوقيف إيمانهم عليه، وغير ذلك. وإيثارُ صيغةِ الفعل
للدَّلالة على التجدُّد والاستمرار، وعبَّر بالرؤية موافقةً لتعبيرهم، وجوِّز أن يكون
الجهلُ بمعنى الجناية على الغير وفعلِ ما يشقُّ عليه، لا بمعنى عَدَمِ العلم المذموم،
وهو معنّی شائعٌ كما في قوله:
فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهلينا(١)
ألا لا يَجْهلَنْ أحدٌ علينا
أي: ولكني أراكم قوماً تتسفَّهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخَساسة.
﴿وَيَقَّوْمِ مَن يَنصُرُنِ مِنَ الَّهِ﴾ أي: مَن يَصُونُني منه تعالى ويدفعُ عني حلولَ
سَخَطِهِ. والاستفهامُ للإنكار، أي: لا ينصرني أحدٌ من ذلك ﴿إِن طَتُهُمْ﴾ وأبعدتهم
عني وهم بتلك المَثابةِ والزّلفى منه تعالى، وفي الكلام ما لا يخفى من تهويلٍ أَمْرٍ
طرْدِهم.
﴾ أي: أَتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل، فلا تتذكّرون
﴿أَفَلاَ نَذَكَّرُونَ ®
ما ذكر من حالهم حتى تعرِفوا أنَّ ما تأتونه بمعْزِل عن الصواب، قيل: ولكون هذه
العلَّة مستقلةً بوجهٍ مخصوصٍ ظاهرِ الدلالة على وجوبِ الامتناع عن الطَّرد أُفرِدَتْ
عن التعليل السابق، وصُدِّرتْ بـ ((يا قوم)).
﴿وَلَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَيْنُ اَللَّهِ﴾ شُروعٌ - على ما قال غيرُ واحد - في دَفْع الشُّبَه
التي أوردوها تفصيلاً، وذلك من قَبيل النشر المشوش ثقةً بعلم السامع، وتخلَّل
ما تخلَّل بين شُبههم وجوابِها - على ما قال العلامة الطيبي - لأنه مُقدِّمة وتمهيدٌ
للجواب، وبيَّته بأن قوله: ((يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من
(١) البيت لعمرو بن كلثوم، وهو من معلقته الشهيرة. ينظر شرح المعلقات ص١١٧ بشرح ابن
كيسان، وشرح القصائد السبع لابن الأنباري ص٤٢٦ .

٤٢٦
الآية : ٣١
عنده)) إثباتٌ لنبوته، يعني: ما قلت لكم: ((إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله))
إلا عن بيِّنة على إثبات نبوتي وصحةٍ دعوتي، لكن خَفِيتْ عليكم وعَمِيتْ حتى
أوردتم تلك الشُّبَه الواهية، ومع ذلك ليس نظري فيما ادَّعيت إلا إلى الهداية، وإني
لا أطمعُ بمالٍ حتى أُلازمَ الأغنياءَ منكم وأطردَ الفقراء، وأنتم تجهلون هذا المعنى
حيث تقولون: اطرُدِ الفقراءَ، وإن الله سبحانه ما بعثني إلا للترغيب في طلبِ الآخرة
ورَفْضِ الدنيا، فمَن ينصرني إنْ كنتُ أخالفُ ما جئتُ به، ثم شرعَ فيما شرعَ.
وفي ((الكشف)): إنَّ قولَه ((أرأيتم)) الآية جوابٌ إجمالي عن الشُّبه كلِّها مع
التعبير بأنهم لا يرجعون فيما يرمون إلى أدنى تدبُّر. وقوله: ((ويا قوم لا أسألكم))
تتميمٌ للتعبير وحثٌّ على ما ضمَّنه من التشويق إلى ما عنده، وقوله: ((ما أنا بطارد))
تصريحٌ بجواب ما ضمَّنوه في قولهم: ((وما نراكَ اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا)) من
خِسّة الشُّركاء، وأنه لولا مكانُهم لكان يُمكن الاتِّباع إظهاراً للتصلَّب فيما هو فيه،
وأن ما يُورده ويُصدره عن برهانٍ من الله تعالى يُوافيه، وأنَّى يدعُ الحقَّ الأبلجَ
بالباطل اللَّجْلج. ثم شرعَ في الجواب التفصيلي بقوله: ((ولا أقول)) إلخ. وهو
أحسنُ مما ذكره الطيبي.
وجعلوا هذا ردّاً لقولهم: ((وما نرى لكم)) إلخ، كأنه يقول: عدمُ اتِّباعي
وتكذيبي إنْ كان لِنَفْيكم عني فضلَ المال والجاه، فأنا لم أَدَّعِهِ، ولم أقل لكم: إن
خزائنَ رزق الله تعالى وماله عندي، حتى إنكم تنازعوني في ذلك وتُنكرونه،
وإنما كان مني دعوى الرسالة المُؤيَّدة بالمعُجِزات، ولعلَّ جوابَه عليه السلام عن
ذلك من حيث إنه معنيّ به مُستتبعٌ للجواب عنه من حيث إنه عني به مُتَّبعوه عليه
السلام أيضاً.
وجعلُه جواباً عن قولهم: ((ما نراك إلا بشراً مثلنا)) - كما جوَّزه الطبرسي(١) - ليس
بشيء.
وحملُ الخزائن على ما أشرنا إليه هو المُعوَّل عليه. وقال الجبائي وأبو مسلم:
إنَّ المرادَ بها مقدورات الله تعالى، أي: لا أقولُ لكم حين أدَّعي النبوةَ: عندي
(١) في مجمع البيان ١٤٠/١٢-١٤١.

الآية : ٣١
٤٢٧
سُوَلاَ هُود
مقدورات الله تعالى، فأفعلُ ما أشاء. وأُعطي ما أشاء، وأمنعُ ما أشاء. وليس
بشيء.
ومثله - بل أدهى وأمرُّ - قولُ ابن الأنباري: إنَّ المرادَ بها غيوبُ الله تعالى
وما انطوى عن الخَلْقِ.
وجعل الخازن(١) هذه الجملة عطفاً على ((لا أسألكم)) إلخ، والمعنى عنده:
لا أسألُكم عليه مالاً ولا أقول لكم عندي خزائن الله التي لا يُفنيها شيء فأدعوكم
إلى اتّباعي عليها لأعطيكم منها.
﴿وَلَّ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطفٌ على ((عندي خزائن الله)) المَقول للقول، وذكر معه
النفي مع أن العطفَ على مَقولِ القول المنفي منفيٍّ أيضاً من غير أن يُذكر معه أداة
نفي؛ لتأكيدِ النفي السابق؛ والتذكيرِ به، ودَفْع احتمال أن لا يقول هذا المجموع،
فلا يُنافي أن يقول أحدَهما، أي: ولا أقول: أنا أعلمُ الغيب حتى تُكذِّبوني
لاستبعاد ذلك، وما ذكرتُ من دعوى النبوة والإنذار بالعذاب إنما هو بوحي وإعلام
من الله تعالى، مُؤَيَّدٍ بالبيئة. والغيبُ ما لم يُوحَ به، ولم يَقُمْ عليه دليلٌ، ولعله
إنما لم ينفِ عليه السلام القولَ بعلم الغيب على نحو ما فعل في السابق واللاحق
مبالغةً في نفي هذه الصفة التي ليس لأحدٍ سوى الله تعالى منها نصيبٌ أصلاً.
ويجوز عطفُه على ((أقول))، أي: لا أقولُ لكم ذلك، ولا أدَّعي علمَ الغيب في
قولي: إني نذيرٌ مبينٌ إني أخافُ عليكم عذابَ يوم أليم حتى تُسارعوا إلى الإنكار
والاستبعاد.
وقيل: هو معطوفٌ على هذا أو ذاك، إلا أنَّ المعنى: لا أعلمُ الغيبَ حتى
أعلمَ أن هؤلاء اتَّعوني بادي الرأي من غير بصيرةٍ وعَقْدِ قلبٍ. ولا يخفى حاله.
واعتُرض على الأول بأنه غيرُ ملائم للمقام، ثم قيل: والظاهر أنه وَلّ حين
ادَّعى النبوة سألوه عن المُغَيَّات، وقالوا له: إن كنتَ صادقاً أخبرنا عنها، فقال: أنا
أُذَّعي النبوة بآية من ربي، ولا أعلمُ الغيبَ إلا بإعلامهِ سبحانه، ولا يلزمُ أن يُذكَرَ
ذلك في النظم الكريم، كما أنَّ سؤالَ طَرْدِهم كذلك. انتهى.
:
(١) في تفسيره ٢٢٨/٢، وفيه قول ابن الأنباري السالف.

سُؤَدَلاً هُود!
٤٢٨
الآية : ٣١
وفيه أنَّ زَعْمَ عدم المُلائمة ليس على ما ينبغي، وأيضاً لا يخفى أنه لا قرينةَ تدلُّ
على وقوعه جواباً لما لم يُذكَر، وأما سؤالُ طردهم فَإِنَّ الاستحقارَ قرينةٌ عليه في
الجملة، وقد صرَّح بعضُ السلف به، ومثلُه لا يقال من قبل الرأي.
﴿وَلَّ أَقُولُ إِنِّ مَلَكٌ﴾ ردٌّ لقولهم: ((ما نراك إلا بشراً مثلنا)) أي: لا أقولُ
ترويجاً لما أدَّعيه من النبوة: إني مَلَكٌ، حتى تقولوا لي ذلك وتُكذّبوني، فإن البشريةَ
ليست من موانع النبوة، بل من مَباديها. يعني كما قيل: إنكم اتَّخذتم فُقدانَ هذه
الأمور الثلاثةِ ذريعةً إلى تَكْذيبي، والحال أني لا أدَّعي شيئاً من ذلك، ولا الذي
يتعلَّق بشيء منها، وإنما الذي أدَّعيه يتعلَّق بالفضائل التي تتفاوت بها مقاديرُ البشر.
وقيل: أراد بهذا: لا أقولُ: إني رُوحاني غيرُ مخلوق من ذَكَرٍ وأُنثى، بل إنما أنا
بشرٌ مثلُكم، فلا معنى لردِّكم عليَّ بقولكم: ((ما نراك إلا بشراً مثلنا)).
وعلى القولين لا دليلَ فيه على أن الملائكةَ أفضلُ من الأنبياء عليهم السلام،
خلافاً لمن استدلَّ به. وجعلُ ذلك كلاماً آخرَ، ليس ردّاً لما قالوه سابقاً، مما لا وجهَ
له. فتدبّر.
﴿وَلَّ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيّ أَعْيُكُمْ﴾ أي: تستحقِرُهم، والأصلُ: تزتري بالتاء،
إلا أنها قُلبت دالاً لِتُجانِس الزاي في الجهر، لأنها من المهموسة، وأصلُ الازدراء
الإعابةُ، يقال: ازدراه، إذا عابَه، والتعبيرُ بالمضارع للاستمرار، أو لحكايةِ الحال؛
لأن الازدراء قد وقع، وإسنادُه إلى الأعين مجازٌ للمبالغة - في رَأْي - من حيث إنه
إسنادُ إلى الحاسَّة التي لا يُتَصَّور منها تَعييبُ أحدٍ، فكأنَّ من لا يُدرِكُ ذلك يُدركه،
وللتنبيهِ على أنهم استحقروهم بادي الرؤية بما(١) عايَنوا من رَثائة حالهم وقِلَّةٍ مَنالهم
دون تأمُّل وتدبُّر في معانيهم وكمالاتهم.
وعائدُ الموصول محذوفٌ كما أشرنا إليه، واللامُ للأَجْل لا للتبليغ، وإلا لقيل
فيما بعد: يؤتيكم، أي: لا أقولُ مساعدةً لكم ونزولاً على هواكم في شأن الذين
استرذلتموهم واستحقرتموهم لِفقرهم من المؤمنين ﴿لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ في الدنيا أو
في الآخرة، فعسى الله سبحانه يؤتيهم خيري الدارین.
(١) في الأصل و(م): وبما، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٩٣/٥.

الآية : ٣١
٤٢٩
﴿اَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىَّ أَنْفُسِهِمْ﴾ مما يستعدُّون به لإيتاء ذلك، وفي ((إرشاد العقل
السليم))(١): من الإيمان، وفيه توجيهٌ لعطف نفي هذا القول الذي ليس مما يَستنكره
الكَفَرة، ولا مما يتوهّمون صدوره عنه عليه السلام أصالةً واستتباعاً، على نفي
هاتيك الأقوال التي هي مما يستنكرونه ويتوهَّمون صُدُورَه عنه عليه السلام، أن ذلك
من جهة أنَّ كِلَا النَّفيين ردٌّ لِقياسهم الباطل الذي تمسّكوا به فيما سلف، فإنهم
زعموا أنَّ النبوةَ تستتبعُ الأمورَ المذكورة من ادِّعاء الملكية وعلم الغيب وحيازةٍ
الخزائن، وأن العثورَ على مكانها واغتنامَ مَغانمها ليس من دَأْبِ الأراذل، فأجاب
عليه السلام بنفي ذلك جميعاً؛ فكأنه قال: لا أقولُ: وجودُ تلك الأشياء من
مواجب النبوة، ولا عَدَمُ المال والجاه من موانع الخير. واقتصر عليه السلام على
نفي القول المذكور مع أنه عليه السلام جازمٌ بأنَّ الله سبحانه سيؤتيهم خيراً عظيماً
في الدارين، وأنهم على يقين راسخ في الإيمان، جرياً على سَنَن الإنصاف مع
القوم، واكتفاءً بمخالفة كلامهم، وإرشاداً لهم إلى مَسْلك الهدايةِ بأنَّ اللائقَ لكل
أحدٍ أن لا يبتَّ القولَ إلا فيما يعلمه يقيناً، ويَبني أُمورَه على الشواهدِ الظاهرة،
ولا يُجازف فيما ليس فيه على بيِّنة. انتهى.
وأنت تعلم أنه عليه السلام قد بَثَّ القولَ بفوز هؤلاء في قوله: ((وما أنا بِطاردٍ
الذين آمنوا إنهم مُلاقوا ربِّهم)) بناءً على أنهم المَعنُّون بالذين آمنوا، وأن المراد من
كونهم ((مُلاقوا ربهم)) أنهم مُقَرَّبون في حَضْرة القُدس - كما قال به غيرُ واحد - وكذا
الحُكم إذا كان المعنيُّ بالموصول مَن انَّصف بعنوان الصِّلة مطلقاً إذْ يدخلون فيه
دخولاً أوليّاً لما أنَّ المسؤولَ صريحاً أو تلويحاً طردُهم، ولعلَّ البتَّ تارةً وعدمَه
أُخرى لاقتضاء المقام ذلك، وأن في كون الكَفَرة قد زَعَموا أن العثورَ على مكان
النبوة واغتنام مَغانمها ليس من دَأْبِ الأراذل خفاءً مع دعوى أنهم لوَّحوا بقولهم:
(وما نراك اتَّبعك)) إلخ الذي هو مَظِنَّةُ ذلك الزَّعْم إلى التماس طَرْدِهم وتعليق إيمانهم
به عليه السلام بذلك أنفةً من الانتظام معهم في سِلْك واحد.
وفي ((البحر))(٢) أن معنى ((ولا أقول للذين) إلخ: ليس احتقارُكم إيَّاهم ينقصُ
:
(١) ٤/ ٢٠٣.
(٢) ٢١٨/٥.

سُوَةُ جُودٍ
٤٣٠
الآية : ٣١
ثوابَهم عند الله تعالى ولا يُبطل أُجورَهم، ولستُ أحكمُ عليهم بشيء من هذا،
وإنما الحُكم بذلك للذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه، وقيل: إن هذا ردّ
لقولهم: ((وما نراك اتبعك)) إلخ على معنى: لستُ أحكمُ عليهم بأنْ لا يكونَ لهم
خيرٌ لِظنِّكم بهم أن بواطِنَهم ليست كظواهرهم، اللهُ أعلمُ بما في نفوسهم. انتهى.
ولا يخفى ما فيه.
وقد أخرج أبو الشيخ عن السُّدي أنه فسَّر الخيرَ بالإيمان(١)، أي: لا أقولُ
للذين تزدري أعينُكم: لن يُؤتيهم اللهُ إيماناً. واستُشْكِلَ بأنَّ الظاهرَ أن المُرادَ
بالموصول أولئك المُتَّبِعون المُسترذَلون، وهم مؤمنون عندهم، فلا معنى لنفي القول
بإيتاء الله تعالى إيَّهم الإيمانَ مساعدةً لهم ونزولاً على هواهم.
وأُجيب بأنَّ المرادَ من هذا الإيمان هو المُعتدُّ به، الذي لا يزول أصلاً
كما يُنبئ عن ذلك التعبيرُ عنه بالخيرِ، وهم إنما أَثبتوا لهم الاتِّباع بادي الرأي،
وأرادوا بذلك أنهم آمنوا إيماناً لا ثَبَاتَ له، ويجعلُ ذلك ردّاً لذلك القول، ويُراد
من ((لن يُؤتيهم) ما آتاهم، فكأنَّهم قالوا: إنهم اتَّبعوك وآمنوا بك بلا تأمُّل، ومثلُ
ذلك الإيمان في مَعْرِض الزَّوال، فهم لا يَثْبُتون عليه ويرتدُّون، فردَّ عليهم عليه
السلام بأني لا أَحْكُمُ على أولئك بأنَّ الله تعالى ما آتاهم إيماناً لا يزول، وأنهم
سيرتَدُّون كما زَعَمتُم. ويكون قولُه عليه السلام: ((اللهُ أعلمُ بما في أنفسهم))
تفويضاً للحكم بذلك إليه تعالى، أو إشارةً إلى جَلالةِ ما آتاهم الله تعالى إِيَّاه من
الإيمان، كما يقال: الله تعالى أعلمُ بما يُقاسي زيدٌ من عمرو، إذا كان ما يُقاسيه
منه أمراً عظيماً لا يُستطاع شَرْحُه، فكأنه قيل: إنَّ إيمانَهم عظيمُ القَدْر جليلٌ
الشأن، فكيف أقولُ: لن يُؤتيهم اللهُ تعالى إيماناً ثابتاً؟! وفيه من التكلُّف
والتعشُّف ما الله تعالى به أعلم.
وحَمْلُ الموصوف على أُناس مُسترذَلين جدّاً غيرَ أولئك ولم يؤمنوا بعد، أي:
لا أقولُ للذين تَزدريهم أعينُكم ولم يؤمنوا بعدُ: لن يُوفِّقَهم الله تعالى للإيمان،
حيث كانوا في غايةٍ من رَثائة الحال والدَّناءةِ التي تزعُمونها مانعةً من الخير ((الله
(١) الدر المنثور ٣٢٦/٣.

الآية : ٣٢
٤٣١
أعلم بما في أنفسهم)) مما يتأهَّلون به لإفاضة التوفيق عليهم، وهو المَدارُ لذلك
لا الأحوالُ الظاهرة = مما لا أقولُ به.
﴿إِنّ إِذَا﴾ أي: إذا قلتُ ذلك ﴿لَّيِنَ الَِّمِينَ
، لهم بحظٌّ مَرْتَبتهم ونقصٍ
٣١
حقوقهم، أو من الظالمين لأنفسهم بذلك، وفيه تعريضٌ بأنهم ظالمون في ازدرائهم
واسترذالهم.
ويجوز أن يكون: إذا قلت شيئاً مما ذُكر من حيازة الخزائن وادِّعاء علم الغيب
والملكية، ونفي إيتاءِ الله تعالى أولئك الخيرَ، والقومُ لمزيد جِهْلهم مُحتاجون لأنّ
يُعلل لهم نحو الأقوال الأُول بلزوم الانتظام في زمرة الظالمين.
﴿قَالُواْ يَنُوحُ قَدْ جَدَلْتَنَا﴾ أي: خاصمتَنا ونازعتَنا، وأصلُه من: جَدَلْت الحبلَ،
أي: أَحْكَمَتِ فَتْلَه، ومنه الجَدِيل، وجَدَلْت البناء، أي: أحكمته، ودرعٌ مَجدولة،
والأَجْدلُ: الصقر المُحكم البُنْيَة، والمِجْدَل: القصرُ المُحكم البناء، وسُمِّيت
المُنازعة جِدالاً؛ لأن المُتجادلَيْنِ كأنهما يَفْتِلُ كلُّ واحد منهما الآخرَ عن رأيه.
وقيل: الأصل في الجِدال الصِّراع وإسقاطُ الإنسان صاحبَه على الجَدَالة، وهي
الأرض الصُّلبة ﴿فَأَكْثَرَّتَ جِدَلَنَا﴾ عطفٌ على ما قبلَه على معنى: شَرَعْتَ في جِدالنا
فَأَطَلْته، أو أتيتَ بنوع من أنواع الجِدال فأَعقبتَه بأنواع أُخر، فالفاء على ظاهرها،
ولا حاجةً إلى تأويل ((جادلتنا)) بـ: أردتَ جِدالنا، كما قاله الجمهور في قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَنَ فَاسْتَعِذْ بِلّهِ﴾ [النحل: ٩٨] ونظيرُ ذلك: جادل فلانٌ فَأَكثر،
وجعل بعضُهم مجموعَ ذلك كنايةً عن التمادي والاستمرار.
وقرأ ابنُ عباس ﴿يَّ: ((جَدَلَنا)) وهو - كما قال ابنُ جني(١) - اسم بمعنى
الچِدال.
ولما حجّهم عليه السلام، وأَبرز لهم ما ألقمهم به الحَجَرَ(٢) ضاقَتْ عليهم
الحِيَل، وعيَّتْ بهم العلل، وقالوا: ﴿فَأْنِنَا بِمَا تَعِدُنَّ﴾ من العذابِ المُعجَّل، وجوِّز
(١) في المحتسب ٣٢١/١.
(٢) قوله: ألقمهم الحَجَرَ، مثلٌ عربي، يُضرب للمُجيب بجواب مُسكت. المستقصى في أمثال
العرب ٣٣٨/١.

سُوٌَّلُ هُود!
٤٣٢
الآية : ٣٣ - ٣٤
أن يكون المرادُ به العذابَ الذي أُشير إليه في قوله: ((إني أخاف عليكم عذاب يوم
أليم)، بناءً على أن لا يكونَ المرادُ باليوم يومَ القيامة.
و ((ما)) موصولة والعائدُ محذوفٌ، أي: بالذي تَعِدُنا به، وفي ((البحر))(١):
تعدناه، وجوّز أن تكون مصدريةً، وفيه نوعُ تَكَلُّف.
﴿إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِينَ ﴾ في حُكمك بِلُحوقِ العذاب إنْ لم نُؤمن بك.
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْنِكُمْ بِهِ اَللَّهُ إِن شَآءَ﴾ أي: إنَّ ذلك ليس إليَّ، ولا مما هو داخلٌ
تحت قُدرتي، وإنما هو لله عزَّ وجل الذي كفرتُم به وعَصَيْتُم أمرَه یأتیکم به عاجلاً
أو آجلاً إن تعلَّقت به مشيئته التابعةُ للحِكمة، وفيه - كما قيل -: ما لا يخفى من
تهويلِ الموعود، فكأنه قيل: الإتيان به أمرٌ خارجٌ عن دائرة القُوى البشرية،
وإنما يفعله اللهُ تعالى. وفي الإتيان بالاسم الجليل الجامعِ تأكيدٌ لذلك التهويل.
﴿وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِينَ ﴾
﴾ أي: بِمُصَيِّيهِ سبحانه وتعالى عاجزاً بدَفْع العذاب أو
الهربِ منه، والباء زائدةٌ للتأكيد، والجملةُ الاسمية للاستمرار، والمرادُ استمرارُ
النفي وتأکیدُه لا نفي الاستمرار والتأكيد، وله نظائرُ.
﴿وَلَا يَنَفَمُّكُزْ نُصْحِىَ﴾ النُّصح تحرِّي قولٍ أو فعلٍ فيه صلاحٌ، وهو كلمةٌ جامعة.
وقيل: هو إعلامُ مواقعٍ الغي لِيُثَّقى، ومواضعِ الرُّشد لِيُقتفَى، وهو من
قولهم: نصحتُ له الودّ،َ أي: أَخْلَصْته، وناصحُ الَعسل خالصُه، أو من قولهم:
نصحتُ الجِلدَ: خِظْته، والناصح الخيَّاط، والنِّصاح الخيط.
وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: ((نَصْحي)) بفتح النون، وهو مصدر، وعلى قراءة
الجماعة - على ما قال أبو حيان(٢) - يحتمل أن يكون مصدراً كالشُّكر، وأن يكون اسماً.
﴿إِنْ أَرَدَثُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ شرطٌ حُذف جوابُه لدلالةِ ما سبق عليه، وليس جواباً
له لامتناع تقدُّم الجواب على الشرط على الأصحّ الذي ذهب إليه البصريون، أي:
إن أردتُ(٣) أنْ أنصحَ لكم لا ينفعُكم نُصحي.
(١) ٢١٩/٥.
(٢) في البحر المحيط ٢١٩/٥، وفيه قراءة عيسى الثقفي السالفة.
(٣) في (م): أردتم.

الآية : ٣٤
٤٣٣
سُوَلاَهُود!
والجملة كلُّها دليلُ جوابٍ قوله سبحانه: ﴿إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾
والتقدير: إنْ كان اللهُ يريدُ أن يُغويكم فإن أردتُ أنْ أنصحَ لكم لا ينفعكم نُصحي.
وجعلوا الآيةَ من باب اعتراض الشرط على الشرط، وفي شرح ((التسهيل)) لابن
عَقيل: أنه إذا توالى شرطان مثلاً، كقولك: إنْ جئتَني إنْ وعدتُك أحسنتُ إليك،
فالجواب للأول، واستُغني به عن جواب الثاني.
وزعم ابنُ مالك أن الشرطَ للثاني مُقيِّدٌ للأول بمنزلة الحال، فكأنه قيل في
المثال: إِنْ جَتي في حال وَعْدي لك أَحسنتُ إليك.
والصحيح في المسألة أنَّ الجوابَ للأول، وجوابُ الثاني محذوفٌ لدلالة
الشرط الثاني وجوابه عليه، فإذا قلت: إنْ دخلتَ الدارَ إنْ كلَّمتَ زيداً إنْ جاء إليك
فأنتَ حُرّ، فـ: أنت حُرٍّ، جوابُ إنْ دخلتَ، وهو وجوابه دليلُ جواب إنْ كلَّمتَ،
وإنْ كلَّمتَ وجوابُه دليلُ جواب إنْ جاء، والدليلُ على الجواب جوابٌ في المعنى،
والجوابُ مُتأخِرٌ، فالشرط الثالثُ مقدَّم، وكذا الثاني، فكأنه قيل: إنْ جاء فإن
كلَّمتَ فإن دخلْتَ فأنت حُرٍّ، فلا يَعْتِقُ إلا إذا وقع هكذا: مجيء، ثم كلام، ثم
دخول، وهو مذهبُ الشافعي عليه الرحمة، وذكر الجصَّاص(١) أن فيها خلافاً بين
محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وليس مذهبَ الإمام الشافعي فقط.
وقال بعضُ الفقهاء: إنَّ الجوابَ للأخير، والشرط الأخير وجوابه جوابُ
الثاني، والشرط الثاني وجوابه جوابُ الأول، وعلى هذا لا يَعْتِقُ حتى يوجدَ
هكذا: دخول، ثم كلام، ثم مجيء. وقال بعضُهم: إذا اجتمعَتْ حصل العِثْق من
غير ترتيب، وهذا إذا كان التوالي بلا عاطف، فإن عُطِفَ بأو فالجواب
لأحدِهما دون تعيين نحو: إنْ جئتَني أو إنْ أكرمْتَ زيداً أحسنتُ إليك، وإنْ كان
بالواو فالجوابُ لهما، وإن كان بالفاء فالجوابُ للثاني، وهو وجوابُه جوابُ
الأول، فتخرج الفاء عن العطف.
وادَّعى ابنُ هشام(٢) أن في كون الآيةِ من ذلك الباب نظراً؛ قال: إذْ لم يتوالَ
(١) في أحكام القرآن ٣/ ١٦٤.
(٢) في مغني اللبيب ص٨٠١.

الآية : ٣٤
٤٣٤
شرطان وبعدهما جواب كما فيما سمعتَ من الأمثلة، وكما في قول الشاعر:
إنْ تَستغيثوا بنا إنْ تُذْعَروا تَجدوا منا معاقِلَ عِزِّ زانها كرمُ(١)
إذ لم يُذكَر فيها جوابٌ، وإنما تقدَّم على الشرطين ما هو جوابٌ في المعنى
للأول، فينبغي أن يُقدَّر إلى جانبه ويكون الأصل: إنْ أردتُ أن أنصحَ لكم
فلا يَنفعُكم نُصحي إنْ كان اللهُ يُريد أن يُغوِيَكم، وأما أنْ يُقدَّر الجوابُ بعدَهما، ثم
يُقدَّر بعد ذلك مقدَّماً إلى جانب الشرط الأول فلا وجه له. انتهى.
وقد ألف في المسألة رسالة - كما قال الجلال السيوطي وأَوردها في حاشيته
على ((المغني)) - حسنة، ولا يخفى عليك أنَّ المُقدَّر في قوة المذكور، والكثير في
توالي شرطين بدون عاطف تأخّرُه سماعاً، فيقدَّر كذلك، ويجري عليه حكمه.
والكلامُ على ما تقدَّم مُتضمِّن لِشرطين مختلفين: أحدُهما جوابٌ للآخر، وقد
جعل المتأخّر في الذكر متقدِّماً في المعنى على ما هو المعهود في المسألة، وهو
عند الزمخشري(٢) على ما قيل شرطية واحدة مُقَيَّدة، حيث جعل ((لا ينفعكم)) دليلَ
الجواب لـ ((أنْ كان))، وجعل ((إنْ أردتُ)) قيداً لذلك نظير: إنْ أحسنتَ إليَّ أحسنتُ
إليك إن أمكنني. فتأمَّل.
والكلامُ متعلِّق بقولهم: ((قد جادلتَنا فَأَكْثرتَ جِدالنا)) صدرَ عنه عليه السلام
إظهاراً للعَجْزِ عن رَدِّهم عمَّا هم عليه من الضلال بالحُجَجِ والبيِّئَات لِفَرْطِ تماديهم
في العِناد، وإيذاناً بأنَّ ما سبق منه إنما كان بطريق النصيحة لهم والشَّفقةِ عليهم،
وأنه لم يألُ جُهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتهم إلى سبيله المُستبين، ولكن
لا ينفعهم ذلك عند إرادته سبحانه لإغوائهم، وتقييدُ عدم نفع النُّصح بإرادته مع أنه
مُحقَّق لا مَحالة للإيذان بأنَّ ذلك النُّصح مُقارِنٌ للإرادةَ والاهتمام به، ولِتحقيق
المقابلة بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائِهِم، وإنما اقتصرَ في
ذلك على مُجرَّد إرادة الإغواء دون نَفْسِه حيث لم يقل: إنْ كان اللهُ يُغويكم، مبالغةً
في بيان غَلَبةِ جَنابه جلَّ جلالُه، حيث دلَّ ذلك على أنَّ نُصحَه المقارنَ للاهتمام به
(١) البيت في مغني اللبيب ص ٨٠١، وسلف ٣١٠/٥.
(٢) في الكشاف ٢/ ٢٦٧ .

الآية : ٣٤
٤٣٥
لا يُجديهم نَفْعاً عند مجرَّد إرادة الله تعالى إغواءهم، فكيف عند تحقُّقه وخَلْقِه فيهم،
وزيادة ((كان)) للإشعار بتقدُّم إرادته تعالى زماناً كتقدُّمه رُتْبةً، وللدلالة على تجدُّدها
واستمرارها، وقُدِّم على هذا الكلام ما يتعلَّق بقولهم: ((فأتنا بما تعدنا)) من قوله:
((إنما يأتيكم به الله إن شاء)) ردّاً عليهم من أول الأمر، وتسجيلاً عليهم بحلول
العذابِ، مع ما فيه من اتِّصال الجوابِ بالسؤال. قال ذلك مولانا شيخُ الإسلامِ(١).
ثم إنَّ((إنْ أردتُ)) إنْ أبقي على الاستقبال لا يُنافي كونَه نَصَحَهم في الزمن
الماضي، وقيل: إنه مُجاراةٌ لهم لاستظهار الحُجَّة؛ لأنهم زعموا أنَّ ما فعلَه
ليس بِنُصْح إذْ لو كان نُصحاً قُبِلَ منه، واللامُ في ((لكم)) ليست للتقوية كما قد يُتَوَّّم
لِتعدِّي الفعل بنفسه كما في قوله:
رسولي ولم تَنْجَحْ لديهم رسائلي(٢)
نَصَحْتُ بني عوفٍ فلم يَتَقبَّلوا
لما في ((الصحاح))(٣) أنه باللام أفصح.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ إرادةَ الله تعالى مما يَصِحُّ تعلُّقها بالإغواء، وأن خلافَ
مُراده سبحانه مُحالٌ، وإلا لم تصدق الشرطية الدالة على لزوم الجواب للشرط،
والمُعتزلة وقعوا في حيص بيص منها، واختلفوا في تأويلها، فقيل: إنَّ (يُغويكم))
بمعنى يُهلككم، من غَوِي الفَصِيلُ: إذا بَشِمَ من کَثْرة شُرب اللبن فَهَلكَ، وقد رَوَى
مجيء الغَوَى بمعنى الهلاك الفراءُ وغيره، وأَنكره مَكِّيّ(٤).
وقيل: إنَّ الإغواءَ مجازٌ عن عقوبته، أي: إنْ كان اللهُ يريد عقوبةَ إغوائكم
الخَلْقَ وإضلالکم إِيًّاهم.
وقيل: إنَّ قومَ نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى أراد إغواءهم، فأَخرج عليه
السلام ذلك مخرجَ التعجب والإنكار، أي: إنَّ نُصحي لا ينفعكم إنْ كان الأمر
كما تزعمون.
(١) تفسير أبي السعود ٤/ ٢٠٥.
(٢) البيت النابغة الذبياني، وهو في ديوانه ص٩٣، وروايته: وسائلي، بدل: رسائلي.
(٣) الصحاح (نصح).
(٤) ذکر ذلك أبو حيان في البحر ٢١٩/٥ .

سُوٌَّلُ هُود!
٤٣٦
الآية : ٣٥
وقيل: سُمِّيَ تركُ إلجائهم وتخليتهم وشأنَهم إغواءً مجازاً.
وقيل: ((إنْ)) نافية، أي: ما كان اللهُ يُريد أنْ يُغْوِيَكم، ونفيُ ذلك دليلٌ على نفي
الإغواء، ويكون ((لا ينفعكم نصحي)) إلخ إخباراً منه عليه السلام لهم وتعزيةً لِنفسه
عنهم لِمَا رأى من إصرارِهم وتماديهم على الكُفر، ولا يخفى ما في ذلك من
مُخالفة الظاهر المعروف في الاستعمال، وارتكابٍ ما لا ينبغي ارتكابُ مثله في
كلام الملك المتعال.
ومن الناس من اعترضَ الاستدلال بأنَّ الشرطية لا تدل على وقوع الشرط
ولا جوازه، فلا يتم ولا يُحتاج إلى التأويل ولا إلى القال والقيل. ودُفِعَ بأنَّ المقام
ينبو عنه لعدم الفائدة في مجرد فرض ذلك، فإنْ أرادوا إرجاعَه إلى قياس استثنائي،
فإما أن يستثنى عين المقدَّم فهو المطلوب، أو نقيض التالي فخلافُ الواقع لعدم
حصول النفع.
وبالجملة الآية ظاهرةٌ جدّاً فيما ذهب إليه أهلُ السنة، والله سبحانه المُوفِّق.
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أي: خالقُكم ومالكُ أمركم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (39)﴾ فَيُجازيكم
على أفعالكم لا مَحالةً.
﴿َمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَةٌ﴾ قال ابنُ عباس ◌ًَّا: يعني نوحاً عليه السلام. أي: بل
أيقول قومُ نوح: إن نوحاً افترى ما جاء مُسنِداً إلى الله عز وجل ﴿قُلّ﴾ يا نوح ﴿إِن
اُفْتَيَتُهُ﴾ بالفَرْض البَحْت.
﴿فَعَلَنَّ إِجْرَامِ﴾ أي: وبالُه، فهو على تقدير مضاف، أو على التجوُّز بالسبب عن
المُسبَّب، وفُسِّر الإجرامُ بكسب الذنب(١)، وهو مصدر أجرم، وجاء على قِلَّةٍ:
جَرَمَ، ومن ذلك قوله:
بما جَرَمَتْ يدي وجَنَى لساني (٢)
طريدُ عشيرةٍ ورهينُ ذَنْبٍ
(١) في الأصل: الذنوب.
(٢) نسبة أبو عُبيدة في مجاز القرآن ٢٨٨/١ للهَيْرُوان السعدي، وأورده دون نسبة القرطبي في
تفسيره ١٠٧/١١، وفيه: جرم، بدل: ذنب.

هُود
٤٣٧
الآية : ٣٥
وقرئ: ((أجرامي)) بفتح الهمزة(١) على أنه كما قال النحاس(٢): جمع مُرْم.
واستشكل العزّ بن عبد السلام الشرطية بأنَّ الافتراءَ المفروضَ هنا ماضٍ،
والشرط يخلصُ للاستقبال بإجماع أئمةِ العربية.
وأجاب بأن المراد - كما قال ابنُ السرَّاج -: إنْ ثبتَ أني افتريتُه فعليَّ إجرامي؛
على ما قيل في قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦].
، أي: من إِجْرامكم في إسنادٍ الافتراء إليَّ، قيل:
﴿وَأَنَا بَرِىّءٌ مِّمَا تُحُرِمُونَ
والأصلُ: إن افتريتُه فعليَّ عقوبةُ افترائي، ولكنه فَرْضٌ مُحال، وأنا بريءٌ من
افترائكم، أي: نِسبتكم إيَّاي إلى الافتراء، وعُدل عنه إدماجاً لكونهم مجرمين، وأن
المسألة معكوسة. وحُملت ((ما)) على المصدرية لما في الموصولية من تكلُّف حذف
العائد مع أنَّ ذلك هو المناسبُ لقوله ((إجرامي)) فيما قبل.
وما يقتضيه كلامُ ابن عباس من أن الآيةَ من تتمة قصة نوح عليه السلام وفي
شأنه هو الظاهرُ، وعلیه الجمهور.
وعن مقاتل أنه في شأنِ النبي ◌َّ مع مشركي مكة، أي: بل أيقول مُشركو
مكةَ: افترى رسولُ اللهِ وَّ خبرَ نوح، قيل: وكأنه إنما جيء به في تضاعيف القصة
عند سوق طرفٍ منها تحقيقاً لحقِّيَّتها(٣)، وتأكيداً لوقوعها، وتشويقاً للسامعين إلى
استماعها، لاسيما وقد قصَّ منها طائفة متعلقة بما جرى بينه عليه السلام وبين قومه
من المُحَاجَّة، وبقيت طائفةٌ مستقلةٌ متعلِّقة بعذابهم. ولا يخفى أن القولَ بذلك
بعيدٌ، وإنْ وُجِّه بما وُجِّه.
وقال في ((الكشف)): إن كونَها في شأن النبي ◌ِِّ أظهرُ وأنسبُ من كونها من
تتمة قصة نوح عليه السلام؛ لأن «أم یقولون افتراه» کالتکریر لقوله سبحانه:
يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ﴾ [الآية: ١٣] دلالة على كمال العِناد، وأن مثلَه بعد الإتيان بالقصة
على هذا الأسلوب المُعجز مما لا ينبغي أن يُنسب إلى افتراء، فجاء زيادةً إنكارٍ
(١) القراءات الشاذة ص ٦٠.
(٢) في معاني القرآن ٣٤٦/٣.
(٣) في (م): لحقيقتها .

سُؤُولاً مُود
٤٣٨
الآية : ٣٦
على إنكار؛ كأنه قيل: بل أمع هذا البيان أيضاً يقولون: ((افتراه)) وهو نظيرُ اعتراض
قوله سبحانه في سورة العنكبوت: ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَرٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾
[الآية: ١٨] بين قصة إبراهيم عليه السلام في أحد الوجهين. انتهى. ولا أراه معوَّلاً
عليه .
﴿وَأُوْجِى إِلَى نُوجِ أَنَّهُ، لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ إقناطٌ له عليه السلام
من إيمانهم، وإعلامٌ بأنه لم يبقَ فيهم من يُتوقَّع إيمانُه، أخرج إسحاق بن بشر وابن
عساكر عن ابن عباس قال: إنَّ نوحاً عليه السلام كان يُضرَبُ ثم يُلَفُّ في لبد،
فَيُلقى في بيته يَرَوْنَ أنه قد مات، ثم يخرجُ فيدعوهم، واتفق أنْ جاءه رجلٌ ومعه
ابنُه وهو يتوكأ على عصا فقال: يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك. قال: يا أبت
أَمكنِّي من العصا. فأخذ العصا، ثم قال: ضعني على الأرض. فوضعه فمشى إليه
فضربه فشجّه مُوضحةً في رأسه وسالت الدماءُ، فقال نوح عليه السلام: رَبِّ قد تری
ما يفعلُ بي عبادُك، فإن يكُ لك في عبادك حاجةٌ فاهدِهم، وإنْ يكُنْ غيرَ ذلك
فصبِّرني إلى أن تَحكُمَ، وأنت خيرُ الحاكمين. فأوحى الله تعالى إليه وآيسه من
إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبقَ في أصلابِ الرجال ولا في أرحام النساء مؤمنٌ،
وقال سبحانه: يا نوح إنه (لَن يُؤْمِنَ) إلخ(١).
والمرادُ بمن آمن، قيل: من استمرَّ على الإيمان، وللدوام حكمُ الحدوث،
ولذا لو حَلَفَ: لا يلبس هذا الثوب، وهو لابِسُه، فلم ينزعه في الحال حَنْثَ.
وقيل: المرادُ: إلا مَن قد استعذَّ للإيمان وتُوقِّع منه، ولا يُراد ظاهره. وإلا كان
المعنى: إلا مَنْ آمن فإنه يُؤمن. وأُورد عليه أنه مع بُعدهِ يقتضي أنَّ من القوم مَنْ
آمن بعد ذلك، وهو يُنافي تقنيطه من إيمانهم.
وقد يقال: المرادُ ما هو الظاهر، والاستثناءُ على حدِّ الاستثناء في قوله تعالى:
﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَبْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَُ﴾ [النساء: ٢٣] على ما قاله غيرُ
واحد، فَيُفيد الكلامُ الإقناطَ على أتمٍّ وجه وأبلغهِ، أي: لن يُحدِثَ من قومك إيماناً
(١) الدر المنثور ٣٢٧/٣ وهو في تاريخ ابن عساكر ٦٢/ ٢٤٨ من طريق إسحاق بن بشر عن
مقاتل وعبد الله بن زياد وجويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس.

الآية : ٣٧
٤٣٩
ـرة
ويُحصِّلَه بعدُ إلا مَنْ قد أَحْدَثه وحَصَّله قبلُ، وذلك مما لا يُمكن لما فيه من تحصيل
الحاصل وإحداثِ المُحدَث، فإحداثُ الإيمان وتحصيلُه بعدُ مما لا يكون أصلاً.
وفي ((الحواشي الشهابية)): لو قيل: إنَّ الاستثناءَ منقطعٌ، وإنَّ المعنى: لا يُؤمن
أحدٌ بعدَ ذلك غيرَ هؤلاء لكان معنّى بليغاً. فتدبّر(١).
وقرأ أبو البرهسم(٢): ((وأَوْحَى)) مبنيّاً للفاعل و((إنه)) بكسر الهمزة على إضمار
القول على مذهب البصريين، وعلى إجراء أَوحى مجرى قال على مذهب الكوفيين.
واستدلَّ بالآية من أجاز التكليف بما لا يُطاق.
﴿فَلَ نَّبْتَبِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣)﴾ أي: لا تلتزم البؤسَ، ولا تحزن بما كانوا
يتعاطَوْنه من التكذيب والاستهزاء والإيذاء في هذه المُدَّة الطويلة، فقد حان وقتُ
الانتقام منهم.
﴿وَأَصْنَعِ اٌلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ عطف على ((فلا تبتئس))، والأمر قيل: للوجوب، إذْ
لا سبيل إلى صيانةِ الروح من الغَرق إلا به، فيجب كوجوبها(٣). وقيل: للإباحة،
وليس بشيء.
و((أل)) في ((الفلك)) إما للجنس أو للعهد؛ بناءً على أنه أُوحي إليه عليه السلام
مِنْ قبلُ أنَّ الله سبحانه سَيُهلِكُهم بالغَرق، ويُنجيه ومَنْ معه بشيء يصنعه بأمره تعالى
من شأنه كيت وكيت، واسمه كذا. والباء للملابسة، والجار والمجرور في موضع
الحال من الفاعل.
والأعينُ حقيقة في الجارحة، وهي جاريةٌ مَجرى التمثيل، كأنَّ للهِ سبحانه أَعْيُناً
تكلؤه مِن تعدِّي الكَفَرة، ومن الزَّيغ فى الصنعة، والجمع للمبالغة، وقد انسلخ عنه
لإضافته - على ما قيل - معنى القِلَّة، وأُريد به الكَثْرة، وحينئذ يقوى أمرُ المبالغة.
وزعم بعضُهم أن الأَعْيُنَ بمعنى الرُّقباء، وأن في ذلك ما هو من أبلغِ أنواعٍ
(١) حاشية الشهاب ٩٦/٥.
(٢) عمران بن عثمان الزبيدي الشامي صاحب القراءة الشاذة. طبقات القراء ٦٠٤/١ وقراءته
ذكرها أبو حيان في البحر ٢٢٠/٥ .
(٣) في الأصل: لوجوبها .

سوداُهُود!
٤٤٠
الآية : ٣٧
التجريد، وذلك أنهم ينتزعون من نَفْسٍ الشيء آخرَ مثلَه في صفته مبالغةً بكمالها
كما أَنشد أبو علي:
أفاءتْ بنو مروان ظُلماً دماءَنا وفي اللهِ إنْ لم يعدِلُوا حَكَمٌ عدل(١)
وقد جرد هاهنا من ذات المُهيمن جماعة الرقباء، وهو سبحانه الرقيبُ نفسُه.
وقيل: إنَّ ملابسةَ العين كنايةٌ عن الحفظ، وملابسةَ الأعين لمكان الجمع كنايةٌ
عن كمال الحِفْظ والمبالغة فيه، ونظيرُ ذلك: بسط اليد وبسط اليدين، فإن الأولَ
كنايةٌ عن الجود، والثاني كناية عن المبالغة فيه. وجُوِّز أن يكون المرادُ الحفظَ
الكامل على طريقة المجاز المرسل لما أنَّ الحفظ من لوازم العين الجارحة.
وقيل: المرادُ من ((أعيننا)) ملائكتُنا الذين جعلناهم عيوناً على مواضع حفظك
ومعونتك، والجمع حينئذ على حقيقته لا للمبالغة.
ويُفهم من صنيع بعضهم أنَّ هذا من المُتشابه، والكلام فيه شهير، ففي ((الدر
المنثور))(٢) عند الكلام على هذه الآية: أخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال:
ما وصفَ اللهُ تبارك وتعالى به نفسَه في كتابه، فقراءتُه تفسيره، ليس لأحدٍ أنْ يُفَسِّره
بالعربية ولا بالفارسية.
وقرأ طلحة بن مُصَرِّف(٣): ((بأَعْيُنَّا)). بالإدغام.
﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليك كيف تصنعها، وتعليمِنا، أخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر
عن ابن عباس ◌ًا: أنه عليه السلام لم يعلم كيف صنعةُ الفلك، فأوحى الله تعالى
إليه أن اجعَلْ رأسَها كرأس الدِّيك، وجوجؤها (٤) كجؤجؤ الطير، وذنبها كذنب
(١) قائله أبو الخطار الكلبي كما في الحماسة البصرية ٨١/١، والحماسة الشجرية ٩/١،
وروایته فیهما :
أقادت بنو مروان قيساً دماءنا وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل
وأورده بلفظ المصنف ابن جني في الخصائص ٢/ ٤٧٥ دون نسبة.
(٢) ٣٢٧/٣.
(٣) في الأصل و(م): أبو طلحة بن مصرف، والمثبت من المصادر. ينظر المحرر الوجيز ١٦٩/٣،
والبحر المحيط ٢٢٠/٥، والدر المصون ٣٢٢/٦.
(٤) جؤجؤ الطائر والسفينة: صدرُهما. مختار الصحاح (جأجأ).