النص المفهرس

صفحات 341-360

الآية : ٥
٣٤١
سُؤَدَلُ هُود!
وأشباحها، وهي موجوداتٌ خارجية وكيفياتٌ نفسانية، وهي المخلوقة عندهم،
وإنما يُنكرون الوجودَ الذهني عن أَنْفُس تلك الأشياء، وذلك بشهادة أدَّتهم حيث
قالوا: لو حصلت النار في الأذهان لاحترقَتِ الأذهان بتصوُّرها، واللازم باطلٌ،
فإنه كما ترى إنما ينفي الوجودَ عن نفس النار لا عن شبحها ومثالها، فالحقُّ أن
الجمهورَ إنما أنكروا ما ذهب إليه مُحقِّقو الحكماء من أن الحاصلَ في الأذهان
أَنْفُسُ ماهيات الأشياء، ولم يُنكروا ما ذهب إليه أهلُ الأشباح. وحينئذ يقال: علمُ
الواجب عندهم إما تعلُّقه بأشباح الأشياء أو صفةُ ذات ذلك التعلُّق، فلا يلزمهم
القول بما قاله الشِّرْذمة، ولا يتَّجه عليهم أن التعلُّق بتلك الأشباح الموجودة في
الأزل لكونه نسبة بينها وبينه تعالى متأخّر عنها فيلزم إيجاد تلك الأشباح بلا علم،
وهو مُحال، لأنا نقول: لما كان الواجب تعالى موجباً في علمه وسائر صفاته
الذاتية كان وجودُ تلك الصور الإدراكية التي هي تلك الأشباحُ مقتضى ذاته تعالى،
فلا بأس في كونها سابقةً على العلم بالذات، وإنما المسبوق بالعلم هو أفعالُه
الاختيارية.
ثم ينبغي أن يعلمَ أنه ليس معنى قولهم: إن علمَ الواجب تبارك وتعالى بالأشياء
أزليٌّ، وتعلّقه بها حادثٌ أنه ليس هناك إلا تعلُّقُ حادثٌ؛ لأنه يلزم حدوثَ نفس
العلم فيعود ما ارتكبه الشِّرذمةُ للقطع بأنه لا يصير المعلومُ معلوماً قبل تعلُّق العلم
به، وهو من الفساد بمكان، بل معناه أن التعلُّقَ الذي لا تقتضيه حقيقةُ العلم
حادثٌ.
وهناك تعلّق تقتضيه تلك الحقيقة، وهو قديم. وذلك لأنَّ الأشباحَ والأمثال
معلومةٌ بالذات، وبواسطتها تُعلَم الأشياء، فتعلُّق العلم عندهم أعمُّ من تعلُّقه بذاتٍ
الشيء المعلوم، أو بمثاله وشبحهِ، ولما لم يُمكن وجودُ الحوادث في الأزل كان
العلم المُمكن بالنسبة إليها بالتعلَّق بأمثالها وأشباحها، وبعد حدوثها يتجدَّد التعلُّق
بأن يكون بذاتِ تلك الحوادث.
وبالجملة تعلُّقُ العلم بأمثالِ الحوادث وأشباحها أزليٌّ، وبأنفسها وذواتها
حادثٌ، ولا إشكالَ فيه أصلاً.
وبهذا التحقيق يندفع شُبهاتٌ كثيرة كما قيل، لكن أورد عليه أنَّ برهانَ التطبيق

سُوَلاَ هُود!
٣٤٢
الآية : ٦
جارٍ في هاتيك الأشباح لما أنها متميزةُ الآحاد في نفس الأمرِ فيلزم أحد
المحذورين.
وفي المقام أبحاثٌ طويلةُ الذَّيل، وقد بَسَطَ الكلامَ في ذلك مولانا إسماعيل
أفندي الكلنبوي(١) في ((حواشيه)) على شرح العضدية، وللمولى الشيخ إبراهيم
الكوراني تحقيقٌ على طرز آخر ذكره في كتابه ((مطلع الجود)» فارجع إليه.
وبالجملة لا تخفى صعوبةُ هذه المسألة، وهي مما زلَّت فيها أقدامُ أقوام،
ولعل الله سبحانه يرزقُكَ تحقيقَها بمنِّه سبحانه، وقد قال به أفضلُ المتأخِّرين مولانا
إسماعيل أفندي الکلنبوي.
﴿وَمَا مِنْ دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الدابةُ اسمٌ لكل حيوان ذي روح ذكراً
كان أو أُنثى عاقلاً أو غيره، مأخوذٌ من الدَّبيب، وهو في الأصل المشي الخفيف،
ومنه قوله:
إنما الشيخُ من يَدِبُّ دبيبا (٢)
زَعَمتنِي شيخاً ولستُ بشيخ
واختُصَّت في العُرف بذوات القوائم الأربع، وقد تختصُّ بالفرس، والمرادُ بها
هنا المعنى اللُّغوي باتِّفاق المفسِّرين، أي: وما من حيوان يَدِبُّ على الأرض
إلا على الله تعالى غذاؤه ومعاشُه، والمرادُ أن ذلك كالواجب عليه تعالى، إذ
لا وجوبَ عليه سبحانه عند أهل الحقِّ كما بيِّن في الكلام، فكلمة ((على)) المستعملة
للوجوب مستعارةٌ استعارةً تبعيَّة لما يُشبهه، ويكون من المجاز بمرتبتين.
وذكر الإمام أن الرزقَ واجبٌ بحسب الوعد والفَضْل والإحسان(٣). على معنى
أنه باقٍ على تفضُّله، لكن لمَّا وعدَه سبحانه - وهو جلَّ شأنه لا يخلُّ بما وعدَ - صوَّره
بصورة الوجوب لفائدتين: التحقيق لوصوله، وحمل العباد على التوُّل فيه.
ولا يمنع من التوكُّل مباشرةُ الأسباب مع العلم بأنه سبحانه المُسبِّب لها؛ ففي
(١) إسماعيل بن مصطفى بن محمود، أبو الفتح الرومي، ويعرف بشيخ زاده، قاضٍ حنفي
عثماني، اشتهر بالرياضيات والمنطق. الأعلام ١/ ٣٢٧.
(٢) البيت في كتاب العين ٣٦٦/١، والبحر المحيط ٢٧٦/٣، وصدره في المغني ص ٧٧٥.
(٣) تفسير الرازي ١٨٦/١٧ .

الآية : ٦
٣٤٣
سُودَلا هُود
الخبر: ((اعقِلْ وتوكّلْ))(١) وجاء: «لن تموتَ نفسٌ حتى تستكملَ رِزْقَها وأَجلَها،
فاتقوا الله تعالى، وأَجْملوا في الطلب))(٢).
ولا ينبغي أن يعتقدَ أنه لا يحصل الرزقُ بدون مباشرة سببٍ، فإنه سبحانه يرزقُ
الكثيرَ من دون مباشرة سبب أصلاً، وفي بعض الآثار: إن موسى عليه السلام عند
نزول الوحي تعلَّق قلبُه بأحوال أهله، فأمرهُ الله تعالى بأن يضربَ بعصاه صخرةً،
فضرب فانشقَّتِ الصخرةُ وخرجَتْ صخرةٌ ثانية، فضربها فخرجَتْ ثالثةٌ، فضربها،
فانشقَّتْ عن دودة كالذَّرَّة وفي فمها شيءٌ يجري مجرى الغذاء لها، وسمعها تقول:
سبحان مَن يراني، ويسمع كلامي، ويعرف مكاني، ويذكرني ولا ينساني.
وما أحسن قول ابنٍ أُذينة(٣):
أنَّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
لقد علمتُ وما الإسرافُ من خُلقي
ولو أقمتُ أتاني لا يُعنِّيني
أسعى إليه فَيُعييني تطلُّبه
وقد صدَّقه اللهُ تعالى في ذلك يومَ وفدَ على هشام فقرَّعه بقوله هذا، فرجَع إلى
المدينة، فندِمَ هشامٌ على ذلك، وأرسل بجائزته إليه.
ويقربُ من قصته قصةُ الثقفيِّ مع عبيد الله بن عامرٍ(٤) خالٍ عثمان بن
عفان ضُه، وهي مشهورة حكاها ابنُ أبي الدنيا، ونقلها غيرُ واحد(٥).
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧٣١) من حديث عمرو بن أمية الضمري، ولفظه: قال رجل
للنبي ﴿: أُرْسلُ ناقتي وأتوگَّل؟ قال: ((اعقلها وتوگَّل)).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢١٤٤) من حديث جابر له، وأخرجه القضاعي في مسند الشهاب
(١١٥١) من حديث ابن مسعود ﴾﴾.
(٣) هو عروة بن أُذينة، يُكنى أبا عامر، شاعر غزل مقدَّم من شعراء المدينة، وهو معدود من
شعراء الفقهاء والمحدِّثين. الأغاني ٣٢٢/١٨، وفيه البيتان التاليان والقصة التي ذكرها
المصنف.
(٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: عبد الله بن عامر. كما في كتب التراجم والسير.
(٥) ذكر القصة ابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٦٧/٢٩ -٢٦٨ من طريق ابن أبي الدنيا، أن جابر بن
عبد الله الأنصاري ورجلاً من ثقيف قصدا ابن عامر والي العراق، فلما وصلا صلَّيا ركعتين،
ثم قال جابر: إني لما صلَّيت هاتين الركعتين فكرت، فاستحييت من ربي أن يراني طالباً رزقاً
من غيره، اللهم رازق ابن عامر، ارزقني من فضلك، ثم رجع إلى المدينة، ودخل الثقفي
=

سُؤٌوَلا هُود!
٣٤٤
الآية : ٦
وقد ألغى أمرَ الأسباب جدّاً من قال:
مَثَلُ الظل الذي يمشي معك
مَثَلُ الرزق الذي تطلبه.
وإذا وَلَّيت عنه تَبِعك(١)
أنتَ لا تُدركه مثَّبعاً
وبالجملة ينبغي الوثوقُ بالله تعالى وربطُ القلب به سبحانه، فما شاء كان وما لم
یشأ لم یکن.
واحتجَّ أهلُ السنَّة بالآية على أن الحرامَ رزقٌ، وإلا فمن لم يأكل طولَ عُمره
إلا من الحرام يلزم أن لا يكونَ مرزوقاً.
وأُجِيبَ بأنَّ هذا مجردُ فرض، إذْ لا أقلّ من التغذِّي بلبن الأم مثلاً، وهو
حلالٌ، على أن المرادَ أن كلَّ حيوان يحتاجُ إلى الرزق، إذا رُزِقَ فإنما رِزْقُه من الله
تعالى، وهو لا يُنافي أن يكونَ هناك من لا رزقَ له، كالمتغذِّي بالحرام، وكذا من
لم يُرزق أصلاً حتى مات جوعاً، ورُوي هذا عن مجاهد، وقد تقدَّم الكلامُ في
ذلك(٢)
﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ موضعَ قَرارِها في الأصلاب ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ِ مَوْضِعَها في
الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوه، فالمستقَرُّ والمستودَع اسما مكان.
وجُوِّز فيهما أن يكونا مصدرين، وأن يكون المستودعُ اسمَ مفعول لتعدِّي فِعْله،
ولا يجوز في المستقرِّ ذلك؛ لأنَّ فِعْلَه لازمٌ. والأول هو الظاهر.
وإنما خُصَّ كلٌّ من الاسمين بما خُصَّ به من المحل - كما قال بعض
الفُضَلاء - لأنَّ النطفةَ مثلاً بالنسبة إلى الأصلاب في حيِّزها الطبيعي ومنشئها
الخَلْقي، وأما بالنسبة إلى الأرحام مثلاً فهي مُودَعة فيها إلى وقتٍ معين.
وعن عطاء تفسير المستقَرّ بالأرحام والمستودَع بالأصلاب، وكأنه أخذ تفسير
الأول بذلك من قوله سبحانه: ﴿وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ﴾ [الحج: ٥].
البصرة، وأخبر ابن عامر بقصة جابر، فبكى ابن عامر وقال: والله ما قالها أشراً ولا بطراً،
=
ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة. فأمر للثقفي بأربعة آلاف وأضعف ذلك لجابر.
(١) البيتان لمحمد بن إدريس بن علي المعروف بابن مرج الكحل، وهما في نفح الطيب ٥٤/٥.
(٢) ينظر ٣٥٩/١ وما بعد.

الآية : ٦
٣٤٥
سُوَلَ هُود!
وجوز أن يكون المرادُ بالمستقَرّ مساكنَها من الأرض حيث وُجدت بالفعل،
وبالمستودع محلَّها من الموادّ والمَقارِّ حين كانت بعدُ بالقوة، وهذا عامٌّ لجميع
الحيوانات بخلاف الأول، إذْ من الحيوانات ما لم يستقرَّ في صُلب، كالمتكوِّن من
عفونة الأرض مثلاً. ولعل تقديمَ محلّها باعتبار حالتها الأخيرة لرعاية المناسبة بينها
وبين عنوان كونها دابَّةً في الأرض، والمعنى على ما قيل: ما من دابّة في الأرض
إلا يرزقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقه إليها، ويعلم موادَّها المختلفة
المُندرجة في مراتبِ الاستعدادات المُتفاوتة المتطورة في الأطوار المُتباينة، ومقارّها
المتنوعة، ويُفيض عليها في كل مرتبة ما يَليق بها من مبادي وجودها وكمالاتها
المُتفرِّعة عليها. ولا يخلو عن حُسن إلا أن فيه بُعداً.
وأخرج عبد الرزاق وجماعةٌ عن ابن عباس ﴿هما أن ((مستقَرَّما)» حيث تأوي
و((مستودعها)) حيث تموت(١). وتُعقِّبَ بأن تفسيرَ المُستودَع بذلك لا يُلائم مقامَ
التكفُّل بأرزاقها .
وقد يقال: لعلَّ ذلك إشارةٌ إلى نهاية أمدٍ ذلك التكفِّل، وفي خبر ابنٍ
مسعود ره إشارةٌ إلى ما هو كالمبدأ له أيضاً؛ فقد أخرج عنه ابن جرير
والحاكم - وصحَّحه - أنه قال: ((مستقرّها)) الأرحام، و(مستودعها)) حيث تموت(٢).
فكأنه قيل: إنه سبحانه مُتكفِّل برزق كلِّ دابَّة ويعلم مكانَها أول ما تحتاج إلى الرزق
ومكانَها آخرَ ما تحتاج إليه، فهو سبحانه يسوقه إليها ولا بدَّ إلى أن ينتهي أمدُ
احتياجها .
وجوِّز في هذه الجملة أن تكون استئنافاً بيانيّاً، وأن تكون معطوفةً على جملة
﴿عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ داخلةً في حيِّز ((إلا))، وعليه اقتصر الأجهوري.
﴿كُلِّ فِ كِتَبٍ تُبِينٍ ﴾﴾ أي: كلُّ واحدٍ من الدوابِّ ورزقُها ومستقرُّها
ومستودعُها، أوكل ما ذكر وغيره مثبتٌ في اللوح المحفوظ البيِّن لمن ينظر فيه من
الملائكة عليهم السلام، أو المُظهِر لما أُثبت فيه للناظرين.
(١) تفسير عبد الرزاق ٣٠٢/٢.
(٢) تفسير الطبري ٣٢٧/١٢، والمستدرك ٣٤١/٢.

سُوَلاَ هُود!
٣٤٦
الآية : ٧
والجملة - على ما قال الطيبي - كالتتميم لمعنى وجوبٍ تكفَّل الرِّزق، كمن أقرَّ
بشيء في ذمَّتِهِ، ثم كتب عليه صكّاً.
وفي ((الكشف)): إن الأظهر أنها تحقيقٌ للعلم، وكأنه تعالى لما ذكر أنه يعلم
ما يُسِرُّون وما يُعلنون أردفَه بما يدلُّ على عموم عِلْمه، ثم أتى سبحانه بما يدلُّ على
عظيم قُدرته جلَّ شأنه من قوله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِىِ
سِنَّةٍ أَيَّامٍ﴾ تقريراً للتوحيد لأن من شَمِلَ علمُه وقُدرتُه هو الذي يكون إلهاً لا غيره
مما لا يَعلم ولا يَقدِر على ضُرِّ ونفع، وتأكيداً لما سبق من الوعد والوعيد، لأنَّ
العالِم القادر يُرجی ویُخشى.
وجُوِّز أن تكون الآيةُ تقريراً لقوله سبحانه: (يَعْلَمُ مَا يُِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) وما بعدها
تقريراً لقوله سبحانه: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ). وفيه بُعدٌ.
وكأن المرادَ بخلق السماواتِ والأرض ... إلخ خَلْقُهما وما فيهما، أو تجعل
السماوات مجازاً عن العُلويات فَتَشْمَلها وما فيها، وتجعل الأرضَ مجازاً بمعنى
السُّفليات فتشمَلها وما فيها من غير تقدير. واحتيج لذلك لاقتضاءِ المقام إيَّاه،
وإلا فخَلْقُهما في تلك المدة لا يُنافي خلقَ غيرهما فيها .
والمراد باليوم الوقت مطلقاً لا المتعارف، إذ لا يُتَصوَّر ذلك حين لا شمسَ
ولا أرضَ، وقيل: أُريد به مدة زمان دور المحدَّد المسمى بالعرش دورة تامةً، وإليه
ذهب الشيخ الأكبر قُدِّسَ سِرُّه، وقد علمتَ حاله فيما تقدَّم (١)، وقيل غير ذلك.
وفي عدم خلقهما دفعةً كما علمت دليلٌ - كما قال غيرُ واحد - على كونه
سبحانه قادراً مختاراً مع ما فيه من الاعتبار للتُّظَّار والحثِّ على التأنِّي في الأمور،
وقد تقدَّم ما قيل في وجهِ تخصيص هذا العدد دون الزائد عليه كالسبعة أو الناقص
عنه كالخمسة للخَلْقِ(٢)، ولعلنا نُحقِّق ذلك في موضعٍ آخرَ.
وإيثارُ صيغة الجمع في السماوات لاختلافها بالأصل والذات دون الأرض،
وإن قيل: إنها مثل السماء في كونها سبعاً طباقاً بين كل أرض وأرض مسافة وفيها
(١) ينظر ما سلف ص١٨-١٩ من هذا الجزء.
(٢) ينظر ما سلف في الموضع السابق.

الآية : ٧
٣٤٧
سُوَلُ هُود
مخلوقات، وبذلك فُسِّر قولُه سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الطلاق: ١٢]. والكثيرُ
على أن الأرضَ كرةٌ واحدةٌ منقسمةٌ إلى سبعةٍ أقاليم وحملوا الآية على ذلك.
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ، عَلَى الْمَآءِ﴾ عطف على جملة ((خلق)) مع ضميره المستتر، أو
حال من الضمير بتقدير ((قد)) على ما هو المشهورُ في الجملة الحالية الماضوية من
اشتراط ((قد)) ظاهرةً أو مقدَّرةً، والمُضي المستفاد مِن ((كان)) بالنسبة للحكم
لا للتكلم، أي: كان عرشُه على الماء قبلَ خَلْقهما، وهو الذي يقتضيه كلامُ
مجاهد، وبه صرَّح القاضي البيضاوي، ثم قال: لم يكن حائلٌ بينهما - أي: العرش
والماء - لا أنه كان موضوعاً على متن الماء، واستدلَّ به على إمكان الخَلاء، وأن
الماءَ أولُ حادثٍ بعد العرش من أَجْرام هذا العالم، انتهى(١).
وكذا صرَّح به العلامةُ أبو السعود مفتي الديار الرومیة، لكنه قال: ليس
تحته - يعني العرش - شيء غيره، أي: الماء، سواء كان بينهما فرجة، أو [كان]
موضوعاً على مَتْنه كما ورد في الأثر، فلا دلالةَ فيه على إمكان الخلاء، كيف لا ولو
دلَّ لدلَّ على وجوده لا على إمكانه فقط، ولا على كون الماء أولَ ما حدث في
العالم بعد العرش، وإنما يدلُّ على أنَّ خَلْقَهما أقدمُ من خلق السماوات والأرض،
من غير تعرُّض للنسبة بينهما(٢). انتهى.
ولا يخفى ما بين القاضي والمُفتي من المخالفة، والأكثرون على أن الحقَّ مع
المُفتي كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.
وانتصر بعضُهم للقاضي بأنه لو كان موضوعاً على متن الماء لَلَزِمَ قبل خَلْق تمام
العالم أحدُ الأمور الستة: إما خروجُ الماء عن حيِّزه الطبيعي، أو خروجُ العرش عن
حيِّزه الطبيعي، أو تخلخل الماء، أو نموُّه، أو تخلخل العرش، أو نموُّه. وحين
خَلْقِ العالم أحدُ الأمور الخمسة: إما حركةُ العرش بالاستقامة إلى حيِّزه الطبيعي،
أو تكاثف الماء، أو ذبوله، أو تكاثف العرش، أو ذبوله. وهذه الأمور باطلةٌ
كما لا يخفى على مَن تدرَّب في الحِكمة، ويحمل الإِمكان في كلامه على الإمكان
(١) تفسير البيضاوي (مع حاشية الشهاب) ٧٣/٥.
(٢) تفسير أبي السعود ١٨٧/٤، وما بين حاصرتين منه.

سُؤَدَلةُ هُود!
٣٤٨
الآية : ٧
الوقوعي، أو يُراد به الإمكان الذاتي، وبالخَلاء الخَلاء في عالمنا هذا، فإنه
المتنازعُ فيه، فكأنه قيل: واستدلَّ به على أن الخَلاء في عالمنا ممكنٌ بالإمكان
الذاتي، وتوجيه الاستدلال به حينئذ على ذلك هو أن الخَلاء قبل عالمنا هذا كان
واقعاً، ووقوعُ شيءٍ في وقت شيء من الأوقات دليلٌ على إمكانه الذاتي في جميع
الأوقات، فإنَّ ثبوتَ الإمكان للممكن واجبٌ، فالممكن في وقتٍ ممكنٌ في وقتٍ
آخر كما حقَّقه شارحُ («حكمة العین)).
ووجهُ الدلالة على أن الماءَ أولُ حادثٍ بعد العرش أنَّ كلَّ جسم بسيط فله
مكانٌ طبيعيٍّ، وأنَّ المكانَ من لوازمٍ وجودِ الجسم، فإن الفاعلَ إذا أَوجد الجسمَ
أوجده لا محالة في مكان كما صرَّحوا به، والمكان للخفيف من الأجسام هو
الفوق، وللثقيل التحت على حسب النِّقل والخِفَّة، وتحدُّدهما إنما هو بالفلك
الأعظم، فوجود الماء في جوف العرش يتوقَّف على وجودٍ مكانه المتوقّف على
وجود العرش، فيتأخّر عنه حدوثاً.
ولا يخفى ما في هذا الوجه من النظر، ولا أقلّ من أن يقال: لِمَ لا يجوز أن
يَخلُقَ الله تعالى العرشَ والماء معاً؟ على أنه قد جاء في بعض الآثار ما هو ظاهرٌ
في أن الماءَ كان مخلوقاً قبل العرش، فقد أخرجَ الطيالسي وأحمد
والترمذي - وحسنه - وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في ((الأسماء
والصفات)) وغيرهم عن أبي رَزِين العُقَيلي قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أين كان ربُّنا
قبل أن يَخلُقَ السماوات والأرض؟ قال: ((كان في عَمَاء ما تحته هواء وما فوقه
هواء، وخَلَقَ عَرْشَه على الماء))(١).
وقال بعضٌ في بيان وجه ذلك: إنه لما كان معنى كون العرش على الماء أنه
موضوعٌ فوقَه لا مُماسّه، وأن خلق السماوات والأرض إنما كان بعدَهما، اقتضى
ذلك أن العرشَ مخلوقٌ قبلُ، وأن الماء أولُ حادث بعده، وهو من فحوى
الخطاب، وقوله: لا أنه كان موضوعاً ... إلخ؛ لأن سياقَه لبيان قدرته تعالى
يقتضيه. وفيه ما فيه كما لا يخفى.
(١) مسند الطيالسي (١٠٩٣)، ومسند أحمد (١٦١٨٨)، وسنن الترمذي (٣١٠٩)، وسنن ابن
ماجه (١٨٢)، وتفسير الطبري ٣٣١/١٢، والأسماء والصفات ص٢٧٦.

الآية : ٧
٣٤٩
سُؤَلُ هُود!
وتعقب بعضُ فُضَلاء الروم ما ذكر أولاً، بأنَّ حاصلَه أن الشقَّ الثاني من الشِّقَّين
المذكورين في كلام العلامة الثاني مستلزم لأحد أمورٍ تَقرَّر في علم الحِكمة
بُطلانُها، فيتعيَّن الأول منهما، وهو الذي ذهب إليه العلامة الأول، وهو إنما يتم أن
لو كانت المُقدِّمات المذكورة في إبطال تلك الأمور يقينيةً، وهو ممنوعٌ، فإن أكثرَها
مبنيٌّ على أصول الفلاسفة، وقد بيَّن القاضي نفسُه بطلانَ أكثرِها في ((الطوالع))(١)،
وهو إنما يُراعي القواعدَ الحكمية إذا لم تكن مُخالِفةً للقواعد الإسلامية.
على أن في كلام ذلك المنتصر خللاً من وجوه:
الأول: أن قوله يلزم إما خروج الماء على حيِّزه الطبيعي ... إلخ. يقال في
جوابه: إنه يجوز أن يخرج الماء عن حيِّزه الطبيعي، وذلك غيرُ مُحال، وإن كان
خروجه بنفسه بطريق السيلان عن حيّزه الطبيعي محالاً، ويشهد لذلك أنهم ذكروا أن
الماءَ لِثقله الإضافي يقتضي أن يكونَ فوقَ الأرض، والأرضَ لثقلها الحقيقي تقتضي
أن تكونَ مغمورةً بأَسْرِها فيه، بحيث يُمكن أن يُفرضَ في جوفها نقطة تكون
الخطوطُ الخارجة منها إلى سطح الماء متساويةً من جميع الجهات، مع أن الأمرَ
اليومَ ليس كذلك؛ لانكشاف ربع شماليٍّ من الأرض، وانحسار الماء عنه؛ إما بسبب
قُرب الشمس من الجنوب إلى الأرض عند كونها في الحضيض بقَدْرٍ ثخن المتمم
المحوى كما قيل، أو لأمرٍ آخرَ يعلمه الله تعالی.
الثاني أن ما ذكره(٢) من استحالة تَخَلْخُل الماءِ ممنوعٌ عندهم أيضاً، وما يقال:
إن القول بالتخلخل لا يُتَصوَّر في البسائط الحقيقية لِلزوم تركيب ما فيه مدفوعٌ، فقد
صرَّح في ((حِكمة العين)) و((شرحها)) بأن التخلخلَ الحقيقيَّ - وهو أن يَزداد مقدارُ
الجسم من غير أن يُزَادَ عليه شيء من خارج - ممكنٌ، وحقَّقه سيِّدُ المُحقِّقين في
((حواشيه))(٣) بأن الجسم سواء كان مرَّباً من الهيولى والصورة أو لم يكن، يُمكن
(١) طوالع الأنوار، مختصر في علم الكلام للقاضي البيضاوي. كشف الطنون ١١١٦/٢.
(٢) في (م): ذكروه.
(٣) يعني حاشية السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني على شرح شمس الدين محمد بن
مبارك شاه الشهير بميرل البخاري لحكمة العين للعلامة نجم الدين علي بن محمد القزويني.
كشف الطنون ١/ ٦٨٥.

سُؤَدَاهُودٍ
٣٥٠
الآية : ٧
التخلخل والتكاثُفُ فيه؛ لأن مقدارَ الجسم زائدٌ عليه، والجسم من حيث هو
لا مقدارَ له في ذاته، فنسبته إلى جميع المقادير على السواء، فأمكن أن يتَّصف
بأكبرَ مما هو مثَّصف به أو أصغرَ. وأيضاً الجسمُ متَّصلٌ واحدٌ والمقدارُ زائدٌ عليه،
والجسم البسيطُ جزؤه يُساوي كلَّه، فإذا اتَّصف الكل بمقدار خاصٍّ فجزؤه إذا انفردَ
وجب أن يكون قابلاً للاتِّصاف بذلك المقدار، والكلُّ بالعكس ضرورةً تساوي
المتماثلات في الأحكام، وحينئذ يتحقَّق إمكانُ ذلك.
والثالث: أن التوجيه بحمل الإمكان على الإمكان الذاتي .. إلخ، منظورٌ فيه؛
إذ لا يلزمُ من وقوع شيء في وقت من الأوقات إلا إمكانُ وجودِه في ذلك الوقتِ
وإنْ كان ذلك الإمكان مستمرّاً واجباً في جميع الأوقات، فقوله: إنَّ ثبوتَ الإمكان
للممكن واجبٌ فالممكن في وقت ممكنٌ في كل وقت - إنْ أرادَ به أنَّ إمكانَه أمرٌ
ثابتٌ له في كل وقت - على أنَّ قولَه: في كلٍّ وقت ظرفٌ للإمكان، فهو مسلّم،
لكن اللازم منه أن يكونَ ذلك الشيء متصفاً بالإمكان إمكاناً مستمراً دائماً غيرَ
مسبوق بعدم الاتِّصاف، ولا سابقَ عليه، ولا يلزمُ منه أن يكونَ وجودُه في كلِّ وقت
ممكناً؛ لجوازٍ أن يكونَ وجودُ الشيء في الجملة ممكناً إمكاناً مستمرّاً، ولا يكون
وجودُه في كل وقت ممكناً، بل ممتنع؛ ولا يلزم من هذا أن يكون الشيء من قَبيل
المُمتنعات دون المُمكنات؛ فإنَّ إمكانَ الشيء ليس معناه جوازَ اتِّصافه بجميع أنحاء
الوجود، بل معناه جوازُ اقِّصافه بوجود مّا في الجملة، فيكفي في إمكان الشيء
جوازُ اتِّصافه بالوجود الواقع في وقت، والممتنع هو الذي لا يقبل الوجودَ بوجه من
الوجوه، وإنْ أراد أنه ممكن الوجود في كل وقت - على أن يكون في كل وقت
ظرفاً للوجود - فهو ممنوعٌ ولا يتفرَّع على كون ثبوت الإمكان للممكن واجباً، فإنه
قد حقَّق المُحقِّق الدواني في بعض تصانيفه أن إمكانَ الممكن وإن كان مستمرّاً في
جميع الأزمنة لا يستلزمُ إمكانَ وجودِ ذلك المُمكن في تلك الأزمنة، وعلى هذا
اعتمد المُتكلِّمون في الجواب على استدلال الفلاسفة على قِدَم العالم بأنه مُمكن
الوجود في الأزل وإلا لَزِم الانقلابَ، وهو محالٌ بالضرورة، وَقُدرة الباري تعالى
أزليةٌ بالاتِّفاق، فلو كان العالم حادثاً لزم تركُ الجود، وهو إفاضةُ الوجود وما يتبعه
من الكمالات على المُمكنات مدةً غيرَ متناهية، وهو مُحالٌ على الجواد الحقِّ
الكريم.

الآية : ٧
٣٥١
سِوَةٌ هُود
وحاصل الجواب: أنَّ قولَكم: العالم ممكنُ الوجود في الأزل، إنْ أردتُم به أنه
يمكن له الوجود الأزلي على أن يكون في الأزل متعلِّقاً بالوجود، فهو ممنوعٌ لجوازٍ
أن يكونَ وجودُه في الأزل ممتنعاً، وإنْ أردتم به أنَّ إمكانَ وجودِه في الجملة مستمرٌّ
في الأزل على أن يكون الظرفُ متعلقاً بالإمكان فمسلمٌ، ولا يلزم أن يكونَ وجودُ
العالم في الأزل ممكناً؛ لجواز أن يكون وجودُه في الأَزل مستحيلاً، مع أنه في
الأزل منَّصفٌ بإمكان وجوده فيما لا يزال. وهذا ما يقال: إنّ أزليةَ الإمكان
لا تستلزمُ إمكانَ الأزلية، وما قيل في إثباتِ الاستلزام: إنَّ إمكانَه إذا كان مستمرّاً
في الأزل لم يكن هو في ذاته مانعاً من قَبول الوجود في شيء من أجزاءِ الأزل،
فيكون عدمُ منعه أمراً مستمراً في جميع تلك الأجزاء، فإذا نظر إلى ذاته من حيث
هو لم يمنع من اتِّصافه بالوجود في شيء منها، بل جاز اتِّصافُه به في كلٍّ منها
[لا] بدلاً فقط بل معاً أيضاً، وجوازُ اتصافه في كل منها هو إمكانُ اتصافه بالوجود
المستمر في جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته، فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان
الأزلية = صحيح إلى قوله: لم يمنع من اتِّصافه بالوجود في شيء منها، فإنه إن أراد
أن ذاته لا تمنع في شيء من أجزاء الأزل من الاتِّصاف بالوجود في الجملة بأن
يكون قولُه: في شيء منها، متعلقاً بعدم المنع، فيكون معناه أنه لا يمنع في شيء
من أجزاء الأزل من الوجود بعدَه فهو بعينه أزلية الإمكان، ولا يلزم منه عدمُ منعه
من الوجود الأزلي الذي هو إمكان الأزلية، وإنْ أرادَ به أن ذاته لا تمنع من الوجود
في شيء من أجزاء الأزل بأنْ يكونَ الجار متعلقاً بالوجود فهو بعينه إمكانُ الأزلية،
والنزاعُ إنما وقع فيه، فهو مصادرة على المطلوب. وليت شعري كيف صدر هذا
الكلام من قائله مع أنَّ من الموجودات ما هو إلى الوجود كبعض الحروف ومع
التصريح بأنَّ ماهيةَ الزمان تقتضي لذاتها عدمَ اجتماع أجزائها وتقدُّم بعضِها على
بعضٍ؛ إذ يلزم منه إمكانُ وجود كلٍّ من تلك الأجزاء في الأزل نظراً إلى ذاته،
وتمام الكلام في ذلك يطلب من ((شرح المواقف))(١) و((حواشيه)).
وأورد على كون المراد بالخلاء الخلاء في عالمنا لأنه المتنازع فيه، أنه صرَّح
غيرُ واحد بأن المتنازع فيه إنما هو الخَلاء داخلَ العالم، وحقيقته أن يكون
(١) ينظر: شرح المواقف لعلي بن محمد الجرجاني ١٧٦/٣ وما بعد، وما سلف بين حاصرتين منه.

٣٥٢
الآية : ٧
الجسمان بحيث لا يتماسَّان، وليس بينهما ما يُماسُهما، بناءً على كونه متقدراً
قطعاً، وأما الخلاء خارجَ العالم فمتفقٌ عليه، إذ لا تقدّر هناك بحسب نفس الأمر،
فالنزاع إنما هو في التسمية بالبُعد، فالفلاسفة يقولون: حقُّه أن لا يُسمَّى بُعداً
ولا خلاءً. والمُتكلِّمون يُسمُّونه بُعداً موهوماً، ولا شك أنَّ عالمَ كون العرش على
الماء من داخل العالم، فالخلاء فيه داخلٌ في المُتنازع فيه، وقد نصَّ عليه أيضاً
بعضُ المتأخرين.
ومن الناس من اعترضَ على قوله: إنه لو كان موضوعاً على متن الماء
لَلَزِمَ ... إلخ(١). بأنَّ الأمورَ التي يلزم أحدُها ذلك التقدير - وهي فاسدة - أكثرُ
مما ذكر، وسوَّد وجه القرطاس ببيان ذلك، وهو مما لا يُحتاجُ إليه، بل ولا يُعوَّل
عليه .
وزعم البعضُ أنَّ ما راعاه القاضي في هذا الفصل ليس شيء منه مخالفاً
للقواعد الإسلامية، ووسوسَتْ له نفسُه أن خروجَ الماء عن حيِّزه مما لا يجوز،
لأن الله سبحانه إنْ كان مُوجباً بالذات، فلا يُتَصوَّر الإخراج منه سبحانه؛ لأن نسبتَه
إليه على السوية بحسب الأوقات، فلا يُمكن كونه قاصراً في بعضٍ دون بعض، وإن
كان مختاراً يقال: إن ذلك الخروجَ ممتنعٌ في نفسه، وهو سبحانه لا يفعل المُمتنع،
ولا تتعلَّق قُدرته به، وكذا يقال في التخلخل والتكاثف، ولا يجوز أن يكونا
بالطبع، وإلا لكانا دائمين؛ لأن مقتضى الذات لا يتخلَّف عنه. وممن ذهب إلى
امتناعهما (٢) الأصفهاني في ((شرح حكمة المطالع)) ثم تكلّم منتصراً لنفسه وللقاضي
بما لا يُسمن ولا يُغني.
وقال ابن صدر الدين(٣) بعد نقل كلام العلَّامتين: قد تقرَّر في علم الأبعاد
والأجرام أن ليس لمجموع كرات العناصر بالنسبة إلى الفلك الأعظم الذي هو
(١) هو قول مَن انتصر للقاضي، كما سلف ص٣٤٧ من هذا الجزء.
(٢) في الأصل: امتناعها.
(٣) محمد الأمين بن صدر الدين الشرواني نزيل قسطنطينية، أحد أئمة التحقيق، له: تعليقات
على تفسير البيضاوي، والفوائد الخاقانية، ورسالة المبتدأ والمعاد، وغيرها، توفي سنة
(١٠٣٦ هـ). خلاصة الأثر ٤١٥/٣، وهدية العارفين ٢٧٥/٢.

الآية : ٧
٣٥٣
سُوَلاَ هُود!
المراد بالعرش قَدْرٌ محسوس، فلا يُتَصوَّر كونه موضوعاً على متن كرة الماء، فإنَّ
ذلك إنما يكون إذا كان عِظَم كرة الماء بحيث يملأ جوفَ العرش مماسّاً محدَّبُه
مُقَعَّرَه، وإلا لم يكن موضوعاً على متنه الذي هو عبارة عن السطح المحدَّب، بل
إما أن لا يتماسًا أصلاً، أو يتماسًا بنقطة على ما يشهد به التخيِّل الصحيح، وكيف
يُتصوَّر كونه مالئاً له وهو الآن لم يمتلئ إلا بالسماوات والأرض والكرسي
والعناصر بجملتها؟
وليس لك أن تقول: لعلَّ الماء في ابتداء الخِلْقة قد كان على هذا المِقدار
الصغير الذي الآن عليه، فتخلخل إلى حيث ملأ جوفَه؛ لامتناع الخَلاء، فلما خلق
سائر الأجرام العُلوية والسُّفلية عاد بطبعه إلى ما تراه؛ لأنَّا نقول: التَّخلخل عبارة
عن ازدياد مِقدار الجسم من غير أن ينضمَّ إليه شيء فيستدعي حركة أينية، وهي
تستدعي وجودَ فضاء خال عن الشاغل، وهو المراد بالخَلاء.
وكذا ليس لك أن تقول: فليكن في ابتداء الخِلقة عظيمَ المقدار بحيث يملأ
جوفَ العرش وتكاثَفَ بعدَ خلق سائر الأجرام إلى هذا المقدار الصغير. لأنا نقول
أيضاً: التكاثف الذي هو عبارة عن انتقاص مقدار الجسم من غير أن ينقصَ منه
شيء، سببُهُ على ما تقرَّر عندهم أمران:
أحدُهما: التخلخل السابق العارض له بما يُوجبه، فإذا زال ذلك العارض عاد
بطبعه إلى مقدارِه الأول كما في المدّ والجَزْر، وفي الصورة المذكورة لا يُتصوَّر
هذا؛ لأن المفروضَ أنه خُلِقَ ابتداءً عظيمَ المقدار بحيث يملأ جوفَ العرش،
فكيف يُتصوَّر أن يتخلخلَ بعارضٍ حتى يعود عند زواله إلى مقداره الطبيعي الصغير،
وهو ظاهر.
وثانيهما: الانجماد باستيلاء البرودة الشديدة، وهذا أيضاً لا يُتصوَّر هاهنا.
أما أولاً: فلأن الماءَ المنعقدَ جمداً، وإنْ كان أصغرَ مقداراً منه غيرَ منعقد،
لكنه لا إلى مرتبة لا يكون له قَدْرٌ محسوسٌ بالنسبة إلى مقداره الأول، بل يقربُ منه
في الحس كما يُشاهد في المياه المنعقدة، ولا قَدْرَ لكرة الماء الموجود الآن بالنسبة
إلى المالئ جوفَ العرش، وهذا مثل أن ينعقدَ البحر فيصير كالعدسة، ولا يلتزمه
عاقل.

سؤالاًمُود!
٣٥٤
الآية : ٧
وأما ثانياً: فلأنَّ كرةَ الماء على ما يُشاهَد غيرُ متجمدة، بل باقية على طبعها من
الذوبان.
فإن قلت: بقي على تقدير كون الماء في ابتداء الخِلقة عظيمَ المقدار مالئاً
الجوف العرش احتمالٌ آخر، وهو أن يفرز بعض أجزاء هذه الكرة العظيمة، ويجعل
مادةً لسائر الأجرام السماوية والأرضية كما في صورة(١) انقلاب بعض العناصر إلى
بعض.
ويُؤيده ما ورد في الأثر من أن العرش كان قبلَ خلق السماوات والأرض على
الماء، ثم إنه تعالى أحدثَ في الماء اضطراباً فأزبدَ فارتفع منه دخانٌ وبقي الزبد
على وجه الماء، فخلقَ فيه اليُبوسة فصار أرضاً، وخلق من الدخان السماوات،
وإلى ذلك يُشير قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١](٢).
قلنا: إن هذا الاحتمال غيرُ واقع:
أما على تقدير تركّب الجسم من الهيولى والصورة على ما ذهب إليه المشاؤون
من الفلاسفة، فلأن هيولى العناصر وإن كانت واحدةً بالشخص قابلةً لأَنْ يتواردَ
عليها صورُ العناصر بواسطة استعدادات متعاقبة تعرض، إلا أن هيولى كلٍّ فلك
مخالفةٌ لهيولى فلك آخر لا تقبل إلا الصورة التي حصلت فيها .
وأما على تقدير تركبه من الجواهر الفردة على ما هو مذهب أهلِّ الحق، فلأنها
متخالفة الحقائق عند محقِّقي المتأخرين على ما صرَّحوا به، فما يتركب منه الماء
لا يجوز أن يترَّبَ منه سائرُ الأجسام.
وأما ما ورد في الأثر وأشارت إليه الآية من جعل الدخان المرتفع من الماء
مادةً للسماوات فمصروف عن ظاهره، إذ الدخان أجزاءٌ نارية خالطها أجزاءٌ صغار
أرضية تلطفت بالحرارة، ولا تمايز بينهما في الحسّ لغاية الصغر، فقبل خلق
السماوات والأرض بما فيهما لم تكن نارٌ وأرضٌ، فمن أين يتولَّد الدخان؟ وكذا إن
(١) في (م): سورة، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الطبري ١ / ٤٦٢ بنحوه ومطولاً عن ابن مسعود وناس من الصحابة رضوان الله
علیهم.

الآية : ٧
٣٥٥
سُؤَلٌ هُوَّد
أُريد بالدخان البخار لأنه أجزاءٌ هوائية مازجتها أجزاءٌ صغار مائية تلطّفت بالحرارة
بحيث لا تَمايز بينهما في الحسّ أيضاً، فحيث لا هواء لا بخار، ولهذا قال القاضي
في تفسير ﴿وَهِىَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]: أمر ظلماني، ولعله أراد به مادَّتها أو الأجزاءَ
المتصغرة التي رُكِّبت منها(١).
ومن هنا ظهر أن ما في الأثر لا يؤيِّد كونَ العرش موضوعاً على متن الماء
ملتصقاً به، بل يؤيِّد أن لا يكون بينهما حائلٌ؛ إذ ارتفاع الدخان والبخار يستدعي
وجودَ فضاء تتحرك فيه تلك الأجزاء، وفي صورة الالتصاق لا يمكن ذلك
كما لا يخفى على من له تخيُّل سلیم.
ويُعلم مما ذكر أنه يجب تفسيرُ الآية بما فسَّرها به القاضي، ولا مجال للقول
بالوضع على المتن فيتمّ الاستدلال، وأما قول أبي السعود: إنه لو دلَّ ... إلخ(٢)،
ففيه أن الوقوعَ أدلُّ دليلٍ على إمكان الشيء، ومثل هذا الاستدلال شائعٌ ذائع في
كلامهم، وأما أن المراد بالإمكان الإمكانُ الوقوعي فكلّا؛ إذ النزاعُ في الإمكان
لا الوقوع، وما يُنقل عن الأصمعي من أن هذا كقولهم: السماء على الأرض، مع
أن أحدَهما ليس ملتصقاً بالآخر، وحينئذ يكون معنى قول القاضي: لم يكن حائلٌ
بينهما(٣)، أنه لم يكن حائلٌ محسوس بينهما، وكان حائلٌ غير محسوس، وهو
الهواء؛ ليس بشيء، ولا يصلح ما ذكر معنًى لذلك؛ إذ الفوقية كانت قبلَ خلق
جميع أجرامٍ هذا العالم، فعلى تقدير عدم الالتصاق لا يتصوَّر حائلٌ أصلاً. ثم
بَيَّن(٤) وجه دلالة الآية على أن الماء أولُ حَادث بعد العرش بنحو ما قدَّمنا ذكره.
انتھی المراد منه.
وأقول: إنَّ هذا الاحتمالَ الذي أجاب عنه بزعمه قويٌّ جدّاً، وما ذكره عن
محقِّقي المتأخرين صرَّح الجمهورُ بخلافه، وقد حقِّق ذلك في موضعه، فلا مانع من
أن يخلق اللهُ تعالى من الماء الأجرامَ السماوية والأرضية، بل وكلَّ شيء.
(١) تفسير البيضاوي ٧/ ٣٩١ (مع حاشية الشهاب).
(٢) سلف عند بداية تفسير الآية.
(٣) سلف عند بداية تفسير الآية.
(٤) يعني ابن صدر الدين.

سُوَلاَ هُودٍ
٣٥٦
الآية : ٧
وما ذكره في حيِّز تعليل صرف الأثر عن ظاهره ليس بشيء أصلاً، إذ يجوز أن
يُحيل سبحانه بعضَ ذلك الماء المالئ أجزاءً نارية وبعضَه أجزاءً أرضية، ويجعل
المجموع دخاناً، وكذا يجوز أن يُحيل البعضَ أجزاءً هوائية فَتُمازج أجزاء صغاراً مائية
متلطفة بحرارة يخلُّقها حيث شاءً فتكوّن البخار، وفي الأثر عن وهب بن منبه أنه جلَّ
شأنه قبضَ قبضةً من الماء، ثم فتح القبضةَ فارتفع الدخان، ثم قضاهُنَّ سبعَ سماوات
في يومين. ويؤوّل حديث الارتفاع بما لا يستدعي الفضاء، نحو أن يكونَ المعنى:
فوجد بعضه دخاناً مرتفعاً، وقد يقال: يجوز أن يكون الماءُ في ابتداء الخِلْقة مالئاً
للعرش، ثم إنه سبحانه لما أراد أن يخلقَ ما يخلق أفنى منه ما أراد، وخلق بلا فاصل
يتحقق معه الخَلاء بدله ما خلق لا من شيءٍ، والقول باستحالة هذا الخَلْقِ مُفضٍ إلى
فساد عظيم وخطبٍ جسيم لا يكاد يستسهله أحدٌ من المسلمين، وهو ظاهرٌ.
وما ذكره في دَفْع قول شيخ الإسلام: أنه لو دلَّ لدل ... إلخ، غيرُ ظاهر فيه،
قيل: إذ الاعتراضُ بطريق أنه لو دلَّ لدلَّ على وجود الخَلاء، لا على إمكانه
الصّرف؛ لأن الشيء إذا كان موجوداً كان وجوده ضروريّاً لا ممكناً صرفاً على
ما بيّن في محلِّه، وينادي على أنَّ الاعتراضَ كذلك تقييدُ الإمكان في عبارته بقیدٍ
فقط مع القول بالدلالة على الوجود.
وأورد بعضُهم على قوله: قد تقرَّر في علم الأبعاد والأجرام ... إلخ، أنَّ ذلك
مبنيٌّ على ظنِّ أن الماء في الآية هو الماء العنصري، وأنه من بعض الظن؛ إذْ ذاك
إنما خُلق بعد خَلْقِ الأرض، فكيف يتصوَّر أن يكونَ العرشُ الذي خُلق قبل السماوات
والأرض عليه، فضلاً على أن يكون موضوعاً على مَتْنه أو غيرَ موضوع عليه من غير
حائلٍ بينهما، وإنما هو الماءُ الطبيعي النوري العَمائي الذي تكوَّن العرشُ منه، وفيه
صرفُ اللفظ عن ظاهره. ونظير ذلك ما قاله الكاملُ ابن الكمال: ليس المرادُ من
العرش تاسعَ الأفلاك، ولا مِن الماء أحدَ العناصر لما شَهِدَ بذلك شهادةً صحيحةً لا مرةً
لها ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من قوله وَ ليقول: ((كان اللهُ تعالى ولم يكن معه شيء،
وكان عرشُه على الماء، وكتب في الذِّكر كلَّ شيء، ثم خلق السماواتِ والأرض)) (١)
(١) لم نقف عليه في صحيح مسلم، وأخرجه البخاري (٣١٩١) من حديث عمران بن حصين،
وسيذكره المصنف قريباً، وسنذكر تتمة تخريجه ثمة.

الآية : ٧
٣٥٧
سُؤَةُ هُودٍ
فلا وجهَ للاستدلال به على إمكان الخَلاء، وأن الماء أولُ حادث، بل عرشه سبحانه
عبارة عن قَيُّوميته بناءً على أنه في الأصل سريرُ الملك، وهو مظهر سلطانه، والماء
إشارةٌ إلى صفةِ الحياة باعتبار أنَّ منه كلَّ شيءٍ حيّ، فمعنى ((وكان عرشه على
الماء)»: وكان حيّاً قيوماً، وفي لفظة ((على)) تنبيهٌ على ترتّب أحدهما على الآخر،
فتدبر. انتهى.
ولعل وجهَ شهادة الخبر بذلك النفي تضمُّنُه على تقدير الإثبات ما يُنافي
ما تضمَّنه النفي؛ إذ يكون حينئذ شيئان معه سبحانه فضلاً عن شيء، ولا يخفى أن
هذا إنما يتم لو كانت الجملةُ الماضوية في موضع الحال، والظاهر أنها كغيرها
معطوفةٌ على الجملة المستأنفة، وليس في الكلام ما يقتضي أن المعنى: وكان عرشُه
على الماء مع وجودِه تعالى بدون معية شيء له لِيضطر إلى حمل الماء والعَرْش،
على ما علمتَ من صفتيه تعالى، ولا أرى في الحديث أكثرَ من إفادة ثبوتٍ
ما تضمَّنته المتعاطفات قبلَ خلق السماوات والأرض، وأما أن كونه تعالى ولم يكن
معه شيء، وكون عرشهِ سبحانه على الماء، وكتابه في الذِّكر ما كَتَبَ كلُّها في وقت
واحد هو وقتُ وجودِه تعالى الواقعُ بعدَه خلقُ السماوات والأرض بمهلة وتراخٍ،
فلا أراه.
وقد جاء في بعض الروايات عطفُ الخَلْق على ما قبله بالواو كسائر
المعطوفات؛ أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمران بن
حُصين قال: قال أهلُ اليمن: يا رسولَ الله، أَخْبِرْنا عن أولِ هذا الأمر كيف كان؟
قال: ((كان الله تعالى قبلَ كلِّ شيءٍ، وكان عرشه على الماء، وكتبَ في اللوح
المحفوظِ ذِكْرَ كلِّ شيءٍ، وخلق السماواتِ والأرض» الخبر(١).
ثم إنه لا يتم أمرُ الشهادة بمجرد ما تقدَّم، بل لا بدَّ أيضاً من حمل الكتابة في
الذِّكر على التقدير، ونفي أن يكون هناك كتابةٌ ومكتوبٌ فيه حسبما يتبادر منهما،
ويلتزم هذا في الخبر الثاني أيضاً، ومع ذلك يعكر على القول بكون زمن التقدير
متحداً كزمن قَيُّومِيَّته وحياته تبارك وتعالى مع زمن وجوده سبحانه ما أخرجه مسلم
(١) مسند أحمد (١٩٨٧٦)، وصحيح البخاري (٣١٩١)، وسنن الترمذي (٣٩٥١) - مختصراً -،
وسنن النسائي الكبرى (١١١٧٦).

سُوَلاَ هُود!
٣٥٨
الآية : ٧
والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسولُ اللهِ وَالت:
(إنَّ اللهَ تعالى قدَّر مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يَخْلُقَ السماواتِ والأرضَ بخمسين ألف
سنة وعرشه على الماء))(١) لأن أجزاءً الزمان الموهوم الفاصل بين زمان وجوده
تعالى ووجود صفاته وزمانٍ وجود الخَلْقِ غيرُ متناهية، فكيف تقدَّر بخمسين ألف
سنة؟ وضربُها في نفسها وضربُ الحاصل من ذلك بنفسه ألفَ ألفِ مرة أقلُّ قليل،
بل لا شيء يُذكر بالنسبة إلى غير المتناهي.
ويُعارض هذه الشهادة أيضاً ما تقدَّم في حديث أبي رَزِين العُقيلي من قوله عليه
الصلاة والسلام: ((وَخَلَقَ عرشَه على الماء))(٢) فإنه نصٌّ في أن العرشَ مخلوقٌ،
ولا يجوز أن تكون القيومية مخلوقةً. وكذا ما رُوي عن كعب من أنه سبحانه خلق
ياقوتةً خضراءَ، فنظر إليها بالهيبة فصارت ماءً، ثم خلقَ الريحَ فجعل الماء على
مَتْتها، ثم وضع العرشَ على الماء(٣).
وجاء حديث كون الماء على مَتْن الريح عن ابن عباس، وقد أخرج ذلك عنه
ابنُ جرير وابن المنذر والحاكم وصحَّحه والبيهقي وغيرهم(٤). وإباءُ ما ذُكِرَ كونَ
الماء بمعنى صفة الحياة له تعالى ظاهرٌ، ومثلُه ما أخرجه ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ
عن الربيع بن أنس أنه قال: كان عرشُه سبحانه على الماء فلما خلق السماواتِ
والأرضَ قسم ذلك الماء قسمين، فجعل نصفاً تحت العرش - وهو البحرُ
المسجور ـ فلا تقطرُ منه قطرةٌ حتى ينفخ في الصور، فينزل منه مثلُ الطَّلِّ، فتنبت
منه الأجسام، وجعل النصفَ الآخر تحت الأرض السُّفلى(٥).
ولعلَّ وجه الأمر بالتدبُّر في كلام هذا الفاضل الإشارةُ إلى ما ذكرنا .
وبالجملة لا شكَّ أن المتبادر من الماء ما هو أحدُ العناصر، ومن العرش
(١) صحيح مسلم (٢٦٥٣)، وسنن الترمذي (٢١٥٦)، والأسماء والصفات للبيهقي (٧٩٨)
وعبارة: ((وعرشه على الماء)) ليست عند الترمذي والبيهقي.
(٢) سلف تخريجه ص٣٤٨ من هذا الجزء.
(٣) ذكره البغوي في تفسيره ٢/ ٣٧٤، وهذا الخبر من الإسرائيليات التي يرويها كعب . .
(٤) تفسير الطبري ٣٣٣/١٢-٣٣٤، والمستدرك ٣٤١/٢، والأسماء والصفات للبيهقي (٨٠٢).
(٥) الدر المنثور ٣٢٢/٣.

الآية : ٧
٣٥٩
سُوَلا هُود
الجسم الذي جاء في الأخبار من وصفه ما يبهرُ العقولَ، وشهادةُ الخبر السابق - مع
كَوْنها شهادةَ نفي عارضتها شهاداتٌ إثبات - غيرُ نصَّ في المطلوب كما علمت،
ومن كون العرش على الماء ما يعمُّ الشِّقين: كونُه موضوعاً على مَنْنه مماسّاً له،
وكونُه فوقَه من غير أن يكون بينهما ما يماسُّهما، وتخصيصُه بالشِّق الثاني مما لا يَتِمُّ
له دليلٌ، ولا يصفو عن القال والقيل. وأن الآية لا تصلح دليلاً على كون الماء أولَ
حادث بعد العرش، ومن رَجَعَ إلى الأخبار المُعوَّل عليها رأى بعضَها كخبر
أبي رَزِين الذي حسَّنه الترمذي ظاهراً في أن الماء قبل العرش.
وقُصارى ما يقال في هذا المقام: إنَّ الحقَّ مع شيخ الإسلام، وإن نُصرة
القاضي - وإن كان ناصرَ الدين - نُصرةٌ خارجة عن الطريق المُستبين، فلا تلتفت
هداك الله سبحانه إلى مَن أطال في ذلك بلا طائل، وأتى بكلام لا يُشبه كلامَ عاقل،
وزعم أن ذاك من الحكمة وهو عنها - علم الله - بمراحل، ولولا الوقوعُ في العَبَثِ
لَنقلناه ونَبَّهنا على ما فيه، وإنْ كان حالُ ظاهره مُؤذِناً بحال خافيه.
نعم قد يقال: إنَّ البيضاوي إنما ذكر أنه استدلَّ بالآية على كذا وكذا، ولم يدَّع
أن فيها دليلاً على ذلك، فما يتوجَّه من الاعتراضات إنما يتوجَّه على المُستدِلّ
دونه، وکان من وجه إلیه ذلك ادَّعى ارتضاءه للاستدلال بدليل ما وطّاه له من
المقال.
وزعم الجُبَّائي أن في الآية دلالةً على أنه كان قبلَ خلق السماواتِ والأرض
حي مكلف، لأن خلقَ العرش على الماء لا وجهَ لحسنه إلا أن يكون فيه لطف
بمكلَّف يُمكنه الاستدلال به، وردّه علي بن عيسى بأنه لا يلزمُ ذلك، ويُكتفى بكون
الإخبار به نافعاً للمكلَّفين، واختاره المرتضى، ومنشأُ ذلك الاعتزالُ، والله تعالى
الموفق للصواب، وإليه المَرجِعُ والمآب.
﴿ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ اللام للتعليل مجازاً متعلّقة بـ ((خلق))، أي: خلق السماواتِ
والأرضَ وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم، ورتَّب فيهما جميعَ
ما تحتاجون إليه من مبادي وجودكم وأسبابٍ مَعَاشِكم، وأودع في
تضاعيفهما ما تستدلَّون به من تعاجيب الصنائع والعِبَر على مطالبكم الدينية لِيعاملكم
معاملةَ مَنْ يختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فيجازيَكم حسبَ أعمالكم.

سُوداُهُود
٣٦٠
الآية : ٧
قيل: متعلِّقٌ بفعل مقدَّر، أي: أَعْلَمَ بذلك ((ليبلوكم)). وقيل: التقدير: وخَلَقكم
(ليبلوكم)). وقيل: في الكلام جملَةٌ محذوفةٌ، أي: وكان خَلْقُه لهما لمنافعَ يعودُ
عليكم نفعُها في الدنيا دون الآخرة، وفعل ذلك ((ليبلوكم)). والكلُّ كما ترى.
والابتلاء في الأصل: الاختبار، والكلامُ خارجٌ مخرجَ التمثيل والاستعارة،
ولا يصحُّ إرادة المعنى الحقيقي؛ لأنه إنما يكون لمن لا يعرفُ عواقبَ الأمور.
وقيل: إنه مجازٌ مرسل عن العلم للتلازم بين العلم والاختبار، وهو مُحوِج إلى
تكلُّف أن يُرادَ: ليظهرَ تعلَّقِ عِلْمه الأزلي، وإلا فالعلم القديم الذاتي ليس متفرِّعاً
على غيره، وما تقدَّم لا تكلُّفَ فيه، وهو مع بلاغته مصادفٌ محزَّه.
والمراد بالعمل ما يشمل عملَ القلب وعملَ القالب، ويُؤيِّد ذلك ما أخرجه
ابنُ جرير وابن أبي حاتم والحاكم في ((التاریخ)) وابن مردويه عن ابن عمر پا
قال: تلا رسولُ اللهِوَّ هذه الآية (لِيَبْلُوَكُمْ) إلخ فقلت: ما معنى ذلك
يا رسولَ الله؟ قال: ((ليبلوكم أيُّكم أحسنُ عقلاً» ثم قال: «وأحسنُكم عقلاً
أَوْرعُكم عن محارم الله تعالى وأَعملُكم بطاعة الله تعالى)) (١) لكن ذكر الحافظ
السيوطي أن سنده واه(٢).
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن سفيان أن معنى (أَحْسَنُ عَمَلًا): أزهدُ في الدنيا(٣).
وعن مقاتل: أتقى لله تعالى. وعن الضحاك: أكثرُهم شكراً.
ولعلَّ أَخْذَ العمل شاملاً للأمرين أولى، وأفضلها ما كان عملَ القلب، كيف
لا ومدارُ العبادة القالبية الواجبة على العباد معرفة الله تعالى التي تحل القلب، وقد
يُرفع به للعبد في يوم مثلُ عمل أهلِ الأرض، وفي بعض الآثار: ((تفكّرُ ساعة يعدِلُ
عبادةَ سبعين سنة)) (٤).
(١) تفسير الطبري ٣٣٥/١٢، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٠٠٦/٦ والدر المنثور ٣٢٢/٣.
(٢) في إسناده داود بن المُحبَّر صاحب كتاب العقل، قال أحمد: لا يدري ما الحديث. وقال
الدارقطني: متروك. ميزان الاعتدال ٢٠/٢.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٠٦.
(٤) سلف ٢٠٩/٥ بعدة ألفاظ، ينظر تخريجها ثمة.