النص المفهرس
صفحات 301-320
الآية : ٩٩ ٣٠١ سُوَ لُ كُونُسَ يأس(١) غيرُ نافع؛ لارتفاع التكليف حينئذٍ، وعادةُ الله إهلاكُهم من غير إمهالٍ كما أهلَكَ فِرعَوَّنَ، والقولُ بأنَّه بقي حيّاً إلى ما شاء الله تعالى وسكَنَ أرضَ الموصل من مُفتریات اليهود. ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبِّكَ لَمَنَ مَن فِ اٌلْأَرْضِ﴾ تحقيقٌ لدوران إِيمانِ جميع المكلَّفين وجوداً وعدماً على قُظْبٍ مشيئِهِ سبحانه مطلقاً بعد بيانٍ تبعيَّةٍ كُفْرِ الكفرةِ لكلمتهِ، ومفعولُ المشيئة هنا محذوفٌ حَسْبَ المعهودِ في نظائره، أي: لو شاء سبحانه إيمانَ مَن في الأرض من الثقلَين لآمن ﴿كُلُّهُمْ﴾ بحيث لا يشذُّ منهم أحدٌ ﴿جميعاً﴾ أي: مُجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه، لكنَّه لم يَشأ ذلك؛ لأنَّه سبحانه لا يشاء إلا ما يَعلمُ، ولا يَعلمُ إلا ما له ثبوتٌ في نفسه، فما لا ثبوتَ له أصلاً لا يُعلم، وما لا يُعلمُ لا يُشاءُ، وإلى هذا التعليل ذهبَ الكورانيُّ عليه الرحمة، وأطالَ الكلامَ في تحريره والذبِّ عنه في غير ما رسالة. والجمهورُ على أنَّه سبحانه لا يَشاؤه لكونِهِ مُخالفاً للحكمة التي عليها بناءُ(٢) أساس التكوين والتشريع. والآيةُ حجَّةٌ على المعتزلة الزاعمين أنَّ الله تعالى شاءَ الإيمانَ من جميع الخلقِ فلم يُؤمن إلا بعضُهم، والمشيئةُ عندهم قسمان: تفويضيَّةٌ يجوز تخلّف الشيء عنها، وقسريّةٌ لا يجوزُ التخلُّفُ عنها، وحملوا ما في الآية على هذا الأخير. فالمعنى عندهم: لو شاء ربُّك مشيئةَ إلجاءٍ وقَسْرٍ إيمانَ الثقلَين لآمنوا، لكنَّه سبحانه لم يشأ كذلك، بل أمرهم بالإيمان وخَلَق لهم اختياراً له ولضدِّه، وفوَّض الأمرَ إليهم، فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر، وهذا دَيدَنُهم في كلِّ ما ورَدَ عليهم من الآيات الظاهرةِ في إبطال ما هم عليه. وفيه أنَّه لا قرينةَ على التقييد، مع أنَّ قوله سبحانه: ﴿أَفَتَ تُكْرُهُ النَّاسَ﴾ يأباه فيما قيل، فإنَّ الهمزةَ للإنكار، وهي لصدارتها مقدّمةٌ من تأخيرٍ على ما عليه الجمهورُ، والفاء للتفريع، والمقصودُ تفرُّعُ الإنكارِ على ما قبلُ، ولا فائدةَ بل لا وجْهَ لاعتبار مشيئةِ القسْرِ والإلجاء خاصَّةً في تفرُّع الإنكار. (١) في (م): بأس. (٢) في الأصل: التي بناء عليها . ٣٠٢ الآية : ١٠٠ وقيل: إنَّ الهمزةَ في موضعها، والعطفُ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ، كأنَّه قيل: أَربُّك لا يشاءُ ذلك فأنت تُكْرِهُهم ﴿حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ والإنكارُ متوجّه إلى ترتيب الإكراه المذكورِ على عدم مشيئته تعالى، والإباء هو الإباء، فلا بدَّ مِن حَمْل المشيئةِ على إطلاقها. والمرادُ بالناس مَن طُبعَ عليهم أو الجميعُ مبالغةً. وجوِّز في ((أنت)) أنْ يكونَ فاعلاً بمقدَّرٍ يُفسِّره ما بعده. وأنْ يكونَ مبتدأً خبرُه الجملةُ بعدَه، ويَعدُّونه فاعلاً معنويّاً، وتقديمه لتقوية حُكم الإنكار، كما ذهب إليه الشريف قدِّسَ سرُّه في ((شرح المفتاح))، وذَكَر فيه أنَّ المقصود إنكارُ صُدورِ الفعل مِن المخاطَب، لا إنكارُ كونِهِ هو الفاعلُ مع تقرُّر أصل الفعل. وقيل: إنَّ التقديمَ للتخصيص، ففيه إيذانٌ بأنَّ الإكراه أمرٌ ممكن، لكنَّ الشأن في المُكرِهِ مَن هو؟ وما هو إلا سبحانه وحده لا يشارَك فيه؛ لأنَّه جلَّ شأنه القادرُ على أن يفعل في قلوبهم ما يَضْطرُّهم إلى الإيمان، وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشر. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ﴾ بيانٌ لتبعيَّة إيمانِ النفوس التي عَلمَ الله تعالى إيمانَها لمشيئته تعالى وجوداً وعدماً، بعد بيانِ الدوران الكلِّي عليها كذلك، وقيل: هو تقريرٌ لما يدلُّ عليه الكلامُ السابق من أنَّ خلاف المشيئةِ مستحيلٌ، أي: ما صحّ وما استقامَ لنفسٍ من النفوس التي علم الله تعالى أنَّها تؤمنُ ﴿أَن تُؤْمِنَ إلَّا بِإِذْنِ الله﴾ أي: بمشيئته وإرادته سبحانه. والأصلُ في الإذن بالشيء الإعلامُ بإجازته والرُّخصةِ فيه ورَفْعِ الحجْرِ عنه، وجعلوا ما ذُكر من لوازمه، كالتسهيل الذي ذكره بعضُهم في تفسيره. وخُصِّصَت النفسُ بالصفة المذكورة ولم تجعل من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] قيل: لأنَّ الاستثناء مفرَّغْ من أَعمِّ الأحوال، أي: ما كان لنفسٍ أنْ تؤمنَ في حالٍ من أحوالها (١) إلا حالَ كونها ملابسةً بإذنه سبحانه، فلا بدَّ من كون الإيمان مما يؤول إليه حالُها، كما أنَّ الموتَ مآل(٢) (١) في الأصل: في حال من الأحوال، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٧٧/٤، والكلام منه . (٢) في الأصل و(م): حال، والمثبت من تفسير أبي السعود. الآية : ١٠٠ ٣٠٣ سُؤَلّ ◌ُونَ لكلِّ نفسٍ لا محيصَ لها عنه، فلا بدَّ من التخصيص بما ذُكر، فإنَّ النفوس التي عَلِمَ الله تعالى أنَّها لا تؤمنُ ليس لها حالٌ تؤمنُ فيها حتى تُسْتَثْنَى تلك الحالُ من غيرها. انتھی. وقد يقال: إنَّ هذا الاستثناءَ بالنظر إلى النفس التي علم الله تعالى أنَّها لا تؤمنُ مفيدٌ لعدم إيمانها على أَتمِّ وجْهٍ، على حدٍّ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَبْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَُ﴾ [النساء: ٢٣] فكأنَّه قيل: ما كان لنفسِ عَلِمَ الله تعالى أنَّها لا تؤمنُ أنْ تؤمنَ في حالٍ من الأحوال، كسلامة العقل وصحَّة البدن وغيرهما، إلا في حال ملابستها إذنَ الله تعالى وإرادته أنْ تؤمنَ، وهي تابعةٌ لعلمه بذلك، وعلمُه به محالٌ لأنَّه قد علم نقيضه، فيلزم انقلابُ العلم جهلاً، فتكون إرادتهُ ذلك محالاً، فيكون إيمانها محالاً؛ إذ الموقوف على المحالَ محالٌ. وفي ((الحواشي الشهابية))(١): أنَّ ((ما كان)) إنْ كان بمعنى: ما وُجِدَ، احتاجَ إلى تقييد النفس بمن عَلِمَ [الله] أنَّها تؤمنُ، وإنْ كان بمعنى: ما صحَّ، لا يحتاجُ إليه، ولذا ذَكَره مَن ذَكَره وتَرَكه مَن تَرَكه. وفيه خفاءٌ فتأمل. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّضْسَ﴾ أي: الكفرَ كما في قوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] بقرينة ما قبله، وأصلُه: الشيءُ الفاسدُ المستقذَرُ، وعبَّر عنه بذلك لكونه عَلَماً في الفساد والاستقذار. وقيل: المرادُ به العذاب، وعبَّر عنه بذلك لاشتراكهما في الاستكراه والتنقُّر، وأنَّ إرادةَ الكفر منه باعتبارِ أنَّه نُقل أولاً عن المستقذر إلى العذاب للاشتراك فيما ذكر. ثم أُطلِقَ على الكفر؛ لأنَّه سبّبُهُ، فيكون مجازاً في المرتبة الثانية. واختارَ الإمامُ(٢) التفسيرَ الأول تحاشياً مما في إطلاق المستقذَر على عذاب الله تعالى من الاستقذار. وبعضُ(٣) الثانيَ لِمَا أنَّ كلمةَ ((على)) في قوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ - أي: لا يستعملون عقولَهم بالنظر في الحُجَجِ والآيات، أو لا يعقلونَ دلائلهَ وأحكامَه لِمَا على قلوبهم من الطبْعِ - تأبى الأول. (١) ٦٢/٥ وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٢) هو الرازي في تفسيره ١٦٩/١٧ . (٣) أي: واختار بعضٍ. ٣٠٤ الآية : ١٠١ وتُعقّب بأنَّ المعنى: يُقدِّره عليهم، فلا إباء، ويفسَّر ((الذين لا يعقلون)) بما يكونُ به تأسيساً كما سمعتَ في تفسيره، ومنه تعلم أنَّ الفعلَ منزَّلُ منزلةَ اللازم، أو له مفعولٌ مقدَّر. وقد يُفرَّق بين التفسيرَين بأنَّهم على الأوَّل لم يُسلَبُوا قوَّةَ النظر، لكنَّهم لم يُوقَّقوا لذلك، وعلى الثاني بخلافه، والأمرُ الآتي ظاهرٌ في الأوَّل. والجملةُ معطوفةٌ على مقدَّرٍ، كأنَّه قيل: فيأذن لهم بالإيمان ويجعل .. إلخ، أو: فيأذن لبعضهم بذلك ويجعل .. إلخ. وقرئ: ((الرجْزَ)) بالزاي(١). وقرأ حماد ويحيى عن أبي بكر: ((ونَجْعَلُ)) بالنون(٢). ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ﴾ خطابٌ لسيِّد المخاطَبين ◌َلّهِ أنْ يأمر الكفرةَ الذين هو عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم بالتفكّر في ملكوت السماوات والأرض وما فيهما من عجائب الآياتِ الآفاقية والأنُفسِيَّة؛ ليتَّضِحَ له وَّهِ أنَّهم من الذين لا يعقلون، وكأنَّه متعلّقٌ بما عنده. وتعليقُه بقوله سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرُهُ النَّاسَ﴾ إلخ على معنى: لا تُكْرِهِ الناسَ على الإيمان، ولكن اؤمُرهم بما يُتْوَصَّل به إليه عادةً من النظر، لا يخلو عن النظر. وقيل: إنَّه تعالى لمَّا أفاد فيما تقدَّم أنَّ الإيمان بخَلْقه سبحانه، وأنَّه لا يؤمِنُ مَن يُؤمن إلا من(٣) بعد إذنه، وأنَّ الذين حقَّت عليهم الكلمة لا يؤمنون، أَمَرَ نبيَّه عليه الصلاة والسلام أنْ يأمرَ بالنظر لئلا يُزْهَد فيه بعد تلك الإفادة. وأرى الأَوَّلَ أَوْلَی. وجاء ضمُّ لامِ ((قُل)) وكَسْرُها(٤)، وهما قراءتان سبعيَّتان. وقوله سبحانه: ﴿مَاذَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ في محلِّ نصبٍ بإسقاط الخافضِ؛ (١) المحرر الوجيز ١٤٥/٣، والبحر ١٩٣/٥ عن الأعمش. (٢) التيسير ص١٢٣، والنشر ٢/ ٢٨٧ عن أبي بكر. (٣) قوله: من، ليس في الأصل. (٤) قرأ بالكسر عاصم وحمزة من السبعة ويعقوب من العشرة، والباقون بالضم. التيسير ص٧٨، والنشر ٢٢٥/٢. الآية : ١٠٢ ٣٠٥ لأنَّ الفعل قبله معلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّ ((ما)) استفهاميةٌ وهي مبتدأ، و((ذا)) بمعنى (الذي)) والظرفُ صلتُه، وهو خبرُ المبتدأ، ويجوزُ أنْ يكونَ ((ماذا)) كلُّه اسمَ استفهامٍ مبتدأ، والظرفُ خبرُه، أي: أيُّ شيءٍ بديعٍ في السماوات والأرض من عجائب صنعتِّهِ تعالى الدالَّةِ على وحدته وکمالٍ قدرته جلَّ شأنه. وجوِّز أنْ يكونَ ((ماذا)) كلُّه موصولاً بمعنى ((الذي))، وهو في محلٌّ نصبٍ بالفعل قبله، وضعَّفه السمينُ بأنَّه لا يخلو حينئذٍ من أنْ يكون النظرُ قلبيّاً - كما هو الظاهر - فيُعدَّى بـ ((في))، وأنْ يكون بصريّاً فيُعدَّى بـ ((إلى))(١). ﴿وَمَا تُغْنِ آلْأَيَتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْرٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: ما تكفيهم وما تنفعُهم. وقرئ بالتذكير(٢). والمراد بالآيات ما أُشيرَ إليه بقوله سبحانه: ﴿مَاذَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ ففيه إقامةُ الظاهر مقامَ المضمر، ((والنُذُر)) جمعُ نذيرٍ بمعنى مُنذِرٍ، أي: الرسلُ المنذرون، أو بمعنى إنذارٍ، أي: الإنذارات، وجُمِعَ لإرادة الأنواعِ، وجوِّز أنْ يكون ((النذر)) نفسُه مصدراً بمعنى الإنذار. والمرادُ بهؤلاء القومِ المطبوعُ على قلوبهم، أي: لا يؤمنون في علم الله تعالی وحكمه. و(ما)) نافيةٌ، والجملة اعتراضية، وجوِّز أن تكون في موضع الحال من ضمير ((قل)). وفي القلب مِن جَعْلِها حالاً من ضمير ((انظروا)) شيءٌ، فانظروا. ويتعيَّن كونُها اعتراضيةً إذا جعلت ((ما)) استفهاميَّةً إنكاريَّةً، وهي حينئذٍ في موضع النصب على المصدريَّة للفعل بعدها، أو على أنَّه مفعولٌ به له، والمفعول على هذا وكذا على احتمال النفي محذوفٌ إنْ لم يُنَزَّل الفعلُ منزلةَ اللازم، أي: ما تُغني شيئاً. ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أي: هؤلاء المأمورون بالنظر من مشركي مكةً وأشرافهم ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ﴾ أي: مثلَ وقائعهم ونزولِ بأس الله تعالى بهم، إذ لا يستحقُّون غيرَ ذلك، وجاء استعمالُ الأيام في الوقائع كقولهم: أيام العرب، وهو مجازٌ مشهورٌ من التعبير بالزمان عمَّا وقَعَ فيه، كما يقال: المغربُ، للصلاة الواقعة فيه. والمرادُ بالموصول المشركون من الأمم الماضية. (١) الدر المصون ٢٧١/٦. (٢) الكشاف ٢٥٥/٢، والبحر ٧ /١٩٤. سُورَة تونس ٣٠٦ الآية : ١٠٣ ﴿مِن قَّلِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ (خَلَوا))، جيء به للتأكيد والإيماءِ بأنَّهم سَيَخْلُون کما خَلَوا . ﴿قُلْ﴾ تهديداً لهم ﴿فَنْتَظِرُواْ﴾ ذلك ﴿إِنِّى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢)﴾ إياه، فمتعلّقُ الانتظار واحدٌ بالذات، وهو الظاهرُ، وجوِّز أنْ يكونَ مُختلفاً بالذات متَّحداً بالجنس، أي: فانتظروا إهلاكي إنِّي معكم من المنتظرين ملاككُم. ﴿ثُمَّ نُنَّجِى رُسُلَنَا﴾ بالتشديد، وعن الكِسائيٌّ ويعقوب بالتخفيف(١)، وهو عطفٌ على مقدَّرِ يدُلُّ عليه قولُه سبحانه: (مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ) وما بينهما اعتراضٌ جيء به مسارعةً إلى التهديد ومبالغةً في تشديد الوعيدِ، كأنَّه قيل: نُهلِك الأُمم ثم ننجِّي المرسَل إليهم ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بهم. وعبَّر بالمضارع لحكاية الحالِ الماضية؛ لتهويل أمرها باستحضار صُوَرها . وتأخيرُ حكايةِ التَنْجِيَةِ عن حكاية الإهلاكِ - على عكس ما جاء في غير موضعٍ - ليتَّصل به قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: نُنْجيهم إنجاءً كذلك الإنجاءِ الذي كان لمن قبلَهم، على أنَّ الإشارة إلى الإنجاء، والجارّ والمجرور متعلِّقٌ بمقدَّرٍ وقَعَ صفةً لمصدرٍ محذوفٍ. وجوِّز أنْ يكونَ الكافُ في محلِّ نصبٍ بمعنى ((مثل)) سادَّةً مسدَّ المفعول المطلق. ويحتمل عند بعضٍ أنْ يكونَ في موقع الحال من الإنجاء الذي تضمَّنه (تُنجي)) بتأويل: نَفعلُ الإنجاء حال كونه مثلَ ذلك الإنجاء، وأن يكون في موضع رفعٍ خبرِ مبتدأ محذوفٍ، أي: الأمر كذلك. و((حقاً)) نصب بفعله المقدَّر، أي: حَقَّ ذلك حقاً. والجملةُ اعتراضٌ بين العامل والمعمول على تقدير أنْ يكون ((كذلك)» معمولاً للفعل المذكور بعدُ، وفائدتُها الاهتمامُ بالإنجاء، وبيانُ أنَّه كائنٌ لا محالةَ، وهو المرادُ بالحقِّ، ويجوز أنْ يُرادَ به الواجبُ، ومعنى كونِ الإنجاء واجباً أنَّه كالأمر الواجب عليه تعالى، وإلا فلا وجوبَ حقيقةً عليه سبحانه. وقد صرَّح بأنَّ الجملةَ (١) التيسير ص١٢٣، والنشر ٢٥٩/٢. الآية : ١٠٤ ٣٠٧ سُوَلُ كُونُسَ اعتراضيةٌ غيرُ واحدٍ من المعربين، ويُستفاد منه أنَّه لا بأس بالجملة (١) الاعتراضية غيرُ إذا بقي شيءٌ من متعلقاتها . وجوِّز أنْ يكونَ بدلاً من الكاف التي هي بمعنى مثل، أو من المحذوف الذي نابت عنه(٢). وقيل: إنَّ((كذلك)) منصوبٌ بـ ((نُتَجِّي)) الأول، و((حقّاً)) منصوبٌ بالثاني، وهو خلافُ الظاهر. والمراد بـ ((المؤمنين)) إمَّا الجنسُ المتناول للرُّسُل عليهم السلام وأتباعِهم، وإمَّا الأتباعُ فقط، وإنَّما لم يذكر إنجاءُ الرسل إيذاناً بعدم الحاجة إليه. وأيّاً ما كان ففيه تنبيهٌ على أنَّ مدارَ الإنجاء هو الإيمان، وجيء بهذه الجملةِ تذييلاً لِمَا قبلها مقرِّراً لمضمونه. ﴿قُلْ﴾ لجميع مَن شَكَّ في دينك وكَفَر بك ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أُوثِرَ الخطابُ باسم الجنس مصدّراً بحرف التنبيه تعميماً للتبليغ، وإظهاراً لكمال العناية بشأن ما بلِّغ إليهم ﴿إِن كُنتُمْ فِ شَكٍ مِّن دِينِ﴾ الذي أعبدُ الله تعالى به وأدعوكم إليه، ولم تعلموا ما هو ولا صفَتُه حتى قلتم: إنَّه صَبَأ . ﴿فَلَّ أَعْبُدُ اُلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اٌلَّهِ﴾ في وقتٍ من الأوقات ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ اُلَّذِى يَتَفَّكُمْ﴾ ثم يَفعل بكم ما يفعلُ من فنون العذاب. وجَعْلُ هذه الجملة باعتبار مضمونها جواباً بتأويل الإخبار، وإلا فلا ترتّب لها على الشرط بحَسَب الظاهر، فالمعنى: إنْ كنتُم في شكٍّ من ذلك فأُخبركم أنَّه تخصيصُ العبادة به تعالى ورَفْضُ عبادةٍ ما سواه من الأصنام وغيرِها ممَّا تعبدونه جهلاً، وقد كثُرَ جعلُ الإخبار بمفهوم الجملة جزاءً نحو: إن أكرمتَني اليومَ فقد أكرمتُكَ أمس، وعلى هذا الطرز قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَلٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فإنَّ استقرارَ النعمة ليس سبباً لحصولها من الله تعالى، بل الأمرُ بالعكس، وإنَّما سببٌ للإخبار بحصولها منه تعالى كما قرَّره ابنُ الحاجب. (١) في (م): الجملة. (٢) والتقدير: إنجاءً مثلَ ذلك حقاً. الدر المصون ٦/ ٢٧٢. ٣٠٨ الآية : ١٠٤ وقد يكونُ المعنى: إنْ كنتُم في شكٍّ من صحة ديني وسدادِهِ فأخبرُكم أنَّ خلاصته العبادةُ لإلهٍ هذا شأنُه، دون ما تعبدونه مما هو بمعزلٍ عن ذلك الشأن، فاعْرِضُوا ذلك على عقولكم وأجيلوا فيه أفكارَكم وانظروا بعين الإنصافِ لتعلموا صحتَه وحقِّيتَه. وذكر بعضُهم أنَّه لا يُحتاجُ على هذا إلى جَعل المسبّب الإخبارَ والإعلام، بل يُعتَبرُ الجزاءُ الأمرَ بعَرْضِ ما ذُكر على عقولهم والتفكّرِ فيه. والأظهرُ اعتبارُ كون الإخبار جزاءً كما في المعنى الأول. والتعبيرُ عمَّا هم عليه بالشكِّ - مع كونهم قاطعين بعدم الصحةِ - للإيذان بأنَّ أَقصى ما يُمكن عروضه للعاقل في هذا الباب هو الشكُّ في الصحة، وأما القطعُ بعدمها فممَّا (١) لا سبيلَ إليه. وقيل: لا نسلِّم أنَّهم كانوا قاطعين، بل كانوا في شكٌّ واضطرابٍ عند رؤية المعجزات، وجيء بـ ((إنْ)) للإشارة إلى(٢) أنَّه مما لا ينبغي أنْ يكون لوجود ما یزیله. وجوِّز أنْ يكونَ المعنى: إنْ كنتُم في شكٍّ من ديني ومما أنا عليه أَأَثْبُتُ عليه أم أَترُكُه وأُوافقُكُم، فلا تحدِّثوا أنفسَكم بالمحال، ولا تشكُّوا في أمري، واقطعوا عنّي أطماعَكم، واعلموا أنَّ لا أعبدُ الذين تعبدون من دون الله، ولا أختارُ الضلالةَ على الهدى، كقوله تعالى: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴿ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١-٢] ولا يخفى أنَّ ما قبلُ أَوفقُ بالمقام. وتقديمُ تركِ عبادةٍ غير الله تعالى على عبادتِهِ سبحانه لتقدُّم التخلية على التحلية، كما في كلمة التوحيد، والإيذانِ بالمخالفة من أوَّل الأمرِ، وتخصيصُ التوقِّي من بين سائر صفاتِ الأفعالِ بالذَّكر متعلِّقاً بهم للتخويف، فإنَّه لا شيءَ أشدُّ عليهم من الموت. وقيل: المرادُ: أعبدُ الله الذي خلقَكُم ثمَّ يتوقَّاكم ثم يُعيدُكم، وفيه إيماءٌ إلى (١) في الأصل و(م): فما، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٧٩/٤، والكلام منه. (٢) في (م): إلا، وهو تصحيف. الآية : ١٠٤ ٣٠٩ ◌ُاَلُونِسَ الحشر الذي يُنكرونه، وهو مِن أُمَّهات أصولِ الدين، ثم حذفَ الطرفان وأبقَى الوسط ليدلَّ عليهما فإنهما(١) قد كثُر اقترانُهما به في القرآن. وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُنَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ أي: أَوجَبَ الله تعالى عليَّ ذلك، فوجوبُ الإيمان بالله تعالى شرعيٌّ كسائر الواجبات، وذكر المولى صدرُ الشريعة: أنَّ(٢) للشرعيِّ معنّيَين: ما يتوقف على الشرع كوجوب الصلاة والصوم، وما ورَدَ به الشرِعُ ولا يتوقَّف على الشرع كوجوب الإيمان بالله سبحانه ووجوبٍ تصديقِهِ وَله، فإنَّه لا يُتَوَقَّف على الشرع، فهو ليس بشرعيٍّ بالمعنى الأول، وذلك لأنَّ ثبوتَ الشرع موقوفٌ على الإيمان بوجود الباري تعالى وعلمه وقدرته وكلامه، وعلى التصديق بنبوةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام بدلالة معجزاته، فلو تَوقّف شيءٌ من هذه الأحكامٍ على الشرع لزم الدور. ولقائل أنْ يمنعَ توقُّفَ الشرع على وجوب الإيمان ونحوِه، سواءٌ أُريد بالشرع خطابُ الله تعالى، أو شريعةُ النبيِّ نَّهِ، وتوقّفُ التصديق بثبوتِ شرع النبيِّي ◌َّر على الإيمان بالله تعالى وصفاته وعلى التصديق بنبوَّةِ النبيِّ وَّر ودلالةِ معجزاته لا يقتضي توقُّفَه على وجوب الإيمان والتصديق، ولا على العلم بوجوبهما، غايتُهُ أنَّه يتوقَّفُ على نفس الإيمان والتصديق، وهو غيرُ مفيدٍ لتوقُّفِهِ على وجوب الإيمان والتصديقٍ، ولا منافٍ لتوقُّف وجوب الإیمان ونحوه على الشرع، كما هو المذهبُ عندهم من أنَّه(٣) لا وجوبَ إلا بالسمع. وقول الزمخشريّ هنا: إنَّه عليه الصلاة والسلام أُمِرَ بالعقل والوحي(٤). لا يخلو عن نَزْغةٍ اعتزاليةٍ كما هو دَأَبُه في كثيرٍ من المواضع، ومن قال من المفسرين منّا: إنَّه وجب عليَّ ذلك بالعقل والسمع، أراد بالعقل التابع لِما سمع من(٥) الشرع، فلا تبعيَّة. (١) في الأصل: فإنه. (٢) بعدها في الأصل: للوجوب. (٣) في (م): أن. (٤) الكشاف ٢٥٥/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦٤/٥. (٥) في (م): لما سمع بالشرع، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب. سُؤُكَلا تُونَ ٣١٠ الآية : ١٠٥ والكلامُ على حذف الجارِّ، أي: أُمرت بأنْ أكون، وحذفُه من ((أنَّ)) و((أنْ)) مطّردٌ، وإنْ قُطع النظرُ عن ذلك فالحذفُ بعد ((أَمَرَ)) مسموعٌ عن العرب، كقوله: أمرتُكَ الخيرَ فافعل ما أمرتُ به فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نشب(١) وأَدخلَ بعضُهم هذه الجملةَ في الجزاء وليس بمتعيِّنٍ . ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ﴾ عطفٌ كما قال غيرُ واحدٍ على ((أنْ أكون))، واعتُرض بأنَّ ((أنْ)) في المعطوف عليه مصدريةٌ بلا كلام؛ لعملها النصبَ، والتي في جانب المعطوف لا يصحُّ أنْ تكون كذلك لوقوع الأمر بعدها، وكذا لا يصحُّ أنْ تكونَ مفسِّرة لعطفها على المصدرية؛ ولأنَّه يلزَم دخولُ الباء المقدَّرة عليها، والمفسِّرة لا يدخل عليها ذلك. ودُفع ذلك باختيار كونها مصدريَّةً، ووقوعُ الأمر بعدها لا يضرُّ في ذلك، فقد نُقلَ عن سيبويه أنَّه يجوز وصلها به(٢)، ولا فَرْق في صلة الموصول الحرفي بين الطلب والخبر؛ لأنَّه إنما مُنِعَ في الموصول الاسميِّ لأنَّه وُضع للتوصُّل به إلى وَصْف المعارف بالجمل، والجمل الطلبية لا تكونُ صفةً، والمقصودُ من هذه أنْ (٣) يُذكر بعدها ما يدلُّ على المصدر الذي تؤوَّل(٤) به، وهو يحصلُ بكلِّ فعلٍ، وكونُ تأويله يُزيلُ معنى الأمر المقصودِ منه مدفوعٌ بأنَّه يؤوَّل - كما أشرنا إليه فيما مرَّ - بالأمر بالإقامة، إذ كما يُؤْخَذ المصدر من المادة قد يُؤخَذ من الصيغة، مع أنَّه لا حاجةَ إليه هنا لدلالة قوله تعالى: (وَأُمِتُ) عليه. وفي ((الفرائد)): أنَّه يجوز أنْ يقدَّر: وأوحي إليَّ أنْ أَقِمْ. وتعقَّبه الطيبي بأنَّ هذا سائغٌ إعراباً، إلَّا أنَّ في ذلك العطفِ فائدةٌ معنويةٌ، وهي أنَّ (وأنْ أقم)) إلخ كالتفسير لـ ((أنْ أكونَ)) إلخ على أسلوب: أعجبني زيدٌ وكرمُه، (١) الكتاب ٣٧/١، والخزانة ٣٣٩/١. وقال البغدادي: نسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مرداس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة، وذكر أنه نسب أيضاً لأعشى طرود. وقد سلف شطره الأول ٧/ ٤٩٩ . (٢) الكتاب ١٦٢/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٦٥/٥. (٣) في (م): والمقصود من أن هذه، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب. (٤) في الأصل و(م): تأول، والمثبت من حاشية الشهاب. الآية : ١٠٥ ٣١١ سُوْلَ ◌ّ كُونَ) داخلٌ معه في حكم المأمور به، فلو قدِّر ذلك فاتَ غرضُ التفسير، وتكونُ الجملةُ مستقلَّةً معطوفةً على مثلها. وفيه تأمُّلٌ؛ لجواز أنْ تكون هذه الجملةُ مفسِّرةً للجملة المعطوفة هي عليها . وقدَّرَ أبو حيان ذلك، وزَعَم أنَّ (أنْ)) حينئذٍ يجوزُ أنْ تكونَ مصدريةً، وأنْ تكونَ مفسِّرةً؛ لأنَّ في الفعل المقدَّر معنى القولِ دون حروفه، وأنَّه على ذلك يزولُ قلقُ العطف، ويكونُ الخطابُ في ((وجهك)) في محلِّه (١). ورُدَّ بأنَّ الجملة المفسِّرة لا يجوز حذفها، وأمَّا صحةُ وقوع المصدرية فاعلاً أو مفعولاً فليس بلازم، ولا قَلَقَ في العطف الذي عناه، وأَمْرُ الخطاب سهلٌ لأنَّه لملاحظة المحكيّ والأمرِ المذكور معه. وإقامةُ الوجه للدِّين كنايةٌ عن توجيه النفسِ بالكلِّية إلى عبادة الله تعالى والإعراضِ عمَّن سواه، فإنَّ مَن أراد أنْ ينظرَ إلى شيءٍ نظرَ استقصاءٍ يُقيمُ وجهَهُ في مقابلته بحيث لا يلتفتُ يميناً ولا شمالاً، إذ لو التفَتَ بطَلَت المقابلة، والظاهرُ أنَّ الوجه على هذا على ظاهره. ويجوز أنْ يُراد به الذاتُ، والمرادُ: اضْرِف ذاتَك وكُلِّيَتَكَ للدين واجتهد بأداء الفرائضٍ والانتهاء عن القبائح، فاللامُ صلةُ ((أقم)). وقيل: الوجهُ على ظاهره، وإقامتُه توجيهُهُ للقبلة، أي: استَقْبِل القبلةَ ولا تلتفَتْ إلى اليمين أو الشمال، فاللامُ للتعليل، وليس بذاك، ومثلُه القولُ بأنَّ ذلك كنايةٌ عن صرف العقلِ بالكلِّية إلى طلب الدِّين. ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلاً عن الأديان الباطلةِ، وهو حالٌ إمَّا من الوجه، أو من الدِّين، وعلى الأول تكون حالاً مؤكّدةً؛ لأنَّ إقامةَ الوجه تضمَّنَت التوجُّه إلى الحقِّ والإعراضَ عن الباطل، وعلى الثاني قيل: تكونُ حالاً مُنتقِلَةً، وفيه نظرٌ. ويجوز أنْ تكونَ حالاً من الضمير في ((أقم)). ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ عطفُ على ((أقم)) داخلٌ تحتَ الأمر، وفيه تأكيدٌ له، أي: لا تكونَنَّ منهم اعتقاداً ولا عملاً. (١) البحر ١٩٦/٥. سُۈَلالُونَِّ ٣١٢ الآية : ١٠٦ ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ استقلالاً ولا اشتراكاً ﴿مَا لَا يَنَفَعُكَ﴾ بنفسه إذا دعوتَه بدفع مكروهٍ، أو جَلبٍ محبوبٍ ﴿وَلَ يَضُرُكٌ﴾ إذا تركتَه بسلبِ المحبوبِ دفعاً أو رفعاً، أو بإيقاع المكروه. والجملةُ قيل: معطوفةٌ على جملة النهي قبلها. واختارَ بعضُ المحقّقين عطفَها على قوله سبحانه: (قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ) فهي غيرُ داخلةٍ تحت الأمر؛ لأنَّ ما بعدها من الجمل إلى آخر الآيتين مُتَّسِقَةٌ لا يُمكن فصلُ بعضها عن بعضٍ، ولا وجْهَ لإدراج الكلِّ تحت الأمر. وأنت تعلمُ أنَّه لو قُدِّر فعلُ الإيحاء في ((وأنْ أقم)) كما فعَلَ أبو حيان وصاحبُ ((الفرائد)) لا مانعَ من العطف - كما هو الظاهرُ - على جملة النهي المعطوفةِ على الجملة الأُولى، وإدراج جميع المتَّسِقات تحت الإيحاء، وقد يُرجَّحُ ذلك التقديرُ بأنَّه لا يُحتاجُ معه إلى ارتكاب خلافِ الظاهر من العطف على البعيد. وقيل: لا حاجةَ إلى تقدير الإيحاءِ والعطفِ كما قيل، والأمرُ السابقُ بمعنى الوحي، كأنَّه قيل: وأُوحِيَ إليَّ أنْ أكونَ .. إلخ، والاندراجُ حينئذٍ مما لا بأس به. وهو كما ترى، ولا أظنُّك تقبله. ﴿فَإِنِ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إِذَا مِنَ الظَِّينَ ﴾﴾ أي: معدوداً في عدادهم، والفعلُ كنايةٌ عن الدعاء، كأنَّه قيل: فإنْ دعوتَ ما لا ينفعُ ولا يضرُّ، وكنى عن ذلك - على ما قيل - تنويهاً لشأنه عليه الصلاة والسلام، وتنبيهاً على رِفْعةِ مكانه وَلِ﴿ مِن أنْ يُنْسَب إليه عبادةٌ غيرِ الله تعالى ولو في ضمن الجملة الشرطية. والكلامُ في فائدة نحو النهي المذكور قد مرَّ آنفاً. وجوابُ الشرط على ما في ((النهر))(١) جملةُ ((فإنك)) وخبرُها، أعني ((من الظالمين))، وتوسَّطَت ((إذا)) بين الاسم والخبر مع أنَّ رُتْبَتها بعد الخبر رعايةً للفاصلة. وفي ((الكشاف)): أنَّ ((إذا)) جزاءٌ للشرط وجوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ، كأنَّ سائلاً سأل (١) في (م): النهي، وهو تصحيف، والكلام من النهر المادِّ من البحر لأبي حيان على هامش البحر ١٩٥/٥ . الآية : ١٠٧ ٣١٣ سُؤَةُ تُونَ عن تبعةٍ عبادة الأوثان، فجعل من الظالمين لأنَّه لا ظلمَ أعظمُ من الشرك ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣](١). وهذه عبارةُ النحويين، وفُسِّرت كما قال الشهاب: بأنَّ المراد أنَّها تدلُّ على أنَّ ما بعدها مسبَّبٌ عن شرطٍ محقَّقٍ أو مقدَّرٍ، وجوابٌ عن كلام محقق أو مقدر(٢). وقد ذكر الجلال السيوطيُّ عليه الرحمة في ((جمع الجوامع)) - بعد أنْ بَيَّن أنَّ (إذا)) الظرفيةَ قد يُحذَف جزء(٣) الجملة التي أضيفَت هي إليها أو كلُّها، فيعوّض عنه(٤) التنوين، وتُكسَر للساكنَين لا للإعراب خلافاً للأخفش، وقد تُفْتَح - أنَّ شيخَه الكافيجي أَلحق بها ((إذن)). ثم قال في شرحه ((همع الهوامع)»(٥): وقد أشرتُ بقولي: وأَلْحَقَ شيخُنا بها في ذلك ((إذن)) إلى مسألةٍ غريبةٍ قَلَّ مَن تعرَّض لها، وذلك أنَّي سمعتُ شيخنا عليه الرحمة يقول في قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُ إِذّا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]: ليسَت ((إذن)) هذه الكلمةَ المعهودة، وإنَّما هي ((إذا)) الشرطية حُذفَت جملتها التي يضاف إليها وعوِّضَ عنها التنوين، كما في يومئذٍ، وكنت أستَحْسِنُ هذا جدّاً، وأظنُّ أنَّ الشيخ لا سَلَفَ له في ذلك، حتَّى رأيت بعضَ المتأخِّرين جنَحَ إلى ما جنح إليه الشيخ، وقد أوسعتُ الكلام في ذلك في حاشية «المغني)). انتھی. وأنت تعلمُ أنَّ الآية التي ذكرها كالآية التي نحنُ فيها وما ذكره مما يميلُ إليه القلبُ ولا أرى فيه بأساً، ولعلَّه أَولَى مما قاله صاحب ((الكشاف)) ومُتَبعوه، فليُحْمَلْ ما في الآية عليه، وكان كثيراً ما يخطُرُ لي ذلك إلا أنّي لم أَكَد أُقدِمُ على إثباته حتى رأيتُه لغيري ممن لا يُنكَر فضلُه، فأثبتُّه حامداً لله تعالى. ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ﴾ تقريرٌ لِمَا أُورد في حيِّز الصلة من سَلْب النفع من المعبودات الباطلةِ، وتصويرٌ لاختصاصه به سبحانه، أي: وإنْ يُصبك بسوءٍ ما ﴿فَلَا (١) الكشاف ٢٥٦/٢، وفيه: وجعل من الظالمين ... (٢) حاشية الشهاب ٦٦/٥ . (٣) في الأصل: جزاء. (٤) في الأصل: عنها. (٥) ٢/ ١٧٥ -١٧٦. ٣١٤ الآية : ١٠٧ كَاشِفَ لَهُ﴾ عنك كائناً مَن كان وما كان ﴿إِلَّ هُوَّ﴾ وحده، فثَبَتَ عدمُ كَشْفٍ الأصنام بالطريق البرهاني، وهو بيانٌ لعدم النفعِ برفْع المكروه المستلزِمِ لعدم النفع بجلبِ المحبوب استلزاماً ظاهراً، فإنَّ رفْعَ المكروه أدنى مراتبِ النفع، فإذا انتفى انتفى النفعُ بالكلية. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ تحقيقٌ لسلب الضررِ الواردِ في حيِّز الصلة، أي: إنْ يُرِد أنْ يُصيبَكَ بخير ﴿فَلَا رَآَدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ الذي من جملته ما أرادك به من الخير، فهو دليلٌ على جواب الشرطِ لا نفسُ الجوابِ، وفيه إيذانٌ بأنَّ فَيَضَان الخير منه تعالى بطريق التفضّل والكرم من غير استحقاقٍ عليه سبحانه، أي: لا أحدَ يَقدِرُ على ردِّه كائناً مَن كان، فيدخل فيه الأصنامُ دخولاً أوَّليّاً، وهو بيانٌ لعدم ضرِّها بدفع المحبوب قبل وقوعه المستلزم لعدم ضرِّها برفعه أو بإيقاع المكروه استلزاماً جلياً . ولعلَّ ذِكرَ(١) الإرادةِ مع الخير والمسِّ مع الضرِّ مع تلازُمِ الأمرَين - لأنَّ ما يريده سبحانه يُصيب، وما يُصيب لا يكونُ إلا بإرادته تعالى - للإِيذَان بأنَّ الخير مقصودٌ لله تعالى بالذات، والضرّ إنَّما يقعُ جزاءً على الأعمال وليس مقصوداً بالذات. ويحتمل أنَّه أُريدَ معنى الفعلَين في كلٍّ من الخير والضرِّ لاقتضاء المقامِ تأكيدَ كلٍّ من الترغيب والترهيب، إلا أنَّه قصَدَ الإيجاز في الكلام فذكر في أحدهما المسَّ وفي الآخر الإرادةَ، ليدلَّ بما ذكر في كلِّ جانبٍ على ما ترك في الجانب الآخر، ففي الآية نوعٌ من البديع يسمَّى احتباكاً، وقد تقدَّم في غيرِ آيةٍ. ولم يَستثنِ سبحانه في جانب الخير (٢) إظهاراً لكمال العناية به، ويُنبئُ عن ذلك قولُه تعالى: ﴿يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ حيث صرَّح جلَّ شأنه بالإصابة بالفضل المنتظِمِ لِمَا أرادَ من الخير. وقيل: إنَّما لم يَستئنِ جلَّ وعلا في ذلك؛ لأنَّه قد فَرَض فيه أنَّ تعلُّقَ الخير به واقعٌ بإرادته تعالى، وصحةُ الاستثناء تكونُ بإرادةٍ ضدِّه في ذلك الوقت، وهو (١) في (م): ذكره. (٢) أي: لم يقل: فلا راد لفضله إلا هو، كما قال: فلا كاشف له إلا هو. حاشية الشهاب ٦٦/٥. الآية : ١٠٧ ٣١٥ سُوَل ◌ُونَ محالٌ، وهذا بخلافٍ مسِّ الضرِّ، فإنَّ إرادة كشفه لا تستلزمُ المحالَ، وهو تعلُّقُ الإرادتَين بالضدَّين في وقتٍ واحد. وفي العدول عن: يُرِدْ بك الخير، إلى ما في النظم الجليلِ إيماءٌ كما قيل إلى أنَّ المقصودَ هو الإنسانُ، وسائرُ الخيرات مخلوقةٌ لأجله. وما أشرنا إليه من رجوع ضمير ((به)) إلى الفضل هو الظاهرُ المناسب، وجوِّز رجوعُه لِمَا ذكر، وليس بذاك. وحملُ الفضل على العموم أوَّلاً وآخِراً حسبما علمتَ هو الذي ذهب إليه بعضُ المحقّقين(١) رادّاً على مَن جعَلَه عبارةً عن ذلك الخير بعينه على أنْ يكونَ الإتيانُ به أوَّلاً ظاهراً من باب وَضْعِ المظهَرِ موضعَ المضمَر إظهاراً لِمَا ذكر من الفائدة، بأنَّ قوله سبحانه: ﴿مَن يَشَآءُ مِّنْ عِبَادِهِ.﴾ يأبى ذلك؛ لأنَّه يُنادي بالعموم. ويجوزُ عندي أنْ يكونَ الكلامُ من باب: عندي درهمٌ ونصفُه. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ تذييلٌ لقوله تعالى: (يُصِيبُ بِهِ،) إلخ مقرِّرٌ لمضمونه، والكلُّ تذييلٌ للشرطية الأخيرة مقرِّرٌ لمضمونها . وذكر الإمام(٢) في هذه الآيات: أنَّ قوله تعالى: (وَلَا تَكُنَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لا يمكن أنْ يكونَ نهياً عن عبادة الأوثانِ؛ لأنَّ ذلك مذكورٌ في قوله سبحانه أولَ الآية: (فَلَّ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَِّ) فلا بدَّ من حَمْل هذا الكلام على ما فيه فائدةٌ زائدةٌ، وهي أنَّ مَن عَرَفَ مولاه لو التَفَتَ بعد ذلك إلى غيره كانَ ذلك شركاً، وهو الذي يُسمِّيه أصحابُ القلوب بالشرك الخفيِّ، ويجعل قوله سبحانه: (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُّكَ وَلاَ يَضُرٌُّ) إشارةً إلى مقام هو آخِرُ درجاتِ العارفين؛ لأنَّ ما سوى الحقِّ ممكنٌ لذاته موجودٌ بإيجاده، والممكنُ لذاته معدومٌ بالنظر إلى ذاته وموجودٌ بإيجاد الحقِّ، وحينئذٍ فلا نافعَ إلا الحقُّ، ولا ضارَّ إلا هو، وكلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَه، وإذا كان كذلك فلا رجوعَ إلا إليه عزَّ شأنه في الدارَين. ومعنى ((فإنْ فعلت)) إلخ: فإن اشتَغَلْتَ بطَلَب المنفعة والمضرَّة من غير الله تعالى فأنت من الظالمين، أي: الواضعين للشيءٍ في غير موضعِه، إذ ما سوى الله (١) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٨٠. (٢) هو الرازي في تفسيره ١٧/ ١٧٣ -١٧٤ . سُؤَدُلُونِسَ ٣١٦ الآية : ١٠٧ تعالى معزولٌ عن التصرُّف، فإضافة التصرُّف إليه وضعٌ للشيء في غير موضعه، وهو الظلم، وطلبُ الانتفاع بالأشياء التي خَلَقَها الله تعالى للانتفاع بها من الطعام والشرابِ ونحوهما لا ينافي الرجوعَ بالكلِّية إلى الله تعالى، بشرط أنْ يكونَ بصرُ العقلِ عندَ التوجُّه إلى شيءٍ من ذلك مشاهداً لقدرة الله تعالى وَجُودِهِ وإحسانهِ في (١) إيجاد تلك الموجوداتِ وإيداعٍ تلك المنافعِ فيها، مع الجزم بأنَّها في أَنفُسها وذواتها معدومةٌ وهالكةٌ، وَلا وجودَ لهَا ولا بقاءً ولا تأثيرَ إلا بايجادِ الله تعالى وإبقائه، وإفاضة ما فيها من الخَوَاصِّ عليها بجودِهِ وإحسانهِ. وقوله تبارك وتعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اَللَّهُ) إلخ تقريرٌ لأنَّ جميعَ الممكِنات مستندةٌ إليه سبحانه وتعالى، وأنَّه لا معوَّل إلا عليه عزَّ شأنُه. وهو كلامٌ حسنٌ، بيدَ أنَّ زَعْمه أنَّ قوله تعالى: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لا يمكنُ أنْ يكونَ نهياً عن عبادة الأوثانِ .. إلخ، لا يخفى ما فيه. وقد ذَكَر نحوَ هذا الكلام في الآيات ساداتُنا الصوفية، ففي ((أسرار القرآن)): أنَّه سبحانه خوَّفَ نبيَّه ◌َليل من الالتفات إلى غيره في إقباله عليه سبحانه بقوله: (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي: من الطالبين غيري والمُؤْثِرِيْنَ على جمال مشاهدتي ما لا يليقُ من الحدثان. وقد ذكروا أنَّ إقامةَ الملَّة الحنيفية بتصحيح المعرفةِ، وهو لا يكونُ إلا بترك النظرِ إلى ما سوى الحقِّ جلَّ جلاله. ثم إنَّه تعالى زادَ تأكيداً للإقبال عليه والإعراضِ عمَّا سواه بقوله جلَّ شأنه: (وَلَا تَدْعُ) إلخ حيث أشار فيه إلى أنَّ مَن طلَبَ النفع أو الضرَّ من غيره تعالى، فهو ظالمٌ، أي: واضحٌ للربوبيَّة في غير موضعها. ومن هنا قال شقيقُ البَلْخيُّ: الظالمُ مَن طلَبَ نَفْعَه ممن لا يملكُ نفْعَ نفسِهِ، واستدفَعَ الضرَّ ممن لا يملك الدفاعَ عن نفسِه، ومَن عَجَز عن إقامة نفسِه كيف يُقيمُ غيرَه؟ وقُرِّر ذلك بقوله تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ) إلخ. (١) في الأصل: من. الآية : ١٠٨ ٣١٧ سُؤَُّ دُونِسَ ومن ذلك قال ابنُ عطاء: إنَّه تعالى قطَعَ على عباده الرَّهبةَ والرغبةَ إلا منه وإليه بإعلامه أنَّه الضارُّ النافعُ. وقد يكونُ الضرُّ إشارةً إلى الحجاب، والخيرُ إشارةً إلى كشف الجمالِ، أي: إِنْ يَمْسَسْك الله بضُرِّ الحجاب فلا كاشف الضرِّك إلا هو بظهور أنوارٍ وصاله، وإنْ يُردك بكشف جمالِهِ فلا رادَّ لفضْلٍ وصالِهِ من سببٍ وعِلَّةٍ، فإنَّ المختصّ في الأزل بالوصال لا يحتجب بشيءٍ من الأشياء؛ لأنَّه في الفضل السابق مصونٌ من جَرَیان القهر. هذا، ولعله مُغنٍ عن الكلام من باب الإشارة في الآيات حسبما هو العادة في الكتاب. يا أيُّها الرسول مخاطباً لأولئك الكفرةِ بعد ما بلَّغْتَهم ما أُوحي إليك، أو للمكلَّفين مطلقاً كما قال الطبرسي(١). ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّيَّكُمْ﴾ وهو القرآنُ العظيمُ الظاهر الدلالة، المشتملُ على محاسن الأحكام التي من جملتها ما مرَّ آنفاً من أصول الدين، واطّلعتُم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى، ولم يَبْقَ لكم عُذرٌ. وقيل: المرادُ من الحقِّ النبيُّ نَّه، وفيه من المبالغةِ ما لا يخفَى. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد(٢): أنَّ ((الحق)) هو ما دلَّ عليه قوله تعالى: (وَإِن يمسسك) إلخ، وهو كما ترى. ﴿فَمَنِ أَهْتَدَى﴾ بالإيمان والمتابعةِ ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ﴾ أي: منفعةُ اهتدائه لها ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بالكفر والإعراض ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُ عَلَيْهًا﴾ أي: فوبال ضلالِهِ عليها، قيل: والمرادُ تنزيهُ ساحةِ الرسالة عن شائبةٍ غرضٍٍ عائدٍ إليه عليه الصلاة والسلام من جَلْبٍ نفعٍ وَفْعٍ ضُرِّ، ويلوّحُ إليه إسنادُ المجيءِ إلى ((الحقِّ)) من غير إشعارٍ بكون ذلك بواسطته لها. (١) في مجمع البيان ١٠٨/١١. (٢) كما في الدر المنثور ٣١٩/٣. سُؤَدَلالُونِسَ ٣١٨ الآية : ١٠٩ ﴿وَمَّ أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظٍ موكولٍ إليَّ أمرُكم، وإنما أنا بشيرٌ ونذيرٌ، وفي الآية إشارةٌ إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام لا يُجبرهم على الإيمان ولا يُكرِهُهُم عليه، وإنما عليه البلاغُ. وعن ابن عباس ضيهما: أنَّها منسوخةٌ بآية السيف. ﴿وَّعْ﴾ في جميع شؤونكَ من الاعتقاد والعمل والتّبليغ ﴿مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ على نهج التجدُّدِ والاستمرار، والتعبيرُ عن بلوغ الحقِّ المفسَّر بالقرآن إليهم بالمجيء وإليه وَّيه بالوحي تنبيهٌ على ما بين المرتبتين من التنافي، وإذا أريد من الحق ما قيل فالأمرُ ظاهرٌ جدّاً. ﴿وَأَصْبِرْ﴾ على ما يعتريك من مشاقٌ التبليغ، وأَذى مَن ضلَّ ﴿حَّى يَحْكُمَ اَلَّهُ﴾ بالنصرة عليه، أو بالأمر بالقتال ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ إذ لا يمكن الخطأ في حُكْمِه تعالى لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر، وغيرُه جلَّ شأنهُ من الحاكمين إنما يطلع على الظواهر فيقعُ الخطأ في حكمه. ولا يخفى ما في هذه الآيات من الموعظة الحسنة، وتسلية النبيِّ وَّر، ووَعْدٍ للمؤمنين، والوعيد للکافرین. والحمدُ لله تعالى ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، الذي یؤنسُ ذکرُه قلوب الموحّدین، وعلى آله وصحبه أجمعين. سُورَةُ هُودٍ مكية، كما أخرج ذلك ابن النحاس في ((ناسخه))(١). وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس ها، وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير ه(٢)، ولم يستثنيا منها شيئاً، وإلى ذلك ذهب الجمهور. واستثنى بعضهم منها ثلاث آيات: ﴿فَلَعَلَّكَ ثَارٌِ﴾ [الآية: ١٢]، ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الآية: ١٧]، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ [الآية: ١١٤] ورُوي استثناء الثالثة عن قتادة، قال الجلال السيوطي: ودليله ما صح من عدة طرق أنها نزلت بالمدينة في حق أبي اليَسَر (٣). وهي كما قال الداني في كتاب ((العدد)»: مئة وإحدى وعشرون آية في المدني الأخير، واثنتان في المدني الأول، وثلاث في الكوفي(٤). ووجه اتصالها بسورة ((يونس)) عليه السلام أنه ذكر في سورة ((يونس)) قصة نوح عليه السلام مختصرة جدّاً مجملة، فَشُرحت في هذه السورة، وبسطت فيها ما لم تبسط في غيرها من السور، ولا سورة ((الأعراف)) على طولها، ولا سورة ﴿إِنّاً (١) في (م)، والدر المنثور ٣١٩/٣: في تاريخه. والخبر في الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ٢/ ٤٧٢. (٢) الدر المنثور ٣١٩/٣. (٣) الإتقان ١/ ٤٥، وستأتي قصة أبي اليَسَر عند تفسير الآية. (٤) البيان في عدِّ آي القرآن لأبي عمرو الداني ص ٦٥. وقد اختلف في عدّ آي القرآن الكريم أهلُ المدينة ومكة والشام والبصرة والكوفة. ولأهل المدينة عددان: الأول لأبي جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح، والثاني لإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير. وعدد أهل الكوفة لحمزة بن حبيب الزيات والكسائي وخلف. الإتقان ٢١١/١، وانظر فيه الأعداد الأخرى. ٣٢٠ سُوَّلاَ مُود أَسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] التي أفردت لقصته، فكانت هذه السورة شرحاً لما أُجمل في تلك السورة وبسطاً له. ثم إنَّ مطلعها شديدُ الارتباط بمطلع تلك، فإن قوله تعالى هنا: (الَّرْ كِنَبُ أُعْكِمَتْ ءَايَنُ) نظير قوله سبحانه هناك: ﴿الَّرَّ تِلْكَ مَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]. بل بين مَظْلع هذه وختام تلك شدةُ ارتباطٍ أيضاً، حيث ختمت بنفي الشِّرك واتِّباع الوحي، وافتتحت هذه ببيان الوحي والتحذير من الشرك. وورد في فضلها ما ورد، فقد أخرج الدارمي وأبو داود في ((مراسيله)» والبيهقي في ((شعب الإيمان)) وغيرهم عن كعب قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((اقرؤوا هوداً يومَ الجمعة)»(١). وأخرج الترمذي وحسَّنه، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في ((البعث والنشور)) من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال أبو بكر ده: يا رسول الله، قد شِبْتَ. قال: ((شيَّبتني هود والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت))(٢). وأخرج ابن عساكر من طريق يزيد الرَّقاشي عن أنس عن الصديق بصُّّه أنه قال: يا رسول الله، أسرعَ إليك الشيبُ. قال: «أجل، شيَّبتني سورة هود وأخواتها؛ الواقعة، والقارعة، والحاقَّة، وإذا الشمس كُوِّرت، وسأل سائل))(٣). وقد جاء في بعض الروايات أيضاً أن عمر ظه قال له عليه الصلاة والسلام: (١) سنن الدارمي (٣٤٠٤)، ومراسيل أبي داود (٥٩)، وشعب الإيمان (٢٤٣٨). (٢) سنن الترمذي (٣٢٩٧)، والمستدرك ٣٤٣/٢، والبعث والنشور (استدراكات) (٧٢)، وأخرجه ابن سعد ٤٣٦/١، وسعيد بن منصور في سننه (١١١٠ - تفسير)، وأبو يعلى (١٠٧) و(١٠٨) وغيرهم من طريق عكرمة مرسلاً، وهذا المرسل هو الذي رجحه أبو حاتم كما في العلل لابنه ٢/ ١١٠، وينظر العلل للدارقطني ١٩٣/١-٢١١. (٣) تاريخ مدينة دمشق ١٧٤/٤. وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات ٤٣٦/١، وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.