النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٩٢ ٢٨١ سُولُدُونِيَّ الأنباري وأبو الشيخ عنه أنَّه قال: المعنى: نجعلُك على نجوةٍ من الأرض كي يَراك بنو إسرائيلَ فيعرفوا أنَّك قد متّ(١). وجاء تفسير البَدَن بالدِّرع، ورُوي ذلك عن محمد بنِ كعب وأبيٍّ، وكانت له پرعٌ من ذهبٍ يُعرَف بها، وفي روايةٍ أنَّها كانت من لؤلؤ. وأخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جهضمَ موسى بنِ سالم أنَّه كان الفرعونَ شيءٌ يلبسُه - يقال له: البدن - يتلألأ(٢). وقرأ يعقوب: ((نُنْجِيكَ)) من باب الإفعال(٣)، وهو بمعنى التفعيل بمعنييه السابقين. وأخرج ابنُ الأنباري(٤) عن محمد بن السَّمَيفع اليماني ويزيد البربريِّ أنَّهما قرأا: ((نُتَحِّيك)) بالحاء المهملة، ونُسبَت إلى أبي بن كعب وأبي السمال(٥)، أي: نجعلُك في ناحيةٍ ونُلقيك على (٦) الساحل. وقرأ أبو حنيفة ظله: ((بأَبْدَانِكَ)) على صيغة الجمع(٧)، بجعل كلِّ عضوٍ بمنزلة البدن، فأطلق الكلّ على الجزء مجازاً، وعلى هذا جمع الأجرام في قوله: بأجرامه من قُلَّةِ النِّيقِ مُنْهوي(٨) وکم موطنٍ لولايَ طِحْتَ كما هَوَی أو بإرادة: دروعك، بناءً على أنَّ المخذول كان لابساً درعاً على درعٍ. وأخرج ابنُ الأنباري عن ابن مسعود ◌َّهُ أنَّه قرأ: ((بِنِدَائِكَ)) (٩)، أي: بدعائك. (١) الدر المنثور ٣١٦/٣. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٤ دون قوله: يتلألأ، والكلام من الدر المنثور ٥١٦/٣. (٣) النشر ٢٥٩/٢. (٤) كما في الدر المنثور ٣١٦/٣. (٥) المحتسب ٣١٦/١، والبحر ١٨٩/٥، عن أبيٍّ وابن السميفع ويزيد البربري. وذكرها عن أبي السمال الشهاب في الحاشية ٧/ ٥٨ . (٦) في الأصل: إلى. (٧) البحر ١٨٩/٥ . (٨) البيت ليزيد بن الحكم الثقفي كما في الكتاب ٣٧٤/٢، والخصائص ٢٥٩/٢، وسلف ١٠ / ٢٧٢. (٩) الدر المنثور ٣١٦/٣، والقراءة في القراءات الشاذة ص٢٥٨، والبحر ١٨٩/٥. سُؤَلا تُونشر ٢٨٢ الآية : ٩٢ ﴿لِتَّكُنَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ أي: لتكونَ لمن يأتي بعدك مِن الأمم إذا سمعوا مآلَ (١) أمركَ ممن شاهد حالك وما عراك عبرةً ونكالاً من الطغيان، أو حجَّةً تدلُّهم على أنَّ الإنسان وإنْ بلَغَ الغايةَ القصوى من عِظَم الشأن وعلوِّ الكبرياء وقوَّةٍ السلطان، فهو مملوكٌ مقهورٌ بعيدٌ عن مظانِّ الألوهية والربوبية. وقيل: المرادُ بمَن خلفه مَن بقي بعده من بني إسرائيلَ، أي: لتكونَ لهم علامةً على صدق موسى عليه السلام، إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خَيَّل إليهم أنَّه لا يهلك، فكذَّبوا لذلك خبَرَ موسى عليه السلام بهلاكه، حتى عاينوه على ممرِّهم من الساحل أحمرَ قصيراً كأنَّه ثَورٌ، ورُوي هذا عن مجاهد. وقرئ: ((لمن خَلَفَك)) فعلاً ماضياً(٢)، أي: حلَّ مكانك. ونُسِبَ إلى ابن السميفع وأبي السمال أنَّهما أيضاً قرأ: ((لمن خَلَقَك)) بفتح اللام والقاف، أي: لتكونَ لخالقك آیةً كسائر الآيات، فإنَّ إفرادَه سبحانه إِيَّاك بالإلقاء إلى الساحل دليلٌ على أنَّه قصدٌ منه جلَّ شأنه لكَشْف تزويرك وإماطةٍ الشُّبهات في أمرك، وبرهانٌ نَيِّرٌ على كمال علمه وقدرته وحكمته وإرادته، وهو معنّى لا بأس به يصحُّ أنْ تُوجَّه به الآية على القراءة المشهورة أيضاً. ذكر في ((النشر)): أنَّ مما لا يُوثَق بنقله قراءةُ ابن السَّميفع وأبي السمَّال: (نحِّيك)) بالحاء، و: ((لمن خَلَفَك)) بالقاف(٣) . وفي تعليل تنجيته بما ذُكر كما قاله بعض المحققين إيذانٌ بأنَّها ليسَت لإعزازه أو لفائدةٍ أُخرى عائدةٍ إليه، بل لكمال الاستهانة به وتَفْضِيحه على رؤوس الأشهاد، وزيادةٍ تَفْظيعِ حاله، كمن يُقتَل ثم يُجَرُّ جسدُه في الأسواق، ويُطرح جيفةً في الميدان، أو يُّدارُ برأسِه في النواحي والبلدان. واللام الأُولى متعلّقةٌ بالفعل قبلها، والثانيةُ بمحذوفٍ وَقَع حالاً من («آية)»، أي: كائنةً لمن خَلْفَك، وجاء الردُّ على هذا المخذول على طِرْز ما أتى به في قوله: ((آمنتُ (١) في (م): حال، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٧٤/٤، والكلام منه. (٢) القراءات الشاذة ص٥٨، والبحر ١٨٩/٥. (٣) النشر ١٦/١، والقراءة بالقاف ذكرها أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير ٦٢/٤ عن ابن السميفع وأبي المتوكل وأبي الجوزاء، والقرطبي ٥١/١١ عن عليٍّ ◌َُّه. الآية : ٩٢ ٢٨٣ سُوَ لاثُونسى أنَّه)) إلخ في اشتماله على المبالغة، كما لا يخفى على مَن تفكّر في الآية، وقد قُرِّر فَحْوَى المحكيِّ بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَئِنَا لَغَفِلُونَ ﴾﴾ أي: لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبرون بها، وهو اعتراضٌ تذييليٌّ جيء به عند الحكاية لذلك. ولهذه الآيةِ وأشباهِها وَقَع الإجماع على كفر المخذولِ وعدم قبول إيمانه، ويشهدُ لذلك أيضاً ما رواه ابنُ عدي والطبرانيُّ من أنَّهِ وَِّ قال: ((خَلَق الله تعالى يَحَى بنَ زكريًّا في بطن أُمِّه مؤمناً، وخَلَق فرعونَ في بَطْن أُمِّه كافراً» (١) فهو من أهل النار المخلَّدين فيها بلا ريب، وبذلك قال الشيخُ الأكبر قُدِّس سرُّه في أول كتابه ((الفتوحات)) في الباب الثاني والستين منه، حيث ذكر أنَّ الذين خَذَلهم الله تعالى من العباد جعَلَهم طائفتين: طائفةٌ لا تضرُّهم الذنوب التي وقعت منهم، وإليهم الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨] وهؤلاء لا تمسُّهم النار بما تاب الله تعالى عليهم، واستغفارِ الملأ الأعلى ودعائِهم لهم. وقسم الطائفةَ الأخرى إلى قسمين: قسمٌ أَخرجَهم من النار بالشفاعة، وهم طائفةٌ من المؤمنين وأهلِ التوحيد ماتوا ولم تُكفّر عنهم خطاياهم. وقسمٌ آخرُ أَبقاهم في النار، وهم المجرمون خاصةً الذين يُقال لهم يوم القيامة: ﴿وَأَمْتَزُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ولهم يقال: أهل النار؛ لأنَّهم الذين يَعمُرُونها، وهم على أربع طوائفَ كلَّهم في النار لا يخرجون منها : الطائفةُ الأُولَى: المتكبِّرون على الله تعالى، كفرعونَ وأشباهِهِ ممن اذَّعَى الربوبيَّة لنفسه ونفاها عن الله تعالى، فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨] وقال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] يريد به: ما في السماء غيري، وکذلك نمروذ وغیرُه. والثانية: المشركون، وهم الذين أَثبتُوا الله تعالى إلا أنَّهم جعلوا معه آلهةً أُخرى، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ﴾ [الزمر: ٣]. (١) الكامل ٢٢٢١/٦، والمعجم الكبير (١٠٥٤٣) من حديث ابن مسعود . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٣: إسناده جيد. اهـ. وفي الباب ما أخرجه مسلم (٢٦٦٢) من حديث عائشة رضيوثقا بلفظ: ((إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم وهم في أصلاب آبائهم)). سُؤَدُّدُونَِّ ٢٨٤ الآية : ٩٢ والثالثة: المعطّلة، وهم الذين نَفَوا الإله جملةً واحدةً، فلم يُثبتوا للعالَم إلهاً أصلاً. والرابعة: المنافقون، وهم الذين أظهروا الإيمانَ للقهر الذي حُكم عليهم، وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد إحدى هذه الطوائفِ الثلاثِ. فهؤلاء الأصنافُ الأربعة هم أهلُ النار الذين لا يخرجون منها من الجِنِّ والإنس. انتهى(١). وهو صريحٌ فيما قلنا، إلا أنَّه ذهب في موضع آخرَ من الكتاب المذكور إلى خلافه، فقال في الباب السابع والستين ومئة(٢) ما حاصلُه: إنَّ الله تعالى لمَّا عَلم أنَّه قد طَبَع على كلِّ قلبٍ مظهِرٍ للجبروت والكبرياء، وأنَّ فرعونَ في نفسه أَذلُ الأذلَّاءِ، أمر موسى وهارون عليهما السلام أنْ يُعاملاه بالرحمة واللين، لمناسبة باطنِهِ واستنزالٍ ظاهرٍهٍ من جبروته وكبريائه، فقال سبحانه: ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَيْنَا لَعَلَُّ. يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] و((لعل)) و((عسى)) من الله تعالى واجبتان، فيتذكر(٣) بما يُقابله من اللين والمسكنة ما هو عليه في باطنه، ليكونَ الظاهرُ والباطنُ على السواء، فما زالَت تلك الخميرةُ معه تعملُ في باطنه مع التِّرَجِّي الإلهي الواجب فيه وقوعُ المترجَّى، ويتقوَّى حُكْمُها، إلى حين انقطاع يأسِهِ من أتباعه، وحَالَ الغرقُ بينه وبين أطماعه، لَجَأ إلى ما كان مُستتراً في باطنهَ من الذِّلة والافتقار، ليتحقَّق عند المؤمنين وقوعُ الرجاء الإلهي، فقال: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُوا إِسْرَِّيلَ وَأَنّاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ فرفع الإشكال من الإشكال(٤)، كما قالت السحرة لمَّا آمنَتْ: ﴿مَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] أي: الذي يَدعُوَان إليه، فجاءَتْ بذلك لدفع(٥) الارتياب ورفع الإشكال. وقوله: ((وأنا من المسلمين)) خطابٌ منه للحقِّ تعالى لعِلْمِهِ أنَّه سبحانه (١) الفتوحات المكية ٣٠١/١-٣٠٢. (٢) الفتوحات المكية ٢٧٦/٢. (٣) في الأصل و(م): فتذكر، والمثبت من الفتوحات. (٤) في الفتوحات: لرفع الإشكال عند الإشكال. (٥) في الأصل: لرفع. الآية : ٩٢ ٢٨٥ سُؤَلُ كُونُسَ يَسمَعُه ويراه، فخاطبه الحقُّ بلسان الغيب وسمعِه(١): آلآن أظهرتَ ما قد كنتَ تَعلَمُه، وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين لأتباعك. وما قال له: وأنت من المفسدين، فهي كلمةُ بُشرى له عرَّفَنا بها لنرجوَ رحمتَه مع إسرافنا وإجرامنا، ثم قال سبحانه: (فَلْيَّوْمَ تُنَجِيَكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَّةٌ) يعني: لتكون النجاةُ لمن يأتي بعدك آيةً، أي: علامةً، إذا قال ما قُلتَه تكونُ له النجاةُ مثلَ ما كانت لك، وما في الآية أنَّ بأسَ الآخرة لا يرتفعُ وأنَّ إيمانه لم يُقبل، وإنما فيها أنَّ بأس الدنيا لا يرتَفعُ عمَّن نزل به إذا آمن في حالِ نزوله إلَّا قومَ يُونُس عليه السلام، فقوله سبحانه: (فَلْيَوْمَ تُنَجِّكَ بِبَدَنِكَ) بمعنى أنَّ العذاب لا يتعلَّق إلا بظاهرك، وقد أَرَيْتُ الخلقَ نجاتَه من العذاب فكان ابتداءُ الغرق عذاباً، فصار الموتُ فيه شهادةً خالصةً بريئةً لم يتخلَّلها معصيةٌ، فقُبضَ(٢) على أفضل عملٍ، وهو التلفُّظُ بالإيمان، كلُّ ذلك حتى لا يقنطَ أحدٌ من رحمة الله تعالى، والأعمالُ بخواتيمها، فلم يزل الإيمان بالله تعالى يجول في باطنه، وقد حالَ الطابعُ الإلهيُّ الذاتيُّ في الخلق بين الكبرياء واللطائف الإنسانية، فلم يَدخُلها قطّ كبرياء. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] فكلامٌ محقَّقٌ في غاية الوضوح، فإنَّ النافع هو الله تعالى، فما نَفَعهم إلَّا الله(٣) سبحانه، وقوله عزَّ وجل: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِ قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ،ُ﴾ [غافر: ٨٥] فيعني بذلك الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتادِ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا﴾ [الرعد: ١٥] فغاية هذا الإيمانِ أنْ يكونَ كرهاً، وقد أَضافه الحقُّ سبحانه إليه، والكراهةُ محلُّها القلبُ، والإيمانُ كذلك، والله تعالى لا يأخُذ العبدَ بالأعمال الشاقَّة عليه من حيث ما يجدُه من المشقّة فيها، بل يُضاعف له فيها الأجرَ، وأمَّا في هذا الموطن فالمشقَّةُ منه بعيدةٌ، بل جاء طوعاً في إيمانه وما عاش بعد ذلك بل قُبض ولم يؤخّر، لئلا يرجع إلى ما كان عليه (١) في الفتوحات: بلسان العتب وأسمعه. (٢) في الفتوحات: فقبضت. (٣) في (م): هو، والمثبت من الأصل والفتوحات. ٢٨٦ الآية : ٩٢ من الدعوى، ولو قبض رُكَّاب البحر الذين قال سبحانه فيهم: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] عند نجاتهم لماتوا موحِّدين، وقد حصَلَت لهم النجاة. ثم قوله تعالى في تَتْميم قصته هذه: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ) على معنى: قد ظهَرَت نجاتُك آيةً، أي: علامةً على حصول النجاة، فغَفَل أكثرُ الناس عن هذه الآيةِ، فقَضَوا على المؤمن بالشقاء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِ﴾ [هود: ٩٨] فليس فيه أنَّه يَدخُلُها معهم، بل قال جلَّ وعلا: ﴿أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] ولم يقُل: أَدخِلُوا فرعونَ والَه، ورحمةُ الله تعالى أَوسعُ مِن أَنْ لا يقبلَ إيمانَ المضطرِّ، وأيُّ اضطرارٍ أعظمُ من اضطرار فرعونَ في حال الغرق؟ والله تبارك وتعالى يقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاءُ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ﴾ [النمل: ٦٢] فقَرَن للمضطرِّ إذ دعاه بالإجابة(١) وكشفِ السوءِ عنه، وهذا آمَنَ لله تعالى خالصاً، وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفاً من العوارض وأنْ يُحالَ بينه وبين هذا الإخلاص الذي جاءه في هذه الحال، فرجَحَ جانبُ لقاءِ الله تعالى على البقاء بالتلفُّظ بالإيمان، وجَعَل ذلك الغرقَ نكالَ الآخرةِ والأُولَى، فلم يكُنْ عذابُه أكثرَ مِن غَمِّ الماء الأُجاج، وقَبَضَه على أحسن صفة، وهذا هو الذي يُعطيه ظاهرُ اللَّفظ، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَّةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦] يعني: في أَخْذِهِ نكالَ الآخرة والأُولَى، وقدَّم سبحانه ذِكْرَ الآخرةِ على الأولى ليُعلم أنَّ ذلك العذابَ - أعني: عذابَ الغرق - هو نكالُ الآخرة، وهذا هو الفضلُ العظيم. انتهى. وهو نصٌّ في إيمانه، بل في كونه من الشهداء، بناءً على أنَّ الموتَ غَرَقاً شهادةٌ للمؤمنين كما أجمع عليه أئمةُ الدين على خلافٍ في موت مَن قصَّر في تعلُّم السباحة غريقاً، هل يُعَدُّ شهادةً أم لا؟ فإنَّ بعض الشافعيةِ ذهب إلى أنَّ المقصِّر المذكورَ إذا مات غريقاً مات عاصياً لا شهيداً، وإنَّما الشهيدُ مَن مات كذلك وكان عارفاً بالسباحة، أو غيرَ مُقصِّرٍ في تعلُّمها لكنْ لم يتعلَّم، وكأنَّ الشيخ قُدِّس سرُّه لا يقول بهذا التفصيل، أو كان يَعلمُ أنَّ فرعونَ كان ممن يعلمُ السباحةَ، أو ممن لم يُقصِّر في تعلُّمها، أو أنَّه يقول: إنَّ الإيمان كَفَّر عنه كلَّ معصيةٍ قبله، ومِن جملة ذلك (١) في الفتوحات: الإجابة. الآية : ٩٢ ٢٨٧ سُؤَدَُّ دُونِّ معصيةُ التقصير مثلاً التي هي دون قوله: (أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعَْ) و(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَاءِ غَيْرِى) بألفِ ألفٍ مرتبةٍ. لكن لا أدري هل الغريقُ شهيدٌ في شريعة موسى عليه السلام كما هو كذلك في شريعتنا، أم هذا الأمرُ من خواصِ هذه الشريعة التي أَنعمَ الله تعالى على أهلها بما أَنعمَ كرامةً لنبيِّهَا وَلِّ. وقد ذَهبَ قُدِّس سرُّه في كتابه ((فصوص الحكم)) إلى نحو ما ذهب إليه أخيراً في كتابه ((الفتوحات)). وقد اعتَرضَ عليه بذلك غيرُ واحدٍ، وهو عندي ليس بأعظمَ مِن قوله قُدِّس سرُّه بإيمان قومٍ نوح عليه السلام وكثيرٍ من أضرابهم، ونجاتِهم يوم القيامة، وقد نصَّ على ذلك في ((الفصوص)). والعجبُ أنَّه لم يَكثُر مُعترِضُوه في ذلك كثرتَهم في القول بإيمان فرعون؛ وقد انتصَرَ له بعضُ الناس، ومنهم في المشهور الجلالُ الدوانيُّ، وله رسالةٌ في ذلك أتى فيها بما لا يُعَدُّ شيئاً عند أصاغر الطلبة، لكنْ في ((تاريخ حلب)) للفاضل الحلبي - كما قال مولانا الشهاب - أنَّها ليسَت للجلال، وإنَّما هي لرجلٍ يُسمَّى محمد بن هلال النحوي، وقد ردَّها القزويني وشنَّع عليه وقال: إنما مَثَلُه مثلُ رجلٍ خاملِ الذكرِ لمَّا قَدِم مكة بال في زمزم ليشتهرَ بين الناس، وفي المثل: خالِفْ تُعرَفْ. ويُؤيِّد كونَها ليسَت للجلال أنَّه شافعيُّ المذهب، كما يشهد لذلك حاشیتُه على ((الأنوار))؛ وفي ((فتاوى)) ابن حجر: أنَّ بعضَ فقهائنا كفَّر مَن ذهب إلى إيمان فرعون(١). مع ما عليه تلك الرسالةُ من اختلال العبارةِ وظهورِ الركاكةِ وعدم مُشابَهَتها لسائر تأليفاته، ولولا خوفُ الإطالة لسردتُها عليك. وبالجملةِ ظواهرُ الآي صريحةٌ في كُفْر فرعونَ وعدم قبول إيمانه، ومن ذلك قولُه سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَبَّنَ لَككُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ ﴿ وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنٌَ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ُوسَى بِلْبَيْنَتِ فَاسْتَكْبُوا فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَِقِينَ (® فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِةٍ. (١) حاشية الشهاب ٥/ ٥٧، وينظر الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ٢٨٩ و٢٩١، والزواجر عن اقتراف الكبائر له ٣١/١. سُدَادُونِسَ ٢٨٨ الآية : ٩٢ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الضَّيْحَةُ وَمِنْهُم ◌َّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٨-٤٠] فإنَّه ظاهرٌ في استمرار فرعونَ على الكفر والمعاصي الموجبةِ لِمَا حلَّ به كما يدلُّ عليه التعبيرُ بكان والفعلِ المضارع، ومع الإيمان لا استمرار، على أنَّ نظمه في سلكِ مَن ذُكر معه ظاهرٌ أيضاً في المدَّعى. وأَلحقَ بعضُهم بذلك قوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لٌَّ﴾ [طه: ٣٩] بناءً على أنَّ ((عدوّ)) صفةٌ مشبهةٌ، وهي للثبوت، فيدلُّ على ثبوت عداوته لله تعالى وعداوته لرسوله عليه السلام، وثبوتُ إحدى العداوتَين كافٍ في سوءِ حاله خلافاً لمن وَهِمَ. وقد صرَّحوا أيضاً بأنَّ إِيمان البأس واليأس غيرُ مقبولٍ، ولا شكَّ أنَّ إيمان المخذول كان من ذلك القبيل، وإنكارُه مكابرةٌ، وقد حُكي إجماعُ الأئمة المجتهدين على عدم القبول، ومُستَندُهم فيه الكتابُ والسُّنَّة، وما يُنقل عن الإمام مالكٍ من القبول لم يثبت عند المطّلعين على أقوال المجتهدين واختلافاتهم. نعم صرَّح الإمام القاضي عبد الصمد من ساداتنا الحنفية في تفسيره(١) بأنَّ مذهب الصوفيةِ أنَّ الإيمان يُتْتَفعُ به ولو عند معاينة العذاب، وهذا الإمام متقدِّمٌ على الشيخ الأكبر قدس سره بنحو مئة سنة(٢)، وحينئذٍ تُشكل حكايةُ الإجماع، إلا أنْ يقال بعدم تَسليمِ صحَّة ذلك عن الصوفية الذين هم من أهل الاجتهادِ المعوَّل عليهم؛ لما فيه مِنَ المخالفة للأدلَّة الظاهرةِ في عدم النفع، فلا يُخلُّ ذلك بالإجماع بالإجماع. وفي ((الزواجر)): أنَّه على تقدير التسليم لا يَضرُّنا ذلك في دعوى عدم إجماعٍ الأُمة على كفر فرعون؛ لأنَّا لم نحكم بكفره لأجل إيمانه عند البأس فحسب، بلّ لِمَا انضمّ إليه من أنَّه لم يؤمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً، بل كان تقليداً محضاً بدليل قوله: ((إلا الذي آمنَتْ به بنو إسرائيل)»، فكأنَّه اعترف بأنَّه لا يَعْرِفُ اللهَ تعالى، وإنَّما سمع من بني إسرائيل أنَّ للعالم إلهاً فآمن بذلك الإله الذي سمع بني (١) كما في الزواجر لابن حجر ٣١/١. (٢) كان موجوداً أوائل المئة الخامسة في سنة (٤٣٠هـ). الزواجر ٣١/١. الآية : ٩٢ ٢٨٩ سَُّ ل ◌ُونَ إسرائيل يُقرُّون بوجوده، وهذا هو محضُ التقليد الذي لا يقبل، لا سيما من مثل فرعونَ الذي كان دهريّاً منكراً لوجود الصانع، فإنه لا بدَّ له من برهانٍ قطعيٍّ يُزيلُ ما هو عليه من الاعتقاد الخبيثِ البالغِ نهايةَ القُبحِ والفحشِ. وأيضاً لا بدَّ في إسلام الدهريِّ ونحوِهِ ممن كان قد دان بشيءٍ أنْ يُقرَّ ببطلان ذلك الشيء الذي كُفِّر به، فلو قال: آمنتُ بالذي لا إله غيرُه، لم يكن مسلماً، وفرعون لم يعترف ببطلان ما كان كفِّر به من نفي الصانع وادِّعاءِ الإلهية لنفسه الخبيثة، وقوله: ((إلا الذي آمنَتْ به بنو إسرائيل)) لا يُدرَى ما الذي أراد به، فإذا(١) صرَّح الأئمة بأنَّ: آمنتُ بالذي لا إله غيرُه، لا يحصل الإيمان للاحتمال، فكذا ما قاله، وعلى التنَزُّل فالإجماعُ منعقدٌ على أنَّ الإيمان بالله تعالى مع عدم الإيمان بالرسول لا يصحُّ، فلو سلَّمنا أنَّ فرعون آمنَ بالله تعالى إيماناً صحيحاً، فهو لم يُؤمن بموسى عليه السلام ولا تعرَّض له أصلاً، فلم يكُن إيمانُه نافعاً، ألا ترى أنَّ الكافر لو قال ألوفاً من المرات: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أو: إلا الذي آمن به المسلمون، لا يكونُ مؤمناً حتى يقولَ: وأنَّ محمداً رسولُ الله. والسحرةُ تعرَّضوا في إيمانهم للإيمان بموسى عليه السلام بقولهم: ﴿مَمَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ﴾ [الشعراء: ٤٨] فلا يقال: إنَّ إيمان فرعونَ على طرز إيمانهم لذلك، على أنَّ إيمانَهم حين آمنوا كان بمعجزة موسى عليه السلام، والإيمان بالله تعالى مع الإيمان بمعجزة الرسول إيمانٌ بالرسول، فهم آمنوا بموسى عليه السلام، بخلاف فرعون فإنَّه لم يَتعرَّض للإيمان به عليه السلام أصلاً، بل في ذِكْرِه بني إسرائيل دونه - مع أنَّه الرسولُ العارفُ بالإله وما يليق به، والهادي إلى طريقه - إشارةٌ ما إلى بقائه على کفره به. وما ذَكرَه الشيخ الأكبر قُدّس سرُّه في توجيه آية: (حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ) إلخ خارجٌ عن ذَوق الكلامِ العربيِّ، وتجُّمُ تكلَّفٍ لا معنى له، ويُرشدك إلى بعض ذلك أنَّه قُدِّس سره حَمَل قوله تعالى: (ءَالْتَنَ وَقَّدْ عَصَيْتَ) إلخ على العتب والبشرَى، مع أنَّه لا يخفَى أنَّه لو صحَّ إيمانُه وإسلامه، لكان الأنسب بمقام الفضلِ الذي إليه طَمَحَ نظرُ الشيخ أنْ يقال له: الآن نَقْبلُك ونُكرمُك، لاستلزام صحَّةٍ إيمانه رِضَا الحقِّ (١) في الأصل و(م): فلذا، والمثبت من الزواجر. سُولَلُونسى ٢٩٠ الآية : ٩٢ عنه، ومَن وَقَع له الرضا لا يُخاطَبُ بمثل ذلك الخطاب، كما لا يخفَى على مَن له وقوفٌ على أساليبٍ كلامٍ العرب ومحاوراتهم. وأيضاً كيف يُخاطَبُ مَن محا الإيمانُ عصيانَه وإفسادَه بما هو ظاهرٌ في التأنيب المحضٍ والتقريع الصرفِ والتوبيخ البحْتِ، فما ذلك إلا لإقامة أعظم نَوَاميسٍ الغضب عليه، وتَذكيرِه بقبائحه التي قدَّمها، وإعلامِه بأنَّها هي التي منعَتْهُ عند(١) النُّطْق بالإيمان إلى حيث لا ينفعُهُ. وكذا تأويلُه: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥] بأنَّ النافعَ هو الله تعالى، مع أنَّ اصطلاح الكتاب والسُّنة نِسبةُ الأشياءِ إلى أسبابها إيجاباً وسَلْباً، فإذا قيل: لا ينفعُ الإيمان، فليس معناه الشرعيُّ إلا الحكمَ عليه بأنَّه باطلٌ لا يُعتدُّ به؛ وأيُّ معنّى سوَّغ تخصيصَ نفع الله تعالى بهذه الحالةِ التي هي حالةٌ وقوعِ العذابِ مع النظر إلى ما هو الواقعُ مِن أنَّ الله تعالى هو النافعُ حقيقةً في كلٍّ وَقتٍ، ولو نَفَعهم لَمَا استأصَلَهم بالعذاب، وقوله تعالى: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨] دليلٌ واضحٌ على أنَّ المرادَ بـ ((لم يكُ ينفعُهم إيمانُهم) أنَّهم باقون مع ذلك الإيمان على الكفر. إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على الناظر في كلامه قدِّس سره، فالذي ينبغي أنْ يُعْوَّلَ عليه ما ذَهَبَ أولاً إليه، وقد قالوا: إذا اختَلَفَ كلامُ إمام يُؤْخَذُ منه بما يُوافقُ الأدلَّة الظاهرةَ، ويُعرَض عمَّا خالفها، ولا شكَّ أنَّ ما ذهب إليه أولاً هو الموافقُ لذلك. على أنَّه لو لم يكن له قدس سرُّه إلا القولُ بقبول إيمانه لا يلزمُنا اتِّباعُه في ذلك والأخذُ به، لمخالفته ما دلَّ عليه الكتابُ والسُّنةُ، وشهدت به أئمةُ الصحابة والتابعين فَمَن بعدَهم من المجتهدين، وجلالةُ قائله لا تُوجب القبولَ، فقد قال مالكٌ وغيرُه: ما مِن أحدٍ إلا مأخوذٌ من قوله ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر. يعني النبيَّ ◌َّ(٢). وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: لا تَنظر إلى مَن قال، وانظر إلى ما قال. (١) كذا في الأصل و(م)، والذي في الزواجر ٣٢/١: عن. (٢) الزواجر ٣٠/١-٣٢. الآية : ٩٣ ٢٩١ سُولُلُونَ وكأنَّ الشيخ قدس سرُّه قال ذلك من طريق النظر، والنظرُ يُخطئ ويُصيب، وَمن عَلِمَ أنَّ للنبيّ عليه الصلاة والسلام اجتهاداً جاء الوحيُّ بخلافِهِ لم يَستعظم ما قيل في الشیخ وإنْ كان هو هو. على أنَّه لو كان قال ذلك مِن طريق الكشف إلا أنَّه أَبدَى الاستدلالَ تفهيماً وإرشاداً إلى أنَّ فَهْمَه لم يُخالف ما يدلُّ عليه الكتاب لم يلزمنا أيضاً تقليدُه، بل قد مرَّ عن الإمام الرباني قُدِّس سره(١) أنَّه لا يجوز تقليدُ الكشفِ، وصرَّح غيرُ واحدٍ بأنَّه ليس بحجَّةٍ على الغير، كالإلهام، ولا يَثْبُتُ به حُكْمٌ شرعيٍّ. وأنت تعلم أنَّه لو كان كلٌّ مِن القولَين مِن طريق الكشفِ يَلزمُ انقسامُ الكشفِ إلى صوابٍ وخطأ كالنظر، ضرورةً عدم اجتماع الإيجاب والسلب على الكذب ولا على الصدق، وهو ظاهرٌ، وقد قال بعضُهم بالانقسام، ويخفى وجْهُهُ. ومن الناس مَن أوَّل كلامَ الشيخ المثبِتِ لقبول الإيمان بأنَّ المرادَ بفرعونَ فيه النفسُ الأمَّارة، وبموسى وهارون المأمورَين بالقول اللَّيِّن موسى الروحِ وهارونُ القلب، وأَخَذَ يقرِّر الكلام على هذا السَّنَن، ولا يخفَى أنَّ ارتكابَ ذلك - على ما فيه من التكلُّف الظاهر الكلف - في كلام الشيخ ما يأباه، ولعلَّه خلافُ مَطمَح نظرِهِ، ولذلك لم يَرتكبه أَجلَّةُ أصحابه، بل أَبقوا كلامَه على ظاهره، وهو الظاهر، وإكفارُ بعضٍ المنكرين له فيه ضلالٌ وأيُّ ضلالٍ، وظلمٌ عظيم موجبٌ للنكال، فإنَّ له قدس سره في ذلك مستنداً كغيره المقابل له، وإن اختلفًا في القوة والضعف، على أنَّ الوقوفَ على حقيقة هذه المسألة ليس مما كُلِّفنا به، فلا يضرُّ الجهلُ بها في الدين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأَنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ سيق لبيان النعم الفائضةِ عليهم إثْرَ نعمةٍ الإنجاء على وجه الإجمال، وإخلالهم بشكرها. وبَوَّأ بمعنى أَنْزِلَ كأَبَاءَ، والاسم منه البِيئَةُ بالكسر كما في ((القاموس))(٢)، وجاء: بَوََّه مَنزِلاً وبَوَّأه في منزلٍ، وكذا بَوَّأْتَ له مكاناً: إذا سوَّيته، وهو مما يتعدَّى لواحدٍ ولاثنين، أي: أنزلناهم بعد أنْ أنجَيْناهم وأهلكنا أعداءهم. (١) ص٢٦٦ من هذا الجزء. (٢) مادة (بوأ). سُوَ ل ◌ُونِسَ ٢٩٢ الآية : ٩٣ ﴿مُؤََّ صِدْقٍ﴾ أي منزلاً صالحاً مَرْضيّاً، وهو اسمُ مكانٍ منصوبٌ على الظرفية، ويَحْتَمِلُ المصدريَّةَ بتقديرِ مضافٍ - أي: مكانَ مُبَوَّأ - وبدونه، وقد يُجعل مفعولاً ثانياً . وأصلُ الصدق ضدُّ الكذب، لكنْ جَرَت عادةُ العرب على أنَّهم إذا مدحوا شيئاً أضافوه إلى الصدق، فقالوا: رجلُ صدقٍ، مثلاً، إذا كان كاملاً في صفته صالحاً للغرض المطلوب منه، كأنَّهم لاحظوا أنَّ كلَّ ما يُظَنُّ به فهو صادق. والمرادُ بهذا المبوَّأ كما رواه ابنُ المنذر وغيرُه عن الضحاك الشامُ ومصرُ(١)، فإنَّ بني إسرائيل الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام، وهم المرادون هنا، ملكوا ذلك حسبما ذَهَب إليه جمعٌ من الفضلاء. وأخرج أبو الشيخ وغيرُه عن قتادة أنَّ المرادَ به الشامُ وبيتُ المقدس(٢). واختاره بعضُهم بناءً على أنَّ أولئك لم يعودُوا إلى مصر بعد ذلك. وأنت تعلم أنَّه ينبغي أنْ يُراد ببني إسرائيل على (٣) القولَين ما يشملُ ذرِّيَّتهم، بناءً على أنَّهم ما دخلوا الشام في حياة موسى عليه السلام وإنَّما دخلها أبناؤهم، وقد تقدَّم(٤) لك ما يتعلَّق بهذا المقام فتذكَّره. وقيل: المرادُ به أطرافُ المدينة إلى جهة الشام، وببني إسرائيل بنو إسرائيل الذين كانوا على عهد نبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل السلام. ﴿وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اُلَّيِّبَتِ﴾ أي: اللذائذ؛ قيل: وقد يُفسَّر بالحلال ﴿فَمَا أُخْتَلَفُواْ﴾ في أُمور دينهم، بل كانوا متَّبعين أَمرَ رسولهم عليه السلام ﴿حَّ جَاءَهُمُ الْعِلْمٌ﴾ أي: إلَّا بعد ما علموا بقراءة التوراةِ والوقوفِ على أحكامها . (١) تفسير الطبري ١٢/ ٢٨٤، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٨٥، وعزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣١٦/٣. (٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٢٩٧، وتفسير الطبري ٢٨٤/١٢، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣١٦/٣. (٣) في (م): عن. (٤) ١٨٥/٢-١٨٦. الآية : ٩٤ ٢٩٣ سُؤَلُ كُونِسَ وقيل: المعنى: ما اختلفوا في أمر محمدٍ نَّهِ إلا بعد ما علموا صِدْقَ نبوَّته بنعوته المذكورة في كتابهم وتَظاهُرِ معجزاته، وهو ظاهرٌ على القول الأخير في المراد من بني إسرائيل المبوَّئين، وأمَّا على القول الأوَّل ففيه خفاءٌ؛ لأنَّ أولئك المبوَّئين الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام لم يختلفوا في أمر نبينا وَالم ضرورةً، ليُنسَب إليهم ذلك الاختلاف حقيقةً، وليس هذا نظيرَ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَكُم مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٤١] الآية، ولا قولِه سبحانه: ﴿فَلِمَ تَقْنُلُونَ أَثْبِيَآءَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩١] ليُعتبر المجاز. وزَعَم الطبرسيُّ: أنَّ المعنى: أنَّهم كانوا جميعاً على الكفر لم يختلفوا فيه، حتى أُرِسلَ إليهم موسى عليه السلام، ونزلَت التوراةُ فيها حكمُ الله تعالى، فمنهم مَن آمن ومنهم من أصرَّ على كفره(١). وليس بشيءٍ أصلاً كما لا يخفى. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٣)﴾ فيميِّز بين المحقِّ والمبطل بالإثابة والعقوبة. ﴿فَإِن كُنتَ فِي شٍَّ مِّمَّ أَنَا إِلَيْكَ﴾ أي: في شكٌّ ما يَسيرٍ، والخطابُ قيل: له وَلّ، والمراد: إنْ كنتَ في ذلك على سبيل الفرض والتقدير؛ لأنَّ الشكَّ لا يُتصوَّر منه عليه الصلاة والسلام، لانكشاف الغطاء له، ولذا عبَّر بـ ((إنْ)) التي تستعمل غالباً (٢) فيما لا تحقُّق له، حتى تُستعملُ في المستحيل عقلاً وعادةً، كما في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] وصِدْقُ الشرطية لا يتوقَّفُ على وقوعها كما هو ظاهر. والمراد بالموصول القصص، أي: إنْ كنتَ في شكٌّ من القصص المنزلَةِ إليك، التي من جملتها قصةٌ فرعونَ وقومِه وأخبارُ بني إسرائيل ﴿فَسْتَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ﴾ فإنَّ ذلك محقَّقٌ عندهم ثابتٌ في كتبهم حسبما أنزلناه إليك. وخُصَّت القصص بالذكر؛ لأنَّ الأحكام المنزلةَ إليه عليه الصلاة والسلام ناسخةٌ لأحكامهم مخالفةٌ لها، فلا يُتُصوَّر سؤالُهم عنها. (١) مجمع البيان ٩٣/١١. (٢) في الأصل: في الغالب، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٥٩/٧، والكلام منه. سُوَلُكُونُسَ ٢٩٤ الآية : ٩٤ والمرادُ بـ ((الكتاب)) جنسُه، فيشمل التوراةَ والإنجيلَ، وهو المرويُّ عن ابن عباس ﴿هَا، ويُؤيِّده أنَّه قرئ: ((الكُتُب)) بالجمع(١). وفِّر الموصول بمَن لم يؤمن من أهل الكتاب؛ لأنَّ إخبارَهم بما يُوافقُ ما أُنزِلَ المترتِّبَ على السؤال أَجدَى في المقصود. وفسَّره بعضُهم بالمؤمنين منهم كعبد الله بن سلام وتميم الداري، ونُسب ذلك إلى ابن عباس والضحاك ومجاهد. وتعقّب بأنَّ ابنَ سلام وغيرَه إنَّما أسلموا بالمدينة، وهذه السورةُ مكيةٌ. وينبغي أنْ يكونَ المرادُ الاستدلالَ على حَقِّيَّة المنزل، والاستشهادَ بما في الكُتُب المتقدِّمة على ما ذكر، وأنَّ القرآن مصدِّقٌ لها، ومُحصِّلُ ذلك أنَّ الفائدةَ دفعُ الشكِّ إنْ طرأ لأحدٍ غيرِهِ وَّ بالبرهان، أو وصفَ(٢) أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحةٍ نبوته بِّهِ، وتوبيخَهم على تَرْك الإيمانِ، أو تَهييجَ الرسول عليه الصلاة والسلام وزيادةَ تَثبيتِهِ، وليس الغرضُ إمكان وقوع الشكِّ له وَلِّ أصلاً، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام حين جاءته الآيةُ على ما أَخرج عبد الرزاق وابنُ جرير عن قتادة: ((لا أشكُّ ولا أَسألُ))(٣). وزَعَم الزجَّاج: أنَّ ((إنْ)) نافيةٌ، وقوله سبحانه: (فَسْتَلِ) جوابُ شرطٍ مقدَّر، أي: ما كنتَ في شكِّ مما أَنزلنا إليك، فإنْ أردتَ أنْ تزدادَ يقيناً فاسأل(٤). وهو خلافُ الظاهر، وفيما ذُكرَ غِنَّى عنه. ومثلُه ما قيل: إنَّ الشكَّ بمعنى الضيق والشدَّة بما يعانيه(٥) وَِّ مِن تعنُّتِ قومه وأذاهم، أي: إنْ ضِقْتَ ذَرعاً بما تلقَى من أذَى قومك وتعثُّتهم فاسأل أهلَ الكتابِ كيف صبَرَ الأنبياءُ عليهم السلام على أَذَى قومهم وتعتُّتهم، فاصبِرْ كذلك. بل هو أبعدُ جدّاً من ذلك. (١) القراءات الشاذة ص٥٨، والبحر ٥/ ١٩١. (٢) قوله: أو وصفَ، معطوف على قوله: الاستدلال. ينظر حاشية الشهاب ٥/ ٩٥. (٣) تفسير عبد الرزاق ٢٩٨/٢، والمصنف ١٢٦/٦، وتفسير الطبري ٢٨٨/١٢. (٤) معاني القرآن للزجاج ٣٣/٣. (٥) في (م): يعاينه. الآية : ٩٥ - ٩٦ ٢٩٥ سُوَل ◌ُونِسَ وقيل: الخطابُ له ◌َّهِ والمرادُ به أمتُه، أو لكلِّ مَن يسمع، أي: إنْ كنتَ أيُّها السامعُ في شكِّ ممَّا أَنزلنا على لسان نبيِّنا إليك فاسأل، فـ((أَنزلْنا إليك)) على هذا نظيرُ قوله سبحانه: ﴿وَأَنَزَلْنَآَ إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]، وفي جَعْلِ القراءةِ صلةً الموصولِ إشارةٌ إلى أنَّ الجوابَ لا يتوقَّفُ على أكثر منها . وفي الآية تنبيهٌ على أنَّ مَن خالجتْهُ شُبهةٌ في الدِّين ينبغي له مراجعةُ مَن يُزِيلُها من أهل العلم، بل المسارعةُ إلى ذلك حسبما تدلُّ عليه الفاءُ الجزائيةُ بناءً على أنَّها تُفيدُ التعقيبَ. ﴿لَقَدْ جَءَكَ الْحَقُّ ﴾ الواضحُ الذي لا محيدَ عنه ولاريبَ فِي حَقِّيَّته ﴿مِنْ زَّيِّكَ﴾ القائمِ بما يُصلح شأنك ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾﴾ أي: بالتزلْزُلِ عما أنت عليه من الحزم واليقين، وَدُمْ على ذلك كما كنتَ من قبلُ. والامتراءُ: الشُّ والتردُّدُ، وهو أخفُّ من التكذيب فلذا ذُكِرَ أَوَّلاً، وعقّب بقوله سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَِّينَ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ اَللَّهِ﴾ أي: بشيءٍ منها ﴿فَتَكُونَ﴾ بذلك ﴿مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ أَنفساً وأعمالاً، والتعبيرُ بـ ((الخاسرين)) أظهرُ في التحذير من التعبير بالكافرين. وفائدةُ النهي في الموضعَين التهييجُ والإلهابُ نظير ما مرَّ، والمرادُ بذلك إعلامُ أنَّ الامتراءَ والتكذيبَ قد بلغا في القبح والمحذوريَّة إلى حيث ينبغي أنْ يُنھَى عنهما مَن لا يُمكن أنْ يتَّصف بهما، فكيف بمن يُمكن اتَّصافُه؟ وفيه قَطْعٌ لأَطماعِ الكفرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَهِمْ﴾ إلخ بيانٌ لمنشأ إصرار الكفرةِ على ما هم عليه من الكفر والضلالِ إلى حيث لا ينتفعون بالإيمان، أي: إنَّ الذين ثبتَتْ عليهم ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: حُكْمُه وقضاؤُه - المفسَّرُ عند الأشاعرة بإرادته تعالى الأزليةِ المتعلّقةِ بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال - بأنَّهم يموتون على الكفر أو يخلدون في النار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ إذ لا يُمكن أنْ يَنتقضَ قضاؤه سبحانه وتتخلَّف(١) إرادتُه جلَّ جلاله. (١) في الأصل: وتختلف. سُ ل ◌ُونِسَ ٢٩٦ الآية : ٩٧ - ٩٨ ﴿وَلَوْ جَمَّتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ﴾ واضحةِ المدلول مقبولةٍ لدى العقول ﴿حَتَّى يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾﴾ كالإغراق(١) ونحوه، وحينئذٍ يقال لهم: الصيفَ ضيَّعْتِ اللبنَ(٢). وفسَّر الزمخشريُّ الكلمةَ بقول الله تعالى الذي كَتَبه في اللوح وأَخَبَرَ سبحانه به الملائكة، أنَّهم يموتون كفاراً، وجَعَلَ تلك كتابةَ معلومٍ لا كتابَةً مقدَّرٍ ومراد (٣). ولا ضيرَ في تفسير الكلمة بذلك، إلا أنَّ جعْلَ الكتابةِ كتابةً معلومٍ لا كتابةَ مقدَّرٍ ومرادٍ مبنيٌّ على مذهب الاعتزال، والذي عليه أهلُ السُّنة أنَّ أفعَالَ العبادِ بأسرها معلومةٌ له تعالى ومرادةٌ، ولا يكونُ إلا ما أراده سبحانه، وعِلْمُه عزَّ شأنُه وإرادتُه متوافقان ولا تجوزُ المخالفةُ بينهما، ولا يتعلَّق علمُه سبحانه إلا بما عليه الشيءُ في نفسه، ولا يُريد إلَّا ما عَلِمَ، ولا يُقدِّر إلا ما يُريد، ولا جَبْرَ هناك ولا تَفْوِيضَ، ولكنْ أَمْرٌ بينَ أمَرَين. وفسَّره المولَى الكوراني في شرحه للمقدِّمات الأربع المذكورة في توضيح الأصول بأنَّ العبدَ مجبورٌ باختياره، وفصَّله بما لا مَزيدَ عليه، وبإثبات الاستعداد وأنَّه غيرُ مجعولٍ تَتَّضِحُ الحَجَّةُ البالغة، وبَسْطُ الكلامِ في علم الكلامِ، وقد تقدَّم بعضُ ما ينفع في هذا المقام، وإنْ أردتَ ما يطمئنُّ به الخاطرُ وتنشرحُ لَه الضمائر، فعليك برسائلٍ ذلكَ المولَى في هذا الشأن، فإنَّها واضحةُ المسالك في تحصيل الإيقان. ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ لتقرير هلاكهم، و((لولا)) هنا تَحضيضيَّة فيها معنى التوبيخ كهلًا، ومثلُها ما في قول الفرزدق(٤): تَعدُّون عَقْرَ النِّيبِ أفضَلَ مجدكم بني ضَوْطَرَى لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعا (٥) (١) في (م): الإغراق. (٢) يضرب لمن فرَّط في طلب الحاجة وقت إمكانها، ثم طلبها بعد فواتها، وينظر ما روى في قصته في جمهرة الأمثال ٥٧٥/١، والمستقصى ٣٢٩/١، ومجمع الأمثال ٦٨/٢، وفصل المقال في شرح کتاب الأمثال للبکري ص ٣٥٧. (٣) الكشاف ٢/ ٢٥٣. (٤) كذا ذكر المصنف، ومثله في الدر المصون ٢٦٨/٦، والصواب أنه لجرير على ما يأتي. (٥) ديوان جرير ٩٠٧/٢، والنقائض ٨٣٣/٢، ونسب للأشهب بن رميلة في مجاز القرآن ١/ ٥٢، = الآية : ٩٨ ٢٩٧ ڤُون) جّ: ((فهلَّا))(١)، والتوبيخ على ما تُقِل عن ويشهدُ لذلك قراءةُ أُبيِّ وابنٍ مسعود ـ السفاقسيِّ على تَرْك الإيمان المذكور بعدُ. و((كان)) كما اختاره بعضُ المحققين ناقصةٌ، وقولُه تعالى: ﴿قَرْيَةُ﴾ اسمها، وجملةُ قوله سبحانه: ﴿وَمَنَتْ﴾ خبرُها، وقولُه جلَّ شأنه: ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا﴾ معطوفٌ على الخبر، أي: فهلًّا كانت قريةٌ من القرى التي أُهلِكَتْ هلاكَ الاستئصال آمنَتْ قبل مُعاينة العذاب، ولم تُؤْخِّر إيمانَها إلى حين مُعايَنته كما أَخَّر فرعونُ إيمانَه، فنفعها ذلك بأنْ يقبلَه الله تعالى منها، ويكشفَ بسببه العذابَ عنها . وذهب السمينُ وغيرُه إلى أنَّها تامَّةٌ و((قريةٌ)) فاعلُها، وجملةُ (آمنَت)) صفةٌ و(نَفَعها)) معطوفةٌ عليها(٢). وتعقّب بأنَّه يلزم حينئذٍ أنْ يكونَ التحضيضُ والتوبيخُ على الوجود، مع أنَّه ليس بمراد. وأُجيبَ بأنَّه لا مانعَ من أنْ يكونَ التحضيضُ على الصفة، وحينئذٍ لا غبارَ على ما قيل. وأيّاً ما كان فالمرادُ بالقرية أهلُها مجازاً شائعاً، والقرينةُ هنا أظهرُ من أنْ تخفی. وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ كما قال الزجَّاجُ وسيبويه والكِسائيُّ وأكثرُ النحاةَ(٣)، أي: لكنْ قومَ يُونسَ ﴿لَمَّآ ءَامَنُواْ﴾ = وتفسير الطبري ٤٧٦/٢، والنكت والعيون ١/ ١٨٠، وأمالي ابن الشجري ٢٤٦/١ و٨٤/٢. قال البغدادي في خزانة الأدب ٥٩/٣: الصحيح أنه من قصيدة لجرير، لا خلاف بين الرواة أنها له. ورواية الديوان والنقائض: هلا، بدل: لولا. قوله: النيب، جمع ناب: وهي الناقة المسنَّة. وضوطرى: الرجل الضخم المليء الذي لا غَنَاء عنده. والكميّ: الشجاع المتكمي في سلاحه، والمعنى: تعدُّون عقر الإبل المسئَّة التي لا ينتفع بها ولا يرجى نسلها أفضل مجدكم، هلا تعدُّون قتل الشجعان أفضل مجدكم. (١) معاني القرآن للفراء ٤٧٩/١، والكشاف ٢/ ٢٥٤، والمحرر الوجيز ١٤٣/٣، والبحر ١٩٢/٥. (٢) الدر المصون ٢٦٨/٦. (٣) ومنهم الأخفش والفراء كما في البحر ١٩٢/٥، وقول سيبويه في الكتاب ٣٢٥/٢، وقول الزجاج في معاني القرآن ٣٤/٣. سُلَلُ نُونِسَ ٢٩٨ الآية : ٩٨ عندما رأوا أَمارتِ العذاب ولم يُؤْخِّروا إلى حلوله ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِيِ﴾ أي: الذلّ والهوان ﴿فِ اٌلْحَيَوْةِ الدُّنَا﴾ بعد ما أظلَّهم وكاد يَنزِلُ بهم ﴿وَمَتَعْنَهُ﴾ بمتاع الدنيا بعدَ كشْفِ العذاب عنهم ﴿إِلَ حِينِ ﴾﴾ أي: زمانٍ من الدهر مقدَّرٍ لهم في علم الله تعالی. ونُقِلَ عن ابن عباس أنَّ المراد: إلى يوم القيامة، فهم اليومَ أحياءٌ إلا أنَّ الله تعالى ستَرَهم عن الناس على حدٍّ ما يقال في الخضر عليه السلام، ورأيتُ في بعض الكتب ما يوافقُه، إلا أنَّه ذُكر فيه أنَّهم يظهرون أيامَ المهدي، ويكونون من جملة أنصاره ثم يموتون، والكلُّ مما لا صحةً له. وقال آخرون: الاستثناءُ متَّصلٌ، ويُراد من القرية أهلُها المشرفون على الهلاك، وقيل: العاصون، ويُعتبر النفيُ الذي يُشْعِرُ به التحضيض، وهو مشعرٌ بالأمرِ أيضاً ولذا جعلوه في حُكْمِه، إلا أنَّه لا يصحُ اعتبارُه على تقدير الاتِّصال، لِمَا يلزمه من كون الإيمان من المستَثْنَيْنَ غيرَ مطلوبٍ. وهو غیرُ مطلوبٍ بل فاسدٌ. وقيل: لا مانعَ من ذلك على ذلك التقدير؛ لأنَّ أهلَ القرى محضُوضُون على الإيمان النافعِ وليس قومُ يُونسَ محضوضين عليه لأنَّهم آمنوا. والذَّوقُ يأبى إلا اعتبارَ النفي فقط حالَ اعتبارِ الاتصال، ويكونُ قوله سبحانه: (لَمَّ ءَامَنُوا) استئنافاً لبيانِ نَفْعٍ إيمانهم. وقرئ: ((إلا قومُ)) بالرفع (١) على البدل من ((قرية)) المرادِ بها أهلُها، وأُيِّد بذلك القولُ بالاتِّصال واعتبار النفي؛ لأنَّ البدل لا يكونُ إلا في غير الموجَب، وخرَّجَ بعضُهم هذه القراءةَ على أنَّ ((إلا)) بمعنى ((غير))، وهي صفةٌ ظهَرَ إعرابُها فيما بعدَها كما في قوله على رأي: وكلُّ أخٍ مفارِقُه أخوه لَعَمْرُ أَبيكَ إلا الفرقدان(٢) وظاهرُ كلامهم أنَّ الاستثناء مطلقاً من ((قرية)»، وعن الزمخشري: أنَّه على (١) الكشاف ٢٥٤/٢، والبحر ١٩٢/٥، والدر المصون ٢٧٠/٦. (٢) نسب في الكتاب ٣٣٤/٢، والكامل ٤٤٤/٣ لعمرو بن معدي كرب، ونسبه الآمدي في المؤتلف والمختلف لحضرمي بن عامر، وسلف ٣٧٠/٣. الآية : ٩٨ ٢٩٩ سُؤَة ◌ُونَ الأوَّل من القرية (١)، لا من الضمير في ((آمنَتْ)). وعلّل بأنَّ المنقطع بمعنى ((لكن))، فيتوسَّط بين الكلامَين المتغايرَين، فلا يعتمد ما لا يستقلُّ، ولأنَّه لا مدخَل للوصف - أعني الإيمان - في المستثنَى منه، فالاستثناءُ عن أصل الكلام. وأما على الثاني فهو استثناءٌ من الضمير من حيث المعنى جعل في اللفظ منه أو من القرية؛ إذ لا فرْقَ في قولك: كان القومُ منطلقين إلا زيداً، بين جعلِهِ من الاسم أو من الضمير في الخبر؛ لأنَّ الحكم إنما يتمُّ بالخبر، وإنَّما الفرقُ في نحو: ضربتُ القومَ القائمين(٢) إلا زيداً، ثم قال: ونظيرُ هذا في الوجهين قولُه تعالى: ﴿إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْرٍ تُجْرِمِينَ * إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٩،٥٨] ووجْهُ ذلك ظاهرٌ. وفي ((الكشف)): أنَّ وجْهَ الشَّبه اختلافُ معنى الهلاكِ على الوجهين كاختلاف معنَى الإرسال هنالك على الوجهَين، وكأنَّه عنى بالهلاك المأخوذ قيداً في قوله: فهلَّا كانت قريةٌ من القرى التي أهلكناها، فتدبَّر. وفي ((يُونس)) لغات: تثليثُ النون مهموزاً وغيرَ مهموزٍ، والمتواترُ منها الضمُّ بلا همزٍ. وكان مِن قصة هؤلاء القوم على ما رُوي عن غير واحدٍ أنَّ يُونُسَ عليه السلام بُعثَ إلى أهل نِينَوَى من أرضَ الموصل، وكانوا أهلَ كفرٍ وشركٍ، فدعاهمٍ إلى الإيمان بالله تعالى وحدَه وتركٍ ما يعبدون من الأصنام، فأَبَوا عليه وكذَّبوه، فأخبرهم أنَّ العذابَ مُصبِّحُهم إلى ثلاثٍ، فلمَّا كانت الليلةُ الثالثة ذهبَ عنهم من جوف الليل، فلمَّا أصبحوا تغشَّاهم العذابُ، فكان فوقَ رؤوسهم ليس بينهم وبينه إلا قَدْرُ ثُلثَي ميلٍ، وجاء أنَّه غامَت السماءُ غَيْماً أسودَ هائلاً يُدخِّنُ دخاناً شديداً، فهبط حتى غَشِيَ مدينتهم واسودَتْ أَسِطِحَتُهم، فلمَّا أَيقَنوا بالهلاك طلبوا نبيَّهم فلم يجدوه، فخرجوا إلى الصحراء بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، ولبسُوا المسوحَ(٣) وأظهروا الإيمان والتوبة، وفَرَّقوا بين الوالدةِ وولدها من الناس والدوابِّ، فحنَّ البعضُ إلى البعض وعلَت الأصواتُ، وعَجُوا جميعاً وتضرَّعوا إليه (١) الكشاف ٢٥٤/٢ . (٢) في (م): العالمين. (٣) جمع مسح بوزن ملح، وهو اللباس، أي: لبسوا الألبسة الخلقة تذللاً. حاشية الشهاب ٥/ ٦١. سُولُونَ ٣٠٠ الآية : ٩٨ تعالى وأَخلَصُوا النيةَ، فَرِحِمَهم ربُّهم واستجابَ دعاءهم وكشَفَ عنهم ما نَزَل بهم من العذاب، وكان ذلك يومَ عاشوراءَ، وكان يومَ الجمعة. قال ابنُ مسعود: إنَّه بلَغَ من توبتهم أنْ تَرادُّوا المظالمَ فيما بينهم، حتى إنْ كان الرجلُ ليَأتي إلى الحجَرِ قد وُضِع أساسُ بنيانِ عليه، فيقْلَعُه ويردُّه إلى صاحبه. وجاء في روايةٍ عن قتادة: أنَّهم عُجُوا إلى الله تعالى أربعينَ صباحاً حتى كُشف ما نَزَل بهم. وأخرج أحمدُ في ((الزهد)) وابنُ جرير وغيرهما عن جيلان(١) قال: لمَّا غَشِيَ قومَ يُونسَ العذابُ مَشَوا إلى شيخ من بَقِيَّة علمائهم فقالوا: ما ترى؟ فقال: قولوا: يا حيُّ حينَ لا حيَّ، ويا حيُّ محيي الموتى، ويا حيُّ لا إله إلا أنت، فقالوها فكُشِفَ عنهم العذاب(٢) . وقال الفضيل بن عياض: قالوا: اللهمَّ إنَّ ذنوبَنا قد عَظُمَت وجلَّت وأنت أعظمُ وأجلُّ، فافعل بنا ما أنت أهلُه ولا تفعلْ بنا ما نحن أهله. وكان يونس عليه السلام إذا ذَهَب عنهم قعد في الطرق يَسألُ الخبرَ - كما جاء مرفوعاً - فمرَّ به رجلٌ، فقال له: ما فَعَلَ قومُ يونس؟ فحدَّثه بما صنعوا، فقال: لا أرجعُ إلى قومٍ قد كذبتُهم. وانطلقَ مُغاضِباً(٣)، حسبما قصَّه الله تعالى في غيرِ هذا الموضعِ مماً سيأتي (٤) إن شاء الله تعالى. وظاهرُ الآية يستدعي أنَّ القومَ شاهدوا العذابَ؛ لمكانٍ ((كَشَفْنا)»، وهو الذي يقتضيه أكثرُ الأخبار، وإليه ذهب كثيرٌ من المفسرين، ونفْعُ الإيمانِ لهم بعد المشاهدة من خصوصيَّاتهم، فإنَّ إيمان الكفَّار بعد مشاهدةٍ ما وُعِدُوا به إيمانُ (١) في الأصل: خيلان، وفي (م): ابن غيلان، والصواب ما أثبتناه. وهو جيلان بن فروة، أبو الجلد الجوني الأسدي البصري، روى عنه قتادة وأبو عمران الجوني، قال أحمد: أبو الجلد جيلان بن فروة ثقة. الثقات ١١٩/٤، والجرح والتعديل ٥٤٧/٢. (٢) الزهد ص ٤٤، وتفسير الطبري ٢٩٦/٢. (٣) أخرجه ابن مردويه من حديث عبد الله بن مسعود به، كما في الدر المنثور ٣١٧/٣. (٤) عند تفسير الآية (٨٧) من سورة الأنبياء.