النص المفهرس

صفحات 21-40

الآية : ٣
٢١
والمرادُ بالأمر: أمرُ الكائناتِ عُلويِّها وسفليِّها حتى العرش، فـ ((أل)) فيه للعهد،
أي: يُقدِّر أمرَ ذلك كلِّه على الوجه الفائق والنَّمطِ اللائق، حسبما تقتضيه المصلحةُ
وتستدعيه الحكمةُ، ويدخلُ فيما ذُكر ما تعجّبوا منه دخولاً ظاهراً.
وزعم بعضُهم أنَّ المعنى: يدبِّرُ ذلك على ما اقتضَتْه حكمتُه ويُهمِّئُ أسبابه بسبب
تحريك العرش، وهو فلكُ الأفلاك عندهم، وبحركته يُحرَّك غيرُه من الأفلاك
الممثَّلةِ وغيرِها لقوة نفسه. وقيل: لأنَّ الكلَّ في جوفه، فيلزم مِن حركتِه حركتُه لزومَ
حركةٍ المظْرُوف لحركةِ الَّرْف. وهو مبنيٌّ على أنَّ الَّرف مكانٌ طبيعيٍّ للمظروف،
وإلا ففيه نظر.
وأنت تعلم أنَّ مثلَ هذا الزَّعْم - على ما فيه - مما لا يقبلُه المحدِّثون وسلفُ
الأمة، إذ لا يشهدُ له الكتاب ولا السُّنة، وحينئذٍ فلا يُفتَى به وإنْ حكم القاضي(١).
وجُوِّز في الجملة أنْ تكون في محلِّ النصب على أنَّها حالٌ من ضمير
(استوى))، وأنْ تكونَ في محلِّ الرفع على أنَّها خبرٌ ثانٍ لـ ((إِنَّ)، وعلى كلِّ حالٍ
فإيثارُ صيغةِ المضارع للدلالة على تجدُّدِ التدبير واستمرارِه منه تعالى.
وقوله سبحانه: ﴿مَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِّهِ﴾ بيانٌ لاستبداده تعالى في التدبير
والتقدير، ونفيٌ للشفاعة على أبلغ وجهٍ، فإنَّ نَفيَ جميع أفراد الشفيع بـ ((مِن))
الاستغراقيةِ يستلزمُ نفيَ الشفاعة على أتمِّ الوجوه، فلا حاجةً إلى أنْ يقال: التقدير:
ما مِن شفاعةٍ لشفيع. وفي ذلك أيضاً تقريرٌ لعظمته سبحانه إِثْرَ تقرير. والاستثناء
مُفرَّغ من أعمِّ الأوقات، أي: ما مِن شفيع يشفعُ لأحدٍ في وقتٍ مِن الأوقات إلَّا
بعدَ إذنه تعالى المبنيِّ على الحكمة الباهرة، وذلك عند كون الشفيع مِن المصطفين
الأخيار، والمشفوع له ممن يليقُ بالشفاعة.
وذهب القاضي إلى أنَّ فيه ردّاً على مَن زعَمَ أنَّ آلهتهم تشفعُ لهم عند الله
تعالى(٢).
وتُعقِّبَ بأنَّه غيرُ تامًّ؛ لأنَّهم لمَّا اذَّعَوا شفاعتَها فقد يَدَّعون الإذنَ لها، فكيف
(١) ينظر تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/٥.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ٥.

◌ُوَالُونِسَ
٢٢
الآية : ٤
يتمُّ هذا الردُّ ولا دلالة في الآية على أنَّهم لا يؤذَن لهم؟ وما قيل: إنَّها دعوّى غيرُ
مسلَّمة واحتمالُها غيرُ مُجْدٍ، لا فائدةَ فيه إلَّا أنْ يقال: مرادُه أنَّ الأصنام لا تُدرِكُ
ولا تنطِق، فكونُها ليس مِن شأنها أنْ يُؤْذَنَ لها بدیھيٌّ .
وقولُه عزَّ شأنُه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ استئنافٌ لزيادة التقرير والمبالغة في
التذكير، ولتفريع الأمر بالعبادة بقوله سبحانه: ﴿فَأَعْبُدُوهُ﴾ والإشارةُ إلى الذات
الموصوفة(١) بتلَك الصفات المقتَضيّةِ لاستحقاق ما أخبر به عنه، وهو ((الله))
و(ربكم)) فإنَّهما خبران لـ ((ذلكم))، وحيث كان وجْهُ ثبوتٍ ذلك له ما ذُكر مما لا يوجد
في غيره، اقتضَى انحصارَه فيه، وأفاد أنْ لا ربَّ غيرُه ولا معبود سواه.
ويجوزُ أنْ يكون الاسمُ الجليل نعتاً لاسم الإشارة و((ربكم)) خبره، وأنْ يكون
هو الخبر و((ربُّكم)) بيانٌ له أو بدلُ منه، ولا يخلو الكلامُ من إفادة الانحصار، وإذا
فُرِّع الأمر المذكور على ذلك أفادَ الأمرَ بعبادته سبحانه وحده، أي: فاعبدوه
سبحانه من غير أنْ تُشركوا به شيئاً من مَلَكِ أو نبيٌّ، فضلاً عن جمادٍ لا يُبصر
ولا يسمع، ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعِ. وليس الداعي لهذا الحملِ أنَّ أصل العبادة ثابتٌ
لهم فيُحملُ الأمرُ بها على ذلك ليُفيد (٢)؛ لما قيل: مِن أنَّ الخطاب للمشركين،
ولا عبادةَ مع الشركِ.
﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي: أَتَعْلَمون أنَّ الأمر كما فُصِّل فلا تتذكرون(٣) ذلك
حتى تَقِفُوا على فساد ما أنتم عليه، فتَرتَدِعُوا عنه وتعبدوا الله تعالى وحده، وإيثارُ
(تَذَكَّرون)) على تَفَّرون؛ للإيذان بظهور الأمر، وأنَّه كالمعلوم الذي لا يفتقرُ إلى
فكرٍ تامٌّ ونظرٍ كامل، بل إلى مجرَّدِ التفاتٍ وإخطارٍ بالبال.
وقولُه سبحانه: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا﴾ كالتعليل لوجوب العبادة، والجارُّ
والمجرورُ خبرٌ مقدَّم و((مرجعكم)) مبتدأ مؤخرٌ، وهو مصدرٌ ميميٍّ لا اسمُ مكانٍ،
خلافاً لمن وَهِم فيه. و((جميعاً)) حالٌ من الضمير المجرور لكونه فاعلاً في المعنى،
أي: إليه تعالى رجوعُكم مُجْتَمِعِينَ - لا إلى غيره سبحانه - بالبعث.
(١) في الأصل و(م): الموصوف، والمثبت من حاشية الشهاب ٦/٥.
(٢) في الأصل: فيفيد، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٦/٥.
(٣) في الأصل: تذكرون.

الآية : ٤
٢٣
سُوَ لاثُونَ
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكدٌّ لمضمون الجملة السابقة؛ لأنَّها وعدٌ منه تعالى
بالبعث، وحيث كانت لا تَحتَمِلُ غيرَ الوعدِ کان ذلك من أفراد المصدر المؤگِّد
لنفسه عندهم، كما في قولك: له عَلَيَّ ألفٌ عرفاً(١)، ويجوزُ أنْ يكون نصباً على
المصدرية لفعلٍ محذوفٍ، أي: وَعَد الله وعْداً.
وأيّاً ما كان فهو دليلٌ على أنَّ المراد بالمَرْجِع الرجوعُ بالبعث؛ لأنَّ ما بالموت
بمعزلٍ عن الوعد، كما أنَّه بمعزلٍ عن الاجتماع، فما وقع في بعض نسخ القاضي
بالموت أو النشور(٢)، ليس على ما ينبغي.
وقرئ: ((وَعَدَ اللهُ) بصيغة الفعل ورَفْعِ الاسم الجليل على الفاعلية(٣).
﴿حَقِّأْ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لِمَا دلَّ عليه الأول، وهو من قِسْم المؤكِّد لغيره؛ لأنَّ
الأول ليس نصّاً فيه، فإنَّ الوعد يحتمل الحَقِيةَ والتخلُّفَ.
وقيل: إنَّه منصوبٌ بـ ((وَعْدَ)) على تقديرِ ((في)) وتشبيهه بالظرف، كقوله:
أَفي الحقِّ أنِّي هائمٌ بكِ مُغْرَمُ(٤)
والأولُ أظهر.
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُّا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ كالتعليل لما أفاده ((إليه مرجعُكم))
فإنَّ غايةَ البدء والإعادة هو الجزاء بما يليق.
وقرأ أبو جعفر والأعمش: ((أنَّه)) بفتح الهمزة(٥) على تقدير: لأنه. وجوِّز أنْ
يكون منصوباً بمثل ما نصبَ ((وعد)»، أي: وَعَدَ اللهُ سبحانه بَدْءَ الخَلْقِ ثمَّ إعادته،
أي: إعادته بعدَ بَدْئِه، ويكون الوعدُ واقعاً على المجموع لكنْ باعتبار الجزء
(١) أي: اعترافاً، ينظر حاشية الشهاب ٦/٥، وشرح الألفية لابن عقيل ١/ ٥٧٠، وينظر ما سلف
٢٩٦/٦.
(٢) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٦/٥ .
(٣) القراءات الشاذة ص٥٦.
(٤) وعجزه: وأنكِ لا خَلِّ هواكٍ ولا خمر. والبيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص١٢٧،
وحاشية الشهاب ٦/٥، والكلام منه.
(٥) النشر ٢/ ٢٨٢ عن أبي جعفر، وذكرها عن الأعمش ابن جني في المحتسب ٣٠٧/١.

سُولُلُونِسَ
٢٤
الآية : ٤
الأخير؛ لأنَّ البدءَ ليس موعوداً. وأنْ يكون مرفوعاً بمثل ما نصب ((حقّاً))، أي:
حَقَّ بدءُ الخَلْقِ ثم إعادته، ويكونُ نظيرَ قولِ الحماسيّ :
أحقّاً عبادَ الله أنْ لستُ رائياً رِفاعةَ طولَ الدهر إلَّا توقُّما
وعن المرزوقيّ أنَّه خرَّجه على النصب على الظرفية - وهو إمَّا خبرٌ مقدَّمٌ أو
ظرفٌ معتمِدٌ - وزعَمَ أنَّ ذلك مذهب سيبويه(١) .
وجُوِّز أنْ يكون النصبُ بـ ((وعد الله)) على أنَّه مفعولٌ له، والرفعُ بـ ((حقّاً)) على
أنَّه فاعلٌ له.
وظاهرُ كلام «الكشاف)) (٢) يدلُّ على أنَّ الفعلَين العاملين في المصدرَين
المذكورين هما اللذان يعملان فيما ذُكر، لا فعلان آخران مثلهما، وحينئذٍ يفوتُ
أمرُ التأكيد الذي ذكرناه؛ لأنَّ فاعلَ العامل في المصدر(٣) المؤكِّد لا بدَّ أنْ يكون
عائداً على ما تقدَّمه مما أكَّده.
وقرئ: ((حقٌّ أنَّه يبدأ الخلق)) (٤)، وهو كقولك: حقٌّ أنَّ زيداً منطلقٌ. وقرئ:
(يُبدِئُ)) من أبداً(٥).
ولعلَّ المراد من الخَلْقِ نحوُ المكلَّفين، لا ما يَعُمُّ ذلك والجمادات، ويؤيِّد ذلك
ما أخرجه غيرُ واحدٍ عن مجاهد أنَّ معنى الآية: يُحيي الخلق ثم يُميتُه ثم يحييه (٦).
﴿لِجْزِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل، وهو حالٌ من فاعلٍ
(يجزي))، أي: ملتبساً بالعدل، أو متعلِّقٌ بـ ((يجزي)) أي: ليجزيَهم بقِسْطِه ويُوفِّيَهم
أجورَهم، وإنَّما أَجملَ ذلك إيذاناً بأنَّه لا يَفي به الحصرُ، ويُرشِّح ذلك جَعْلُ ذاتِهِ
(١) شرح ديوان الحماسة المرزوقي ٢/ ٩٨٢، والبيت فيه منسوب لرُقيبة الجَرْمي من طيئ، قال
المرزوقي: قوله: حقّاً، انتصب عند سيبويه على الظرف، كأنه: أفي الحق ذلك، وينظر
الكتاب ١٣٥/٣.
(٢) ٢٢٥/٢.
(٣) في الأصل و(م): بالمصدر، والمثبت من حاشية الشهاب ٧/٥، والكلام منه.
(٤) المحرر الوجيز ١٠٥/٣، والكشاف ٢٢٥/٢، والبحر ١٢٤/٥ عن ابن أبي عبلة.
(٥) القراءات الشاذة ص٥٦، والبحر ١٢٤/٥ عن طلحة بن مصرف.
(٦) تفسير الطبري ١١٦/١٢، وتفسير ابن أبي حاتم ١٩٢٦/٦.

الآية : ٥
٢٥
سُؤَالٌ كُونَ
الكريمة هي المُجَازِيَة، أو: بقِسْطِهم وعَدْلِهم في أمورهم. أو: بإيمانهم؛ ورُجّح
هذا بأنَّه أَوْفَقُ بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا
كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾﴾ فإن معناه: ويَجزي الذين كفروا بشرابٍ من ماءِ حارِّ قد انتهى
حرُّه وعذابٍ أليمٍ بسبب كفرهم، فيظهرُ التقابُلُ بين سببي جزاءِ المؤمنين وجزاءٍ
الكافرين، مع أنَّهُ لا وجْهَ لتخصيصِ العدل بجزاء المؤمنين، بل جزاءُ الآخَرين أَوْلَى
به كما لا يخفى (١).
وتكريرُ الإسنادِ بجَعْلِ الجملةِ الظرفيةِ خبراً للموصولِ لتقويةِ الحُكْم، والجمعُ
بين صيغتَي الماضي والمضارع للدلالة على مُواظبتهم على الكفر.
وتغييرُ النظم الكريم للمبالغة في استحقاقهم العقابَ بجَعْلِهِ حقّاً مقرَّراً لهم،
والإيذانِ بأنَّ التعذيبَ بمعزلٍ عن الانتظام في سلك العلّة الغائية للإعادة بناءً على
تعلّق ((ليجزي)) بها، أو لها وللبدء بناءً على تعلَّقه بهما على التنازع، وإنَّما المنتظمُ
في ذلك السلكِ هو الإثابةُ، فهي المقصودةُ بالذات، والعقابُ واقعٌ بالعَرَضِ.
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٌ﴾ تنبيةٌ على الاستدلال على وجوده تعالى ووحدته
وعِلْمِه وقدرتِهِ وحكمته بآثارٍ صنيعِه في النَّيِّرَيْن بعد التنبيه على الاستدلال بما مرَّ،
وبيانٌ لبعض أفراد التدبير الذي أُشير إليه إشارةً إجماليةً، وإرشادٌ إلى أنَّه سبحانه
حين دبّر أمورَهم المتعلّقةَ بمعاشهم هذا التدبير(٢) البديع، فَلَأنْ يُدبِّرَ مصالحهم
المتعلّقةَ بِمَعَادهم بإرسال الرسل وإنزالِ الكتب أَوْلَی وأَخْرَى.
و (جَعَلَ))(٣) إمَّا بمعنى: أنشأ وأبدع، فـ((ضياءً)) حالٌ من مفعوله، وإمَّا بمعنى:
صيَّر فهو مفعولُه الثاني. والكلامُ على حدٍّ: ضيّق فمَ القربة؛ إذ لم تكن الشمسُ
خاليةً عن تلك الحالةِ، وهي - على ما قيل - مأخوذةٌ من: شمسة القلادة، للخرزة
الكبيرة وَسَطَها، وسمِّيت بذلك لأنَّها أعظمُ الكواكب كما تدلُّ عليه الآثارُ ويَشْهَدُ له
الحِسُّ، وإليه ذهب جمهورُ أهل الهيئة.
(١) أي: تخصيص العدل بجزاء الكافرين أولى من تخصيصه بجزاء المؤمنين؛ لِمَا اشتهر أن
الثواب بفضله والعقاب بعدله. حاشية الشهاب ٦/٥.
(٢) في (م): التدبر، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ١٢٠، والكلام منه.
(٣) في (م): أو جعل، وهو خطأ .

سُۈۈلاُلُونَِّ
٢٦
الآية : ٥
ومنهم مَن قال: سمِّيت بذلك لأنَّها في الفلك الأوسط بين أفلاك العلوية وبين
أفلاك الثلاثة الأُخَر، وهو أمرٌ ظنِّيٍّ لم تَشْهَدْ له الأخبارُ النبويةُ كما ستعلمه قريباً إنْ
شاء الله تعالى.
والضياءُ مصدرٌ كـ: قيام، وقال أبو عليٍّ في ((الحجة)): كونه جمعاً
كحوضٍ وحياض، وسَوْطٍ وسياط، أَقْيسُ من كونه مصدراً (١). وتعقّب بأنَّ إفراد
النور فيما بعدُ يرجّح الأول، وياؤه منقلبةٌ عن واو الانكسار ما قبلها. وأصلُ
الكلام: جَعَل الشمسَ ذاتَ ضياءٍ .
ويجوزُ أنْ يجعلَ المصدرُ بمعنى اسم الفاعل، أي: مضيئة، وأَنْ يبقَى على
ظاهره من غير مضافٍ فيفيدُ المبالغةَ بجَعْلِها نفسَ الضياء.
وقرأ ابنُ كثير: ((ضئاءً)) بهمزتَين بينهما ألف(٢). والوجهُ فيه كما قال أبو البقاء:
أنْ يكون أَخَر الياء وقدَّم الهمزة، فلمَّا وقعَت الياءُ طرفاً بعد ألفٍ زائدةٍ قُلبتْ همزةً
عند قوم، وعند آخرين قُلبت ألفاً، ثم قلبت الألفُ همزةً لئلا يجتمع ألفان(٣).
﴿وَالْقَمَرَ ثُورًا﴾ أي: ذا نورٍ، أو منيراً، أو نفسَ النور على حدٍّ ما تقدَّم آنفاً.
والنورُ قيل: أعمُّ من الضوء، بناءً على أنَّه ما قَوِيَ من النور، والنورُ شاملٌ
للقويِّ والضعيف، والمقصودُ من قوله سبحانه: ﴿ اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾
[النور: ٣٥] تشبيهُ هداهُ الذي نَصَبَه للناس بالنور الموجودِ في الليل أثناءَ الظلامِ،
والمعنى: أنَّه تعالى جَعَل هُداه كالنور في الظلام، فيُهدَى قومٌ ويَضلُّ آخرونَ،
ولو جعله كالضياء الذي لا يبقَى معه ظلام لم يضلَّ أحدٌ، وهو مُنافٍ للحكمة.
وفيه نظر.
وقيل: هما متباينان؛ فما كان بالذات فهو ضياءٌ، وما كان بالعَرَض فهو نورٌ،
ولكون الشمس نَيِّرَةً بنفسها نسب إليها الضياء، ولكون نورٍ القمر مستفاداً منها نسب
إليه النور.
(١) الحجة ٢٥٨/٤-٢٥٩، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٧/٥.
(٢) وهي رواية قنبل عن ابن كثير. التيسير ص١٢٠، والنشر ٢٨٢/٢.
(٣) الإملاء ٢١٢/٣.

الآية : ٥
٢٧
وَلا تُونس)
وتعقَّبه العلّامةُ الثاني بأنَّ ذلك قولُ الحكماء وليس من اللغة في شيءٍ، فإنَّه
شاع: نورُ الشمس ونورُ النار.
ونحن قد بَسطنا الكلامَ على ذلك فيما تقدَّم(١)، وفي كتابنا ((الطراز المذهب))
وأتینا بما فيه ھدی للناظرين.
بقي أنَّ حديثَ الاستفادة المذكورة سواءٌ كانت على سبيل الانعكاس من
غير أنْ يصيرَ جوهرُ القمر مُستنيراً كما في المرآة، أو بأنْ يستنيرَ جوهرُه على
ما هو الأشبهُ عند الإمام(٢)، قد ذكرها كثيرٌ من الناس حتى القاضي في
تفسيره (٣)، وهو مما لم يَجِئ من حديثٍ مَن عَرَج إلى السماءِِّ، وإنَّما جاء
عن الفلاسفة.
وقد زعموا أنَّ الأفلاك الكلِّيّةَ تسعةٌ، أعلاها فَلَكُ الأفلاك، ثمَّ فَلَكُ الثوابت،
ثَّ فَلَكُ كَيْوانَ، ثم فلك بِرْجِيس (٤)، ثم فلك بَهْرام(٥)، ثم فلك الشمس، ثم فلك
الزهرة، ثم فلك الكاتب(٦)، ثم فلك القمر.
وزَعَم صاحب ((التحفة))(٧) أنَّ فَلَكَ الشمس تحت فَلَكِ الزهرة، وما عليه
الجمهورُ هو الأولُ، واستَدلَّ كثيرٌ منهم على هذا الترتيب بما يبقَى معه الاشتباهُ بين
الشمس وبين الزهرة والكاتب، كالكسفِ والانكساف، واختلاف المنظر الذي
يُتوصَّلُ إلى معرفته بذات الشعبتَين؛ لأنَّ الأول لا يُتصوَّر هناك؛ لأنَّ الزهرة
والكاتب يحترقان عند الاقتران في معظم المعمورة، والثاني أيضاً مما لا يُستطاع
عِلْمُه بتلك الآلة؛ لأنَّها تنصب في سطح نصف النهار، وهذان الكوكبان لا يَظْهَران
(١) ٤٦٦/١-٤٦٨.
(٢) في تفسيره ٣٣/١٧-٣٤.
(٣) تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٥/ ٧.
(٤) برجيس: هو كوكب المشتري، وكيوان: زحل. القاموس (برجس) و(كون).
(٥) وهو كوكب المريخ. اللسان (بهرم).
(٦) في تهذيب اللغة ٣٤٦/٣، والعين ٣٢٧/٢، واللسان والتاج (عطرة): الكُتَّاب، وهو كوكب
عطارد.
(٧) وهو: التحفة الشاهية في الهيئة، لقطب الدين محمود بن مسعود الشيرازي المتوفى سنة
(٧١٠ هـ). كشف الظنون ٣٦٧/١.

سُدَقُلُونِسَ
٢٨
الآية : ٥
هناك لكونهما حَوَالي الشمسِ بأقلَّ مِن بُرْجَين، فإذا بلغا نصفَ النهار كانت الشمسُ
فوق الأرض شرقيةً أو غربيّة، فلا يُرَيان أصلاً .
وجَعْلُ الشمس في الفلك الأوسط لما في ذلك في حُسنِ الترتيب كأنَّها شمسةٌ
القلادة، أو لأنَّها بمنزلة الملِكِ في العالَم، فكما يَنبغي للملك أنْ يكون في وسط
العسكر ينبغي لها أنْ تكون في وسط كرات(١) العالَم = أمرٌ إقناعيٌّ، بل هو مِن قَبيل
التمسُّك بحبال القمر.
ومثلُ ذلك تمسُّكُهم في عدم الزيادة على هذه الأفلاك بأنَّه لا فضل في
الفلكيات، مع أنَّه يلزم عليه أنْ يكون ثخنُ الفلك الأعظم أقلَّ ما يمكن أنْ يكون
للأجسام من الثخانة؛ إذ لا كوكب فيه حتى يكونَ ثخنُه مساوياً لقطره، فالزائد على
أقلِّ ما يمكن فَضْلٌ.
وقد بَيَّن في رسالة ((الأبعاد والأجرام))(٢) أنَّه بلغ الغاية في الثخن، وقد قدّمنا
لك ذلك، وحينئذٍ يُمكن أنْ يكونَ لكلٍّ مِن الثوابت فلكٌ على حدة، وأن تكون تلك
الأفلاكُ متوافقةً في حركاتها جهةً وقطباً ومنطقةً وسرعةً، بل لو قيل بتخالُفِ بعضها
لم يكن هناك دليلٌ ينفيه؛ لأنَّ المرصود منها أقلُّ قليلٍ، فيمكنُ أنْ يكونَ بعضُ ما لم
يُرصَد متخالفاً. على أنَّ مِن الناس مَن أثبت كرةً فوقَ كرةِ الثوابت وتحت الفلك
الأعظم، واستَدلَّ على ذلك بما استدلَّ.
ومَن عَلِمَ أنَّ أرباب الأرصاد منذُ زمانٍ يسيرٍ وَجَدوا كوكباً سيَّاراً أبطأ سيراً من
زُحل وسمَّوه هرشلاً(٣)، وقد رَصَدہ لالنت(٤) فوجَدَه يقطعُ في ستِّ سنين شمسيةٍ
وأحدَ عَشَرَ شهراً وسبعةٍ وعشرين يوماً، وهو يومُ تحريرنا هذا المبحث، وهو اليومُ
الرابعُ والعشرون مِن جُمادَى الآخرة سنةَ الألف والمئتين والستّ والخمسين، حيث
(١) في الأصل: كرة.
(٢) لحبش بن عبد الله المروزي الحاسب أحد أصحاب الأرصاد، المتوفى سنة (٢٢٠ هـ).
الفهرست ص ٣٣٤، وهدية العارفين ٢٦٢/١.
(٣) وهو المشهور باسم أورانوس، وسمي هرشلاً على اسم مكتشفه العالم الإنكليزي وليم
هرشل (١٧٣٨-١٨٢٢). المنجد ص ٧٢٧.
(٤) جوزيف لالاند (١٧٣٢-١٨٠٨) فلكي فرنسي اشتغل في بحث النجوم السيارة، وأخصُّها
عطارد والنجوم المذَّبة. المنجد ص ٦٠٨ .

الآية : ٥
٢٩
الشمسُ في السنبلة قد قَطَعَ من الحوت درجةً واحدةً وثلاثَ عشرةَ دقيقةً
راجعاً = لا يبقَى له اعتمادٌ على ما قاله المتقدِّمون، ويجوِّزُ أمثالَ ما ظَفَرَ به هؤلاء
المتأخّرون.
وأيضاً من الجائز أنْ تكون الأفلاك ثمانيةً؛ لإمكانِ كونِ جميع الثوابت مركوزةً
في محدَّبٍ ممثِّلٍ زحل، أي: في مُتَمِّمه الحاوي على أنَّه يتحرَّك بالحركة البطيئة،
والفلكُ الثامن يتحرَّك بالحركة السريعة، وحينئذٍ تكونُ دائرةُ البروج المارَّة بأوائل
البروج منتقلةً بحركة الثامن غيرُ مُنتقلة بحركة الممثل، ليحصل انتقالُ الثوابت بحركة
الممثل من برجٍ إلى برجٍ كما هو الواقع.
وقد صرَّحِ البِرْجَنْدي(١) أنَّ القدماء لم يُثبتوا الفلك الأعظم، وإنَّما أثبتَه
المتأخّرون.
وأيضاً يجوزُ أنْ تكونَ سبعةً بأنْ يفرض الثوابت ودوائر(٢) البروج على محدَّب
ممثل زحل، ويكونُ هناك نفسان تَّصل إحداهما بمجموع السبعة وتُحرِّكُها إحدى
الحركَتَين الأولَيَيْن، والأخرى بالكرة السابعة وتُحرِّكُها الأخرى، ولكنْ يُشترط(٣) أنْ
تُفرَضَ دوائرُ البروج مُتحرِّكةً بالسريعة دون البطيئة، كتَحرُّكِها متوهَّمةً على سطوح
الممثلات بالسريعة دون البطيئة، لينقل الثوابت بالبطيئة مِن بُرجٍ إلى برجٍ كما هو في
الواقع، ونحن وراء المنع فيما يَرِدُ على هذا الاحتمال.
وأيضاً ذَكَر الإمام أنَّه لِمَ لا يجوز أنْ تكونَ الثوابتُ تحت فلكِ القمر، فتكون
تحت كرات السيارة لا فوقها؟ وما يقال مِن أنَّا نَرَى أنَّ هذه السيارة تكسِف
الثوابت، والكاسِفُ تحت المكسوف لا محالةَ، مدفوعٌ بأنَّ هذه السيارات
إنَّما تكسِفُ الثوابتَ القريبة من المنطقة دونَ القريبة من القُطْبَين، فلِمَ لا يجوزُ أنْ
يقال: هذه الثوابتُ القريبةُ من المنطقة مركوزةٌ في الفلك الثامن، والقريبةُ من
(١) عبد العلي بن محمد بن الحسين البرجندي الحنفي، له حاشية على شرح الملخص في
الهيئة، وشرح التذكرة النصيرية في علم الهيئة وغيرهما، توفي سنة (٩٣٢هـ). كشف الظنون
١٨٢٠/٢، وهدية العارفين ٥٨٦/١.
(٢) في (م): ودائرة.
(٣) في (م): بشرط.

سُدُكُونُسَ
٣٠
الآية : ٥
القطبين مركوزةٌ في كرة أُخرى تحت كرة القمر؟ على أنَّه لِمَ لا يجوزُ أنْ يقال:
الكواكبُ تتحرَّك بأنفسها من غير أنْ تكونَ مركوزةً في جسم آخر؟ ودون إثباتٍ
الامتناع خرط القتاد(١).
وذكروا في استفادة نور القمر مِن ضوء الشمس أنَّه من الحَدْسيات؛ لاختلاف
أشكاله بحسب قُربه وبُعده منها، وذلك كما قال ابنُ الهيثم (٢): لا يفيدُ الجزمَ
بالاستفادة؛ لاحتمال أنْ يكونَ القمرُ كُرةً نصفُها مضيء ونصفُها مظلمٌ، ويَتحرَّكُ
على نفسه، فيُرَى هلالاً ثم بدراً ثم يَنمَحِقُ وهكذا دائماً. ومقصوده أنَّه لا بدَّ من
ضمِّ شيءٍ آخرَ إلى اختلافِ الأشكال حَسَبَ القُرْبِ والبُعْدِ ليدلَّ على المدَّعَى، وهو
حصولُ الخسوف عند توسُّطِ الأرض بينه وبين الشمس.
وبعضُ المحقّقين كصاحب ((حكمة العين)) وصاحبٍ ((المواقف))(٣) نَقَلوا ما نَقَلوا
عن ابن الهيثم ولم يقفوا على مقصوده منه، فقالوا: إنَّه ضعيفٌ، وإلَّا لَمَا انخسفَ
القمر في شيء من الاستقبالات أصلاً، وذلك كما قال العاملي: عجيبٌ منهم.
وأنت تعلم أنْ لا جزْمَ أيضاً، وأنَّ ضَمَّ ما ضُمَّ لجوازٍ أنْ يكون سببٌ آخرُ
لاختلاف تلك الأشكال النورية لكنّا لا نعلمه، کان یکون کوکبٌ گَمِدٌ تحت فلك
القمر ينخسف به في بعض استقبالاته.
وإنْ طُعن في ذلك بأنَّه لو كان لرؤي. قلنا: لِمَ لا يجوز أنْ يكونَ الاختلافُ
والخسوفُ من آثار إرادة الفاعل المختار مِن دون توسُّطِ القُرْبِ والبُعْدِ من الشمس،
وحيلولةِ الأرض بينها وبينه، بل ليس هناك إلا توسُّطُ الكافِ والنون، وهو كافٍ عند
مَنْ سَلِمَتْ عينُه من الغين.
(١) تفسير الرازي ١٥٦/٢ -١٥٧.
(٢) الحسن بن الحسن بن الهيثم، وقيل: محمد بن الحسن بن الهيثم، أبو علي، كان خبيراً في
الطب، ولم يماثله أحد من أهل زمانه في العلم الرياضي، ولخص كثيراً من كتب أرسطو
وجالينوس وشرحها، وله مصنفات منها: مقالة في هيئة العالم، توفي سنة (٤٣٠هـ). الوافي
بالوفيات ٤٢٠/١١-٤٢١.
(٣) ص٢١٤، وشرح المواقف ٧/ ١٣٤ -١٣٥، وصاحب حكمة العين هو نجم الدين أبو الحسن
علي بن محمد القزويني المتوفى سنة (٦٧٥ هـ). كشف الظنون ١ / ٦٨٥.

الآية : ٥
٣١
سُوَرَةُ تُونِسَ
وللمتشرِّعين من المحدثين، وكذا لساداتنا الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم
كلماتٌ شهيرةٌ في هذا الشأن، ولعلَّك قد وقفْتَ عليها، وإلا فستقفُ بعدُ إن شاء الله
تعالی.
وقد استندوا فيما يقولون إلى أخبارٍ نبويةٍ، وأرصادٍ قلبية، وغالبُ الأخبار في
ذلك لم تبلغ درجةَ الصحيح، وما بلغ منها آحادٌ، ومع هذا قابلٌ للتأويل بما لا يُنافي
مذهبَ الفلاسفة، والحقُّ أنَّه لا جَزْمَ بما يقولونه في ترتيب الأجرام العلويَّة وما يلتحق
بذلك، وأنَّ القول به ممَّا لا يضرُّ بالدِّين إلَّا إذا صادَمَ ما عُلِمَ مجيتُه عن النبيِّ وَّر.
هذا وسمِّي القمرُ قمراً لبياضِه كما قال الجوهريُّ، واعتَبَرَ هو وغيرهُ كونه قمراً
بعد ثلاث(١)
﴿وَقَذَّرَهُ﴾ أي: قدَّر له وهيَّأ ﴿مَنَازِلَ﴾، أو: قدَّر مسيرَه في منازلَ، فـ((منازل))
على الأول مفعولٌ به، وعلى الثاني نصبٌ على الظرفية.
وجُوِّز أنْ يكون ((قدَّر)) بمعنى جَعَل المتعدِّي لواحد، و((منازل)) حالٌ من
مفعوله، أي: جَعَلَه وخَلَقَه متنقّلاً، وأنْ يكون بمعنى ((جَعَل)) المتعدِّي لاثنين، أي:
صيَّرَه ذا منازل، وأيّاً ما كان فالضميرُ للقمر، وتخصيصُه بهذا التقدير لسرعة سيره
بالنسبة إلى الشمس؛ ولأنَّ منازلَه معلومةٌ محسوسةٌ، ولكونه عُمدةً في تواريخ
العرب؛ ولأنَّ أحكام الشرع منوطةٌ به في الأكثر، وجُوِّزَ أنْ يكونَ الضميرُ له
وللشمس بتأويل كلٍّ منهما .
والمنازلُ ثمانية وعشرون، وهي: الشَّرَطانِ، والبُطَيْنُ، والتُّرِيًّا، والدَّبَرانِ،
والهَفْعَةُ، والهَنْعَةُ، والذِّراعُ، والنَّثْرةُ، والطَّرْفُ، والجبْهَةُ، والزُّبْرةُ، والصَّرْفةُ،
والعوَّاءُ، والسِّمَاك الأعزلُ، والغَفْر (٢)، والزّبانَى، والإكليل، والقَلْبُ، والشَّوْلَةُ،
والنَّعائمُ، والبَلْدَةُ، وسَعْدٌ الذابحُ، وسَعْدُ بُلَعَ، وسَعْدُ السُّعود، وسَعْدُ الأخبيةِ،
وفَرْغُ الدَّلْوِ المُقدَّمِ، والفَرْغُ المؤَّرُ، وبَطْنُ الحوت(٣).
(١) الصحاح (قمر).
(٢) في (م): والعفرة، وهو خطأ .
(٣) ينظر هذه المنازل مع شرحها في الأزمنة والأمكنة للمرزوقي ١٧٦/١-١٨٦، والعمدة لابن
رشيق ٢٥٣/٢-٢٥٧، وتفسير القرطبي ٤٤٦/١٧ و٤٤٩، والقاموس كلٌّ في بابه.

سُؤَلا تونس
٣٢
الآية : ٥
وهي مقسَّمةٌ على البروج الاثني عشر المشهورة، فيكونُ لكلِّ برجٍ منزلان
وثلثٌ، والبرجُ عندهم ثلاثون درجةً حاصلةً من قسمة ثلاث مئة وستين أجزاءٍ دائرةٍ
البروج على اثني عشر، والدرجةُ عندهم مُنقسمةٌ بستين دقيقةً، وهي منقسمةٌ بستين
ثانية، وهي منقسمةٌ بستين ثالثةً، وهكذا إلى الروابع والخوامس والسوادسِ وغيرِها .
ويَقطعُ القمرُ بحركته الخاصةِ في كلِّ يومٍ بليلته ثلاثَ عَشْرةَ درجةً، وثلاثَ
دقائقَ، وثلاثاً وخمسين ثانيةً، وستًا وخمسينَ ثالثةً.
وتسميةُ ما ذكرنا منازلَ مجازٌ؛ لأنَّه عبارةٌ عن كواكبَ مخصوصةٍ من الثوابت
قريبة من المنطقة، والمنزلةُ الحقيقيةُ للقمر الفراغُ الذي يشغلُه جُرْمُ القمرِ - على أحدٍ
الأقوال - في المكان، فمعنى نزولِ القمر في هاتيك المنازل: مُسَامَتَتُه إياها، وكذا
تعتبرُ المُسَامَتَةُ في نزوله في البروج؛ لأنَّها مفروضةٌ أوَّلاً في الفَلَكِ الأعظم، وأمَّا
تسميةُ نحوِ الحمل والثور والجوزة بذلك، فباعتبار المسامتَةِ أيضاً.
وكان أولُ المنازل الشَّرَطَيْنِ - ويقال له: النَّطْحُ - وهو لأوَّل الحَمَل، ثم
تحرَّكت حتى صار أوَّلُها - على ما حرَّره المحقِّقون من المتأخرين - الفَرْغَ المؤثّرَ،
ولا يثبت على ذلك؛ لأنَّ للثوابت حركةً على التَّوالي - على الصحيح - وإنْ كانت
بطيئةً، وهي حركةُ فَلَكِها .
ومُثبِتو ذلك اختلفوا في مقدار المدَّة التي يقطعُ بها جزءاً واحداً من درجات
منطقتِهِ، فقيل: هي ستٍّ وستُّون سنةً شمسية، أو ثمان وستُّون سنةٌ قمريةً، وذهب
ابنُ الأعلم(١) إلى أنَّها سبعون سنةً شمسيةً، وطابقَه الرَّصْدُ الجديدُ الذي تولَاه نصيرٌ
الطوسيُّ بِمَرَاغَةَ (٢). وزَعَم محيي الدين أحدُ أصحابه أنَّه تولَّى رصْدَ عِدَّةٍ من الثوابت
(١) علي بن الحسن العلوي من أولاد جعفر الطيار ﴿له، بغدادي المنشأ والمولد، وكان عالماً
بالهندسة وأجزائها، عارفاً بالقانون الفيثاغوري، توفي سنة (٣٣٥هـ). تاريخ حكماء الإسلام
ص٩٠، والأعلام ٤/ ٢٧٢.
(٢) نصير الطوسي هو محمد بن محمد بن الحسن، الفيلسوف صاحب علوم الرياضة والرصد،
أشهر أساتذته سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي، من تصانيفه: المتوسطات من
الهندسة والهيئة. وبنى رصداً بمراغة، وهي بلدة مشهورة من أعظم وأشهر بلاد أذربيجان،
توفي سنة (٦٧٢ هـ). الوافي بالوفيات ١٧٩/١، وينظر معجم البلدان ٩٣/٥.

الآية : ٥
٣٣
سُوَالأَلُونسى
كعين الثورِ وقلبِ العقرب بذلك الرصد، فوجَدَها تتحرَّك في كلِّ ستٍّ وستِّين سنةً
شمسية درجةً واحدةً. وادَّعى بطليموس أنَّه وجد الثوابتَ القريبةَ إلى المنطقة متحرّكةً
في كلِّ مئةٍ سنةٍ شمسيةٍ درجةً. والله تعالى أعلمُ بحقائق الأحوال، وهو المتصرِّفُ
في ملکه وملكوته حَسْبما يشاء.
﴿لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ﴾ التي يتعلَّق بها غرضٌ علميٌّ لإقامة مصالحكم الدينية
والدنيوية ﴿وَالْحِسَابّ﴾ أي: ولتعلموا الحسابَ بالأوقاتِ من الأشهر والأيام وغيرِ
ذلك مما نيط به شيءٌ من المصالح المذكورة.
واللامُ - على ما يُفهم من ((أمالي) عزّ الدين بنِ عبد السلام - متعلّقةٌ بـ ((قدَّر)).
واستَشْكَلَ هو ذلك بأنَّ عِلْمَ العددِ والحساب لا يفتقرُ لكون القمر مقدَّراً بالمنازل،
بل طلوعُه وغروبُه كافٍ.
وذكر بعضُهم أنَّ حكمةَ ذلك صلاحُ الثمار بوقوع شعاع القمر عليها وقوعاً
تدريجيّاً، وكونُه أدلَّ على وجوده سبحانه وتعالى؛ إذ كثرةُ اختلافٍ أحوال الممكن
وزيادةُ تفاوتٍ أوصافه أدْعَى إلى احتياجه إلى صانعٍ حكيم واجبٍ بالذات، وغير
ذلك مما يعرفه الواقفون على الأسرار.
وأجابَ مولانا سريُّ الدِّين(١) بأنَّ المرادَ من الحساب حسابُ الأوقات بمعرفةٍ
الماضي من الشهر والباقي منه، وكذا من الليل، ثم قال: وهذا إذا علَّقتَ اللام
بـ ((قدَّره منازل)) فإنْ علَّقْتَه بـ ((جعَلَ الشمس والقمر)) لم يَرِدِ السؤال.
ولعلَّ الأَولَى على هذا أنْ يحمل ((السنين)) على ما يعمُّ السنينَ الشمسيةَ
والقمريَّةً، وإنْ كان المعتبرُ في التاريخ العربيِّ الإسلاميِّ السنةَ القمريةَ، والتفاوتُ
بين السنتَين عشرةُ أيَّامٍ وإحدَى عَشْرَةَ ساعةً ودقيقةٌ واحدةٌ، فإنَّ السنة الأولى عبارةٌ
عن ثلاث مئة وخمسةٍ وستينَ يوماً وخمسٍ ساعاتٍ وتسع وأربعينَ دقيقةً على مقتضَى
الرصد الإبلخاني، والسنة الثانيةُ عبارةٌ عن ثلاث مئة وأربعةٍ وخمسين يوماً وثماني
ساعاتٍ وثمانٍ وأربعينَ دقيقةً، ويَنقسم كلٌّ منهما إلى بسيطةٍ وكبيسةٍ، وبيانُ ذلك في
محلّه.
(١) ابن إبراهيم المصري الحنفي المعروف بابن الصائغ، وسلفت ترجمته ٢٣٢/١٠.

٣٤
الآية : ٥
وتخصيصُ العدد بالسنين، والحساب بالأوقات؛ لِمَا أنَّه لم يُعتبر في السنينَ
المعدودةِ معنّى مغايرٌ لمراتبِ الأعداد كما اعتُبر في الأوقات المحسوبة. وتحقيقُه:
أنَّ الحساب إحصاءُ ما له كمِّيَّةٌ انفصاليةٌ بتكريرِ أمثاله، من حيث يتحصَّل بطائفةٍ
معيَّنةٍ منها عددٌ معيَّنٌ له اسمٌ خاصٌّ وحُكْمٌ مُستقلٌّ، كالسَّنة المتحصِّلةِ من اثني عشرَ
شهراً، قد تحصَّل كلٌّ مِن ذلك مِن أيامٍ معلومة، قد تحضَّل كلٌّ منها مِن ساعاتٍ
كذلك، والعدُّ(١) مجرَّدُ إحصائه بتكريّرِ أمثاله من غير اعتبارِ أنْ يتحصَّل بذلك
شيءٌ كذلك، ولمَّا لم يُعتَبر في السنينَ المعدودةِ تحصُّلُ حدِّ معيَّنٍ له اسمٌ خاصٌ غيرُ
أسامي مراتبِ الأعداد وحُكْمٌ مستقلٌ، أُضيف إليها العدد. وتحصُّلُ مراتب الأعداد
من العشرات والمئات والألوف اعتباريٌّ لا يُجدي في تحصيل المعدود(٢) نفعاً،
وحيث اعتُبر في الأوقات المحسوبة تحصيلُ(٣) ما ذكر من المراتب التي لها أسام
خاصَّةٌ وأحكامٌ مستقلّةٌ عُلِّق بها الحساب المنبئُ عن ذلك، والسنةُ من حيث تحقَّقُهاً
في نفسها مما يتعلَّق به الحساب، وإنَّما الذي يتعلَّق به العدُّ(٤) طائفةٌ منها، وتعلُّقه
في ضمن ذلك بكلِّ واحدةٍ من تلك الطائفة ليس من تلك الحيثية المذكورة، أعني
حيثيَّةَ تحصُّلها من عدة أشهر، قد تحصَّل كلُّ واحدٍ منها من عدَّةِ أيامٍ، قد حَصَل
كلٍّ منها من عدَّة ساعات، فإنَّ ذلك وظيفةُ الحساب، بل من حيث إنَّها فردٌ من تلك
الطائفة المعدودة من غير أنْ يعتبر معها شيءٌ غيرُ ذلك.
وتقديمُ العدد على الحساب مع أنَّ الترتيب بين متعلّقَيهما وجوداً وعِلْماً على
العكس؛ لأنَّ العلم المتعلِّق بعدد السنين(٥) علمٌ إجماليٌّ بما تعلَّق به الحساب
تفصيلاً وإنْ لم تَتَّحد الجهةُ، أو لأنَّ العدد من حيث إنه لم يُعتبر فيه تحصيلُ(٦) أمرٍ
آخرَ - حَسْبَما حُفِّق آنفاً - نازلٌ من الحساب الذي اعتُبر فيه ذلك منزلةَ البسيط من
المركب. قاله شيخ الإسلام.
(١) في الأصل: والعدد، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١٢١/٤، والكلام منه.
(٢) في تفسير أبي السعود: في تحصُّل المعدودة.
(٣) في تفسير أبي السعود: تحصل.
(٤) في الأصل: العدد، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود.
(٥) بعدها في (م): له، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٦) في تفسير أبي السعود: تحصل.

الآية : ٦
٣٥
سُؤَلٌ تُونَ
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ أي: ما ذُكر من الشمس والقمر على ما حكَى سبحانه
من الأحوال ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ استثناءٌ من أعمِّ أحوال الفاعل أو المفعول(١)، والباء
للملابسة، أي: ما خَلَق ذلك مُلتبساً بشيءٍ من الأشياء إلَّا ملتبساً بالحقِّ، مراعياً
فيه الحكمة والمصلحة، أو مُراعى فيه ذلك، فالمراد بالحقِّ هنا خلافُ الباطل
والعَبَث .
﴿يُفَصِّلُ الْآَيَتِ﴾ أي: الآياتِ التكوينيةَ المذكورةَ، أو الأعمَّ منها ويدخلُ
المذكورُ دخولاً أوَّلِيّاً، أو: يفصِّل(٢) الآيات التنزيلية المنبّهة على ذلك.
وقرئ: ((نفصل)) بنون العظمة(٣)، وفيه التفاتٌ.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ الحكمةَ في إبداع الكائنات، فيستدلَّون بذلك على شؤون
مُبدِعِها جلَّ وعلا، أو: يعملون ما في تضاعيف الآيات المنزلةِ فيؤمنون بها.
وتخصيصُ التفصيل بهم على الاحتمالَين، لأنَّهم المنتفعون به.
وقيل: المرادُ: لقومٍ عقلاءَ من ذوي العلم، فيعمُّ مَن ذكَرْنا وغيرهم.
﴿إِنَّ فِ أَخْئِلَفِ الَّلِ وَالنَّارِ﴾ تنبيهٌ آخرُ إجماليٍّ على ما ذُكر، أي: في
تعاقُبِهما وكونِ كلٌّ منهما خلفةً للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها، التابعَين عند
أكثر الفلاسفة لحركة الفلك الأعظم حول مركزه على خلاف التَّوالي، فإنَّه يلزمُها
حركةُ سائرٍ الأفلاك وما فيها من الكواكب - على ما تقدَّم - مع سكون الأرض،
وهذا في أكثر المواضع، وأمَّا في عَرْض تسعين فلا يطلعُ شيءٌ ولا يغربُ بتلك
الحركة أصلاً، بل بحركاتٍ أخرى، وكذا فيما يقرُب منه قد يقعُ طلوعٌ وغروبٌ بغير
ذلك، وتُسمَّى تلك الحركةُ الحركةَ اليومية، وجعَلَها بعضُهم بتمامها للأرض،
وجعَلَ آخرون بعضَها للأرض وبعضها للفلك الأعظم.
والمشهورُ عند كثيرٍ من المحدّثين أنَّ الشمس نفسَها تجري مسخّرةً بإذن الله
(١) في (م): والمفعول، وهو خطأ، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.
(٢) في (م): نفصل.
(٣) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة وخلف وأبي جعفر. التيسير ص١٢١،
والنشر ٢٨٢/٢.

سُولُونَِّ
٣٦
الآية : ٦
تعالى في بحرٍ مكفوفٍ، فتطلُع وتغرُب حيث شاء الله تعالى، ولا حركةً للسماء،
وإلى مثل ذلك ذهب الشيخ الأكبر قدِّس سرُّه(١).
ويجوزُ أنْ يُراد بـ ((اختلاف الليل والنهار)) تفاوتُهما في أنفسهما بازدياد كلِّ
منهما بانتقاصِ الآخر، وانتقاصِه بازدياده، وهو ناشئ(٢) عندهم من اختلاف حالٍ
الشمس بالنسبة إلينا قُرباً وبُعداً بسبب حركتها الثانية، التي بها تختلفُ الأزمنة،
وتنقسمُ السنة إلى فصول، وقد يتساوَى الليلُ والنهار في بعض الأزمان عند بعضٍ،
وذلك إنَّما يكون إذا اتَّفق حلولُ الشمس نقطةَ الاعتدال عند الطلوع أو الغروب،
وكان الأوجُ في أحد الاعتدالَين، فإنَّه إذا تحقَّق الأول كان قوسُ النهار كقوس
الليل، وإذا تحقَّق الثاني كان الأمرُ بالعكس، وهذا نادرٌ جدّاً، ولا يُمكن على
ما ذهب إليه بطليموس من عدم حركةِ الأوج، فلا يتساوَى الليلُ والنهار عنده
أصلاً.
وقد يُراد اختلافُهما بحسب الأمكنة: إمَّا في الطول والقصر، فإنَّ البلاد القريبةَ
من القطب الشمالي أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفيةُ أقصرُ من أيام البلاد
البعيدة منه ولياليها، وإمَّا في أنفسهما فإنَّ كُريَّة الأرض - على ما قالوا - تقتضي أنْ
يكون(٣) بعضُ الأوقات في بعضٍ الأماكن ليلاً وفي مقابله نهاراً.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ مِن المصنوعات المُتقَنةِ والآثارِ المُحْكّمةِ
﴿لَيَتٍ﴾ عظيمةٍ كثيرةٍ دالَّةٍ عى وجود الصانع تعالى ووحدتِهِ وكمالٍ قدرته، وبالغ
حكمته، التي مِن جملة مقتضياتها(٤) ما أنكروا مِن إرسال الرسولِ وإنزالِ الكتاب،
وتبيينِ طرائق الهدى، وتعيين مهاوي الردى.
﴿لَقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾﴾ اللهَ تعالى ويَخْذَرون من العاقبة، وخصّهم(٥) سبحانه
بالذكر؛ لأنَّ التقوى هي الداعيةُ للنظر والتدبُّر.
(١) في الباب الثامن والخمسين وخمس مئة من الفتوحات.
(٢) في الأصل: ناش.
(٣) في (م): تكون، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ١٢٢/٤، والكلام منه.
(٤) في الأصل و(م): مقتضياته، والمثبت من تفسير أبي السعود.
(٥) في (م): وخصصهم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود.

الآية : ٧
٣٧
سُؤَلُ يُونِسَ
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَاءَنَا﴾ بيانٌ لمآل أمرٍ مَن كفَرَ بالبعث المشار إليه
فيما سبق، وأعرضَ عن البِيِّاتِ الدالَّةِ عليه، والمرادُ بلقائه تعالى شأنُه إمَّا الرجوعُ
إليه بالبعث، أو لقاءُ الحساب، وأيّاً ما كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالة من
تهويل الأمر ما لا يخفَى.
والرجاءُ يُظْلَقُ على توقُّع الخير كالأمل، وعلى الخوفِ وتوقّع الشرِّ، وعلى
مُطْلقِ التوقُّع، وهو في الأول حقيقةٌ وفي الأخيرَين مجازٌ، واختار بَعْضُ المحقّقين
المعنى المجازيَّ الأخيرَ المنتظِمَ للأمل والخوف، فالمعنى: لا يتوقَّعون الرجوعَ
إلينا، أو لقاءَ حسابنا المؤدِّي إلى حُسْنِ الثواب أو إلى سوءِ العقاب، فلا يأمَلون
الأولَ ولا يخافون الثاني.
ويشيرُ إلى عَدَمِ أَمَلهم قولُه سبحانه: ﴿وَرَضُواْ بِلْيَةِ الدُّنْيَا﴾ فإنَّه مُنبئٌ عن إيثارٍ
الأَدْنَى الخسيس علَى الأعلى النفيس، وإلى عَدَمِ خوفهم قولُه عزَّ وجل: ﴿وَاْمَنُواْ
◌ِهَا﴾ فإنَّ المرادَ: أنَّهم سكنوا فيها سكونَ مَن لا بَراحَ له، آمنين مِن اعتراء
المزعجات، غيرَ مُخْطِرِين ببالهم ما يَسوءُهم من العذاب.
وجُوِّز أنْ يُراد بالرجاء المعنى الأول، والكلامُ على حذفِ مضافٍ، أي:
لا يؤمِّلون حُسْنَ لقائنا بالبعث والإحياءِ بالحياة الأبدية، ورَضُوا بدلاً منها
ومما فيها من الكرامات السَّنيَّةِ بالحياة الدنيا الفانيةِ الدنيَّةِ، وسكنوا إليها مُكِبِين
عليها قاصرين مَجامِعَ همَمِهم على لذائذها وزخارفها، من غير صارفٍ يَلويهم
ولا عاطفٍ يُتنيهم.
وجُوِّز أن يُراد به المعنى الثاني، والكلام على حذف المضاف أيضاً، أي:
لا يخافون سوءَ لقائنا الذي يجبُ أن يُخاف. وتعقِّب بأنَّ كلمة الرضا بالحياة
الدنيا تأيَى ذلك، فإنَّها مُنبئَةٌ عما تقدَّم من تَرْكِ الأعلى وأَخْذِ الأدنى.
وقال الإمام: إنَّ حَمْلَ الرجاء على الخوف بعيدٌ؛ لأنَّ تفسير الضدِّ بالضدِّ غيرُ
جائزٍ(١). ولا يخفى أنَّه في حيِّز المنع، فقد وَرَدَ ذلك في استعمالهم، وذكره
الراغب والإمامُ المرزوقيُّ، وأنشدوا شاهداً قولَ أبي ذؤيب:
(١) تفسير الرازي ٣٨/١٧.

سُؤَلُّ لُونِسَ
٣٨
الآية : ٧
إذا لَسَعْتَهُ النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بيتِ نُوبٍ عواملٍ(١)
ووجَّه ذلك الراغبُ بأنَّ الرجاء والخوف يتلازمان(٢).
وأمَّا الاعتراضُ على الإمام بأنَّ استعمال الضدِّ في الضدِّ جائزٌ في الاستعارة
التهكُّمية، فليس بشيءٍ؛ لأنَّ مقصودَه رحمه الله تعالى أنَّ ذلك غيرُ جائزٍ في غير
الاستعارة المذكورة، كما يُشعر به قولُه: تفسير، دون: استعارة، ثم إنَّه لا يجوز
اعتبارُ هذه الاستعارة هنا؛ لأنَّ التهُم غيرُ مرادٍ كما لا يخفَى.
ويُعلم مما ذكرنا في تفسير الآية أنَّ الباء للظرفية، وجُوِّز أن تكونَ للسبَّية على
معنى: سكنوا بسبب زينتها وزخارفها. واختيارُ صيغة الماضي في الخصلَتين
الأخيرتَين للدلالة على التحقُّق والتقرُّر، كما أنَّ اختيار صيغة المستقبل في الأُولَى
للإيذان بالاستمرار.
﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَلِنَا﴾ المفصَّلةِ في صحائف الأكوان حَسْبَما أُشيرَ إلى
بعضها، أو آياتنا المنزّلة المنبِّهة على الاستدلال بها، المتَّفقةِ معها في الدلالة على
حَقِّيَّة ما لا يرجونه من اللقاء المترتّب على البعث، وعلى بطلان ما رضُوا به
واطمأنوا فيه من الحياة الدنيا .
﴿غَافِلُونَ ﴾﴾ لا يتفكَّرون فيها أصلاً وإنْ نُبِّهوا بما نبهوا؛ لانهماكهم
بما يصدُّهم عنها من الأحوال المعدودة، وتكريرُ الموصول للتوصُّل به إلى هذه
الصلة المُؤْذِنة بدوام غَفْلَتهم واستمرارها .
والعطفُ لمغايرَةِ الوصف المذكور لِمَا قبله من الأوصاف، وفي ذلك تنبيهٌ على
أنَّهم جامعون لهذا وتلك، وأنَّ كلَّ واحدٍ منهما متميِّزٌ مستقلٌّ صالحٌ لأنْ يكون منشأً
للزمِ والوعید.
(١) ديوان الهذليين ١٤٣/١، ومجاز اللغة ٧٣/٢، ومعاني القرآن للفراء ٢٨٦/١، والخزانة
٤٩١/٥، ورواية الديوان: عواسل، بدل: عوامل. النوب: النحل، سميت بذلك لسوادها،
أو لأنها تختلف وتجيء وتذهب. وعوامل: أي: تعمل العسل. وحالفها، أي: صار حليفها
في بيتها، ويروى: وخالفها، أي: جاء إلى عسلها من ورائها لمَّا سرحت في المراعي.
(٢) مفردات الراغب (رجا).

الآية : ٨ - ٩
٣٩
سُؤَلا بُونَ
والقولُ بأنَّ ذلك لتغايُرِ الوصفَين، والتنبيهِ على أنَّ الوعيد على الجمع بين
الذهول عن الآيات رأساً والانهماكِ في الشهوات، بحيث لا تَخْطُر ببالهم الآخرةُ
أصلاً = ليس بشيءٍ؛ إذ يُفهم من ظاهره أنَّ كلّ منهما غيرُ موجبٍ للوعيد
بالاستقلال، بل الموجبُ له المجموعُ، وهو کما تری.
وكونُه لتغايُرِ الفريقَين، بأنْ يُراد من الأوَّلِينَ مَن أنكر البعثَ ولم يُرِدْ إلَّا الحياةَ
الدنيا، وبالآخرِين مَن ألهاه حبُّ العاجل عن التأمُّل في الآخِلِ والإعدادِ له، كأهل
الكتاب الذين ألهاهم حبُّ الدنيا والرياسةِ عن الإيمان والاستعدادِ للآخرة = بعيدٌ
غايةَ البعد في هذا المقام.
﴿أُوْلَئِكَ﴾ أي: الموصوفون بما ذُكر ﴿مَأْوَهُمُ﴾ أي: مسكنُهم ومقرُّهم الذي
لا براحَ لهم منه ﴿التَّارُ﴾ لا ما اطمأنُّوا به من الحياة الدنيا ونعيمِها.
﴿يِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾ من الأعمال القلبية المعدودةِ وما يستَثْبعُه من
المعاصي، أو بكَسْبِهم(١) ذلك. والجمعُ بين صيغتَي الماضي والمضارع للدلالة
على الاستمرار. والباءُ متعلِّقةٌ بما دلَّ عليه الجملةُ الأخيرةُ الواقعةُ خبراً عن اسم
الإشارة، وقدَّره أبو البقاء: جُوزُوا(٢).
وجملة ((أولئك)) إلخ خبر ((إنَّ) في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ إلخ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ بما يجبُ الإيمان به، ويندرجُ فيه الإيمانُ بالآيات التي
غفل عنها الغافلون اندراجاً أوَّليّاً، وقد يخصُّ المتعلق بذلك نظراً للمقام ﴿وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ﴾ أي: الأعمالَ الصالحةَ في أنفسها اللائقةَ بالإيمان، وترك ذِكْرَ
الموصوف لجريان الصفة مجرى الأسماء.
﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم ◌ِإِيمَنِهِمْ﴾ أي: يهديهم بسبب إيمانهم إلى مأواهم ومقصدهم
وهي الجنة، وإنَّما لم تُذكر تعويلاً على ظهورها وانسياقِ النفس إليها، لا سيما مع
ملاحظة ما سَبَقَ من بيان مأوى الكفرة وما أدَّاهم إليه من الأعمال السيئة، ومشاهدةٍ
ما لَحِقَ من التلويح والتصريح.
(١) في (م) يكسبهم، وهو تصحيف.
(٢) الإملاء ٢١٤/٣.

◌ُۈللاثُونِسَ
٤٠
الآية : ٩
والمراد بهذا الإيمان الذي جُعل سبباً لِمَا ذُكِر الإيمانُ الخاصُّ المشفوعُ
بالأعمال الصالحة، لا المجرَّدُ عنها ولا ما هو الأعمُّ، ولا ينبغي أنْ يَنتطح في
ذلك كبشان، والآيةُ عليه بمعزلٍ عن الدلالة على خلاف ما عليه الجماعةُ من أنَّ
الإيمان الخاليَ عن العمل الصالح يُفضي إلى الجنة في الجملة، ولا يَخْلُدُ صاحبه
في النار، فإنَّ منطوقها أنَّ الإيمان المقرون بالعمل الصالح سببٌ للهداية إلى الجنة.
وأمّا أنَّ كلّ ما هو سببٌّ لها يجبُ أنْ يكون كذلك، فلا دلالةً لها ولا لغيرها عليه،
كيف لا وقولُه سبحانه: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَنَهُم بِظُلٍّ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] منادٍ بخلافه على ما أطبقُوا عليه مِن تفسير الظلم بالشرك؟
ولئن حُمل على ظاهره أيضاً يدخل في الاهتداء مَن آمن ولم يعمل صالحاً، ثمَّ مات
قبل أنْ يَظلم بفِعْلِ حرامٍ أو بتركِ واجبٍ(١).
وإلى حَمْلِ الإيمان على ما قلنا ذهب الزمخشريُّ، وقال: إنَّ الآية تدلُّ على أنَّ
الإيمان المعتبرَ في الهداية إلى الجنة هو الإيمانُ المقيَّد بالعمل الصالح، ووجَّه ذلك
بأنَّه جَعَل فيها الصلةَ مجموعَ الأمرَين، فكأنَّه قيل: إنَّ الذين جمعوا بين الإيمان
والعمل الصالح، ثم قيل: بإيمانهم، أي: هذا المضموم إليه العملُ الصالح(٢).
وزَعَم بعضهم(٣) أنَّ ذلك منه مبنيٌّ على الاعتزال وخلودٍ غيرِ الصالح في النار،
ثم قال: إنَّه لا دلالة في الآية على ما ذكره؛ لأنَّه جُعِلَ سببُ الهداية إلى الجنة
مُطلَقَ الإيمان، وأمَّا أنَّ إضافته إلى ضمير الصالحين يقتضي أخذَ الصلاح قيداً في
السبب فممنوعٌ، فإنَّ الضمير يعودُ على الذَّوات بقطع النظر عن الصفات. وأيضاً
فإنَّ كونَ الصِّلة عِلَّةً للخبر بطريق المفهوم، فلا يعارضُ السببَ الصريح المنطوق،
على أنَّه ليس كلُّ خبرٍ عن الموصول يلزمُ فيه ذلك، ألا ترى أنَّ نحو: الذي كان
معنا بالأمس فَعَل كذا، خالٍ عمَّا يذكرونه في نحو: الذي يؤمنُ يدخل الجنة.
وانتُصر للزمخشري بأنَّ الجمع بين الإيمان والعمل الصالح ظاهرٌ في
أنَّهما السببُ، والتصريحُ بسببية الإيمان المضاف إلى ضمير ((الذين آمنوا وعملوا
(١) تفسير أبي السعود ١٢٣/٤-١٢٤.
(٢) الكشاف ٢٢٦/٢.
(٣) هو ابن المنير في الانتصاف ٢٢٦/٢، والكلام من حاشية الشهاب ٩/٥.