النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ١٨
٤٠١
سُوَلَ هُود!
شيخ الإسلام(١) للترغيب أيضاً فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيد والإسلام،
وادّعى الطبرسي(٢) أنها مرتبطةٌ بقوله تعالى: ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ﴾ [الآية:
١٣] وأنَّ المرادَ أنهم إذا لم يأتوا بذلك فقل لهم: ((أفمنْ كان على بيِّنة)). ولا بيِّنَة
له علی ذلك.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبَأْ﴾ بأنْ نسبَ إليه ما لا يَليقُ به، كقولهم:
الملائكةُ بناتُ الله، تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً، وقولهم لآلهتهم: ﴿هَؤُلاء
شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ﴾ [يونس: ١٨]. والمرادُ من الآية ذمّ أولئك الكَفَرة بأنهم مع كُفرهم
بآيات الله تعالی مُفترون علیه سبحانه.
ويجوز أن تكونَ لنوع آخرَ من الدلالة على أن القرآنَ ليس بمفتَرى، فإنَّ من
یعلمُ حالَ مَنْ یقتري علی الله سبحانه کیف یرتکبه؟!
وأن تكون من الكلام المنصف، أي: لا أحدَ أظلمُ مني أنْ أقولَ لما ليس
بكلام الله تعالى: إنه كلامه كما زعمتم، أو: منكم إنْ كنتم نَفَيْتُم أن يكونَ كلامَه
سبحانه مع تحقّق أنه كلامُه جلّ وعلا، وفيه من الوعيد والتهويل ما لا يخفى.
ويجوز عندي إذا كان ما قبلُ في مؤمني أهل الكتاب أن يكون هذا في بيان
حالٍ كَفَرتهم الذين أسندوا إليه سبحانه ما لم يُنزله من المُحَرَّف الذي صنعوه، ونَفَوا
عنه سبحانه ما أَنزله من القرآن، أو من نَعْتِ النبي ◌َّهِ. وأيّاً ما كان فالمرادُ نَفْي أن
يكون أظلمَ من ذلك، أو مساوياً في الظلم على ما تقدَّم.
﴿ أُوْلَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بالظلم البالغ، وهو الافتراء ﴿يُعْرَضُونَ﴾ من
حيث إنهم موصوفون بذلك ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: مالِكهم الحقّ، والمُتصرِّف فيهم
حسبما يُريد. وفيه على ما قيل: إيماء إلى بُطلان رأيهم في اتّخاذهم أرباباً من دونه
سبحانه وتعالى.
وجعل بعضُهم الكلامَ على تقدير المضاف، أي: تُعرَضُ أعمالُهم، أو على
ارتكابِ المَجاز، ولا يُحتاج إلى ذلك على ما أُشير إليه؛ لأن عرضَهم من تلك
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٩٤.
(٢) في مجمع البيان ١٢/ ١٣٣ .

سُوَلاَ هُود!
٤٠٢
الآية : ١٨
الحيثية وبذلك العنوان عرضٌ لأعمالهم على وجهٍ أبلغَ، فإن عرض العامل بعمله
أفظعُ من عرض عمله مع غيبته .
والظاهر أنه لا حذفَ في قوله سبحانه: (عَلَى رَيِّهِمْ) ويفوض من يقف على الله.
وقيل: هناك مضافٌ محذوف، أي: على ملائكة ربِّهم، أو أنبياءِ ربِّهم، وهم
المرادُ بالأشهاد في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ﴾ وتفسيرهم بالملائكة مطلقاً هو
المرويُّ عن مجاهد. وعن ابن جُريج تفسيرهم بالحَفَظة من الملائكة عليهم السلام.
وقيل: المرادُ بهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون، وقيل: جوارحهم. وعن مقاتل
وقتادة: هم جميعُ أهل المَوقف.
وهو جمعُ شاهد بمعنى حاضر، كصاحب وأصحاب؛ بناءً على جواز جمع
فاعل على أفعال، أو جمع شهيد بمعناه، كشريف وأشراف، أي: ويقول
الحاضرون عند العرض أو في موقف القيامة: ﴿هَلُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ﴾
يحتمِلُ (١) أن يكون شهادةً على تعيين مَن صَدَر منه الكذب كأنَّ وقوعَه أمرٌ واضحٌ
غنيّ عن الشهادة، وإنما المحتاج إليها ذلك(٢)، ولذا لم يقولوا: هؤلاء كَذَبوا،
بدون الموصول.
ويحتمل أن يكون ذمّاً لهم بتلك الفِعْلة الشنيعة لا شهادةً عليهم كما يُشعر به قوله
تعالى: ﴿وَيَقُولُ﴾ دون: ويشهد، وتوطئةً لما يعقبه من قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَهُ اُلَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ ﴾ أي: بالافتراء المذكور. والظاهرُ أنَّ هذا من كلام الأشهادِ على
الاحتمالين، ويُؤيِّده ما أخرجه الشيخان وخلقٌ كثير عن ابن عمر ﴿مَا قال: سمعتُ
رسولَ الله وَله يقول: ((إنَّ اللهَ تعالى يُدني المؤمنَ حتى يَضَعَ كَنَفَه عليه ويستره من
الناس ويُقرِّره بذنوبه، ويقول له: أَتعرفُ ذَنْبَ كذا؟ أَتعرفُ ذَنْبَ كذا؟ فيقول: ربِّ
أعرفُ. حتى إذا قَرَّره بذنوبه ورأى في نَفْسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتُها عليك
في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفارُ والمنافقون
فيقول الأشهاد: (هَكُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَغْنَّةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)»(٣).
(١) في (م): ويحتمل.
(٢) أي: تعيين من صدر منه الكذب. ينظر تفسير أبي السعود ٤/ ١٩٦ .
(٣) صحيح البخاري (٢٤٤١)، وصحيح مسلم (٢٧٦٨)، وأخرجه أحمد (٥٤٣٦).

الآية : ١٩
٤٠٣
سُؤْدَلُ هُود!
وجوِّز على الاحتمال الأول أن يكونَ من كلام الله تعالى، وحينئذ يجوز أن
يُرادَ بالظالمين ما يعمُّ الظالمين بالافتراء، والظالمين بغير ذلك، ويدخل فيه الأوَّلون
دُخولاً أوليّاً، ويُؤيِّده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال: إنَّ الرجلَ
لَيُصلِّي ويلعن نَفْسَه في قراءته فيقول: (أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ) وهو ظالم(١).
وربما يجوز ذلك على الاحتمال الثاني أيضاً.
وأيّاً ما كان فـ ((هؤلاء الذين)) مبتدأ وخبر. واحتمال أن يكون ((هؤلاء)) مبتدأ،
و((الذين)) تابعٌ له، وجملة ((ألا لعنة الله على الظالمين)) خبره. وقد أُقيم الظاهِرُ
مقامَ المُضمر، أي: عليهم، لِذَمِّهم بمبدأ الاشتقاق مع الإشارة إلى عِلَّة
الحكم = كما ترى.
وجملة ((يقول الأشهاد)) قيل: مستأنفة على أنها جوابُ سؤال مُقدَّر، كأنَّ سائلاً
سأل إذْ سمع أنهم يُعرَضون على ربِّهم: ماذا يكون إذْ ذاك؟ فأُجيبَ بما ذكر.
وقيل - وهو الظاهرُ -: إنها معطوفةٌ على جملة ((يُعرضون))، على معنى: أولئك
يُعرَضون ويقول الأشهاد في حقِّهم، أو ويقول أشهادهم والحاضرون عند عَرْضهم:
((هؤلاء)) إلخ. وكأنَّ هذا لِبيانِ أنها مرتبطةٌ في التقدير بالمبتدأ كارتباط الجُملة
المعطوفة هي عليها به، وقيل: كفى اسمُ الإشارة القائمِ مقامَ الضمير للتحقير
رابطاً. فتدبّر.
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أي: كل مَنْ يقدرون على صدِّه، أو يفعلون الصدّ ﴿عَن سَبِيلٍ
اللَّهِ﴾ أي: دينه القويم. وإطلاقُ ذلك عليه كالصراطِ المستقيم مجازٌ.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يطلبون لها انحرافاً، والمرادُ أنهم يصفونها بذلك وهي
أبعدُ شيءٍ عنه، وإطلاقُ الطلب على الوصف مجازٌ من إطلاق السبب على
المسبّب.
ويجوز أن يكون الكلامُ على حذف مضاف، أي: يبغون أهلَها أن ينحرفوا عنها
ويرتدُّوا.
وقيل: المعنى: يطلبونها على عِوَج.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٢٠١٧/٦.

سُوَلاَ هُود!
٤٠٤
الآية : ٢٠
ونُصِبَ ((عوجاً)) على أنه مفعولٌ به، وقيل: على أنه حالٌ ويُؤْوَّل بمعوجِّين.
﴿وَهُمْ بِلَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴾﴾ أي: والحالُ أنهم لا يؤمنون بالآخرة، وتکریرُ
الضمير لتأكيدِ كُفرهم واختصاصِهم به، لأنه بمنزلة الفصل فيفيدُ الاختصاصَ وضرباً
من التأكيد، والاختصاص ادّعائي مبالغة في كُفرهم بالآخرة، كأنَّ كُفْرَ غيرهم بها
ليس بكفر في جَنْبه، وقيل: إنَّ التكريرَ للتأكید.
وتقدیم ((بالآخرة)) للتخصيص، والأَولی کونُ تقديمه لرؤوس الآي.
﴿أُوْلَيْكَ﴾ الموصوفون بما يُوجب التدمير ﴿لَمَّ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ﴾ لله تعالى مُفلتين
أنفسهم من أخذه لو أراد ذلك ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مع سَعتها وإنْ هربوا منها كلَّ مَهْرَب،
وجعلها بعضُهم كنايةً عن الدنيا.
﴿وَمَا كَانَ لَهُم ◌ِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَةٌ﴾ ينصرونهم من بأسهِ، ولكن أخّر ذلك
لِحِكمة تقتضيه، و((من)) زائدة لاستغراق النفي، وجُمع ((أولياء)) إما باعتبار أفراد
الكَفَرَة؛ كأنه قيل: وما كان لأحدٍ منهم من ولي، أو باعتبار تعدُّد ما كانوا يَدْعون
من دون الله تعالى، فيكون ذلك بياناً لحال آلهتهم من سُقوطها عن رُتبة الولاية.
﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ جملة مستأنفة بيّن فيها ما يكون لهم ويحلُّ بهم، واذُّعي
أنها تتضمَّن حكمةَ تأخير المؤاخذةِ، وزَعْمُ بعضِهم أنها من كلام الأشهاد، وهي
دُعائیةٌ، ليس بشيء.
وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: ((يُضَعَّف)) بالتشديد(١).
﴿مَا كَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: أنهم كانوا يستثقلون سماعَ الحقِّ الذي جاء به
الرسولُ وَ ويستكرهونه إلى أقصى الغاياتِ، حتى كأنهم لا يستطيعونه، وهو نظيرُ
قول القائل: العاشقُ لا يستطيع أن يسمعَ كلامَ العاذل، ففي الكلام استعارةٌ
تصريحية تبعيةٌ، ولا مانعَ من اعتبار الاستعارةِ التمثيلية بدلَها وإنْ قيل به، وبالجملة
لا تردُ الآيةُ على المعتزلة، وكذا على أهل السُّنة؛ لأنهم لا ينفون الاستطاعة رأساً
وإن منعوا إيجادَ العبد لشيء ما، وكأنه لما كان قبحُ حالهم في عدم إذعانهم للقرآن
(١) التيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/٢. وهي قراءة أبي جعفر أيضاً.

الآية : ٢٠
٤٠٥
سُوَلاَ هُود!
الذي طريقُ تلقِّيه السمعُ أشدَّ منه في عدم قَبولهم سائرَ الآيات المَنوطة بالإبصار،
بالغ سبحانه في نفي الأول عنهم حسبما عَلِمتَ، واكتفى في الثاني بنفي الإبصار،
فقال عزَّ قائلاً: ﴿وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ﴾ أي أنهم كانوا يتعامَوْن عن آيات الله
تعالى المبسوطةِ في الأنفس والآفاق، وكأنَّ الجملةَ جوابُ سؤال مُقدَّر عن علَّة
مُضاعفة العذاب، كأنه قيل: ما لهم استوجبوا تلك المُضاعفة؟ فقيل: لأنهم كَرِهوا
الحقَّ أشدَّ الكراهة، واستثقلوا سماعَه أعظمَ الاستثقال، وتعامَوْا عن آيات الملك
المُتعال، ولا يُشكل على هذا قولُه سبحانه: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةٍ فَلَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن
جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَ إلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠] بناءً على أن المرادَ
بمثل السيئة ما تقتضيه من العقاب عند الله تعالى، فلعلَّ ما فعلوه من السيئات
يقتضي تلك المُضاعفة، فتكون هي المِثْلَ، كما أنَّ مِثْلَ سيئة الكُفر هو الخُلود في
النار.
وقيل: إن المضاعفةَ لافترائهم وكَذِبهم على ربِّهم، وصَدِّهم عن سبيل الله
تعالى، وبَغْيهم إِيَّاها العِوَجَ، وكُفرِهم بالآخرة - على ما يدلُّ عليه نسبةُ مُضاعفةٍ
العذاب إلى هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات - وبه جمع بين ما هنا وقوله سبحانه:
(وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ) الآية، ولعلَّ التعليل بما تُفيده الجملةُ على هذا لأنه الأصلُ
الأصيلُ لسائر قبائحهم ومعاصیھم.
وزعم بعضُهم أن المضاعفةَ لحفظِ الأصل إذْ لولا ذلك لارتفعَ، ولم يبقَ عذاباً
للإلفِ بطول الأمَد، وفيه ما فيه.
وقيل: إنَّ الجملةَ بيانٌ لما نَفى من ولاية الآلهة، فإن ما لا يسمعُ ولا يُبصر
بمعزل عن الولاية، وقوله سبحانه: ((يضاعف)) إلخ اعتراضٌ وُسِّطَ بينهما نعياً عليهم
من أول الأمر بسوء العاقبة. وفيه أنه مُخالِفٌ للسِّياق ومستلزمٌ تفكيكَ الضمائر.
وجوَّز أبو البقاء(١) أن تكون ((ما)) مصدرية ظرفية، أي: يُضاعف لهم العذابُ
مدةَ استطاعتهم السَّمعَ وإبصارِهم، والمعنى: أن العذابَ وتضعيفَه دائمٌ لهم
مُتمادٍ.
(١) في إملاء ما من به الرحمن ٢٦٥/٣ (بهامش الفتوحات الإلهية).

سُوَاُ هُود!
٤٠٦
الآية : ٢١ - ٢٢
وأجاز الفراء(١) أن تكونَ مصدريةً، وحُذف حرفُ الجرِّ منها كما يُحذَف من أَنْ
وأنَّ، وفيه بُعْدٌ لفظاً ومعنى.
﴿أُوْلَيْكَ﴾ الموصوفون بتلك القبائح ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتراء عبادةِ الآلهة
بعبادة الله تعالى شأنه. وقيل: ((خسروا)) بسبب تبديلهم الهدايةَ بالضلالة والآخرةَ
بالدنيا، وضاع عنهم ما حصَّلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرِّياسة.
وفي ((البحر))(٢) أنه على حذف مضاف، أي: خسروا سعادةً أنفسهم وراحتَها،
فإنَّ أنفسَهم باقيةٌ معذَّبة.
وتُعقّب بأنَّ إبقاءه على ظاهره أولى لأنَّ البقاءَ في العذاب كلابقاء.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾﴾ من الآلهة وشفاعتها .
﴾ أي: لا أحدَ أبينُ أو أكثرُ خُسراناً
﴿لَا جَرََ ◌َهُمْ فِى الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْرُونَ (َّ
منهم، فأَفعل للزيادة إما في الكم أو الكيف، وتعريفُ المسند بلام الجنس لإفادةِ
الحصر، وإنْ جُعل ((هم)) ضميرَ فصل أفادَ تأكيدَ الاختصاص، وإنْ جُعل مبتدأ
وما بعدَه خبره والجملةُ خبر ((أنَّ» أفاد تأكيدَ الحكم.
وفي ((لا جَرَمَ)) أقوال: ففي ((البحر))(٣) عن الزجَّاج(٤): أنَّ ((لا)) نافيةٌ ومَنْفِيُّها
محذوفٌ، أي: لا ينفعهم فعلُهم مثلاً، و((جرم)) فعلٌ ماضٍ بمعنى كسب يقال:
جَرَمْت الذنب، إذا كسبته؛ وقال الشاعر:
بما جَرَمَتْ يداه وما اعْتَدينا(٥)
نَصَبنا رَأْسَه في چِذْعِ نَخْل
وما بعده مفعولُه، وفاعلُه ما دلّ عليه الكلامُ، أي: كسب ذلك أظهرية أو
أكثرية خُسرانهم، وحُكي هذا عن الأزهري(٦).
(١) في معاني القرآن ٨/٢.
(٢) ٥/ ٢١٢.
(٣) ٢١٣/٥.
(٤) في معاني القرآن ٤٦/٣ .
(٥) ذكره ابن الأنباري في الزاهر ٢٧٢/١، والبغدادي في الخزانة ٢٨٦/١٠ دون نسبة.
(٦) تهذيب اللغة ٦٦/١١ .

الآية : ٢٢
٤٠٧
سُوَاُ هُود
ونُقل عن سيبويه أنَّ ((لا)) نافيةٌ حسبما نُقل عن الزجاج، و((جرم)) فعلٌ ماضٍ
بمعنى حقّ، وما بعدُ فاعلُه، كأنه قيل: لا ينفعهم ذلك الفعلُ حقَّ أنهم في
الآخرة ... إلخ.
وذكر أبو حيان أنَّ مذهبَ سيبويه وكذا الخليل أيضاً كونُ مجموع ((لا جرم))
بمعنى حقَّ، وأنَّ ما بعدَه رُفع به على الفاعلية(١).
وقيل: ((لا)) صلة و((جرم)) فعل بمعنى كَسَبَ أو حقَّ.
وعن الكسائي أن ((لا)) نافية، ((وجرم)) اسمها مبنيٌّ معها على الفتح، نحو:
لا رجلَ، والمعنى: لا صدَّ ولا مَنْعَ، والظاهر أن الخبرَ على هذا محذوفٌ،
وحذف حرفُ الجر من ((أنَّ) ويقدَّر حسبما يقتضيه المعنى.
وقيل: إنَّ((جرم) اسم ((لا)) ومعناه القطعُ من جَرَمْت الشيء، أي: قطعته،
والمعنى: لا قطع لِثبوت أكثرية خُسرانهم، أي: إنَّ ذلك لا ينقطع في وقت فيكون
خلافه .
ونقل السِّيرافي عن الزّجَّاج أنَّ ((لا جرم)) في الأصل بمعنى: لا يُدْخِلَنَّكم
في الجُرم، أي: الإثم، كأثَّمه، أي: أدخله في الإثم، ثم كَثُر استعمالُه حتى
صار بمعنى لا بد، ونقل هذا المعنى عن الفراء، وفي ((البحر))(٢) أنَّ ((جرم))
عليه اسم ((لا)).
وقيل: إنَّ ((جرم)) بمعنى باطل، إما على أنه موضوعٌ له، وإما أنه بمعنى كسب،
والباطل مُحتاجٌ له، ومن هنا يُفسَّر ((لا جرم)) بمعنى حقّاً؛ لأن الحقَّ نقيضُ الباطل،
وصار: لا باطلَ، يميناً، كـ ((لا كذب)) في قول النبي وَّر: ((أنا النبي لا كذب))(٣).
وفي ((القاموس)) أنه يقال: لا جَرَمَ، ولا ذا جَرَمَ، ولا أنْ ذا جَرَمَ، ولا عن ذا
جَرَمَ، ولا جَرُمَ، كَكَّرُمَ، ولا جُرم - بالضم - أي: لا بُدَّ، أو حقّاً، أو لا محالةَ،
(١) البحر المحيط ٢١٢/٥، وينظر الكتاب ١٣٨/٣.
(٢) ٢١٣/٥.
(٣) أخرجه أحمد (١٨٤٦٨)، والبخاري (٣٠٤٢)، ومسلم (١٧٧٦) من حديث البراء بن
عازب

سُورَةٌ هُوّد!
٤٠٨
الآية : ٢٣
وهذا أصلُه، ثم كَثُرَ حتى تحوَّل إلى معنى القَسَم، فلذلك يُجاب عنه باللام، فيقال:
لا جَرَمَ لآتینك. انتهى(١) .
وفيه مُخالفةٌ لما نقله السِّرافي عن الزجاج، وما ذَكَره مِنْ ((لا جَرُم)) کَكَرُمَ رواه
بعضُهم عن أبي عمرو في الآية(٢)، ومِنْ ((لا ذا جرم)) حكاه الفراءُ عن بني عامر(٣)،
وحكي أيضاً ((لا ◌ُرم)) - بالضم - عن أُناس من العرب، ولكن قال الشهاب(٤): إنَّ
في ثُبوت هذه اللغة في فصيح كلامهم تردُّداً. و((جرم)) فيها يحتمل أن يكون اسماً
وأن يكون فعلاً مجهولاً سكن للتخفيف.
وحكى بعضُهم: لا ذو جَرَم، ولا عن جَرَم، ولا جَرَ، بحذف الميم لكَثْرة
الاستعمال، كما حُذفت الفاء من سوف لذلك في قولهم: سو ترى.
والظاهر أن المُقحمات بين ((لا)) و((جرم)) زائدة، وإليه يُشير كلامُ بعضهم.
وحكي: بغير لا جَرم أنك أنتَ فعلتَ ذاك، ولعلَّ المرادَ أنَّ كونَك الفاعلَ
لا يحتاجُ إلى أن يقال فيه: لا ◌َرَمَ. فليراجَعْ ذاك، والله تعالى يتولَّى هُداك.
ثم إنه تعالى لما ذكر فريق(٥) الكفار وأعمالَهم وبيَّن مصيرَهم ومآلَهم شَرَعَ في
شرح حال أضدادهم، وهم المؤمنون، وبيانِ ما لهم(٦) من العواقب الحَميدة تكملةً
لما سلفَ من محاسن المؤمنين المذكورة عند جَمْع في قوله سبحانه: (أَفَمَن كَانَ عَلَ
بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ،) الآية ليَتَبَيَّنَ ما بينهما من التباين البيِّنَّ حالاً ومآلاً، فقال عزَّ مِن قائل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: صدَّقوا بكل ما يجب التصديقُ به من القرآن وغيره، ولا يكون
ذلك إلا باستماع الحقِّ ومشاهدةِ الآيات الآفاقيَّةِ والأَنْفُسية والتدبُّر فيها، أو المعنى:
فعلوا الإيمانَ واتَّصفوا به، كما في فلانٌ يُعطي ويمنع ﴿وَعِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ أي:
الأعمالَ الصالحات، ولعلَّ المرادَ بها ما يشمل الترغيبَ في سلوك سبيل الله عزَّ
(١) القاموس المحيط (جرم).
(٢) البحر ٢١٣/٥، والدر المصون ٣٠٥/٦.
(٣) معاني القرآن للفراء ٩/٢، وفيه: بني كلاب، بدل: بني عامر.
(٤) في الحاشية ٧/ ٣٧٤.
(٥) في (م): طريق.
(٦) في الأصل: حالهم وجاء في تفسير أبي السعود ١٩٧/٤ بدلاً منها: ما يؤول إليه أمرهم.

الآية : ٢٤
٤٠٩
سُوَلَ هُودٍ
وجلَّ ونحوه مما على ضدِّه فريقُ الكفار ﴿وَأَخْبَتُوَاْ إِلَى رَيْهِمْ﴾ أي: اطمأنُّوا إليه
سبحانه، وخشعوا له، وأصلُ الإخبات نزولُ الخَبْت، وهو المُنخفِض من الأرض،
ثم أُطلق على اطمئنانِ النفس والخشوع تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، ثم صار حقيقةً
فيه، ومنه الخبيت بالتاء المثناة للدنيء، وقيل: إن التاء بدل من الثاء المثلثة.
﴿أُوْلَكَ﴾ المنعوتون بتلك النعوتِ الجليلة الشأن ﴿أَمْحَبُ الْجَنَّةِّ هُمْ فِهَا
خَالِدُونَ ﴾ دائمون أبداً، وليس المرادُ حصرَ الخلودِ فيهم؛ لأن العُصاةَ من
المؤمنين يدخلون الجنةَ عند أهل الحقّ ويخلُدون فيها، ولعلَّ مَنْ يدَّعي ذلك يُريد بنفي
الخُلود عن العُصاة نَقْصَه من أوله، كما قيل به فيما ستسمعه إن شاء الله تعالى.
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ المذكورَيْن من المؤمنين والكُفَّار، أي: حالهما العجيب،
وأصلُ المَثَلِ كالمِثْل: النظيرُ؛ ثم استُعير لقولٍ شبِّه مَضْربُه بمَوْرِدِه، ولا يكون
إلا لما فيه غرابة، وصار في ذلك حقيقةً عُرفية، ومن هنا يُستعار للقصة والحال
والصفة العجيبة.
﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعْ﴾ أي: كحال من جَمَع بين العمى والصَّمَم،
ومَنْ جمع بين البصر والسَّمْع، فهناك تشبيهان: الأول: تشبيهُ حال الكَفَرة
الموصوفين بالتعامي والتصامِّ عن آيات الله تعالى بحالٍ من خُلق أعمى أصمَّ لا تنفعه
عبارةٌ ولا إشارة. والثاني: تشبيهُ حال الذين آمنوا وعملوا الصالحات فانتفعوا
بأسماعهم وأبصارهم اهتداء إلى الجنة وانكفاءً عما كانوا خابطين فيه من ضلال
الكُفر والدُّجُنَّة بحال من هو بصيرٌ سميع يستضيء بالأنوار في الظلام ويستفيء
بمغانم الإنذار والإبشار فوزاً بالمرام. والعطفُ لِتنزيل تغاير الصِّفات منزلةَ تغايُرِ
الذوات كما في قوله:
يا لهفَ زيَّابةَ للحارث الصَّ ابحِ فالغانمِ فالآيبٍ(١)
ويحتمل أن يكونَ هناك أربعُ تشبيهات بأنْ يعتبر تشبيه حال كلٍّ من الفريقين
الفريقِ الكافر والفريقِ المؤمن بحال اثنين، أي: مَثَلُ الفريق الكافر كالأعمى، ومَثَلُه
(١) البيت لابن زيَّابة التيمي، وهو في شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ١٤٧/١، وأمالي ابن
الشجري ٥٠٨/٢، والخزانة ١٠٧/٥، وزيَّابة اسم أم الشاعر، فيما قاله البغدادي.

٤١٠
الآية : ٢٤
أيضاً كالأصمِّ، ومَثَلُ الفريق المؤمن كالبصير ومَثَلُه أيضاً كالسميع. وقد يُعتبر تنويع
كلٍّ من الفريقين إلى نوعين، فَيُشَبَّه نوعٌ من الكُفَّار بالأعمى ونوع منهم بالأصمِّ،
ويُشَبَّه نوعٌ من المؤمنين بالبصير ونوعٌ منهم بالسميع. واستُبعد ذلك؛ إذْ تقسيمُ
الكُفَّار إلى مُشَبَّه بالأول ومُشَبَّه بالثاني، وكذلك المؤمنون، غيرُ مقصود البتّة، بدليل
نظائره في الآيات الأخر كقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ اٌلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩
وغافر: ٥٨](١)، وكقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَ قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في الكُفَّار
الخُلَّص، وقوله تبارك وتعالى: ﴿صُمْ بَكْمُ عُمْىٌ﴾ [البقرة: ١٨] في المنافقين.
وللآية على احتمالاتها شَبَةٌ في الجملة بقول امرئ القيس:
كأنَّ قلوبَ الطير رَظْباً ويابساً لدى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي(٢)
فتدبّره.
وقد يُعتبر التشبيه تمثيليّاً بأنْ يُنْتَزَعَ من حال الفريق الأول في تصامِّهم وتعاميهم
المذكورَيْن ووقوعهم بسبب ذلك في العذاب المُضاعف والخُسران الذي لا خُسرانَ
فوقَه هيئةٌ [فَتُشَبَّه بهيئة](٣) مُنتزعة ممن فقد مَشْعَري(٤) البصر والسمع، فتخبَّط في
مَسْلكه فوقع في مَهاوي الرَّدى، ولم يَجِدْ إلى مَقْصِده سبيلاً، ويُنْتَزَعَ من حال الفريق
الثاني في استعمال مشاعرهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي، وفوزِهم بدار
الخلود هيئةٌ تُشَبَّه بهيئةٍ مُنْتَزَعة ممن له بصرٌ وسمعٌ يستعملهما في مَهَمَّاته فيهتدي إلى
سبيله ويَنَال مَرامَه. ولا يخفى أنه خِلافُ الظاهر، ولعلَّ أظهرَ الاحتمالات ما أُشير
إليه أولاً، والكلامُ من باب اللفّ والنَّشر، واللَّفُّ إما تقديري إنْ اعتُبر في الفريقين،
لأنه في قوة الكافرين والمؤمنين، أو تحقيقيّ إنْ اعتُبر فيما دلَّ عليه قوله تعالى:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِتَنِ افْتَرَى) إلخ، وقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) الآية، وأَمرُ النَّشر ظاهرٌ،
ولا يخفى ما فيه من الطّباق بين الأعمى والبصير وبين الأصمِّ والسميع، وقُدِّم
(١) في الأصل و(م): وما يستوي الأعمى والأصم، وهو خطأ.
(٢) ديوان امرئ القيس ص٣٨، والعُنَّاب: ثمر، والحشف: اليابس الفاسد من التمر. اللسان
(عنب) و(حشف).
(٣) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٩٨/٤.
(٤) المشعر: الحاسَّة. المعجم الوسيط (شعر).

الآية : ٢٤
٤١١
سُوَلُ هُود!
ما للكافرين، قيل: مراعاةً لما تقدَّم، ولأن السِّياقَ لبيانِ حالهم، وقُدِّم الأعمى على
الأصمِّ لكونه أظهرَ وأشهرَ في سوء الحال منه.
وفي ((البحر)) (١) إنما لم يجئ التركيبُ: كالأعمى والبصير، والأصمِّ والسميع؛
ليكون كلٌّ من المُتقابلين على إثر مُقابله؛ لأنه تعالى لما ذَكر انسدادَ العين أَتبعه
بانسدادِ السَّمع، ولما ذكر انفتاحَ البصر أَتبعه بانفتاح السَّمع، وذلك هو الأسلوبُ في
المُقابلة، والأتمُّ في الإعجاز. وسيأتي إنْ شاء الله تعالى نظيرُ ذلك في قوله سبحانه:
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩].
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (٨َ
ثم الظاهرُ مما تقدَّم أن الكلامَ على حذفِ مضاف، وهو مجرورٌ بالكاف،
والجار والمجرور متعلّقٌ بمحذوف وقع خبراً عن ((مَثَل)).
وجُوِّز أن تكون الكافُ نَفْسُها خبرَ المبتدأ، ويكون معناها معنى المثل،
ولا حاجةً إلى تقدير مضاف أي: مَثَلُ الفريقين مثلُ الأعمى والأصم والبصير
والسميع.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ يعني الفريقين المذكورين، والاستفهامُ إنكاريٌّ مذكِّر - على
ما قيل - لما سبق من إنكار المُماثلة في قوله سبحانه: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
زَّبِّهِ،) إلخ.
﴿مَثَلًا﴾ أي: حالاً وصفةً، ونصبُه على التمييز المُحوَّل عن الفاعل، والأصلُ:
هل يستوي مثلُهما. وجَوَّز ابنُ عطية (٢) أن يكونَ حالاً، وفيه بُعْدٌ.
﴿أَفَلَ نَذَّكَُّونَ ﴾﴾ أي: أَتَشُكُّون في عدم الاستواء وما بينهما من التباين، أو
تَغْفُلون عنه، فلا تتذكرونه بالتأمُّل فيما ذكرنا(٣) لكم من المَثل، فالهمزة للاستفهام
الإنكاري، وهو واردٌ على المعطوفين معاً:
أو أتسمعون هذا فلا تتذكَّرون، فيكون الإنكار وارداً على عَدَم التذكُّر بعد تحقُّق
ما يُوجب وجودَه، وهو المَثَلُ المضروب، أي: أفلا تفعلون التذكّر، أو
(١) ٢١٣/٥.
(٢) في المحرر الوجيز ١٦٢/٣.
(٣) في (م): فيما ذكر.

سُبَُّ جُود!
٤١٢
الآية : ٢٥
أفلا تعقلون، ومعنى إنكار عدم التذكّر استبعادُه من المُخاطَبين، وأنه مما لا يَصِحُ
أن يَقَعَ، وليس من قَبيل الإنكار في ((أفمن كان على بينة من ربه)) و((هل يستويان))
فإن ذلك لنفي المُماثلة ونفي الاستواء.
ثم إنه تعالى شَرَعَ في ذِكْر قصص الأنبياء الداعِين إلى الله تعالى وبيانِ حالهم
مع أُممهم لِيزدادَ وَّهِ تشميراً في الدعوة وتحمُّلاً لما يُقاسيه من المُعانِدين، فقال عزَّ
من قائل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُومًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ الواو ابتدائيةٌ، واللام واقعةٌ في جواب قسم
محذوف، ويُقدَّر حرفه باءً لا واواً وإن كان هو الشائع؛ لئلا يجتمع واوان،
وبعضُهم يُقدِّرها ولا يُبالي بذلك.
ونوح في المشهور ابنُ لمك بن متوشلخ بن إدريس عليه السلام، وأنه أولُ نبيٍّ
بُعث بعده، قال ابن عباس ◌ّ: بُعِثَ عليه السلام على رأس أربعين من عُمره،
ولَبِثَ يدعو قومه ما قصَّ اللهُ تعالى؛ ألفَ سنةٍ إلا خمسين عاماً؛ وعاش بعد
الطوفان ستين سنة، وكان عُمره ألفاً وخمسين سنة.
وقال مقاتل: بُعث وهو ابنُ مئة سنة. وقيل: ابنُ خمسين.
وقيل: ابن مئتين وخمسين، ومكثَ يدعو قومَه ما قصَّ الله سبحانه، وعاش بعدَ
الطوفان مئتين وخمسين سنة، فكان عُمره ألفاً وأربع مئة وخمسين سنة.
﴿إِ لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ بالكسر على إرادة القول، أي: فقال، أو قائلاً. وقرأ ابنُ كثير
وأبو عمرو والكسائي بالفتح(١) على إضمار حرف الجرّ، أي: مُلتبساً بذلك الكلام،
وهو (إني لكم نذير)) فلما اتَّصل الجارُّ فتح كما فتح في كأنَّ والمعنى على الكسر،
وهو قولُك: إنَّ زيداً كالأسد، بناءً على أنَّ كأنَّ مركبة، وليست حرفاً برأسه، وليس
في ذلك خروجٌ من الغَيبة إلى الخِطاب، خلافاً لأبي عليّ(٢).
ولعلّ الاقتصارَ على ذِكْر كونه عليه السلام نذيراً؛ لأنهم لم يغتنموا مغانمَ
إبشاره عليه السلام.
﴿قُبِيرُ ﴾﴾ أي: مُوضح لكم مُوجباتِ العذاب ووجهَ الخلاص منه.
(١) التيسير ص١٢٤، والنشر ٢٨٨/٢.
(٢) في الحجة ٣١٦/٤، حيث ذكر أن في قراءة الفتح خروجاً من الغيبة إلى الخطاب.

الآية : ٢٦
٤١٣
سُؤَلُ هُودٍ
﴿أَنْ لَّا نَعَبُّدُوَأْ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: بأنْ لا تعبدوا إلا اللهَ، على أنَّ ((أنْ)) مصدرية
والباء متعلقة بـ ((أرسلنا)) و((لا)) ناهية، أي: أرسلناه ملتبساً بنهيهم عن الإشراك،
إلا أنه وَسَّط بينهما بيانَ بعض أوصافه لِيكونَ أدخلَ في القَبول، ولم يفعل ذلك في
صدرِ السورة، لئلا يكونَ من قَبيل الفصل بين الشجر ولحائه.
وجُوِّز كون ((أن)) وما بعدها في تأويل مصدر مفعولاً لـ ((مبين))، أي: مُبيناً النهي
عن الإشراك. ويجوز أن تكون ((أن)) مُفسِّرة متعلّقة بـ ((أرسلنا))، أو بـ ((نذير)) أو
بـ ((مبين))، أي: أرسلناه بشيء، أو نذير بشيء، أو مُبين شيئاً، هو ((أن لا تعبدوا
إلا الله))، لكن قيل: الإنذار في هذا غيرُ ظاهر، وهذا على قراءة الكسر فيما مرّ.
وأما على قراءة الفتح فـ ((أنْ لا)) إلخ بدل من ((أني لكم)) إلخ، ويُقدَّر القولُ بعدَ
((أنْ)) فيكون التقديرُ: أرسلناه بقوله: إني لكم نذيرٌ بقوله(١): لا تعبدوا، فهو بدلُ
البعض أو الكل على المبالغة وادِّعاءِ أنَّ الإنذارَ كأنه(٢) هو. وجاز أنْ لا يُقدَّر
القول، فالأظهُر حينئذ بدلُ الاشتمال، ومَن زعم أنه كذلك مطلقاً إذْ لا علاقةً
بينهما بجزئيةٍ أو كلِّيةٍ فقد غَفَلَ عن أنه على تقدير القول يكون قولُه تعالى: ﴿إِنّ
أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ المُعلَّلُ به النهيُ من جملة المَقول، وهو إنذارٌ
خاصٌّ، فيكون ذلك بعضاً له، أو كلّاً على الادِّعاء.
والظاهرُ أن المرادَ باليوم يوم القيامة، وجوّز أن يكونَ يومَ الُوفان، ووَضْفُه
بالأليم - أي: المُؤلم - على الإسناد المَجازي؛ لأنَّ المُؤلِمَ هو اللهُ سبحانه، نزل
الظّرف منزلةَ الفاعل نفسهِ لِكَثْرةِ وقوع الفعل فيه، فجعل كأنه وقع الفعلُ منه، وكذا
وَصْفُ العذابِ بذلك في غير موضع من القرآن العظيم، ويُمكن اعتباره هنا أيضاً،
وجَعْلُ الجرِّ للجوار، ووجه التجوّز حينئذ أنه جعل وصف الشيء لِقوة تَلَيُّسه به كأنه
عينُه، فأُسند إليه ما يُسند إلى الفاعل، ونظيرُ ذلك على الوجهين: نهارُه صائمٌ،
وجَدَّ جدُّه. وقد يقال: إنَّ وصفَ العذابِ بالإيلام حقيقةٌ عُرفية، ومِثْلُه يُعَدُّ فاعلاً
في اللغة، فيقال: آلمه العذابُ، من غير تجُّز.
(١) في (م): وبقوله، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٨٩/٥، والكلام منه.
(٢) في الأصل و(م): كلّه، والمثبت من حاشية الشهاب.

سُؤَلاَ هُودٍ
٤١٤
الآية : ٢٧
قيل: وهذه المَقالة، وكذا ما في معناها مما قصَّ في غير آية، لَمَّا لم تَصْدُرْ عنه
عليه السلام مرةً واحدةً، بل كان يُكرِّرها في مدته المتطاولة حسبما نَطَقَ به قولُه
تعالى حكاية عنه: ﴿رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوِْى لَلَا وَنَهْرًا﴾ الآيات [نوح: ٥]، عَطَفَ على فعل
الإرسال المُقارِنِ لها أو القولِ المُقدَّر بعدَه جوابَهم المُتعرِّض الأحوال المؤمنين
الذين اتّبعوه بعد اللَّتيا والتي بالفاء التعقيبية، فقال سبحانه: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِن قَوْمِهِ،﴾ أي: الأشرافُ منهم، وهو - كما قال غير واحد - من قولهم: فلانٌ مليء
بكذا، إذا كان قادراً عليه؛ لأنهم مُلثوا بكفاية الأمور وتدبيرها، أو لأنهم مُتمالئون،
أي: مُتظاهرون مُتعاونون، أو لأنهم يملؤون القلوبَ جلالاً والعيونَ جمالاً والأَكُفَّ
نَوالاً، أو لأنهم مملوءون بالآراء الصائبة والأحلام الراجحة، على أنه من الملء(١)
لازماً، ومتعدياً ووَصْفُهم بالكُفر لِذَمِّهم والتسجيلِ عليهم بذلك مِن أول الأمر،
لا لأنَّ بعضَ أشرافِهم ليسوا بِكَفَرة.
﴿مَا نَرَئِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أرادوا: ما أنت إلا بشرٌ مثلنا، ليس فيكَ مَزِيَّةٌ
تَخُصُّك من بيننا بالنبوة، ولو كان ذلك لرأيناه، لا أنَّ ذلك مُحتملٌ لكن لا نراه،
وكذا الحال في ﴿وَمَا نَرَئِكَ أَتَّعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَافِلُنَا بَادِىَ الَّأْيِ﴾ فالفعلان من
رؤية العين و((بشراً)) و(اتَّبعك)) حالان من المفعول بتقدير ((قد)» في الثاني أو بدونه
على الخِلاف، ويجوز أن يكونا من رؤية القلب، وهو الظاهرُ، فهما حينئذ المفعول
الثاني، وتعلق الرأي في الأول بالمثلية لا البشرية فقط.
ويُفهم من ((الکشاف»(٢) أن في الآية وجهين:
الأول: أنهم أرادوا التعريضَ بأنهم أحقُّ بالنبوة، كأنهم قالوا: هَبْ أنك مِثْلنا
في الفضيلة والمَزِيَّة من كَثْرة المال والجاه، فَلِمَ اختصصْتَ بالنبوة مِن دوننا.
والثاني: أنهم أرادوا أنه ينبغي أن يكونَ مَلَكاً لا بشراً. وتُعُقِّبَ هذا بأنَّ فيه
اعتزالاً خفيّاً، وقد بيَّنه العلامة الطَّيبي، ونُوزع في ذلك، ففي ((الكشف)) أن قولهم:
((مثلنا)) عليه لِتحقيق البشرية، وقولهم: ((وما نراك اتَّبعك)) إلخ استدلالُ بأنهم ضُعفاء
(١) في الأصل و(م): الملأ، والمثبت من حاشية الشهاب ٩٠/٥.
(٢) ٢٦٥/٢.

الآية : ٢٧
٤١٥
سُؤَدَلُ هُودا
العقول لا تمييزَ لهم، فجوَّزوا أن يكون الرسولُ بشراً، وقولهم الآتي: ((وما نرى
لكم علينا من فضل)) تسجيلٌ بأنَّ دعوى النبوة باطلةٌ؛ لإدخالهِ عليه السلام والأراذل
في سلك، على أسلوب يدلُّ أنهم أنقصُ البشر فضلاً عن الارتقاء، وليس في هذا
الكلام اعتزالٌ خفيّ، ولا المُقام عنه أَبيّ. انتهى.
وفي ((الانتصاف)): يجوز أن يكونوا قد أرادوا الوجهين جميعاً، كأنهم قالوا:
مِنْ حقِّ الرسول أنْ يكونَ مَلَكاً لا بشراً وأنت بشر، وإنْ جاز أن يكون الرسولُ بشراً
فنحن أحقُّ منك بالرسالة، ويشهدُ لإرادتهم الأُولى قولُه في الجواب: ((ولا أقول إني
ملك)) ويشهدُ لإرادتهم الثانية ((وما نرى لكم)) إلخ، والظاهرُ أن مقصودَهم ليس
إلا إثبات أنه عليه السلام مثلُهم وليس فيه مَزِيَّةٌ يترتَّب عليها النبوة ووجوبُ الإطاعة
والاتّباع، ولعل قولهم: ((وما نراك اتبعك)) إلخ جوابٌ عما يَرِدُ عليهم من أنه عليه
السلام ليس مِثْلَهم حيث اتَّبعه من وُفِّق لاتِباعه، فكأنهم قالوا: إنه لم يُميِّزك اتِّباعُ من
اتّبعك فَيُوجب علينا اتِّباعك؛ لأنه لم يتَبعك إلا الذين هم أراذلنا، أي: أَخِسَّاؤنا
وأدانينا، وهو جمع أَرْذل، الأغلبُ الأقيس في مثله إذا أُريد جمعه أن يُجمع جمعَ
سلامة، كالأخسرون جمع أَخْسر، لكنه كُسِّر هنا لأنه صار بالغَلبة جارياً مَجرى
الاسم، ولذا جعل في ((القاموس)) الرَّذْل والأَرْذل بمعنى(١)، وهو الخَسيس الدنيء،
ومعنى جريانه مجرى الاسم أنه لا يكاد يُذكر الموصوف معه، كالأبطح والأبرق.
وجُوِّز أن يكون جمع أَرْذُل جمع رَذْل، فهو جمعُ الجمع، ونظيرُ ذلك أكالب
وأَكْلُب وكَلْب، وكونه جمعَ رَذْل مُخالِفٌ للقياس.
وإنما لم يقولوا: إلا أراذِلُنا، مبالغةً في استرذالهم، وكأنهم إنما استرذلوهم
لِفقرهم؛ لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأشرفُ عندهم
الأكثرَ منها حظّاً والأرذلُ مَنْ حُرِمها، ولم يفقهوا أنَّ الدنيا بحذافيرها لا تَعدِلُ
عند الله تعالى جناحَ بعوضة، وأن النعيمَ إنما هو نعيمُ الآخرة، والأشرف مَنْ فازَ به
والأرذل مَنْ حُرِمه، ومثلُ هؤلاء في الجهل كثيرٌ من أهل هذا الزمان عافانا الله
سبحانه مما هم فيه من الخِذْلان والحِرْمان.
(١) القاموس (رذل).

سُؤَالُهُود
٤١٦
الآية : ٢٧
وكان القوم ــ على ما في بعض الأخبار - حاكةً وأساكفةً وحبَّّامين.
وأرادوا بقولهم: ((بادي الرأي)) ظاهرَه، وهو ما يكون من غير تعمُّق، والرأيُ
من رؤية الفِكر والتأمل، وقيل: من رؤية العين، وليس بذاك.
وجوِّز أن يكون البادي بمعنى الأول.
وهو على الأول من البُدُوّ، وعلى الثاني من البَدْء، والياء مُبدلة من الهمزة
لانكسارِ ما قبلَها، وقد قرأ أبو عمرو وعيسى الثقفي بها(١).
وانتصابه على القراءتين على الظرفية لـ ((اتَّبعك))، على معنى: اتَّبعوك في ظاهرٍ
رأيهم أو أوَّله، ولم يتأمَّلوا، ولم يتَبَّتوا، ولو فعلوا ذلك لم يتّبعوك، وغرضُهم من
هذا المبالغةُ في عدم اعتبار ذلك الاتِّباع، وجَعَلَ ذلك بعضُهم علَّةَ الاسترذال،
وليس بشيء. وقيل: المعنى: إنهم اتّبعوك في أول رأيهم أو ظاهره، وليسوا معك
١
في الباطن.
واستُشكل هذا التعلُّق بأنَّ ما قبل ((إلا)) لا يعمل فيما بعدها إلا إذا كان مستثنّى
منه، نحو: ما قام إلا زيداً القومُ، أو مستثنى نحو: جاء القومُ إلا زيداً، أو تابعاً
للمستثنى منه نحو: ما جاءني أحدٌ إلا زيداً خيرٌ من عمرو، و («بادي الرأي)) لیس
واحداً من هذه الثلاثة في بادي الرأي. وأُجيب بأنه يُغتفر ذلك في الظرف؛ لأنه
يتّسع فیه ما لا يتّسع في غيره.
واستُشكل أمرُ الظرفية بأنَّ فاعلاً ليس بظرف في الأصل. وقال مكي(٢):
إنما جاز في فاعل أن يكون ظرفاً كما جاز في فَعيل كقَريب ومليء، لإضافته إلى
الرأي، وهو كثيراً ما يُضاف إليه(٣) المصدر الذي يجوز نصبُه على الظرفية، نحو:
جهدَ رأيي أنك مُنطلق.
وقال الزمخشري (٤) - وتابعه غيره -: إن الأصلَ: وقتَ حدوث أول أمرهم، أو
(١) قراءة أبي عمرو في التيسير ص١٢٤، والنشر ١/ ٤٠٧، وقراءة عيسى الثقفي في البحر ٢١٥/٥.
(٢) في مشكل إعراب القرآن ٣٥٩/١.
(٣) في (م): إلى.
(٤) في الكشاف ٢/ ٢٦٥.

الآية : ٢٧
٤١٧
سُوَلاَ هُود!
وقتَ حُدوث ظاهرٍ رأيهم، فحذف ذلك، وأُقيم المُضاف إليه مُقامه. ولعلَّ تقديرَ
الوقت ليكونَ نائباً عن الظرف، فينتصبَ على الظرفية، واعتبار الحدوث بناءً على
أنَّ اسمَ الفاعل لا ينوبُ عن الظرف وينتصب، والمصدر ينوبُ عنه كثيراً، فأشاروا
بذكره إلى أنه متضمنٌ معنى الحدوث بمعنيَيْه، فلذا جاز فيه ذلك، وليس مرادُهم أنه
محذوفٌ إذْ لا داعي لذلك في المعنى على التفسيرين، وما ذكروه هنا من أن
الصِّفاتِ لا ينوبُ منها عن الظرف إلى فعيل من الفوائدِ الغريبة كما قال الشهاب،
لكن استدركه بالمنع؛ لأن فاعلاً وقع ظرفاً كثيراً كفَعيل، وذلك مثل: خارجَ الدار،
وباطنَ الأمر، وظاهره، وغير ذلك مما هو كثيرٌ في كلامهم(١).
وقيل: هو ظرفٌ لـ ((نراك))، أي: ما نراكَ في أول رأينا، أو فيما يظهر منه.
وقيل: لـ ((أراذِلُنا))، أي: أنهم أراذلُ في أول النظر، أو ظاهره؛ لأنَّ رذالتَهم
مكشوفةٌ لا تحتاجُ إلى تأمُّل.
وقيل: هو نعتٌ لـ ((بشراً)).
وقيل: منصوبٌ على أنه حال من ضمير نوح في ((اتَّبعك))، أي: وأنت مكشوف
الرأي لا حَصافةً فيك.
وقيل: انتصب على النداء لنوح عليه السلام، أي: يا باديَ الرأي، أي: ما في
نفسك من الرأي ظاهرٌ لكلِّ أحد.
وقيل: هو مصدرٌ على فاعل منصوب على المفعولية المطلقة، والعامل فيه
ما تقدَّم على تقدير الظرفية.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾ خطابٌ له عليه السلام ولمتَّبعيه جميعاً على سبيل التغليب،
أي: وما نرى لك ولمتَّبعيكَ ﴿عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ أي: زيادة تُؤَهِّلكم لاتِّباعنا
لكم، وعن ابن عباس تفسير ذلك بالزيادة في الخَلْق والخُلُق، وعن بعضهم
تفسيره بِكَثْرة المُلك والمِلك، ولعلَّ ما ذكرناه أولى. وكأنَّ مُرادَهم نَفْيُ رؤيةِ
فَضْلٍ بعد الاتِّباع، أي: ما نرى فيك وفيهم بعد الاتِّباع فضيلةً علينا لِنَّبع،
(١) حاشية الشهاب ٥/ ٩١.

سُوَلاَ هُود!
٤١٨
الآية : ٢٨
وإلا فَهُمْ قد نَفَوْا أولاً أفضليته عليه السلام في قولهم: ((ما نراك)) إلخ وصرَّحوا
بأنَّ متَّبعيه - وحاشاهم - أراذلُ، وهو مُستلزِمٌ لنفي رؤيةٍ فَضْلٍ لهم عليهم.
وقيل: إنَّ هذا تأكيدٌ لما فُهم أولاً .
وقيل: الخطابُ لأَتْباعه عليه السلام فقط، فيكون التفاتاً، أي: ما نرى لكم
علينا شرفٌ في تلك التَّعية لِنوافِقَكم فيها .
وحَمْلُ الفَضْل على التفضُّل والإحسان في احتمالي الخِطاب، على أن يكونَ
مرادُ الملأ من جوابهم له عليه السلام حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه: أنَّا لا نَتَّبعكَ
ولا نتركُ ما نحن عليه لقولك، لأنكَ بَشَرٌ مثلُنا ليس فيك ما يستدعي نُبؤَّتَكَ وكونَكَ
رسولَ الله تعالى إلينا بذلك، وأَتْباعكَ أراذلُ، اتّبعوك من غير تأمُّل وتَنَبُّت، فلا يدلُّ
اتِّباعُهم على أنَّ فيكَ ما يَستدعي ذلك وخَفِيَ علينا، وأيضاً لستَ ذا تفضُّل علينا
لِيكونَ تَفضُّلك داعياً لنا لموافقتكَ كيفما كنتَ، ولا أَتْباعُك ذوو تفضُّلٍ علينا
لِنوافِقَهم - وإن كانوا أراذلَ - مُراعاةً لحقِّ التفضُّل، فإن الإنسانَ قد يُوافق الرَّذيلَ
لتفضُّله، ولا يُبالي بكونه رذيلاً لذلك = مما يدور في الخلد (١)، إلا أنَّ في القلبِ
منه شيئاً .
﴿بَّ نَُّكُمْ كَذِيِينَ (٧) جميعاً؛ لكون كلامِكم واحداً ودعوتِكم واحدةً، أو
إِيَّاك في دعوى النبوة وإيَّاهم في تصديقك، قيل: واقتصروا على الظنّ احترازاً منهم
عن نسبتهم إلى المُجازفة، كما أنهم عبَّروا بما عبّروا أولاً لذلك، مع التعريض من
أول الأمر برأي المُثَّبعين، ومُجاراةً معه عليه السلام بطريق الإراءة (٢) على نهج
الإنصاف.
﴿وَقَالَ﴾ استئنافٌ بياني ﴿يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمُ﴾ أي: أخبروني، وفيه إيماءٌ إلى رَكاكةٍ
رأيهم المذكور ﴿إِن كُنتُ عَلَى بَيِنَةِ﴾ حُجَّةٍ ظاهرة ﴿مِّن رَّبِ﴾ وشاهدٍ يشهدُ لي بصحة
دعواي.
﴿وَءَنَِّ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِهِ﴾ هي النبوة على ما رُوي عن ابن عباس ◌ًَّا، وجُوِّز أن
(١) قوله: مما يدور في الخلد ... يعود على قوله: وحمل الفضل على التفضل ...
(٢) في (م): الآراء.

الآية : ٢٨
٤١٩
◌ُوَلُ هُود
تكونَ هي البينةَ نفسَها جِيءٌ بها إيذاناً بأنها مع كونها بينةً من الله تعالى رحمةٌ ونعمةٌ
عظيمة منه سبحانه، ووجهُ إفرادِ الضمير في قوله تعالى: ﴿فَعُِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ - أي:
أُخفيت - على هذا ظاهرٌ، وإن أُريد بها النبوة، وبالبينةِ البرهان الدالّ على صحتها،
فالإفراد لإرادةِ كلِّ واحدة منهما، أو لكون الضميرِ للبيِّنِةِ، والاكتفاءُ بذلك لاستلزام
خَفاءِ البينة خَفاءَ المُدَّعَى، وجملة ((وآتاني رحمة)) على هذا معترضةٌ. أو لكونه
للرحمة، وفي الكلام مُقدَّر، أي: أُخفيت الرحمةُ بعد إخفاء البيّنة وما يدلُّ عليها،
وحُذِف للاختصار، وقيل: إنه معتبر في المعنى دون تقدير، أو لتقدير عُميت غير
المذكور بعد لفظ البينة، وحُذف اختصاراً، وفيه تقديرُ جملةٍ قبلَ الدليل.
وقرأ أكثر السبعة: ((فَعَمِيَتْ)) بفتح العين وتخفيف الميم مَبنيّاً للفاعل(١)، وهو
من العمى ضدّ البصر، والمرادُ به هنا الخَفاء مجازاً، يقال: حُجَّةٌ عمياء، كما يقال:
مُبصِرة، للواضحة، وفي الكلام استعارة تبعية من حيث إنه شبَّه خفاءَ الدليل بالعَمى
في أن كلّاً منهما يمنع الوصول إلى المقاصد، ثم فعل ما لا يخفى عليك. وجُوِّز
أن يكون هناك استعارةٌ تمثيلية بأنْ شبَّه الذي لا يهتدي بالحُجَّة لخفائها عليه بمن
سَلَكَ مَفازةً لا يعرف طُرقَها واتَّبع دليلاً أعمى فيها .
وقيل: الكلامُ على القلب، والأصلُ: فَعَمِيْتُم عنها، كما تقول العرب: أدخلتُ
القَلَنْسُوةَ في رأسي، ومنه قولُ الشاعر:
ترى الثورَ فيها مُدْخِلَ(٢) الظُّلِّ رأسَه
وقولُه سبحانه: ﴿فَلَ تَّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧].
وتعقَّبه أبو حيان(٣) بأنَّ القلب عند أصحابنا مطلقاً لا يجوز إلا في الضرورة،
وقول الشاعر ليس منه، بل من باب الاتِّساع في الظرف، وكذا الآية ليست منه
أيضاً؛ لأن أَخْلَفَ يتعدَّى إلى مفعولين، والوصفُ منه كذلك، ولك أن تُضيفه إلى
(١) قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص بضم العين وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح العين
وتخفيف الميم. التيسير ص١٢٤، والنشر ٢٨٨/٢.
(٢) في الأصل و(م): يدخل، والمثبت من المصادر. والبيت في الكتاب ١٨١/١، والبحر
٢١٦/٥، والخزانة ٢٣٥/٤. وهو من الخمسين التي لم يعرف قائلها.
(٣) في البحر المحيط ٢١٦/٥.

سُوَلُ هُودٍ
٤٢٠
الآية : ٢٨
أيهما شئتَ، على أنه لو كان ما ذكر من القلب لكان التعدِّي بعن دون على، ألا ترى
أنك تقول: عَمِيتُ عن كذا، ولا تقول: عَمِيتُ على كذا.
وروى الأعمش عن [ابن] وثَّب: ((وَعَمِيَتْ)) بالواو خفيفة(١). وقرأ أُبيّ والسُّلمي
والحسن وغيرهم: ((فَعمَّاها عليكم)) على أن الفعل لله تعالى، وقرئ بالتصريح
به(٢) .
وظاهر ذلك مع أهل السُّنة القائلين بأن الحَسَن والقَبيح منه تعالى، ولذا أوَّله
الزمخشري(٣) حفظاً لعقيدته.
﴿أَنْزِئُكُمُوهَا﴾ أي: أَنُكْرِهُكم على الاهتداء بها، وهو جوابُ ((أرأيتم)) وساذٍّ
مَسَدَّ جوابٍ الشرط.
وفي ((البحر))(٤) أنه في موضع المفعول الثاني له، ومفعوله الأول البينة مقدراً،
وجوابُ الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ((أرأيتم))، أي: ((إنْ كنتُ)) إلخ فأخبروني، وحيث
اجتمع ضميران منصوبان وقد قُدِّمَ أعرفُهما - وهو ضميرُ المُخاطَب الأعرف من
ضمير الغائب - جاز في الثاني الوصلُ والفصلُ، فيجوز في غير القرآن: أَقُلْزِمُكم
إيَّاها، وهو الذي ذهب إليه ابنُ مالك في ((التسهيل)»(٥) ووافقه عليه بعضُهم. وقال
ابنُ أبي الربيع: يجب الوصلُ في مثل ذلك، ويشهدُ له قولُ سيبويه في
((الكتاب))(٦): فإذا كان المفعولان اللذان تعدَّى إليهما فعلُ الفاعل مُخاطباً وغائِباً،
فبدأت بالمخاطب قبلَ الغائب، فإنَّ علامةَ الغائب العلامةُ التي لا يقعُ موقعها إِيَّاه،
وذلك نحو أَعطيتُكَهُ، وقد أَعطاكَهُ، قال الله تعالى: (أَنْزِئُكُمُوهَا) فهذا كهذا إذْ بدأت
بالمخاطب قبل الغائب. انتهى، ولو قُدِّم الغائب وجب الانفصال على الصحيح
فيقال: أَنُلزمها إِيَّاكم.
(١) في (م): الخفيفة. والمثبت من الأصل والبحر ٢١٦/٥، والكلام وما بين حاصرتين منه.
(٢) البحر المحيط ٢١٦/٥، والدر المصون ٣١٣/٦.
(٣) في الكشاف ٢٦٦/٢.
(٤) ٢١٦/٥.
(٥) ص٢٧ .
(٦) ٣٦٤/٢.