النص المفهرس
صفحات 241-260
الآية : ٧٨ ٢٤١ سُولُونَ) وبالجملة: الحقُّ أنَّه (١) لا وجْهَ لذلك التجويز بوجهٍ، والانتصارُ له من الفضول كما لا يخفى. ﴿وَتَكُنَ لَكُمَا الْكِبِيَآءُ﴾ أي: الملكُ كما رُوي عن مجاهد، فهو مِن إطلاق الملزوم وإرادةِ اللازم. وعن الزجَّاج: أنَّه إنَّما سُمِّي الملكُ كبرياءً لأنَّه أكبرُ ما يُطلَبُ من أمر الدنيا(٢). وقيل: أي: العظمةُ والتكبُّر على الناس باستتباعهم. وقرأ حمادٌ ويحيى(٣) عن أبي بكر وزيد عن يعقوب: (يكون)) بالياء التحتانية(٤)؛ لأنَّ التأنيثَ غيرُ حقيقيٍّ مع وجود الفاصل. ﴿فِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ مصرَ، وقيل: أُريدَ الجنسُ، والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((تكون))، أو بالكبرياء، أو بالاستقرار في ((لكما)) لوقوعه خبراً، أو بمحذوفٍ وقَعَ حالاً من (الكبرياء)) أو من الضمير في ((لكما)) لتحمُّله إياه. ٨)﴾ أي: بمصدِّقین فیما جئتما به أصلاً، وفيه تأكيدٌ ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِينَ لِمَا يُفهم من الإنكار السابق، والمرادُ بضمير المخاطَبين موسى وهارونُ عليهما السلام، وإنَّما لم يُفرِدُوا موسى عليه السلام بالخطاب هنا كما أفردوه به (١) في (م): أن. (٢) معاني القرآن للزجاج ٢٩/٣. (٣) في الأصل و(م): حماد بن يحيى، وهو خطأ، وحماد هو ابن أبي زياد شعيب، أبو شعيب التميمي الحماني الكوفي، أخذ القراءة عرضاً عن عاصم، ولما مات عاصم قرأ على أبي بكر بن عياش، روى عنه القراءة عرضاً يحيى بن محمد العليمي وغيره، توفي سنة (١٩٠هـ)، أما يحيى فهو يحيى بن محمد، أبو محمد العليمي الأنصاري الكوفي، شيخ القراءة بالكوفة، أخذ القراءة عرضاً عن أبي بكر بن عياش وحماد بن أبي زياد عن عاصم، توفي سنة (٢٤٣هـ) قال الحافظ أبو عمرو في جامعه: رواية العليمي عن حماد عن عاصم، وعن أبي بكر عن عاصم سواء، واللفظ لهما واحد. طبقات القراء ٢٥٨/١ و٣٧٨/٢. والكلام من مجمع البيان ٧٨/١١، وقد جاء فيه: حماد ويحيى، على الصواب. (٤) مجمع البيان ٧٨/١١، وذكرها أبو عمرو الداني في جامع البيان ١٩٧/٢ عن عاصم في رواية حماد وفي رواية العليمي عن أبي بكر. ٢٤٢ الآية : ٧٩ - ٨٠ فيما تقدَّم لأنَّه المُشافِهُ بالتوبيخ والإنكار، تعظيماً لأمر ما هو أحدُ سبيبي الإعراض معنىً، ومبالغةً في إغاظةِ موسى عليه السلام وإقناطه عن الإيمان بما جاء به. وفي «إرشاد العقل السليم)): أنَّ تثنيةَ الضمير في هذين الموضعَين بعد إفراده فيما تقدَّم من المقامَين باعتبار شُمُول الكبرياء لهما عليهما السلام، واستلزامٍ التصديق لأحدهما التصديقَ للآخر، وأمَّا اللَّفتُ والمجيءُ له، فحیث کانا من خصائص صاحبِ الشريعة أُسند إلى موسى عليه السلام خاصَّةً(١). انتهى، فتدبّر. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ أُسْنِدَ الفعلُ إليه وحدَه؛ لأنَّ الأمر من وظائفه دون الملأ، وهذا بخلافِ الأفعال السابقة من الاستكبار ونحوه، فإنَّها مما تُسنَد إليه وإلى ملَئِهِ، لكنَّ الظاهر أنَّه غيرُ داخلٍ في القائلين: ((أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا)) لأنَّه عليه اللعنة لم يكن يُظهر عبادةَ أحدٍ كما كان يفعلُهُ مَلَؤه وسائرُ قومه، أي: قال لملَئِهِ يأمرهم بترتيب مبادي الإلزام بالفعل بعد اليأسِ عن الإلزام بالقول: ﴿أَثْتُونِ بِكُلِ سَحِرٍ عَلِيٍ ﴾﴾ بفنونِ السحر حاذقٍ ماهرٍ فيه. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((سخَّار))(٢). ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ يستدعيه المقامُ، قد حُذِف إيذاناً بسرعة امتثالهم للأمر، كما هو شأن الفاء الفصيحة، وقد نُصَّ على نظير ذلك في قوله سبحانه: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي: فَأَتَوا به فلمَّا جاؤوا ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنتُم مُلْقُونَ ﴾﴾ أي: ما ثبتُم واستقرَّ رأيُكم على إلقائه كائناً ما كان من أصناف (٣) السحر. وأصل الإلقاء: طرحُ الشيء حيث تلقاه، أي: تراه، ثم صار في العُرْف اسماً لكل طَرْحٍ، وكان هذا القولُ منه عليه السلام بعدَ ما قالوا له ما حُكيَ عنهم في السور الأُخَر مَن قولهم: ﴿إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَخْنُ الْمُلْفِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] ونحوِ ذلك، ولم يكن في ابتداء مجيئهم. (١) تفسير أبي السعود ١٦٩/٤. (٢) التيسير ص١١٢، والنشر ٢/ ٢٧٠، وهي قراءة خلف من العشرة. (٣) في (م): أصنف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٩/٤، والكلام منه. الآية : ٨١ ٢٤٣ سُؤَل ◌ُونِسَ و ((ما)) موصولةٌ والجملةُ بعدها صلةٌ والعائدُ محذوفٌ، أي: ملقون إيَّاه، ولا يخفَى ما في الإبهام من التحقير والإشعارِ بعدم المبالاة، والمرادُ أمرُهم بتقديم ما صمَّمُوا على فعله لَيَظْهَرَ إبطالُه، وليس المرادُ الأمرَ بالسحر والرضا به. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ ما أَلْقَوا من العصيِّ والحبال، واستَرْهَبوا الناس وجاؤوا بسحرٍ عظيم ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى﴾ غيرَ مكتَرثٍ بهم وبما صنعوا ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرِ﴾ ((ما)) موصولةٌ وقعَت مبتدأ، و((السحرُ)) خبره(١)، و((أل)) فيه للجنس، والتعريفُ لإفادة القصر إفراداً، أي: الذي جئتم به هو السحر لا الذي سمَّاه فرعون وملؤه من آيات الله تعالى سحراً، وهو للجنس، ونُقل عن الغراء أنَّ ((أل)) للعهد لتقدُّم (السحر)) في قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ)(٢). ورُدَّ بأنَّ شَرْطَ كونها للعهد اتِّحادُ المتقدِّم والمتأخِّر ذاتاً، كما في ﴿أَرْسَلْنَا إلَ فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥-١٦] ولا اتِّحادَ فيما نحن فيه، فإنَّ السحرَ المتقدِّم ما جاء به موسى عليه السلام، وهذا ما جاء به السحرةُ. ومِن الناس مَن مَنَع اشتراطَ الاتِّحاد الذاتيِّ مدَّعياً أنَّ الاتِّحاد في الجنس كافٍ، فقد قالوا في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىّ﴾ [مريم: ٣٣]: إنَّ ((أل)) للعهد، مع أنَّ السلام الواقعَ على عيسى عليه السلام غيرُ السلام الواقع على يحيى عليه السلام ذاتاً . والظاهرُ اشتراطُ ذلك وعدمُ كفاية الاتِّحاد في الجنس، وإلا لصحَّ في: رأيتُ رجلاً وأكرمتُ الرجلَ - إذا كان الأوَّلُ زيداً والثاني عمراً مثلاً - أنْ يقال: إنَّ (أل)) للعهد؛ لأنَّ الاتِّحاد في الجنس ظاهرٌ، ولم نجد مَن يقوله، بل لا أظنُّ أحداً تُحدِّثُه نفسُه بذلك، وما في الآية من هذا القبيل، بل المغايرةُ بين المتقدِّم والمتأخِّر أظهرُ، إذ الأولُ سحرٌ ادِّعائيٌّ والثاني حقيقيٍّ، و((السلام)) فيما نقلوا متَّحدٌ، وتعدُّدُ مَن وقَعَ عليه لا يجعلُه مُتعدِّداً في العرف، والتدقيقُ الفلسفيُّ لا يُلتَفَتُ إليه في مثل ذلك. (١) في (م): خبر: (٢) معاني القرآن المفراء ٤٧٥/١، وذكره عنه أبو حيان في البحر ١٨٣/٥، والسمين في الدر ٢٥٢/٦، والشهاب في الحاشية ٥/ ٥٢، والكلام منه. سُۈَادُونِسَ ٢٤٤ الآية : ٨١ وقد ذكر بعضُ المحقّقين(١) أنَّ القول بكون التعريفِ للعهد مع دعوى استفادةِ القصر منه مما يتنافيان؛ لأنَّ القصْرَ إنَّما يكون إذا كان التعريفُ للجنس، نعم إذا لم يُرَد بالنكرة المذكورة أولاً معيَّنٌ ثم عُرِّفَتْ لا ينافي التعريفُ الجنسيةَ؛ لأنَّ النكرة تُساوي تعريفَ الجنس، فحينئذٍ لا ينافي تعريفُ العهد القصرَ وإنْ كان كلامهم يُخالفُه ظاهراً، فليحرَّر. انتهى. وأقول: دعوى الفرَّاء العهدَ هنا مما لا ينبغي أنْ يُلتَفَت إليه، ولعله أراد الجنس وإنْ عَبَّر بالعهد، بناءً على ما ذكره الجلالُ السيوطي في ((همع الهوامع)) نقلاً عن ابن عصفور أنَّه قال: لا يَبعُدُ عندي أنْ يُسمَّى الألفُ واللامُ اللتان لتعريف الجنس عهديَّتَين؛ لأنَّ الأجناس عند العقلاء معلومةٌ مُذ فهموها، والعهد تقدُّمُ المعرفة. وادَّعى أبو الحجاج يوسف بن معزوز أنَّ ((أل)) لا تكون إلَّا عهديةً، وتأوَّله بنحو ما ذُكر(٢)، إلا أنَّ ظاهرَ التعليل لا يساعدُ ذلك. وقرأ عبد الله: ((سحرٌ)) بالتنكير(٣)، وأُبيّ: ((ما أتيتُم به سحرٌ))(٤)، والكلامُ على ذلك مفيدٌ للقصر أيضاً لكن بواسطة التعريض؛ لوقوعه في مقابلةٍ قولهم: (إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ). وجوِّز في ((ما)) في جميع هذه(٥) القراءات أنْ تكونَ استفهاميةً، و((السحرُ)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر: ((السحرُ)) بقطع الألف ومدِّها على الاستفهام(٦)، فـ ((ما)) استفهاميةٌ مرفوعةٌ على الابتداء، و((جئتُم به)) خبرُها، و((السحرُ)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأُ خبرُه محذوفٌ، أي: شيءٌ جسيمٌ جئتم به أهو السحرُ، أو: (١) هو الشهاب في الحاشية ٥/ ٥٢ . (٢) همع الهوامع ١/ ٣١٠، ويوسف بن معزور هو القيسي النحوي، أخذ العربية عن أبي إسحاق بن ملكون وأبي زيد السهيلي وغيرهما، وله: شرح الإيضاح للفارسي، والرد على الزمخشري في مفصَّله، وغير ذلك، توفي بمُرْسِية في حدود سنة (٦٢٥ هـ). بغية الوعاة ٢/ ٣٦٢. (٣) القراءات الشاذة ص٥٨، والبحر ١٨٣/٥. (٤) معاني القرآن للفراء ٤٧٥/١، وللنحاس ٢٦٤/٢، والبحر ١٨٣/٥. (٥) في (م): هذا. (٦) التيسير ص١٢٣، والنشر ٣٧٨/١. الآية : ٨٢ ٢٤٥ سُؤَل ◌ُونَ) السحر هو. وقد يُجعل ((السحر)) بدلاً من ((ما)) كما تقول: ما عندك أدينارٌ أم درهمٌ؟ وقد تُجعل (ما)) نصباً بفعلٍ محذوفٍ يقدَّر بعدَها، أي: أيَّ شيءٍ أَتيتُم(١)، و((جئتُم به)) مفسِّرٌ له، وفي ((السحر)) الوجهان الأوَّلان. وجوِّز أنْ تكونَ موصولةً مبتدأ، والجملةُ الاسميةُ - أي: أهو السحرُ، أو السِّحْرُ هو - خبرُه. وفيه الإخبارُ بالجملة الإنشائية، ولا يجوزُ أنْ تكون على هذا التقديرِ منصوبةً بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه المذكور؛ لأنَّ ما لا يعمل لا يُفسِّر عاملاً. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلٌ﴾ أي: سَيَمْحَقُه بالكلِّية بما يُظهرُه على يديَّ من المعجزة، فلا يبقَى له أثرٌ أصلاً، أو سيُظْهِرُ بطلانَه وفساده للناس، والسين للتأكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴾﴾ أي: جنسِهم على الإطلاق، فيدخلُ فيه السحرةُ دخولاً أوليّاً، ويجوز أنْ يُرادَ بالمفسدين المخاطَبون، فيكون مِن وَضْعِ الظاهر مَوضِعَ الضمير؛ للتسجيل عليهم بالإفساد، والإشعارِ بعلَّة الحكم. والجملةُ تذييلٌ لتعليل ما قبلها وتأكيدِهِ. والمرادُ بعدم إصلاحِ ذلك عدمُ إثباته أو عدمُ تقويته بالتأييد الإلهي، لا عدمُ جَعْلِ الفاسد صالحاً؛ لظهور أنَّ ذلك مما لا يكون، أي أنَّه سبحانه لا يُثبتُ عملَ المفسدين ولا يُديمه بل يُزيلُه ويَمحَقُه، أو: لا يُقوِّيه ولا يؤيِّدُه بل يُظهر بطلانَه ويجعلُه معلوماً. واستُدلَّ بالآية على أنَّ السِّحرَ إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقةً له، وأنت تعلمُ أنَّ في إطلاق القول بأنَّ السحرَ لا حقيقةً له بحثاً، والحقُّ أنَّ منه ما له حقيقةٌ، ومنه ما هو تخيُّلٌ باطلٌ ويسمَّى شَعْبَذَةً وَشَعوذَة. ﴿وَيُحِقُّ اَللَّهُ الْحَقَّ﴾ أي: يُثبِتُه ويُقوِّيه، وهو عطفٌ على قوله سبحانه: (سَيُبْطِلٌَّ) وإظهارُ الاسم الجليل في المقامَين لإلقاء الرَّوعَة وتربيةِ المهابة. ﴿بِكَلِمَتِهِ﴾ أي: بأوامره وقضاياه، وعن الحسن: أي: بوَعْدِه النصرَ لمن جاء به، وهو سبحانه لا يُخلف ذلك. وعن الجبائي: أي: بما يُنزلُه مبيّناً لمعاني الآيات التي أتى بها نبيُّه عليه السلام. (١) بعدها في (م): به. سؤالُلُونِسَ ٢٤٦ الآية : ٨٣ وقرئ: ((بكَلِمَته)) (١)، وفشِّرَت بالأمر واحدِ الأوامر حسبما فُسِّرت الكلماتُ بالأوامر، وأُريد منها الجنس، فيتطابق(٣) القراءتان. وقيل: يحتمل أنْ يُرادَ بها قولُ: ((كن))، وأنْ يُراد بها الأمر واحدُ الأمور، ويُراد بالكلمات الأمور والشؤون. ﴿وَلَوْ كَرِ الْمُجْرِمُونَ ﴾﴾ ذلك، والمرادُ بهم كلُّ مَن اتَّصف بالإجرام من السحرة وغيرهم. ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَى﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ فُصِّل في موضع آخر، أي: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥] إلخ، وإنَّما لم يُذْكَر تعويلاً على ذلك، وإيثاراً للإيجاز، وإيذاناً بأنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ مما لا يحتمل الخلفَ أصلاً. ولعل عظْفَه على ذلك بالفاء باعتبارِ الإيجاب الحادث الذي هو أحدُ مفهومي الحصر، فإِنَّهم قالوا: معنى ما قام إلا زيدٌ: قام زيدٌ ولم يقم غيرُه. وبعضُهم(٣) لم يعتبر ذلك وقال: إنَّ عظْفَه بالفاء على ذلك مع كونه عدماً مستمرًّا من قَبيل ما في قوله تعالى: ﴿وَأَّعُواْ أَفَ فِرْعَوْنٌ﴾ [هود: ٩٧] وما في قولك: وعظتُه فلم يَتَّعظ، و: صحْتُ به فلم يَنْزَجر، والسرُّ في ذلك أنَّ الإتيان بالشيءٍ بعد وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقلاعَ عنه وإنْ كان استمراراً عليه، لكنَّه بحسَب العنوان فِعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ، أي: فما آمن له عليه السلام في مبدأ أمرِهِ ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ أي: إلَّا أولادُ بعضٍ بني إسرائيل، حيث دعا عليه السلام الآباءَ فلم يُجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفةٌ من شبَّانهم، فالمرادُ من الذرية الشبانُ لا الأطفالُ. و(من)) للتبعيض، وجوِّز أنْ تكونَ للابتداء، والتبعيضُ مستفادٌ من التنوين، والضميرُ لموسى عليه السلام كما هو إحدى الروايتين عن ابن عباس . وأخرج ابنُ جرير عنه أنَّ الضميرَ لفرعون (٤)، وبه قال جمعٌ، فالمؤمنون من (١) القراءات الشاذة ص ٥٨، والبحر ١٨٣/٥. (٢) في الأصل: ليتطابق. (٣) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ١٧٠ . (٤) تفسير الطبري ٢٤٦/١٢ . الآية : ٨٣ ٢٤٧ سُورَةُكُونِسَ غير بني إسرائيل، ومنهم: زوجتُه آسية، وماشطتُه، ومؤمنُ آلٍ فرعونَ، والخازنُ وامرأتُهُ، وفي إطلاق الذريَّة على هؤلاء نوعُ خفاءٍ. ورجَّح بعضُهم إرجاعَ الضمير لموسى عليه السلام بأنَّه المحدَّثُ عنه، وبأنَّ المناسب على القول الآخرِ الإضمارُ فيما بعد. ورجَّح ابنُ عطية إرجاعَ الضمير لفرعون بأنَّ المعروف في القصص أنَّ بني إسرائيل كانوا في قهر فرعونَ، وكانوا قد بُشِّروا بأنَّ خَلاصَهم على يدِ مولودٍ يكونُ نبيّاً صفتُه كذا وكذا، فلمَّا ظهرَ موسى عليه السلام التَّبعوه، ولم يُعرَف أنَّ أحداً منهم خالفَه، فالظاهرُ القولُ الثاني(١). وما ذكر من أنَّ المحدَّث عنه موسى عليه السلام لا يخلو عن شيءٍ، فإنَّ لقائلٍ أنْ يقابِلَ ذلك بأنَّ الكلام في قوم فرعون؛ لأنَّهم القائلون: إنَّه ساحرٌ، ولأنَّ وَغْظَ أهلِ مكةَ وتخويفَهم المسوقَ له الآياتُ قاضٍ بأنَّ المقصودَ هنا شرحُ أحوالهم. وأنت تعلم أنَّ للبحث في هذا مجالاً، والمعروفُ بعد تسليم كونه معروفاً لا يضرُّ القولَ الأول؛ لأنَّ المراد حينئذٍ: فما أَظْهَرَ إيمانَه وأَعَلَنَ به إلا ذُريَّةٌ مِن بني إسرائيل دون غيرهم، فإنَّهم أَخفَوه ولم يظهروه. ﴿عَلَى خَوْفٍ﴾ حالٌ من ((ذرية))، و((على)) بمعنى ((مع))، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُّبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] والتنوينُ للتعظيم، أي: كائنين مع خوفٍ عظيم. ﴿مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلِيْهِمْ﴾ الضمير لـ ((فرعون))، والجمعُ عند غيرٍ واحدٍ على ما هو المعتادُ في ضمائر العظماء. ورُدَّ بأنَّ الوارد في كلام العرب الجمعُ في ضمير المتكلِّم كـ ((نحن)»، وضميرِ المخاطَب كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] وقوله: ألا فارْحَموني يا إلهَ محمدٍ(٢) ولم يُنقَل في ضمير الغائب، كما نُقل عن الرضي. (١) المحرر الوجيز ١٣٧/٣. (٢) الكشاف ٤٢/٣، والبحر ٤٢١/٦، وعزاه الشنقيطي في أصول البيان ٨٢١/٥ لحسان، وعجزه: فإن لم أكن أهلاً فأنتم له أهل. سُوَلُونَِّ ٢٤٨ الآية : ٨٣ وأُجيبَ بأنَّ الثعالبيَّ والفارسيَّ نَقَلاه في الغائب أيضاً، والمثبِتُ مقدَّمٌ على النافي. وبأنَّه لا يناسب تعظيمَ فرعون، فإنْ كان على زَعْمِه وزعم قومه فإنما يَحسُنُ في کلام ذُکر أنَّه محکیٍّ عنهم، ولیس فلیس. ويُجابُ بأنَّ المراد من التعظيم تنزيلُهُ منزلةَ المتعدِّد. وكونُه لا يُناسب في حيِّز المنع، لِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ مناسباً لِمَا فيه من الإشارة إلى مزيدِ عِظَمِ الخوفِ المتضمِّن زيادةَ مدحِ المؤمنين؟ وقيل: إنَّ ذلك واردٌ على عادتهم في محاوراتهم في مجرَّد جمعٍ ضمير العظماء وإنْ لم يُقصَد التعظيم أصلاً. فتأمَّله. وجوِّز أنْ يكونَ الجمعُ لأنَّ المراد من ((فرعون)) آلُه، كما يقال: ربيعةُ ومضرُ. واعتُرض عليه بأنَّ هذا إنما عُرِفَ في القبيلة وأبيها، إذ يُطلَق اسمُ الأب عليهم، وفرعونُ ليس من هذا القبيل، على أنَّه قد قيل: إنَّ إطلاق أبي نحو القبيلة عليها لا يجوزُ ما لم يُسمَع ويتحقَّق جَعْلُه عَلَماً لها، ألا تراهم لا يقولون: فلانٌ من هاشم، ولا من عبد المطّلب، بل: من بني هاشم وبني عبد المطلب، فکیف یُراد من فرعون آلُه ولم يتحقَّق فيه جَعْلُه عَلَماً لهم، ودعوى التحقِّقِ هنا أولُ المسألة، فالقولُ بأنَّ الجمعَ لأنَّ المراد به آله كربيعة ليس بشيءٍ، إلا أنْ يُراد أنَّ فرعونَ ونحوَه من الملوك إذا ذُكر خطَرَ بالبال(١) أتباعُه معه، فعاد الضميرُ على ما في الذهن، وتمثيلُه بما ذُكر لأنَّه نظيرُه في الجملة. ثَّ إِنَّه لا يخفَى أَنَّه إذا أُريدَ من فرعون آلُه ينبغي أنْ يُراد من ((آل فرعون)) فرعونُ وآلُّه على التغليب. وقيل: إنَّ الكلامَ على حذف مضافٍ، أي: آلِ فرعون، فالضميرُ راجعٌ إلى ذلك المحذوفٍ، وفيه أنَّ الحذفَ يَعتَمِدُ القرينةَ، ولا قرينةَ هنا، وضميرُ الجمعِ يحتمل رجوعه لغير ذلك المحذوفٍ كما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى، فلا يصلحُ (١) بعدها في (م): خطر، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٥٣/٥، والكلام منه. الآية : ٨٣ ٢٤٩ سُوَلا تُونس لِأَنْ يكونَ قرينةً، وأمَّا أنَّ المحذوفَ لا يعودُ إليه ضميرٌ - كما قال أبو البقاء(١) - فليس بذاك؛ لأنَّه إنْ أُرِيدَ أنَّه لا يعودُ إليه مطلقاً فغيرُ صحيح، وإنْ أُريدَ: إذا حذف القرينةٍ، فممنوعٌ؛ لأنَّه حينئذٍ في قوةِ المذكور، وقد كَثُر عوّدُ الضمير إليه كذلك في كلام العرب. وقريبٌ من هذا القيل زَعْمُ أنَّ هناك معطوفاً محذوفاً إليه يعودُ الضميرُ، أي: على خوفٍ من فرعونَ وقومه وملئهم. ويَرِدُ عليه أيضاً ما قيل: إنَّ هذا الحذفَ ضعيفٌ غيرُ مطّردٍ. وقيل: الضميرُ للذرِّيَّة أو للقوم، أي: على خوفٍ من فرعون ومن أشرافٍ بني إسرائيلَ، حيث كانوا يمنعونهم خوفاً من فرعون عليهم أو على أنفسهم، أو من أشراف القِبْطِ ورؤسائهم، حيث كانوا يَمنعونَهم انتصاراً لفرعون. ولعل المُنْسَاقَ إلى الذهن رجوعُه إلى الذرِّية، والجمعُ باعتبار المعنى(٢)، ويَؤُول المعنى إلى أنهم آمنوا على خوفٍ من فرعون ومن أشرافٍ قومهم. ﴿أَنْ يَفْئِنَهُمْ﴾ أي: يبتليَهم ويُعذِّبَهم، وأصلُ الفَتْن كما قال الراغب(٣): إدخالُ الذهب النارَ لِتَظْهَرَ جودَتُه من رداءتِه، واستُعمل في إدخال الإنسان النارَ كما في قوله سبحانه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. ويُسمَّى ما يحصُّل منه العذابُ فتنةً، ويُستَعمل في الاختبار، وبمعنى البلاءِ والشدَّةِ وهو المراد هنا. و((أَنْ)) وما بعدها في تأويل مصدرٍ وَقَع بدلاً من فرعون بدلَ اشتمالٍ، أي: على خوفٍ من فرعون فِتْنَتِهِ، ويجوز أنْ يكونَ مفعولَ ((خوفٍ)) لأنَّه مصدرٌ منثَّرٌ كَثُرَ إعمالُه. وقيل: إنَّه مفعولٌ له، والأصلُ: لأَنْ يَفْتِنَهم، فحُذِفَ الجارُّ، وهو مما يطَرد فيه الحذفُ، ولا يضرُّ في مثل هذا عدمُ اتِّحاد فاعل المصدر والمعلَّل به، على أنَّ مذهب بعضٍ الأئمة عدمُ اشتراط ذلك في جواز النصب، وإليه مال الرضي، وأَيَّده (١) في الإملاء ٢٤٧/٣. (٢) أي: لأن الذرية قوم، فهو مذكر في المعنى. الإملاء ٢٤٧/٣. (٣) في مفرداته (فتن). ٢٥٠ الآية : ٨٤ بما ذكرناه في حواشينا على ((شرح القطر)) للمصنف(١). وإسنادُ الفعل إلى فرعون خاصَّةً لأنَّه مدارُ أمر التعذيب، وفي الكلام استخدامٌ(٢) في رأيٍ، حيثُ أُريدَ من فرعون أولاً آلُه، وثانياً هو وحده، وأنت تعلم ما فيه. ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: لغالبٌ قاهرٌ في أرض مصرَ. واستعمالُ العلوِّ بالغلبة والقهر مجازٌ معروفٌ ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾﴾ أي: المتجاوزي الحدِّ في الظلم والفساد بالقتل وسفك الدماء، أو في الكِبْرِ والعُنوِّ حتى ادَّعى الربوبية، واستَرَقَّ أسباطَ الأنبياء عليهم السلام. والجملتان اعتراضٌ تذييليٍّ مؤكِّدٌ لمضمون ما سبَقَ، وفيهما من التأكيد ما لا يخفى. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمَّا رأى تخوُّفَ المؤمنين ﴿يَقَوْم إِن كُمْ ءَامَنُم ◌ِاللَّهِ﴾ أي: صدَّقُم به وبآياته ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَُّواْ﴾ أي: اعتمِدُوا لا على أحدٍ سواه، فإنَّه سبحانه كافيكم كلَّ شَرِّ وضرٍّ. ﴿إِن كُم مُسْلِمِينَ ﴾﴾ أي: مستسلمين لقضاء الله تعالى مُخْلِصينَ له، وليس هذا مِن تعليق الحُكم بشرطين، بل من تعليق شيئَين بشرطين؛ لأنَّه علَّق وجوبَ التوُّلِ المفهوم من الأمر وتقديم المتعلِّق بالإيمان، فإنَّه المقتَضي له، وعلَّق نفْسَ التوكّلِ ووجودِهَ بالإسلام والإخلاص؛ لأنَّه لا يتحقَّقُ مع التخليط، ونظيرُ ذلك: إنْ دعاك زيدٌ فأجبه إنْ قَدَرْتَ عليه، فإنَّ وجوب الإجابة معلَّقٌ بالدعوة، ونفسُ الإجابة(٣) معلَّقةٌ بالقُدرة، وحاصلُه: إنْ كنتُم آمنتم بالله فيجبُ عليكم التوكُّل عليه سبحانه، فافعلوه واتَّصِفوا به إنْ كنتُم مستسلمين له تعالى. وهذا النوع على ما في: ((الكشف)) يُفيدُ مبالغةً في تَرتُّب الجزاءِ على الشرط، على نحو: إنْ دخلتِ الدارَ فأنت طالقٌ إنْ كُنْتِ زوجتي. وجعَلَه بعضُهم من باب التعليق بشرطين، المقتضي لتقدُّم الشرط الثاني على الأول في الوجود حتى لو قال: إنْ كلَّمْتِ زيداً فأنتِ طالقٌ إنْ داخلت الدار، لم (١) يعني ابن هشام، وله قطر الندى وشرحه. ينظر كشف الظنون ١٣٥٣/٢. (٢) هو أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مراداً أحدُ معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به المعنى الآخر. وقيل في تعريفه غير ذلك. ينظر الإتقان ٢/ ٩٠١. (٣) في الأصل و(م): الدعوة، وهو خطأ، والمثبت من حاشية الشهاب ٥/ ٥٤، والكلام منه. الآية : ٨٥ - ٨٦ ٢٥١ سُؤَةٌ يُونِسَ تَطلُق ما لم تَدخُل قبل الكلام؛ لأنَّ الشرطَ الثاني شرطٌ للأوَّل، فيلزَمُ تقدُّمُه عليه. وقَرَّرَه بأنَّ ها هنا ثلاثةَ أشياء: الإيمانُ والتوُّلُ والإسلامُ، والمرادُ بالإيمان التصديقُ، وبالتوُّل إسنادُ الأمورِ إليه عزَّ وجل، وبالإسلام تسليمُ النفس إليه سبحانه وقطعُ الأسباب، فِعلَّقَ التوُّل بالتصديق بعدَ تعليقِهِ بالإسلام؛ لأنَّ الجزاء معلّقٌ بالشرط الأوَّل وتفسيرٌ للجزاء الثاني، كأنه قيل: إنْ كنتُم مصدِّقين بالله تعالى وآياته فخُصُّوه سبحانه بإسناد جميع الأمورِ إليه، وذلك لا يتحصَّل إلا بعد أنْ تكونوا مخلصين لله تبارك وتعالى، مستسلمين بأنفسكم له سبحانه، ليس للشيطان فيكم نصيبٌ، وإلا فاتركوا أمرَ التوكل. ويُعلم منه أنْ ليس لكلِّ أحدٍ من المؤمنين الخوضُ في التوكُّل، بل للآحاد منهم، وأنَّ مقام التوُّل دون مقامِ التسليم، والأكثرُ على الأول ولعله أدقُّ نظراً. ﴿فَقَالُواْ﴾ مجيبين له عليه السلام من غير تلعثُم وبلعِ ريقٍ في ذلك ﴿عَلَى اللّهِ تَوَكَّنَا﴾ لا على غيره سبحانه، ويُؤخذ من هذا القصرِ والتعبيرِ بالماضي دون: نتوَّلُ، أنَّهم كانوا مخلصين، قيل: ولذا أُجيبَ دعاؤهم ﴿رَبََّا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ اُلَّالِمِينَ ﴾﴾ أي: موضعَ فتنةٍ وعذابٍ لهم، بأنْ تسلّطهم علينا فيُعذِّبونا أو يفتنونا عن ديننا، أو يُقْتَنوا بنا ويقولوا: لو كان هؤلاء على الحقِّ لَمَا أُصيبوا. ﴿وَجْنَا بِرَحْتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ دعاءٌ بالإنجاء من سوء جوارهم(١) وسوء صنيعهم بعد الإنجاء من ظلمهم، ولذا عبَّر عنهم بالكفر بعد ما وُصِفُوا بالظلم، ففيه وضعُ المظهَرِ موضعَ المضمر، وجوِّز أنْ يُراد من ((القوم الظالمين)): الملأ الذين تخوَّفوا منهم، ومن ((القوم الكافرين)) ما يعمُّهم وغيرهم. وفي تقديم التوكُّل على الدعاء - وإنْ كان بياناً لامتثال أمر موسى عليه السلام لهم به - تلويحٌ بأنَّ الداعي حقُّه أن يبنيَ دعاءَه على التوكل على الله تعالى، فإنَّه أَرجَى للإجابة. ولا يُتوهَّمَنَّ أنَّ التوكُّل منافٍ للدعاء؛ لأنَّه أحدُ الأسباب للمقصود والتوكلُ قطعُ الأسباب؛ لأنَّ المرادَ بذلك قطعُ النظر عن الأسباب العادية، وقصرُه على (١) في الأصل: جورهم، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٧١/٤، والكلام منه. سُولُلُونِسَ ٢٥٢ الآية : ٨٧ مسبِّبها عزَّ وجل، واعتقادُ أنَّ الأمر مربوط بمشيئته سبحانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن. وقد صرَّحوا أنَّ الشخصَ إذا تعاطى الأسباب معتقداً ذلك يُعَدُّ متوكّلاً أيضاً. ومثلُ التوُّل في عدم المنافاة للدعاء - على ما تُشعر به الآية - الاستسلامُ. نعم في قول بعضهم: إنَّ الاستسلام من صفات إبراهيم عليه السلام، وكان من آثاره تَركُ الدعاءِ حين أُلقيَ في النار، واكتفاؤه عليه السلام بالعلم المشار إليه بقوله: ((حسبي من سؤالي علمُه بحالي))(١)، ما يُشعرُ بالمنافاة، ومَن عَرَف المقامات وأَمعَنَ النظر هان عليه أمرُ الجمع. ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوََّا﴾ ((أنْ)) مُفسِّرة؛ لأنَّ في الوحي معنى القول، ويحتمل أنْ تكونَ مصدريَّةً. والتبوُّؤ اتِّخاذُ المباءة، أي: المنزل، كالتَّوَتُن: اتِّخاذُ الوطن. والجمهورُ على تحقيق الهمزة، ومنهم مَن قرأ: («تَبوَّيَا لقومكما بمصر بيوتاً» فجعلها ياءً(٢)، وهي مبدلةٌ من الهمزة تخفيفاً. والفعلُ - على ما قيل - مما يتعدَّى لواحدٍ، فيقال: تبوََّ زيدٌ كذا، لكنْ إذا دخلت اللام على الفاعل فقيل: تبوَّأ لزيدٍ كذا، تعدَّى لِمَا كان فاعلاً باللام فيتعدَّى لائنَين، وخُرِّجت الآية على ذلك، فـ (لقومكما)) أحدُ المفعولَين. وقيل: هو متعدٍّ لواحدٍ، و((لقومكما)) متعلّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ حالاً من البيوت. واللام على الوجهَين غيرُ زائدةٍ. وقال أبو عليٍّ (٣): هو متعدٍّ بنفسه لاثنين واللام زائدةٌ، كما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ [النمل: ٧٢] وفعَّل وتَفَعَّل قد يكونان بمعنَى، مثل: علَّقتُها وتَعلَّقتها. والتقدير: بوِّئا قومَكما بيوتاً يَسكنُون فيها، أو يرجعون إليها للعبادة. (١) ذكره ابن عراق في تنزيه الشريعة ١/ ٢٥٠ بلفظ: علمه بحالي يغني عن سؤالي، وقال: قال ابن تيمية: موضوع. (٢) ذكرها أبو حيان في البحر ١٨٦/٥ عن حفص، ولم تثبت عنه من طريق صحيح، كما في البدور الزاهرة ص ١٥٠. (٣) كما في حاشية الشهاب ٥٥/٥ . الآية : ٨٧ ٢٥٣ سُوءَةُونس و((مصر)» غيرُ منصرفٍ؛ لأنَّه مؤنث (١) معرفة، ولو صَرَفْتَه لخِفَّتِه كما صرفْتَ (هنداً)) لكان جائزاً. والجارُّ متعلِّقٌ بـ ((تبوء!)). وجوِّز أنْ يكون حالاً من ((بيوتاً))، أو من ((قومكما))، أو من ضمير الفاعل في ((تبؤَّءا)) وفيه ضعفٌ. ﴿وَأَجْعَلُوا﴾ أنتما وقومَكما، ففيه تغليبُ المخاطَب(٢) على غيره ﴿يُوْتَكُمْ﴾ تلك، فالإضافة للعهد ﴿قِبْلَةٌ﴾ أي: مصلَّى، وقيل: مساجدَ متوجِّهةً نحو القبلة يعني الكعبةَ، فإنَّ موسى عليه السلام كان يصلِّي إليها. وعلى التفسيرَين تكونُ القبلة مجازاً فيما فُسِّرَت به بعلاقة اللزوم، أو الكلِّيَّة والجزئيَّة، والاختلافُ في المراد هنا ناظرٌ للاختلاف في أنَّ تلك البيوت المتَّخَذة هل للسكنَى أو للصلاة؟ فإنْ كان الأول فالقبلة مجازٌ عن المصلَّى، وإنْ كان الثاني فهي مجازٌ عن المساجد. واعترض القولُ بحمل القبلة على المساجد المتوجِّهةِ إلى الكعبة بأنَّ المنصوص عليه في الحديث الصحيح أنَّ اليهود تستقبلُ الصخرةَ، والنصارى مطلع الشمس(٣)، ولم يَشتهر أنَّ موسى عليه السلام كان يستقبل الكعبةَ في صلاتِهِ، فالقولُ به غريب. وأَغربُ منه ما قاله العلائيُّ: من أنَّ الأنبياء عليهم السلام كانت قبلتُهم كلّهم الكعبةَ. قيل: وجَعْلُ البيوتِ مصلَّى يُنافيه ما في الحديث: ((جُعِلَت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً))(٤) من أنَّ الأمم السالفة كانوا لا يُصلَّون إلا في كنائسهم. وأُجيبَ عن هذا بأنَّ محلَّه إذا لم يُضْطِرُّوا جازَت لهم الصلاة في بيوتهم، كما رُخِّصَ لنا صلاةُ الخوف، فإنَّ فرعونَ لعنه الله تعالى خرَّب مساجدهم ومنعهم من الصلاة، فأوحي إليهم أنْ صلُّوا في بيوتكم، كما روي عن ابن عباس وابن جبير. وقد يقال: إنَّه لا منافاةً أصلاً، بناءً على أنَّ المراد تعيينُ البيوت للصلاة، وعدم صحَّة الصلاة في غيرها، فيكون حُكمها إذ ذاك حُكمَ الكنائس اليومَ، وما هو (١) في الأصل: لأنه علم مؤنث. (٢) في الأصل: المخاطبين. (٣) حاشية الشهاب ٥/ ٥٥ . (٤) قطعة من حديث أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) عن جابر طائه. سُوَاُ لُونَ ٢٥٤ الآية : ٨٧ من الخصائص صحة الصلاة في أيِّ مكانٍ من الأرض وعدمُ تعيُّنِ موضعٍ منها لذلك، فلا حاجةَ إلى ما يقال من أنَّ اعتبارَ جَعْلِ الأرضِ كلِّها مسجداً خصوصيةٌ بالنظر إلى ما استقرَّت عليه شريعةُ موسى عليه السلام من تعيُّنِ الصلاة في الكنائس وعدمٍ جوازها في أيِّ مكانٍ أراده المصلِّي من الأرض. وما تقدَّم من استقبال اليهود الصخرةَ فالمشهورُ أنَّه كان في بيت المقدس، وأما قبلُ بعد(١) نزول التوراة فكانوا يستقبلون التابوت، وكان يُوضعُ في قبة موسى عليه السلام، على أنَّه قد قيل: إنَّ الاستقبال في بيت المقدس كان للتابوت أيضاً، وكانوا يضعونه على الصخرة، فيكون استقباله استقبالَها. وأما استقبالُهم في مصر فيحتمل أنَّه كان للكعبة كما روي عن الحسن، وما في الحديث محمولٌ على آخِر أحوالهم، ويحتملُ أنَّه كان للصخرة حَسْبَما هو اليوم، ويحتمل غيرَ ذلك، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال. وقيل: معنى ((قبلة)): متقابلة، ورواه ابنُ أبي حاتم عن ابن عباسٍ ﴾(٢)، أي: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضُها بعضاً ﴿وَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ﴾ فيها، قيل: أُمروا بذلك في أول أَمرِهم لئلا يظهرَ عليهم الكفرةُ فيؤذونهم ويفتنونهم في دينهم. وهو مبنيٌّ على أنَّ المراد بالبيوت المساكنُ، أمَّا لو أُريدَ بها المساجدُ، فلا يصحُّ كما لا يخفى، ولعلَّ التوجيهَ على ذلك هو أنَّهم أُمروا بالصلاة ليَستعينُوا ببرَكَتها على مقصودهم، فقد قال سبحانه: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وهي في المساجد أفضلُ، فتكون أَرجَى للنفع. ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ بحصول مقصودهم، وقيل: بالنُّصرَة في الدنيا إجابةً لدعوتهم والجنةِ في العُقبَى. وإنما ثَنِّي الضميرُ أولاً لأنَّ التبوُّءَ للقوم واتِّخاذَ المعابد مما يتولَّاه رؤساء القوم بَتشاؤُرٍ، ثم جُمِعَ ثانياً لأنَّ جَعْلَ البيوت مساجدَ والصلاةَ فيها مما يفعلُه كلُّ أحدٍ، مع أنَّ في إدخال موسى وهارون عليهما السلام مع القوم في الأمرَين المذكورين (١) قوله: بعد، ليس في الأصل. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦ / ١٩٧٧ . الآية : ٨٨ ٢٥٥ ترغيباً لهم في الامتثال، ثم وُحِّد ثالثاً لأنَّ بشارةَ الأمة وظيفةُ صاحب الشريعة، وهي من الأعظم أَسَرُّ وأوقعُ في النفس. ووُضع ((المؤمنين)) موضعَ ضميرٍ القومِ لمدحهم بالإيمان، وللإشعار بأنَّه المدارُ في التبشير. ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَاَهُ زِينَةُ﴾ أي: ما يُتزيّن به من اللباس والمراكب ونحوِها، وتُستعمل مصدراً، ﴿وَأَقْوَلًا﴾ أنواعاً كثيرةً من المال، كما يُشعر به الجمعُ والتنوينُ، وذِكْرُ ذلك بعد الزينة من ذِكرِ العامِّ بعد الخاصِّ للشمول، وقد يُحمَل على ما عداه بقرينة المقابلة، وفسَّر بعضُهم الزينة بالجمال وصحَّةِ البدن وطولِ القامة ونحوه. وفِى الْخَيَّوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلٌِ﴾ أي: لكي يُضلُّوا عنها، وهو تعليلٌ للإيتاء السابق، والكلامُ إخبارٌ من موسى عليه السلام بأنَّ الله تعالى إنما أمدَّهم بالزينة والأموال استدراجاً ليزدادوا إثماً وضلالةً، كما أَخبرَ سبحانه عن أمثالهم بقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا نُعْلِى لَهْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأَ﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وإلى كون اللام للتعليل ذهب الفرَّاء (١)، والظاهرُ أنَّه حقيقةٌ، فيكونُ ذلك الضلال مرادَ الله تعالى، ولا يلزم ما قاله المعتزلة من أنَّه إذا كان مراداً يلزم أن يكونوا مُطيعين به بناءً على أنَّ الإرادة أمرٌ أو مستلزِمٌ له، لِمَا أنَّه قد تَبَيَّن بُطلانُ هذا المبنى في الكلام. وقدَّر بعضُهم حَذَراً من ذلك: لئلا يضلُّوا، كما قدَّر في ﴿شَهِدْنَّأُ أَن تَقُولُواْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: ألَّا(٢) تقولوا، ولا حاجةَ إليه. وقيل: إنَّ التعليل مجازيٌّ؛ لأنَّهم لمَّا ضلُّوا بسبب ذلك جُعِلَ إيتاؤه كأنَّه للضلال، فيكون في اللام استعارةٌ تبعيّةٌ. وقال الأخفشُ(٣): اللام للعاقبة. فيكون ذلك إخباراً منه عليه السلام - لممارسته لهم وتَفرُّسِه بهم، أو لعلمهم بالوحي(٤) على ما قيل - بأنَّ عاقبةَ ذلك الإيتاء (١) في معاني القرآن ١/ ٤٧٧ . (٢) في (م): شهدنا ألا . (٣) في معاني القرآن ٥٧٣/٢ . (٤) كذا في الأصل و(م)، والصواب: لعلمه بالوحي. ٢٥٦ الآية : ٨٨ الضلالُ. والفرقُ بين التعليل المجازيِّ وهذا - إنْ قلنا بأنَّه معنىّ مجازيٌّ أيضاً - أنَّ في التعليل ذكرُ ما هو سببٌ، لكن لم يكن إيتاؤه لكونه سبباً، وفي لام العاقبة لم يُذكَر سببٌ أصلاً، وهي كاستعارة أحد الضِّدَّين للآخر. وقال ابنُ الأنباريِّ: إنَّها للدعاء، ولا مَغمزَ على موسى عليه السلام في الدعاء عليهم بالضلال، إمَّا لأنَّه عليه السلام عَلِمَ بالممارسة ونحوها(١) أنَّه كائنٌ لا محالةً فدعا به، وحاصله أنَّه دعاءٌ بما لا يكون إلا ذلك، فهو تصريحٌ بما جَرَى قضاء الله تعالى به، ونحوُهُ: لَعَن الله تعالى الشيطان. وإمَّا لأنَّه ليس بدعاءٍ حقيقةً، وليس النظر إلى تَنْجيز المسوؤلِ وعدمه، بل النظرُ إلى وَصْفهم بالعتوِّ وإبداء(٢) عذرِه عليه السلام في الدعوة، فهو كنايةٌ إيمائيةٌ على هذا. وما قيل: هذا شهادةٌ بسوء حالهم بطريق الكناية في الكناية؛ لأنَّ الضلال رَدِيفُ الإضلال، وهو مَنعُ اللَّطفِ، فكنى بالضلال عن الإضلال، والإضلالُ رَدِيفُ كونهم كالمطبوع عليهم، فكان هذا كشفاً وبياناً لحالهم بطريق الكناية، فهو - على ما فيه - شيءٌ عنه غنىّ؛ لأنَّ الطبع مصرَّحٌ به بعدُ، بل النظرُ ها هنا إلى الزبدة والخلاصةِ من هذه المطالب كلِّها . ويُشعر كلام الزمخشريِّ باختيار كونها للدعاء(٣). وفي ((الانتصاف)): أنَّه اعتزالٌ أدقُّ من دبيب النمل، يكادُ الاطلاعُ عليه يكون كشفاً، والظاهر أنها للتعليل (٤). وقال صاحبُ ((الفرائد))(٥): لولا التعليلُ لم يتّجه قوله: (إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً) ولم ينتظم. وأُورِدَ عليه أيضاً أنَّه يُنافي غرضَ البعثة، وهو الدعوةُ إلى الإيمان والهُدَى. ولا يخفى أنَّ دفع هذا يُعلم مما قدمنا آنفاً . (١) في (م): أو نحوها. (٢) في (م): وإيلاء. (٣) الكشاف ٢/ ٢٥٠. (٤) الانتصاف ٢/ ٢٥٠. (٥) كما في حاشية الشهاب ٥٥/٥، والكلام منه. الآية : ٨٨ ٢٥٧ سُؤَةُ يُونِسَرَ وأمَّا وجهُ انتظام الكلام فهو كما قال غيرُ واحدٍ: إنَّ موسى عليه السلام ذَكَر قوله: ((إنك آتيت)) إلخ تمهيداً للتخلّص إلى الدعاء عليهم، أي: إنَّك أَوْلَيتَهم هذه النعمةَ ليعبدوك ويشكروك فما زادهم ذلك إلا طغياناً وكفراً، وإذا كانت الحال هذه فَلْيُضِلُّوا عن سبيلك، ولو دعا ابتداءً لم يحسُن، إذ ربما يُعذَر، فقدَّم الشِّكايةَ منهم والنعْيَ بسوء صنيعهم ليتسلَّقَ منه إلى الدعاء، مع مراعاةٍ تلازُمِ الكلام من إيراد الأدعية منسوقةً نسقاً واحداً، وعدم الاحتياج إلى الاعتذار عن تكرير النداء كما احتاج القول بالتعليل إلى الاعتذار عنه بأنَّه للتأكيد وللإشارة إلى أنَّ المقصود عرضُ ضلالهم وكُفرانهم تقدمةً للدعاء عليهم بعدُ. وادَّعى الطيبي: أنَّه لا مجالَ للقول بالاعتراض؛ لأنَّه إنَّما يحسُن موقعُه إذا التََّّت النفسُ بسماعه، ولذا عِيْبَ قولُ النابغة: لعلَّ زياداً لا أبا لكَ غافلٌ(١) وفي كلامه مَيلُ إلى القول بأنَّ اللام للدعاء، وهو لَدَى المنصفِ خلافُ الظاهر، وما ذكروه له لا يُقيده ظهوراً. وقرئ: ((ليضلوا)) بضم الياء وفتحها(٢). ﴿رَبَّا أَطْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ﴾ أي: أَهْلِكُها كما قال مجاهد، فالطَّمْسُ بمعنى الإهلاك، وفِعْلُه من باب ضَرَبَ ودَخَل، ويَشهدُ له قراءةُ: ((اطمُس)) بضم الميم (٣)، ويتعدَّى ولا يتعدَّى. وجاء بمعنى مَحْوِ الأثر والتغيير، وبهذا فسَّره أكثرُ المفسِّرين؛ قالوا: المعنى: ربَّنا غيِّرها عن جهةِ نَفْعها إلى جهةٍ لا يُنْتَفَعُ بها . وأنت تعلم أنَّ تغييرَها عن جهة نَفْعها إهلاكٌ لها أيضاً، فلا يُنافي ما أخرجه ابنُ (١) وصدره: يقول رجال ينكرون خليقتي، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص٨٩، وزياد هو اسم النابغة. (٢) قرأ بضم الياء عاصم وحمزة والكسائي وخلف، والباقون بفتحها. التيسير ص١٠٦، والنشر ٢٦٢/٢. (٣) القراءات الشاذة ص٥٨، والكشاف ٢/ ٢٥٠، والبحر ١٨٧/٥. الآية : ٨٨ ٢٥٨ أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضَّحاك أنَّه بعد هذا الدعاء صارَت دراهمُهم ودنانيرهم ونحاسُهم وحديدُهم حجارةً منقوشةٌ (١). وعن محمد القُرظيِّ قال: سألني عمر بنُ عبد العزيز عن هذه الآية فأخبرتُه أنَّ الله تعالى طمَسَ على أموال فرعونَ وآلٍ فرعونَ حتى صارت حجارةً، فقال عمرُ: مكانَكَ حتى آتيَكَ، فدعا بكيسٍ مختوم ففكّه، فإذا فيه البيضةُ مشقوقةٌ وهي حجارةٌ، وكذا الدراهمُ والدنانيرُ وأشباه ذلكٌ(٢). وفي روايةٍ عنه أنَّه صار سكّرُهم حجارةً، وأنَّ الرجل بينما هو مع أهله إذ صارا حجرَيَن، وبينما المرأةُ قائمة تَخِزُ إذ صارت كذلك. وهذا مما لا يكادُ يصحُّ أصلاً، وليس في الآية ما يُشيرُ إليه بوجهٍ. وعندي أنَّ أخبارَ تغيير أموالهم إلى الحجارة لا تخلو عن وهنٍ، فلا يعوَّل عليها، ولعلَّ الأَوْلَى أنْ يُراد من طَمْسها إتلافُها منهم على أتمٍّ وجهٍ، والمرادُ بالأموال ما يشملُ الزينةَ من الملابس والمراكب وغيرها . ﴿وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: اجعلها قاسيةً واطبَعْ عليها حتى لا تنشرحَ للإيمان، كما هو قضيَّةُ شأنهم ﴿فَلَا يُؤْمِنُواْ﴾ جوابٌ للدعاء، أعني ((اشدُد)) دون ((اطمِسْ))، فهو منصوبٌ، ويحتمل أنْ يكونَ دعاءً بلفظ النهي نحو: إلهي لا تعذبني، فهو مجزومٌ، وجوِّز أنْ يكون عطفاً على ((ليضلوا))، وما بينهما دعاءٌ معترضٌ، فهو حينئذٍ منصوبٌ أو مجزومٌ حسبما علمتَ من الخلاف في اللام. ﴿حَ بَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ◌َ﴾﴾ أي: يُعاينوه ويُوقنوا به بحيث لا ينفعُهم ذلك إذ ذاك، والمرادُ به جنسُ العذاب الأليم. وأخرج غيرُ واحدٍ عن ابن عباس تفسيرَه بالغرق. واستدلَّ بعضُهم بالآية على أنَّ الدعاء على شخصٍ بالكفر لا يُعدُّ كفراً، إذا لم يكن على وجه الاستيجاز والاستحسان للكفر بل كان على وجه التمنِّ لينتقمَ الله (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٩٧٩/٦، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ٣١٥/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ٢٦٦/١٢. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٩٧٩/٦، وعزاه السيوطي في الدر ٣/ ٣١٥ لابن المنذر وأبي الشيخ. الآية : ٨٨ ٢٥٩ سُؤَدَلُّ دُونَ تعالى من ذلك الشخص أشدَّ انتقام، وإلى هذا ذهب شيخُ الإسلام خواهر زاده(١)، فقولهم: الرضا بكفرِ الغير كفرٌ، ليس على إطلاقه عنده، بل هو مقيَّدٌ بما إذا كان على وجه الاستحسان، لكنْ قال صاحب ((الذخيرة)): قد عثرنا على روايةٍ عن أبي حنيفة ﴿به أنَّ الرضا بكفر الغير كفرٌ، من غير (٢) تفصيلٍ، والمنقولُ عن عَلَمِ الهدى أبي منصور الماتريديِّ التفصيلُ، ففي المسألة اختلافٌ. قيل: والمعوَّلُ عليه أنَّ الرضا بالكفر من حيث إنَّه كفرٌ كفرٌ، وأنَّ الرضا به لا مِن هذه الحيثيةِ بل من حيثية كونِهِ سبباً للعذاب الأليم، أو كونِهِ أثراً من آثار قضاء الله تعالى وقَدَره مثلاً ليس بكفرٍ، وبهذا يَندفعُ التنافي بين قولهم: الرِّضا بالكفر كفرٌ، وقولهم: الرضا بالقضاءِ واجبٌ، بناءً على حَمْل القضاء فيه على المقضيِّ، وعلى هذا لا يتأتَّى ما قيل: إنَّ رضا العبدِ بكفر نفْسِه كفرٌ بلا شبهةٍ على إطلاقه، بل يجري فيه التفصيلُ السابق في الرضا بكفر الغير أيضاً . ومن هذا التحقيقِ يُعلَم ما في قولهم: إنَّ مَن جاءه كافرٌ ليسلم فقال له: اصبر حتى أتوضَّأ، أو أخَّره، يَكفرُ لرضاه بكفره في زمانٍ من النظر، ويؤيِّدُه ما في الحديث الصحيح في فتح مكة، أنَّ ابنَ أبي سرح أتَى به عثمانُ ◌َبه إلى النبيِّ ◌َّ﴿ وقال: يا رسول الله بايعْهُ. فكفَّ ◌َّه يدَه عن بيعته، ونَظَر إليه ثلاثَ مراتٍ، كلُّ ذلك يأبى أنْ يُبايعَه، فبايعه بعد الثلاث، ثم أَقبَلَ نَِّ على أصحابه فقال: ((أما كان فيكم رجُلٌ رشيدٌ يقومُ إلى هذا حيثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدي عن بَيْعتِهِ فَيَقْتُلَهُ؟» قالوا: وما يُدرينا يا رسولَ الله ما في نفسك، ألا أَومأت إلينا بعَينِكَ. فقال عليه الصلاة والسلام: (إنَّه لا يَنْبغي لنبيِّ أنْ يكونَ لهُ خَائنةُ أَعْيُنٍ)). وقد أخرجه ابنُ أبي شيبة وأبو داود والنسائيُّ وابنُ مردويه عن سعد بن أبي وقاص(٣)، وهو معروفٌ في السير، فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ التوقُّفَ مطلقاً ليس كما قالوه كفراً. فليُتَأمَّل. (١) كما في حاشية الشهاب ٥٦/٥ نقلاً عن الفصول العمادية. (٢) في الأصل: بغير، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤٩١/١٤، وسنن أبي داود (٢٦٨٣)، وسنن النسائي ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٣٠٣/٣. سُوَلا تُونَ ٢٦٠ الآية : ٨٩ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتِ ذَعْوَتُكُمَا﴾ هو خطابٌ لموسى وهارون عليهما السلام، وظاهرُه أنَّ هارون عليه السلام دعا بمثل ما دعا موسى عليه السلام حقيقةً، لكن اكتُفيَ بنَقْل دعاءِ موسى عليه السلام لكونِهِ الرسولَ بالاستقلال عن نقل دعائه، وأُشرِك بالبشارة إظهاراً لشرفه عليه السلام، ويحتمل أنَّه لم يَدْعُ حقيقةً، لكن أُضيفَت الدعوةُ إليه أيضاً بناءً على أنَّ دعوةَ موسى في حُكْم دعوته، لمكان كونِه تابعاً ووزيراً له. والذي تَضَافَرت(١) به الآثارُ أنَّه عليه السلام كان يُؤْمِّنُ لدعاء أخيه (٢)، والتأمينُ دعاءٌ، فإنَّ معنى ((آمين)): استَجِب، وليس اسماً من أسمائه تعالى كما يَروُونه عن أبي هريرةً ◌ُ﴾(٣). قيل: ولكونه دعاءً استَحبَّ الحنفيةُ الإسرارَ به، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ مدارَ استحباب الإسرار والجهر ليس كونَه دعاءً، فإنَّ الشافعيةَ استحبُّوا الجهرَ به مع أنّ المشهورَ عنهم أنَّهم قائلون أيضاً بكونه دعاءً. وظاهرُ كلام بعض المحقّقين أنَّ إضافة الربِّ إلى ضمير المتكلِّم مع الغير في المواقع الثلاثة تُشعر بأنَّه عليه السلام كان يُؤمِّن لدعاء موسى عليه السلام، ولا يخفَى ما في ذلك الإشعار من الخفاء. وقرئ: ((دَعَواتُكُما)) بالجمع(٤) ووجْهُه ظاهرٌ. ﴿فَاسْتَقِيمًا﴾ فامضِيًا لأمري واثْبُتَا على ما أنتم عليه من الدعوة وإلزامِ الحجّة، ولا تستعجلا، فإنَّ ما طلبتُماه كائنٌ في وقته لا محالة، أخرج ابنُ المنذر عن ابن عباس(٥) ﴿ّ قال: يزعمُون أنَّ فرعون مكَثَ بعد هذه الدعوة أربعينَ سنةً. وأخرج (١) في الأصل: تظافرت. (٢) أخرج ذلك الطبري ٢٧١/١٢-٢٧٢ عن عكرمة وأبي صالح ومحمد بن كعب وأبي العالية. (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٦٥١) عن أبي هريرة موقوفاً، وإسناده ضعيف كما ذكر الحافظ في الفتح ٢٦٢/٢، وقال: وعن هلال بن يساف التابعي مثله، وأنكره جماعة. (٤) القراءات الشاذة ص٥٨، والمحتسب ٣١٦/١، والبحر ١٨٧/٥. (٥) كما في الدر المنثور ٣١٥/٣.