النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٣١ ١٢١ لاتُونس هذا وربما يُستَدل بالآية على تقديرٍ أنْ لا تكون ((مِن)) لابتداء الغاية على جواز أنْ يُقال الله(١) سبحانه: إنه مِن أهل السماء والأرض، وكونُ المراد هناك غيرَ الله تعالى لا يُناسب الجواب، ومَن لم يرَ الجوازَ تعنّى. ومَن رآه بناءً على ظواهر الآيات المفيدةِ لكونه تعالى في السماء، وقوله وَّر في الجارية التي أشارت إلى السماء حين قيل لها: ((أين الله؟)): ((أَعْتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ)(٢)، وإقرارِه حُصيناً حين قال له عليه الصلاة والسلام: ((كم تعبدُ يا حُصين؟)) فقال: سبعةً، ستةً في الأرض وواحداً (٣) في السماء. فقال ◌َّ: ((فَمَن الذي أَعدَدْتَه لَرَغْبَتِكَ ورَهْبَتِكَ؟)) فقال حُصينٌ: الإلهُ الذي في السماء(٤) = أَبقَى الآية على ما يقتضيه ظاهرُها . وأنت تعلم أنَّه لم يَرِدْ صريحاً كونُه تعالى من أهل السماء والأرض وإنْ ورَدَ كونُه جلَّ وعلا في السماء على المعنَى اللائق بجلاله جلَّ جلاله، فلا أَرَی جوازَ ذلك، ولا داعي لإخراج ((مِن)) عن ابتداء الغاية ليحتاج إلى العناية في ردِّ الاستدلال کما لا يخفى. وفي ((الانتصاف)): إنَّ هذه الآية كافحةٌ لوجوه القدرية الزاعمين أنَّ الأرزاق مُنقسمةٌ، فمنها ما رزَقَه الله تعالى للعبد وهو الحلالُ، ومنها ما رزَقَه العبدُ لنفسه، (١) في (م): الله. (٢) أخرجه بهذه السياقة - يعني أنها أشارت إلى السماء - أحمد (٧٩٠٦) من طريق المسعودي، عن عون، عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة نظره. وفي إسناده المسعودي، وقد اختلط. وأخرجه أحمد (٢٣٧٦٢)، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم مطولاً، وفيه: قال لها رسول الله وَ له: ((أين الله؟)) قالت: في السماء. قال: ((مَن أنا؟)) قالت: أنت رسول الله. قال: ((أعتقها ... )). (٣) في (م): وواحد. (٤) أخرجه الترمذي (٣٤٨٣) من حديث عمران بن حصين يا، وحصين المذكور في الحديث هو والده، وزاد الترمذي قال: ((يا حصين، أَمَا إنك لو أسلمت علَّمتُك كلمتين تنفعانك)) فلما أسلم حصين قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني. فقال: ((قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شرِّ نفسي)). قال الترمذي كما في تحفة الأشراف ١٧٥/٨، وتحفة الأحوذي ٩/ ٤٥٥: هذا حديث حسن غريب. سُدَةُ كُونِسَ ١٢٢ الآية : ٣١ وهو الحرامُ، فهي ناعيةٌ عليهم هذا الشرك الخفيَّ لو سمعوا، ﴿أَفَأَنْتَ تُتْمِعُ الشُمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢](١). وكذا - فيما قيل - تكفح (٢) في وجوه أناس يزعمون أنَّ الذي يُدبِّر الأمرَ في كلِّ عصرٍ قُظْبُه، وهو عمادُ السماء عندهم، ولولاه لوقعَت على الأرض، فكأنِّي بك إذا سألتهم: مَن يُدبِّرُ الأمرَ؟ يقولون: القطبُ. وقد يُعتذَر عنهم بأنَّ مُرادهم أنَّه المدبِّرُ بإذن الله تعالى. وجاء إطلاقُ المدبِّر بهذا المعنَى على غيره تعالى في قوله سبحانه: ﴿قَالْمُدََّتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]. وربما يقالُ: إِنَّه لا فرقَ عندهم بين الله تعالى وبينَ القطب إلا بالاعتبار؛ لأنَّه الذي فاز بقربَى النوافل والفرائض على أتمٍّ وجهٍ، فارتفعت الغَيريَّةُ، فالقولُ بأنَّ القطب هو المدبِّر كالقول بأنَّ الله سبحانه هو المدبِّر بلا فَرْقٍ. واعتُرض هذا بأنَّه ذهابٌ إلى القول بوحدة الوجود، وأكثر المتكلمين وبعضُ الصوفية كالإمام الربانيّ قدِّس سرُّه(٣) ينكرون ذلك. والأولُ(٤) بأنَّه هلَّا قال المشركون في جواب ذلك: الملائكةُ أو عيسى عليهم السلام مثلاً على معنى أنَّهم المدبّرون للأمر بإذن الله تعالى، فيكون المذكورون عندهم بمنزلة الأقطاب عند أولئك. وأُجيبَ بأنَّ السؤالَ إنما هو عمَّن ينتهي إليه الأمر، فلا يتسنَّى لهم إلا الجوابُ المذكور، ولعلَّ غيرَ أهل الوحدة لو سئلوا كذلك ما عدلوا في الجواب عنه سبحانه، وأمَّا أهلُ الوحدة قدَّس الله تعالى أسرارَهم فلهم كلماتٌ لا يقولها المشركون، وهي لَعمري فوق طور العقل، ولذا أَنكرها أهلُ الظاهر عليهم. (١) الإنصاف ٢٣٦/٢. (٢) في الأصل: تلفح. (٣) هو أحمد بن عبد الأحد السَّرْهِنْدي الفاروقي النقشبندي الصوفي الحنفي، من مصنفاته: رسالة المبدأ والمعاد، ورسالة ردِّ الشيعة، ورسالة آداب المريدين، ومن إفاداته أنه أوضح الفرق بين وحدة الوجود وبين وحدة الشهود، وكان فقيهاً ما تريديّاً حريصاً على اتباع السنّة، توفي سنة (١٠٣٤هـ). هدية العارفين ١٥٦/١، وأبجد العلوم ٢٢٥/٣. (٤) يعني: واعتُرض الأول. الآية : ٣٢ ١٢٣ سُورَةٌ دُونِسََّ ﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿أَفَلَا تَنَّقُونَ ﴾﴾ الهمزةُ لإنكار عَدَم الاتِّقاء بمعنى إنكار الواقع، كما في قولك: أَتَضْرِبُ أباك، لا بمعنى إنكار الوقوع كما في قولك: أأضْرِبُ أبي، والفاء للعطف على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه النظمُ الكريم، أي: أتعلمون ذلك فلا تَتَّقون، والخلافُ في مثل هذا التركيب شهيرٌ، وما ذكرناه هو ما عليه البعض. ومفعولُ (تَتَّقون)) محذوفٌ، وهو مُتعدٍّ لواحد، أي: أفلا تتقون عذابه الذي [ذكر] (١) لكم بما تتعاطونه من إشراككم به سبحانه ما لا يُشاركه في شيءٍ مما ذُكِرَ من خواصِّ الألوهية. وكلامُ القاضي يُوهم أنَّه متعدٍّ إلى مفعولين (٢)، وليس بذاك. ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُ أَنَّ﴾ فذلكةٌ لما تقرَّر، والإشارةُ إلى المتَّصِفِ بالصفات السابقة حَسْبَما اعترفوا به، وهي مبتدأ والاسمُ الجليل صفةٌ له، و((ربكم)) خبرٌ، و((الحقُّ)) خبرٌ بعد خبرٍ أو صفةٌ أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، ويجوزُ أنْ يكون الاسمُ الجليلُ هو الخبر، و ((ربُّكم)) بدلٌ منه أو بيانٌ له، و((الحقُّ) صفةُ الربِّ، أي: مالكُكم ومتولِّي أُمورِكم الثابتُ ربوبيُّه والمتحقّقُ ألوهيتُه تحقُّقاً لا ريبَ فيه. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ أُلْحَقِّ إِلَّ الضَّلَلِّ﴾ أي: لا يوجَدُ غير الحقِّ شيءٌ يُتَّبع إلا الضلال، فَمَن تخطّى الحقَّ وهو عبادةُ الله تعالى وحدَه لا بدَّ وأنْ يقعَ في الضلال، وهو عبادةُ غيره سبحانه على الانفراد أو الاشتراك؛ لأنَّ عبادة الله جلَّ شأنه مع الإشراك(٣) لا يُعتَدُّ بها. فـ (ما)) اسم استفهام و((ذا)) موصولٌ، ويجوز أنْ يكونَ الكلُّ اسماً واحداً قد غلب فيه الاستفهام على اسم الإشارة، وهو مبتدأ خبرُه ((بعد الحق)) على ما في (النهر))(٤)، والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الوقوع ونفيه، و((بعد)) بمعنى (غير)) (١) ما بين حاصرتين من تفسير أبي السعود ١٤٢/٤، والكلام منه. (٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٥/٥، وفيه: أفلا تتقون أنفسَكم عقابَه بإشراككم .. ، قال الشهاب: لا يخفى أن التقوى لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، فالأولى إسقاط أنفسكم ... إلى آخر كلامه. (٣) في (م): لأن عبادته جل شأنه مع الاشتراك. (٤) النهر الماد من البحر لأبي حيان على هامش البحر ١٥٤/٥. سُورَُّ لُونَ ١٢٤ الآية : ٣٢ مجازاً(١)، و((الحق)) ما علمتَ، وهو غيرُ الأول ولذا أُظهر، وإطلاقُ ((الحق)) على عبادته سبحانه، وكذا إطلاقُ ((الضلال)) على عبادة غيرِه تعالى لِمَا أنَّ المَدَارَ في العبادة الاعتقاد. وجوِّز أنْ يكون ((الحق)) عبارةً عن الأول، والإظهارُ لزيادة التقرير، ومراعاةٍ كمال المقابلة بينه وبين الضلال، والمرادُ به هو الأصنام، والمعنى: فماذا بعدَ الربِّ الحقِّ(٢) الثابتِ ربوبيَّتُه إلا الضلالُ، أي: الباطلُ الضائعُ المضمَحِلُّ، وإنَّما سُمِّي بالمصدر مبالغةً، كأنَّه نفسُ الضلالِ والضياع. وقيل: المرادُ بالحقِّ والضلالِ ما يعمُّ التوحيدَ وعبادةَ غيرِه سبحانه وغيرَ ذلك، ويدخل ما يقتضيه المقام هنا دخولاً أوليّاً، ويُؤْيِّده ما أخرجه ابنُ أبي حاتم عن أشهب قال: سئل مالكٌ عن شهادة اللغَّابِ بالشطرنج والثَّرد، فقال: أمَّا مَن أَدْمَنَ فما أَرَى شهادتَهم طائلةً، يقول الله تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ أُلْحَقِّ إِلَّا الشَّلَلِّ) فهذا كلُّه مِن الضلال(٣). ﴿فَ تُصْرَفُونَ ﴾ أي: فكيف تُصرفون عن الحقِّ إلى الضلال، والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الواقع واستبعادِه والتعجيبِ(٤) منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكار إلى نفس الفعل، فإنَّه لا بدَّ لكلِّ موجودٍ مِن أنْ يكون وجودُه على حالٍ مِن الأحوال، فإذا انتفَى جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفَى وجودُه على الطريق البرهاني. والفاءُ لترتيب الإنكار والتعجيب(٥) على ما قبله، ولعل ذلك الإنكار والتعجيب متوجِّهان في الحقيقة إلى منشأ الصَّرفِ، وإلا فنفسُ الصَّرف منه تعالى على ما هو الحقُّ، فلا معنى لإنكاره والتعجيبٍ منه مع كونه فِعْلَه جلَّ شأنُه، وإنما لم يُسْنَدِ الفعلُ إلى الفاعل لعَدَم تعلُّق غرضٍ به. (١) في (م): مجاز. (٢) في الأصل: الحق الرب. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥١ . (٤) في (م): التعجب، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٤٢/٤، والكلام منه. (٥) في (م): والتعجب، وكذا وقع في سائر المواضع. الآية : ٣٣ - ٣٤ ١٢٥ سُؤَلٌ دُونِسَ وذهب المعتزلة إلى(١) أنَّ فاعلَ الصَّرْفِ نفسِه المشركون، فهم الذين صَرَفُوا أنفسَهم وعَدَلوا بها عن الحقِّ إلى الضلال، بناءً على أنَّ العباد هم الخالقون لأفعالهم، وأمرُ الإنكار والتعجيب عليه ظاهرٌ. وإنما لم يُسند الفعل إلى ضميرهم على جهة الفاعلية إشارةً إلى أنَّه بَلَغ من الشناعة إلى حيث إنَّه لا ينبغي أنْ يُصرَّح بوقوعه منهم فتدبّر. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما حقَّت كلمةُ الربوبية للهِ سبحانه وتعالى، أو: كما أنَّه ليس بعد الحقِّ إلا الضلال، أو: كما أنَّهم مصروفون(٢) عن الحقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ﴾ أي: حُكْمُه ﴿عَلَى الَّذِيْنَ فَقُواْ﴾ أي: تمرَّدوا في الكفر، وخرجوا إلى أقصى حدوده، والمرادُ بهم أولئك المخاطبون، ووُضِعَ الموصولُ مَوضع ضميرهم للتوصُّل إلى ذمِّهم بعنوان الصِّلة وللإشعار بالعلِّية. ﴿أَنَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ بدلٌ من الكلمة بدلَ كلٍّ مِن كلٍّ أو بدلَ اشتمالٍ، بناءً على أنَّ الحُكم بالمعنى المصدري، أو بمعنى المحكوم به. وقد تُفسَّر الكلمةُ بالعِدَةِ بالعذاب، فيكونُ هذا في موضع التعليل لحِقِّيتها، أي: لأنَّهم .. إلخ. واعتُرض بأنَّ محصِّلَ الآية حينئذٍ على ما تقرَّر في ((الذين فسقوا)) أنَّ كلمة العذاب حقَّت على أولئك المتمرِّدين لتمرُّدهم في كفرهم ولأنَّهم لا يؤمنون، وهو تکرارٌ لا طائل تحته. وأُجيبَ بأنَّه لو سلِّم أنَّ في الآية تكراراً مطلقاً فهو تصريحٌ بما عُلم ضمناً، وفيه دلالةٌ على شرف الإيمان بأنَّ عذابَ المتمرِّدين في الكفر بسبب انتفاء الإيمان. ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُ مَنْ يَبْدَؤُأْ الْخَلَقَ ثُمَّ يُِدُهُ﴾ احتجاجٌ آخَرُ على حَقِّيَّة التوحيد وبطلانِ الإشراك، ولم يَعْطِفْ إيذاناً باستقلاله في إثبات المطلوب، والسؤالُ للتبكيت والإلزام. وجعَلَ سبحانه الإعادة لسطوع البراهين القائمة عليها بمنزلة البذء في إلزامهم، ولم يُبالِ بإنكارهم لها؛ لأنَّهم مُكابِرون فيه والمكابِرُ لا يُلتَفتُ إليه، (١) قوله: إلى، ليس في (م). (٢) في الأصل و(م): مصرفون، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٤٣/٤، والكلام منه. مُدَلُّلُونِسَ ١٢٦ الآية : ٣٤ فلا يقال: إنَّ مثلَ هذا الاحتجاج إنما يَتأتَّى على مَن اعترف بأنَّ مِن خواصِ الإلهية بدءَ الخَلْقِ ثم إعادته؛ ليلزم مِن نَفْيه عن الشركاء نفيُ الإلهية، وهم غيرُ مقرِّين بذلك، ففي الآية الإشارةُ إلى أنَّ الإعادة أمرٌ مكشوفٌ ظاهرٌ، بلغ في الظهور والجلاء بحیث یصُّ أنْ يَثبُتَ فيه دعوى أُخرى. وجعَلَ ذلك الطيبيُّ من صنعة الإدماج(١)، كقول ابن نباتة: فلابدَّ لي من جَهْلةٍ في وصاله فَمَن لي بخلٍّ أُوْدِعُ الحِلْمَ عنده(٢) فقد ضمَّن الغَزَّل الفخْرَ بكونه حليماً، والفخرَ شكايةَ الإخوان(٣). ﴿قُلِ اللّهُ بَْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدٌُ﴾ قيل: هو أمرٌ له وَّهِ بأنْ يُبيِّن لهم مَن يفعلُ ذلك، أي: قل لهم: سبحانه هو يفعلُهما لا غيرُه كائناً ما كان، لا بأنْ ينوب عليه الصلاة والسلام عنهم في الجواب كما قاله (٤) غيرُ واحد؛ لأنَّ القول(٥) المأمور به غيرُ ما أُريدَ منهم من الجواب وإنْ كان مستلزماً له، إذ ليس المسؤولُ عنه: مَن يبدأ الخلقَ ثم يُعيده، كما في قوله سبحانه: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السََّوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ الله﴾ [الرعد: ١٦] حتى يكونَ القولُ المأمورُ به عينَ الجواب الذي أُريد منهم، ويكونَ وَّهِ نائباً عنهم في ذلك، بل إنَّما هو وجودُ مَن يفعلُ البدءَ والإعادةَ مِن شركائهم، فالجوابُ المطلوب منهم: لا، لا غير. نعم أُمِرَ بَّهِ بأنَّ يُضمِّنه مقالته إيذاناً بتعيُّنه وتحتُّمِه، وإشعاراً بأنَّهم لا يجترئون على التصريح به مخافةً التبكيت وإلقامِ الحجر لا مكابرةً ولجاجاً. انتهى. وقد يُقال: المرادُ مِن قوله سبحانه: (هَلْ مِنْ شُرَكَيْكُ) إلخ: هل المُبْدِئُ المُعِيدُ اللهُ أم الشركاء؟ والمراد من قوله سبحانه جلَّ شأنه: (اللَّهُ) إلخ: الله يبدأ ويعيدُ لا غيرُه (١) الإدماج: أن يتضمن كلام سيق لمعنى - مدحاً كان أو غيرَه - معنًى آخر، وهو أعم من الاستتباع؛ لشموله المدح وغيره واختصاصٍ الاستتباع بالمدح. التعريفات للجرجاني ص ٣٠. (٢) يتيمة الدهر ٤٤٩/٢ . (٣) أي: وضمن الفخرَ شكايةً الإخوان. (٤) في الأصل: قال. (٥) في (م): المقول، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٤٣/٤، والكلام منه. الآية : ٣٥ ١٢٧ سُؤَةٌ يُونس من الشركاء، وحينئذٍ ينتظم السؤال والجوابُ، وانْفِهامُ الحصر بدلالة الفحوى، فإِنَّك إذا قلت: مَن يَهبُ الألوفَ زيدٌ أم عمرٌو؟ فقيل: زيدٌ يهبُ الألوفِ، أفادَ الحَصْرَ بلا شبهةٍ. وبما ذُكر يُعلم ما في الكلام السابق في الردِّ على ما قاله الجمع، وكذا ردّ ما قاله القطبُ مِن أنَّ هذا لا يصلح جواباً عن ذلك السؤال؛ لأنَّ السؤال عن الشركاء، وهذا الكلامُ في الله تعالى، بل هو استدلالٌ على إلهيته تعالى وأنه الذي يستحقُّ العبادة بأنَّه المبدئُّ المعيدُ، بعد الاستدلال على نفي إلهية الشركاء فتأمَّل. وإعادةٌ(١) الجملة في الجواب بتمامها غير محذوفةٍ الخبر كما في الجواب السابق لمزيد التأكيد والتحقيق. ﴿فَنَّى تُؤْتَكُونَ (٣٤)﴾ الأَفْكُ: الصَّرفُ والقلبُ عن الشيء؛ يقالُ: أَفَكَه عن الشيء يَأْفِكه أَفْكاً: إذا قَلَبه عنه وصَرَفه، ومنه قولُ عروة بنِ أذينة: إنْ تَكُ عن أحسنِ الصنيعةِ ما فوكاً ففي آخَرِينَ قد أُفِكوا(٢) وقد يخصُّ كما في ((القاموس)) بالقَلْبِ عن الرأي(٣)، ولعله الأنسبُ بالمقام، أي: كيف تُقْلَبون مِن(٤) الحق إلى الباطل، والكلامُ فيه كما تقدَّم في «فأنی تُصرَفون». ﴿قُلْ هَلْ مِن شُركّبِكُمْ مَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ احتجاجٌ آخَرُ على ما ذُكر جيءَ به إلزاماً غِبَّ إلزامٍ، وإفحاماً إثْرَ إفحام. وفصَلَه إيذاناً بفَضْلِه واستقلالِه في إثبات المطلوب كما في سابقه. والمراد: هلّ مَن يهدي إلى الحقِّ بإعطاء العقل، وبعثةِ الرسل، وإنزالِ الكتب، والتوفيقِ إلى النظر والتدبُّر بما نُصبَ في الآفاق والأنفس، إلى غير ذلك: الله(٥) سبحانه أم الشركاء؟ !. (١) في الأصل و(م): وفي إعادة، والمثبت من تفسير أبي السعود. (٢) إصلاح المنطق ص٢٧، والصحاح (أفك). (٣) القاموس (أفك). (٤) في الأصل: عن، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٤٣/٤. (٥) في (م): الله. سُوَل ◌ُونَ) ١٢٨ الآية : ٣٥ ومنهم مَن يُبقي الكلامَ على ما يتبادرُ منه كما سمعتَ فيما قبل، ومن الناس مَن خصَّص طريقَ الهداية، والتعميمُ أوفقُ بما يقتضيه المقام من كمال التبكيت والإلزامٍ، كما لا يخفى. ﴿قُلِ اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقْ﴾ أي: هو سبحانه يهدي له دون غيره جلَّ شأنه، والكلامُ في الأمر على طرز ما سبق، وفعلُ الهداية يتعدّى إلى اثنين ثانيهما بواسطة، وهي (إلى)) أو اللام، وقد يتعدَّى لهما بنفسه، وهو لغةٌ على ما قيل، كاستعماله قاصراً بمعنى اهتدَى، والمبرِّد أنكر هذا حيث قال: إنَّ هدَى بمعنى اهْتَدى لا يُعرف، لكنْ لم يُتابعه على ذلك الحقَّاظ كالفرَّاء(١) وغيرِه. وقد جمع هنا بين صلتَيه ((إلى)) واللام تفتّناً، وإشارةً بـ ((إلى)) إلى معنى الانتهاء، وباللام للدلالة على أنَّ المنتهَى غايةٌ للهداية، وأنَّها لم تتوجَّه إليه على سبيل الاتِّفاق، بل على قَصْدِه(٢) من الفعل وجَعْلِه ثمرةً له، ولذلك عُدِّي بها ما أُسند إليه سبحانه كما ترَى. وأمَّا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِىٌّ إِلَى الْحَقِّ﴾ فالمقصودُ به التعميمُ وإنْ كان الفاعلُ في الواقع هو الله جلَّ شأنه. وقيل: اللامُ هنا للاختصاص. والجمهورُ على الأول. والمفعولُ محذوفٌ في المواضع الثلاثة، وجواز اللزوم في الأول مما لا يُلتفتُ إليه، ويقدَّر فيها على طرزٍ واحدٍ كالشخص ونحوه. وقيل: التقديرُ: قل هل مِن شركائكم مَن يهدي غيرَه إلى الحق، قل الله يهدي مَن يشاء إلى الحقِّ، أَفَمَنْ يهدي غيرَه إلى الحقِّ ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَنْ لَّا بَهِذِىٌ﴾ بفتح الياء وكَسْرِ الهاء وتشديد الدال، وهي قراءةُ يعقوبَ وحَفْصٍ (٣)، وأصلُه: يَهتدي، وكَسْرُ الهاء لالتقاء الساكنين. (١) يعني أن الفراء لم يقل به، فإن وفاة الفراء قبل وفاة المبرد بنحو ثمانين عاماً. وكلام الفراء في معاني القرآن ٩٩/٢. وذكر قوله وقول المبرد أبو حيان في البحر ١٥٦/٥، ولفظه: وأنكر المبرد ما قاله الكسائي والفراء وتبعهما الزمخشري من أن یکون هدی بمعنی اهتدى، وقال: لا نعرف هذا. (٢) في (م): قصد، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٧/٥. (٣) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٣/٢. الآية : ٣٥ ١٢٩ ۈلُّدُونِسَ وقرأ حمَّادٌ ويَحيَى عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء والتشديد(١)، وكُسِرَت الياء إتباعاً للهاء، وكان سيبويه(٢) يرَى جوازَ كَسْرِ حَرْفِ المضارعة لغةً إلا الياء لثقل الكسرة عليها، وهذه القراءةُ حجَّةٌ عليه. وقرأ ابنُ كثيرٍ، وورشٌ عن نافع، وابنُ عامٍ بفتح الياء والهاء والتشديد(٣)، والأصل: يَهْتَدي، فنُقلت فتحةُ التاء إلى الهاء قبلها ثم قُلبت دالاً لقُرْبٍ مخرجهما وأُدغمت فيها . وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع كذلك لكنَّه اختلس فتحة الهاء تنبيهاً على أنَّ الحركة فيها عارضةٌ. وفي بعض الطرق عن أبي عمرو أنَّه قرأ بالإدغام المجرَّد عن نقل الحركة إلى ما قبلها، أو التحريكِ بالكسر لالتقاء الساكنين(٤). واستشكل ذلك بأنَّ فيه الجمعَ بين الساكنين، ولذا قال المبرِّد: مَن رام هذا لا بدَّ أنْ يحرِّك حركةً خفيفة، قال ابن النحاس(٥): إذ بدونه لا يُمكن النطق. وذكر القاضي: أنَّه لم يبالِ بالتقاء الساكنين؛ لأنَّ المدغَم في حُكُم المتحرِّك(٦)، وأَنْكَر بعضُهم هذه القراءة وادَّعَى أنَّه إنما قرأ بالاختلاس، والحقُّ أنَّه قرأ بهما، وروي ذلك عن نافع(٧) أيضاً، وتفصيله في ((لطائف الإشارات)) و((الطيبة))(٨). (١) القراءة عن عاصم من رواية أبي بكر في التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٣/٢. (٢) في الكتاب ١١٠/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٧/٥. (٣) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٣/٢. (٤) أي: بإسكان الهاء مع تشديد الدال، وهي روايةٌ عن قالون كما في التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٤/٢. وبها قرأ أبو جعفر، والرواية بذلك عن أبي عمرو ذكرها الداني في جامع البيان ١٩٣/٢ عنه من رواية شجاع، وقال صاحب النشر ٢٨٤/٢: وانفرد صاحب العنوان بإسكان الهاء في روايتيه وجهاً واحداً، وهو الذي ذكره الداني عن شجاع وحده. وينظر كتاب العنوان في القراءات السبع لأبي طاهر إسماعيل بن خلف الأنصاري ص ١٠٥ . (٥) في إعراب القرآن ٢٥٤/٢، ونقله المصنف عنه مع قول المبرد بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٨/٥. (٦) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٧/٥، وقوله: لم يبال، يعني به أبا عمرو. (٧) هي روايةٌ عن قالون عن نافع، كما ذكرنا قريباً. (٨) النشر ٢٨٤/٢. وكتاب لطائف الإشارات في علم القراءات للإمام أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني المتوفى سنة (٩٢٣هـ)، وهو كتاب عظيم النفع. كشف الظنون ١٥٥١/٢. ١٣٠ الآية : ٣٥ وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ((يَهْدِي)) ك: يرْمي(١)، وهو إمَّا لازم بمعنى: يَهتدي، كما هو أحدُ استعمالات فِعْلِ الهداية على المعوَّل عليه كما علمتَ آنفاً، أو متعدٍّ، أي: لا يهدي غيرَه، ورُجِّح هذا بأنَّه الأوفقُ بما قبلُ، فإنَّ المفهوم منه نفْيُ الهداية لا الاهتداء، وقد يُرجِّح الأول بأن فيه توافق القراءات معنًى، وتَوَافقُها خيرٌ من تخالُفِها، وإنَما نفَى الاهتداء مع أنَّ المفهوم مما سبق نفْيُ الهداية كما ذكر، لِمَا أنَّ نفْيَها مُستَتبِعٌ لنفيه غالباً، فإنَّ مَن اهتدى إلى الحقِّ لا يخلو عن هداية غيرِه في الجملة، وأدناها كونُه قدوةً له بأنْ يراه فيَسلُكَ مَسلَكَه. والفاءُ لترتيب الاستفهام على ما سبق كأنَّه قيل: إذا كان الأمر كذلك فأنا أسألكم: أمَن يَهدي إلى الحقِّ .. إلخ. والمقصودُ من ذلك الإلزامُ، والهمزةُ على هذا متأخّرةٌ في الاعتبار، وإنَّما قُدِّمَتْ في الذكر لإظهار عراقتها في اقتضاء الصدارةِ کما هو المشهور عند الجمهور. وصيغةُ التفضيل إمَّا على حقيقتها والمفضَّل عليه محذوفٌ كما اختاره مكِّي(٢)، والتقدير: أفمن يهدي إلى الحقِ أحقُّ أنْ يُتَّبع ممن لا يهدي أمْ مَن لا يهدي أحقُّ. وإمَّا بمعنَى حقيقٌ كما اختاره أبو حيان(٣). وهو خبرٌ عن الموصول، والفصل بالخبر بين ((أم)) وما عُطفَت عليه هو الأفصح كما قال السَّمينُ(٤)، وقد لا يُفصل كما في قوله سبحانه: ﴿أَقَرِيبُ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]. والإظهارُ في موضع الإضمار لزيادة التقرير. و((أَنْ يُتَبع)» في حيِّز النصب، أو الجرِّ بعد حَذْفِ الجارِّ، على الخلاف المعروف في مثله، أي(٥): بأنْ يُتَّبع. ﴿إِلَّ أَنْ يُهْدَىْ﴾ استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، أي: لا يَهتدي أو لا يهدي غيرَه في حال من الأحوال إلا حالَ هدايته تعالى له إلى الاهتداء، أو إلى هدايةٍ (١) التيسير ص١٢٢، والنشر ٢٨٣/٢، وهي قراءة خلف من العشرة. (٢) في مشكل إعراب القرآن ٣٤٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي السعود ٤/ ١٤٤. (٣) في البحر ١٥٦/٥ . (٤) في الدر المصون ٦/ ١٩٨ . (٥) في (م): أو، وهو تصحيف، والكلام من تفسير أبي السعود ١٤٤/٤. الآية : ٣٥ ١٣١ سُورَةُلُونَ الغير، وهذا - على ما قاله جمعٌ - حالُ أَشرافِ شركائهم كالمسيح وعُزيرٍ والملائكة عليهم السلام، دون الأوثان؛ لأنَّ الاهتداء الذي هو قبولُ الهداية وهدايةُ الغير مختصًّان بذوي العلم، فلا يُتُصوَّر فيها . وأخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرُهما أنَّ المراد الأوثان(١). ووجِّه ذلك بأنَّه جارٍ على تنزيلهم لها منزلةً ذوي العلم. وقيل: المعنَى: أم مَن لا يهتدي من الأوثان إلى مكانٍ فينتقل(٢) إليه إلَّا أنْ يُنقَلَ إليه، أو إلَّا أنْ يَنقله الله تعالى مِن حاله إلى أنْ يجعلَه حيواناً مكلفاً فيهديَه، وهو مِن قولك: هديتُ المرأةَ إلى زوجها وقد هُدِیَت إليه. وقيل: الآيةُ الأولى ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَّكَاِكُ مَّنْ يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُِيِدُهُ﴾ في الأصنام، ٤ أو فيما يعمُّهم ونحوَ الملائكة عليهم السلام، وهذه في رؤساء الضلالة كالأحبار والرهبان الذين انُّخذوا أرباباً من دون الله. وليس بالبعيد فيما أَرَى، ويؤيِّده التعبير(٣) بالاتِّباع، فإنَّه يَقتضي العملَ بأوامرهم والاجتنابَ عن نواهيهم، وهذا لا يُعقَل في الأوثان إلا بتكلَّفٍ، وهو وإنْ عُقِلَ في أشراف شركائهم لكنَّهم لا يَدْعون إلَّا إلى خير، واتِّباعُهم في ذلك لا ينعي على أحدهم، اللهمَّ إلا أنْ يقال: إنَّ المشركين تَقوَّلوا عليهم أوامرَ ونواهيَ، فتُعِيَ عليهم اتِّبَاعُهم لهم في ذلك. وعبَّر بالاتّباع ولم يعبِّر بالعبادة بأنْ يقال: أفمَن يهدي إلى الحقِّ أحقُّ أن يعبد أمْ مَن لا يهدي إلا أن يُهدَى، مع أنَّ الآية متضمِّنةٌ إبطالَ صحةٍ عبادتهم من حيث إنَّهم لا يهدون، وأدنَى مراتبِ المعبودية(٤) هدايةُ المعبود لعبدتِهِ إلى ما فيه صلاحُ أمرهم = مبالغةً في تفظيع حال عبادتهم؛ لأنَّه إذا لم يحسُن الاتِّباعُ لم تحسُن العبادة بالطريق الأولى، وإذا قُبُح حالُ ذاك، فحال هذه أقبحُ، والله تعالى أعلم. وقرئ: ((إلا أنْ يُهَدَّى) مجهولاً مشدّداً(٥) دلالةً على المبالغة في الهداية. (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٩٥٢، والدر المنثور ٣٠٧/٣، وأخرجه الطبري ١٢/ ١٨٥. (٢) في (م): فينقل، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ١٤٤، والكلام منه. (٣) في الأصل: التفسير. (٤) في (م): العبودية. (٥) القراءات الشاذة ص٥٧، وحاشية الشهاب ٢٨/٥. مُرُدُونَ ١٣٢ الآية : ٣٦ ﴿فَا لَكُرْ﴾ أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتّخاذ هؤلاء العاجزين شركاءَ لله سبحانه وتعالى، والكلامُ مبتدأ وخبرٌ، والاستفهامُ للإنكار والتعجيب(١). وعن بعض النحاة أنَّ مثل هذا التركيب لا يتمُّ بدون حالٍ بعدَه، نحو قوله تعالى: ﴿فَمَا لَمْ عَنِ الَّذِكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، فلعلَّ الحالَ هنا محذوفٌ لظهوره، كأنَّه قيل: فما لكم متَّخذينَ هؤلاء شركاءَ. ولا يصحُّ أن يكون قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿كَيْفَ تَّحْكُمُونَ (٢٥)﴾ في موضع الحال؛ لأنَّ الجملة الاستفهاميةَ لا تقعُ حالاً، بل هو استفهامٌ آخَرُ للإنكار والتعجيب(٢) أيضاً، أي: كيف تحكمون بالباطل الذي يأباه صريحُ العقل ويحكمُ ببطلانه، من اتِّخاذ الشركاء لله جلَّ وعلا؟! والفاء لترتیب الإنكار على ما ظهر مِن وجوب اتِّباع الهادي. ﴿َمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا﴾ كلامٌ مبتدأ غيرُ داخلٍ في حيِّز الأمر، مسوقٌ من جهته تعالى لبيان سوءِ إدراكهم، وعدمٍ فَهْمِهم لمضمون ما أَفحمَهم من البراهين النيِّرة الموجبة للتوحيد، أي: ما يتَبعُ أكثرُهم في معتقداتهم ومَحاوَراتهم إلا ظنّاً واهياً مُستنِداً إلى خيالاتٍ فارغةٍ وأَقْيسةٍ باطلةٍ، كقياس الغائبٍ على الشاهد وقياسٍ الخالق على المخلوق بأدنَى مشاركةٍ موهومةٍ، ولا يلتفتون إلى فردٍ من أفراد العِلْم، فضلاً عن أنْ يَسلُكوا مسالكَ الأدلَّة الصحيحةِ الهاديةِ إلى الحقِّ، فيفهموا مضمونَها، ويقفوا على صحَّتها وبطلانِ ما يخالفُها . فالمرادُ بالاتِّباعِ: مطلَقُ الاعتقاد (٣) الشامل لِمَا يُقارِن القبولَ والانقيادَ وما لا يُقارنه، وبالقَصْرِ ما أُشيرَ إليه مِن أنْ لا يكونَ لهم في أثنائه اتِّباعٌ لفردٍ من أفراد العلم والتفاتٌ إليه. وتنكيرُ ((ظنّاً)) للنوعية. وفي تخصيص هذا الاتِّباع بالأكثر الإشارةُ إلى أنَّ منهم مَن قد يتَّبعُ فيقفُ على حَقِّيَّة التوحيد، لكنْ لا يقبله مكابرةً وعناداً. ومُقتضَى ما ذكروه في وجْهِ أمرِهِ وَّهِ بأنْ ينوبَ عنهم في الجواب مِن أنَّه (١) في (م): والتعجب، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ١٤٤ . (٢) في (م): والتعجب. (٣) في الأصل و(م): الانقياد، والمثبت من تفسير أبي السعود ١٤٤/٤، والكلام منه. الآية : ٣٦ ١٣٣ سُؤَلّ ◌ُونسَ الإشارةُ إلى أنَّ لَجاجَهم وعِنادهم يمنعُهم من الاعتراف بذلك، أنَّ فيهم مَن عَلِمَ وكان مُعانداً، ولعل النيابةَ حينئذٍ عن الجميع باعتبار هذا البعض. وجُوِّز أنْ يكونَ المعنى: ما يتَّبع أكثرُهم مدَّةَ عمرِه إلا ظنّاً ولا يتركونه أبداً، فإنَّ حرفَ النفي الداخلَ على المضارع يفيدُ استمرارَ النفي بحسب المقام، فالمرادُ بالأتِّباع هو الإذعانُ والانقيادُ، والقَصْرُ باعتبارِ الزمان، وفي التخصيص(١) تلويح بما سيكون من بعضهم من اتباع الحقِّ والتوبة. وقيل: المعنى: وما يتَبع أكثرهم في إقرارهم إلَّا ظّاً؛ لأنَّه قولٌ غيرُ مستندٍ إلى برهانٍ عندهم. وقيل: المعنى: وما يتَّبع أكثرُهم في قولهم للأصنام: وإنَّها شفعاءُ عند الله، إلا الظنَّ، والأكثرُ بمعنى الجميع، وهذا كما ورد القليلُ بمعنى العَدَم في قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، وفي قوله: مِن اليوم أعقابَ الأحاديثِ في غدٍ (٢) قليلُ التشكِّي في المصيبات حافظٌ وحَمْلُ النقيض على النقيض حسَنٌّ وطريقةٌ مسلوكةٌ، ولا يخفَى أَنَّه يتعيّن على هذَين القولَين حملُ الأكثر على الجميع، بل يُمكن حملُه على ما يتبادَر منه أيضاً، ومِن الناس مَن جَعَل ضميرَ ((أكثرهم)) للناس، وحينئذٍ يجب الحملُ على المتبادر بلا گُلفة. ﴿إِنَّ الظَّنَّ﴾ مطلقاً ﴿لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ فكيف الظنُّ الفاسدُ، والمراد من (الحقِّ)) العلمُ والاعتقادُ الصحيح المطابقُ للواقع، والجارُّ متعلِّقٌ بما قبله، و((شيئاً)) منصوب(٣) على أنَّه مفعولٌ مطلق، أي: إغناءً ما. ويجوزُ أنْ يكونَ مفعولاً به والجارُّ والمجرورُ في موضع الحال منه، والجملة استئنافٌ لبيانِ شأنِ الظنِّ وبطلانِهِ . (١) أي: تخصيص الاتباع بأكثرهم. تفسير أبي السعود ١٤٥/٤، والكلام منه. (٢) البيت لدريد بن الصمة كما في التمهيد لابن عبد البر ٢٢٦/٢٠، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ٨١٩/٢، ودون نسبة في البيان والتبيين ١٩٣/٢. وجاء في هذه المصادر: قليل التشكي للمصیبات ... (٣) في (م): نصب. مُؤَلُّ دُونِسَ ١٣٤ الآية : ٣٧ وفيه دليلٌ لمن قال: إنَّ تحصيلَ العلم في الاعتقاديات واجبٌ، وإنَّ إيمان المقلِّد غيرُ صحيح، وإنَّما لم يُؤخذ عامّاً للعمليات لقيام الدليل على صحةِ التقليد والاكتفاء بالظنِّ فيها، كما قُرِّر في موضعه. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾﴾ وعيدٌ لهم على أفعالهم القبيحة، ويندرجُ فيها ما حُكي عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعة، واتّباع الظنون الفاسدةِ اندراجاً أوليّاً . وقرئ: ((تفعلون)) بالالتفات إلى الخطاب(١) لتشديد الوعيد. ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ شروعٌ في بيان حالهم مع (٢) القرآن إثْرَ بيانِ حالهم مع الأدلّة المندرجة في تضاعيفه، أو استئنافٌ لبيانِ ما يجبُ اتِّباعُه والبرهان عليه غِبَّ المنع عن(٣) اتِّباع الظنِّ. وقيل: إنَّه متعلُّقٌ بما قصَّه الله تعالى من قولهم: (أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَآ)، وقيل: بقوله سبحانه: (وَيَقُولُونَ لَوْلًا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِِّّ) إلخ، ولا يخفى ما في ذلك من البعد. و((كان)) هنا ناقصةٌ عند كثيرٍ من الكاملين، و((هذا)) اسمُها، و((القرآن)» نعتٌ له أو عطفُ بيان، و((أنْ يُفْتَرى)) بتأويل المصدر، أي: افتراءً؛ خبرُ ((كان))، وهو في تأويل المفعول، أي: مُفْترَى كما ذكره ابنُ هشام في قاعدةِ أنَّ اللَّفْظَ قد يكون على تقدير، وذلك المقدَّرُ على تقديرٍ آخر. ومنه قوله : لَعمرُك ما الفِتيانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى(٤) (١) القراءات الشاذة ص ٥٧، والبحر ٥/ ١٥٧ عن ابن مسعود. (٢) في (م): من. (٣) في (م): مع. (٤) مغني اللبيب ص٩٠٧، وعجزه: ولكنَّما الفتيانُ كلُّ فَتَّى نَدِي، وهو في معاني القرآن للفراء ١/ ١٠٥، وأمالي المرتضى ٢٠١/١ دون نسبة. وقال البغدادي في شرح أبيات المغني ٨/ ٩٧ : والبيت ملفَّقٌ من مصراعين لابن بيض وهي: وتعظُمَ أبدانُ الرجال من الهَبْرِ لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللِّحى صبور على الآفات في العسر واليسر ولكنما الفتيان كل فتِّى نَدِي الآية : ٣٧ ١٣٥ سُوَلاَ نُونِسَ وذهب بعضُ المُعْربين إلى(١) أنَّ ((ما كان)) بمعنى: ما صح، وأنَّ في الكلام لاماً مقدَّرةً لتأكيد النفي، والأصل: ما كان هذا القرآنُ لِأَنْ يُفتَرَى، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَاَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] و((أَنْ يُفتَرَى)) خبرُ كان، و((مِن دون الله)) خبرٌ ثانٍ وهو بيانٌ للأول، أي: ما صحَّ ولا استقامَ أنْ يكونَ هذا القرآنُ المشحونُ بفنون الهدايات المستوجِبَةِ للاتِّباع التي من جملتها هاتيك الحجَجُ البَيَّةُ الناطقةُ بحقِّيَّة التوحيد وبطلانِ الشرك صادراً مِن غير الله تعالی کیف کان. وقيل عليه ما قيل، لكن(٢) لا ينبغي العدولُ عما قاله في محل ((مِن دون الله))، وما ذكر في حاصل المعنَى أمرٌ مقبولٌ كما لا يخفَى. وجَوَّز البدرُ الدماميني أنْ تكون ((كان)) تامَّةً و ((أنْ يُفتَرَى)) بدل اشتمالٍ من («هذا القرآن»(٣). وتُعقِّب بأنَّه لا يحسُنُ قطعاً؛ لأنَّ: ما وُجد القرآنُ، يُوهمُ مِن أوَّلِ الأمر نفيَ وجوده، وأيضاً لابدَّ مِن الملابسةِ بين البدل والمبدَلِ منه في بدل الاشتمال، فيلزم أنْ يُبْتَنَى الكلامُ على الملابَسةِ بين القرآن العظيم والافتراء، وفي التزام كلِّ ما ترَى، وأُجيبَ عن ذلك بما لا أَراه مثبتاً للحُسْن أصلاً. واقتَصَر بعضُهم على اعتبارِ المصدر من غير تأويله باسم المفعولِ اعتباراً للمبالغة، على حدٍّ ما قيل في: زيدٌ عدلٌ. والظاهرُ عندي أنَّ المبالغة حينئذٍ راجعةٌ إلى النفي، نظير ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لا أنَّ النفيَ راجعٌ إلى المبالغة كما لا يخفَى. ومِن هنا يُعلَم ما في قول بعض المحقّقين: إنَّ قولَ الزمخشري في بيان معنَى الآية: وما صحَّ وما استقامَ وكان محالاً أنْ يكون مثلُه في علوٍّ أمره وإعجازه مفترَى(٤). ربّما يُشعرُ بأنَّه على حذفِ اللام، إذ مجرَّدُ توسيط ((كان)) لا يُفيد ذلك، والتعبير بالمصدر لا تعلُّقَ له بتأكيد معنَى النفي = من النظر. (١) قوله: إلى، ليس في (م). (٢) في (م): لكنه. (٣) تحفة الغريب شرح مغني اللبيب ٥٨/١. (٤) الكشاف ٢٣٧/٢. سُولُلُونِسَ ١٣٦ الآية : ٣٧ ثم إنَّهم - فيما رأينا - لم يعتبروا المصدرَ هنا إلا نكرةً، والمشهورُ اتَّفاقُ النحاةِ على أنَّ (أَنْ)) والفعلَ المؤوَّلَ بالمصدر معرفةٌ ولذلك لا يُخبَر به عن النكرة، وكأنَّه مبنيٌّ على ما قاله ابن جنِّي في ((الخاطريات)) من أنَّه يكون نكرةً، وذكَرَ أنَّه عرضَه على أبي عليٍّ فارتضاه(١) . واستشكل بعضُهم هذه الآيةَ بأنَّ ((أَنْ)) تُخلِّصُ المضارِعَ للاستقبال كما نصَّ على ذلك النخويُّون، والمشركون إنَّما زعموا كونَ القرآن مفترى في الزمان الماضي، كما يدلُّ عليه ما يأتي إنْ شاء الله تعالى، فكيف ينبغي كونُه مفترَى في الزمان المستقبل. وأُجيبَ عنه بأنَّ الفعل فيها مستعمَلٌ في مطلَق الزمان، وقد نصّ على جواز ذلك في الفعل ابنُ الحاجب وغيرُه، ونقله البدرُ الدماميني في شرحه لـ ((مغني اللبيب)»(٢). ولعلَّ ذلك من باب المجاز، وحينئذٍ يمكن أنْ يكون نكتَةُ العدول عن المصدر الصريح - مع أنَّه المستعمَلُ في كلامهم عند عدم ملاحظةِ أحدِ الأزمنة نحو: أَعجبني قيامُك - أنَّ المجازَ أبلغُ من الحقيقة. وقيل: لعلَّ النكتة في ذلك استقامةُ الحمل بدون تأويلٍ، للفرق بين المصدر الصريح والمؤوَّلِ على ما أشار إليه شارح ((اللباب)» وغيرُه، ولا يخفى أنَّ فيه مخالفةً لِمَا مرَّت الإشارةُ إليه من أنَّ (أَنْ)) والفعلَ في تأويل المصدر، وهو في تأويل المفعول. قيل: وقد يجابُ أيضاً عن أصل الإشكال بأنَّه إنَّما نفَى في الماضي إمكانَ تعلُّقِ الافتراء به في المستقبل، وكونَه محلّاً لذلك، فينتفي تعلُّق الافتراء به بالفعل من باب أَولَى، وفي ذلك سلوكُ طريقِ البرهان، فيكونُ في الكلام مجازٌ أصليٍّ أو تَبعيٌّ. وقد نصَّ أبو البقاء على جواز كونِ الخبر محذوفاً، وأنَّ التقدير: وما كان هذا القرآنُ ممكناً أنْ يُفْتَرَى(٣). (١) حاشية الشهاب ٢٨/٥، ولم نقف عليه في المطبوع من الخاطريات. (٢) تحفة الغريب ٥٨/١. (٣) الإملاء ٢٣٠/٣. الآية : ٣٧ ١٣٧ الأُلُونشن وقال العلامة ابنُ حجر: إنَّ الآية جوابٌ عن قولهم: ((ائتِ بقرآنٍ غير هذا أو بدِّلْه)) وهو طلبٌ للافتراء في المستقبل، وأمَّا الجوابُ عن زَعْمِهم أنَّه عليه الصلاة والسلام افتراه - وحاشاه - فسيأتي عند حكاية زَعْمِهم ذلك، فلا إشكال. على أنَّ عمومَ تخليص (أنْ)) المضارعَ للاستقبال في حيِّز المنع، لم لا يجوز أنْ يكون فيما عدا خبرِ ((كان)) المنفيةِ كما يُرشد إليه قولُه سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فإنَّه نزل [نهياً] عن استغفارٍ سَبَقَ منهم للمشركين كما قاله أئمةُ التفسير(١). وقد أطال الكلام على ذلك في ذيل فتاويه فتبصّر. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيِّ﴾ أي: من الكُتُب الإلهية كالتوراة والإنجيل، فالمرادُ من الموصول الجنسُ، وعنَى بالتصديق بيانَ الصدق، وهو مطابقةُ الواقع وإظهارُه، وإضافته إمَّا لفاعله أو مفعوله، وتصديقُ الكُتُب له بأنَّ ما فيه من العقائد الحقَّةِ مطابقٌ لِمَا فيها، وهي مسلَّمةٌ عند أهل الكتاب وما عَدَاهم إن اعتُرفٍ بها، وإلا فلا عبرة به. وفي جَعْلِ الإضافة للمفعول مبالغةٌ في نفي الافتراء عنه؛ لأنَّ ما يثبتُّ ويظهرُ به صِدْقُ غيرِه فهو أَولَى بالصدق، ووجْهُ كونِهِ مصدِّقاً لها أنَّه دالٌّ على نزولها من عند الله تعالى، ومُشتمِلٌ على قصص الأَوَّلين حسبما ذُكِرَ فيها، وهو معجِزٌ دونها، فهو الصالحُ لِأَنْ يكونَ حجّةً وبرهاناً لغيره لا بالعكس. وزعَمَ بعضُهم أنَّ المراد من ((الذي بين يديه)) أخبارُ الغيوب، والإضافةُ للفاعل، وتصديقُها له مجيتُها على وفق ما أَخبر به، وليس بشيءٍ. ونُصِبَ ((التصديق)) على العطفِ على خبر ((كان)) أو على أنَّه خبرٌ لكان مقدَّرة. وقيل: على أنَّه مفعولٌ لأَجْلِه لفعلٍ مقدَّرٍ، أي: أُنزل لتصديق ذلك، وجَعْلُ العَّة هنا ما ذُكِرَ مع أنَّه أُنزل لأمورٍ [أُخَر](٢)؛ لأنَّه المناسبُ لمقام ردِّ دعوى افترائه. وقيل: نُصب على المصدرية لفعلٍ مقدَّرٍ، أي: يُصدِّقُ تصديقَ .. إلخ. (١) ينظر الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص ٢٥٨، وما بين حاصرتين منه. (٢) ما بين حاصرتين من حاشية الشهاب ٢٩/٥، والكلام منه. مُّلُدُونِّ ١٣٨ الآية : ٣٨ وقرأ عيسى بن عمر(١) الثقفي برَفْعِه على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: ولكن هو تصديقُ ... إلخ. وكذا قرأ بالرفع في قوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَبِ﴾(٢) أي: ما كُتِبَ وأُثبتَ من الحقائق والشرائع، والعطفُ نصباً أو رفعاً على ((تصديق)). وقولُه سبحانه: ﴿لَا رَيِّبَ فِيهِ﴾ خبرٌ آخرُ لـ ((كان))(٣) أو للمبتدأ المقدَّر، وفُصِل لأنَّه جملةٌ مؤكّدةٌ لِمَا قبلها، وجوِّز أنْ يكون حالاً من ((الكتاب)) وإنْ كان مضافاً إليه، فإنه مفعولٌ في المعنى، وأنْ يكون استئنافاً نحويّاً لا محلَّ له من الإعراب، أو بيانيًّا جواباً للسؤال عن حال الكتاب، والأول أظهرُ، والمعنى: لا ينبغي لعاقلٍ أن یرتاب فيه لوضوح برهانه وعلوِّ شأنه. ﴿مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ خبرٌ آخَرُ لـ ((كان)) أو المبتدأ المقدَّر كما مرَّ في سابقه، أو متعلِّقٌ بـ ((تصديق)) أو بـ ((تفصيل))، أو بالفعل المعلَّل بهما، أو متعلُّقُ بمحذوفٍ وقَعَ حالاً من ((الكتاب))، و((لا ريب فيه)) اعتراضٌ لئلا يلزمَ الفَصْلُ بالأجنبيِّ بين المتعلّق والمتعلَّق، أو الحالِ وذِيْها. وجوِّز أنْ يكون حالاً من الضمير المجرور في ((فيه)). مْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ﴾ (أم)) منقطعةٌ وهي مقدَّرة ببل والهمزة عند سيبويه(٤) والجمهور، أي: بل أَيقولون، وبل انتقاليةٌ، والهمزةُ لإنكار الواقع واستبعاده، أي: ما كان ينبغي ذلك، وجوِّز أنْ تكون للتقرير لإلزام الحجة، والمعنيان ــ على ما قيل - متقاربان. وقيل: إنَّ (أم)) متَّصلةٌ ومُعادِلُها مقدَّر، أي: أتقرُّون به أم تقولون افتراه. وقيل: هي استفهامية بمعنى الهمزة. وقيل: عاطفةٌ بمعنى الواو. والصحيح الأول. (١) في الأصل و(م): عمرو، والصواب ما أثبتناه، وقراءته في القراءات الشاذة ص ٥٧، والبحر ١٥٧/٥. (٢) البحر ١٥٧/٥. (٣) في (م): للكن، وهو خطأ. وقوله: لـ ((كان))، أي: لكان المقدرة بعد ((لكن)) كما ذكره الشهاب في الحاشية ٣٠/٥. (٤) كما في البحر ١٥٨/٥، وحاشية الشهاب ٣٠/٥ وعنه نقل المصنف، وينظر الكتاب ١٧٣/٣ و١٨٩. الآية : ٣٨ ١٣٩ سُؤَةُ تُونسون وأيًّا ما كان فالضميرُ المستترُ للنبيِّ نَّهِ وإنْ لم يذكر؛ لأنَّه معلومٌ من السياق. ﴿قُلْ﴾ تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلانِ مقالتهم الفاسدةِ: إنْ كان الأمر كما تقولون ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةِ﴾ طويلةً كانت أو قصيرةً ﴿مِثْلِهِ،﴾ في البلاغة وحُسْن الارتباط وجزالة المعنى على وجه الافتراء، وحاصلُه على ما قيل: إن كان ذاك افتراءً منِّي فافتَرُوا سورةً(١) مثله، فإنَّكم مثلي في العربية والفصاحة، وأشدُّ تمرُّناً واعتياداً في النظم والنثر. وعلى هذا فالمرادُ بإتيان المخاطَبين بذلك إنشاؤهم له والتكلُّمُ به من عند أنفسهم، لا ما يعمُّ ذلك وإيرادَه من كلام الغير ممن تقدَّم. وجوِّز أنْ يكونَ المراد ما ذكر (٢)، ولعله السرُّ في العدول عن: قولوا سورةً مِثْلَه مَثَلاً، إلى ما في النظم الكريم، أي: إنْ كان الأمر كما زعمتُم فأتوا من عند أنفسكم، أو ممن تقدَّمكم من فصحاء العرب وبُلغائها کامرئ القيس وزهيرٍ وأضرابهما، بسورةٍ مماثلةٍ له في صفاته الجليلة، فحيثُ عجزتُم عن ذلك مع شدَّةٍ تمرُّنكم، ولم يوجد في كلام أولئك، وهم الذين نُصبَت لهم المنابرُ في عكاظِ الفصاحة والبلاغة، وبهم دارت رَحَا النَّظْمِ والنثر، وتصرَّمَت أيامُهم في الإنشاء والإنشاد، دلَّ على أنَّه ليس من كلام البَشْر، بل هو من(٣) كلامٍ خالقِ القوى والقُدَر. وقرئ: ((بسورةٍ مثله)) على الإضافة (٤)، أي: بسورةٍ كتابٍ مِثلِه. ﴿وَأَدْعُواْ﴾ للمعاوَنةِ والمظاهرةِ ﴿مَنِ أَسْتَطَعْتُم﴾ دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعمون أنَّها مُمِدَّةٌ لكم في المهمَّات والملمَّاتِ، والمدارِهِ(٥) الذين تلجؤون إليهم في كلِّ ما تأتون وتَذَرُون. (١) في الأصل: فأتوا بسورة. (٢) أي: ما يعم إنشاءَهم له من عند أنفسهم وإيرادَه من كلام الغير ممن تقدم. (٣) قوله: من، ليس في الأصل. (٤) القراءات الشاذة ص٥٧، والمحتسب ٣١٣/١، والبحر ١٥٨/٥ عن عمرو بن فائد. (٥) في (م): والمداراة، وفي الأصل: والمدارة. والمداره جمع مِذْرَه كمِنبر، وهو رأس القوم المدافع عنهم، والسيد الشريف، والمقدم في اليد واللسان عند الخصومة والقتال. سُؤَلُ تونس ١٤٠ الآية : ٣٨ ﴿مِنِ دُونِ اٌلَِّ﴾ متعلِّقٌ بـ ((ادعوا)) كما قيل، و((مِن)) ابتدائيةٌ على معنى أنَّ الدعاء مبتدأٌ من غيرِه تعالى لا مُلابسةً له معه - جلَّ شأنُه - بوجْهٍ. وجوِّز أنْ يكونَ متعلِّقاً بما عنده و((مِن)) بيانية، أي: ادْعُوا مَن استطعتُم مِن خَلْقِه، ولا يخلو عن حُسْن. وفائدةُ هذا القيد، قيل: التنصيصُ على براءتهم منه تعالى، وكونِهم في عُدْوَةٍ المضادّةِ والمشاقَّةِ، وليس المراد به إفادةَ استبدادِه تعالى بالقُدرة على ما كلِّفوه، فإنَّ ذلك مما يُوهم أنَّهم لو دَعَوه لأجابهم إليه. وقد يُقال: لا بأس بإفادة ذلك؛ لأنَّ الاستبداد المذكورَ مما يؤيِّد المقصودَ، وهو كونُ ما أتَى بِه ◌ِ لو لم يكن من عند نفسِه بل هو منه تعالى، والإيهامُ ممَّا لا يُلتَفَتُّ إليه، فإنَّ دعاءهم إيَّه تعالى بمعنى طلبهم منه سبحانه وتعالى أنْ يأتي بما كلِّفوه مستبِدّاً به مما لا يكاد يتصوَّرُ؛ لأنَّه يُنافي زعمَهم السابقَ كما لا يخفَى، فتأمَّل. ﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ في أنِّي افتريتُه، فإنَّ ذلك مستلزِمٌ لإمكان الإتيان بمثله، وهو أيضاً مستلزِمٌ لقدرتكم عليه. وجواب ((إنْ)) محذوفٌ لدلالة المذكور عليه. وفي هذه الآية دلالةٌ على إعجاز القرآن؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام تحدَّى مصاقع العرب بسورةٍ ما منه فلم يأتوا بذلك، وإلَّا لنُقِلَ إلينا لتوقُّر الدَّواعي إلى نَقْلِهِ . وزَعَمَ بعضُ الملاحدة أنَّه لا يلزم من عجزهم عن الإتيان بذلك كونُه من عند الله تعالى قَطْعاً، فإنَّه قد يتَّفقُ في الشخص خصوصيةٌ لا توجدُ في غيره، فيحتمل أنَّه وَه كان مخصوصاً بهذه المرتبةِ من الفصاحةِ والبلاغةِ، ممتازاً بها عن سائر العرب، فأتَى بما أتَى دونهم، وقد جاء من بعض الطرق أنَّه ◌ِ لّه قال: ((أنا أفصحُ العرب بيدَ أنِّي مِن قريش))(١). (١) قال السيوطي كما في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع لعلي القاري ص٦٠: لا يُعْلَم مَن أخرجه ولا إسناده. وروي أيضاً: أنا أفصح مَن نطق بالضاد، قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٩٥: معناه صحیح، ولکن لا أصل له کما قاله ابن کثیر.