النص المفهرس

صفحات 581-600

الآية : ١٢٩
٥٨١
سُورَةُ التَّوَقِّةِ
كسوء العاقبة والوقوع في العذاب، ورُفع ((عزيزٌ)) على أنه صفةٌ سببيةٌ لـ ((رسول)) وبه
يتعلَّق ((عليه))، وفاعلُه المصدر، وهو الذي يقتضيه ظاهر(١) النظم الجليل.
وقيل: إنَّ((عزيزٌ عليه)) خبرٌ مقدَّم، و((ما عنثُم)) مبتدأ مؤخّرٌ، والجملةُ في موضع
الصفة .
وقيل: إنَّ ((عزيزٌ)) نعتٌ حقيقيٌّ لـ ((رسول))، وعنده تمَّ الكلام، و((عليه ما عنتُم))
ابتداءُ كلام، أي: يهمُّه ويَشُقُّ عليه عَنَتُكم.
﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على إيمانكم وصلاحِ شأنكم؛ لأنَّ الحرص
لا يتعلَّق بذواتهم.
﴿يَلْمُؤْ مِنِينَ﴾ منكم ومن غيركم ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ قيل: قدَّم الأبلغ منهما وهو
الرأفةُ التي هي عبارةٌ عن شدَّة الرحمة؛ رعايةً للفواصل، وهو أمرٌ مَرْعيٍّ في القرآن،
وهو مبنيٌّ على ما فسِّر به الرأفةُ، وصحِّح أنَّ الرأفة الشفقةُ، والرحمة الإحسان.
وقد يقال: تقديمُ الرأفة باعتبار أنَّ آثارها دفعُ المضارِّ، وتأخيرُ الرحمة باعتبار
أنَّ آثارها جَلْبُ المنافع، والأول أهمُّ من الثاني، ولهذا قُدِّمَت في قوله سبحانه:
﴿رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ وَرَهَاِيَّةٌ آبْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. ولا يجري هنا أمرُ الرعاية
كما لا يخفَى، وكأنَّ الرأفة على هذا مأخوذةٌ من رَفْوِ الثوب لإصلاح شقِّه، فيكون
فِي وَصْفِهِ وَّه بما ذكر وصفٌ له بدَفْع الضرر عنهم وجَلْبِ المصلحة لهم، ولم
يُجمع هذان الاسمان لغيره عليه الصلاة والسلام.
وزَعَمَ بعضُهم أنَّ المراد: رؤوفٌ بالمطيعين منهم، رحيمٌ بالمذنبين. وقيل:
رؤوفٌ بأقربائه، رحيمٌ بأوليائه. وقيل: رؤوفٌ بمَن يراه، رحيمٌ بمَن لم يَرَه.
ولا مستندَ لشيءٍ من ذلك.
﴿فَإِن تَوَلَّوْ﴾ إلخ تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له(٢) إليه ،َّهِ تسليةً له، أي: فَإِنْ
أَعْرَضوا عن الإيمان بك ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ﴾ فإنَّه يكفيك مَعرَّتهم، ويُعينك
علیھم.
(١) قوله: ظاهر، ليس في الأصل.
(٢) قوله: له، ليس في الأصل، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ١١٤/٤، والكلام منه.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥٨٢
الآية : ١٢٩
﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوّ﴾ استئنافٌ كالدليل لِمَا قبله؛ لأنَّ المتوحِّدَ بالألوهية هو الكافي
المُعِينُ ﴿عَلَيْهِ نَوَكَّلْتٌ﴾ فلا أرجو ولا أخافُ إلا منه سبحانه ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ﴾
أي: الجسم المحيط بسائر الأجسام، ويُسمَّى بفَلَك الأفلاك، وهو محدَّد الجهات
﴿الْعَظِيمِ (٣)﴾ الذي لا يَعْلَمُ مقدارَ عظمته إلا الله تعالى.
وفي الخبر: أنَّ الأرضَ بالنسبةِ إلى السماء الدنيا كحلقةٍ في فلاةٍ، وكذا السماءُ
الدنيا بالنسبة إلى السماء التي فوقها، وهكذا إلى السماء السابعة، وهي بالنسبة إلى
الكرسيِّ كحلقةٍ في فلاة، وهو بالنسبة إلى العرشِ كذلك(١). وعن ابن عباس
أنَّه لا يقدرُ قَدْرَه أحدٌ.
وذكَرَ أهلُ الأرصاد أنَّ بُعْدَ مُقعَّر الفَلَك الأعظم من مركز العالم ثلاثةٌ وثلاثون
ألفَ ألفٍ وخمسُ مئة وأربعةٌ وعشرون ألفًا وستُّ مئة وتسعُ فراسخ. وأنَّ بُعْدَ
محدَّبه منه قد بلغ مرتبةً لا يعلمها إلا الله الذي لا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرةٍ في الأرض
ولا في السماء وهو بكلِّ شيءٍ عليمٍ.
وقد يُفسَّر العرشُ هنا بالمُلْكِ، وهو أحدُ معانيه كما في ((القاموس))(٢).
وقرئ: ((العظيمُ)) بالرفع(٣) على أنَّه صفةُ الرَّبِّ.
وختم سبحانه هذه السورةَ بما ذكر؛ لأنَّه تعالى ذكر فيها التكاليفَ الشاقَّة
والزواجرَ الصعبة، فأراد جلَّ شأنه أنْ يُسهِّلَ عليهم ذلك، ويُشجِّع النبي ◌َّ على
تبليغه، وقد تضمَّن مِن أوصافه وَّهِ الكريمةِ ما تضمَّن، وقد بدأ سبحانه مِن ذلك
بكونه مِن أنفسهم؛ لأنَّه كالأمُّ في هذا الباب، ولا ينافي وصفُه وَلّهِ بالرأفة والرحمة
بالمؤمنين تكليفَه إياهم في هذه السورةِ بأنواعٍ من التكاليف الشاقَّة؛ لأنَّ هذا
التكليفَ أيضًا مِن كمال ذلك الوصفِ، من حيث إنَّه سببٌ للتخلُّص من العقاب
المؤَّد، والفوز بالثواب المخلَّد، ومن هذا القبيلِ معاملتُه وَلِّ للثلاثة الذين خُلِّفوا
كما علمتَ، وما أحسنَ ما قيل:
(١) أخرجه بنحوه سعيد بن منصور في سننه (٤٢٥ - تفسير)، وأبو الشيخ في العظمة ص١٢٦ عن
مجاهد.
(٢) مادة (عرش).
(٣) القراءات الشاذة ص٥٦، والبحر ١١٩/٥.

الآية : ١٢٩
٥٨٣
سُورَةُ التَّوَّةِ
فقَسَا لَيَزْدَجِروا ومَن يَكُ حازمًا فلْيَفْسُ أحيانًا على مَن يرحمُ (١)
وهاتان الآيتان على ما روي عن أبيّ بنِ كعبٍ آخِرُ ما نزل من القرآن (٢)، لكن
رَوى الشيخان عنِ البراء بن عازب رَّهِ أنَّه قال: آخرُ آيةٍ نزلت: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِ الْكَلَةِ) وآخرُ سورةٍ نزلَت ((براءة))(٣).
وعن ابنِ عباسٍ ﴿ّ: آخرُ آيةٍ نزلت: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُنْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾
[البقرة: ٢٨١]، وكان بين نزولها وموته وَلي(٤) ثمانون يومًا، وقيل: تسع ليال.
وحاولَ بعضُهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا يخلو عن كَدَرٍ .
ويُبعِد ما روي عن أبيّ ما أخرجه ابنُ مردويه(٥) عن سعد بن أبي وقاص قال:
لَمَّا قدِم رسول الله وَّهِ المدينةَ جاءته جُهينةُ فقالوا له: إنَّك قد نزلَت بين أَظهُرنا،
فأوْثِقْ لنا نَأمَنْكَ وتأمنًّا. قال: ((ولِمَ سألتُم هذا؟)) قالوا: نطلبُ الأمنَ، فأنزل الله
تعالى هذه الآية: (لَقَدْ جَآءَكُمْ) إلخ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وقد ذكروا لقوله سبحانه: (فَإِن تَوَلَّوْأ) الآيةَ، ما ذكروا مِن الخواصِّ، وقد أخرج
أبو داود عن أبي الدرداء موقوفًا(٦)، وابنُ السنّي عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((من
قال حين يُصبح وحين يُمسي حسبيَ الله لا إله إلا هو عليه توكلتُ وهو ربُّ العرش
العظيم سبعَ مراتٍ كفاه الله تعالى ما أهمَّه مِن أمر الدنيا والآخرة)»(٧).
وأخرج ابنُ النجار في تاريخه (٨) عن الحسين رَظُبه قال: مَن قال حين يُصبح
سبعَ مراتٍ: حسبيَ الله لا إله إلا هو إلخ لم يُصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة
گرْبٌ ولا نَکبٌ ولا غرقٌ.
(١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه ٣/ ٢٠٠.
(٢) أخرجه أحمد (٢١١١٣)، والطبري ١٢/ ١٠١ .
(٣) صحيح البخاري (٤٦٥٤)، وصحيح مسلم (١٦١٨).
(٤) جاء عندها في هامش الأصل: بأبي هو وأمي ونفسي. والخبر أخرجه الفريابي كما في
الإتقان ١/ ٨٧.
(٥) كما في الدر المنثور ٢٩٧/٣.
(٦) سنن أبي داود (٥٠٨١).
(٧) عمل اليوم والليلة (٧١).
(٨) كما في الدر المنثور ٢٩٧/٣.

سُورَةُالتَّوَتِية
٥٨٤
التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
وأخرج أبو الشيخ(١) عن محمد بنِ كعب قال: خرجَتْ سريَّةٌ إلى أرض الروم
فسقَطَ رجلٌ منهم فانكسرَت فَخِذُه، فلم يستطيعوا أنْ يحملوه، فربَطُوا فرسَه عنده
ووضعُوا عنده شيئًا من ماءٍ وزاد، فلمَّا ولَّوا أتاه آتٍ فقال له: مالَكَ هاهنا؟ قال:
انكسرَتْ فَخِذي فتركني أصحابي. فقال: ضع يَدَكَ حيث تجدُ الألمَ وقل: (فَإِن تَوَلَّوْا)
الآيةَ، فوضع يده فقرأها فصحَّ وركِبَ فرسَه وأدرك أصحابه.
وهذه الآيةُ وِرْدُ هذا الفقير - ولله الحمد - منذُ سنين، نسألُ الله تعالى أنْ يُوفِّق
لنا الخير ببركتها إنَّه خيرُ الموفِّقين.
هذا ومن بابِ الإشارة في الآيات: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ لَمَّا هداهم سبحانه إلى الإيمان العِلْمي وهم مفتونون
بمحبّة الأَنفُس والأموال، استنْزَلَهم لغايةِ عنايتِهِ - سبحانه - بهم عن ذلك بالمعاملة
الرابحةِ، بأنْ أعطاهم بَدَلَ ذلك الجنَّةَ - ولعلَّ المراد بها جنَّةُ النفس - ليكون الثمنُ
من جنس المثمَّن الذي هو مألوفُهم، ولكنَّ الفرقَ بين الأمرين مثلُ الصبح(٢).
قال ابنُ عطاء: نفسُك موضعُ كلِّ شهوةٍ وبَليَّةٍ، ومالُكَ محلٌّ كُلِّ إثم ومعصيةٍ،
فاشتَرَى مولاك ذلك منك ليزيلَ ما يضرُّك، ويعوّضَك عليه ما ينفعُك. ولهذا اشترى
سبحانه النفسَ ولم يشترِ القلب.
وقد ذكر بعضُ الأكابر في ذلك أيضًا أنَّ النفس محلُّ العيب، والكريمُ يَرْغَبُ
في شراء ما يزهَدُ فيه غيرُه، فشراءُ اللهِ تعالى ذلك - مع اطّلاعه سبحانه على
العيب - بالجنة التي لا عيْبَ فيها نهايةُ الكرم، ويُرشد إلى ذلك قولُ القائل:
بها كبدًا ليست بذات تُروحٍ
ولي كبدٌ مقروحةٌ مَن يبيعُني
وَمَن يشتري ذا علَّةٍ بصحيحٍ(٢)
أباها جميعُ الناسِ لا يشترونها
(١) كما في الدر المنثور ٢٩٧/٣.
(٢) قوله: مثل الصبح، ساقط من (م).
(٣) البيتان لمجنون ليلى، وهما في ديوانه ص ٩٥.

التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
٥٨٥
سُورَّةُ التَّوَنَّةِ
وعن الجنيد قُدِّس سرُّه قال: إنَّه سبحانه اشترَى منك ما هو صفتُكَ وتحتَ
تصرُّفِكَ، والقلبُ تحت صفتِهِ وتصرُّفِه لم تقع المبايعةُ عليه، ويُشير إلى ذلك
قولُهُ وَّهِ: ((قلبُ ابنِ آدمَ بين أصبعَينٍ من أصابع الرحمن))(١).
وذكر بعضُ أرباب التأويل أنَّه تعالى لمَّا اشترى الأنفُسَ منهم، فذاقوا بالتجرُّد
عنها حلاوةَ اليقين ولذَّةَ التَّرْك، ورَجَعوا عن مقام لذَّة النفسِ، وتابوا عن هواها،
ولم يبْقَ عندهم لجثَّةِ النفس التي كانت ثمنًا قَدْرٌ، وَصَفهم بالتائبين، فقال
سبحانه: ﴿التَِّبُونَ﴾ أي: الراجعون عن طلب ملاةٌ النفس وتوقّع الأجر إليه تعالى
ويلفظٍ آخر: هم قومٌ رجعوا من غير الله إلى الله، واستقاموا بالله تعالى مع الله
تعالی.
﴿الْعَنِدُونَ﴾ أي: الخاضعون المتذلِّلون لعظمته وكبريائه تعالى تعظيمًا وإجلالاً
له جلَّ شأنه، لا رغبةً في ثوابٍ، ولا رهبةً مِن عقابٍ، وهذه أقصى درجاتٍ
العبادة، ويُسمِّيها بعضُهم معُبودة.
﴿ اَلْحَيِدُونَ﴾ بإظهارِ الكمالات العَمَلية والعِلْمية حمدًا فِعْليًّا حاليًّا، وأقصى
مراتبِ الحمد إظهارُ العجز عنه. يُروى أنَّ داود عليه السلام قال: يا ربِّ كيف
أَحمَدُك والحمدُ مِن آلائك؟ فأوحى الله تعالى إليه: الآن حمْدتَني يا داود. وما أعلى
كلمةَ نبِّنَا وَِّ: ((اللهمَّ لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أَثْنَيْتَ على نفسِكَ))(٢).
﴿السَِّحُونَ﴾ إليه تعالى بالهجرةِ عن مقام الفطرة، ورؤية الكمالات الثابتة لهم
في مفاوز الصفات ومنازل السبحات.
وقال بعضُ العارفين: السائحون هم السَّائرون(٣) بقلوبهم في الملكوت،
الطائرون بأجنحة المحبة في هواء الجبروت.
وقد يقال: هم الذين صاموا عن المألوفات حين عاينوا هلالَ جماله تعالى في
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٦٥٦٩)، ومسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن
عمرو
(٢) أخرجه أحمد (٢٥٦٥٥)، ومسلم (٤٨٦) من حديث عائشة .
(٣) في (م): السيارون.

سُورَةُ التّوَيَّةِ
٥٨٦
التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
هذه النشأة، ولا يُفطرون حتى يعاينوه مرَّةً أُخرى في النشأة الأُخرى، وقد امتثلوا
ما أشار إليه ◌َله بقوله: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته))(١).
﴿الزَّكِعُونَ﴾ في مقام محوِ الصفات ﴿السَّجِدُونَ﴾ بفناء الذات.
وقال بعضُ العارفين: الراكعون هم العاشقون المُنْحَنُون من ثِقِلِ أوقارِ المعرفةِ
على باب العظمةِ ورؤيةٍ الهيبة، والساجدون هم الطالبون لقربه سبحانه، فقد جاء
في الخبر: ((أقربُ ما يكون العبد مِن ربِّه وهو ساجدٌ))(٢).
وقد يُقال: ((الراكعون الساجدون)) هم المشاهدون للحبيب السامعون منه،
وما أحسن ما قيل:
لو يَسمعون كما سمعت كلامها
خرُّوا لعزَّة رُكَّعًا وسجودا(٣)
﴿اَلْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ أي: الدَّاعون الخلقَ إلى الحقِّ،
والدافعون لهم عمَّا سواه، فإنَّ المعروفَ على الإطلاق هو الحقُّ سبحانه، والكلُّ
بالنسبة إليه عزَّ شأنه مُنكَر.
﴿وَاَلْحَفِظُونَ لِحُدُودِ الَّهُ﴾ أي: المُرَاعون أوامره ونواهيه سبحانه في جوارحهم
وأسرارهم وأرواحهم، أو الذين حَفِظوا حدودَ الله المعلومةَ، فأقاموها على أنفسهم
وعلى غيرهم.
وقيل: هم القائمون في مقام العبوديَّةِ بعد كشْفِ صفاتِ الربوبيةِ لهم،
فلا يتجاوزون ذلك وإنْ حَصَل لهم ما حصل، فهم في مقام الثَّمكين والصَّحْوِ
لا يقولون ما يقوله سكارى المحبَّة، ولا يَهيمون في أودية الشَّطَحات.
وفي الآية نعيٌّ على أُناسٍ ادَّعوا الانتظامَ في سِلك حزبِ الله تعالى وزُمرةٍ
أوليائه، وهم قد ضيَّعوا الحدودَ، وخَرَقوا سفينةَ الشريعة، وتكلَّموا بالكلمات
الباطلة عند المسلمين على اختلاف فِرَقِهم، حتى عند السادةِ الصوفية، فإنهم
أَوْجَبوا حِفْظَ المراتب، وقالوا: إنَّ تضييعَها زندقةٌ:
(١) أخرجه أحمد (٩٥٥٦)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١) من حديث أبي هريرة رضي اله.
(٢) أخرجه أحمد (٩٤٦١)، ومسلم (٤٨٢) من حديث أبي هريرة ـ
(٣) البيت لكثير عزة، وهو في ديوانه ص١١٣.

التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
٥٨٧
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
وقد خالطتُهم فرأيتُ منهم خبائثَ بالمهيمن نَستجيرُ
ولَعَمري إنَّ المؤمن مَن يُنْكِرُ على أمثالهم، فإياك أنْ تغتَرَّ بهم.
﴿وَشْرِ الْمُؤْمِينَ﴾ بالإيمان الحقِّي، المقيمينَ في مقامِ الاستقامة واتِّباع الشريعة.
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدٍ
مَا تَبَّبَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ أي: ما صحَّ منهم ذلك ولا استقام، فإنَّ
الوقوف عند القَدَر من شأن الكاملين. ومن هنا قيل: لا تُؤْثِّر همَّة العارف بعد
كمال عرفانه، أي: إذا تيقّن وقوعَ كلِّ شيءٍ بِقَدَرِه تعالى الموافقِ للحكمة البالغة،
وأنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولم يَتَّهمِ الله سبحانه في شيءٍ من
الفعل والترك، سكنَ تحت كَهفِ الأقدار، وسلَّم لمدعَي الإرادة، وأَنصتَ لمنادي
الحكمة، وتَرَكَ مُرادَه لمراد الحبيب، بل لا يُريد إلَّا ما يريده، وهو الذي يقتضيه
مقامُ العبوديّة المحضةِ الذي هو أعلى المقامات، ودون ذلك مقامُ الإدلال، ولقد
كان حضرةُ مولانا القطب الربانيُّ الشيخُ عبدُ القادر الكيلاني قُدِّس سِرُّه في هذا
المقام، وله كلماتٌ تُشعرُ بذلك، لكنْ لم يُتَوَفَّ قدِّسَ سرُّه حتى انتقل منه إلى
مقام العبوديّة المحضة كما نَقَل مولانا عبد الوهاب الشعراني في «الدُّرَر
واليَوَاقيت))، وقد ذكر أنَّ هذا المقام كان مقام تلميذه حضرةٍ مولانا أبي السعود
الشبلي قدِّسَ سرُّه.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أي: لِيَصِفَهم بالضلال عن طريق التسليم
والانقيادِ لأمره والرضا بحكمه ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ﴾ إلى التوحيد العِلْميِّ، ورؤيةٍ وقوعٍ
كلِّ شيءٍ بقضائه وقَدَره ﴿حَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ أي: ما يجبُ عليهم اتِّقاؤه
في كلِّ مقامٍ من مقامات سلوكهم، وكلِّ مرتبةٍ مِن مراتب وصولهم، فإذا بيَّن لهم
ذلك فإنْ أقدموا في بعض المقامات على ما تبيَّن لهم وجوبُ اتِّقائه أضلَّهم
لا رتکابھم ما هو ضلالٌ فی دینھم، وإلا فلا.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلمُ دقائقَ ذنوبهم وإنْ لم يتفطّن لها أحدٌ.
﴿لَقَدِ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْمُسْرَةِ﴾
لا يخفى أنَّ توبةَ الله سبحانه على كلٍّ مِن النبيِّ عليه الصلاة والسلام ومَن معه

سُورَةُ التِّيةِ
٥٨٨
التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
بحَسَب مقامه، وذَكَر بعضُهم أنَّ التوبة إذا نُسبت إلى العبد كانت بمعنى الرجوعِ من
الزَّات إلى الطاعات، وإذا نُسبَت إلى الله سبحانه كانت بمعنى رجوعِه إلى العباد
بِنَعْتِ الوصال، وفَتْح الباب ورَفْع الحجاب.
﴿وَعَلَى الََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ
أَنْفُسُهُمْ﴾ وذلك لاستشعارِ سَخَط المحبوب ﴿وَظَنُّواْ أَنْ لَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ
إِلَيْهِ﴾ أي: تحقَّقوا ذلك فانقطعوا إليه سبحانه، ورَفَعوا الوسائط.
﴿ثُمَّ تَابَ عَيْهِمْ﴾ حيث رأى سبحانه انقطاعَهم إليه، وتضرُّعَهم بين يَدَيه، وقد
جَرَت عادتُه تعالى مع أهل محبَّتِه إذا صدر منهم ما يُنافي مقامَهم يؤدِّبهم بنوعٍ من
الحجاب، حتى إذا ذاقوا طَعْمَ الجناية، واحتَجَبوا عن المشاهدةِ، وعَرَاهم ما عَرَّاهم
مما أنساهم دنياهم وأُخْرَاهم، أَمطَر عليهم وابِلَ سحاب الكرم، وأَشرَقَ على آفاق
أَسرارهم أنوارَ القِدَم، فَيُؤْنِسُهم بعدَ يأسهم، ويَمُنُّ عليهم بعد قُنوطهم، وهو الذي
يُنزِّل الغيثَ مِن بعد ما قَنَطُوا، وما أحلى قوله:
هَجَرُوا والهوى وصالٌ وهَجْرٌ هكذا سَنَّتِ الغرامَ المِلَاحُ
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ من جميع الرذائل بالاجتناب عنها ﴿وَكُونُواْ مَعَ
الصَّدِقِينَ﴾ نيَّةً وقولاً وفعلاً، أي: انَّصِفُوا بما اتَّصَفُوا به من الصِّدق.
وقيل: خالِطوهم لتكونوا مثلَهم، فكلُّ قرينٍ بالمقارن يقتدي.
وفسَّر بعضُهم ((الصادقين)) بالذين لم يُخلِفُوا الميثاقَ الأوَّل، فإنَّه أصدقُ كلمة.
وقد يقال: الأصلُ الصدقُ في عهد الله، كما قال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ
اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ثم في عَقْدِ العزيمة ووَعْدِ الخليقة، كما قال سبحانه في
إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، وإذا رُوعي الصدقُ في المواطن كلِّها
كالخاطر والفكر والنيَّة والقولِ والعمل، صدَقَتِ المناماتُ والوارداتُ، والأحوالُ
والمقامات، والمواهبُ والمشاهَداتُ، فهو أصلُ شجرةِ الكمال، وبذرُ ثَمَرةٍ
الأحوال، وملاكُ كلِّ خيرٍ وسعادةٍ (١). وضدُّه الكذب فهو أسوأ الرذائل وأقبحُها،
وهو مُنافي المروءة كما قالوا: لا مروءةً لكذوب.
(١) بعدها في الأصل: وشقاوة.

التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
٥٨٩
سُوَّةُ التَّوَّةِ،
﴿وَمَا كَانَ أَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَانَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَايِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ
فِىِ الذِينِ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه يجبُ على كلِّ مستعدٌّ من جماعةٍ سلوكُ طريقِ طلبِ العلم؛
إذ لا يُمكن لجميعهم؛ أمَّا ظاهرًا فَلِفَوَاتِ المصالح، وأمَّا باطنًا فِلِعَدَمِ الاستعداد
للجميع.
والتفقُّهُ(١) من علوم القلب، وهي إنَّما تَحْصُلُ بالتزكية والتصفيةِ، وتَرْكِ
المألوفاتِ، واتِّباع الشريعة، فالمرادُ مِن النَّفْر السفرُ المعنويُّ، وهذا هو العلمُ
النافع، وعلامةُ حَصوله عدمُ خشيةِ أحدٍ سوى الله تعالى، ألا ترى كيف نَفَى الله
عمَّن خشي غيرَه سبحانه الفقْهَ فقال: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ
◌َِّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [الحشر: ١٣]، وعلى هذا فحقٌ لِمِثْلي أنْ ينوحَ على نفسه.
وقد صرَّح بعضُ الأكابر أنَّ الفقه عِلْمٌ راسخٌ في القلب، ضاربةٌ عروقُه في
النفس، ظاهرٌ أثرُه على الجوارح، لا يُمكن لصاحبه أنْ يرتكبَ خلافَ ما يقتضيه
إلَّا إذا غَلَب القضاء والقدر.
وقد أنزل الله تعالى - كما قيل - على بعض أنبياء بني إسرائيلَ عليهم السلام:
لا تقولوا: العِلمُ بالسماءِ مَن يَنْزِلُ به؟ ولا في تُخُومِ الأرضِ مَن يَصْعَدُ به؟ ولا مِن
وراءِ البحر مَن يَعْبُرُ ويأتي به؟ العلمُ مجعولٌ في قلوبكم تأذَّبوا بين يديَّ بآدابٍ
الرُّوحانيين، وتخلَّقوا بأخلاق الصِّدِّيقين، أُظْهِر العلم مِن قلوبكم حتى يغمرَكم
ویُغطّیکم(٢).
وجاء: ((مَن اتَّقَى الله أربعين صباحًا تفجَّرَت ينابيعُ الحكمة مِن قلبه))(٣).
وإذا تحقَّقتَ ذلك عَلِمْتَ أنَّ دَعْوَى قومِ اليومَ الفقهَ بالمعنى الذي ذكرناه، مع
تهافُتِهم على المعاصي تهافُتَ الفراشِ على النار، وعَقْدِهم الحلقاتِ عليها، دعوى
(١) في (م): والفقه، والمثبت من الأصل وتفسير ابن عربي ٢٩٧/١.
(٢) تفسير ابن عربي ١/ ٢٩٧.
(٣) ذكره الصغاني في الموضوعات ص٦٨ بلفظ: مَن أخلص لله ... ، وكذا أخرجه ابن الجوزي
په، و(١۵٠٩) من حديث ابن عباس
في الموضوعات (١٥٠٧) من حديث أبى أيوب صائه
وأخرجه (١٥٠٨) من حديث أبي موسى رُه بلفظ: من زهد في الدنيا أربعين ... إلخ. ثم
قال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله مَله.

سُورَةُ التَّوَيَّةِ
٥٩٠
التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
كاذبةٌ مُصادِمةٌ للعقل والنقل، وهيهاتَ أنْ يحصل لهم ذلك الفقْهُ ما داموا على تلك
الحال، ولو ضربوا رؤوسَهم بألفِ صخرةٍ صمَّاء.
وعَطَفَ سبحانه قولَه: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَتِهِمْ﴾ على قوله تعالى:
﴿لَيَنَفَقَّهُواْ﴾ إشارةً إلى أنَّ الإنذار بعد التفقُّه والتحلِّ بالفضائل؛ إذ هو الذي يُرجَى
نَفْعُه :
فإذا انتهَتْ عنه فأنتَ حکیمُ
ابدأ بنفسك فانْهَهَا عن غيِّها
بالقولِ منكَ ويَنفَعُ التعليمُ(١)
فهناك يُسمَع ما تقولُ ویُقْتدَی
ولذا قال جلَّ وعلا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ إشارةٌ إلى
الجهاد الأكبر، ولعلَّه تعليمٌ لكيفيَّة النَّفر(٢) المطلوب، وبيانٌ لطريق تحصيل الفقه،
أي: قاتلوا كفَّار قوَى نفوسِكم بمخالفةِ هواها، وفي الخبر: ((أَعْدَى عدوِّك نفسُك
التي بين جنبيك))(٣).
﴿وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِظَةٌ﴾ أي: قهرًا وشدَّةً حتى تبلغوا درجةَ التقوى ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ
اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ بالولاية والنصر.
﴿أَوْلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُقْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: يُصيبهم
بالبلاء ليتوبوا ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَكَّرُونَ﴾ وفي الأثر: البلاءُ سوطٌ مِن
سياط الله تعالى يَسوق به عبادَه إليه. ويُرشدُ إلى ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ
كَلِفُلَلِ دَعَوْاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسََّ الْإِسَنَ الغُّرُّ
دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَابِمًا﴾ [يونس: ١٢].
(١) المشهور أنهما لأبي الأسود الدؤلي كما في الخزانة ٢٦٧/٨، وذكر الأول سيبويه في
الكتاب ٤١/٣-٤٢ للأخطل، ونسب أيضًا للمتوكل الكناني ولسابق البربري وللطرماح.
الخزانة ٨/ ٢٦٥-٢٦٦.
(٢) في الأصل: النفير.
(٣) أخرجه البيهقي في الزهد ص١٥٦-١٥٧ من حديث ابن عباس ﴿ًا، وقال العراقي في تخريج
أحاديث الإحياء ٤/٣ فيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان أحد الوضاعين، وسلف ٦/ ٤٢ .

التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
٥٩١
سُورَةُ التَّوَّةِ
وبالجملة: إنَّ البلاء يكسِرُ سَوْرَةَ النفس، فَيَلِينُ القلبُ فيتوجّه إلى مولاه، إلَّا
أنَّ مَن غلَبَت عليه الشقاوةُ ذهَبَ منه ذلك الحالُ إذا صُرف عنه البلاء، كما يشير إليه
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وقولُه سبحانه:
﴿فَلَّا كَشَفْنَا عَنْهُ مُرَّهُ، مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍ مَّسَهُ﴾ [يونس: ١٢].
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: مِن جِنْسِكم لتقعَ الأُلفةُ بينكم
وبينه، فإنَّ الجنسَ إلى الجنس يميلُ، وحينئذٍ يسهُل عليكم الاقتباسُ من أنواره ◌َّهِ.
وقُرئ كما قدَّمنا: ((مِن أنفَسِكم)) أي: أشرَفكم في كلِّ شيءٍ، ويكفيه شرفًا أنَّه عليه
الصلاة والسلام أولُ التعُّنات، وأنَّه كما وَصَفَه الله تعالى على خُلُقٍ عظيم:
وعلى تَفتُّن واصفيه بوصْفِهِ يَفْنَى الزمانُ وفيه ما لَمْ يُوصَفِ(١)
﴿عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ أي: يشقُّ عليه - عليه الصلاة والسلام - مَشقَّتكم،
فيتأَلَّم ◌َّهِ لِمَا يُؤلمكم كما يتألَّم الشخصُ إذا عَرَا بعضَ أعضائه مكروهٌ. وعن سهل
أنَّه قال: المعنى: شديدٌ عليه غَفْلتُكم عن الله تعالى ولو طرفةَ عينٍ، فإنَّ العنَتَ
ما يشقُّ، ولا شيءَ أشقُّ في الحقيقة من الغَفْلةِ عن المحبوب.
﴿حَرِيصُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على صلاح شأنكم، أو على حضوركم وعدم
غفلتكم عن مولاكم جلَّ شأنه ﴿يِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ يدفعُ عنهم ما يُؤذيهم ﴿رَحِيمٌ﴾
يجلبُ لهم ما ينفعُهم، ومِن آثار الرأفةِ تحذيرُهم من(٢) الذنوب والمعاصي، ومِن
آثار الرحمة إفاضته (٣) بَيرِ عليهم العلومَ والمعارِفَ والكمالات.
قال جعفرُ الصادق ◌َبُهُ: عَلِمَ اللهُ تعالى عَجْزَ خلْقِه عن طاعته، فعرَّفهم ذلك
لكي يَعْلَموا أنَّهم لا ينالون الصَّفْوَ من خدمته، فأقام سبحانه بينه وبينهم مخلوقًا من
جنسهم في الصورة، فقال: ﴿لَقَدْ جَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ وَأَلْبَسه من نَعْتِهِ
الرأفةَ والرحمةَ، وأخْرَجَه إلى الخلق سفيرًا صادقًا، وجَعَل طاعتَه طاعته، وموافقتَه
موافقته، فقال سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ثم أفرَدَه
(١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٥٤ .
(٢) في الأصل: عن
(٣) في (م): إضافته.

سُورَةُ النَّوَنِيةِ
٥٩٢
التفسير الإشاري (١١١ - ١٢٩)
لنفسه خاصَّةً، وآواه إليه بشهودِه عليه في جميع أنفاسه، وسلَّى قلبَه عن إعراضهم
عن متابعته بقوله جلَّ شأنه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾ وأَعْرَضوا عن قبول ما أنتَ عليه لعدم
الاستعداد أو زواله (١) ﴿فَقُلْ حَسْبِىَ اَللَّهُ﴾ لا حاجةَ لي بكم، كما لا حاجةً
للإنسان إلى العضو المتعفِّن الذي يجبُ قَطْعُه عقلاً، فالله تعالى كافيَّ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ﴾ فلا مُؤثِّر غيرُه، ولا ناصرَ سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ لا على غيره من جميع
المخلوقات، إذْ لا أرى لأحدٍ منهم فعلاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله ﴿وَهُوَ رَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ المحيط بكلِّ شيءٍ. وقد أَلبَسَه سبحانه أنوارَ عظمتِهِ، وقوَّاه على
حَمْل تجلِّياته، ولولا ذلك لذاب بأقلَّ من لمحةٍ عينٍ.
وإذا قرئ ((العظيم)) بالرفع فهو صفةٌ للربِّ سبحانه، وعظمتُه جلَّ جلاله
مما لا نهايةَ لها، وما قَدَرُوا الله حقَّ قَدْرِهِ، نسألُهُ بجلاله وعظمتِهِ أنْ يُوفِّقنا لإتمام
تفسير كتابه حَسْبَما يُحبُّ ويَرضَى فلا إله غيرُه، ولا يُرجى إلَّا خيرُه.
انتهى بعون الله تعالى الجزء العاشر من روح المعاني
ويليه إن شاء الله الجزء الحادي عشر ويبدأ
بسورة يونس
(١) في (م): وزواله.

فهرس المضووعات
سُورَةُ الأَنْفَِّ
٥٤
آية رقم (١٥)
٥
آیة رقم (١)
آية رقم (١٦)
٥٦
٦٠
التفسير الإشاري
٢٠
آية رقم (٢)
٢٥
آیة رقم (٣)
٦٣
آية رقم (١٧)
٢٥
آیة رقم (٤)
آیة رقم (١٨)
٦٩
٧٠
آية رقم (١٩)
٢٩
آیة رقم (٥)
٧١
آیة رقم (٦)
آیة رقم (٢٠)
٧٢
آیة رقم (٢١)
٣٤
آیة رقم (٧)
٧٢
آیة رقم (٢٢)
٣٦
آیة رقم (٨)
آية رقم (٩)
آية رقم (١٠)
٤١
آیة رقم (٢٤)
٧٦
٤٢
آية رقم (١١)
٨٠
آیة رقم (٢٥)
آية رقم (١٢)
٤٧
٨٥
آية رقم (٢٧)
٥١
آية رقم (١٣)
٨٦
آیة رقم (٢٨)
٥٢ ١
آية رقم (١٤)
٨٨
آیة رقم (٢٦)
٧٢
آية رقم (٢٣)
٣٦
٩
٣٤

٥٩٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
١٤٨
آیة رقم (٤٩)
٨٩
آیة رقم (٢٩)
١٤٩
آية رقم (٥٠)
٩٠
آية رقم (٣٠)
٩٣
آية رقم (٣١)
١٥١
آية رقم (٥١)
١٥٤
آیة رقم (٥٢)
٩٤
آية رقم (٣٢)
آية رقم (٥٣)
١٥٧
آية رقم (٥٤)
٩٩
آية رقم (٣٤)
١٥٩
آية رقم (٥٥)
١٠٢
آية رقم (٣٥)
آية رقم (٥٦)
١٥٩
١٠٥
آية رقم (٣٦)
آية رقم (٥٧)
١٦٠
١٠٨
آية رقم (٣٧)
١٦٢
آیة رقم (٥٨)
١٠٩
آیة رقم (٣٨)
١٦٣
آیة رقم (٥٩)
١١٢
آية رقم (٣٩)
١٦٥
آية رقم (٦٠)
١١٣
آیة رقم (٤٠)
آية رقم (٦١)
١٧٣
آية رقم (٦٢)
١١٧
١٧٤
آية رقم (٦٣)
١٢٧
التفسير الإشاري
١٣٢
آية رقم (٤٣)
١٧٥
١٧٨
آیة رقم (٦٤)
١٣٣
آية رقم (٤٤)
آیة رقم (٦٥)
١٨٠
١٤٢
آیة رقم (٤٥)
١٨٢
آية رقم (٦٦)
١٤٣
آية رقم (٤٦)
١٤٤
آية رقم (٤٧)
آیة رقم (٦٨)
١٤٥
آیة رقم (٤٨)
١١٣
١٧٢
التفسير الإشاري
آية رقم (٤١)
آية رقم (٤٢)
آية رقم (٦٧)
١٨٤
١٨٩
٩٦
آية رقم (٣٣)
١٥٥

٥٩٥
فهرس الموضوعات
٢٤٧
آية رقم (١٣)
١٩٢
آية رقم (٦٩)
١٩٣
آية رقم (٧٠)
٢٤٩
آية رقم (١٤)
١٩٥
آية رقم (٧١)
٢٥٠
آية رقم (١٥)
١٩٥
آية رقم (٧٢)
٢٥٣
آية رقم (١٦)
آية رقم (٧٣)
آية رقم (١٧)
٢٥٥
١٩٨
آية رقم (٧٤)
آية رقم (١٨)
٢٥٧
٢٦٠
آية رقم (١٩)
٢٦٤
آية رقم (٢٠)
٢٠٠
التفسير الإشاري
٢٦٦
آية رقم (٢١)
٢٠١
سُوَةُالتَّوَنَّةِ
آية رقم (٢٢)
٢٦٦
٢٦٧
آية رقم (٢٣)
٢٦٩
آية رقم (٢٤)
٢٧٠
التفسير الإشاري
٢٢٠
آية رقم (٤)
آیة رقم (٢٥)
٢٧٢
آية رقم (٢٦)
٢٧٧
آية رقم (٢٧)
٢٧٩
آیة رقم (٢٨)
٢٨٠
٢٨٤
آية رقم (٢٩)
آية رقم (٣٠)
٢٩٠
٢٩٧
٣٠٠
آية رقم (٣٢)
٢٠٦
آیة رقم (١)
٢٠٩
آیة رقم (٢)
٢١٥
آية رقم (٣)
٢٢٢
آیة رقم (٥)
٢٢٩
آیة رقم (٦)
٢٣٣
آیة رقم (٧)
٢٣٥
آیة رقم (٨)
٢٣٨
آية رقم (٩)
٢٤٠
آية رقم (١٠)
آية رقم (٣١)
٢٤٠
آية رقم (١١)
٢٤٢
آية رقم (١٢)
١٩٧
١٩٨
آیة رقم (٧٥)

٥٩٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
٣٧٠
آية رقم (٥٣)
٣٠١
آية رقم (٣٣)
٣٠٢
آية رقم (٣٤)
٣٧٣
آیة رقم (٥٥)
٣٠٩
آية رقم (٣٦)
آية رقم (٥٦)
٣٧٥
آیة رقم (٥٧)
٣١٨
٣٢٢
آیة رقم (٣٨)
٣٧٧
آية رقم (٥٩)
٣٧٩
٣٢٤
آية رقم (٣٩)
آیة رقم (٦٠)
٣٢٥
آية رقم (٤٠)
٣٤٢
آية رقم (٤١)
٣٩٧
آية رقم (٦٢)
٣٤٤
التفسير الإشاري
٣٩٩
آية رقم (٦٣)
٣٤٨
آیة رقم (٤٢)
٣٥١
آیة رقم (٤٣)
٤٠٣
آیة رقم (٦٥)
٣٥٦
آیة رقم (٤٤)
٤٠٤
آية رقم (٦٦)
٣٥٧
آیة رقم (٤٥)
آية رقم (٦٧)
٤٠٧
٣٥٨
آية رقم (٤٦)
٤٠٨
آیة رقم (٦٨)
٣٦٠
آية رقم (٤٧)
٤١٠
آیة رقم (٦٩)
٣٦٣
آية رقم (٤٨)
٤١٢
آية رقم (٧٠)
٣٦٤
آية رقم (٤٩)
٤١٣
آية رقم (٧١)
٣٦٦
آية رقم (٥٠)
آية رقم (٧٢)
٤١٤
٤١٨
آية رقم (٧٣)
٣٦٧
آية رقم (٥١)
٣٦٩
آية رقم (٥٢)
٣٧١
آية رقم (٥٤)
٣٠٦
آیة رقم (٣٥)
٣٧٥
آية رقم (٣٧)
آیة رقم (٥٨)
٣٧٩
آیة رقم (٦١)
٣٩٢
آیة رقم (٦٤)
٤٠١

٥٩٧
فهرس الموضوعات
٤٦٩
آية رقم (٩٤)
. ٤١٩
آیة رقم (٧٤)
٤٢٥
التفسير الإشاري
٤٧١
آیة رقم (٩٥)
٤٣٠
آیة رقم (٧٥)
٤٧٢
آية رقم (٩٦)
آية رقم (٧٦)
٤٣٣
٤٧٣
آیة رقم (٩٧)
آية رقم (٧٧)
٤٣٣
٤٣٥
آیة رقم (٧٨)
آية رقم (٩٩)
٤٧٧
٤٣٦
آیة رقم (٧٩)
آية رقم (١٠٠)
٤٨١
آية رقم (١٠١)
٤٨٦
٤٩٠
آية رقم (١٠٢)
٤٩٥
آية رقم (١٠٣)
٤٤٩
آية رقم (٨٢)
آية رقم (١٠٤)
٤٥١
آية رقم (٨٣)
٤٩٨
آية رقم (١٠٥)
٤٥٣
آیة رقم (٨٤)
٥٠٠
٥٠٢
آية رقم (١٠٦)
٤٥٧
آية رقم (٨٥)
٥٠٤
آية رقم (١٠٧)
٤٥٨
آية رقم (٨٦)
آية رقم (١٠٨)
٥٠٧
. ٥١٣
آية رقم (١٠٩)
٠ ٥١٧
آية رقم (١١٠)
٤٦٠
آیة رقم (٨٩)
٥١٩
التفسير الإشاري
٤٦١
آية رقم (٩٠)
٥٢٤
آية رقم (١١٢)
٥٣٢
٥٣٧
آية رقم (١١٣)
٤٦٨
آية رقم (١١١)
٤٦٣
آية رقم (٩١)
٤٦٤
آية رقم (٩٢)
آية رقم (٩٣)
آیة رقم (٩٨)
٤٧٥
آیة رقم (٨٠)
٤٤٠
آیة رقم (٨١)
٤٤٧
٤٥٩
آية رقم (٨٧)
٤٦٠
آیة رقم (٨٨)

٥٩٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
٥٧٤
آية رقم (١٢٣)
٥٤١
آية رقم (١١٤)
٥٥١
آية رقم (١١٥)
٥٧٦
آية رقم (١٢٤)
٥٥٢
آية رقم (١١٦)
٥٧٧
آية رقم (١٢٥)
آية رقم (١١٧)
٥٥٢
٥٧٧
آية رقم (١٢٦)
آیة رقم (١١٨)
٥٥٦
آية رقم (١٢٧)
٥٧٨
آية رقم (١١٩)
٥٦٤
آية رقم (١٢٩)
٥٨١
التفسير الإشاري
٥٨٤
٥٦٩
آية رقم (١٢١)
٥٧١
آية رقم (١٢٢)
آیة رقم (١٢٨)
٥٧٩
٥٦٦
آية رقم (١٢٠)

.