النص المفهرس
صفحات 81-100
الآية : ٢١ ٨١ سُوَلَ كُونُسَ قالوا: لا صلاحَ في نزول ما نَزَل، وإنَّما الصلاحُ في إنزال آيةٍ مما نقترح، فلولا نزلت. وفي ذلك دعوَى الغيب بلا ريبٍ، فأُجيبوا بأنَّ الغيب مختصٌّ بالله، فهو الذي يعلم ما به الصلاحُ لا أنتم ولا غيرُكم. ثم قال سبحانه: (فَأَنْتَظِرُوّا) إلخ على معنى: إذا كان علمُ الغيب مختصّاً بالله تعالى وقد اذَّعيتُم من ذلك ما ادعيتُم وطعنتُم فيما طعنتم، فانتظروا نزولَ العذابِ بكم إني معكم من المنتظرين إياه، ولا يَرِدُ على هذا ما أُورد على غيرِهِ، ولا ما عسى أنْ يُورد أيضاً، فتأمَّل. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَ اَلنَّاسَ رَحْمَةٌ﴾ كالصحة والسعة ﴿مِّنْ بَعْدِ ضَرَآءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أي: خالَطتْهم حتى أحسُّوا بسوء أثرها فيهم، وإسنادُ المِسَاس إلى الضرَّاء بعد إسناد الإذاقة إلى ضمير الجلالة من الآداب القرآنية كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ونظائرِهِ، ويَنبغي التأدُّب في ذلك، ففي الخبر: ((اللهمَّ، إنَّ (١) الخيرَ بَيَديك والشَّرُّ ليس إليك))(٢). والمراد بـ ((الناس)) كفارُ مكة على ما قيل؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ الله تعالى سلَّط عليهم القَخْطَ سبع سنين حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه وَلّه أن يدعوَ لهم بالخصب ووعدوه بالإيمان، فلمَّا دعا لهم ورحمهم الله تعالى بالحيا (٣)، طفقوا يطعنونَ في آياته تعالى، ويُعاندونه عليه الصلاة والسلام ويَكيدونه(٤)، وذلك قولُه سبحانه: ﴿إِذَا لَهُم مَّكْرُ فِيَ ءَايَانِنَا﴾ أي: بالطعن فيها، وعدم الاعتداد بها، والاحتيالِ في دفعها . والظاهرُ أنَّ المراد بالآيات الآياتُ القرآنية. وقيل: المراد بها الآيات التكوينية كإنزالِ الحياة، ومكرُهم فيها إضافتها إلى الأصنام والكواكب. وقيل: إنَّ ((الناس)) عامّ لجميع الكفار، ولا يجوزُ حَمْلُه على ما يشمل العصاةَ كما لا يخفى. (١) قوله: إن، ليس في الأصل. (٢) أخرجه أحمد (٨٠٣)، ومسلم (٧٢٩) من حديث علي ◌َُّه بلفظ: ((الخير كلُّه في يديك، والشُّ لیس إليك». (٣) أي: بالخصب. القاموس (حيي). (٤) أخرج نحوه البخاري (٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨) من حديث ابن مسعود سُؤَلُونِسَ ٨٢ الآية : ٢١ وكانت العربُ تُضيف الأمطار، وكذا الرياح والحرّ والبرد إلى الأنواء، وهو جمعُ(١) نَوْءٍ مصدر ناء يَنوءُ: إذا نهضَ بجُهدٍ ومشقَّةٍ، ويقال ذلك أيضاً إذا سقطً، فهو من الأضداد، ويُطلَق على النجم الذي هو أحدُ المنازل الثمانية والعشرين التي ذكرناها فيما سبق(٢)، وهو المراد في كلامهم، إلا أنَّ الإضافةَ إليه باعتبار سقوطِهِ مع الفجر وغُروبه كما هو المشهور، أو باعتبارِ طلوعه ذلك الوقتَ كما قال الأصمعيُّ. وقد عُدَّ القائل بتأثير الأنواء كافراً، فقد رَوَى الشيخان وأبو داود والنَّسائي عن زيد بن خالد قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((قال الله تعالى: أصبحَ مِن عبادي مُؤمنٌ بي وكافرٌ بالكوكبِ، وكافرٌ بي ومُؤْمِنٌ بالكوكب، فأمَّا مَن قال مُطِرْنا بفَضْلِ الله ورَحْمتِهِ فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال مُطرنا بنَوء كذا وكذا فذلك كافرٌ بي ومؤمن بالكوكب»(٣). ولعلَّ كونَ ذلك من الكفر بالله تعالى مبنيٌّ على زَعْم أنَّ للكواكب تأثيراً اختياريّاً ذاتيّاً في ذلك، وإلا فاعتقادُ أنَّ التأثير عندها لا بها كما هو المشهور من مذهب الأَشاعرة في سائر الأسباب ليس بكفرٍ، كما نصَّ عليه العلّامةُ ابنُ حَجَر (٤). وكذا اعتقادُ أنَّ التأثير بها على معنى أنَّ الله تعالى أَودَعَ فيها قوَّةً مؤثِّرةً بإذنه، فمتى شاء سبحانه أَثَّرَت ومتى لم يشأ لم تُؤْثِّر، كما هو مذهب السلف في الأسباب على ما قرَّره الشيخ إبراهيم الكورانيُّ في ((مسلك السداد))(٥). ولو كان نسبةُ التأثير مطلقاً إلى الأنواء ونحوها من العُلويَّات كُفراً لاَّسع (١) في (م): جميع. (٢) ص٣١ من هذا الجزء. وينظر أدب الكاتب ص٨٦-٨٧. (٣) صحيح البخاري (٨٤٦)، وصحيح مسلم (٧١)، وسنن أبي داود (٣٩٠٦)، وسنن النسائي ١٦٥/٣، وهو عند أحمد (١٧٠٦١). (٤) الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي ص٢٨٢-٢٨٣. (٥) مسلك السداد إلى مسألة خلق أفعال العباد، لإبراهيم بن حسن الكوراني الشهرزوري برهان الدين. وله أيضاً: إمداد ذوي الاستعداد لسلوك مسلك السداد. إيضاح المكنون ٢/ ٤٨٠، وهدية العارفین ٣٥/١-٣٦. الآية : ٢١ ٨٣ سُؤْرَةُ لُونِسَ الخرقُ، ولَزِمَ إكفارُ كثيرٍ من الناس حتى أفاضِلِهم، لقولهم بنسبة الكثير من عالم الكون والفساد إلى العلويات، ويُسمُّونها بالآباء العلويَّةِ. وقد صرَّح الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه بأنَّ للكواكب السيارات وغيرِها تأثيراً في هذا العالم، إلا أنَّ الوقوفَ على تعيين جزئيَّاته مما لا يطَّلع عليه إلا أربابُ الكشوف(١) والأرصاد القلبية. وليس مرادُه قُدِّس سرُّه - وكذا مرادُ مَن أطلق التأثيرَ - إلا ما ذَهَب إليه أحدُ الفريقَين في الأسباب، وحاشا ثم حاشا أنْ يكون أولئك الأفاضلُ ممن يعتقدُ أنَّ في الوجود مؤثّراً غيرَ الله تعالى. بل مَن وقف على حقيقة كلام الحكماءِ الذين هم بمعزلٍ عن الشريعة الغرَّاء وجَدَهم متَّفقين على أنَّ الوجودَ معَلولٌ له تعالى على الإطلاق؛ قال بهمنيار(٢) في ((التحصيل)): فإنْ سئلت الحق فلا يصحُّ أنْ يكونَ علةَ الوجودِ إلا ما هو بريءٌ مِن كلِّ وجْهٍ من معنى ما بالقوة، وهذا هو المبدأ الأول لا غير. وما نُقل عن أفلاطون مِن قوله: إنَّ العالَم كرةٌ، والأرضَ مركزٌ، والإنسانَ هدفٌ، والأفلاكَ قِسِيٍّ والحوادث سهامٌ، واللهُ تعالى هو الرامي فأين المفر؟ يُشعر بذلك أيضاً. نعم إنَّهم قالوا بالشرائط العقلية، وهي المرادُ بالوسائط في كلام بعضهم، وهو خلافُ المذهب الحقِّ. وبالجملة لا يكفر مَن قال: إنَّ الكواكب مؤثّرةٌ على معنى أنَّ التأثير عندها أو بها بإذن الله تعالى، بل حكمه حكمُ مَن قال: إنَّ النار محرقةٌ والماء مُرْرٍ مثلاً، ولا فرقَ بين القولَين إلَّا بما عسى أنْ يقال: إنَّ التأثير في نحو النار والماء أمرٌ محسوسٌ مشاهَدٌ، والتأثيرُ في الكواكب ليس كذلك فالقول(٣) به رجمٌ بالغيب، لكنَّ (١) في (م): الكشف. (٢) بهمنيار بن مرزبان العجمي الأذربيجاني، كان مجوسيّاً ثم أسلم، وهو من أعيان تلامذة ابن سينا، من مصنفاته: التحصيل، والسعادة، توفي سنة (٤٥٨هـ). هدية العارفين ٢٤٤/١. (٣) في (م): والقول. سُۈۈآلُونِسَ ٨٤ الآية : ٢١ ذلك بعد تسليمه لا يُوجب كونَ أحدِ القولَين كفراً دون الآخر، كما لا يخفى على المنصف. ومع هذا، الأحوطُ عدمُ إطلاق نسبة التأثير إلى الكواكب، والتجنُّبُ عن التلفُّظ بنحو ما أَكْفَرَ اللهُ سبحانه المتلفّظَ به. هذا ((وإذا)) الأولَى شرطيةٌ، والثانية فجائيةٌ رابطةٌ للجواب، وتنكيرُ ((مكرٌ)) للتفخيم، و((في)) متعلِّقةٌ بالاستقرار الذي تتعلَّق به اللام. ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: منكم، فـ ((أسرع)) أفعلُ تفضيل، وهو مأخوذٌ إمّا مِن سَرُع الثلاثي كما حكاه الفارسي(١)، أو مِن أَسْرَعَ المزيد، إلّا أنَّ في أَخْذ أَفْعلَ من المزيد خلافاً، فمنهم مَن مَنَعه مطلقاً، ومنهم مَن جوَّزه مطلقاً، ومنهم مَن قال: إنْ كانت الهمزةُ للتعدية امتنَعَ، وإلا جاز، ومثلُه في ذلك بناءُ التعُبِ. ووَصْفُ المفضَّلِ عليه بالسرعة دلَّ عليه المفاجأةُ، على أنَّ صحة استعمالٍ ((أسرع)) في ذلك لا يتوقَّفُ على دلالة الكلام على ما ذُكِرَ، خِلافاً لما يقتضيه ظاهرُ كلام الزمخشري(٢). وأصلُ المكر: إخفاءُ الكيد والمضرَّة، والمرادُ به: الجزاءُ والعقوبةُ على المكر، مجازاً مرسلاً أو مشاكلةً، وهي لا تُنافيه كما في ((شرح المفتاح))، وقد شاع أنَّه لا يستعمل فيه تعالى إلا على سبيل المشاكلة، وليس بذاك كما حُقِّق في موضعه. ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ الحفظةَ مِن قِبَلِنَا على أعمالكم ﴿يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾﴾ أي: مَكْرَكم، أو: ما تمكرونه، وكيفيةُ كتابة ذلك مما لا يلزمُ العِلْمُ به، ولا حاجةً إلى جَعْلٍ ذلك مجازاً عن العلم. وهذا تحقيقٌ للانتقام منهم، وتنبيهٌ على أنَّ ما دَبَّروا في إخفائه غيرُ خافٍ على الكتبة، فضلاً عن مُنْزِل الكتاب الذي لا تخفَى عليه خافيةٌ، وفي ذلك تجهيلٌ لهم كما لا يخفَى. (١) المسائل العضديات لأبي عليٍّ الفارسي ص١٦٢ -١٦٣. (٢) في الكشاف ٢٣١/٢، وفيه: ما وصفهم بسرعة المكر فكيف صح قوله: ((أسرع مكراً)). وأجاب عن ذلك بأنه دل عليه كلمة المفاجأة؛ لأن المعنى: فاجؤوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه. الآية : ٢٢ ٨٥ سُؤَ ةُ تُونِسَ والظاهرُ أنَّ الجملةَ ليست داخلةً في الكلام الملقَّن كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وهي تعليلٌ لأسرعية مَكْرِه سبحانه وتعالى. وجوِّز أنْ تكون داخلةً في ذلك، وفي ((إنَّ رسلنا)) التفاتاً؛ إذ لو أجري(١) على قوله سبحانه: (قُلِ اللَّهُ) لقيل: إنَّ رُسله، فلا إشكالَ فيه من حيث إنَّه لا وجْهَ لأمر الرسولِ وَ لِ بأنْ يقولَ لهم: إنَّ رُسلَنا، إذ الضمير لله تعالى لا له عليه الصلاة والسلام بتقدير مضاف، أي: رُسل ربِّنا، أو بالإضافة لأدنَى ملابسةٍ كما قيل. وقال بعضُهم في الجواب: إنَّه حكايةُ ما قال الله تعالى، على كون المراد أداءَ هذا المعنى لا بهذه العبارة. وقرأ الحسن ومجاهد: (يَمْكُرُونَ) على لفظ الغيبة، ورُوي ذلك أيضاً عن نافع ويعقوب(٢)، وفيه الجريُ على ما سبق من قوله سبحانه: (مَسَّتَهُمْ) و(لَهُم) والمناسِبُ الخطابُ كما قرأ الباقون إذا كانت الجملةُ داخلةً في حيِّز القول؛ إذ المعنَى: قل لهم، ومناسبةُ الخطاب حينئذٍ ظاهرةٌ، وفيه أيضاً مبالغةٌ في الإعلام بمكرهم. وجعَلَها بعضُ المحقّقين على تلك القراءةِ وعدم دخولها في حيِّز القول تعليلاً للأسرعية أو للأمر المذكور. وصيغةُ الاستقبال في الفعلَين للدلالة على الاستمرار والتجدُّدِ، وكذا في قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُمْ فِى الْبَرِّ وَاَلْبَعْرِ﴾، وهو - على ما قيل - كلامٌ مستأنَفٌ مَسوقٌ لبيان جنايةٍ أُخرى لهم، مَبنيةٍ على ما مرَّ آنفاً من اختلاف حالهم بحسب اختلافٍ ما يعتريهم من الضرَّاء. وعن أبي مسلم أنَّه تفسيرٌ لبعض ما أجمل في قوله سبحانه: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ) إلخ، وهو قريبٌ مِن قول الإمام أنَّه تعالى لمَّا قال: (وَإِذَا أَذَقْنا) الآية وهو كلامٌ كلِّيٌّ، ضَربَ لهم مثلاً بهذا ليتَّضح ويظهر ما هم عليه(٣). (١) في الأصل: جرى. (٢) في رواية روح عنه، كما في النشر ٢٨٢/٢. والمشهور عن نافع: ((تمكرون)) بالتاء، وقراءة الحسن ومجاهد في القراءات الشاذة ص٥٦، والبحر ١٣٦/٥. (٣) تفسير الرازي ١٧/ ٦٧، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ١٧/٥. سُۈۈچلُونَِّ ٨٦ الآية : ٢٢ وزَعَمَ بعضُهم أنَّه مَّصلٌ بما تقدَّم من دلائل التوحيد، فكأنَّه قيل: إلهُكم الذي جعَل الشمسَ ضياءً والقمرَ نوراً و((هو الذي يُسيِّركم)) إلخ. وأُوِّلَ التسيير بالحمل على السير والتمكينِ منه، والداعي لذلك قيل: عدمُ صحةٍ جَعْلٍ قولِه سبحانه: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْقُلْكِ﴾ غايةً للتسيير في البحر مع أنَّه مقدَّمٌ عليه، وغايةُ الشيءٍ لابدَّ أنْ تكون متأخِّرةً عنه. وبَعْدَ التأويل لا إشكالَ في جَعْلٍ ما ذُكِرِ غايةً لِمَا قَبْلَهِ. وقيل: هو دفعُ لزوم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وذلك لأنَّ المسيِّر في البحر هو الله تعالى، إذ هو سبحانه المحدِثُ لتلك الحركات في الفُلك بالريح ولا دخلَ للعبد فيه، بل في مقدماته، وأمَّا سيرُ البرِّ فمِنَ الأفعال الاختيارية الصادرة من المخاطَبين أنفسِهم إنْ كانوا مشاةً، أو من دوابّهم إنْ كانوا رُكباناً، وتَسييرُ الله تعالى فيه إعطاءُ الآلات والأدوات، ولزومُ الجمع عليه ظاهر. ووجْهُ الدفع أنَّ المراد من التسيير ما ذكر، وهو معنّى مجازيٌّ شاملٌ للحقيقة والمجاز. وادَّعى بعضُهم اتِّحادَ التسيير في البرِّ والبحرِ، واستَدل بالآية على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى. وتُعقّب بأنَّه تكلُّفٌ. والزمخشريُّ(١) لم يؤوِّل التسيير بما ذكرنا، وجعَلَ الغايةَ مضمونَ الجملة الشرطية الواقعة بعد ((حتى)) بما في حيِّزها، كأنَّه قيل: يُسيِّركم حتى إذا وقعَت هذه الحادثةُ وكان كَيْتَ وكيت، من مجيءِ الريح العاصفِ وتراكمُ الأمواج والظنِّ للهلاك والدعاءِ بالإنجاء، دُون الكَوْنِ في البحر. وتعقّب ذلك القطبُ: بأنَّه لو جعَلَ الكونَ في الفلك مع ما عطف عليه من قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ كفى، ولم يَحتَجْ إلى اعتبارِ مجموعٍ الشرطِ والجزاء. ثم قال: والتحقيقُ أنَّ الغاية إنْ فُسِّرت بما ينتهي إليه الشيءُ بالذات - فهي ليس إلا ما وقع شرطاً في مثل ذلك وإن فسِّرت بما ينتهي إليه الشيء مطلقاً - سواءٌ كان بالذات أو بالواسطة - فهي مجموعُ الشرط والجزاء، واستوضح ذلك من (١) في الكشاف ٢/ ٢٣١ . الآية : ٢٢ ٨٧ سُؤَلُ كُونُسَ قولك: مشيتُ حتى إذا بلغتُ البلد اتّجرْتُ. فإنَّ ما انتهى إليه المشيُ بالذات الوصولُ إلى البلد، وأمَّا الاتِّجار فأمرٌ مترتّبٌ على ذلك، فيكونُ مما انتهى إليه المشيء بالواسطة. والتضعيفُ في ((يسيِّر)) للتعدية؛ تقول: سارَ الرجلُ وسيَّرتُه. وقال الفارسي: إنَّ سار متعدٍّ كـ : سيَّر؛ لأنَّ العرب تقولُ: سِرْتُ الرجلَ وسيَّرته، بمعنَّى، ومنه قولُ الهذلي : فأوَّلُ راضٍ سنَّةً مَن يَسيْرُها(١) فلا تَجْزَعَنْ مِن سنَّةٍ أنتَ سِرْتَها وقال في ((الصحاح)): سارتِ الدابَّةُ وسارَها صاحبُها، يتعدَّى ولا يتعدّى، وأنشدَ له هذا البيت(٢). وأوَّلَه النحويُّون حيث لم يَرْتَضوا ذلك. و((الفُلك)): السفنُ، ومفردُه وجمعُه واحدٌ، وتغايُرُ الحركات بينهما اعتباريٌّ. وفي ((الصحاح))(٣): أنَّه واحدٌ وجمعٌ يذكَّرُ ويؤنَّثُ. وكأنَّ ذلك باعتبارِ المركب والسفينة. وكان سيبويه يقول: الفُلْكُ التي هي جمعٌ تكسيرٌ للفُلْك الذي هو (٤) واحدٌ، وليسَتْ مثل الجُنُب الذي هو واحدٌ وجمعٌ، والطفلِ وما أشبههما من الأسماء؛ لأنَّ فَعَلاً وفُعْلاً يشتركان في الشيءِ الواحد مثل: العَرَب والعُرْب، والعَجَم والعُجْم، والرَّهَب والرُّهْب، فحيث جاز أَنْ يُجمع فَعَل على فُعْل مثل: أَسَد وأُسْد، لم يمتنع أنْ يُجمعَ فُعْل على فُعْل(٥). وضمير ((جَرين)) لـ ((الفلك)) وضمير (بهم)) لمن فيها، وهو التفاتٌ للمبالغة في تقبيح حالهم، كأنَّه أعرض عن خطابهم وحكى لغيرهم سوء صنيعهم، وقيل : (١) الحجة للفارسي ٢٦٥/٤، والبيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١/ ١٥٧، والبحر ١٣٨/٥، ورواية الديوان: وأول راضي سنةٍ ... ، ووقع في الأصل و(م): فلا تجزعي، والمثبت من المصادر. (٢) الصحاح (سير). (٣) مادة (فلك). (٤) في الصحاح: التي هي. (٥) بنحوه في الكتاب ٥٧٧/٣، ونقله المصنف بواسطة الجوهري في الصحاح. سُوَ لُ كُونَ ٨٨ الآية : ٢٢ لا التفاتَ، بل معنى قوله سبحانه: (حَتََّ إِذَا كُتُمْ فِي الْفُلْكِ): حتى إذا كان بعضُكم فيها؛ إذ الخطابُ للكلِّ، ومنهم المسيّرون في البر، فالضميرُ الغائبُ عائدٌ إلى ذلك المضاف المقدَّر، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُِّيٍّ يَغْشَنُهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] فإنَّه في تقدير: أو كذي ظلماتٍ يغشاه موجٌ. والباء الأولى للتعدية، والثانيةُ وكذا الثالثةُ للسببية، فلذا تعلَّق الحرفان بمتعلَّقٍ واحد، وإلا فقد منعوا تعلُّقَ حرفَين بمعنَى بمتعلَّق واحدٍ، واعتبارُ تعلَّق الثاني بعد تعلُّق الأول به وملاحظته معه يُزيل اتِّحاد المتعلَّق. وجوِّز أنْ تكون الثانيةُ للحال، أي: جرَين بهم مُلْتِسِةً بريح، فتتعلَّق بمحذوفٍ كما في ((البحر)) (١)، وقد تجعل الأولى للملابسة أيضاً. ((وفرحوا)) عطفٌ على ((جَرَيْنَ)) وهو عطفٌ على ((كنتم))، وقد تُجعل حالاً بتقدير ((قد). وضميرُ (بها)) للريح، ونقل الطبرسيُّ القولَ برجوعه للفُلْكِ(٢)، ولا يكاد يجري به القلم. والمراد بـ ((طيِّية)) حَسْبَما يقتضيه المقامُ: لينةُ الهبوب مُوَافِقَةُ المقصِدِ. وظاهرُ الآية - على ما نُقل عن الإمام - يقتضي أنَّ راكب السفينة متحرِّكٌ بحركتها، خلافاً لمن قال: إنَّه ساكنٌ، ولا وجْهَ - كما قال بعض المحققين(٣) - لهذا الخلاف؛ فإنَّه ساكنٌ بالذات سائرٌ بالواسطة. وقرأ ابنُ عامر: ((يَنْشُرُكم)) بالنون والشين المعجمة والراء المهملة(٤)، من النشر ضدَّ الطي، أي: يُفرِّقُكم ويَبُّكم. وقرأ الحسن: ((يُنشِركم)) مِن أَنشَرَ(٥) بمعنى أَحيا. وقرأ بعضُ الشاميين: ((يُنشِّرُكم)) بالتشديد للتكثير(٦) من النشر أيضاً. (١) ١٣٦/٥. (٢) مجمع البيان ٣٣/١١. (٣) هو الشهاب في الحاشية ١٨/٦، وعنه نقل المصنف قول الإمام. (٤) التيسير ص١٢١، والنشر ٢٨٢/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. (٥) القراءات الشاذة ص٥٦، والبحر ١٣٧/٥. (٦) البحر ١٣٧/٥. الآية : ٢٢ ٨٩ وعن أمِّ الدرداء أنَّها قرأت: ((في الفُلْكِيِّ)) بزيادة ياءي النسب(١)، ووُجُّهُ ذلك بأنَّهما زائدتان، كما في الخارجيِّ والأحمريِّ، ولا اختصاصَ لذلك في الصفاتِ؛ لمجيء: دودويّ، و: أنا الصَّلَتَانيُّ، في قول الصَّلَتَان(٢)، ويجوز أنْ يُراد به اللُّجُ والماءُ الغمرُ الذي لا تجري الفُلْكُ إلَّا فيه. وقوله سبحانه: ﴿بَّتَهَا﴾ جوابُ ((إذا))، والضميرُ المنصوبِ للفُلْكِ أو للريح الطيبة، على معنى: تلقَّتها واستولَتْ عليها من طرفٍ مخالفٍ لها، فإنَّ الهبوب على وَفْقِها لا يُسمَّى - على ما قيل - مجيئاً لريح أُخرَى عادةً، بل هو اشتدادٌ للريح الأولى. ورُجِّحَ الثاني بأنه الأظهرُ لاستلزامه للأول من غير عكسٍ؛ لأنَّ الهبوب على طريقة الريح اللينة يُعدُّ مجيئاً بالنسبة إلى الفلك دون الريح اللينة، مع أنَّه لا يستتبعُ تلاظُمَ الأمواجِ الموجبَ لمجيئها مِن كلِّ مكانٍ، ولأنَّ التهويل في بيان استيلائها على ما فرحواَ به وعلَّقوا به حبالَ رجائهم أكثر، وفيه تأمُّل. ﴿رِيعُ عَاصِفٌ﴾ أي: ذاتُ عصفٍ، فهو من باب النسب كـ : لابِنِ وتامِرٍ، ويَستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث كما صرَّحوا به، فلذا لم يَقُل: عاصفةٌ، مع أنَّ الربح مؤنثٌ لا تُذگّر بدون تأويل. وقيل: لم يقل: عاصفةٌ؛ لأنَّ العصوف مختصٌّ بالريح، فهو كـ : حائض، فلا حاجةَ إلى الفارق، أو أنَّه اعتُبر التذكير في الريح كما اعتُبر فيها التأنيث، والأَولَى ما قدَّمناه. وأصلُ العصف: الكَسْرُ، أو النباتُ(٣) المتكسِّر، والمراد: شديدةُ الهبوب. ﴿وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ وهو ما علا وارتفع من اضطراب الماء. وقيل: هو اضطرابُ البحرِ. والأول هو المشهور. (١) المحتسب ٣١٠/١، والبحر ١٣٨/٥. (٢) واسمه قُثَم بن خَبِيَّة، أحد بني محارب بن عمرو بن وديعة، قال الآمدي: هو شاعر مشهور خبيث. الخزانة ١٨١/٢. وهذه قطعة من بيت له في أمالي القالي ٢/ ١٤١، والمحتسب ٣١١/١، والبحر ١٣٨/٥، والخزانة ١٧٦/٢، وتمامه: أنا الصَّلَتانيُّ الذي قد علمتُمُ متى ما يحكّم فهو بالحقِّ صادح (٣) في (م): والنبات، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ١٨/٥. سُورَةٌ تُونس ٩٠ الآية : ٢٢ ﴿مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من أَمكنةِ مجيءٍ الموج عادةً، وقد يتّفق مجيتُه من جهاتٍ حَسْبَ أسبابٍ تَتَّقُ لذلك. ﴿وَتُّوَاْ أَهُمْ أُحِطَ بِهِمٌ﴾ أي: أُهلكوا، كما رواه ابنُ المنذر(١) عن ابنِ جُرَيج. ففي الكلام استعارةٌ تبعيةٌ. وقيل: إنَّ الإحاطة استعارةٌ لسدٍّ مسالك الخلاص تشبيهاً له بإحاطة العدوِّ بإنسانٍ، ثم كنى بتلك الاستعارة عن الهلاك لكونها مِن روافدها ولوازمها . وقيل : إنَّ ذلك مَثَلٌ في الهلاك. والظنُّ على ما يتبادَرُ منه، وجُوِّز أنْ يكون بمعنى اليقين؛ بناءً على تحقُّق وقوعِه في اعتقادهم، أو كونِ الكناية عن القرب من الهلاك. ﴿دَعَواْ اللَّهَ﴾ جعَلَه غيرُ واحدٍ بدلَ اشتمالٍ من ((ظنُّوا))؛ لأنَّ دعاءهم من لوازم ظنّهم الهلاك، فبينهما ملابسةٌ تُصحِّحُ البدلية. وقيل: هو جوابُ ما اشتمل عليه المعنى من معنى الشرط، أي: لمَّا ظُّوا أنَّهم أُحيط بهم دَعَوا الله .. إلخ. وجعله أبو حيان استئنافاً بيانيّاً، كأنَّه قيل: فماذا كان حالهم إذ ذاك؟ فقيل: دَعَوا .. إلخ(٢). ورجّح القولُ بالبدلِ عليه بأنَّه أَدْخَلُ في اتّصال الكلام، والدلالةِ على كونه المقصودَ، مع إفادته ما يُستفاد من الاستئناف، مع الاستغناءِ عن تقدير السؤال. وأنت تعلم أنَّ تقدير السؤال ليس تقديراً حقيقيّاً، بل أمرٌ اعتباريٌّ، وفيه من الإيجاز ما فيه، وليس بأبعدَ مما تُكلِّف للبدلية. ويُشعر كلامُ بعضهم بجواز كونِهِ جواب الشرط، ((وجاءتها)) في موضع الحال، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] الآية. وتُعقِّب بأنَّ الاحتياج إلى الجواب يقتضي صرفَ ما يَصْلُحُ له إليه، لا إلى (١) كما في الدر المنثور ٣٠٣/٣. (٢) البحر ١٣٩/٥. الآية : ٢٢ ٩١ سُوَلُ كُونَ الحال الفضلةِ المفتقرةِ إلى تقدير ((قد))، مع أنَّ عطف ((وظنُّوا)) على ((جاءتها)) يأْبَى الحالية، والفرحُ بالريح الطيبة لا يكونُ حالَ مجيءٍ العاصفةِ، والمعنى على تحقَّق المجيءِ لا على تقديره، ليُجعلَ حالاً مقدَّرةً. ولا يخلو عن حُسْنٍ. والظاهرُ أنَّ ما عدَّه مانعاً من الحالية غيرُ مشتركٍ بينه وبين كونه جوابَ ((إذا)»؛ لأنَّه يقتضي أنَّهما في زمانٍ واحدٍ، كما لا يخفى على مَن له أدنى معرفةٍ بأساليب الكلام. وقوله سبحانه: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ حالٌ من ضمير ((دَعَوا))، و((له)) متعلّقٌ بـ ((مخلصين))، و((الدِّين)) مفعوله، أي: دَعَوه تعالى من غير إشراكٍ لرجوعهم من شدَّة الخوف إلى الفطرة التي جُبل عليها كلُّ أحدٍ من التوحيد، وأنَّه لا متصرِّف إلا الله سبحانه، المركوز في طبائع العالم، وروي ذلك عن ابن عباس، ومن حديثٍ أخرجه أبو داود والنسائي وغيرُهما عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم الفتح فرَّ عكرمةُ بن أبي جهل، فركبَ البحر فأصابتهم عاصفٌ، فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: أَخلصُوا، فإنَّ آلهتكم لا تُغني عنكم شيئاً. فقال عكرمةُ: لئن لم يُنجِّني في البحر إلا الإخلاصُ، ما يُنجيني في البرِّ غيرُه، اللهمَّ إنَّ لك [عليَّ] عهداً إنْ أنت عافيتني مما أنا فيه أنْ آتَيَ محمداً حتى أضعَ يدي في يده، فلا جِدَنَّه عَفُوّاً كريماً، قال: فجاء فأسلم (١). وفي رواية ابن سعد عن [ابن] أبي مليكة: أنَّ عكرمةَ لمَّا ركبَ السفينةَ وأَخَذَتهمُ الريح فجعلوا يدعون الله تعالى ويُوحِّدونه، قال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكانٌ لا ينفعُ فيه إلا الله تعالى. قال: فهذا إلهُ محمدٍ بَّ* الذي يدعونا إلیه، فارجعوا بنا. فَرَجَعَ وأسلم (٢). (١) سنن النسائي ١٠٦/٧، وهو قطعة من حديث طويل أخرج أبو داود في سننه (٢٦٨٣) بعضه دون هذه القصة، وأخرجه أيضاً الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/ ٣٣٠، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١٧٥، وما بين حاصرتين من هذه المصادر. (٢) عزاه لابن سعد السيوطي في الدر ٣٠٣/٣، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ١٧/ (١٠١٩). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٥: وهو مرسل ورجاله رجال الصحيح. وما سلف بين حاصرتين من المصادر. سُولُ لُونِسَ ٩٢ الآية : ٢٣ وظاهرُ الآيةِ أنَّه ليس المراد تخصيصَ الدعاء فقط به سبحانه، بل تخصيصَ العبادةِ به تعالى أيضاً؛ لأنَّهم بمجرَّد ذلك لا يكونون مُخْلِصينَ له الدِّين، وأيّاً ما كان فالآيةُ دالَّةٌ على أنَّ المشركين لا يَدْعون غيرَه تعالى في تلك الحال. وأنت خبيرٌ بأنَّ الناس اليومَ إذا اعتراهم أمرٌ خطيرٌ وخطبٌ جسيمٌ في برٍّ أو بحرٍ، دَعَوا مَن لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يَرى ولا يسمع، فمنهم مَن يدعو الخضرَ وإلياس، ومنهم مَن يُنادي أبا الخميس والعباس، ومنهم مَن يستغيثُ بأحدِ الأئمة، ومنهم مَن يَضْرَعُ إلى شيخٍ من مشايخِ الأمَّة، ولا تَرَى فيهم أحداً يخصُّ مولاه بتضرُّعه ودُعاه، ولا يكاد يمرُّ له ببالٍ أنَّه لو دعا الله تعالى وحده ينجو مِن هاتيك الأهوال، فباللهِ تعالى عليك قل لي: أيُّ الفريقَين مِن هذه الحيثية أهدى سبيلاً؟ وأيُّ الداعيَين أقومُ قِيلاً؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمانٍ عَصَفَتْ فیه ریحُ الجَهَالة، وتَلاطَمَتْ أمواجُ الضلالة، وخُرقَت سفينة الشريعة، واتُّخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذَّر على العارفين الأمرُ بالمعروفٍ، وحالَتْ دون النهي عن المنكر صنوفُ الحتوف. هذا وقولُه تعالى: ﴿لَيْنْ أَنْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَ مِنَ الشَّكِينَ (٣)﴾ في محلِّ نصبٍ بقولٍ مقدَّرٍ عند البصريين، وهو حالٌ من الضمير السابق. ومذهبُ الكوفيين إجراءُ الدعاء مجرَى القول لأنَّه من أنواعه وجَعْلُ الجملةِ محكيةً به، والأوَّلُ هو الأَوْلَى هنا . واللامُ موطِّئَةٌ لقسم مقدَّرٍ، و(لنكوننَّ)) جوابُه. والمشارُ إليه بـ ((هذه)) الحالُ التي هم فيها، أي: واللهِ لمَّنْ أنجيتَنا مما نحن فيه مِن الشدّة لنكوننَّ البتةَ بعد ذلك أبداً شاكرينَ لنعمك التي مِن جملتها هذه النعمةُ المسؤولة. والعدولُ عن لنشكرنَّ إلى ما في النظم الجليل للمبالغة في الدلالة على الثبوت في الشكر والمثابرةِ عليه. ﴿فَلَقَّآ أَنْجَنُهُمْ﴾ ممَّا نَزَل بهم من الشدّة والكربة، والفاءُ للدلالة على سرعة الإجابة ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضٍ﴾ أي: فاجَؤوا الفسادَ فيها وسارَعوا إليه، مُترامين في ذلك مُمعنين فيه، من قولهم: بغَى الجرحُ: إذا تَرَامَى في الفساد. وزيادةُ ((في الأرض)) للدلالة على شمول بَغْيِهِم الأقطارها. وصيغةُ المضارع للدلالة على التجدُّد والاستمرار. الآية : ٢٣ ٩٣ سُوٌ لٌ تُونِسَ وقوله سبحانه وتعالى: ﴿بِغَيْرِ آلْحَقٌّ﴾ تأكيدٌ لِمَا يُفيده البغيُّ؛ إذ معناه بغير الحقِّ(١) عندهم أيضاً، بأنْ يكونَ ظلماً ظاهراً لا يخفَى قُبحه على كلِّ أحدٍ، كما قيل نحوُ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١]. وقد فسِّر البغيُ بإفساد صورةِ الشيءٍ وإتلافِ منفعته، وجُعل ((بغير الحق)) للاحتراز عما(٢) يكونُ من ذلك بحقِّ، كتخريب الغزاة ديارَ الكفرةِ وقطعِ أشجارِهم وحَرْقِ زروعهم. كما فعلَ وَّهِ ببني قريظة(٣). وتُعقِّب بأنَّه مما لا يُساعده النظمُ الكريم؛ لأنَّ البغيَ بالمعنَى الأوَّلِ هو اللائقُ بحالِ المفسدين، فينبغي بناءُ الكلام عليه. والزمخشريُّ اختار كونَ ذلك للاحتراز عما ذُكر(٤). وذَكر في ((الكشف» أنَّه أشار بذلك إلى أنَّ الفساد اللغويَّ: خروجُ الشيءِ من الانتفاعِ، فلا كلُّ بَغْيٍ - أي: فسادٍ في الأرض واستطالةٍ فيها - كذلك كما علمتَ، وإنْ كان موضوعُه العرفيُّ للاستطالة بغير حقٍّ، لكن النظر إلى موضوعه الأصلي. وقيل: إنَّ البغيَ الذي يتعدَّى بـ ((في)) بمعنى الإتلاف والإفساد، وهو يكونُ حقّاً وغيرَه، والذي يتعدَّى بـ ((على)) بمعنى الظلم، وتقييد الأول بـ ((غير الحق)) للاحتراز، وتقييد الثاني به للتأكيد، ولعلَّ مَن يجعلُ البغيَ هنا بمعنى الظلم يقول: إنَّ المعنى: يبغون على المسلمین، مثلاً. فافهم. ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ توجيهُ الخطاب إلى أولئك الباغينَ للتشديد في التهديد، والمبالغةِ في الوعيد ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ﴾ الذي تتعاطونه، وهو مبتدأُ خبرُه قولُه سبحانه: ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم، وإنْ ◌ُنَّ كذلك. (١) في الأصل: حق، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٣٥/٤، والكلام منه. (٢) في (م): مما. (٣) الكشاف ٢٣٢/٢. وأخرج أبو عوانة ٩٧/٤ من حديث ابن عمر ﴿ها: أن النبي وَّهِ حرَّق على بني قريظة والنضير نخلاً لهم. والحديث في الصحيحين لكن دون ذكر قريظة، فقد أخرجه البخاري (٢٣٢٦)، ومسلم (١٧٤٦) عن ابن عمر: أن رسول الله ◌َّهُ حرَّق نخل بني النضير وقَطَّعَ، وهي البويرة. (٤) الكشاف ٢٣٢/٢. ٩٤ الآية : ٢٣ وقولُه تعالى: ﴿مَتَعَ الْحَيَّوِ الدُّنْيَّاً﴾ نصب على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ مقدَّرٍ بطريق الاستئناف، أي: تتمتَّعون متاعَ الحياة الدنيا، والمرادُ من ذلك بيانُ كونِ ما في البغي من المنفعة العاجلة شيئاً غيرَ مُعتدٍّ به، سريعَ الزوال دائمَ الوبال. وقيل: إنَّه منصوبٌ على أنَّه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحال، أي: متمتِّعين، والعاملُ هو الاستقرارُ الذي في الخبر، ولا يجوز أنْ يكون نفسَ البغي؛ لأنَّه لا يجوز الفصلُ بين المصدر ومعموله بالخبر، وأيضاً لا يُخبر عن المصدر إلا بعد تمام صلاته ومعمولاته. وتعقِّب بأنَّه ليس في تقييد كونٍ بغيهم على أنفسهم بحالٍ تمتُّعهم بالحياة الدنيا معنّى يُعتَدُّ به. وقيل: على أنَّه ظرفُ زمانٍ كـ : مَقْدمَ الحاجّ، أي: زمانَ متاع الحياة الدنيا، والعاملُ فيه الاستقرارُ أيضاً، وفيه ما في سابقه. وقيل: على أنَّه مفعولٌ لفعلٍ دلَّ عليه المصدرُ، أي: تبغون متاع الحياة الدنيا . واعتُرض بأنَّ هذا يستدعي أنْ يكون البغيُّ بمعنَى الطلب؛ لأنَّه الذي يتعدَّى بنفسه، والمصدرُ لا يدلُّ عليه. وجَعْلُ المصدرِ أيضاً بمعناه مما يُخلُّ بجزالة النظم الكريم؛ لأنَّ الاستئناف لبيانِ سوء عاقبةٍ ما حُكي عنهم من البغي المفسَّر - على المختار - بالفساد المفرِطِ اللائق بحالهم، وحينئذٍ تنتفي المناسبةُ ويفوتُ الانتظام، وجَعْلُ الأول أيضاً بمعناه مما يجب تنزيهُ ساحة التنزيل عنه. وقيل: على أنَّه مفعولٌ له، أي: لأَجْلِ متاع الحياة الدنيا، والعاملُ فيه الاستقرار. وتُعقّب بأنَّ المعلَّل بما ذُكر نفسُ البغيَ لا كونُه على أنفسهم. وقيل: العاملُ فيه فعلٌ مدلولٌ عليه بالمصدر، أي: تبغون لأَجْلِ متاع الحياة الدنيا، على أنَّ الجملةَ مستأنَقةٌ. وقيل: على أنَّه مفعولٌ صريحٌ للمصدر، و((على أنفسكم))(١) متعلِّقٌ به لا خبرٌ لِمَا مرَّ، والمراد بالأنفس الجنس، والخبرُ محذوفٌ لطول الكلام، والتقدير: إنَّما بغيُكم (١) في الأصل و(م): وعليكم، وينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ١٩/٥، وتفسير أبي السعود ١٣٥/٤ . الآية : ٢٣ ٩٥ سُوَ لُ كُونَ على أبناءِ جِنسكم متاعَ الحياة الدنيا مذمومٌ أو منهيٌّ عنه، أو ضلالٌ، أو ظاهرُ الفساد، أو نحو ذلك، وفيه الابتناءُ على أنَّ البغي بمعنَى الطلب، وقد علمتَ ما فيه. نعم لو جَعَل نصبه على العلَّة، أي: إنَّما بغيُكم على أبناء جنسكم لأَجْلِ متاعٍ الحياة الدنيا مذمومٌ - كما اختاره بعضُهم - لكان له وجهٌ في الجملة، لكنَّ الحقَّ الذي يقتضيه جزالةُ النَّظْم هو الأول. وقرأ الجمهور: ((متاعُ)) بالرفع(١). قال صاحب ((المرشد)»: وفيه وجهان: أحدُهما: كونُه الخبر، والظرفُ صلةُ المصدر. والثاني: كونُه خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو - أو ذلك - متاع. وزِيْدَ وجْهٌ آخرُ، وهو كونُه خبراً بعدَ خبرٍ لـ ((بغيكم)). والمختارُ بل المتعيِّنُ على الوجه الأَول كونُ المراد بـ ((أنفسكم)): أبناءَ جنسكم أو أمثالَكم على سبيل الاستعارة، والتعبيرُ عنهم بذلك للتشفيق والحثّ على ترك إيثار التمتّع المذكور على ما يَنبغي من الحقوق، ولا مانعَ على الوجهين الأخيرَين من الحمل على الحقيقة، كما بيَّن ذلك مولانا شيخُ الإسلام(٢). وقرئ بنصب المتاع والحياة(٣)، وخُرِّج نصبُ الأَوَّل على ما مرَّ، ونصب الثاني على أنَّه بدل اشتمالٍ من الأول. وقيل: على أنَّه مفعولٌ به له إذا لم يكن انتصابُه على المصدرية؛ لأنَّ المصدر المؤكِّد لا يعمل. وذَكَر أبو البقاء(٤) أنَّه قرئ بجرِّهما على أنَّ الثاني مضافٌ إليه، والأول نعتٌ للأنفس، أي: ذات متاع، وجوَّز أن يكون المصدرُ بمعنى اسم الفاعل، أي: متمتِّعات(٥)، وضَعَّف كونَه بدلاً، إذ قد أَمْكَنَ كونُه صفة. (١) وهي قراءة العشرة إلا عاصماً في رواية حفص. التيسير ص١٢١، والنشر ٢٨٣/٢. (٢) أبو السعود في تفسيره ١٣٦/٤. (٣) أي: ((متاعاً الحياةَ الدنيا))، وهي في تفسير الطبري ١٤٩/١٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢٥٠/٢، والمحرر الوجيز ١١٣/٣، والبحر ١٤٠/٥. (٤) في الإملاء ٢٢٤/٣. (٥) في الإملاء: ممتعات. سُوَاُلُونِسَ ٩٦ الآية : ٢٣ هذا، وفي الآيةِ مِن الزَّجْرِ عن البَغْي ما لا يَخْفَى، وقد أخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والخطيبُ والديلميُّ وغيرُهم عن أنس قال: قال رسول الله وَلافيه: «ثلاثٌ هنَّ رَواجِعُ على أهلها: المكرُ والنكثُ والبغيُ)) ثم تلا عليه الصلاة والسلام: ﴿بَأَهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ﴿فَمَنْ تَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠](١) . وأخرج البيهقيُّ في ((الشعب)) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله وَّ: ((ما مِن ذنبٍ أَجدَرُ أنْ يُعجَّل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم)) (٢). وأخرج أيضاً من طريق بلال بنِ أبي بُردة عن أبيه عن جدِّه عن النبيِّي لَّم قال: (لا يَبغي على الناس إلا ولدُ بَغِيٍّ أو فيه عرقٌ منه))(٣). قالا: قال رسول الله وجلهو: وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر (لو بغَى جبلٌ على جبلٍ لدُكَّ الباغي منهما))(٤). (١) أخبار أصبهان ٢/ ٧٠، وتاريخ بغداد ٤٤٩/٨-٤٥٠، وعزاه لأبي الشيخ والديلمي السيوطي في الدر ٣٠٣/٣، وهو في الفردوس (٢٤٩٧) بنحوه ولكن من حديث عبد الله بن نفيل. وحديث أنس في إسناده مروان بن صَبيح، قال الذهبي في الميزان ٩١/٤: لا أعرفه، وله خبر منكر، ثم ذكر عنه هذا الحديث. وحديث عبد الله بن نفيل أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٣٧٤) من طريق سليمان بن سليم عنه. قال الحافظ في الإصابة ٢٣٢/٦: رجاله ثقات، إلا أنه منقطع بين سليمان والصحابي. (٢) شعب الإيمان (٦٦٧٠) بلفظ: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة من البغي ... )) وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٣٩٨)، وأبو داود (٤٩٠٢)، والترمذي (٢٥١١)، وابن ماجه (٤٢١١). قال الترمذي: حسن صحيح. (٣) شعب الإيمان (٦٦٧٥) من طريق سهل الأعرابي عن أبي الوليد مولى لقريش عن بلال به، وكذا أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١٠٢/٤. وسهل قال عنه الذهبي في الميزان: مقلٌّ لا يقبل ما انفرد به. وقال عن أبي الوليد: لا يعرف. الميزان ٢٤٢/٢ و٨٥/٤. (٤) الدر المنثور ٣٠٤/٣، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٥٨٨) عن ابن عباس موقوفاً. وأخرجه ابن الجوزي في العلل (١٢٩٧) من طريق إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. قال ابن الجوزي: هذا حديث باطل عن ابن أبي ذئب، لم يروه غير إسماعيل، وكان يحدث عن الثقات بالبواطيل. الآية : ٢٤ ٩٧ سُؤَةُ طُونِسَ وكان المأمونُ يتمثّل بهذين البيتين لأخيه: فاربع فخيرُ فِعالِ المرء أَعدلُه يا صاحبَ البغْي إِنَّ البغيَ مَضْرَعةٌ لاندَّ منه أعاليه وأسفلُه(١) فلو بغَى جبلٌ يوماً على جبلٍ وعَقَد ذلك الشهاب فقال: وارقُب زماناً لانتقامٍ باغي إِنْ يَعْدُ ذو بَغْيٍ عليك فخلِّه جبلٌ على جبلٍ لَدُكَّ الباغي(٢) واحذَر من البغي الوخيمٍ فلو بغَى ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَنِْمُّكُمْ﴾ عطفٌ على ما مرَّ من الجملة المستأنفة المقدَّرة، كأنَّه قيل: تَتمَّعون متاعَ الحياة الدنيا ثم ترجعون إلينا، وإنَّما غيَّرَ السبكَ إلى ما في النظم الكريم للدلالة على الثبات والقَصْرِ . في الدنيا على الاستمرار من البغي، وهو (٣) ﴿فَنُنِِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ( وعيدٌ وتهديدٌ بالجزاء والعذاب، وقد تقدَّم الكلام في نظيره(٤). ﴿إِنََّا مَثَلُ الْحَيَوِ الدُّنْيَا﴾ كلامٌ مستأنَفٌ لبيان شأن الحياة الدنيا، وقِصَر مدَّة التمتُّع فيها، وأصلُ المَثَلِ: ما شُبِّه مَضْرِبُه بمورِدِهِ، ويُستعار للأمر العجيب المستَغَرَبِ، أي: إنَّما حالُها في سرعةٍ تَقَضِّيها وانصرام نعيمها بعدَ إقبالها واغترار الناس بها ﴿كَمَاءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأْخْتَلَطَ بِهِ.﴾ أي: فكَثُرَ بسببه ﴿ثَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ حتى التفّ بعضُه ببعضٍ، فالباءُ للسببية، ومنهم مَن أبقاها على المصاحَبةِ وجَعَل الاختلاط بالماء نفسِه، فإنَّه كالغذاء للنبات، فيجري فيه ويُخالطه، والأُوَّل هو الذي يقتضیہ کلامُ ابن عباس ﴿مِنَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ﴾ كالبقول والزروع، والحشيش والمراعي، والجارُّ والمجرور في موضع الحال من النبات. (١) الكشاف ٢٣٢/٢، وتفسير الرازي ٧١/١٦، وحاشية الشهاب ٢٠/٥، والثاني في بهجة المجالس لابن عبد البر ٤٠٦/١. (٢) حاشية الشهاب ٥/ ٢٠. (٣) في (م): فهو، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٣٦/٤، والكلام منه. (٤) ١٠ /٤٧١. سُوَلُ كُونُسَ ٩٨ الآية : ٢٤ ﴿حََّ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: استوفَت واستكملَت ﴿زُخْرُفَهَا﴾ أي: حُسْنَها وبهجَتَها ﴿وَأَزَّيِّنَتْ﴾ بأصناف النبات(١) وأشكالها وألوانها المختلفة: مُصبَّغةٍ والبعضُ أقصرُ مِن بعضٍ (٢) كأذيالٍ خَوْدٍ أَقبلَت في غلائلٍ وقد ذَكَرَ غيرُ واحدٍ أنَّ في الكلام استعارةً بالكناية، حيث شُبِّهت الأرضُ بالعروس، وحُذف المشبّه به وأُقيمَ المشبّه مقامَه، وإثباتُ أَخْذِ الزُّخْرفِ لها تخییلٌ، وما بعده ترشيحٌ. وقيل: الزخرفُ الذهب، استُعير للنضارة والمنظر السارِّ. وأصل ((ازَّيَّنت)): تَزَيَّنت، فأُدغِمَتِ التاءُ في الزَّاي وسُكِّنت، فاجتلبَتْ همزة وصلٍ للتوصُّل للابتداء بالساكن، وبالأصل قرأ عبد الله(٣). وقرأ الأعرج والشعبيُّ وأبو العالية ونصرُ بن عاصم والحسن بخلاف: ((وَأَزْيَنَت)) بوزن أفعلَت كَأَكْرَمَت(٤)، وكان قياسُه أنْ يُعلَّ فيقلب ياؤه ألفاً فيقال: أَزَانَتْ، لأنَّه المطَردُ في باب الإفعال المعتلِّ العين، لكنَّه ورَدَ على خلافه كـ : أَغْيَلَت المرأة، إذا سقَت ولَدَها الغيل، وهو لَبَنُ حَمْلها عليه، وقد جاء: أَغالَت على القياس. ومعنى الإفعال(٥) هنا الصيرورةُ، أي: صارَت ذاتَ زينة، أو صيَّرَت نفسها كذلك. وقرأ أبو عثمان النهديُّ: ((ازْيَأنَّت)) بهمزة وَصْلٍ بعدها زايٌ ساكنةٌ وياءٌ مفتوحةٌ وهمزةٌ كذلك ونونٌ مشدّدةٌ وتاءُ تأنيث(٦)، وأصله: ازْيَانَّتْ، بوزن: احْمَارَّت، بألف صريحة، فكرهوا اجتماع ساكنَين، فقلبوا الألف همزةً مفتوحةً كما قرئ: (١) في الأصل: النباتات. (٢) البيت لسيف الدولة الحمداني، كما في يتيمة الدهر ٥٣/١، والنجوم الزاهرة ٤/ ١٧، وشذرات الذهب ٢٩٥/٤. والخَوْد: الحسنة الخَلْق الشابة، أو الناعمة. وجمعها: خَوْدات وخُود. (٣) المحرر الوجيز ١١٤/٣، والبحر ١٤٣/٥. (٤) المحتسب ٣١١/٣، والبحر ١٤٣/٥. (٥) بعدها في (م): هناك. (٦) القراءات الشاذة ص٩٦، والمحتسب ٣١١/٣، والبحر ١٤٤/٥، وحاشية الشهاب ٢٠/٥. الآية : ٢٤ ٩٩ سُؤَلُكُونَ) ((الضألِّين))، وجاء أيضاً: احمارَّت، بالهمزة كقوله: إذا ما الهوادِي بالعبيط احْمَأْرَّت(١) وقرأ عوف بن أبي جميلة: ((ازْيانَّت)) بألف من غير إبدال(٢). وقرئ: ((الزَّايَنَتْ))(٣) لقَصْدِ المبالغة. ﴿وَرَبَّ أَهْلُهَا أَنَهُمْ فَدِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على الأرض، والمراد: ظنُّوا أنَّهم مُتمكِّنون من منفعتها، محصِّلون لثمرتها، رافعون لغَّتها . وقيل: الكناية للزروع(٤). وقيل: للثمرة. وقيل: للزينة؛ لانفهام ذلك من الكلام. ﴿أَثَنَّهَا أَمْرُنَا﴾ جوابُ ((إذا))، أي: نَزَل بها ما قدَّرناه من العذاب، وهو ضَرْبُ زَرْعِها ما يَجْتاحُه من الآفات والعاهات، كالبرد، والجراد، والفأر، والصرصر، والسموم، وغير ذلك. ﴿لَلًا أَوْ نَهَارًا﴾ أي: في ليلٍ أو نهارٍ، ولعلَّ المراد الإشارةُ إلى أنَّه لا فرقَ في إتيان العذاب بين زَمَن غفلتهم وزَمَن يقظتهم، إذ لا يَمنعُ منه مانعٌ ولا يدفعُ عنه دافعٌ. ﴿نَجعَلْنَهَا﴾ أي: فجعلنا نباتها ﴿حَهِيدًا﴾ أي: شبيهاً بما حُصِد من أصله، (١) ذكره ابن جني في المحتسب ٤٧/١، والخصائص ١٢٦/٣ وعزاه لكثير، وفيهما: إذا ما العوالي ... ، وهو دون نسبة في البحر ١٤٤/٥، وحاشية الشهاب ٢٠/٥. وورد في دیوان كثير ص٢٣٧ ضمن قصيدة في مدح عبد العزيز بن مروان برواية: وأنت ابنَ ليلى خيرُ قومك مشهداً إذا ما احمأَرَّتْ بالعبيط العواملُ (٢) إعراب القرآن للنحاس ٢٥١/٢، والمحرر الوجيز ١١٤/٣، وتفسير القرطبي ٤٧٨/١٠، والبحر ١٤٤/٥، وحاشية الشهاب ٢٠/٥، وعنه نقل المصنف. ووقع في الأصل و(م) وحاشية الشهاب: عوف بن جميل، وهو تصحيف. وعوف بن أبي جميلة هو أبو سهل البصري الحافظ، وثّقه غير واحد، وفيه تشيع، حدث عن أبي العالية وابن سيرين وغيرهما، وروى عنه شعبة وابن المبارك وغندر، توفي سنة (١٤٦هـ). السير ٦/ ٣٨٣. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٢٥١/٢، والمحرر الوجيز ١١٤/٣، والبحر ١٤٤/٥. (٤) في الأصل: للزرع. الآية : ٢٤ ١٠٠ والظاهرُ أنَّ هذا من التشبيه لذكر الطرفَين فيه، فإنَّ المحذوف في قوَّة المذكور(١). وجوِّز أنْ يكون هناك استعارةٌ مصرِّحة، والأصل: جعلنا نباتَها هالكاً، فشُبِّه الهالك بالحصيد وأُقيمَ اسمُ المشبّه به مقامَه، ولا ينافيه تقديرُ المضاف كما تُوهِّم؛ لأنَّه لم یشبّه الزرع بالحصید بل الهالك به. وذهب السكاكيُّ إلى أنَّ في الكلام استعارةً بالكناية، حيثُ شُبِّهَت الأرضُ المزَخْرَفةُ والمزيَّنةُ بالنبات الناضِرِ المونق الذي وَرَدَ عليه ما يُزيله ويُفنيه، وجُعِلَ الحصيدُ تَخْييلاً(٢). ولا يخفَى بعدُه. ﴿كَن لَّمَّ تَغْنَ﴾ أي: كأن لم يَغْنَ نباتُها، أي: لم يمكُث ولم يَقُم، فـ (تَغْنَ)) مِن غَني بالمكان: إذا أَقامَ ومكَثَ فيه، ومنه قيل للمنزل: مغْنّى. وقد حُذفَ المضافُ في هذا وفيما قبله، فانقلَب الضميرُ المجرورُ منصوباً في أَوَّلهما، ومرفوعاً مستتراً في الثاني، واختِيرَ الحَذْفُ للمبالغة، حيث أفادَ ظاهرُ الكلامِ جَعْلَ الأرضِ نفسِها حصيداً، وكأنَّها نفسَها لم تكن؛ لتغيُّرها بتغيُّر(٣) ما فيها، وقد عطَفَ بعضُهم عليهما ((عليها)) لما أنَّ التقدير فيه: على نباتها، فحذفَ المضاف وجرَّ الضمير بعلَى، وليس بالبعيد خلا أنَّ في كون الحذفِ للمبالغة أيضاً تردّداً. وقيل: ضمير (تَغْنَ)) وما قبله يعودان على الزرع كما قيل في ضمير ((عليها)). وقيل: يعودان على الأرض ولا حَذْفَ، بل يُجعل التجوُّز في الإسناد. وأنت تعلم أنَّ إرجاع الضمائر كلِّها للأرض ولو مع ارتكاب التجوُّز في الإسناد أولَى من إرجاعها لغيرها كائناً ما كان. نعم إنَّه لا يُمكن إرجاع الضمير إليها في قراءة الحسن: ((يَغْنَ)) بالياء التحتية(٤)، (١) أي: شبَّه الزرع الهالك بما قطع وحصد من أصله، والجامع بينهما الذهاب من محلِّه. حاشية الشهاب ٢٠/٥ . (٢) مفتاح العلوم ص٣٨٨-٣٨٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢١/٥. ووقع في (م): تخيلاً. (٣) في الأصل: بتغيير. (٤) الكشاف ٢٣١/٢، وهي في المحرر الوجيز ١١٥/٢ عن قتادة، وفي البحر ١٤٤/٥ عن الحسن وقتادة. ووقع في (م): يغنى.