النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
أسرعَ إليك الشيبُ يا رسول الله. فأجابه بنحو ما ذُكر، إلا أنه ذكر من الأخوات:
الواقعة، وعمَّ، وإذا الشمس كُوِّرت(١).
وفي رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسولَ الله، لقد
شبتَ. فقال: ((شيّبتني هودٌ، والواقعة .. )) إلى آخر ما في خبر عمر(٢).
وفي بعضها الاقتصارُ على ((شيَّبتني هودٌ وأخواتها))(٣)، وفي بعض آخر بزيادة:
((وما فُعِلَ بالأمم من قبلي)) وقد أخرج ذلك ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن
أبيه ثا مرفوعاً (٤).
وأخرج ابن مردويه وغيره عن عمران بن حصين، أن رسول الله وسلم قال له
أصحابه: أسرعَ إليك الشيبُ، فقال ((شيَّبتني هودٌ وأخواتُها من المُفضَّل
والواقعة))(٥).
وكلُّ ذلك يدلُّ على خَطَرَها وعِظَم ما اشتملتِ عليه وأشارَتْ إليه، وهو الذي
صار سبباً لإسراع الشيب إليه ◌َ له. وفسَّره بعضُهم بذكر يوم القيامة وقصص الأُمم،
ويشهدُ له بعضُ الآثار.
وأخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أبي علي الشَّبَوي(٦) قال: رأيت
النبي ◌َّ في المنام: فقلت: يا رسولَ الله، رُوي عنك أنك قلت: ((شيَّبتني
هودٌ)) قال: ((نعم)). فقلت: ما الذي شيّبك منها؛ قصص الأنبياء عليهم السلام
وهلاكُ الأمم؟ قال: ((لا، ولكن قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الآية: ١١٢]))
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣٥٨/١ من طريق عطية عن أبي سعيد الخدري ضه، وعطية
وهو العوفي، ضعيف.
(٢) أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه كما في الدر المنثور ٣١٩/٣.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٨٧/١٧ من حديث عقبة بن عامر ظا
(٤) تاريخ مدينة دمشق ١٧٦/٤، وأخرجه أيضاً ابن سعد ٤٣٥/١، وهو حديث مرسل.
(٥) الدر المنثور ٣١٩/٣-٣٢٠، وقد تكلم في حديث عمران هذا الدارقطني رحمه الله، وينظر
كلامه عليه في تاريخ بغداد ١٤٥/٣ .
(٦) في الأصل و(م): الشتري، وفي شعب الإيمان (٢٤٣٩): السري، والصواب ما أثبتناه.
وهو أبو علي محمد بن عمر بن شبُّويه الشبوي المروزي، من كبار مشايخ الصوفية. سير
أعلام النبلاء ٤٢٣/١٦.

سُؤَلامُود
٣٢٢
الآية : ١
وهذا هو الذي اعتمد عليه بعضُ السادة الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارَهم (١)،
وبيَّنْه بما بيَّنه.
والحقُّ أن الذي شيَّبه وََّ ما تضمَّنته هذه السورة أعم من هذا الأمر وغيره
مما عَظُم أمره على رسول الله وَ له بمقتضى عِلْمه الجليل ومقامه الرفيع، وهذا هو
المُنقَدح لذهن السامع، ولذلك لم يسأله ◌َّ أصحابُه عما شيَّبه منها ومن أخواتها،
بل اكتفَوْا بما يتبادر من أمثال ذلك الكلام.
ودعوى أن المُتبادر لهم ◌ِّهَا ما خَفِيَ على أبي عليّ، فلذلك لم يسألوا - على
تقدير تسليمها - يبقى أنهم لِمَ لم يسألوا عما شيَّبه عليه الصلاة والسلام من
الأخوات مع أنه ليس فيها إلا ذِكْر يوم القيامة وهلاك الأمم دون ذلك الأمر؟!
وكونهم علموا أنّ المشيِّب فيها ذلك، وفي أخواتها شيء آخر هو ذكر يوم القيامة
وهلاك الأمم يأباه ما في خبر أبي عليّ من نَفْيه ◌ِّهِ، وكون ما ذكر مُشيِّباً مفهوماً من
سورة دون أخرى لا يخفى حاله، وبالجملة لا ينبغي التعويل على هذه الرواية وإنْ
سُلِّم أنها صحَّتْ عن أبي عليّ، واتّهام الرائي بعدم الحفظ أو بعدم تحقيق المَرْئي
أهونُ من القول بصحة الرؤية والتكلُّف لتوجيه ما فيها، وسيأتي في آخر السورة إن
شاء الله تعالى تمامُ الكلام في هذا المقام فليفهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ج
﴿الَرَ﴾ اسم للسورة على ما ذهب إليه الخليل وسيبويه وغيرهما، أو للقرآن على
ما رُوي عن الكلبي والسدي.
وقيل: إنها إشارةٌ إلى اسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته سبحانه.
وقيل: هي إقسام منه تعالى بما هو من أصول اللغات ومبادي كتبه المنزلة
ومباني أسمائه الكريمة.
وقيل وقيل، وقد تقدم الكلامُ فيما ينفعك هنا على أتمٍّ تفصيل.
(١) بعدها في الأصل: الشيخ الأكبر قدس سره.

الآية : ١
٣٢٣
سۈۈاهُود
واختار غيرُ واحد من المتأخِّرين كونها اسماً للسورة، وأنها خبرُ مبتدأ
محذوف، أي: هذه السورة مسماة بـ ((الر))، وقيل: محلَّها الرفع على الابتداء أو
النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكُر أو اقرأ.
وقوله سبحانه: ﴿كِتَبُّ﴾ خبرٌ لها على تقدير ابتدائيتها، أو لمبتدأ محذوف على
غيره من الوجوه، والتنوين فيه للتعظيم، أي: كتاب عظيم الشأن جليل القدر
﴿أُعْكِمَتْ ءَايَتُهُ﴾ أي: نظمت نظماً مُحكماً لا يطرأ عليه اختلالٌ، فلا يكون فيه
تناقضٌ أو مخالفةٌ للواقع والحِكمة أو شيءٌ مما يخلُّ بفصاحته وبلاغته، فالإحكام
مستعارٌ من إحكام البناء، بمعنى إتقانه.
أو: مُنِعَتْ من النسخ لبعضها أو لكلِّها بكتاب آخر كما وقع للكتب السالفة،
فالإحكام مِن أَحكمه إذا منعه، ويقال: أحكمتُ السفيه: إذا منعته من السفاهة،
ومنه قول جرير:
أبني حنيفة أَخْكِموا سفهاءكم
إني أخاف عليكمُ أن أغضبا(١)
وقيل: المراد: مُنعَتْ من الفساد، أخذاً مِن: أَحْكَمْتُ الدابَّة؛ إذا جعلتَ في
فمها الحَكَّمة، وهي حديدة تُجعل في فم الدابة تمنعها من الجِماح، فكأن ما فيها
من بيان المبدأ والمعاد بمنزلة دابّة منعها الدلائل من الجماح (٢)، ففي الكلام
استعارة تمثيلية أو مَكْنية.
وتُعقّب بأن تشبيهها بالدابة مُستهجَنٌ لا داعيَ إليه، ولعل الذوق يُفرِّق بين ذلك
وبين تشبيهها بالجَمَل الأنوف الوارد في بعض الآثار؛ لانقيادها مع المتأولين؛
لكثرة وجوه احتمالاتها الموافقة لأغراضهم.
واعترض بعضهم على إرادة المنع من الفساد بأن فيه إيهامَ ما لا يكاد يَليق بشأن
الآيات الكريمة من التداعي إلى الفساد لولا المانع، فالأولى(٣) إذ يُراد معنى المنع
(١) ديوان جرير ٤٦٦/١.
(٢) عبارة الشهاب في الحاشية ٦٧/٥ (والكلام منه): فكأن ما فيه من بيان المبدأ والمعاد بمنزلة
دابة منعتها حَكَمَتُها من الجماح.
(٣) في (م): فالأول.

الآية : ١
٣٢٤
سُوَلُ هُود!
أنْ يُرادَ المنع من النسخ، ويُراد من الكتاب القرآن، وعدم نسخه كلّ أو بعضاً على
حسب ما أشرنا إليه؛ وكون ذلك خلافَ الظاهر في حيز المنع.
وادَّعى بعضُهم أن المرادَ بالآيات آياتُ هذه السورة، وكلُّها محكمة غير منسوخة
بشيء أصلاً، ورُوي ذلك عن ابن زيد، وخُولِف فيه، وادُّعي أن فيها من المنسوخ
أربعَ آيات: قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ﴾ [الآية: ١٢]
﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَمِلُونَ﴾ [الآية: ١٢١] والتي تليها، ونُسخَتْ
جميعاً بآية السيف و﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا﴾ [الآية: ١٥]، ونُسخَتْ بقوله
سبحانه ﴿مَّنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَبَّلْنَا لَهُ، فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تُرِيدٌ﴾ [الإسراء: ١٨]. ولا يخلو
عن نظر.
ويجوز أن يكون المعنى: مُنعت من الشبه بالحجج الباهرة، وأُيّدت بالأدلة
الظاهرة، أو جعلت حكيمة، أي: ذات حِكمة لاشتمالها على أصول العقائد
والأعمال الصالحة والنصائح والحِكَم، والفعل على هذا منقولٌ من حَكُم - بالضم - إذا
صار حكيماً، ومنه قول نمر بن تَوْلب:
إذا أنت حاولت أن تَحكما(١)
وأبغض بغيضك بغضاً رويداً
فقد قال الأصمعي: إن المعنى: إذا حاولت أن تكون حكيماً.
وفي إسناد الإحكام على الوجوه المذكورة إلى الآيات دون الكتاب نفسه
لاسيما إذا أُريدَ ما يَشمل كلَّ آيَةٍ آيةٍ من حُسْنِ الموقع والدلالةِ على كونه في أقصى
غاياته = ما لا يخفَى.
ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: جُعلت مفصّلة كالعِقْد المُفصَّل بالفرائد التي تُجعل بين
اللآلئ، ووَجْهُ جَعْلِها كذلك اشتمالُها على دلائل التوحيد والأحكام والمواعظ
والقصص، أو فُصِّل فيها مَهَمات العباد في المعاش والمَعَاد على الإسناد
المجازي. أو جُعلت فصلاً فصلاً من السور، ويراد بالكتاب القرآن، وقيل: يصحُّ
أن يُرادَ به هذه السورة أيضاً على أن المعنى: جُعلت معاني آياتها في سُورٍ،
ولا يخفى أنه تكلُّفٌ لا حاجة إليه.
(١) منتهى الطلب ٢٨٧/١، وخزانة الأدب ٢٥٤/١٠.

الآية : ١
٣٢٥
سُؤَلُ هُود
أو فُرِّقت في التنزيل، فلم تنزل جُملةً، بل نزلت نجماً نجماً على حسب
ما تقتضيه الحِكمة والمصلحة، و((ثم)) على هذا ظاهِرة في التراخي الزماني؛ لِمَا أن
المُتبادر من التنزيل المُنجَّم فيه التنزيل المنجم بالفعل. وإن أُريد جَعْلُها في نفسها
بحيث يكون نزولها منجَّماً حسب الحِكمة فهو رتبي؛ لأن ذلك وصفٌ لازم لها
حقيقٌ بأن يرتب على وصف أحكامها، وهي على الأوجه الأول للتراخي الرتبي
لا غير، وقيل: للتراخي بين الإخبارين. واعترض بأنه لا تراخي هناك إلا أن يُرادَ
بالتراخي الترتيب مجازاً، أو يقال بوجوده باعتبار ابتداء الخبر الأول وانتهاء الثاني.
وأنت تعلم أن القول بالتراخي في الرتبة أَولى، خلا أن تراخي رتبة التفصيل
بأحد المعنيين الأولين عن رتبة الإحكام أمرٌ ظاهرٌ، وبالمعنى الثالث فيه نوعُ خَفاء،
ولا يخفى عليك أن الاحتمالات في الآية الحاصلة من ضرب معاني الإحكام
الأربعة في معاني التفصيل كذلك، وضرب المجموع في احتمالات المراد بـ (ثم))
تبلغ اثنين وثلاثين أو ثمانية وأربعين احتمالاً ولا حَجْرَ.
والزمخشريُّ ذكَر للإحكام - على ما في ((الكشف)) - ثلاثةَ أوجه، أَخذه مِن:
إحكام البناء، نظراً إلى التركب البالغ حدَّ الإعجاز. أو مِنَ الإحكام، جعلها
حكيمةً. أو جعلها ذاتَ حَكَمة، فَيُفيد معنى المنع من الفساد.
وللتفصيل أربعةً: جَعْلُها كالقلائد المُفصَّلة بالفرائد لما فيها من دلائل التوحيد
وأَخواتها. وجَعْلُها فصولاً سورة سورة وآية آية. وتفريقُها في التنزيل، وتفصيلُ
ما يحتاج إليه العبادُ وبيانُه فيها(١)، رُوي هذا عن مجاهد.
وقال(٢): إنَّ معنى ((ثم)) ليس التراخي في الوقت، ولكن في الحال كما تقول:
هي مُحكمة أحسنَ الإحكامِ، ثم مُفصَّلة أحسنَ التفصيل، وفلانٌ كريمُ الأصل ثم
كريم الفعل. والظاهر أنه أرادَ أنها في جميع الاحتمالات كذلك.
وفيه أيضاً: أنه إذا أُريد بالإحكام أحدُ الأولين وبالتفصيل أحدُ الطرفين
فالتراخي رُتبي؛ لأن الإحكام بالمعنى الأول راجعٌ إلى اللفظ، والتفصيل إلى
(١) الكشاف ٢٥٧/٢-٢٥٨.
(٢) يعني الزمخشري في الكشاف ٢٥٨/٢.

٣٢٦
الآية : ١
المعنى، وبالمعنى الثاني وإن كان معنويّاً لكن التفصيل إكمالٌ لِمَا فيه من الإجمال.
وإن أريد أحدُ الأوسطين فالتراخي على الحقيقة؛ لأنَّ الإحكامَ بالنظر إلى كل آية
في نفسها وجَعْلها فصولاً بالنظر إلى بعضها مع بعض، أو لأن كلَّ آيةٍ مُشتمِلةٌ على
جمل من الألفاظ المرصفة، وهذا تراخ وجودي، ولما كان الكلامُ من السائلات
كان زمانيّاً أيضاً، ولكن الزمخشري آثْرَ التراخي في الحال مطلقاً، حملاً على
التراخي في الإخبار في هذين الوجهين لِيطابق اللفظُ الوضعَ، ولِيظهرَ وجه العدول
من الفاء إلى (ثم)). وإنْ أُريد الثالث، وبالتفصيل أحد الطرفين فرتبي،
وإلا فإخباري. والأحسن أن يُراد بالإحكام الأول وبالتفصيل أحدُ الطرفين، وعليه
ينطبق المطابقة بين ((حكيم)) و((خبير)) و((أُحكمت)) و((فصلت))، ثم قال: ومنه ظهر أن
التراخي في الحال يشمل التراخي الرتبي والإخباري. انتهى، فليتأمل.
وقرئ: ((أَحكمتُ)) بالبناء للفاعل المتكلِّم (١)، و((فَصَلَت)) بفتحتين مع التخفيف،
ورُوي هذا عن ابن كثير (٢)، والمعنى: ثم فَرقَتْ بين الحق والباطل. وقيل:
((فصلت)) هنا مثلُها في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْغِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] أي: انفصلَتْ
وصَدَرت.
﴿مِنْ لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾﴾ صفةٌ لـ ((كتاب)) وُصِفَ بها بعد ما وُصِفَ بإحكام
آياته وتفصيلها الدالَّين على علوِّ مرتبته من حيث الذاتُ إبانةً لجلالة شأنه من حيث
الإضافة. أو خبرٌ ثانٍ للمبتدأ الملفوظ أو المقدر. أو هو معمولٌ لأحد الفعلين على
التنازع مع تعلُّقه بهما معنى، أي: مِنْ عنده إحكامُها وتفصيلُها. واختار هذا في
((الكشف)). وفي ((الكشاف)): أن فيه طباقاً حسناً، لأن المعنى: أحكمها حكيمٌ،
وفصَّلها - أي: بيَّنها وشرحها - خبيرٌ عالم بكيفيات الأمور(٣). ففي الآية اللَّفّ
والنشر.
وأصل الكلام على ما قال الطيبي: أَحكمَ آياتِهِ الحكيمُ وفَصَّلها الخبير، ثم
عَدَل عنه إلى: أُحكمت حكيم وفُصِّلت خبير، على حد قوله تعالى: ﴿يُسَيِّحُ لَهُمْ فِهَا
(١) البحر المحيط ٢٠٠/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص٥٩، والمحتسب ٣١٨/١، وهي غير المشهورة عن ابن كثير.
(٣) الكشاف ٢٥٨/٢.

الآية : ١
٣٢٧
سؤالاُ هُود
بِالْغُدُقِّ وَالْأَصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦] على قراءة البناء للمفعول(١)، وقوله:
لِيُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومة ومُختبطٌ مما تُطيح الطوائح(٢)
ثم إلى ما في النظم الجليل لما في الكناية من الحُسن مع إفادةِ التعظيم البالغ
الذي لا يَصِلُ إلى كُنھه وصفُ الواصف، لاسيما وقد جيء بالاسمين الجلیلین
مُنگّرین بالتنكير التفخيمي.
و((لدن)) من الظروف المبنية، وهي لأول غاية زمان أو مكان، والمراد هنا
الأخير مجازاً، وبُنيت لِشَبَهِها بالحرف في لزومها استعمالاً واحداً، وهي كونُها مبدأَ
غاية وامتناع الإخبار بها وعنها، ولا يُبنى عليها المبتدأ، بخلاف عند ولَدَى،
فإنهما لا يلزمان استعمالاً واحداً، بل يكونان لابتداء الغاية وغيرها، ويُبنى
عليهما المبتدأ كما في قوله سبحانه: ﴿وَعِندَهُ، مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] ﴿وَلَدَيْنَا
مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].
قيل: ولقوة شَبَهِها بالحرف وخُروجها عن نظائرها لا تُعرب إذا أُضيفت. نعم
جاء عن قيس إعرابُها تشبيهاً بعند، وعلى ذلك خُرِّجت قراءة عاصم (٣): ﴿بَأْسًا
شَدِيدًا مِن لَّكُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] بالجر وإشمام الدال الساكنة الضم.
واقترانُها بمِنْ كما في الآية، وكذا إضافتُها إلى مفرد كيفما كان، هو الغالب،
وقد تتجرَّد عن مِنْ، وقد تُضاف إلى جملة اسمية كقوله:
وتذكرُ نُعماهُ لَدُنْ أنتَ يافع(٤)
وفعلیة کقوله:
(١) قرأ بها ابن عامر وشعبة. التيسير ص١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢.
(٢) الضارع: الذليل الخاضع، والمختبط: الطالب المعروف، وتطيح: تذهب وتهلك. والشاهد
فيه رفع الضارع بإضمار فعل دل عليه ما قبله. وقد سلف البيت ٣٦٩/٥ وتكلَّمنا ثمة عن
قائله والاختلاف فيه .
(٣) في رواية شعبة. التيسير ص١٤٢، والنشر ٣١٠/٢.
(٤) خزانة الأدب ١١١/٧، والدرر اللوامع على همع الهوامع ١٣٦/٣، وعجزه: إلى أنت ذو
فَوْدین أبيض كالنسر.

سُوَلاَ هُود!
٣٢٨
الآية : ١
لَدُنْ شبَّ حتى شابَ سودُ الذوائب(١)
صريعُ غوانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَه
ومنع ابنُ الدَّهان(٢) من إضافتها إلى الجملة، وأَوَّلَ ما ورد من ذلك على تقدير
((أنْ)) المصدرية، بدليل ظهورها معها في قوله:
وُلِيتَ فلم تَقْطَعْ لَدُنْ أن وَلِيتَنا قرابةَ ذي قُربى ولا حقَّ مُسْلم(٣)
ولا يخفى ما في التزام ذلك من التكلّف، لاسيما في مثل: لَّدُن أنتَ يافع.
وتتمخَّض للزمان إذا أُضيفت إلى الجملة. وجاء نصبُ غدوة بعدها في قوله:
لدن غُدوةً حتى دنت لغروب (٤)
وخُرِّج على التمييز، وحكى الكوفيون رَفْعَها بعدها، وخُرِّج على إضمار كان.
وفيها ثمانٍ لُغات؛ فمنهم من يقول: لَدُنْ، بفتح اللام وضم الدال وسكون
النون، وهي اللغة المشهورة، وتُخفّف بحذف الضمة كما في عَضْد، وحينئذٍ يلتقي
ساكنان. فمنهم مَن يحذفُ النون لذلك، فيبقى لَدْ، بفتح اللام وسكون الدال.
ومنهم مَن لا يحذف، ويُحرِّك الدال فتحاً فيقول: لَدَنْ، بفتح اللام والدال وسكون
النون، ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال كسراً فيقول: لَدِنْ، بفتح اللام وكسر
الدال وسكون النون، ومنهم مَن لا يحذف ويُحرِّك النون بالكسر فيقول: لَدْنٍ، بفتح
اللام وسكون الدال وكسر النون، وقد يُخْفَّف بنقل ضَمَّةِ الدال إلى اللام كما يقال
في عَضُد: عُضْد بضم العين وسكون الضاد على قِلَّة، وحينئذٍ يلتقي ساكنان أيضاً،
فمنهم مَن يحذف النون لذلك فيقول: لُدْ، بضم اللام وسكون الدال. ومنهم مَن
لا يحذف، ويُحرِّك النون بالكسر فيقول: لُذْنِ، بضم اللام وسكون الدال وکسر
النون فهذه سبع لغات. وجاء لَدُ بحذف نون لدن التي هي أُمّ الجميع، وبذلك تتم
(١) البيت للقطامي، وهو في ديوانه ص٤٤.
(٢) سعيد بن مبارك بن علي بن الدهان البغدادي، أبو محمد، من مصنفاته: شرح الإيضاح،
وشرح اللمع، والدروس، وغيرها، توفي سنة (٥٦٩ هـ). إنباه الرواة ٢/ ٤٧ .
(٣) خزانة الأدب ١١١/٧، والدرر اللوامع ١٣٦/٣.
(٤) البيت لأبي سفيان بن حرب قاله يوم أحد، وأوله: وما زال مُهْري مَزْجَر الكلب منهم. الدرر
اللوامع ١٣٨/٣، واللباب لابن عادل ٤٦/٥.

الآية : ٢
٣٢٩
الثمانية، ويدلُّ على أن أصلَ لد: لدن، أنك إذا أضفتَه لمضمر جئتَ بالنون فتقول:
مِنْ لدنك، ولا يجوز: مِنْ لدك، كما نَبَّه عليه سيبويه(١)، وذكر لها في ((همع
الهوامع)) عشر لغات ما عدا اللغة القيسية(٢)، فليراجع.
﴿أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّا اللّهَ﴾ في موضع العلة للفعلين السابقين على جعل ((أن))
مصدرية، وتقدير اللام معها كأنه قيل: كتاب أُحكمت آياته ثم فُصِّلتْ لئلا تعبدوا
إلا الله، أي: لتتركوا عبادةً غيره عز وجل وتتمخّضوا لعبادته سبحانه، فإن
الإحكام والتفصيل مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد وما يتفرَّع عليه من الطاعات
قاطبةً.
وجوز أن تكون مُفَسِّرة؛ لما في التفصيل من معنى القول دون حروفه، كأنه
قيل: فضَّل وقال: لا تعبدوا إلا الله، أو: أَمر أنْ لا تعبدوا إلا الله.
وقيل: إن هذا كلامٌ منقطع عما قبله غيرُ متصل به اتصالاً لفظيّاً، بل هو ابتداءُ
كلام قُصِدَ به الإغراء على التوحيد على لسانه وَّ﴿، و((أن)) وما بعدها في حيِّز
المفعول به لمقدَّرٍ، كأنه قيل: اِلزموا تركَ عبادةٍ غيره تعالى. واحتمالُ أن يكون
ما قبلُ أيضاً مفعولاً به بتقدير ((قُلْ)) أولَ الكلام خلافُ الظاهر، ومثله احتمال كون
(أن)) والفعل في موقع المفعول المطلق، وقد صرَّح بعضُ المحقّقين أن ذلك
مما لا يحسُّن، أَوْ لا يجوز(٣)، فلا ينبغي أن يُلتفت إليه.
﴿إِنَّنِى لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾﴾ ضمير الغائب المجرور لله تعالى و((من)) لابتداء
الغاية، والجار والمجرور في الأصل صفة النكرة فلما قُدِّم عليها صار حالاً كما هو
المعروف في أمثاله، أي: إني لكم من جهته تعالى نذيرٌ أُنذِرُكم عذابَه إن لم تتركوا
ما أنتم عليه من عبادة غيره سبحانه، وبشير أُبشِّركم ثوابَه إنْ آمنتم وتمَّضتم في
عبادته عز وجل.
(١) الكتاب ٢٨٦/٣.
(٢) همع الهوامع ٢١٩/٢- ٢٢٠، والدرر اللوامع على همع الهوامع ١٣٦/٣، ويعني باللغة
القيسية كونها معربة كما سلف.
(٣) حاشية الشهاب ٦٩/٥.

٣٣٠
الآية : ٣
وجُوِّز كون ((من)) صلةَ النذير، والضمير إما له تعالى أيضاً، والمعنى حينئذ - على
ما قال أبو البقاء(١) -: نذيرٌ من أجل عذابه. وإما للكتاب على معنى: إني لكم نذيرٌ
من مخالفته، وبشیرٌ لمن آمن به.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ عطفٌ على (أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّ) سواء كان نهياً
أو نفياً، وفي ((أن)) الاحتمالان السابقان، وقد علمتَ أن الحقَّ أنَّ ((أن)) المصدرية
تُوصل بالأمر والنهي كما تُوصل بغيرهما .
وفي توسيط جملة ((إني لكم)) إلخ بين المتعاطفين ما لا يخفى من الإشارة إلى عُلوٍّ
شأن التوحيد، ورفعةٍ قَدْرِ النبي وَِّ، وقد رُوعي في تقديم الإنذار على التبشير ما رُوعي
في الخطاب من تقديم النفي على الإثبات، والتخلية على التحلية لِتتجاوبَ الأطراف.
والتعرُّضُ لوصف الربوبية تلقينٌ للمخاطَبين، وإرشادٌ لهم إلى طريق الابتهال في
السؤال، وترشيحٌ لما يُذكر من التمتيع وإيتاء الفضل.
وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ عطفٌ على ((استغفروا)) واختُلف في توجيهِ
توسيط ((ثم)) بينهما مع أنَّ الاستغفارَ بمعنى التوبة في العُرف، فقال الجُبَّائي: إنَّ
المرادَ بالاستغفار هنا التوبةُ عمَّا وقع من الذنوب، وبالتوبةِ الاستغفارُ عما يقع منها
بعد وقوعه، أي: استغفروا رَبّكم من ذنوبكم التي فعلتموها، ثم توبوا إليه من ذنوبٍ
تفعلونها، فكلمة ((ثم)) على ظاهرها من التراخي في الزمان.
وقال الفراء: إنَّ ((ثم)) بمعنى الواو كما في قوله:
جرى في الأنابيبِ ثم اضطربْ
بهزِّ كَھَزِّ الرُّدينيّ(٢)
والعطف تفسيري. وقيل: لا نُسلِّم أن الاستغفارَ هو التوبة، بل هو ترك
المعصية، والتوبةُ هي الرجوعُ إلى الطاعة، ولئن سُلِّم أنهما بمعنى فـ ((ثُمَّ) للتراخي
(١) في إملاء ما من به الرحمن ٢٥٨/٣.
(٢) كذا وقع هذا الشطر في (م) والأصل: بهزِّ كهزِّ الرُّدينيّ، وهو في مغني اللبيب ص١٦٠،
وشرح شواهد العيني بهامش خزانة الأدب ١٣١/٤ بلفظ: كهزّ الرديني تحت العجاج، وفي
المعاني الكبير لابن قتيبة ٥٨/١: كهز الرُّدينيّ بين الأكف. والبيت لأبي دؤاد الإيادي يصف
فرسه، فیشبه مِشیته باهتزاز الرمح.

الآية : ٣
٣٣١
سُوَلاَ هُود!
في الرُّتبة، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرارُ عليها، وإلى هذا ذهب
صاحبُ ((الفرائد)).
وقال بعض المُحقِّقين: الاستغفارُ هو التوبةُ، إلا أنَّ المرادَ بالتوبة في جانب
المعطوف التوصُّلُ إلى المطلوب مجازاً من إطلاق السبب على المُسبَّب، و(ثم))
على ظاهرها، وهي قرينةٌ على ذلك.
وأنت تعلم أنَّ أصلَ معنى الاستغفار طلبُ الغَفْر، أي: السَّتْر، ومعنى التوبة
الرُّجوع، ويُطلق الأولُ على طلب سَتْر الذنب من الله تعالى والعفو عنه، والثاني
على الندم عليه مع العَزْم على عَدَمِ العَوْد، فلا اتّحاد بينهما، بل ولا تلازمَ عقلاً،
لكن اشْتُرِطَ شرعاً لصحة ذلك الطلب وقبوله النَّدمُ على الذنب مع العَزْم على عدم
العَوْد إليه، وجاء أيضاً استعمالُ الأول في الثاني، والاحتياجُ إلى توجيه العطف
على هذا ظاهر، وأما على ذاك فلأن الظاهرَ أن المرادَ من الاستغفار المأمور به
الاستغفارُ المسبوق بالتوبة بمعنى الندم، فكأنه قيل: استغفروا ربّكم بعد التوبة، ثم
توبوا إليه، ولا شُبهة في ظهور احتياجهِ إلى التوجيه حينئذ، والقلبُ يميل فيه إلى
حمل الأمر الثاني على الإخلاص في التوبة والاستمرارِ عليها، والتراخي عليه يجوز
أن يكون رُثْبِيّاً، وأن يكون زمانياً كما لا يخفى.
﴿يُعَنِّعَكُمْ مَنَعًا حَسَنًا﴾ مجزوم بالطلب، ونصب ((متاعاً)) على أنه مفعولٌ مطلق من
غير لفظه، كقوله تعالى: ﴿أَنْبَّكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧]. ويجوز أن يكون
مفعولاً به على أنه اسمٌ لما يُنتفع به من منافع الدنيا من الأموال والبنين وغير ذلك،
والمعنى - كما قيل : يُعِشْكم في أَمْن وراحة، ولعلَّ هذا لا يُنافي كونَ الدنيا سجنَ
المؤمن وجنةَ الكافر، ولا كونَ أشدِّ الناس بلاءَ الأَمْثَلَ فالأمثل؛ لأن المرادَ بالأمن
أَمْنُه من غير الله تعالى ﴿وَمَنْ يَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهٌُ﴾ [الطلاق: ٣] وبالراحةِ طيبُ
عَيْشِه برجاء الله تعالى والتقرب إليه حتى يَعُدَّ المحنةَ مِنْحةً:
وتَعذيبكم عذبٌ لديَّ وجورُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكم عَدْلُ(١)
وقال الزجاج: المراد: يُبقيكم ولا يستأصلكم بالعذاب كما استأصل أهلَ
(١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٣٥ .

لأَهُود!
٣٣٢
الآية : ٣
القُرى الذين كفروا(١). والخطاب لجميع الأُمَّة بقطع النظر عن كل فرد فرد.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ مقدَّر عند الله تعالى، وهو آخرُ أعماركم، أو آخرُ أيام
الدنيا كما يقتضيه كلامُ الزَجَّاج. ولا دلالة في الآية على أن للإنسان أجلين
كما زعمه المعتزلة.
﴿وَيُؤْتٍ﴾ أي: يُعْطِ ﴿كُلَّ ذِى فَضْلٍ﴾ أي: زيادة في العمل الصالح ﴿فَضْلَّةٌ﴾
أي: جزاء فَضْله في الدنيا أو في الآخرة؛ لأن العمل لا يُعطى، وقد يقال: لا حاجةً
إلى تقدير المضاف، والمراد المبالغة على حدّ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٩]
والضمير لـ ((كل))، ويجوز أن يعودَ إلى الربّ، والمراد بالفضل الأول ما أُريد به
أولاً وبالثاني زيادة الثواب بقرينة أنَّ الإعطاءَ ثوابٌ، وحينئذ يُستغنى عن التأويل.
واختار بعضُ المُحقِّقين(٢) التفسيرَ الأول، ثم قال: وهذه تكملةٌ لما أجمل من
التمتيع إلى أجلٍ مسمَّى، وتبينٌ لما عسى أن يَعسُرَ فَهْمُ حكمته من بعض ما يتفق في
الدنيا من تفاوت الحال بين العاملين، فَرُبَّ إنسانٍ له فضلُ طاعة وعمل لا يُمتَع في
الدنيا أكثرَ مما مُنِّعَ آخرُ دونَه في الفَضْل، وربما يكون المفضولُ أكثرَ تمتيعاً، فقيل:
ويُعطِ كلَّ فاضل جزاءَ فَضْله، إما في الدنيا، كما يتفق في بعض المواد، وإما في
الآخرة، وذلك مما لا مَردّ له. انتهى.
ويُفهم من كلام بعضهم عدمُ اعتبار الانفصال على أنه سبحانه يُنعم على ذي
الفضل في الدنيا والآخرة، ولا يختص إحسانه بإحدى الدارين، ولا شكَّ أن كلَّ
ذي عمل صالح مُنْعَمٌ عليه في الآخرة بما يعلمه الله تعالى، وكذا في الدنيا بتزيين
العمل الصالح في قلبه والراحةِ حسب تعليق الرجاء بربِّه ونحو ذلك، ولا إشكالَ
في ذلك كما هو ظاهر للمتأمِّل.
وقيل: في الآية لفُّ ونَشْرٌ، فإن التمتيعَ مرتَّبٌ على الاستغفار، وإيتاءَ الفضل
مُرتّبٌ علی التوبة. انتھی.
وأيّاً مّا كان ففي الكلام ضربُ تفصيل لما أُجمل فيما سبق من البشارة.
(١) معاني القرآن للزجاج ٣٨/٣.
(٢) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٨٤ .

الآية : ٤
٣٣٣
سُؤَلاَ هُوّد
ثم شرع في الإنذار بقوله سبحانه:
﴿وَإِن تَوَلَّْ﴾ أي: تستمروا على الإعراض عما ألقي إليكم من التوحيد
والاستغفار والتوبة، وأصلُه: تتولوا، فهو مضارع مبدوء بتاء الخطاب؛ لأن ما بعدَه
يقتضيه، وحُذفت منه إحدى التاءين كما فُعل في أمثاله.
وقيل: إن ((تولوا)) ماضٍ غائبٌ، فلا حذف، ويقدّر فيما بعدُ: فقل لهم. وهو
خلاف الظاهر.
وأُخِّر الإنذار عن البشارة جرياً على سَنَن تقدُّم الرحمة على الغضب، أو لأَنَّ
العذابَ قد عُلِّق بالتولِّي عما ذكر من التوحيد وما معه، وذلك يستدعي سابقةَ ذكره.
وقرأ عيسى بن عمر واليماني: (تُوَلُّوا)) بضم التاء وفتح الواو وضم اللام(١)،
وهو مضارع وَلَّى من قولهم: وَلَّى هارباً، أي: أَدْبر.
﴿فَإِيِّ أَخَافُ عَلَيْكُ﴾ بمقتضى الشفقة والرأفة، أو أتوقّع ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ
٣
هو يوم القيامة، وُصِفَ بذلك لِكِبَرِ ما يكون فيه، ولذا وُصِفَ بالنِّقل أيضاً، وجُوِّز
وصفُه بالكِبَر لكونه كذلك في نفسه. وقيل: المراد به زمانٌ ابتلاهم الله تعالى فيه في
الدنيا، وقد رُوي أنهم ابتُلوا بقَحْطٍ عظيم أكلوا فيه الجِيَفَ. وأيّاً ما كان ففي إضافة
العذاب إلیه تھویلٌ وتفظییٌ له.
﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِمُكُمْ﴾ مصدرٌ ميمي، وكان قياسُه فتحَ الجيم؛ لأنه من باب ضَرَبَ،
وقياس مصدره الميمي ذلك كما عُلم في(٢) محلِّه، أي: إليه تعالى رجوعُكم
بالموت، ثم البعث للجزاء في مثل ذلك اليوم، لا إلى غيره، جميعاً لا يتخلَّف
منکم أحدٌ.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ ﴾﴾ فيندرج في تلك الكُلِّية قدرتُه سبحانه على
إماتتكم، ثم بعثكم وجزائكم، فيعذّبكم بأفانين العذاب، وهذا تقريرٌ وتأكيدٌ
لما سلف من ذكر اليوم، وتعليلٌ للخوف.
(١) القراءات الشاذة ص٥٩.
(٢) في (م): من.

سُؤَدَلُ هُود!
٣٣٤
الآية : ٥
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ يَقْتُوُنَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ﴾ كأنه جوابُ سؤال مقدَّر؛ وذلك أنه
لما أُلقي إليهم ما أُلقي، وسيق إليهم ما سِيق من الترغيب والترهيب، وَقَع في ذهن
السامع أنهم بعد ما سمعوا مثلَ هذا المقال الذي تَخِرُّ له صُمُّ الجبال، هل قابلوه
بالإقبال أَمْ تمادَوْا فيما كانوا عليه من الإعراض والضلال؟ فقيل - مصدَّراً بكلمة
التنبيه إشعاراً بأنَّ ما بعدها من هناتهم أمرٌ ينبغي أن يُفهم ويُتعجَّب منه -: (أَلَاَ إِنَّهُمْ)
إلخ. فضمير ((إنهم)) للمشركين المُخاطَبين فيما تقدَّم، و((يَئنون)) بفتح الياء مضارع ثنى
الشيءَ: إذا لواه وعطفه، ومنه ــ على ما قيل - الاثنان، لِعطف أحدهما على الآخر،
والثناءُ لِعَظْفِ المناقب بعضها على بعض، وكذا الاستثناء للعطف على المستثنى منه
بالإخراج. وأصلُه يثنيون فأعلَّ الإعلالَ المعروف في نحو يرمون.
وفي المراد منه احتمالات: منها أن الثَّنْي كنايةٌ أو مجازٌ عن الإعراضُ عن
الحق؛ لأنَّ مَن أقبل على شيء واجهه بصدره، ومن أَعرض صَرَفَهُ عنه، أي: إنهم
يثنون صدورهم عن الحق وينحرفون عنه. والمراد استمرارُهم على ما كانوا عليه من
التولِّي والإعراض المشار إليه بقوله سبحانه: (وَإِن تَوَلَّوْأ) إلخ.
ومنها أنه مجاز عن الإخفاء لأن ما يُجعل داخل الصدر فهو خفيٍّ، أي: إنهم
يُضمرون الكُفْرَ والتولِّيَ عن الحق وعداوةَ النبي ◌َّ.
ومنها أنه باقٍ على حقيقته، والمعنى: إنهم إذا رأوا النبي عليه الصلاة والسلام
فعلوا ذلك، وولّوه ظهورهم.
والظاهر أن اللام متعلقة بـ ((يثنون)) على سائر الاحتمالات، وكأن بعضَهم (١)
رأى عدمَ صحةِ التعلُّق على الاحتمال الأول؛ لِمَا أنَّ التولِّي عن الحق لا يصلحُ
تعليلهُ بالاستخفاء، لعدم السببية، فقدَّر لذلك متعلَّقاً فعل الإرادة على أنه حال، أو
معطوف على ما قبله، أي: ويُريدون لِيَسْتَخْفوا من الله تعالى، فلا يُطلِعُ رسولَه عليه
الصلاة والسلام والمؤمنين على إعراضهم (٢)، وجعله في قَوْدِ المعنى إليه من قَبيل
(١) هو الزمخشري في الكشاف ٢٥٨/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي السعود في تفسيره
١٨٥/٤.
(٢) في الأصل و(م): أغراضهم، والمثبت من تفسير أبي السعود، وجاء في الكشاف بدلاً منها:
ازورارهم.

الآية : ٥
٣٣٥
سُوَلُ هُود!
الإضمار في قوله تعالى: ﴿أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أي: فضرب
فانفلق، لكن لا يخفى أن انسياقَ الذهن إلى توسيط الإرادة بين ثني الصدور
والاستخفاء ليس بمثابة انسياقه إلى توسيط الضرب بين الأمر والانفلاق، كما ذكره
العلامة القَسْطَلَاني وغيره.
وقيل: إنه لا حاجةً إلى التقدير في الاحتمالين الأولين؛ لأنَّ انحرافَهم عن
الحقّ بقلوبهم، وعطف صدورهم على الكفر، والتولِي، وعداوة النبي ◌َّ، وعدم
إظهارهم ذلك يجوز أن يكون للاستخفاء من الله تعالى لجهلهم بما لا يجوزُ على الله
تعالى، وأما على الاحتمال الثالث فالظاهر أنه لا بدَّ من التقدير، إلا أنْ يُعادَ
الضميرُ ((منه)) إلى الرسولِ وَّل، وهو الذي يقتضيه سببُ النزول على ما ذكره
أبو حيان(١) من أن الآية نزلت في بعض الكُفَّار الذين كانوا إذا لقِيهم النبيُّ وَّلـ
تطامنوا وثَنوا صدورَهم كالمُستتر، ورَدُّوا إليه ظهورَهم، وغشَّوا وجوههم بثيابهم،
تباعداً منه وكراهةً للقائه عليه الصلاة والسلام، وهم يظُّون أنه يخفى عليه وَِّ،
لكن ظاهر قوله تعالى الآتي: (يَعْلَمُ مَا يُبِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) يقتضي عَوْدَ الضمير إليه
تعالى.
واختار بعضُ المُحقِّقين الاحتمالَ الثاني من الاحتمالات الثلاث، وأَمْرُ التعليل
والضمير عليه ظاهر، وأيَّده بما رُوي عن ابن عباس ﴾ أنها نزلَتْ في الأخنس بن
شريق، وكان رجلاً حلوَ المنطق، حسنَ السِّياق للحديث يُظهِرُ لرسول الله وَّـ
المحبةَ ويُضمِرُ في قلبه ما يُضادُّها(٢)، لكنه ليس بمُجْمَع عليه لما سمعتَ عن
أبي حيان.
وقيل: إنه كان الرجلُ من الكُفَّار يدخل بيته ويُرخي ستره ويَحني ظهره ويتغشَّی
بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي فنزلت.
وأخرج ابنُ جرير(٣) وغيره عن عبد الله بن شداد أنها نزلَتْ في المنافقين، كان
أحدُهم إذا مرَّ بالنبيِّهِ ثَنى صدره وتغشّى لئلا يراه. وهو في معنى ما تقدَّم عن
(١) في البحر المحيط ٢٠٣/٥.
(٢) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص٢٦٨.
(٣) في تفسيره ١٢/ ٣١٧.

الآية : ٥
٣٣٦
أبي حيان إلا أن فيه بعض الكفار دون المنافقين، فلا يَرِدُ عليه ما أُورد على هذا من
أنَّ الآية مكية والنِّفاق إنما حدثَ بالمدينة، فكيف يتسنَّى القولُ بأنها نزلَتْ في
المنافقين؟!
وقد أُجيبَ عن ذلك بأنه ليس المرادُ بالنفاق ظاهرَه، بل ما كان يصدر من
بعض المشركين الذين كان لهم مداراةٌ تُشبه النِّفاق، وقد يقال: إنَّ حديثَ حدوث
النِّفاق بالمدينة ليس إلا ، غيرُ مُسلَّم، بل ظهورُه إنما كان فيها، والامتيازُ إلى ثلاث
طوائف [وقع بها](١).
ثم لو سُلِّم فلا إشكال، بل يكون على أسلوب قوله سبحانه: ﴿كَمَآ أَنْنَا عَلَى
الْمُقْتَسِمِينَ﴾ [الحجر: ٩٠] إذا فسر باليهود، ويُراد به ما جرى على بني قريظة، فإنه
إخبارٌ عما سيقع، وجعله كالواقع لتحقُّقه، وهو من الإعجاز؛ لأنه وقع كذلك،
فكذا ما نحن فيه.
نعم الثابت في ((صحيح البخاري))، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن
مردويه من طريق محمد بن عبَّاد بن جعفر أنه سمع ابنَ عباس يقرأ الآية، فسأله
عنها فقال: أناسٌ كانوا يَستحيون أن يتخلَّوا فَيُفْضُوا إلى السماء، وأن يُجامعوا
نساءهم فَيُفْضُوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم (٢).
وليس في الروايات السابقة ما يُكافئ هذه الرواية في الصِّحة. وأمر ((يثنون))
عليها ظاهر خلا أنه إذا كان المرادُ بالأناس جماعةً من المسلمين كما صرَّح به
الجلال السيوطي أشكلَ الأمر، وذلك لأن الظاهرَ من حال المسلم إذا استحيا من
ربه سبحانه فلم يَكْشِفْ عورتَه مثلاً في خلوة كان مقصودُه مجرَّدَ إظهارِ الأدب مع الله
تعالى مع علمه بأنه جلَّ شأنه لا يحجبُ بصرَه حاجبٌ، ولا يمنع عِلْمَه شيء، ومثلُ
هذا الحياء أمرٌ لا يكادُ يذمُّه أحدٌ، بل في الآثار ما هو صريحٌ في الأمر به، وهو
شعارُ كثير من كبار الأُمَّة، والقول بأنَّ استحياءَ أولئك المسلمين كان مقروناً بالجهل
بصفاته عز وجل فَظَنُّوا أن الثَّني يحجبُ عن الله سبحانه فردَّ عليهم بما ردًّ لا أظنُّك
(١) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٧٢/٥.
(٢) صحيح البخاري (٤٦٨١)، والدر المنثور ٣٣٠/٣.

الآية : ٥
٣٣٧
سُوَلُ هُودٍ
تَقْبلُه؛ وبالجملة الأمر على هذه الرواية لا يخلو عن إشكال، ولا يكاد يندفع بسلامة
الأمر، والذي يقتضيه السياق ويستدعيه رَبْطُ الآيات كونُ الآية في المشركين
حسبما تقدَّم، فتدبّر، والله تعالى أعلم.
وقرأ الحِبْر ◌َله ومجاهد وغيرهما: ((تَثْنَوْني)) بالتاء التأنيث الجمع وبالياء
التحتية (١)؛ لأن التأنيثَ غير حقيقي، وهو مضارع اثْنَوْنَى كاحْلَوْلَى، فوزنه تَفْعَوْعِل
بتكرير العين، وهو من أبنيةِ المزيدِ الموضوعة للمبالغة؛ لأنه يقال: حَلِيَ، فإذا أُريد
المبالغة قيل: احْلَوْلى، وهو لازمٌ، فـ ((صدورُهم)) فاعلُه، ويُراد منه ما أُريد من
المعاني في قراءة الجمهور، إلا أن المبالغةَ ملحوظةٌ في ذلك فيقال: المعنى مثلاً:
تنحرف صدورهم انحرافاً بليغاً .
وعن الحِبر أيضاً وعروة وغيرهما أنهم قرؤوا: (تَثْنَوِنُّ) بفتح التاء المثناة من
فوق وسكون الثاء وفتح النون وكسر الواو وتشديد النون الأخيرة (٢)، والأصل
تَثْنَوْنِن بوزن تَفْعَوْعِل من الثِّنّ بكسر الثاء وتشديد النون، وهو ما هشَّ وضَعُفَ من
الگلا، أنشد أبو زيد:
يا أيها الفُصَيِّلُ(٣) المُعنِّي
إنك ريَّان فَصَمِّتْ عني
تكفي اللَّقوحَ أكلةٌ من ثِنِّ(٤)
ولَزِمَ الإدغام لتكرير العين إذا كان غير ملحق، و((صدورهم)) على هذه مرفوع
أيضاً على الفاعلية، والمعنى على وصف قلوبهم بالسخافة والضَّعف كذلك النبتِ
(١) القراءات الشاذة ص ٥٩، والمحتسب ٣١٨/١، والبحر ٢٠٢/٥.
(٢) القراءات الشاذة ص٥٩، والمحتسب ٣١٩/١، والبحر ٢٠٢/٥.
(٣) في الأصل من (م): المفضل، والمثبت من المصادر.
(٤) المحتسب ٣١٩/١، وعزاه ابن بري كما في اللسان (ثنن) للأخوص- بخاء معجمة-بن عبد الله
الرِّياحي، وهو دون نسبة في المعاني الكبير لابن قتيبة ٤٠٥/١. قال ابن قتيبة: صَمِّتْ عني:
أسكت عني ضيفي، يقول: إذا صرفتُ اللبن عنكَ وسقيتُهم سكتوا عني. إنك ريَّان: أي:
إنك ستروى. تكفي اللقوح، أي: أمّك. أكلة من ثِنّ- وهو نبات-فيرجع هذا اللبن الذي
أسقيته ضيفي فيها، فتَشْربُ، فتروى.

سُؤَلَ هُود!
٣٣٨
الآية : ٥
الضعيف، فالصدور مجازٌ عما فيها من القلوب. وجوز أن يكون مطاوع ثَنَاه، فإنه
يقال: ثَنَاه فانثنى واثنونى، كما صرَّح به ابنُ مالك في ((التسهيل))(١) فقال:
وافْعَوْعَل للمبالغة، وقد يُوافق استفعل، ويُطاوع فَعَلَ، ومثَّلوه بهذا الفعل،
فالمعنى أن صدورَهم قَبِلَتْ الثني، ويُؤول إلى معنى انحرفَتْ، كما فسر به قراءة
الجمهور.
وعن مجاهد وكذا عروة الأعشى أنه قرأ: ((تَثْنَئِنّ)) كتطمئنّ(٢)، وأصله تَثْنَانُ
فقلبت الألف همزةً مكسورةً رغبةً في عدم التقاء الساكنين وإن كان على حده،
ويقال في ماضيه: اثناَنَّ كاحْمَأَرَّ وابياَضَّ. وقيل: أصله تَثْنوِنّ بواو مكسورة،
فاستثقلت الكسرة على الواو، فقلبت همزة كما قيل في وشاح: إشاح، وفي
وسادة: إسادة، فوزنُه على هذا: تفعوعِل(٣)، وعلى الأول: تَفْعَالٌ، ورجح
باطّراده، وهو من الثِّنّ، الكلأ الضعيف أيضاً.
وقرئ: (تَثْنَوي)) كتَرْعوي، ونُسب ذلك إلى ابن عباس أيضاً (٤). وغُلِّط النقلُ
بأنه لا حظّ للواو في هذا الفعل، إذ لا يقال: ثنوتُه فانثوى، کرعوته فارْعَوی،
ووزن ارعَوَى من غريب الأوزان، وفي ((الصحاح)) تقديره: افْعَوَل، ووزنه افْعَلَل،
وإنما لم يُدغَم لسكون الياء(٥). وتمام الكلام فيه يُطلب من محلِّه.
وقُرئ بغير ذلك، وأَوصَلَ بعضُهم القراءات إلى ثلاثَ عشرةَ، وفصَّلها في ((الدر
المصون)»(٦).
ومن غريبها أنه قُرئ: ((يُثْنُون)) بالضم واستشكل ذلك ابن جني(٧) بأنه لا يقال:
أَثنيته بمعنى ثَنَيته، ولم يسمع في غير هذه القراءة. وقال أبو البقاء(٨): لا يُعرف
(١) ص ٢٠٠.
(٢) المحتسب ٣١٩/١، والبحر ٢٠٢/٥.
(٣) في (م): تفوعل، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٧١/٥، والكلام منه.
(٤) البحر المحيط ٢٠٢/٥، والدر المصون ٢٨٧/٦.
(٥) الصحاح (رعو).
(٦) ٦/ ٢٨٤.
(٧) في المحتسب ٣١٩/١-٣٢٠، ونسبها لسعيد بن جبير.
(٨) إملاء ما من به الرحمن ٢٥٨/٣.

الآية : ٥
٣٣٩
ذلك في اللغة إلا أنْ يقال: معناه: عرضوها للانثناء، كما تقول: أَبَعْتُ الفرسَ، إذا
عَرَضْتَه للبيع.
﴿َلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ نِيَابَهُمْ﴾ أي: يجعلونها أغشيةً، ومنه قول الخنساء:
وتارةً أتغشَّى فَضْل أطماري(١)
أَرْعَى النجومَ وما كُلِّفتُ رِغیتَها
وحاصلُه: حين يأوون إلى فراشهم ويلتحفون بما يَلتحفُ به النائمُ، وهو وقتٌ
كثيراً ما يقع فيه حديثُ النفس عادةً، وعن ابن شدَّاد: حين يتغّون بثيابهم
للاستخفاء. وأيّاً ما كان فالمرادُ من الثياب معناه الحقيقي. وقيل: المراد به الليلُ،
وهو يستر كما تَستر الثياب، ومن ذلك قولهم: الليلُ أخفى للويل(٢).
والظرف متعلِّق بقوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ﴾ أي: ألا يعلم ﴿مَا يُِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾
حين يستغشون ثيابَهم؛ ولا يلزم منه تقييدُ علم الله تعالى بذلك الوقت؛ لأن من
يعلم فيه يعلم في غيره بالطريق الأَولى.
وجُوِّز تعلّقه بمحذوف، وقدَّره السمين وأبو البقاء: يستخفون(٣)، وبعضهم:
يُریدون.
و (ما)) في الموضعين إما مصدرية أو موصولة عائدُها محذوف، أي: الذي
يُسرونه في قلوبهم والذي يُعلنونه أيَّ شيء كان، ويدخل ما يقتضيه السِّياق دخولاً
أولياً، وخصّه بعضُهم به.
وقدم هنا السِّر على العَلَن نَعْياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا، وإيذاناً
بافتضاحهم ووقوع ما يَحذرونه، وتحقيقاً للمساواة بين العِلْمينِ على أبلغٍ وجه،
فكأنَّ عِلْمَه سبحانه بما يُسِرُّونه أقدمُ منه بما يُعلنونه، وحاصل المعنى: يستوي
بالنسبة إلى عِلْمه المحيط سرُّهم وعَلَنهم، فكيف يَخفى عليه سبحانه ما عسى أن
يُظهروه؟
(١) ديوان الخنساء ص٣٣.
(٢) ذكره الميداني في مجمع الأمثال ٢/ ١٩٣.
(٣) الدر المصون ٢٨٩/٦.

سُوَلُ هُود!
٣٤٠
الآية : ٥
وقرأ ابن عباس: ((على حين يستغشون)) قال ابنُ عطية (١): ومن هذا الاستعمال
قولُ النابغة :
على حينَ عاتبتُ المشيبَ على الصبا(٢)
﴿إِنَُّ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ تعليلٌ لما سبق وتقريرٌ له، والمرادُ بذات
الصدور الأسرارُ المُستكنَّة فيها، أو القلوب التي في الصدور، وأيّاً ما كان فليست
الذات مقحمةً كما في ذات غدوةٍ، ولا من إضافة المُسمَّى إلى اسمه كما تُوهِّم،
أي: إنه تعالى مبالغٌ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم، أو بالقلوب
وأحوالها، فلا يخفى عليه سرٌّ من أسرارها، فكيف يخفى عليه ما يُسِرُّون وما يُعلنون؟
وكان التعبيرُ بالجملة الاسميةِ للإشارة إلى أنه سبحانه لم يَزَلْ عالماً بذلك، وفيه
دليلٌ على أنه تعالى يعلم الأشياءَ قبل وجودِها الخارجي، وهذا مما لا يُنكره أحدٌ
سوى شِرْذمةٍ من المعتزلة قالوا: إنه تعالى إنما يعلم الأشياءَ بعد حدوثها، تعالى عن
ذلك عُلُوّاً كبيراً، ولا يلزمُ هذا بعض المُتكلِّمين المُنكرين للوجود الذهني؛ لأنهم
إذا لم يقولوا بهِ مع إنكار الوجود الذهني يلزمهم القولُ بتعلّق العلم بالمعدوم
الصِّرف، وامتناعه من أجلِّ البديهيات، والإنكارُ مكابرةٌ، أو جهل بمعنى التعلّق
بالمعدوم الصِّرف، وقد أورد ذلك عليهم المحقِّق الدواني، وهو ناشئٌّ - على
ما قيل - عن الذهول عن معنى إنكار الوجود الذهني، وبعد تحقيق المراد منه يندفع
ذلك.
وبيانه أنه ليس معنى إنكارهم ذلك أنه لا يحصلُ صورة عند العقل إذا تصوَّرنا
شيئاً، أو صدَّقنا به؛ لأن حصولَها عنده في الواقع بديهي لا يُنكره إلا مُكابر، وكيف
يُنكره الجمهور والعلمُ الحادث مخلوقٌ عندهم، والخلقُ إنما يتعلَّق بأعيانٍ
الموجودات؛ بل هو بمعنى أنَّ ذلك الحصولَ ليس نحواً آخرَ من وجود الماهية
المعلومة بأن يكون لماهية واحدة - كالشمس مثلاً - وجودان، أحدُهما خارجيٍّ
والآخرُ ذهني كما يقول به مُثبتوه، فهم لا يُنكرون الوجودَ عن صور الأشياء
(١) في المحرر الوجيز ١٥١/٣.
(٢) ديوان النابغة ص٧٩، وعجزه: وقلت ألمًا أصحُ والشيب وازع. وسلف ٧/ ٥٠٨.