النص المفهرس

صفحات 221-240

الآية : ٧٠
٢٢١
سُؤَلُ كُونَ
الافتراء عليه سبحانه دون التعميم في المناسبة(١).
﴿مَتَعَّ فِي الدُّنْيَا﴾ِ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو - أو ذلك - متاٌ، والتنوينُ
للتحقير والتقليل، والظرفُ متعلِّقٌ بما عنده، أو بمحذوفٍ وقَعَ نعتاً له. والجملةُ
كلامٌ مستأنفٌ سيق جواباً لسؤالِ مقدَّرٍ عمَّا يتراءى فيهم - بحسب الظاهر - من نيل
المطالبٍ والفوزِ بالحظوظ الدنيوية على الإطلاق، أو في ضمن افترائهم، وبياناً لأنَّ
ذلك بمعزلٍ من أنْ يكون من جنس الفلاح، كأنَّه قيل: كيف لا يُفلحون وهم في
غبطةٍ ونعيم؟ فقيل: هو - أو ذلك - متاٌ حقيرٌ قليل في الدنيا، وليس بفوزٍ
بالمطلوب.
ثم أُشيرَ إلى انتفاء النجاة عن المكروه أيضاً بقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: إلى حُكْمنا رجوعُهم بالموت، فيَلقَوْنَ الشقاءَ المؤبَّد ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ
الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ أي: بسبب كفرِهم المستمرِّ، أو بكفرهم
في الدنيا، فأين هم من الفلاح؟
وما ذكرنا مِن کون «متاٌ) خبرَ مبتدأ محذوفٍ، هو الذي ذهب إلیه غيرُ واحدٍ
من المعربين، غيرَ أنَّ أبا البقاء وآخرِين منهم قدَّروا المبتدأَ: حياتُهم، أو تقلُّبهم،
أو افتراؤُهم(٢).
واعتُرض على تقدير الأخير بأنَّ المتاع إنما يُطلق على ما يكون مطبوعاً عند
النفس، مرغوباً فيه في نفسه، يُتَمتَّع به ويُنْتَفع، وإنَّما عدمُ الاعتداد به لسرعة زواله،
ونفسُ الافتراء عليه سبحانه أقبحُ القبائح عند النفس فضلاً عن أنْ يكون مطبوعاً
عندها .
وأُجيبَ بأنَّ إطلاق المتاع على ذلك باعتبار أنَّه مطبوعٌ عند نفوسهم الخبيئةِ،
وفيه انتفاعٌ لهم به حسبما يَرَونَه انتفاعاً، وإنْ كان مِن أقبح القبائح، وغيرَ مُنتَفع به
في نفس الأمر. ولا يخفَى أنَّ الوجه الأول مع هذا أَوْجَهُ.
(١) قوله: والاقتصار عليه .... إلخ، أي: تخصيص عدم النجاة وعدم الفوز بما يندرج فيه من
عدم النجاة من النار وعدم الفوز بالجنة لا يناسب مقام المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه
سبحانه، والتعميم أنسب بالمقام. ينظر تفسير أبي السعود ١٦٣/٤.
(٢) الإملاء ٢٤٠/٣.

الآية : ٧١
٢٢٢
وقيل: إنَّ المذكور مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ، أي: لهم متاع .. إلخ، وليس
ببعید .
والآيةُ إمَّا مسوقةٌ من جهته سبحانه لتحقيق عدم إفلاحهم، غيرُ داخلةٍ في الكلام
المأمور به، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ قوله سبحانه: (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) وقوله تعالى:
(ثُمَّ نُذِيقُهُمُ) وإمَّا داخلةٌ فيه على أنَّ النبيَّ ◌َّرِ مأمورٌ بنقله وحكايتِهِ عنه تعالى شأنه،
وله نظائرُ في الكتاب العزيز.
﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المشركين من أهل مكة وغيرهم؛ لتحقيق ما سبق من
عدم إفلاح المفتَرين، وكونِ ما يَتَّمتعون به على جناح الفوات، وأنَّهم مُشْرِفون على
الشقاء المؤَّد والعذاب الشديد.
﴿َبَأَ نُوج﴾ أي: خبرَه الذي له شأنٌ وخطرٌ مع قومه الذين هم أضرابُ قومك في
الكفر والعناد؛ ليتدبّروا ما فيه مما فيه مُزْدَجرٌ، فلعلَّهم يَنْزَجِرون عمَّا هم عليه، أو
تنكسرُ(١) شدَّةُ شكيمتهم، ولعل بعضَ مَن يسمعُ ذلك منك ممن أَنكَرَ صحةَ نبوَّتك
أنْ يعترف بصحَّتها فيؤمنَ بك بأنْ يكون قد ثبتَ عنده ما يوافقُ ما تضمَّنه المتلوُّ من
غير مخالفةٍ له أصلاً فيستحضر أنَّك لم تسمع ذلك من أحدٍ ولم تَستفده من كتابٍ،
فلا طريقَ لعِلْمِك به إلا من جهة الوحي، وهو مدارُ النبوة.
وفي ذلك من تقرير ما سبَقَ من كون الكلِّ الله سبحانه، واختصاصِ العزَّة به
تعالى، وانتفاءِ الخوفِ على أوليائه وحُزنِهم، وتشجيعِ النبيِّي ◌ََّ، وحَمْلِه على عدم
المبالاةِ بهم وبأقوالهم وأفعالهم = ما لا يخفى، والاقتصارُ على بعض ذلك قصورٌ.
وقد تقدَّم الكلامُ في نوح عليه السلام(٢).
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ،﴾ اللام للتبليغ أو التعليل، و((إذا بدلٌ من ((نبأ)) بدلَ اشتمال، أو
معمولةٌ له لا لـ ((اتل)) لفساد المعنَى. وجوَّز أبو البقاء تعلَّقه بمحذوفٍ وقع حالاً من
(نبأ))(٣).
(١) في الأصل: تنكسف، والمثبت من (م)، وتفسير أبي السعود ١٦٤/٤.
(٢) ١٦٧/٩ وما بعد.
(٣) الإملاء ٢٤٠/٣.

الآية : ٧١
٢٢٣
سُولُونَ
وأيّاً ما كان فالمرادُ بعضُ نبئِهِ عليه الصلاة والسلام، لا كلٌّ ما جرى بينه وبين
قومه، وکانوا على ما قال الأجهوري من بني قابیل.
﴿وَقَوْمِ إِن كَانَ كَبرُ﴾ أي: عِظُم وشَقَّ ﴿عَّكُ مَّقَامِى﴾ أي: نَفْسي، على أنَّه في
الأصل اسمُ مكانٍ وأريد منه النفسُ بطريق الكناية الإيمائية، كما يقال: المجلسُ
السامي.
ويجوز أنْ يكونَ مصدراً ميميّاً بمعنى الإقامة، يقال: قُمتُ بالمكان وأَقمتُ بمعنّی،
أي: إقامتي بين ظهرانَيكم مدَّةً مديدةً. وكونُها ما ذَكر الله تعالى ألفَ سنةٍ إلا خمسين
عاماً يقتضي أنْ يكون القولُ في آخر عُمُرُه ومنتَهى أَمْرِهِ، ويحتاجُ ذلك إلى نَقْلٍ.
أو المرادُ قيامُه بدعوتهم، وقريبٌ منه قيامُه لتذكيرهم وَوَعْظهم؛ لأنَّ الواعظ
كان يقومُ بين مَن يَعِظُهم؛ لأنه أظهرُ وأعونُ على الاستماع، كما يُحكَى عن عيسى
عليه السلام أنَّه كان يعظُ الحواريين قائماً وهم قعودٌ، وكثيراً ما كان نبيُّنَا وَلّهِ يقومُ
على المنبر فيعظُ الجماعةَ وهم قعودٌ، فيُجعَلُ (١) القيامُ كنايةً أو مجازاً عن ذلك. أو
هو عبارةٌ عن ثباتِ ذلك وتقرُّره.
﴿وَتَذْكِيرِى﴾ إياكم ﴿بِئَايَتِ اللَّهِ﴾ الدالَّةِ على وحدانيته، المبطِلَةِ لِمَا أنتم عليه
من الشرك.
﴿فَعَلَى اللَّهِ تَّوَكَّلْتُ﴾ لا على غيره، والجملةُ جوابُ الشرط، وهو عبارةٌ عن
عدم مبالاتهِ والتفاتهِ إلى استثقالهم، ويجوزُ أنْ تكون قائمةً مقامه.
وقيل: الجوابُ محذوفٌ وهذا عطفٌ عليه، أي: فافعلوا ما شئتم.
وقيل: المرادُ الاستمرارُ على تخصيص التوُّل به تعالى.
ويجوز أنْ يكونَ المرادُ إحداثَ مَرْتبةٍ مخصوصةٍ من مراتب التوكُّل، وإلا فهو
عليه الصلاة والسلام متوكِّلٌ عليه سبحانه لا على غيره دائماً.
وقوله سبحانه: ﴿فَأَخِعُواْ أَنْهَكُمْ﴾ عطفٌ على الجواب المذكورِ عند الجمهور،
والفاءُ لترتيب الأمر بالإجماع على التوكُّل، لا لترتيب نفسٍ الإجماع عليه.
(١) في الأصل: ويجعل، وفي حاشية الشهاب ٤٨/٥ (والكلام منه): فجعل.

سؤالاُلُونَ)
٢٢٤
الآية : ٧١
وقيل: إنَّه الجوابُ، وما سبَقَ اعتراضٌ وهو يكونُ بالفاء:
فاعْلَم فعلمُ المرءِ ينفَعُه(١)
ولعله أقلُّ غائلةً مما تقدَّم لِمَا سمعتَه، مع ما فيه من ارتكابٍ عَظْفِ الإنشاء
على الخبر، وفيه كلام.
و((أجمعوا)) بقَطْع الهمزة، وهو كما قال أبو البقاء: من أَجمعتُ على الأمر: إذا
عزمتَ عليه، إلا أنَّه حُذف حرفُ الجرِّ فوَصَل الفعلُ، وقيل: إنَّ أَجْمَعَ متعدٍّ بنفسه،
واستشهد له بقول الحارث بن حلِّزة:
أصبحوا أصبحَت لهم ضَوضَاءُ(٢)
أَجْمَعُوا أَمرَهم بليلٍ فلمَّا
ونصَّ السدوسيُّ(٣) على أنَّ عدم الإتيان بـ ((على)) كـ: أجمعتُ الأمر، أفصحُ
من الإتيان بها كـ : أجمعتُ على الأمر.
وقال أبو الهيثم(٤): معنى أَجمَعَ أمرَه: جَعَلَه مجموعاً بعد ما كان متفرِّقاً،
وتَفرقَتُهُ أنْ يقولَ مرَّةً أَفعلُ كذا، ومرَّةً أفعلُ كذا، فإذا عَزَمَ فقد جَمَع ما تفرَّق من
عزمه. ثم صار بمعنى العزم حتى وُصِل بـ ((على))، وأصلُه التعديةُ بنفسه.
ولا فَرْقَ بين ((أجمعَ)) و((جمع)) عند بعضٍ. وفرَّق آخرون بينهما بأنَّ الأول
يُستعمَل في المعاني، والثاني في الأعيان، فيقال: أَجمعتُ أمري وجمعتُ الجيشَ،
ولعله أكثريٌّ لا دائميٌّ.
والمرادُ بالأمر هنا (٥): المكرُ والكيد.
(١) وعجزه: أن سوف يأتي كلُّ ما قدرا، وسلف ٤٢٨/١ و٨٣/٤ و٤٣٦/٩. والكلام من
حاشية الشهاب ٤٨/٥ .
(٢) الإملاء ٢٤٠/٣-٢٤١، والبيت في شرح المعلقات للنحاس ٦٢/٢، ولابن الأنباري
ص٤٥٢، وللتبريزي ص ٢٩٨، والبحر ١٧٨/٥، وحاشية الشهاب ٤٨/٥.
(٣) هو مؤرج بن عمرو أبو فيد السدوسي، وكلامه في البحر ١٧٩/٧ .
(٤) كما في تهذيب اللغة ٣٩٧/١، والبحر ١٧٩/٧، وحاشية الشهاب ٤٨/٥، وعنه نقل
المصنف.
(٥) بعدها في (م): نحو، والمثبت من الأصل، وحاشية الشهاب ٤٨/٥.

الآية : ٧١
٢٢٥
﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: التي زعمتُم أنَّها شركاءُ لله سبحانه وتعالى، وهو نصب على
أنَّه مفعولٌ معه من الفاعل؛ لأنَّ الشركاء عازمون لا معزومٌ عليهم.
ويؤيِّد ذلك قراءةُ الحسن وابنٍ أبي إسحاق وأبي عبد الرحمن السلميِّ وعيسى
الثقفيِّ بالرفع(١)، فإنَّ الظاهر أنَّه حينئذٍ معطوفٌ على الضمير المرفوعِ المتَّصل،
ووجودُ الفاصلِ قائمٌ مقام التأكيد بالضمير المنفصل. وقيل: إنَّه مبتدأ محذوفُ
الخبر، أي: وشركاؤكم يُجمِعُون، ونحوه.
وقيل: إنَّ النصب بالعطف على (أمركم)) بحذفِ المضاف، أي: وأمرَ
شركائكم، بناءً على أنَّ(أَجمعَ)) تتعلَّق بالمعاني. والكلامُ خارجٌ مخرجَ التهكّم بناءً
على أنَّ المرادَ بالشركاء الأصنامُ. وقيل: إنَّه على ظاهره والمرادُ بهم مَن على
دینهم.
وجوِّز أنْ لا يكون هناك حذفٌ، والكلامُ مِن الإسناد إلى المفعول المجازيِّ،
على حدٍّ ما قيل في ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وقيل: إنَّ ذاك على المفعولية به لمقدَّرٍ كما قيل في قوله:
علفُها تبناً وماءً بارداً (٢)
أي: وادعوا شركاءكم، كما قرأ به أُبيِّ ◌َ ﴾(٣).
وقرأ نافع: ((فاجْمَعوا)) بوصل الهمزة وفتح الميم(٤) من جمع، وعظْفُ الشركاء
على الأمر في هذه القراءة ظاهرٌ بناءً على أنَّه يقال: جمعْتُ شركائي، كما يقال:
جمعْتُ أمري، وزَعَم بعضُهم أنَّ المعنى: ذوي أمركم، وهو كما ترى.
(١) المحتسب ٣١٤/١، والبحر ١٧٩/٥، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، كما في النشر
٢٨٦/٢.
(٢) وعجزه: حتى شتت همَّالة عيناها، وسلف ٣٢٥/٦.
(٣) الكشاف ٢٤٥/٢، والبحر ١٧٩/٧، وهي في المحتسب ٣١٤/١ بلفظ: ((وادعوا شركاءكم
ثم اجْمَعوا أمركم)).
(٤) البحر ١٧٩/٥، وهي قراءة رويس كما في النشر ٢/ ٢٨٥، والمشهور عن نافع القراءة بقطع
الهمزة وكسر الميم كقراءة الجماعة.

◌ُوَلُ بُونسَ
٢٢٦
الآية : ٧١
والمعنى(١): أَمَرَهم (٢) بالعزم والإجماع على قَصْدِه والسعي في إهلاكه على أيِّ
وجهٍ يُمكنهم من المكر ونحوه، ثقةً بالله تعالى وقلّةَ مبالاةٍ بهم، وليس المراد حقيقةً
الأمر.
﴿ِثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُّكُمْ﴾ ذلك ﴿عَلَيْكُمْ غُنَّةً﴾ أي: مستوراً، من غَمَّه: إذا ستره،
ومنه حديثُ وائل بن حُجر: ((لا غُمَّةَ في فرائضٍ الله تعالى)) (٣) أي: لا تُستَر
ولا تُخفَى وإنَّما تُظهر وتُعَلَن، والجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بـ ((غمَّة))، والمرادُ نَهِيُهُم عن
تعاطي ما يجعل ذلك غُمَّةً عليهم، فإنَّ الأمرَ لا يُنهَى، ويستلزم ذلك الأمرَ
بالإظهار. فالمعنَى: أظهرُوا ذلك وجاهروني به، فإنَّ الستر إنَّما يُصارُ إليه لسدِّ باب
تَدارُكِ الخلاصِ بالهرب أو نحوِهِ، فحيثُ استحال ذلك في حقِّي لم يكن للستر
وجهٌ.
وكلمةُ ((ثم)) للتراخي في الرتبة، وإظهارُ الأمر في مقام الإضمار لزيادةِ التقريرِ.
وقيل: أُظهر لأنَّ المراد به ما يعتريهم من جهته عليه السلام من الحال الشديدة
عليهم المكروهةِ لديهم، لا الأمرُ الأول، والمرادُ بالغُمَّة: الغَمُّ، كالكُربة والگرْب،
والجارُّ والمجرور متعلّق بمقدَّرٍ وقع حالاً منها، و((ثم)) للتراخي في الزمان،
والمعنى: ثم لا يكن حالُكم غَمّاً كائناً عليكم، وتخلَّصوا بإهلاكي(٤) من ثقل مقامي
وتَذکيري بآيات الله تعالى.
وأعتُرض(٥) عليه بأنَّه لا يُساعدُه قولُه تعالى شأنه: ﴿ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَىَّ وَلَا نُظِرُونِ
VI
أي: أدُّوا إليَّ ذلك الأمرَ الذي تريدون [بي] ولا تُمهِلوني، على أنَّ القضاء مِن
(١) أي: على الوجوه السابقة. حاشية الشهاب ٤٩/٥.
(٢) بلفظ الماضي، أي أن نوحاً عليه السلام أمرهم، ويصح أن يكون اسماً أيضاً. حاشية
الشهاب ٤٩/٥ .
(٣) طرف من كتاب النبي ◌َّ﴿ لوائل بن حجر، أخرجه الخطابي في غريب الحديث ٢٨٠/١-٢٨١
وذكره القاضي عياض كما في شرح الشفا للخفاجي ٤٠٤/١، وقال: وروي: لا عَمَه، أي:
لا حيرة ولا تردُّد فيها، وروي: لا غِمْدَ، ومعناها: لا ستر ولا خفاء، كتغمَّدنا الله برحمته،
أي: سترنا بها .
(٤) في (م): بهلاكي، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٥/٤، والكلام منه.
(٥) المعترض هو أبو السعود في تفسيره ١٦٥/٤، وما سياتي بين حاصرتين منه.

الآية : ٧٢
٢٢٧
قَضَى دَينَه: إذا أَدَّاه، ومفعولُه محذوفٌ كما أشرنا إليه، وفيه استعارةٌ مكنيةٌ والقضاء
تخييل. وقد يُفسَّر القضاء بالحكم، أي: احكُموا بما تؤدونه(١) إليَّ، ففيه تضمينٌ
واستعارةٌ مكنية أيضاً = لأنَّ(٢) توسيط ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على
مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصلِ بين الشجر ولحائه. والوجه الأول سالمٌ
عن ذلك، وهو ظاهرٌ.
وقيل: المرادُ بالغمَّة المعنَى الأوَّلُ، وبالأمر ما تقدَّم، وبالنهي الأمرُ
بالمشاورة، أي: أجمعوا أمرَكم ثم تشاورُوا فيه. وفيه بُعدٌ لعدم ظهورِ كِلَا الترتيبَين
الدالَّةِ عليهما (ثم)) سواءٌ اعتُبِرتْ قراءةُ الجماعة أو قراءةُ نافع في ((أَجْمِعوا)).
وقرئ: (أَفضُوا إليَّ) بالفاء(٣)، أي: انتهوا إليَّ بشرِّكم، أو أَبْرِزوا إليَّ، من
أَفْضَى: إذا خرج إلى الفضاء، كأَبْرزَ: إذا خَرَج إلى البَراز، وهو المكانُ الواسع.
﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: بقيتُم على إعراضكم عن تذكيري أو أحدثتُم إعراضاً
مخصوصاً عن ذلك بعدَ وقوفكم على أمري، ومشاهدتكم منِّي ما يدُلُّ على
صحة قولي ﴿فَمَا سَأَلْتُكُ﴾ بمقابلةِ تذكيري ووَعْظي ﴿مِنْ أَجْرٌ﴾ تُؤدُّونه إليَّ حتى
يُؤدِّي ذلك(٤) إلى تولِّيكُم، إِمَّا لاتهامكم إِيَّايَ بالطمع، أو لثقَلِ دفع المسؤول
عليكم، أو حتى يَضرَّني تولِّيكم المؤذِّي إلى الحرمان، فالأوَّل لإظهار بطلان
التولِّي ببيانِ عدم ما يُصحَّحه(٥)، والثاني لإظهار عدم مبالاته عليه السلام
بوجوده وعدمه .
وعلى التقديرَين فالفاءُ الأُولَى لترتُّب هذا الشرط على الجزاء قبله، والفاءُ الثانيةُ
السببية الشرط للإعلام بمضمون الجزاء بعده كما ذكره بعض المحققين، أي: إنْ
تولَّيتُم فاعلموا أنْ ليس فيَّ مصحِّحُ له، أو لا تأثّر منه، على حدٍّ ما قيل في قوله
تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
(١) في (م): تؤدوه.
(٢) قوله: لأن، متعلق بقوله: لا يساعده.
(٣) القراءات الشاذة ص٥٧، والبحر ١٨٠/٥.
(٤) بعدها في (م): إليكم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٥/٤، والكلام منه.
(٥) بعدها في الأصل: كما ذكره بعض المحققين.

سُدُّلُونس
٢٢٨
الآية : ٧٢
وذهب بعضُهم إلى أنَّ جواب الشرط محذوفٌ، أُقيمَ ما ذُكر - وهو عُّه - مقامَه،
أي: فلا باعثَ لكم على التولِّي ولا موجبَ له، أو فلا ضيرَ عليَّ بذلك. وكلامُ
البعض مشعرٌ بأنَّه مع اعتبار الحذف والإقامة المذكورين يجيءُ حديثُ اعتبارٍ سببية
الشرط للإعلام، وهو الذي يميل إليه الذوق. و((من)) زائدةٌ للتأكيد، أي:
فما سألتكم أجراً.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ تأكيدٌ لِمَا قبله على المعنى الأوَّل، وتعليلٌ
لاستغنائه عليه السلام على المعنى الثاني، أي: ما ثوابي على العِظَة والتذكير إلَّا
عليه تعالى يُثيبني بذلك آمنتُم أو تولَّيْتُم.
وقوله سبحانه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾﴾ تذييلٌ - على
ما قيل - لمضمون ما قبلَه مقرِّرٌ له، والمعنى: وأُمرتُ بأنْ أكونَ مُنتظِماً في عداد
المسلمين الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً، ولا يطلبون به دنيا، وفيه حملُ
الإسلام على ما يساوقُ الإيمان واعتبارُ التقييد.
وعدَلَ عنه بعضُهم لِمَا فيه من نوع تكلُّفٍ، فحَمَل الإسلامَ على الاستسلام
والانقياد، ولم يُقيِّد، أي: وأُمرتُ بأنْ أكونَ من جملة المنقادين لحكمه تعالى،
لا أخالفُ أمرَه ولا أرجو غيرَه، وفيه على هذا المعنى أيضاً مِن تأكيد ما تقدَّم
وتقریر مضمونه ما لا يخفى.
ولا يظهرُ أمرُ التأكيد على تقديرٍ أنْ يكون المعنَى: من المستسلمين لكلِّ
ما يُصيبُ من البلاء في طاعة الله تعالى، ظهورَه على التقديرَين السابقين.
وبالجملة: إنَّه عليه الصلاة والسلام لم يُقصِّر في إرشادهم بهذا الكلام وبلَغَ
الغاية القصوى فيه.
وذكر بعضُهم وجهَ نَظْمِه على هذا الأسلوبِ على بعض الأوجُهِ المحتملة،
فقال: إنَّه عليه الصلاة والسلام قال في أول الأمر: ((فعلى الله توثَّلتُ)) فبيَّن وُثُوقَه
بربِّه سبحانه، أي: إنِّي وَثِقتُ به فلا تظنُّوا بي أنَّ تهديدَكم إِيَّايَ بالقتل والإيذاء
يَمنعُني من الدعاء إلى الله تعالى، ثم أَوردَ عليهم ما يدُلُّ على صحة دعواه فقال:
((فأجْمِعُوا أمرَكم))، كأنه يقول: أَجْمِعُوا كلَّ ما تقدِرُون عليه من الأشياء التي تُوجب

الآية : ٧٣
٢٢٩
سُؤَلُ تونس
حصولَ مطلوبكم. ثم لم يقتصر على ذلك بل أَمرَهم أنْ يُضيفوا إلى أنفسهم
شركاءَهم الذين كانوا يزعمون أنَّ حالهم يَقوَى بمكانهم وبالتقرُّب إليهم، ثم لم
يقتصر على هذَين بل ضمَّ إليهما ثالثاً، وهو قوله: ((ثم لا يكُن أمركم عليكم غمة))
فأراد أن يَسعَوا في أمره غايةَ السَّعْي، ويُبالغوا فيه غايةَ المبالغة حتى يَطيبَ عيشُهم.
ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضمَّ إليه رابعاً فقال: ((ثم اقْضُوا إليَّ) آمراً لهم بأداء
ذلك کلِّه إليه.
ثم ضم إلى ذلك خامساً فقال(١): ((ولا تُنظِرُون)) فنهاهم عن الإمهال، وفي
ذلك من الدلالة على أنَّه عليه الصلاة والسلام قد بلغَ الغايةَ في التوكُّل على الله
سبحانه، وأنَّه كان قاطعاً بأنَّ كيدَهم لا يضرُّه ولا يصل إليه، وأنَّ مكرهم لا ينفُذُ فيه
ما هو أظهرُ من الشمس وأَبْيَنُ من الأمس(٢).
ثم إنَّه عليه السلام أرادَ أنْ يجعل الحُجَّةَ لازمةً عليهم ويُبرِّئ ساحته، فنفَى
سؤالَه إياهم شيئاً من الأجر، وأَّد ذلك بأنَّ أَجْرَه على الله سبحانه لا على غيره،
مُشيراً إلى مزيد كرمه جلَّ جلالهُ، وأَنَّه يُثيبه على فعله سألَه أو لم يَسألُهُ، ولذا لم
يُقُل: إنْ سؤاليَ الأجرَ إلَّا من الله تعالى.
ثم لم يكتف بذلك، حتى ضمَّ إليه أنَّه مأمورٌ بما يندرجُ فيه عدمُ سؤالهم
والالتفاتِ إلى ما عندَهم، وأنْ يَّصفَ به على أتمٍّ وجهٍ، لأنَّ ((من المسلمين)) أبلغُ
من مسلماً، كما تحقَّق في محلِّه، وفي ذلك قطعُ ما عسى أنْ يَحولَ بينهم وبين
إجابة دعوتهِ والاتِّعاظ بعظَتِهِ.
إلَّا أنَّ القوم قد بَلَغوا الغايةَ في العناد والتمرُّد ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: فأصرُّوا - بعد أنْ
لم يُبْقِ (٣) عليه السلام في قوس الإلزام منزعاً، وفي كأس بيانِ أنْ لا سببَ لتولِّيهم
غير التمرُّد مكرعاً - على ما هم عليه من التكذيب الدالُ عليه السباقُ واللحاقُ، وهو
عطفٌ على جملة(٤) قوله تعالى: (قَالَ لِقَوْمِهِ).
(١) قوله: فقال، ليس في (م).
(٢) في (م): أمس.
(٣) بعدها في (م): عليهم.
(٤) قوله: جملة، ليس في الأصل.

سُؤَالُونِسَ
٢٣٠
الآية : ٧٣
والفاءُ في قوله تعالى: ﴿فَنَجَيْنَهُ﴾ فصيحةٌ في رأيٍ، أي: فحقَّت عليهم كلمةُ
العذاب فنجَّيناه. وأنكر ذلك الشهاب، واذَّعَى أنَّ ذِكْرَ ما يُشير إليه في عبارة بعض
المفسّرين توطئةٌ للتفريع لا إشارةٌ إلى أنَّ الفاء فصيحةٍ (١).
وأنا لا أَرَى فيه بأساً، إلا أنَّ تقدير: فعامَلْنا كلّ بما تقتضيه الحكمةُ، ونحوِهِ،
عندي أُولَی.
ومتعلّقُ الإنجاء محذوفٌ، أي: مِن الغرق، كما يدُلُّ عليه المقام. وقيل: مِن
أيدي الكفار، أي: فخلَّصناه من ذلك ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين به، وكانوا - في
المشهور - أربعين رجلاً وأربعينَ امرأةً، وقيل: دون ذلك.
﴿فى الفُلكِ﴾ أي: السفينة، وهو مفردٌ ها هنا، والجارُّ - كما قال الأجهوري
وغيرُه - متعلِّقٌ بـ: ((نجَّيناه))، أي: وقع الإنجاء في الفلك. ويجوز أنْ يتعلَّق
بالاستقرار الذي تعلَّق به الظرفُ قبلَه الواقع صلةً، أي: والذين استقروا معه في
الفلك.
﴿وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيْفَ﴾ عمَّن هَلَكَ بالإغراق بالُّوْفان، وهو جمع خليفة.
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِثَايَئِنَا﴾ وهم الباقون من قومه، والتعبيرُ عنهم بالموصول
للإيذان بعلِّية مضمون الصِّلة للإغراق، وتأخيرُ ذِكْرِه عن ذِكْرِ الإنجاء والاستخلافِ
لإظهار كمالِ العناية بشأن المقدَّم، ولتعجيل المَسرَّة للسامعين، وللإيذان بسَبْق
الرحمة التي هي من مقتضَيَات الربوبية على الغضب الذي هو من مُستَتْبَعات جرائمٍ
المجرمین .
﴿فَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ ﴾﴾ المخوَّفين بالله تعالى وعذابه، والمرادُ بهم
المكذِّبون (٢)، والتعبيرُ عنهم بذلك للإشارة إلى إصرارهم على التكذيب، حيث لم
يَنجَع الإنذارُ فيهم ولم يُفدهم شيئاً، وقد جَرَت عادةُ الله تعالى أنْ لا يُهلكَ قوماً
بالاستئصال إلا بعدَ الإنذار؛ لأنَّ مَن أَنذرَ فقد أَعذَر.
(١) حاشية الشهاب ٤٩/٥ .
(٢) في (م): المكذبين.

الآية : ٧٤
٢٣١
سُودلالُونِسَ
والنظرُ - كما قال الراغبُ(١) - يكونُ بالبصر والبصيرةِ، والثاني أكثرُ عند
الخاصَّة، وسيقَ الكلامُ لتهويل ما جرَى عليهم، وتحذيرٍ مَن كذّب بالرسول عليه
الصلاة والسلام، والتسليةٍ له وَلّهه. والمراد: اعتَبِرْ ما أخبر الله تعالى به؛ لأنَّه
لا يمكن أنْ ينظرَ إليه هو وَلِ﴿ ولا مَن أَنذَرَه.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ أي: أَرسلنا ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: مِن بعد نوح عليه الصلاة والسلام
﴿رُسُلَا﴾ أي: كِراماً ذوي عددٍ (٢) كثيرٍ، فالتنكيرُ للتفخيم والتكثير. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾
قيل: أي: إلى أقوامهم، على معنى: أرسلنا كلَّ رسولٍ إلى قومه(٣) خاصَّة، مثل
هودٍ إلى عادٍ، وصالحٍ إلى ثمودَ، وغيرِ ذلك ممن قصَّ منهم ومَن لم يقصّ،
لا على معنى: أرسلنا كلَّ رسولٍ منهم إلى أقوامِ الكلِّ، أو: إلى قومٍ أيِّ قومٍ
کانوا .
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ عمومَ الرسالة إلى البشر لم يَثْبُتْ لأحدٍ من أولئك الرسل
عليهم الصلاة والسلام. وظاهرُ كلامهم الإجماعُ على أنَّ ذلك مخصوصٌ بنبيِّنَا وَلَتِ،
ولم يثبت لأحدٍ ممن أُرسل بعدَ نوح، واختلف فيه عليه السلام: هل بُعث إلى أهل
الأرضِ كافةً، أو إلى أهل صقعٍ منها؟ وعليه يُبنَى النظرُ في الغرق: هل عمَّ جميعَ
أهل الأرضِ، أو كان لبعضهم، وهم أهلُ دعوته المكذِّبين به، كما هو ظاهرُ كثيرٍ
من الآيات والأحاديث؟ قال ابنُ عطية: الراجحُ عند المحقّقين هو الثاني(٤). وكثيرٌ
من أهل الأرض كأهل الصين وغيرهم ينكرون عمومَ الغرقِ، والأولُ لا يُنافي القولَ
باختصاص عمومِ الرسالةِ على العموم المشهورِ بينَ الخصوصِ والعمومِ بنبيِّنَا بَّهِ؛
لأنَّها لمن بعده إلى يوم القيامة.
وزعم بعضُهم أنَّ الغرقَ كان عامّاً مع خصوص البعثةِ، ولا مانعَ مِن أنْ
(١) في مفرداته (نظر).
(٢) في (م): عذر، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٦/٤، والكلام
منه .
(٣) في الأصل و(م): قوم، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤٩/٥، وتفسير
أبي السعود ١٦٦/٤، والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ١٣٣/٣.

سُۈۈلالُونَِّ
٢٣٢
الآية : ٧٤
يُهلِكَ الله تعالى مَن لا جنايةً له مع مَن له جنايةٌ، ولا اعتراضَ عليه سبحانه
فيما ذَكر، إذ هو تصرُّفٌّ في خالص ملكه، ولا يُسْأَلُ عمَّا يفعل، وفي قوله سبحانه:
﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٥] نوعُ إشارةٍ إلى
ذلك. نعم قد ثبَتَ لنوح عليه السلام عمومُ الرسالة انتهاءً، حيث لم يبقَ على وجه
الأرض بعدَ الطوفان سوى مَن كان معه، وهم جميعُ أهلِ الأرضِ إذ ذاك، فالفرقُ
بين رسالته عليه السلام ورسالةٍ نبيِّنَا وَ﴿ ظاهرٌ، فإنَّ رسالة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام
عامَّةٌ ابتداءً وانتهاءً، ورسالتُه عليه السلام عامَّةٌ انتهاءً لا ابتداءً. ولا يخلو عن نظر.
والأَولَى أنْ يُعتبر في اختصاص عمومٍ رسالة نبيِّنا عليه الصلاة والسلام كونُها
لمن بعده إلى يوم القيامة، فإنَّ عدم ثبوتِ ذلك لأحدٍ من الرسل عليهم السلام قبل
نوحٍ وبعده مما لا يُتنازع فيه.
وهذا كلُّه إذا لم يُلاحَظُ في العموم الجنُّ وكذا الملائكةُ، وإذا(١) لُوحِظَ كما يُفيدُه
قوله سبحانه: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] فأمْرُ الاختصاصِ أظهرُ وأظهرُ.
﴿َّءُوهُمْ﴾ أي: فأتَى كلُّ رسولٍ قومَه المخصوصين به ﴿يَاَلْبَيِّنَتِ﴾ أي:
بالمعجزات الواضحةِ الدالّةِ على صِدْقِ ما يقولون، والباء إما متعلِّقةٌ بما عندها على
أنَّها للتعدية، أو بمحذوفٍ وقَعَ حالاً من الضمير المرفوعِ، أي: مُلتبسين(٢)
بالبينات، لكنْ لا بأنْ يأتيَ كلُّ رسولٍ ببيِّنٍ فقط، بل بأنْ يأتيَ ببيِّنٍ أو ببيِّناتٍ كثيرةٍ
خاصَّةٍ به معيّنةٍ له حَسْب اقتضاء الحكمة، وإلى نفي إرادةِ الإتيان ببيِّنةٍ وإرادة الإتيان
ببيناتٍ كثيرةٍ ذهب شيخ الإسلام، ثم قال: فإنَّ مراعاةَ انقسام الآحاد على الآحاد
إنَّما هي في ضميري ((جاؤوهم)) كما أُشيرَ إليه(٣). ولعلَّ صنيعَناً أحسنُ من صنيعه.
ويُفهم من كلام بعضِ المحققين أنَّ انفهام إرسالِ كلِّ رسولٍ إلى قومه مِن إضافة
القومِ إلى ضمير ((رسلاً)) وليس ذلك من مُقابلة الجمع بالجمع المقتَضي لانقسام
الآحاد على الآحاد، ولا شكَّ أنَّ انفهام مجيءٍ كلِّ رسولٍ قومَه المخصوصين به
تابعٌ لذلك.
(١) في (م): إذا، دون واو.
(٢) في (م) متلبسين، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٦/٤، والكلام منه.
(٣) تفسير أبي السعود ١٦٦/٤ .

الآية : ٧٤
٢٣٣
وبعد هذا كلِّه إذا اعتبر مقابلةُ الجمع بالجمع في ((جاؤوهم بالبينات))، وقيل
بانقسام الآحادِ على الآحاد، لا يلزم أنْ يكونَ لكلِّ رسولٍ بينةٌ جاء بها، کما أنَّ:
باع القومُ دوابَّهم، لا يقتضي أنْ يكونَ لكلِّ واحدٍ من القوم دابَّةٌ واحدة باعها، فإنَّ
معناه باعَ كلٌّ مِن القومِ ما لَه من الدوابِّ، وهو يعمُّ الدابة الواحدة وغيرها، وهذا
بخلاف: رَكب القومُ دَوَابَّهم، فإنَّه يتعيَّن فيه إرادةُ كلِّ واحدةٍ من الدوابِّ؛ لاستحالة
ركوب الشخص دابَتَين مثلاً. وقد نصَّ العلّامة أبو القاسم السمرقنديُّ في حواشيه
على ((المطول)): أنَّه لا يشترط في مقابلة الجمعِ بالجمع انقسامُ الآحاد على الآحاد
بمعنى أنْ يكونَ لكلِّ واحدٍ من أحدِ الجمعَين واحدٌ مِن الجمع الآخر. وهو ظاهرٌ
فيما قلنا، والمعوَّل عليه في كون الآية من قَبيل المثال الأول أمرٌ خارج، فإنَّ من
المعلوم أنَّ الرسول الواحدَ مِن الرسل عليهم السلام قد جاء قومَه ببیناتٍ فوق
الواحدة.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُواْ﴾ بيانٌ لاستمرار عدمٍ إيمانهم في الزمان الماضي، أي:
فما صحَّ ولا استقام لهم في وقتٍ من الأوقات أنْ يؤمنوا؛ لشدَّة شكيمتهم ومَزيدِ
عِنادِهم.
وٍضميرُ الجمع هنا للقوم المبعوثِ إليهم، وكذا في قوله تعالى: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ،
مِن قَبَّلُ﴾ والباءُ فيه صلةُ ((يؤمنوا))، و((ما)) موصولة، والمرادُ بها جميعُ الشرائع التي
جاء بها كلُّ رسولٍ، أصولها وفروعها. والمراد بعدم إيمانهم بها إصرارُهم على
ذلك بعد اللُّتَيًّا والتي، وبتكذيبهم مِن قبلُ تكذيبُهُم من حين مجيءٍ الرسل عليهم
السلام إلى زمان الإصرار والعناد. وهذا بناء على أنَّ المحكيَّ آخرُ أحوالهم،
حسبما يُشير إليه حكايةُ قومٍ نوحٍ عليه السلام، ولم يُجعل التكذيبُ مقصوداً بالذات
كما جُعِلَ عدم إيمانهم كذلك، إيذاناً بأنَّه بيِّنٌ في نفسه غنيٌّ عن البيان،
وإنما المحتاجُ إليه عدمُ إيمانهم بعد تواترِ البيِّنات وتظاهرِ المعجزات التي كانت
تَضطرُّهم إلى القبول لو كانوا من أهل العقول.
وإذا كان المحكيُّ جميعَ أحوال أولئك الأقوام فالمرادُ بعدم إيمانهم المفادِ
بالنفي السابق كفرُهم المستمرُّ من حين مجيءٍ الرسلِ عليهم السلام إلى زمان
إصرارهم، وبعدم إيمانهم المفهوم من جملة الصلةِ كفرُهم قبل مجيءٍ الرسل عليهم

سُالآلُونِسَ
٢٣٤
الآية : ٧٤
السلام، ويُراد حينئذٍ من الموصول أصولُ الشرائع التي أَجمعَت عليها الرسلُ
قاطبةً، ودَعَوا أُمَمَهُم إليها، كالتوحيد ولوازمه مما يستحيلُ تبدُّلُه وتغيُّرُه، ومعنى
تكذيبهم بذلك قبلَ مجيءٍ رسلهم أنَّهم ما كانوا أهلَ جاهليةٍ بحيث لم يسمعوا بذلك
قٌّ، بل كان كلُّ قومٍ يتسامعون به من بقايا مَن قبلهم، فيكذِّبونه، ثم كانت حالُهم
بعد مجيء الرسل كحالهم قبل ذلك، كأن لم يُبعث إليهم أحدٌ.
وقيل: المراد أنهم لم ينتفعوا بالبعثة وكانت حالهم بعد البعثة كحالهم قبلها في
كونهم أهلَ جاهليةٍ.
والأولُ أَوْلَى، وتخصيصُ التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأُصول لظهور
حالِ الباقي بدلالةِ النصِّ، فإنَّهم حين لم يؤمنوا بما اجْتَمعَت عليه الكافَّةُ، فَلَأنْ
لا يؤمنوا بما تفرَّد به البعضُ أَولَى، وعدمُ جَعْلٍ هذا التكذيب مقصوداً بالذات؛ لأنَّ
ما عليه يدور أمرُ العذابِ عند اجتماع التكذيبَين هو التكذيبُ الواقعُ بعد البعثةِ
والدعوةِ حسبما يُعرِبُ عنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[الإسراء: ١٥]، وإنما ذكر ما وقَعَ قبلُ بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب.
وفكّكَ بعضُهم بين الضمائر فقيل: ضميرُ ((كانوا)) و((يؤمنوا)) لقوم الرسل،
وضميرُ ((كذبوا)) لقوم نوح عليه السلام، أي: ما كان قومُ الرسل ليؤمنوا بما كذَّب به
قومُ نوحٍ، أي بمثله، والمرادُ به ما بُعِثَ الرسلُ عليهم السلام لإبلاغه. وجوِّز على
هذا القول أنْ يُراد بالموصول نوحٌ نفسه، أي: ما كان قومُ الرسل ليؤمنوا بنوحٍ عليه
السلام، إذ لو آمنوا به آمنوا بأنبيائهم عليهم السلام. ولا يخفى ما في ذلك.
ومن الناس مَن جَعَلَ الباء سببيةً و ((ما)) مصدريةً، والمعنى: كذَّبوا رسلَهم فكان
عقابُهم من الله تعالى أنَّهم لم يكونوا ليؤمنوا بسبب تكذيبهم من قبلُ وأيَّده بالآية
الآتية، وفيه مخالفةُ الجمهور مِن جَعْلِ ((ما)) المصدرية اسماً - كما هو رأي الأخفش
وابن السرَّاج (١) - ليرجع الضمير إليها. وفي إرجاعه إلى الحقِّ بادِّعاء كونه مركوزاً
في الأذهان ما لا يخفَى من التعسُّف.
(١) في الأصول في النحو ١٦١/١، وذكره عنه وعن الأخفش السمين في الدر ٢٤٦/٦،
وأبو السعود ١٦٧/٤، والكلام منه.

الآية : ٧٤
٢٣٥
سُؤَُّلُونِسَ
وقيل: ((ما)) موصوفةٌ، والباء للسببية أيضاً أو للملابسة، أي: بشيءٍ كذَّبوا به،
وهو العناد والتمرُّد. وهو كما تَرَى.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الطبع المُحْكَم ﴿نَطَعُ﴾ فالإشارةُ على حدٍّ ما قُرِّر في
قوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ونظائرِه مما مرّ (١)، وجعْلُ
الإشارة إلى الإغراق كما فعل الخازن(٢) ليس بشيءٍ.
والطّبْعُ يُطلَق على تأثير الشيء بنقش الطابع، وعلى الأثر الحاصل من(٣)
النقشِ، والختم مثلُه في ذلك على ما ذَكَره الراغب، وذكر أيضاً(٤) أنَّه تصوير (٥)
الشيء بصورةٍ ما، كطبعِ السِّةِ وطَبْع الدراهم، وأنَّه أعمُّ من الخَتْم وأَخصُّ من
(٦)
النقش(٦).
والأكثرون على تفسيره بالختم مُراداً به المنعُ، أي: نختمُ ﴿عَلَى قُلُوبٍ
الْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: المتجاوزين عن الحدود المعهودةِ في الكفر والعناد،
ونمنعُها لذلك عن قبول الحقِّ وسُلوك سبيلِ الرشاد.
وقد جاء الطّبْعُ(٧) بمعنى الدَّنَس، ومنه: طِبْعُ السيف، لصَدَئه ودَنَسِهِ، وبعضُهم
حَمَل ما في الآية على ذلك.
وفسَّرِه المعتزلةُ حيث وقَعَ منسوباً إليه تعالى بالخذلان تطبيقاً له على مذهبهم،
ومن هنا قال الزمخشريُّ (٨): إِنَّه جارٍ مجرى الكتابةِ عن عنادهم ولجاجهم؛ لأنَّ مَن
عاند وثبَتَ على اللَّجاج خَذَله الله تعالى، ومنَعَه التوفيق واللطف، فلا يزالُ كذلك
حتى يتراكم الرَّين والطبعُ على قلبه.
(١) ينظر ما سلف ٨/٣.
(٢) في تفسيره ٢٠١/٣.
(٣) في (م): عن.
(٤) في (م): أيضاً وذكر.
(٥) في (م): نصور.
(٦) مفردات الراغب (طبع).
(٧) بالكسر، ويحرَّك. القاموس والتاج (طبع).
(٨) في الكشاف ٢٤٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٥/ ٥٠.

سُؤَةُ تُونَ
٢٣٦
الآية : ٧٥
ومرادُه - كما قيل - أنَّ (نَطْبَع)) بمعنى ((نخذل)) على سبيل الاستعارة التصريحية
التبعية، لكنْ لمَّا كان الطبعُ الذي هو الخذلان تابعاً لعنادهم ولجاجهم لازماً
لهما أُجْرِيَ مجرَى الكناية عنهما.
وقرئ: ((يطبع)) بالياء(١)، على أنَّ الضمير لله سبحانه وتعالى.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ عطفٌ على (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ، رُسُلَا إِلَى قَوْمِهِمْ) عظْفَ قصةٍ على قصة
﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾ أي: من بعد أولئك الرسل عليهم السلام.
﴿قُوسَى وَهَرُونَ﴾ أُوثِرَ التنصيصُ على بعثتهما عليهما السلام مع ضربٍ تفصيلٍ
إيذاناً بخَطَر شأنِ القصة وعِظَم وَقْعها.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ﴾ أي: أشرافِ قومه الذين يجتمعون على رأي فيملؤون
العينَ رواءً والنفوسَ جلالةً وبهاءً، وتخصيصُهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالح
والمُهمَّات، ومراجعةِ الكلِّ إليهم في النوازل والمُلِمَّات.
وقيل: المرادُ بهم هنا مطلَقُ القوم، من استعمال الخاصِّ في العامٌّ.
﴿َِايَنِنَا﴾ أي: أَدِلَّتنا ومُعجزاتنا، وهي الآيات المفصَّلات في ((الأعراف)»،
والباء للملابسةِ، أي: ملتبسين(٢) بها.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: تكبَّروا وأُعجبوا بأنفسهم وتعّموا عن الاتِّباع، والفاء
فصيحةٌ، أي: فَأَتَيَاهم فبلَّغَاهم الرسالةَ فاستكبروا، وأُشيرَ بهذا الاستكبار إلى ما وقَعَ
منهم أوَّل الأمر من قول اللَّعين لموسى عليه السلام: ﴿أَمَ ثُرَيِكَ فِنَا وَلِدًا وَلَبِثْتَ فِينَا
مِنْ عُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] وغيرِ ذلك.
﴿وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ (٥)﴾ جملةٌ معترِضةٌ تذييلیةٌ، وجوِّز فيها الحالية بتقدیر ((قد)،
وعلى الوجْهَين تُفيدُ اعتيادَهم الإجرام، وهو فعلُ الذنب العظيم، أي: وكانوا قوماً
شأنُهم ودأبُهم ذلك. وقد يُؤْخَذ مما ذكر تعليلُ استكبارهم. والحملُ على العطف
الساذج لا يناسب البلاغةَ القرآنية ولا يُلائمها، فمعلوم هذا القَدْر من سوابق أوصافهم.
(١) القراءات الشاذة ص٥٧، والبحر ١٨١/٥.
(٢) في (م): متلبسين، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٦٧/٤، والكلام منه.

الآية : ٧٦ - ٧٧
٢٣٧
سُورَةُ لُونِسَ
﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ أيضاً مُعرِبَةٌ عما صُرِّح به في مواضع
أُخَرَ، كأنَّه قيل: قال موسى: ﴿قَدْ ◌ِثْلُكُمْ بِبَيْنَكِ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى
﴿ وَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَّهُ لِلنَّظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٥-١٠٨] فلمَّا
عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
جاءهم الحقُّ ﴿قَالُواْ﴾ مِن فَرْطِ عنادهم وعُتوّهم مع تَنَاهي عَجْزِهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ
◌ُِّينٌ ﴾﴾ أي: ظاهرٌ كونُه سحراً، أو واضحٌ في بابه فائقٌ فيما بين أضرابه،
فـ (مبين)) من أَبانَ بمعنى ظَهَر واتَّضَحَ، لا بمعنى أَظهَرَ وأَوْضَحَ كما هو أحدُ معنييه.
والإشارةُ إلى الحقِّ الذي جاءهم، والمرادُ به - كما قال غيرُ واحدٍ - الآياتُ،
وقد أُقيمَ مقام الضمير للإشارة إلى ظهور حقِّيَّته عند كلِّ أحدٍ، ونسبةُ المجيء إليه
على سبيل الاستعارة تشير أيضاً إلى غاية ظهوره وشدَّةٍ سطوعه، بحيث لا يخفَى
على مَن له أدنَى مُسْكَةٍ، ومن هنا قيل في المعنى: فلمَّا جاءهم الحقُّ من عندنا
وعَرَفوه قالوا .. إلخ، فالاعتراضُ عليه بأنَّه لا دلالةَ في الكلام على هذه المعرفة،
وإنما تُعلَم من موضع آخر، كقوله سبحانه: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾
[النمل: ١٤] من قلَّة المعرفة؛ لظهور دلالة ما علمتَ، وكذا ما قالوا بناء على ما قيل
من دلالته على الاعتراف وتَناهي العجْزِ عليها .
وقرئ: ((الساحر))(١)، وعنوا به موسى عليه السلام؛ لأنَّه الذي ظهر على يده
ما أعجزهم.
﴿قَالَ مُوسَى﴾ استئنافٌ بيانيٌّ، كأنَّه قيل: فماذا قال لهم موسى عليه السلام؟
فقيل: قال لهم على سبيل الاستفهام الإنكاريِّ التوبيخيٍّ: ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ الذي هو
أَبعدُ شيءٍ من السحر الذي هو الباطل البحثُ ﴿لَمَّا جَّمَكُمْ﴾ أي: حين مجيئه
إياكم ووقوفِكم عليه، وهو الذي يقتضيه ما أُشيرَ إليه آنفاً، أو من أول الأمر من غير
تأمُّلٍ وتدبُرٍ كما قيل، وأيّاً ما كان فهو مما ينافي القول الذي في حيِّز الاستفهام،
والمقولُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما قبلُ وما بعدُ عليه، وإيذاناً بأنَّه مما لا ينبغي أنْ يتفوّه
به ولو على نَهْج الحكاية، أي: أتقولون له ما تقولون مِن أنَّه سحرٌ مبين؟ يعني به
أنَّه مما لا يُمكن أنْ يقوله قائلٌ ويتكلمَ به متكلمٌ.
(١) المحتسب ٣١٦/١، والبحر ١٨١/٥ عن مجاهد وسعيد بن جبير والأعمش.

سُوَلُ كُونُسَ
٢٣٨
الآية : ٧٧
وجوِّز أنْ يكون مقولُ القول قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿أَسِحْرُّ هَذَا﴾ على أنَّ مقصودَهم
بالاستفهام تقريرُه عليه السلام(١)، لا الاستفهامُ الحقيقيُّ؛ لأنَّهم قد بتُّوا القولَ بأنَّه
سحرٌ فكيف يستفهمون عنه؟ والمحكيُّ في أحد الموضعَين مفهومُ قولهم ومعناه؟
وإلا فالقصةُ واحدةٌ، والصادرُ فيها بحسب الظاهر إحدَى المقالتين. ولا يخفَى
ضعفُه.
وأنْ (٢) يكونَ القول بمعنى العيبِ والطعن، من قولهم: فلانٌ يخاف القالَةَ، و:
بينَ الناس تقاوُلٌ، إذا قال بعضُهم لبعضٍ ما يسوءه، ونظيرُه الذكر في قوله تعالى:
﴿َسَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ: إِنْزَهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] وحينئذٍ يُستغنَى عن المفعول،
واللامُ لبيان المطعون فيه كما في قوله تعالى: ﴿هَيْتَ لَكْ﴾ [يوسف: ٢٣] أي:
أَتعيبونَه وتطعنُون فيه؟
وعلى هذا الوجه وكذا الوجه الأول يكونُ قوله سبحانه: ﴿أَسِحْرُّ هَذَا﴾ إنكاراً
مستأنفاً من جهة موسى عليه السلام لكونه سحراً، وتكذيبٌ لقولهم وتوبيخٌ لهم عليه
إِثْرَ توبيخٍ، وتجهيلٌ (٣) إِثْرَ تجهيلٍ. أمَّا على الوجه المتقدِّم فظاهرٌ، وأمَّا على الوجه
الأخير فَوجهُ إيثارٍ إنكارٍ كونه سحراً على إنكارٍ كونه معيباً - بأنْ يقال: أَفِيْهِ عيبٌ؟
حسبما يقتضيه ظاهرُ الإنكار السابق - التصريحُ بالردِّ عليهم في خصوصية ما عابوه
به، بعد التنبيه بالإنكار الأول على أنَّه ليس فيه شائبةُ عيبٍ ما .
وتقديمُ الخبر للإيذان بأنَّه مصبُّ الإنكار، وما في اسم الإشارة من معنى القُربِ
لزيادةٍ تعيين المشار إليه، واستحضارِ ما فيه من الصفات الدالّة على كونه آيةً باهرةً
من آيات الله تعالى المناديةِ على امتناع كونه سحراً، أي: أسحرٌ هذا الذي أَمرُه
واضحٌ مكشوفٌ، وشأنُه مشاهَدٌ معروفٌ، بحيث لا يرتابُ فيه أحدٌ ممن له عينٌ
مُبْصِرةٌ .
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ ﴾﴾ تأكيدٌ للإنكار السابق وما فيه من التوبيخ
(١) أي: حمله على الإقرار بأنه سحر. حاشية الشهاب ٥١/٥.
(٢) عطف على قوله: أن يكون مقول القول ...
(٣) كذا وقع قوله: وتكذيبٌ ... وتوبيخٌ ... وتجهيلٌ، بالرفع، والصواب أن يكون بالنصب
عطفاً على قوله: إنكاراً. وينظر تفسير أبي السعود ١٦٨/٤.

الآية : ٧٧
٢٣٩
سُوَلُّ كُونِسَ
والتجهيل، وقد استلزمَ القولُ بكونه سحراً القولَ بكون مَن أتَى به ساحراً، والجملةُ
في موضع الحال من ضمير المخاطَبين، والرابطُ الواوُ بلا ضمير، كما في قوله:
جاء الشتاءُ ولستُ أَملكُ عدَّةً (١)
وقولِك: جاء زيدٌ ولم تَظْلُع الشمس، أي: أتقولون للحقِّ: إنَّه سحرٌ، والحالُ
أنَّه لا يفلح فاعلُه، أي: لا يظفرُ بمطلوبٍ ولا ينجو من مكروهٍ، وأنا قد أفلحتُ
وفُزْتُ بالحُجَّة، ونجوتُ من الهلكة. وجملةُ (أسحرٌ هذا)) معترضةٌ بين الحال وذِيها
لتأكيد الإنكار السابقِ، ببيانِ استحالةٍ كونه سحراً بالنظر إلى ذاته، قبلَ بيانِ استحالتِهِ
بالنظر إلى صدورِهِ منه عليه السلام، ومَن جعلها مقولَ القول أَبَقى الحاليةَ على
حالها، ولا اعتراضَ عندهم(٢)، وكان المعنى على ذلك: أَتَحْمِلُوني على الإقرار
بأنَّه سحرٌ، وما أنا عليه من الفلاح دليلٌ على أنَّ بينَه وبين السحر أَبعد مما بين
المشرق والمغرب.
وقيل: يجوز أنْ تكونَ هذه الجملة كالتي قبلها في حيِّز قولهم، وهي حاليةٌ
أيضاً لكنْ على نمطٍ آخر، والاستفهامُ مصروفٌ إليها، والمعنى: أَجْتَنا بسحرٍ تطلبُ
به الفلاح والحالُ أنَّه لا يفلحُ الساحرُ، أو هم يتعجَّون مِن فلاحه وهو ساحرٌ.
ولا يخفى أنَّ السياقَ والسباق يأبيانِ هذا التجويز، فلا ينبغي حَمْلُ النظم
الجلیل علی ذلك.
وفي ((إرشاد العقل السليم))(٣): أنَّ تجويز أنْ يكونَ الكلُّ مقولَ القول
مما لا يُساعدُه النظم الكريم أصلاً: أمَّا أولاً: فلأنَّ ما قالوا هو الحكمُ بأنَّه سحرٌ،
من غير أنْ يكونَ فيه دلالةٌ على ما تعسّفَ فيه من المعنى بوجهٍ من الوجوه، فصَرْفُ
جوابِهِ عليه السلام عن صريح ما خاطبوه به إلى ما لا يُفهم منه مما يجبُ تنزيهُ
التنزيل عن أمثاله. وكونُ ذلكَ إعراضاً عن ردِّ الإنكار السابق إلى ردِّ ما هو أبلغُ منه
(١) وعجزه: والاعتماد عليك فانظر ما ترى، والبيت لأبي النصر طاهر بن الحسين، كما في
يتيمة الدهر ٥٠٩/٤ والكلام من تفسير أبي السعود ١٦٨/٤.
(٢) في (م): عنده.
(٣) ١٦٨/٤ -١٦٩.

سُوءَ﴿لُونَ
٢٤٠
الآية : ٧٨
في الإنكار لا أراه يحسنُ الالتفات هنا إلى قبول ذلك التجويزِ في كلام الله تعالى
العزيز.
وأما ثانياً: فلأنَّ التعرُّض لعدم إفلاح السحرةِ على الإطلاق من وظائف مَن
يتمسَّكُ بالحقِّ المبين، دون الكفرة المتشبِّئين بأذيال بعضٍ منهم في معارضته عليه
السلام، ولو كان ذلك من كلامهم لناسَبَ تخصيصَ عدم الإفلاحِ بمَن زعموه
ساحراً، بناءً على غلبةٍ مَن يأتون به من السحرة. والاعتذارُ بأنَّ الَتشبُّث بأذيال
بعضٍ السحرة لا يُنافي التعرُّضَ لعدم إفلاحهم على الإطلاق؛ لجواز أنْ يكونَ
اعتقادُهم عدمَ الإفلاح مطلقاً، وتشبُُّهم بعدُ بما تشبَّئوا به من باب تلقِّي الباطل
بالباطل، لا أراه إلا من باب تشبُّك الغريق بالحشيش.
وأمَّا ثالثاً: فلأنَّ قوله عزَّ وجلَّ: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ إلخ مسوقٌ لبيان أنَّه عليه السلام
أَلقمَهم الحجَرَ، فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلَّقٌ بكلامه عليه السلام، فضلاً عن
الجواب الصحيح، واضْطُرُوا إلى التشبُّتَ بذيل التقليدِ، الذي هو دأبُ كلِّ عاجزٍ
محجوجٍ، ودَيدَنُ كلِّ معالجٍ لجوجٍ، على أنَّه استئنافٌ وقَعَ جواباً عما قبله من
كلامه ◌َي﴿ على طريقة ((قال موسى))، كما أشيرَ إليه، كأنَّه قيل: فماذا قالوا لموسى
عليه السلام حينَ قال لهم ما قال؟ فقيل: قالوا عاجزين عن المحاجَّة: أجِثْتَنا
﴿لِتَلْفِئَنَا﴾ أي: لتصرفَنا - وبين اللَّفت والفَتْل مناسبةٌ معنويةٌ واشتقاقيةٌ، وقد نصَّ غيرُ
واحدٍ على أنَّهما أَخَوَان، وليس أحدُهما مقلوباً من الآخر، كما قال
الأزهريُّ(١) - ﴿عَنَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآَمَنَا﴾ أي: من عبادة غيرِ الله تعالى، ولا ريبَ في
أنَّ ذلك إنَّما يتسَنَّى بكون ما ذكر من تتمة كلامِهِ عليه السلام على الوجهِ الذي
شُرِحَ، إذ على تقديرٍ كونه محكياً مِن قِبَلِهم، يكونُ جوابه عليه السلام خالياً عن
التبكيت الملجئ لهم إلى العدول عن سَنَن المحاجَّة، ولا ريبَ في أنَّه لا علاقةَ بين
قولهم: ((أجئتنا)) إلخ وبين إنكاره عليه السلام لِمَا حُكي عنهم مُصحِّحةً (٢) لكونه
جواباً عنه. وهذا ظاهرٌ إلَّا على مَنْ حُجِبَ عن إدراك البديهيات.
(١) في تهذيب اللغة ٢٦٨/٤، ولم يذكره أبو السعود، ونقله المصنف بواسطة الشهاب في
الحاشية ٥١/٥.
(٢) قوله: مصححة، صفة لقوله: علاقة.