النص المفهرس
صفحات 181-200
الآية : ٥٦ - ٥٧ ١٨١ سُوَلا تُونس الإضافات، فلذلك ناداهم (١) سبحانه بقوله عزَّ اسمُه: (أَلَاَ إِنَّ لِلَّهِ) إلخ، واستنادُ جميع ذلك إليه جلَّ شأنه بالمملوكية لِمَا ثبت مِن وجوب وجودِه لذاته سبحانه، وأنَّ جميع ما سواه ممكنٌ لذاته، وأنَّ الممكن لذاته مستندٌ إلى الواجب لذاته إمَّا ابتداءً أو بواسطة، وذلك يقتضي أنَّ الكلَّ مملوكٌ له تعالى(٢). والكلامُ في ذِكْر الأداة في الجملة الثانية على هذا النمط لا يخلو عن تكلُّفٍ، والحقُّ ما أشرنا إليه في وجه التصدير. ووَجْهُ اتِّصال هذه الجملةِ بما تقدَّم ظاهرٌ مما قرَّرنا، وللطبرسيِّ(٣) في توجيه ذلك كلامٌ ليس بشيءٍ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ لسوء استعداداتهم وقصورِ عقولهم واستيلاءِ الغَفْلةِ عليهم ﴿لَ فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون. يَعْلَمُونَ ﴿هُوَ يُحِ، وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا من غير دَخْلٍ لأحد في ذلك. وهذا على ما يُفهَم من كلام البعض استدلالٌ على البعث والنشور، على معنى أنَّه تعالى يفعل الإحياء والإماتة في الدنيا، فهو قادرٌ عليهما في العُقبى؛ لأنَّ القادر لذاته لا تزولُ قدرتُه، والمادةُ القابلة بالذات للحياة والموت قابلةٌ لهما أبداً. ولا يخفى أنَّ ذكر القدرة على الإماتة استطراديٌّ لا دَخْلَ له في الاستدلال على ذلك، والظاهرُ عندي أنَّه کالذي قبله تذييلٌ لما سبق. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لَّ في الآخرة بالبعث والحشر. ﴿بَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَ تَّكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّن زَيَّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ التفاتٌ ورجوعٌ إلى (٤) استمالتهم نحوَ الحقِّ، واستنزالهم إلى قبوله لَلْمُؤْمِنِينَ واتِّباعه، غِبَّ تحذيرهم من غوائلِ الضلال بما تلا عليهم من القوارع، وإيذانٌ بأنَّ جميع ذلك مسوقٌ لمصالحهم، وهذا وجهُ الربط بما تقدَّم. (١) في (م): زادهم، والمثبت من الأصل وتفسير الرازي. (٢) تفسير الرازي ١١٣/١٣-١١٤. (٣) في مجمع البيان ١١/ ٦٢. (٤) في الأصل: في، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٥٥/٤، والكلام منه. سُؤَةُ تُونسر ١٨٢ الآية : ٥٧ وقال أبو حيان في ذلك: إنَّه تعالى لمَّا ذكَرَ الأدلَّة على الألوهية والوحدانيةِ والقدرة، ذكَرَ الدلائلَ الدالّة على صحَّة النبوَّة، والطريقَ المؤدِّيَ إليها [وهو القرآن] وهو المتَّصفُ بهذه الأوصاف(١). والأوَّل أَولَى، ولا يأباه عمومُ الخطاب كما هو الظاهرُ، واختاره الطبري(٢) خلافاً لمن جعله خاصّاً بقریش. و ((الموعظة)) كالوَعْظِ والعِظةِ: تذكيرُ ما يُليِّن القلبَ من الثواب والعقاب، وقيل: زجرٌ مقترنٌ بتخويفٍ. و((الشفاءُ)) الدواء، ويُجمَع على أَشْفِية، وجمعُ الجمع أَشَافي. و((الهدَى)) معلومٌ مما مرَّ غيرَ مرَّةٍ. و((الرحمة)) الإحسانُ، أو إرادتُه، أو صفةٌ غیرُهما لائقةٌ بمن قامت به. و((من ربكم)) متعلِّقٌ بـ ((جاء)) و (مِن)) ابتدائية، أو بمحذوفٍ وقع صفةً لـ ((موعظة) و (من)) تبعيضية والكلامُ على حذف مضافٍ، أي: موعظةٌ من مواعظ ربكم. و((لِمَا)) إما متعلِّقٌ بما عنده واللام مقوِّيةٌ، وإما متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع نعتاً له، وكذا يُقال - على ما قيل - فيما بَعْدُ. والمرادُ: قد جاءكم كتابٌ جامعٌ لهذه الفوائدِ والمنافع، كاشفٌ عن أحوال الأعمال حسناتِها وسيِّئاتِها، مرغِّبٌ في الأُولى ورادٌ(٣) عن الأُخرى، ومبيِّنٌ للمعارف الحَقَّة المُزِيلةِ لأَذْواءِ الشكوك وسوءِ مزاج الاعتقاد، وهادٍ إلى طريق الحقِّ واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل الآفاقية والأَنفُسيَّةِ، ورحمةٌ للمؤمنين حيث نجَوا به من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان، وتخلَّصوا من دَرَكات النيران، وارتقوا إلى درجات الجنان. قال بعضُ المحقّقين: إنَّ في ذلك إشارةً إلى أنَّ للنفس الإنسانية مراتبَ كمالٍ مَن تمسَّك بالقرآن فاز بها : (١) البحر ٥/ ١٧٠، وما سلف بين حاصرتين منه. (٢) في تفسيره ١٢/ ١٩٣. (٣) في الأصل: رادع، دون الواو، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٤/ ١٥٥ . الآية : ٥٧ ١٨٣ سُؤَل ◌ُونَ أحدها: تهذيبُ الظاهر عن فعلِ ما لا ينبغي، وإليه الإشارةُ بـ ((الموعظة))؛ بناءً على أنَّ فيها الزجرَ عن المعاصي. وثانيها: تهذيبُ الباطن عن العقائد الفاسدةِ، والملكاتِ الرديَّةِ، وإليه الإشارةُ بـ ((شفاءٌ لِمَا في الصدور)). وثالثها: تحلِّ النفس بالعقائد الحقَّة والأخلاقِ الفاضلة، ولا يحصل ذلك إلا بـ ((الهدى)). ورابعها: تجلِّي أنوار الرحمة الإلهية، وتختصُّ بالنفوس الكاملة، المستعدَّةِ بما حصَلَ لها من الكمال الظاهر والباطن لذلك. وقال الإمام: الموعظةُ إشارةٌ إلى تَطهُّر ظواهر الخلقِ عمَّا لا ينبغي، وهو الشريعة. والشفاءُ إلى تطهُّر الأرواح عن العقائد الفاسدةِ والأخلاق الذميمة، وهو الطريقة. والهدى إلى ظهور الحقِّ في قلوب الصدِّيقين، وهو الحقيقة. والرحمةُ إلى بلوغ الكمال والإشراق حتى يُكمِّلَ غيرَه ويُفيضَ عليه، وهو النبوّة والخلافة، فهذه درجاتٌ لا يمكن فيها تقديمٌ ولا تأخير(١). ولا يخفى أنَّ هذا خلافُ الظاهر جدّاً، والذي يقتضيه الظاهرُ كونُ المذكورات أوصافاً للقرآنِ باعتبار كونه سبباً وآلةً لها، وجُعلَت عينَه مبالغةً، وبينها تلازمٌ في الجملة، والتنکیرُ فیها للتفخیم. والهدايةُ إنْ أخذت بمعنى الدلالة مطلقاً فعامَّةٌ، أو بمعنى الدلالة الموصولة فخاصَّةٌ، وحينئذٍ يكون ((للمؤمنين)) قيدُ الأمرَين، ويؤيِّد تقييدَ الهدى بذلك قولُه سبحانه: ﴿هُدَّى لِلْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] فالقرآنُ واعظٌ بما فيه من الترهيب والترغيب، أو بما فيه من الزَّجْرِ عن المعاصي كيفما كانت، المقترنِ بالتخويف فقط بناءً على التفسير الثاني للموعظة، وشافٍ لِمَا في الصدور من الأدواء المفضية إلى الهلاك كالجهل والشكِّ والشِّرك والنفاقِ وغيرِها، ومرشدٌ ببيان ما يليقُ وما لا يليق إلى ما فيه النجاةُ والفوزُ بالنعيم الدائم، أو موصلٌ إلى ذلك، وسبب الرحمة للمؤمنين (١) تفسير الرازي ١٧/ ١١٧ . ١٨٤ الآية : ٥٧ الذين آمنوا به وامتثلوا ما فيه من الأحكام، وأمَّا إذا ارتُكبَ خلاف الظاهر فيقال غيرُ ما قيل أيضاً، مما ستراه إن شاء الله تعالى في باب الإشارة. واستُدل - كما قال الجلال السيوطي(١) - بالآية على أنَّ القرآن يشفي(٢) من الأمراض البدنية كما يشفي من الأمراض القلبية. فقد أخرج ابنُ مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجلٌ إلى النبي ◌ِّهِ فقال: إنِّي أَشتكي صدري. فقال عليه الصلاة والسلام: ((اقرأ القرآن، يقول الله تعالى: (وَشِفَاءٌ لِّمَا فِ الصُّدُورِ)). وأخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) عن واثلة بن الأسقع أنَّ رجلاً شكا إلى النبي ◌ِّهِ وجَعَ حلقِهِ فقال: ((عليك بقراءة القرآن))(٣). وأنت تعلم أنَّ الاستدلال بها على ذلك مما لا يكاد يُسَلَّم. والخبرُ الثاني لا يدلُّ عليه، إذ ليس فيه أكثرُ من أمره وَ ر الشاكيَ بقراءة القرآن، إرشاداً له إلى ما ينفعه ويزول به وجعُه، ونحن لا نُنكر أنَّ لقراءة القرآن بركةً قد يُذْهِبُ الله تعالى بسببها الأمراض والأوجاع، وإنما ننكر الاستدلال بالآية على ذلك. والخبرُ الأول وإنْ كان ظاهراً في المقصود، لكن ينبغي تأويلُه كأن يقال: لعلَّه ◌ِله اطّلع على أنَّ في صدر الرجل مرضاً معنوياً قلبيّاً قد صار سبباً للمرض الحسِّي البدني، فَأَمَره عليه الصلاة والسلام بقراءة القرآن ليزولَ عنه الأوَّلُ فيزول الثاني، ولا يُستبعد كونُ بعضِ الأمراض القلبية قد يكون سبباً لبعض الأمراض القالبية، فإنَّا نرى أنَّ نحو الحسد والحقد قد يكون سبباً لذلك، ومن كلامهم: لله تعالى درُّ الحسد ما أعدَلَه بدأ بصاحبه فقَتَلَه(٤)، وهذا أولَى من إخراج الكلام مخرجَ الأسلوب الحكيم. والحسنُ البصريُّ ينكر كونَ القرآن شفاءً للأمراض، فقد أخرج أبو الشيخ عنه(٥) أنَّه قال: إنَّ الله تعالى جعَلَ القرآن شفاءً لِمَا في الصدور، ولم يجعله شفاءً لأمراضكم. والحقُّ ما ذكرنا. (١) في الإكليل في استنباط التنزيل ص١٤٨ . (٢) في الإكليل: أن قراءة القرآن تشفي ... (٣) الإكليل ص١٤٨، وحديث واثلة في الشعب (٢٥٨٠). (٤) نُسب لعلي ◌ُّه، كما في غرر الخصائص الواضحة ص٤٧٨. (٥) كما في الدر المنثور ٣٠٨/٣. الآية : ٥٨ ١٨٥ سُؤَةُ دُونِسَ ﴿قُلٌ﴾ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول اللهِوَ ل﴿ ليأمرَ الناسَ بأنْ يغتنموا ما في القرآن العظيم من الفضل والرحمة، أي: قل لهم. ﴿يِفَضْلِ الَهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ، وأصلُ الكلام: ليفرحوا بفضل الله تعالى وبرحمته، ثم قُدّم الجارُّ والمجرورُ على الفعل لإفادة اختصاصه بالمجرور، ثم أُدخل عليه الفاء لإفادة معنى السببية، فصار: بفضل الله وبرحمته فليفرحوا، ثم جيء بقوله سبحانه: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ للتأكيد والتقرير،، ثم حُذف الفعل الأول لدلالة الثاني عليه . والفاء الأولى قيل: جزائيةٌ، والثانيةُ زائدةٌ للتأكيد، والأصل: إنْ فرحوا بشيءٍ فبذلك ليفرحوا لا بشيءٍ آخر، ثم زِيدَت الفاء لِمَا ذكر، ثم حُذفَ الشرط. وقيل: إنَّ الأُولى هي الزائدة؛ لأنَّ جواب الشرط في الحقيقة ((فليفرحوا)) و((بذلك)) مقدَّمٌ من تأخيرٍ؛ لمَا أُشير إليه، وزِيدَت فيه الفاءُ للتحسين، ولذلك جوِّز أنْ يكون بدلاً من قوله سبحانه: (بِفَضْلِ الَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ) وحينئذٍ لا يُحتاج إلى القول بحذف متعلَّقه، ونظيرُ ذلك في الاختلاف في تعيين الزائد فيه قولُ النَّمِر بن تَوْلَب: فإذا هلكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي(١) لا تجزعي إنْ منفساً أَملكْتُهُ ومن غريب العربية ما أشار إليه بعضُهم: أنَّ الآية من باب الاشتغال، وقد أُقيمَ اسمُ الإشارة مقامَ ضمير المعمول، وتوحيدُه باعتبار ما ذُكر ونحوه كما هو شائعٌ فيه، ووجهُ الغرابة(٢) أنَّ المعروف في شرط البابِ اشتغالُ العامل بضمير المعمول، ولم يذكر أحدٌ من النحاة اشتغالَه باسم الإشارة إليه. وجوِّز أنْ يُقدَّر متعلَّق الجارِّ والمجرور: فليعتنوا، أي: بفضل الله ورحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، والقرينةُ على تقدير ذلك أنَّ ما يُفْرَحُ به يكون مما يُعتَنَّى ويُهتَمُّ بشأنه، أو تقديمُ الجارِّ والمجرور على ما قيل، وقال الحلبي: الدلالة عليه (١) الكتاب ١٣٤/١، والخزانة ٣١٤/١، ومعناه كما ذكر البغدادي: أن الشاعر يقول مخاطباً زوجته: لا تجزعي من إنفاقي النفائس ما دمت حيّاً، فإني أحصل على أمثالها وأخلفها عليك، ولكن اجزعي إذا مت فإنك لا تجدين خَلَفاً مني. (٢) في (م): غرابته. سُولُلُونِسَ ١٨٦ الآية : ٥٨ من السياق واضحة، وليس شرط الدلالة أنْ تكون لفظية(١). فقولُ أبي حيان: إنَّ ذلك إضمارٌ لا دليل عليه(٢). مما لا وجْهَ له. وأن يُقدَّر: جاءتكم، بعد ((قل)) مدلولاً عليه بما قبلُ، أي: قل جاءتكم موعظةٌ وشفاءٌ وهدى ورحمةٌ بفضل اللهِ وبرحمته، ولا يجوزُ تعلَّقه بـ ((جاءتكم)) المذكور؛ لأنَّ ((قل)) تمنعُ من ذلك، و((ذلك)) على هذا إشارةٌ إلى المصدر المفهوم من الفعل، وهو المجيء، أي: فبمجيء المذكورات فليفرحوا. وتكريرُ الباء في ((برحمته)) على سائر الأوجه للإيذان باستقلالها في استيجاب (٣) الفرح. والمرادُ بالفضل والرحمة إما الجنسُ، فيدخل(٤) فيه ما في مجيء القرآن من الفضل والرحمة دخولاً أوليّاً، وإمَّا ما في مجيئه من ذلك، ويؤيِّده ما روي عن مجاهد أنَّ المراد بالفضل والرحمة القرآنُ. وأخرج أبو الشيخ وابنُ مردويه عن أنس قال: قال رسول اللهِوَله: ((فضْلُ الله القرآنُ، ورحمتُه أَنْ جَعَلكُم من أهله)»(٥) وروي ذلك عن البراء وأبي سعيد الخدري ﴿ّ موقوفاً (٦). وجاء عن جمع جمٍّ أنَّ الفضل القرآنُ، والرحمة الإسلام، وهو في معنى الحدیث المذكور. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ها أنَّ الفضل العلمُ، والرحمة محمدٌ وَلَ(٧). (١) الدر المصون ٢٢٣/٦. (٢) البحر ١٧١/٥ . (٣) في الأصل: إيجاب. (٤) في (م): ويدخل. (٥) الدر المنثور ٣٠٨/٣، وعزاه لابن مردويه أيضاً الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار ١٢٨/٢، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، قال عنه الدارقطني وغيره: كان يضع الحديث. وقال ابن عدي: له عن ثقات الناس بواطيل. (٦) أخرجه عن البراء الطبراني في الأوسط (٥٥١٢)، وعن أبي سعيد الخدري سعيد بن منصور في سننه (١٠٦٤ - تفسير)، وابن أبي شيبة ٥٠١/١٠، والطبراني ١٩٤/١٢ -١٩٥. (٧) الدر المنثور ٣٠٨/٢. الآية : ٥٨ ١٨٧ سُوَلُ يُونِسَ وأخرج الخطيب وابنُ عساكر عنه تفسيرَ الفضل بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام، والرحمة بعليٍّ كرم الله تعالى وجهه(١). والمشهورُ وصفُ النبيِّ وَّ بالرحمة كما يُرشد إليه قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] دون الأمير كرَّم الله تعالى وجهه، وإنْ كان رحمةً جليلةً رضي الله عنه وأرضاه. وقيل: المرادُ بهما: الجنَّةُ، والنجاة من النار. وقيل غيرُ ذلك. ولا يجوز أنْ يُراد بالرحمة على الوجه الأخير من أوجُهِ الإعراب ما أُريد بها أوَّلاً، بل هي فيه غيرُ الأولى كما لا يخفى. ورَوى رويس عن يعقوب أنَّه قرأ: ((فلتفرحوا)) بتاء الخطاب ولام الأمر(٢) على أصل المخاطَب المتروك، بناءً على القول بأنَّ أصل صيغةِ الأمر الأمرُ باللام، فحذفت مع تاء المضارعة واجْتُلبت همزةُ الوصل للتوصُّل إلى الابتداء بالساكن، لا على القول بأنَّها صيغةٌ أصلية. وقد وردَت هذه القراءة في حديث صحيح عن النبيِّ وَّهِ، وقد أخرجه جماعةٌ منهم أبو داود وأحمدُ والبيهقيُّ من طرقٍ عن أبيِّ بن كعبٍ ◌َُه مرفوعاً(٣). وقرأ بها أيضاً ابنُ عباس وقتادة وغيرُهما (٤) . وفي تعليقات الزمخشريِّ على كشافه: كأنَّه وَّهِ إِنَّما آثر القراءة بالأصل؛ لأنَّه أدلُّ على الأمر بالفرح، وأشدُّ تصريحاً به، إيذاناً بأنَّ الفرح بفضل الله تعالى وبرحمته بليغ التوصية به ليطابق التقرير والتكرير وتضمين معنى الشرط لذلك، ونظيرُه مما انقلب فيه ما ليس بفصيحٍ فصيحاً قوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوّا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤](٥) من تقديمُ الظرف اللغو ليكون الغرضُ اختصاصَ (١) تاريخ بغداد ١٥/٥، وتاريخ دمشق ٣٦٢/٤٢ وهو من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح، وهي سلسلة الكذب المشهورة. (٢) النشر ٢٨٥/٢. (٣) سنن أبي داود (٣٩٨٠)، ومسند أحمد (٢١١٣٦)، والشعب (٢٥٩٤). (٤) المحتسب ٣١٣/١، والبحر ١٧٢/٥ عن جمع منهم قتادة، ولم نقف عليها عن ابن عباس (٥) ذكره بنحوه الشهاب في الحاشية ٤١/٥، وفيه :... إيذاناً بأن الفرح بفضل الله ورحمته = سُۈۈالونس ١٨٨ الآية : ٥٨ التوحيد. انتهى. وهو مأخوذٌ من كلام ابن جني في توجيه ذلك(١). ونُقِل عن ((شرح اللب)) في توجيهه: أنَّه لمّا كان النبيُّ نَّه مبعوثاً إلى الحاضر والغائب جَمَعَ بين اللام والتاء. قيل(٢): وكأنَّه عنى: أنَّ الأمر لمَّا كان لجملة المؤمنينَ حاضرِهم وغائبهم، غلِّب الحاضرون في الخطاب على الغائبين، وأُتي باللام رعايةً لأمر الغائبين، وهي نكتةٌ بديعةٌ إلا أنَّه أمر محتملٌ. وما نُقل عن صاحب ((الكشاف)) أَوْلَى بالقبول. وقرئ: ((فافرحوا))(٣) وهي تؤيِّد القراءةَ السابقة؛ لأنَّها أمرُ المخاطب على الأصل. وقرئ: ((فَلِيَفْرحوا)) بكسر اللام(٤). ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ ﴾﴾ من الأموال والحَرْثِ والأَنعام وسائر حطام الدنيا، فإنَّها صائرةٌ إلى الزوال مشرفةٌ عليه، وهو راجعٌ إلى لفظِ ((ذلك)) باعتبارٍ مدلوله وهو مفرد، فَرُوعيَّ لفظُه، وإنْ كان عبارةً عن الفضل والرحمة. ويجوزُ إرجاعُ الضمير إليهما ابتداءً بتأويل(٥) المذكور كما فعل في ((ذلك))، أو جَعْلُهما في حكم شيءٍ واحدٍ. ولك أنْ تجعلَه راجعاً إلى المصدر، أعني: المجيء الذي أشير إليه. و((ما)) تحتمل الموصولية والمصدرية. وقرأ ابنُ عامر: ((تجمعون)) بالخطاب(٦) لمن خُوطب بـ ((يا أيها الناس)) سواءٌ كان عاماً أو خاصّاً بكفار قريش، وضمير ((فليفرحوا)) للمؤمنين، أي: فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خيرٌ مما تجمعون أيُّها المخاطَبون، وعلى قراءة ((فلتفرحوا)) = مما ينبغي التوصية مشافهة به، وبهذا الاعتبار انقلب ما ليس فصيحاً فصيحاً كما في قوله: (لم يكن له كفواً أحد)). (١) كلام ابن جني في المحتسب ٣١٣/١-٣١٤، وحاشية الشهاب ٤١/٥. (٢) القائل هو الشهاب في الحاشية ٤٢/٥، وما قبله منه. (٣) المحتسب ٣١٣/١، والبحر ١٧٢/٥ عن أبيٍّ ◌َ﴿﴾. (٤) القراءات الشاذة ص٥٧، والبحر ١٧٢/٥. (٥) في الأصل: باعتبار، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٤٢/٥، والكلام منه. (٦) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٥/٢. وهي قراءة أبي جعفر، ورويس عن يعقوب. الآية : ٥٩ ١٨٩ سٌُ لا تُونِسَ و((افرحوا)) يكون الخطابُ على ما قيل للمؤمنين. وجوِّز أنْ يكونَ لهم على قراءة الغيبة أيضاً التفاتاً، وتعقّب بأنَّ الجمع أَنسبُ بغيرهم، وإنْ صحَّ وصفُهم به في الجملة، فلا ينبغي أنْ يلتزم القول بما يستلزمُه ما دام مندوحة عنه. ﴿قُلْ أَرَّيْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّنْ زِزْقٍ﴾ أي: ما قدَّر لانتفاعكم من ذلك، وإلَّا فالرزقُ ليس كلُّه مُنزلاً، واستعمال ((أَنْزَل)) فيما ذكر مجازٌ من إطلاق المسبّب على السبب. وجوِّز أنْ يكون الإسناد مجازيّاً بأنْ أسند الإنزال إلى الرزق؛ لأنَّ سببه کالمطر مُنزَلٌ. وقيل: إنَّ هناك استعارةً مكنيةً تخييليةً، وهو بعيد. وجَعْلُ الرزق مجازاً عن سببه، أو تقديرُ لفظ سبب مما لا ينبغي(١). و((ما)) إمَّا موصولةٌ في موضع النصب على أنَّها مفعولٌ أولُ لـ ((أرأيتم)) والعائد محذوفٌ، أي: أنزله، والمفعولُ الثاني ما ستراه إن شاء الله تعالى قريباً. وإمَّا(٢) استفهاميةٌ في موضع النصب على أنَّه مفعولُ (أَنزل)) وقدِّم عليه لصدارته، وهو معلِّقٌ لِمَا قبله إن قلنا بالتعليق فيه، أي: أيّ شيءٍ أنزل الله تعالى من رزق. ﴿فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلًا﴾ أي: فبَّضْتُموه وقَسمتُموه إلى حرام وحلالٍ، وقلتم: ﴿هَذِيِةِ أَنْعَهُ وَحَرْثُ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] و﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنَْمِ خَالِصَِةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] إلى غير ذلك. ﴿قُلْ ءَّاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في جَعْلِ البعضِ منه حراماً والبَعْضِ الآخَرِ حلالاً ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَُّونَ ﴾﴾ ((أم)) والهمزةُ متعادلتان، والجملةُ في موضع المفعول الثاني لـ «أرأيتم))(٣)، و((قل)) مكرَّرٌ للتأكيد فلا يَمنعُ من ذلك، والعائدُ على المفعول الأول مقدَّرٌ، والمعنى: أرأيتم الذي أنزله الله تعالى لكم من رزقٍ ففعلتُم فيه ما فعلتم، أيُّ الأمرَين كائنٌ فيه: الإذنُ فيه من الله تعالى بجَعْلِهِ قِسْمَين، أم الافتراءُ منكم. (١) لأن المستَخْبَر عنه ليس سبب الرزق بل هو نفسه. حاشية الشهاب ٥/ ٤٢، والكلام منه. (٢) في (م): وما، وهو تحريف. (٣) يعني على القول بأن ((ما)) موصولة في موضع النصب على أنها مفعول أول لـ ((أرأيتم)). الدر المصون ٢٢٦/٦، وحاشية الشهاب ٤٢/٥. سُؤَ ل ◌ُونيس ١٩٠ الآية : ٦٠ وكان أصلُ ((آلله أذنَ لكم)) إلخ: اللهُ أَذِنَ أم غيرُه، فعدل إلى ما في النظم الجليل دلالةً على أنَّ الثابت هو الشقُّ الثاني، وهم نسبوا ذلك إليه سبحانه، فهم مفتَرون عليه جلَّ شأنه لا على غيره، وفيه زجرٌ عظيم كما لا يخفى. ولعل هذا مرادُ مَن قال: إنَّ الاستفهام للاستخبار، ولم يُقْصَد به حقيقتُه ليُنافي تحقَّقَ العلم بانتفاءِ الإذن وثبوتِ الافتراء، بل قُصِدَ به التقريرُ والوعيدُ وإلزام الحجة . وجوِّز أن يكون الاستفهام الإنكار الإذن، وتكون (أم)) منقطعةً بمعنى ((بل)) الإضرابية، والمقصودُ الإضراب عن ذلك لتقرير افترائهم، والجملةُ على هذا معمولةٌ للقول وليست متعلّقةً بـ ((أرأيتم))، وهو قد اكتفَى بالجملة الأولى كما أشرنا إليه . ومن الناس مَن جوَّز كونَ ((أم)) متَّصلةً وكونَها منفصلة، على تقدير تعلُّق الجملة بفعل القول، وأَوجبَ الاتِّصال على تقدير تعلُّقها بـ ((أرأيتم)). وجَعْلُ الاسم الجليل مبتدأً مخبراً عنه بالجملة للتخصيص عند بعضٍ، ولتقويةٍ الحكم عند آخر، والإظهارُ بعدُ في مقام الإضمار للإيذان بكمال قُبح افترائهم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور للقَصْرِ مطلقاً في رأيٍ، ولمراعاةِ الفواصل على الوجه الأول وللقَصْرِ على الوجه الثاني في آخر. واستدلَّ المعتزلةُ بالآية على أنَّ الحرام ليس برزقٍ، ولا دليلَ لهم فيها - على ما ذكرناه - لأنَّ المقدَّر للانتفاع هو الحلال، فيكون المذكور هنا قسماً من الرزق، وهو شاملٌ الحلال والحرام، والكفرةُ إنَّما أخطؤوا في جَعْلِ بعض الحلال حراماً، ومَن جعَلَ أهلَ السنة نظيراً لهم في جَعْلِهم الرزقَ مطلقاً منقسماً إلى قسمين فقد أَعْظَمَ الفرية. ﴿وَمَا ظَنُّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ﴾ كلامٌ مسوقٌ من جهته تعالى لبيان هولٍ ما سيلْقَوْنه، غيرُ داخلٍ تحت القول المأمور به، والتعبيرُ عنهم بالموصول [في موقع الإضمار](١) لقَطْع احتمالِ الشقِّ الأول من الترديد، والتسجيلِ عليهم بالافتراءِ، (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٥٧/٤، والكلام منه. الآية : ٦٠ ١٩١ سُودلالُونِسَ وزيادةُ الكذب - مع أنَّ الافتراء لا يكون إلا كذلك - لإظهارِ (١) كمالِ تُبْح ما افتعلوا، وكونه كذباً في اعتقادهم أيضاً. و((ما)) استفهاميةٌ مبتدأ و((ظنّ) خبرُها، وهو (٢) مصدرٌ مضافٌ إلى فاعله، ومفعولاه محذوفان. وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ اُلْقِيَّمَةِ﴾ ظرفٌ لنفس الظنِّ لا لـ ((يفترون))(٣) لعدم صحته معنًى، ولا بمقدَّر لأنَّ التقدير خلافُ الظاهر، أي: أيُّ شيءٍ ظنّهم في ذلك اليوم أنّي فاعلٌ بهم، والمقصودُ التهديدُ والوعيد. ويدلُّ على تعلُّقه بالظنِّ قراءة عيسى بن عمر: ((وما ظَنَّ)) بصيغة الماضي(٤)، و (ما)) في هذه القراءة بمعنى الظنِّ في محلِّ نصبٍ على المصدرية، والتعبيرُ بالماضي لتحقُّق الوقوع، وأكثرُ أحوال القيامة يعبّر عنها بذلك في القرآن لِمَا ذُكر، والعملُ في الظرف المستقبلِ لا يمنعُ لتصييره الفعلَ نصّاً في الاستقبال التجوُّزَ المذكور؛ لأنَّه(٥) يقدَّر - لتحقُّقِه أيضاً - ماضياً. وقيل: الظرفُ متعلّقٌ بما يتعلَّق به ظنُّهم اليومَ من الأمور التي ستقع يوم القيامة؛ تنزيلاً له ولِمَا فيه (٦) من الأهوال - لمكان وضوح أمره في التحقّق والتقرُّر - منزلةً المسلَّم عندهم، أي: أيُّ شيءٍ ظنُّهم لِمَا سيقع يوم القيامة، أيحسبون أنَّهم لا يُسألون عن افترائهم، أو لا يُجازَوْنَ عليه، أو يُجازَون جزاءً يسيراً، ولذلك يفعلون ما يفعلون(٧)، كلَّا إِنَّهم لفي أشدِّ العذاب؛ لأنَّ معصيتهم أشدُّ المعاصي. والآيةُ السابقة، قيل: متَّصلةٌ بقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَآءِ وَاْأَرْضِ﴾ إلخ [الآية: ٣١]، كأنَّه قيل حيث أقرُّوا أنَّه سبحانه الرازقُ: قل لهم: أرأيتُم (١) قوله: لإظهار، مكرر في (م). (٢) في (م): هو. (٣) في (م): لا بيفترون. (٤) القراءات الشاذة ص٥٧، والكشاف ٢٤٢/٢، والبحر ١٧٣/٥، وحاشية الشهاب ٤٣/٥. (٥) أي: يوم القيامة. حاشية الشهاب ٤٣/٥. (٦) في (م): ولما يقع فيه. والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٥٧/٤، والكلام منه. (٧) في (م): ما يفعلون يفعلون، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود. سُورَلُ كُونُسَ ١٩٢ الآية : ٦١ ما أنزل الله .. إلخ. ونُقل ذلك عن أبي مسلم. وقيل: بقوله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ) إلخ، وذلك أنَّه جلَّ شأنه لمَّا وصَفَ القرآن بما وَصَفَهِ، وأَمر نبيَّهِ وَّهِ أنْ يُرغِّب باغتنام ما فيه، عَقَّب ذلك بذكرٍ مخالفتهم لِمَا جاء به، وتَخْرِيمِهم ما أحلَّ. وقيل: إنها متَّصلةٌ بالآيات الناعيةِ عليهم سوء اعتقادهم، كأنَّه سبحانه بعد أن نَعَى عليهم أصولَهم بَيَّن بطلان فروعهم، ولعل خيرَ الثلاثة وَسَطُها. ﴿إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أي: عظيم لا يُقْدَرُ قَدْرُه ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُه ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ جميعاً حيث أنعم عليهم بالعقل، وَرَحِمَهم بإرسال وإنزالِ الكتب، وبيَّن لهم ما لا تستقلُّ عقولُهم بإدراكه، وأَرشدَهم إلى ما يهمُّهم من أمر المعاش والمعاد، ورغَّبهم ورهَّبهم، وشَرَحَ لهم الأحوال، وما يلقاه الحائدُ عن الرشاد من الأهوال ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ ذلك الفضلَ، فلا ينتفعون به. ولعل الجملةَ تذييلٌ لَمَا سَبَقَ مِقرِّرٌ لمضمونه. ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأَنٍ﴾ أي: في أمرٍ معتنّى به، مِن شَأَنَه بالهمز كسَأَلَه: إذا قَصدَه، وقد تُبَدل همزتُه ألفاً، وهو في الأصل مصدرٌ، وقد أُريدَ به (١) المفعول. ﴿وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ﴾ الضميرُ المجرور للشأن، والتلاوةُ أعظمُ شؤونه بَّهِ، ولذا خُصَّت بالذِّكر. أو للتنزيل، والإضمارُ قبل الذكر لتفخيم شأنه. أو لله عزَّ وجلَّ. و ((مِن)) قيل: تبعيضية على الاحتمالَين الأوَّلَين، وابتدائيةٌ على الثالث. والتي في قوله سبحانه: ﴿مِن قُرْءَانٍ﴾ زائدةٌ لتأكيد النفي على جميع التقادير، وإلى ذلك ذهب القطب. وقال الطيبي: إنَّ (مِن)) الأولى على الاحتمال الأخير ابتدائية والثانية مزيدةٌ، وعلى الاحتمال الأوَّل الأُولى للتبعيض والثانية للبيان، وعلى الثاني الأُولى ابتدائيةٌ والثانية للبيان. وفي ((إرشاد العقل السليم))(٢): إنَّ الضمير الأول للشأن، والظرف صفةٌ لمصدرٍ (١) قوله: به، ليس في (م). (٢) ٤ / ١٥٧. الآية : ٦١ ١٩٣ سُؤَلُ كُونسَ محذوفٍ، أي: تلاوةً كائنةً من الشأن. أو للتنزيل و((من)) ابتدائية أو تبعيضية. أو لله تعالى شأنُه. و((مِن)) الثانية مزيدة أو ابتدائية(١) على الوجه الأول، وبيانيةٌ أو تبعيضيةٌ على الوجه الثاني والثالث. وأنت تعلم أنَّه قد يكون الظرف متعلّقاً بما عنده، والتزامُ تعلُّقه بمحذوفٍ وقع صفةً لمصدرٍ كذلك في جميع الاحتمالات مما لا حاجةً إليه. نعم اللازمُ - بناءً على المشهور - أنْ لا يتعلَّق حرفان بمعنَى بمتعلَّقٍ واحد. وذهب أبو البقاء إلى أنَّ الضمير الأول للشأن، و((من)) الأُولى للأَجْلِ كما في قوله سبحانه: ﴿مِّنَّا خَطِيَِّهِمْ أُغْرِفُوا﴾ [نوح: ٢٥]. و((من)) الثانية مزيدةٌ وما بعدها مفعول به لـ ((تتلو))(٢). وله وجهٌ. وممّا يقضي منه العجب ما قاله بعضُهم: إنَّه یحتمل أن یکون ضمیرُ (منه)) للشأن؛ إما على تقدير: ما تتلو حالَ كون القراءة(٣) بعضَ شؤونك، وإما أنْ يُحمل الكلامُ على حذف المضاف، أي: وما تتلو من أَجْلِ الشأنِ بأنْ يَحدث لك شأنٌ فتتلو القرآن من أجله. فإنَّ الحالية مما لا تكاد تخطرُ ببالٍ مَن له أدنى ذوقٍ في العربية، ولم نَرَ القولَ بتقدير مضافٍ في الكلام إذا كان فيه ((مِن)) الأَجْلية أو نحوها، وما في كلام غير واحدٍ من الأفاضل في أمثال ذلك تقديرُ معنّى لا تقديرُ إعراب، ويَبَعُد حمل هذا البعض على ذلك، كما لا يخفى. هذا، ثم إنَّ القرآن عامٌّ للمقروءِ كلّ وبعضاً، وهو حقيقةٌ في كلِّ كما حُقِّق في موضعه. والقولُ بأنَّه مجازٌ في البعض بإطلاق الكلِّ وإرادةِ الجزء، مما لا يُلتفَتُ إليه . ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: أيِّ عملٍ كان، والخطابُ الأوَّل خاصٌّ برأس النوع الإنساني وسيدِ المخاطبين وَ ﴿ وهذا عامّ يشملُ (٤) سائرَ العباد برَّهم (١) في (م): وابتدائية. وهو خطأ . (٢) الإملاء ٢٣٨/٣. (٣) في الأصل: القرآن. (٤) في (م): ويشمل. سُؤَالُونَ ١٩٤ الآية : ٦١ وفاجرهم، لا الأخيرين فقط، وقد رُوعي في كلٍّ من المقامَين ما يليق به، فعبِّر في مقام الخصوص في الأول بالشأن؛ لأنَّ عَمَلَ العظيم عظيمٌ، وفي الثاني بالعمل العامِّ للجليل والحقير. وقيل: الخطابُ الأوَّل عامٌّ للأمة أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [الطلاق: ١]. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة، أي: وما تلابسون بشيءٍ منها في حالٍ من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطّلعين عليه حافظين له، كذا قالوا. ويُفهَم منه أنَّ الجارّ والمجرور متعلِّق بما بعده، ولعل تقديمه للاهتمام بتخويفٍ مَن أُريدَ تخويفُه من المخاطَبين، وكأنَّه للمبالغة فيه جيء بضمير العظمة، وأنَّ المقصود من الاطلاع عليهم الاطلاع على عملهم. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ أي: تَشْرَعون فيه وتَتلبَّسون به، وأصلُ الإفاضة: الاندفاعُ بكثرةٍ، أو بقوة، وحيث أُريد بالأفعال السابقة الحالةُ المستمرَّةُ الدائمةُ المقارِنةُ للزمان الماضي أيضاً أُوثر في الاستثناء صيغةُ الماضي، وفي الظرف كلمة ((إذ)) التي تفيد المضارعَ معنى الماضي، كذا قيل. ولم أرَ مَن تعرَّض لبيان وجه اختيار النفي بـ ((ما)) - التي تُخلِّصُ المضارعَ للحال عند الجمهور عند انتفاء قرينة خلافه - في الجملتين الأوليين، والنفي بـ ((لا)) - التي تخلص المضارع للاستقبال عند الأكثرين، خلافاً لابن مالك(١) - في الجملة الثالثة، ولعل ذلك من آثار اختلاف الخطاب خصوصاً وعموماً، فتأمَّله فإنَّه دقيقٌ جدّاً. ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّيِّكَ﴾ أي: ما يَبْعُدُ وما يغيبُ، ومنه يقال: الروضُ العازب، وروضٌ عزيبٌ: إذا كان بعيداً عن(٢) الناس. والكلامُ على حذف مضاف، أي: وما يَغْزُبُ عن عِلْمِ ربِّك عزَّ وجلَّ، أو هو كنايةٌ عن ذلك. وفي التعرُّض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره وَلِّ من الإشعار باللُّطفِ ما لا يخفى. (١) كما في المغني ص٣٢٢. (٢) في (م): من. الآية : ٦١ ١٩٥ سُؤُكَ لّ ◌ُونِسََّ وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب بكَسْرِ الزاي(١). ﴿مِنْ مِثْقَالٍ ذَرَّةٍ﴾ ((مِن)) مزيدةٌ لتأكيد النفي، والمثقالُ اسمٌ لِمَا يُوازِن الشيءَ ويكونُ في ثقله، وهو في الشرع أربعةٌ وعشرون قيراطاً. وأخرج ذلك ابنُ أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر(٢). والصحيح أنَّه لم يختلف جاهليةً وإسلاماً، فقد نقل الجلال السيوطيُّ عن الرافعيِّ أَّه قال: أَجْمِعَ أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن، وهو أنَّ الدرهم ستةُ دوانيق، وكلُّ عشرة دراهم سبعةُ مثاقيل، ولم يتغيّر المثقالُ في الجاهلية ولا في الإسلام. والذرة واحدةُ الذرِّ، وهو النمل الأحمر الصغير، وسئل ثعلب عنها فقال: إنَّ مئةَ نملةٍ وزن حبة، والذرَّة واحدة منها(٣). وقيل: الذرّةُ ليس لها وزنٌ، ويُراد بها ما يُرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ﴾ أي في جهتَي السفل والعلوِّ، أو في دائرة الوجود والإمكان؛ لأنَّ العامةَ لا تعرفُ سواهما ممكناً ليس فيهما ولا متعلِّقاً بهما، والكلامُ شاملٌ لهما أنفسِهما أيضاً كما لا يخفى. وتقديمُ الأرض على السماء مع أنَّها قدِّمت عليها في كثيرٍ من المواضع، ووقعت أيضاً في ((سبأ)) في نظير هذه الآية مقدّمةً(٤)؛ لأنَّ الكلام في حال أهلها، والمقصودُ إقامة البرهان على إحاطة عِلْمِه سبحانه بتفاصيلها، وذَكَر ((السماء)) لئلا يُتوهّم اختصاصُ إحاطة عِلْمِه جلَّ وعلا بشيءٍ دون شيءٍ، وحاصلُ الاستدلال أنَّه سبحانه لا يغيبُ عنه شيءٌ؛ ومَن يكون هذا شأنُه كيف لا يعلم حالَ أهلِ الأرض وما هم عليه مع نبيِّه ◌َلِ﴾؟ وقوله سبحانه: ﴿وَلَاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُبِينٍ ﴾﴾ جملةٌ مستقلةٌ (١) التيسير ص١٢٢-١٢٣، والنشر ٢٨٥/٢ عن الكسائي، وعزاها للأعمش وابن وثاب أبو حيان في البحر ١٧٤/٥ . (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦٠٩/٢، وسلف ٢٩/٦. (٣) مجالس ثعلب ص٤٧٥ . (٤) وهي قوله تعالى: ﴿لَا يَغُّبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣]. سُوڕۆلُونس ١٩٦ الآية : ٦١ ليست معطوفةً على ما قبلها، و((لا)) نافية للجنس، و((أصغر)) اسمها منصوبٌ لِشَبَهِه بالمضاف، وكذا ((أكبر)) لتقديرِ عمله، وقولُ السمين: إنَّهما مبنيَّان على الفتح(١)، ضعيفٌ، وهو مذهبُ البغداديين، وزَعْمُ (٢) أنَّه سَبْقُ قلمِ متأخِّرٌ عن حيز القبول. و ((في كتاب)) متعلّقٌ بمحذوفٍ وقع خبراً. وقرأ حمزةُ ويعقوبُ وخلفٌ وسهلٌ بالرفع(٣) على الابتداء والخبر. و((لا)) يجوزُ إلغاؤها إذا تكرَّرت، وأما قولهم: إنَّ الشبيه بالمضاف يجبُ نَصْبُه، فالمراد منه المنعُ من البناء لا المنعُ من الرفع والإلغاءِ كما توقَّمه بعضُهم. وجوِّز أنْ يكون ذلك على جَعْلِ ((لا)) عاملةً عملَ ليس. وقيل: إنَّ (أصغرَ)) على القراءة الأولى عطفٌ على ((مثقالٍ)) أو ((ذرةٍ) باعتبارٍ اللفظ، وجيء بالفتح بدلاً عن الكسر لأنَّه لا ينصرفُ؛ للوَصْف ووَزْنِ الفعل، وعلى القراءة الأخرى معطوفٌ على ((مثقال)) باعتبار محلِّه؛ لأنَّه فاعلٌ و((مِن)) كما عرفْتَ مزيدٌ. واستشكل بأنَّه يصير التقدير: ولا يعزُبُ عنه أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ منه إلَّا في کتاب فيعزب عنه، ومعناه غيرُ صحيح. وأُجيبَ بأنَّ هذا على تقدير اتّصال الاستثناء، وأما على تقدير انقطاعه فيصير التقدير: لكنْ لا أصغرُ ولا أكبرُ إلا هو في كتابٍ مبين. وهو مؤكِّدٌ لقوله سبحانه: (وَمَا يَعْزُبُ عَن) إلخ(٤). وأجاب بعضُهم - على تقدير الاتصال - بأنَّه على حدٍّ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهُ﴾ [النساء: ٢٣] في رأيٍ، فالمعنى: لا يبعُدُ عن علمه شيءٌ إلا ما في اللوح الذي هو محلُّ صُوَر معلوماته تعالى شأنُه، بناءً على تفسير ((الكتاب المبين)) به، أو: إلَّا ما في علمه، بناءً على ما قيل: إنَّ الكتاب العلمُ، فإن عُدَّ ذلك من (١) الدر المصون ٢٣٠/٦. (٢) الزاعم هو الشهاب في الحاشية ٥/ ٤٤ . (٣) التيسير ص١٢٣، والنشر ٥٨٥/٢ عن حمزة ويعقوب وخلف. وقراءة سهل في مجمع البيان ١١/ ٦٥، والبحر ١٧٤/٥ . (٤) كذا ذكر في هذا الموضع آية سبأ، والأولى ذكر آية يونس: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّيِّكَ﴾ إلخ. الآية : ٦١ ١٩٧ سُوَلا تُونس العزوب، فهو عازبٌ عن علمه، وظاهرٌ أنَّه ليس من العزوب قطعاً، فلا يعزب عن علمه شيءٌ قطعاً. ونُقل عن بعض المحقّقين(١) في دَفْع الإشكال أنَّ العزوب عبارةٌ عن مطلق البعد، والمخلوقاتُ قسمان: قسمٌ أَوْجَدَه الله تعالى من غير واسطةٍ، كالأرض والسماء والملائكة عليهم السلام، وقسمٌ أوجده بواسطةِ القسم الأول، مثل الحوادث في العالم، وقد تتباعَدُ سلسلة العلِّية والمعلولية عن مرتبة وجودٍ واجب الوجود سبحانه، فالمعنى: لا يَبْعُدُ عن مرتبة وجوده تعالى ذرَّةٌ في الأرض ولا في السماء إلَّا وهو في كتابٍ مبينٍ أَثْبَتَ فيه سبحانه تلك المعلومات، فهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، وإثباتُ العزوب بمعنى البعد عنه تعالى في سلسلة الإيجاد لا محذورَ فيه، وهو وجهٌ دقيقٌ إلا أنَّه أشبهُ بتدقيقات الحكماء، وإن خالف ما هم عليه في الجملة. وقال الكواشي(٢): معنى ((يعزبُ)): يَبِينُ وينفصلُ، أي: لا يَصْدُرُ عن ربِّك شيءٌ من خَلْقِهِ إلَّا وهو في اللوح، وتلخيصُه: أنَّ كلَّ شيءٍ مكتوبٌ فيه. واعتُرض بأنَّ تفسير يعزب بـ : يَبِين(٣) وينفصل، غيرُ معروفٍ. وقيل: المرادُ بالبعد عن الربِّ سبحانه البعدُ والخروجُ عن غيبه، أي: لا يَخرجُ عن غيبه إلا ما كان في اللوح، فيعزُبُ عن الغيب ويَبعُدُ، إذ لا يبقَى ذلك غيباً حينئذٍ لاطلاع الملائكة عليهم السلام وغيرِهم عليه، فيفيد إحاطة علْمِهِ سبحانه بالغيب والشهادة. ومن هنا يظهرُ وجهٌ آخَرُ لتقديم الأرضِ على السماء. وقيل: إنَّ ((إلا)) عاطفةٌ بمنزلة الواو كما قال بذلك الفرَّاء في قوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠-١١](٤)، والأخفش في قوله سبحانه: (١) كما في تفسير الرازي ١٢٤/١٧، وحاشية الشهاب ٤٤/٥، وعنه نقل المصنف. (٢) كما في حاشية الشهاب ٥/ ٤٤. (٣) في (م): تفسيره بيبين. (٤) معاني القرآن للفراء ٢٨٧/٢، وقد ذكره الفراء عن بعض النحويين، ثم قال: ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا؛ لأني لا أجيز: قام الناس إلا عبدَ الله، وهو قائم، إنما الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد ((إلا)) من معنى الأسماء قبل ((إلا)) ولكن مثله مما يكون في معنى ((إلا)) كمعنى الواو وليست بها قوله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ = سُؤَةٌ كُونُسَ ١٩٨ الآية : ٦١ ﴿لِلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُنَّةٌ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠](١) وقومٌ في قوله جلَّ شأنه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَلِبُونَ كَبَرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَحِشَ إِلَّ ◌َلَّمْ﴾ [النجم: ٣٢] و((هو)) مقدَّر بعدها، والكلام قد تمَّ عند قوله سبحانه: (وَلَآَ أَكْبَرَ) ثم ابتدأ بقوله تعالى: (إِلَّا فِى كِتَبٍ) أي: وهو في كتاب، ونقل ذلك مكِّي عن أبي علي الحسن بن يحيى الجرجاني(٢) ثم قال: وهو قولٌ حسنٌ لولا أنَّ جميع البصريين لا يعرفون ((إلا)) بمعنى الواو. والإنصافُ أنَّه لا ينبغي تخريجُ كلام الله تعالى العزيز على ذلك، ولو اجتمع الخلق إنسُهم وجنُّهم على مجيء ((إلا)) بمعنى الواو. وقيل: إنَّ الاستثناء من محذوفٍ دلَّ عليه الكلام السابق، أي: ولا شيء إلَّا في كتاب؛ ونظيرُه ﴿مَّا فَرَّطَّنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ويكونُ من مجموع ذلك إثباتُ العلم لله تعالى في كلِّ معلومٍ، وأنَّ كلَّ شيءٍ مكتوبٌ في الكتاب، ويشهد لهذا - على ما قيل - كثيرٌ من أساليب كلام العرب. ونُقل عن صاحب كتاب ((تبصرة المتذكر))(٣): أنَّه يجوز أنْ يكونَ الاستثناءُ متصلاً بما قبلَ قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُّبُ) ويكون في الآية تقديمٌ وتأخير، وترتيبها : وما تكون في شأنٍ، وما تتلو منه من قرآنٍ، ولا تعملون من عملٍ إلا في كتابٍ مبينٍ إلا كنّا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه، إلى (٤) ((ولا أكبر)). وتلخيصُه: وما مِن شيءٍ إلا وهو في اللوح المحفوظ، ونحن نشاهدُه في كلِّ آنٍ. = رَبُّكَّ﴾ هو في المعنى: إلا الذي شاء ربك من الزيادة، فلا تجعل ((إلا)) في منزلة الواو ولكن بمنزلة ((سوى))، فإذا كانت ((سوى)) في موضع ((إلا)) صلحت بمعنى الواو؛ لأنك تقول: عندي مال كثير سوى هذا، أي: وهذا عندي. (١) معاني القرآن للأخفش ٣٤٣/١. (٢) الجماجمي، كان مسكنه بجرجان بباب الخندق في سكة تعرف بجماجمو، له من التصانيف عدة منها في نظم القرآن، وكان من أهل السنَّة، روى عنه أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي. تاريخ جرجان ص ١٨٧، والأنساب ٢٨٩/٣. ونقل كلامه أيضاً الرازي ١٢٤/١٧، والقرطبي ١٥/١١، وأبو حيان ١٧٤/٥ - ١٧٥ . (٣) تبصرة المتذكر وتذكرة المتبصر، لموفق الدين أحمد بن يوسف بن الحسين الكواشي المتوفي سنة (٦٨٠ هـ). هدية العارفين ٩٨/١. (٤) قوله: إلى، ليس في (م). الآية : ٦٢ ١٩٩ سُ الأُدُونِسَ ونظر فيه البلقيني في رسالته المسماة بـ ((الاستغناء بالفتح المبين في الاستثناء في: ولا أكبر إلا في كتاب مبين)): بأنه على ما فيه من التكلّف يلزمُ عليه القول بتركيبٍ في الكلام المجيد لم يوجد في كلام العرب مثله، أعني: إلا في كتابٍ مبين إلَّا كنَّا عليكم شهوداً، وليس ذلك نظير: امْرُر بهم إلا الفتى إلا العَلَا (١). كما لا يخفى. وأنت تعلم أنَّ أقلَّ الأقوال تكلُّفاً القولُ بالانقطاع، وأجلَّها قَدْراً وأدقّها سرّاً القولُ بالاتِّصال، وإخراجُ الكلام مخرجَ (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَهُ) ونظائرِه الكثيرةِ نثراً ونظماً، ولا عيبَ فيه إلا أنَّ الآية عليه أبلغ. فليفهم. ثم إن الله تعالى(٢) لما عمَّم وعدَه ووعيده في حقِّ كافَّة مَن أطاع وعصى، أتْبَعَه سبحانه بشرح أحوال أوليائه تعالى المخلصين، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿أَّ إِنَّ ٦٢ أَوْلِيَآءَ الَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وفي ((إرشاد العقل السليم))(٣): أنَّه بيانٌ على وجه التبشير والوعدِ لِمَا هو نتيجةٌ لأعمال المؤمنين، وغايةٌ لِمَا ذكر قبله من كونه سبحانه مهيمناً على نبيِّهِ وَِّ وأمَّتِه في كلِّ ما يأتون ويَذَرون، وإحاطة علمه جلَّ وعلا، بعد ما أُشير إلى فظاعة حالِ المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم(٤) من الهول إشارةً إجماليةً على طريق التهديد والوعيد. وصُدِّرت الجملة بحرفي(٥) التنبيه والتحقيقِ لزيادة تقرير مضمونها. والأولياء جمعُ ((وليٍّ))، من ((الوَلْيٍ)) بمعنى: القُربِ والدنوِّ، يقال: تَبَاعَدَ بعد وَلْيٍ، أي: قُرْبٍ. والمرادُ بهم خُلَّصَُ المؤمنين؛ لقُرْبهم الروحانيِّ منه سبحانه کما يُفْصِحُ عنه تفسیرُهم الآتي. (١) قطعة من ألفية ابن مالك، وتمامه: وألغ إلا ذات توكيد كلا تمرر بهم ... ، قال ابن عقيل في شرح ألفية ابن مالك ١/ ٦٠٤: إذا دخلت إلا لقصد التوكيد لم تؤثر فيما دخلت عليه شيئاً وذلك في البدل والعطف نحو: ما مررت بأحدٍ إلا زيدٍ إلا أخيك، فـ ((أخيك» بدل من زيد ولم تؤثر فيه ((إلا)) شيئاً، ومثله: لا تمرر بهم إلا الفتى إلا العَلًا، والأصل: لا تمرر بهم إلا الفتى العَلَا، فالعَلَا، بدل من الفتى. (٢) في (م): ثم إنه تعالى. (٣) ٤ / ١٥٨. (٤) في الأصل: سيريهم، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود. (٥) في (م): بحرف، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود. سُۈآلُونِسَ ٢٠٠ الآية : ٦٢ ويفسَّر الوليُّ بالمحبِّ، وبين المعنَيِيَن تلازمٌ، وسيأتي تمامُ الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى، وجاء بمعنى النصير، ويُشير كلامُ البعض إلى صحة اعتبار هذا المعنى هنا . والمرادُ من الجملَتَين المنفيتَين المتعاطفتَين دوامُ انتفاءِ مدلولهما كما مرَّ تحقيقُه غيرَ مرة، قيل: والمعنى: لا خوفٌ عليهم من لُحوق مكروهٍ ولا هم يحزنون من فوات مطلوبٍ في جميع الأوقات، أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك أصلاً، لا أنَّه يعتريهم لكنَّهم لا يخافون ولا يحزنون، ولا أنَّه لا يعتریهم خوفٌ وحزنٌ أصلاً بل يستمرُّون على النشاط والسرور، كيف لا واستشعارُ الخوف استعظاماً لجلال الله تعالى واستقصاراً للجدِّ والسعي في إقامة حقوقِ العبوديَّةِ من خصائص الخواصِ والمقرَّبین؟ بل كلما ازداد العبدُ قرباً من ربِّه سبحانه ازداد خوفاً وخشيةً منه سبحانه، ويُرشد إلى ذلك غيرُ ما خبرٍ، وقولُه تعالى: ﴿إِنََّا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ [فاطر: ٢٨]. وإنما لا يعتريهم ذلك؛ لأنَّ مقصدَهم ليس إلَّا الله تعالى، ونَيلَ رضوانه المستَشْبع للكرامة والزلفى، وذلك مما لا ريبَ في حصوله ولا احتمالَ لفواته بموجب الوعدِ الإلهي. وأمَّا ما عدا ذلك من الأمور الدنيويةِ المتردِّدة بين الحصولِ والفواتِ فهي عندهم أَحقَرُ من تَبَالة (١) عند الحجّاج، بل الدنيا بأسرها في أعينهم أقذرُ من ذراع خنزيرٍ ميِّتٍ بال عليه كلبٌ في يد مجذومٍ، فهيهات أنْ تَنتظمَ في سِلْكِ مَقْصِدِهم وجوداً وعَدَماً، حتى يخافوا من حصولَ ضارِّها، أو يحزنوا من فوات نافعها . وقيل: المرادُ بانتفاء الخوفِ والحزن أمنُهم من ذلك يومَ القيامة، بعد تحقّق ما لهم من القرب والسعادة، وإلا فالخوف والحزنُ يعرضان لهم قبل ذلك، سواء كان سببُهما دنيويّاً أو أخرويّاً، ولا يجوز أنْ يُرادَ أمنُهم مما ذكر في الدنيا أو (١) في الأصل و(م): ذبالة، والمثبت من المصادر، وتبالة بلدة صغيرة من بلدان اليمن، استعمل عليها الحجاج بن يوسف، وهي أول عمل وليه الحجاج، فأتاها، فاستحقرها، فلم يدخلها، فقيل أهون ... ، جمهرة الأمثال ٣١٣/٢، والمستقصى ٤٤٥/١، ومجمع الأمثال ٤٠٨/٢، والقاموس (تبل).