النص المفهرس

صفحات 501-520

الآية : ١٠٥
٥٠١
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
والمرادُ من رؤية العمل عند جمع الاطّلاعُ عليه، وعِلْمُه علماً جليًّا، ونسبةُ
ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين باعتبارِ أنَّ الله تعالى لا يُخفي ذلك
عنهم، ويُطلعهم عليه إمَّا بالوحي أو بغيره.
وقد أخرج (١) أحمدُ وابنُ أبي الدنيا في ((الإخلاص)) عن أبي سعيد عن
رسول الله وَّل﴿ قال: ((لو أنَّ أحدَكم يَعملُ في صَخرةٍ صمّاءَ، ليس لها بابٌ ولا كوَّةٌ،
لأَخْرَجَ الله تعالى عَمَلَه للناس كائناً ما كان))(٢)، وتخصيصُ الرسول عليه الصلاة
والسلام والمؤمنين بالذكر على هذا؛ لأنَّهم الذين يَعبأُ المخاطَبون باطّلاعهم.
وفسَّر بعضهم المؤمنين بالملائكة الذين يكتبون الأعمال، وليس بشيءٍ.
ومثله بل أدهَى وأمرُّ ما زَعَمه بعضُ الإمامية أنَّهم الأئمةُ الطاهرون، ورَوَوا أنَّ
الأعمال تُعرَضُ عليهم في كلِّ اثنين وخميس، بعد أنْ تُعرَضَ على النبيِّ ◌َ(٣) .
وجوَّز بعضُ المحقّقين أنْ يكون العلمُ هنا كنايةً عن المجازاة، ويكون ذلك
خاصًّا بالدنيويٌّ من إظهار المدح والإعزاز مثلاً، وليس بالرديء.
وقيل: يجوز إبقاء الرؤيةِ على ما يتبادر منها. وتُعقِّب بأنَّ فيه التزامَ القول برؤية
المعاني، وهو تكلُّفٌ وإنْ كان بالنسبة إليه تعالى غيرَ بعيد.
وأنت تعلم أنَّ من الأعمال ما يُرَى عادةً كالحركات، ولا حاجةً فيه إلى حديث
الالتزام المذكور، على أنَّ ذلك الالتزامَ في جانب المعطوف لا يخفى ما فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة وغيرُه عن سلمة بن الأكوع أنَّ رسول الله وَلفيه قرأ:
((فسيُري الله عملكم))(٤) أي: فسيُظْهِرُه.
(١) في (م): وأخرج، بدل: وقد أخرج.
(٢) مسند أحمد (١١٢٣٠)، وعزاه لابن أبي الدنيا السيوطي في الدر ٢٧٦/٣، وهو من طريق
دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رظه. ودراج - وهو ابن سمعان - ضعيف في حديثه عن
أبي الهيثم. ينظر التهذيب ١/ ٥٧٤ .
(٣) مجمع البيان ١٣٥/١١.
(٤) عزاه لابن أبي شيبة السيوطي في الدر ٢٧٥/٣، وأخرجه أيضاً حفص بن عمر في جزء
قراءات النبي ◌َّر (٥٦)، والطبراني في الكبير (٦٢٦١). قال الهيثمي في المجمع ٣٣/٧:
فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥٠٢
الآية : ١٠٦
﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ أي: بعد الموت ﴿إِلَى عَلِ الْغَيْبِ﴾ ومنه ما تَسْتُرونه(١) من الأعمال
﴿وَالشَّهَدَةِ﴾ ومنها ما تُظْهِرونه، وفي ذكر هذا العنوان من تهويل الأمر وتربيةِ المهابة
ما لا يخفى.
﴿فَيُنَبْتُكُ﴾ بعد الردِّ الذي هو عبارةٌ عن الأمر الممتدِّ ﴿بِمَا كُ تَعْمَلُونَ
١١٠٥
قبلَ ذلك في الدنيا، والإنباءُ مجازٌ عن المجازاة، أو كنايةٌ، أي: يجازيكم حَسْبَ
ذلك إنْ خيراً فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ، ففي الآية وعدٌ ووعيد.
﴿وَءَاخَرُونَ﴾ عطفٌ على ((آخرون)) قبله، أي: ومنهم قومٌ آخرون غير المعترفين
المذكورين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ أي: مؤخّرُون وموقوفٌ أمرُهم ﴿لِأَمِ اللَّهِ﴾ أي: إلى أنْ يظهرَ
أمرُ الله تعالى في شأنهم.
وقرأ أهل المدينة والكوفة غيرَ أبي بكرٍ: ((مُرْجَوْنَ)) بغير هَمْزٍ، والباقون
((مَرْجَؤُون)) بالهمز(٢)، وهما لغتان؛ يقال: أرجأتُه وأرْجَيْتُه كـ: أعطيته، ويحتملُ أنْ
يكون الياءُ بدلاً من الهمزة كقولهم: قَرَأْتُ وقَرَيْتُ، وتوضَّأْتُ وتوضَّيْتُ، وهو في
كلامهم كثيرٌ، وعلى كونه لغةً أصلية هو يائيٌّ، وقيل: إنَّه واويٌّ.
ومن هذه المادة المرجئةُ إحدَى فرقِ أهل القبلة، وقد جاء فيه الهمزُ وتَرْكُه،
وسُمُّوا بذلك لتأخيرهم المعصيةَ عن الاعتبارِ في استحقاق العذاب، حيث قالوا:
لا عذابَ مع الإيمان، فلم يبقَ للمعصية عندهم أثرٌ، وفي ((المواقف)»: سُمُّوا مرجئةً
لأنَّهم يُرْجِئون العمل عن النية، أي: يُؤخّرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، أو
لأنَّهم يُعطون الرجاء في قولهم: لا يضرُّ مع الإيمان معصيةٌ. انتهى(٣).
وعلى التفسيرَين الأولَين يحتملُ أنْ يكون بالهمز وتركه، وأمَّا على الثالث
فينبغي أنْ يقال: مُرَجِّئة، بفتح الراء وتشديد الجيم.
والمراد بهؤلاء المُرْجَوْنَ كما في الصحيحين هلال بنُ أمية وكعب بنُ مالك
(١) في (م): سترونه، وهو تصحيف.
(٢) قرأ بالهمز ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة ويعقوب. التيسير ص ١٩، والنشر ٤٠٦/١
و٢٨١/٢.
(٣) المواقف ص ٤٠٧، وشرحه للجرجاني ٣٩٦/٨، وعنه نقل المصنف.

الآية : ١٠٦
٥٠٣
سُوَّةُ التَّوَنَّةِ
ومرارة بنُ الربيع، وهو المرويُّ عن ابن عباس وكبارِ الصحابة ﴿ه، وكانوا قد
تخلَّفوا عن رسول الله وَّرِ لأمرٍ ما مع الهمِّ باللِّحاق به عليه الصلاة والسلام، فلم
يتيسَّر لهم، ولم يكن تخلَّفهم عن نفاقٍ وحاشاهم، فقد كانوا من المخلِصينَ، فلمَّا
قدِمَ النبيُّ وَّ﴿ وكان ما كان من المتخلِّفين قالوا: لا عُذْرَ لنا إلا الخطيئة، ولم
يعتذروا له وَلجر، ولم يفعلوا كما فعل أهلُ السواري، وأمَر رسولُ الله بَّه با جتنابهم،
وشدَّد الأمرَ عليهم، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى، إلى أنْ نزل قوله سبحانه: (لَّقَد
تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَِينَ وَالْأَنْصَارِ) إلخ، وقد وقفَ أمرهم خمسين ليلةً لا يدرون
ما الله تعالى فاعلٌ بهم(١).
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ في موضع الحال، أي: منهم هؤلاء إمَّا معذّبين
وإمَّا مَتوباً عليهم. وقيل: خبر ((آخرون)) على أنَّه مبتدأ و((مرجون)) صفتُه، والأول
أُظھرُ.
و (إمَّا)) للتنويع على معنى أنَّ أمرهم دائرٌ بين هذين الأمرَين. وقيل: للترديد
بالنظر للعباد(٢)، والمعنى: ليكن أمرُهم عندكم بين الرجاء والخوف، والمقصودُ
تفويضُ ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، إذ لا يجبُ عليه سبحانه تعذيبُ العاصي
ولا مغفرةُ التائب.
وإنَّما شدّد عليهم مع إخلاصهم، والجهادُ فرضُ كفايةٍ، لِمَا نُقِل عن ابن بطَّال
في ((الروض الأنف)) وارتضاه: أنَّ الجهاد كان على الأنصار خاصَّةً فرضَ عينٍ؛
لأَنَّهم بايعوا النبيَّ وَّهِ، ألا ترى قولَ راجزهم في الخندق:
نحنُ الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا (٣)
وهؤلاء من أجلَّتهم فكان تخلُّفهم كبيرة.
(١) خبر الثلاثة الذين خلِّفوا في صحيح البخاري (٤٤١٨)، وصحيح مسلم (٢٧٦٩) مطولاً من
حديث كعب بن مالك ﴿، وسيأتي بتمامه قريباً.
(٢) في (م): للفساد، وهو تصحيف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٦٣/٤، والكلام
منه.
(٣) الروض الأنف ١٩٨/٤. والكلام من حاشية الشهاب ٤/ ٣٦٢.

سُورَةُ التَّوَّة
٥٠٤
الآية : ١٠٧
وروي عن الحسن أنَّ هذه الآية في المنافقين، وحينئذٍ لا يُراد بالآخرين مَن
ذَكَرنا لأنَّهم مَن علمتَ، بل يُراد به آخرون منافقون، وعلى هذا ينبغي أنْ يكون قولُ
مَن قال في ((إمَّا يُعذِّبهم)): أي: إنْ أصرُّوا على النفاق. وقد علمتَ أنَّ ذلك خلافُ
ما في الصحيحين، وحَمْلُ النفاق في كلام القائل على ما يُشْبِهُهُ بعيدٌ ودعوى
بلا دلیل.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ فيما فَعَلَ بهم من الإرجاء. وفي قراءة
عبد الله: ((غفور رحيم))(١).
﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا﴾ عطفٌ على ما سبق، أي: ومنهم الذين. وجُوِّز أنْ
يكون مبتدأً خبرُه ((أفمَن أسَّسَ)) والعائدُ محذوفٌ للعلم به، أي: منهم، أو الخبرُ
محذوفٌ، أي: فيمَن وَصَفْنا. وأنْ يكون منصوباً بمقدَّرٍ كـ: أَذُّ وأعني.
وقرأ نافع وابنُ عامر بغير واو(٢)، وفيه الاحتمالاتُ السابقةُ إلَّ العطف، وأن
يكون بدلاً من ((آخرون» على التفسير المرجوح.
وقولُه سبحانه: ﴿ضِرَارًا﴾ مفعولٌ له، وكذا ما بعدَه، وقيل: مصدرٌ في موضع
الحال، أو مفعولٌ ثانٍ لـ ((اتَّخذوا)) على أنَّه بمعنى صيَّروا، أو مفعولٌ مطلقٌ
لفعل مقدَّرٍ، أي: يُضارُّون بذلك المؤمنينَ ضراراً. والضرار طلبُ الضرر
ومحاولته.
أخرج ابنُ جرير وغيرُه عن ابن عباس: أنَّ جماعةً من الأنصار قال لهم
أبو عامر: ابنُوا مسجداً واستمِدُّوا ما استطعتم من قوةٍ وسلاح، فإني ذاهبٌ إلى
قَيْصَرَ ملكِ الروم فآتي بجندٍ من الروم، فأُخرجُ محمداً (عليه الصلاة والسلام)
وأصحابَه. فلمَّا فرغوا من مسجدهم أتوا النبيَّ وَِّ فقالوا: قد فرغْنا من بناء
مسجدنا، فنحبُّ أنْ تصلِّيَ فيه وتدعوَ بالبركة، فنزلت(٣).
(١) الكشاف ٢١٣/٢.
(٢) التيسير ص ١١٩، والنشر ٢٨١/٢، وهي قراءة أبي جعفر من العشرة.
(٣) تفسير الطبري ٦٧٦/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ١٨٧٨/٦.

الآية : ١٠٧
٥٠٥
ـة التَّوَيَّةِ
◌ُ قال: أتى أصحابُ
وأخرج ابنُ إسحاق وابنُ مردويه(١) عن أبي رُهم (٢) ◌َ﴾
مسجدِ الضرار رسولَ اللهِ وَّ﴿ وهو يتجهَّزُ إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا
قد بنينا مسجداً لذي العلَّة والحاجةِ والليلةِ المطيرة والليلةِ الشاتية، وإنَّا نحبُّ أنْ
تأتيَنَا فتصلِّيَ لنا فيه. فقال رسول الله وَله: ((إِنِّي على جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغلٍ)) أو
كما قال عليه الصلاة والسلام ((ولو قدِمْنا إنْ شاء الله تعالىَ لأتيناكم فصلَّيناً لكم
فيه))، فلمَّا رجع (٣) رسول الله وَّرَ من سفره ونَزَل بذي أَوانٍ - بلدٌ بينه وبين المدينة
ساعةٌ من نهارٍ - أتاه خبرُ المسجد فدعا مالكَ بنَ الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف،
ومَعْنَ بنَ عَدِيٍّ - أو أخاه(٤) عاصم بنَ عديِّ - أحد بَلْعَجْلان فقال: ((انْطِقًا إلى هذا
المسْجدِ الظالمِ أَهْلُه فاهدِماه وأَخْرِقاه)»، فخرجا سريعَين حتى أَتَيَا بني سالم بنِ
عوف، وهم رهَطُ مالكِ، فقال مالك لصاحبه: أَنْظِرْني حتى أخرُجَ لك بنارٍ من
أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يَشتدَّان
حتى دخلاه وفيه أهلُه، فأحرقاه وهدَّماه، وتفرَّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن
ما نزل.
وكان البانون له اثني عشرَ رجلاً: خِذَام بنُ خالد من بني عُبيد بنِ زَيد أحدُ بني
عمرو بنِ عوف، ومِن داره أُخرج المسجد، وعبَّاد بنُ حُنيف من بني عمرو بنِ عوف
أيضاً، وثعلبةُ بنُ حاطب(٥) ووديعةُ بنُ ثابت وهما من بني أمية بنِ زيد رَهْطِ
أبي لُبابة بنِ عبد المنذر، ومعِّب بنُ قُشير، وأبو حبيبةً بنُ الأزعر، وجاريةُ بن
عامر، وابناه مجمِّعٌ وزيدٌ، ونبتل بنُ الحارث، وبِجادُ بنُ عثمان. وبَحْزَج من بني
ضُبيعة.
(١) كما في الدر المنثور ٢٧٦/٣، وهو في سيرة ابن هشام ٥٢٩/٥ عن ابن إسحاق، وأخرجه
الطبري ٦٧٢/١١ من طريق ابن إسحاق عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن
أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم.
(٢) في (م): هريرة، وهو تصحيف، وأبو رهم هو كلثوم بن الحصين، وكان ممن بايع تحت
الشجرة. سيرة ابن هشام ٥٢٨/٥.
(٣) بعدها في (م): إلى، وهو خطأ.
(٤) في الأصل و(م) والدر المنثور: وأخاه، والمثبت من السيرة وتفسير الطبري.
(٥) ذِكْرُ ثعلبةَ بنِ حاطب بينهم، قال ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير
ص ٢٩٢: فيه نظر، لأنه شهد بدراً. وينظر الإصابة ١٦/٢ .

سُورَةُ التَّوَّةِ
٥٠٦
الآية : ١٠٧
وذكر البغويُّ من حديث ذكره الثعلبيُّ - كما قال العراقيُّ - بدون سندٍ: أنَّ
النبيَّ ◌َّهِ أَمرَ بعد حَرْقِ المسجدِ وهَدْمهِ أنْ يُتَّخذ كناسةً يُلقَى فيها الجيفُ والنَّتْنُ
والقمامة (١)، إهانةً لأهله لما أنَّهم اتَّخذوه ضراراً.
﴿وَكُفْرًا﴾ أي: وليكفروا فيه، وقدَّر بعضُهم التقوية، أي: وتقويةً للكفر(٢) الذي
يُضمرونه، وقيل عليه: إنَّ الكفر يَصْلُحُ علَّةً فما الحاجة إلى التقدير؟ واعتُذر بأنَّه
يحتمل أنْ يكون ذلك لِمَا أنَّ اتِّخاذه ليس بكفرٍ، بل مقوِّ له لِمَا اشْتَملَ عليه. فتأمَّل.
﴿وَتَفْرِقًا بَيْنَ الْمُؤْمِينَ﴾ وهم كما - قال السدي - أهلُ قباء، فإنَّهم كانوا
يُصلُّون في مسجدهم جميعاً، فأراد هؤلاء حسداً أنْ يتفرَّقوا وتختلفَ كلمتُهم.
﴿وَإِرْصَادًا﴾ أي: ترقُّباً وانتظاراً ﴿لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهو أبو عامر والدُ
حنظلةَ غسيلِ الملائكة رَظُه، وكان قد ترهَّب في الجاهلية ولبس المسوحَ وتنصَّر،
فلما قدِمَ النبيُّ وَّرِ المدينةَ قال له أبو عامر: ما هذا الدِّينُ الذي جئتَ به؟ فقال ◌َّ:
((الحنيفيَّةُ البيضاء دينُ إبراهيمَ عليه السلام))، قال: فأنا عليها. فقال له عليه الصلاة
والسلام: ((إنك لَسْتَ عليها)) فقال: بلى، ولكنَّك أنت أدخلتَ فيها ما ليس منها.
فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما فعلتُ ولكنْ جئتُ بها بيضاءَ نقيةً)) فقال أبو عامر: أمات الله
تعالى الكاذبَ منا طريداً وحيداً. فأمَّن النبيُّ وَّرَ، فسمَّاه الناس أبا عامر الكذَّاب،
وسمَّاه النبيُّ ◌َّهِ الفاسقَ، فلما كان يوم أحدٍ قال للنبيِّ وَّهِ: لا أجدُ قوماً يُقاتلونك
إلا قاتلتُكَ معهم. فلم يَزَل كذلك إلى يومٍ حنين، فلمَّا انهزمَتْ هوازن يومئذٍ وَّی
هارباً إلى الشام، وأرسلَ إلى المنافقينَ يحَثُّهم على بناء مسجدٍ كما ذكرنا آنفاً عن
الحبر، فبنوه وبقُوا منتظرين قُدُومَه ليصلِّيَ فيه ويظهرَ على رسول الله وَلَّ(٣)، فَهُدم
كما مرَّ، ومات أبو عامر وحيداً بقِنَّسرين(٤)، وبقي ما أضمروه حسرةً في قلوبهم.
﴿مِن قَبْلٌ﴾ متعلِّقٌ بـ ((حارَبَ))، أي: حارَبَ الله ورسوله عليه الصلاة والسلام
(١) تفسير البغوي ٣٢٧/٢، وهو في تفسير الثعلبي ٩٣/٥.
(٢) في (م): الكفر، وهو تصحيف، والكلام من تفسير البيضاوي وحاشية الشهاب ٣٦٣/٦.
(٣) ذكره دون سند الثعلبي في تفسيره ٩٢/٥، والبغوي ٣٢٦/٢.
(٤) مدينة فتحها أبو عبيدة وظ له سنة (١٧ هـ)، وكانت حمص وقنسرين شيئاً واحداً. معجم
البلدان ٤ / ٤٠٣ .

الآية : ١٠٨
٥٠٧
سُورَةُ التَّوَنَّةِ
قبلَ هذا الاتِّخاذ، أو متعلّقٌ بـ ((اتخذوا)) أي: اتخذوه من قبل أنْ يُنافقوا بالتخلُّف،
حيثُ كانوا بَنَوه قبل غزوة تبوك كما سمعتَ، والمرادُ المبالغةُ في الذمِّ.
﴿وَلَيَعْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ أي: ما أَرَدْنا ببناء هذا المسجدِ ﴿إِلَّا الْحُسْنِ﴾ أي: إلَّا
الخصلةَ الحُسْنَى، وهي الصلاة وذكرُ الله تعالى والتَّوْسِعةُ على المصلِّين، فالحُسْنَى
تأنيثُ الأحسن، وهو في الأصل صفةُ الخصلة، وقد وقع مفعولاً به لـ ((أَرَدْنا))،
وجوِّز أنْ يكون قائماً مقامَ مصدرٍ محذوفٍ، أي: الإرادةَ الحسنى.
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾﴾ فيما حَلَفوا عليه.
﴿لَا نَقُمْ﴾ أي: للصلاة ﴿فِيهِ﴾ أي: في ذلك المسجد ﴿أَبَدًا﴾ وعن ابن
چ
عباس ﴿مّ تفسير ((لا تقم)) بـ: لا تُصَلِّ، على أنَّ القيام مجازٌ عن الصلاة، كما في
قولهم: فلانٌ يقوم الليل، وفي الحديث: ((مَن قامَ رَمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له))(١).
﴿لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ﴾ أي: بُنِيَ أساسُه ﴿عَلَى التَّقْوَى﴾ أي: تقوى اللهِ تعالى وطاعتِه.
و((على)) على ما يتبادرُ منها، ولا يخفَى ما في جعل التقوى - وهي هي - أساساً من
المبالغة.
وقيل: إنَّها بمعنى مع. وقيل: للتعليل؛ لاعتباره فيما تقدَّم من الاتِّخاذ. واللام
إمَّا للابتداء، أو للقسم، أي: واللهِ لمسجدٌ. وعلى التقديرَين فـ ((مسجدٌ)) مبتدأ
والجملةُ بعده صفتُه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ متعلِّقٌ بـ ((أُسِّس))، و((من)) لابتداء الزمان على ما هو
الظاهر، وفي ذلك دليلٌ للكوفيين في أنَّها تكونُ للابتداء مطلقاً ولا تتقيّد بالمكان،
وخالف في ذلك البصريون ومَنَعوا دخولها على الزمان، وخصُّوه بمذ ومنذ، وتأوَّلوا
الآية بأنَّها على حذف مضافٍ، أي: من تأسيسٍ أول يوم.
وتعقَبه الزجَّاجِ وتَبعَهُ أبو البقاء (٢) بأنَّ ذلك ضعيفٌ؛ لأنَّ التأسيس المقدَّر ليس
بمكانٍ حتی تکونَ ((مِن» لا بتداء الغایة فیه.
(١) أخرجه أحمد (٧٧٨٧)، والبخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩) من حديث أبي هريرة.
٠
(٢) في الإملاء ١٩٥/٣، وذكره عن الزجاج البغدادي في الخزانة ٩/ ٤٤١، والشهاب في
الحاشية ٣٦٤/٤، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ التَوَّة
٥٠٨
الآية : ١٠٨
وأُجيبَ بأنَّ مرادهم من التأويل الفرارُ مِن كونها لابتداء الغاية في الزمان، وقد
حصل بذلك التقديرِ، وليس في كلامهم ما يدلُّ على أنَّها لا تكون لابتداء الغاية
إلا في المكان.
وقال الرضيُّ: لا أرى في الآية ونظائرِها معنى الابتداء؛ إذِ المقصودُ منه أنْ
يكونَ الفعل شيئاً ممتدًّا كالسَّيْرِ والمشْي، ومجرورُ ((مِن)) منه الابتداء نحو: سرتُ
مِن البصرة، أو يكون أصلاً لشيءٍ ممتدٍّ نحو: خرجتُ من الدار، إذ الخروجُ ليس
ممتدًّا، وليس التأسيسُ ممتدًا ولا أصلاً لممتدٍّ، بل هما حَدَثان واقعان فيما بعدَ
(مِن))، وهذا معنى ((في))، و((مِن)) في الظروف كثيراً ما تقع بمعنى ((في)). انتهى.
وفي كون التأسيس ليس أصلاً لممتدٍّ مَنْعٌ ظاهرٌ. نعم ذهبَ إلى احتمال الظرفية
العلّامةُ الثاني، وله وجهٌ، وحينئذٍ يبطل الاستدلالُ ولا يكونُ في الآية شاهدٌ
للكوفيين. والحقُّ أنَّ كثيراً من الآيات وكلام العرب يشهدُ لهم، والتزامُ تأويل كلِّ
ذلك تكلُّفٌ لا داعيَ إليه.
وقولُه تعالى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيةٍ﴾ خبرُ المبتدأ، و((أحقُّ) أفعلُ تفضيلٍ،
والمفضَّلُ عليه كلُّ مسجدٍ، أو مسجدُ الضرار على الفرض والتقدير، أو هو على
زَعْمِھم.
وقيل: إنَّه بمعنى حقيقٌ، أي: حقيقٌ ذلك المسجد بأنْ تصلِّيَ فيه.
واختلف في المراد منه، فعن ابن عباس رضيًّا والضحاك: أنَّه مسجد قباء. وقد
جاءت أخبارٌ في فضل الصلاة فيه.
فأخرج ابنُ أبي شيبة والترمذيُّ، والحاكم وصحَّحه، وابنُ ماجه، عن أُسيد بنِ
ظهير عن النبيِّ وَّرِ أَنَّه قال: ((صلاةٌ في مَسْجدِ قُباء كعمرٍ» قال الترمذي: لا نعرفُ
لأُسيد هذا شيئاً يصحُّ غير هذا الحديث(١)، وفي معناه ما أخرجه أحمد والنسائيُّ
عن سهل بن حنيف(٢).
(١) سنن الترمذي (٣٢٤)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٣، وسنن ابن ماجه (١٤١١)،
والمستدرك ٦٦٢/١. وقال الترمذي أيضاً: حديث حسن غريب.
(٢) مسند أحمد (١٥٩٨١)، والمجتبى ٣٧/٢.

الآية : ١٠٨
٥٠٩
سُورَةُ التَّّةِ
وأخرج ابنُ سعد عن ظُهير بنِ رافع الحارثيّ(١) عن النبيِّ وَّ قال: ((مَن صلَّى
في مَسجدٍ قُباء يومَ الاثنينِ والخميس انقلبَ بأَجْر عُمرةٍ).
وذهب جماعةٌ إلى أنَّه مسجدُ المدينة مسجدُ رسولِ اللهِ وَّهِ، واستدلُّوا
بما أخرجه مُسلم والترمذيُّ وابنُ جرير والنَّسائيُّ وغيرُهم عن أبي سعيد الخدريِّ
قال: اختلف رجلان في المسجد الذي أُسِّس على التقوى، فقال أحدُهما: هو
مسجدُ قباء. وقال الآخر: هو مسجدُ رسولِ الله وَّهِ. فَأَتيا رسولَ الله عليه الصلاة
والسلام فسأَلاه عن ذلك فقال: ((هو هذا المسجدُ)) لمسجدِ وَّر، وقال: ((في ذلك
خيرٌ كثير)) يعني: مسجد قُباء(٢). وجاء في عِدَّة رواياتٍ أنَّه عليه الصلاة والسلام
سُئل عن ذلك فقال: ((هو مَسْجدي هذا)).
وأُيِّد القولُ الأول بأنَّه الأوفقُ بالسباق واللحاق، وبأنَّه بُني قبل مسجد المدينة.
وجَمَع الشريفُ السمهوديُّ بين الأخبار - وسبقَه إلى ذلك السهيليُّ - وقال: كلٌّ
من المسجدين مرادٌ؛ لأنَّ كلَّا منهما أُسِّس على التقوى من أوَّل يوم تأسيسِه، والسرُّ
في إجابته وَّ﴿ السؤالَ عن ذلك بما في الحديث دفعُ ما توهّمه السائل من اختصاص
ذلك بمسجد قُباء، والتنويهُ بمزيةِ هذا على ذاك(٣).
ولا يخفَى بُعْدُ هذا الجمع، فإنَّ ظاهرَ الحديث الذي أخرجَه الجماعةُ عن
أبي سعيد الخُذْريِّ بمراحلَ عنه، ولهذا اختار بعضُ المحقّقين القولَ الثاني، وأَيَّده
بأنَّ مسجد النبيِّ نَّه أحقُّ بالوصف بالتأسيس على التقوى مِن أول يومٍ، وبأنَّ
التعبيرَ بالقيام عن الصلاة في قوله سبحانه: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ) يستدعي المداومةَ،
(١) كما في الدر المنثور ٢٧٨/٣ وظهير هو والد أسيد بن ظهير، وكلاهما في عداد الصحابة.
ينظر الإصابة ٧٧/١ و٢٦١/٥.
(٢) صحيح مسلم (١٣٩٨)، وسنن الترمذي (٣٢٣)، وتفسير الطبري ٦٨٦/١١، وسنن النسائي
٣٠/٢، وهو عند أحمد (١١١٧٨). وليس عند مسلم والنسائي قوله: وفي ذلك خير ...
(٣) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى لعلي بن عبد الله الحسيني السمهودي ١/ ٤٧٣. ونقله
المصنف عنه وعن السهيلي بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٦٤/٤. وقول السهيلي في
الروض الأنف ٢٤٦/٢: ليس بين الحديث تعارض، كلاهما أسس على التقوى، غير أن
قوله سبحانه: ﴿مِنْ أَلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي مسجد قباء؛ لأن تأسيسه كان في أول يوم من حلول
رسول الله ◌َفي دار معجزته، والبلد الذي هو مهاجره.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ،
٥١٠
الآية : ١٠٨
ويعضُدُه توكيدُ النهي بقوله تعالى: (أَبَدًا) ومداومةُ الرسول عليه الصلاة والسلام لم
تُوجَدْ إلَّا في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام.
وأمَّا ما رواه الترمذيُّ وأبو داود عن أبي هريرة من أنَّ قوله جلَّ وعلا: ﴿فِيهِ
ج
رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْظَهَرُواْ﴾ نزلَت في أهل قُباء وكانوا يستنجون بالماء(١)، فهو
لا يُعارِضُ نصَّ رسول الله وَّه .
وأمَّا ما رواه ابنُ ماجه عن أبي أيوب وجابر وأنس مِن أنَّ هذه الآيةَ لمَّا نزلَت
قال رسول الله وَلجه: (يا معشَرَ الأنصارِ، إنَّ الله تعالى قد أَثنَى عليكم خيراً في
الطُّهور فما طهوركم هذا؟)) قالوا: نتوضَّأُ للصلاة، ونَغْتسِلُ من الجنابة. قال: ((فَهَلْ
مع ذلك غَيْر؟)) قالوا: لا، غير أَنَّ أحدَنا إذا خَرَج إلى الغائط أحبَّ أنْ يَستنجي
بالماء. قال عليه الصلاة والسلام: «هو ذاكَ فَعَلَيْكُمُوه))(٢) فلا يدلُّ على اختصاص
أهل قُباء ولا يُنافي الحملَ على أهل مسجدِهِ وَّهِ من الأنصار.
وأنا أقول: قد كثُرَت الأخبار في نزول هذه الآية في أهل قباء، فقد أخرج
أحمد وابنُ خزيمة والطبرانيُّ وابنُ مردويه والحاكم عن عُويم بن ساعدة الأنصاري
أن النبيَّ وَّرِ أتاهم في مسجد قباء فقال: ((إنَّ الله تعالى قد أَحْسَنَ عليكم الثَّنَاءَ في
الطَّهور في قصَّةٍ مسجدكم، فما هذا الطَّهور الذي تَطَهَّرُون به)) فذَكَروا أنَّهم كانوا
يغسلون أدبارهم من الغائط(٣).
(١) سنن الترمذي (٣١٠٠)، وسنن أبي داود (٤٤) من طريق يونس بن الحارث عن إبراهيم بن
أبي ميمونة عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا
الوجه. وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص الحبير١١٢/١، وقال ابن القطان في بيان
الوهم والإيهام ٤/ ١٠٥: إبراهیم هذا مجهول الحال، لا یعرف روى عنه غير يونس بن
الحارث، وهو ضعيف.
(٢) سنن ابن ماجه (٣٥٥)، وأخرجه أيضاً الدارقطني (١٧٤) وأعلَّه بعتبة بن أبي حكيم أحد رجال
الإسناد، فقال: ليس بقوي. اهـ. وضعف إسناده الحافظ في التلخيص الحبير ١١٣/١،
والبوصيري في مصباح الزجاجة ١٠٣/١ .
(٣) مسند أحمد (١٥٤٨٥)، وصحيح ابن خزيمة (٨٣)، والمعجم الكبير ١٧/ (٣٤٨)،
والمستدرك ١٥٥/١، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٧٨/٣. وفي إسناده شرحبيل بن
سعد وهو ضعيف، وقال الحافظ في التهذيب ١٥٨/٢: وفي سماعه من عويم نظر.

الآية : ١٠٨
٥١١
سُورَةُ التَّوَّةِ
وأخرج أحمدُ وابنُ أبي شيبة والبخاريُّ في ((تاريخه)) والبغويُّ في ((معجمه))
وابنُ جرير والطبرانيُّ عن محمد بنِ عبد الله بنِ سلام عن أبيه نحو ذلك(١).
وأخرج عبد الرزاق والطبرانيُّ عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَالّ لأهل
قباء: ((ما هذا الظهورُ الذي خُصصتُم به في هذه الآية: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
يَرُواْ)؟)) قالوا: يا رسول الله، ما منَّا أحدٌ يخرجُ مِن الغائط إلا غَسَلَ مقعَدَته(٢).
وأخرج عبدُ الرزاق وابنُ مردويه عن عبد الله بنِ الحارث بنِ نَوفل نحوه(٣). إلى
غير ذلك.
ورُوي القولُ بنزولها في أهل قُباء عن جماعةٍ من الصحابة وغيرهم، كابن عمر
وسهل الأنصاريِّ وعطاء وغيرهم.
وأمّا الأخبارُ الدالّة على كون المرادِ بالمسجد المذكور في الآية مسجدَ
رسول الله وَّ﴿ فكثيرةٌ أيضاً، وكذا الذاهبون إلى ذلك كثيرون أيضاً.
والجمعُ - فيما أرى - بين الأخبار والأقوالِ متعذّرٌ.
وليس عندي أحسنُ من التنقير عن حال تلك الرواياتِ صحةً وضعفاً، فمتى
ظهر قوةُ إحداهما على الأخرى عُوِّل على الأقوى. وظاهرُ كلام البعض يُشعر بأنَّ
الأقوى روايةً ما يدلُّ على أنَّ المراد من المسجد مسجدُ الرسول عليه الصلاة
والسلام، ومعنى تأسيسِه على التقوى من أول يوم: أنَّ تأسيسَه على ذلك كان مُبتدأَ
مِن أول يوم من أيام وجوده لا حادثاً بعده، ولا يُمكن أنْ يُراد: من أول الأيام
مطلقاً ضرورةً. نعم قال الذاهبون إلى أنَّ المراد بالمسجد مسجدُ قُباء: إنَّ المراد:
مِن أول أيامِ الهجرة ودخولِ المدينة.
(١) مسند أحمد (٢٣٨٣٣)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٥٣/١، والتاريخ الكبير ١٨/١، وتفسير
الطبري ٢٩/١١ -٣٠، والمعجم الكبير (٣٨١- قطعة من الجزء ١٣)، وليس فيه: عن أبيه
سوى عند الطبراني. وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف.
(٢) المعجم الكبير (٧٥٥٥)، والأوسط (٣٠٣١)، وعزاه لمصنف عبد الرزاق السيوطي في الدر
٢٧٨/٣، وفي إسناده شهر بن حوشب أيضاً.
(٣) عزاه لعبد الرزاق وابن مردويه السيوطي في الدر ٢٧٨/٣. وأخرج عبد الرزاق في التفسير
نحوه عن قتادة مرسلاً .

سُورَةُ التَويّة
٥١٢
الآية : ١٠٨
أجمعين
قال السهيلي(١): ويُستفاد من الآية صحةُ ما اتَّفق عليه الصحابةُ
مع عمرَ ظُه حينَ شاورهم في التاريخ، فاتَّفق رأيُهم على أنْ يكونَ مِن عام
الهجرة؛ لأنَّه الوقتُ الذي أعزَّ الله فيه الإسلام، والحينُ الذي أَمِنَ فيه النبيُّ وَِّ،
وبُنيت المساجدُ وعُبِدَ الله تعالى كما يحب(٢)، فوافَقَ رأيُهم هذا ظاهرَ التنزيل،
وفهمنا الآن بفعلهم (٣) أَنَّ قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنَّ ذلك اليومَ هو أولُ أيام
التاريخ الذي يؤرَّخ به الآن، فإنْ كان الصحابةُ عَ﴿ه أخذوه مِن هذه الآية، فهو الظنُّ
بهم؛ لأنَّهم أعلمُ الناس بتأويل كتاب الله تعالى، وأفهمُهم بما فيه من الإشارات،
وإنْ كان ذلك عن رأيٍ واجتهادٍ فقد عَلِمَه تعالى وأشار إلى صحته قبلَ أنْ يُفعل، إذ
لا يُعقَل قولُ القائل: فَعلتُه أول يوم، إلَّا بالإضافة إلى عامٍ معلومٍ أو شهرٍ معلومٍ أو
تاريخ كذلكِ، وليس هاهنا إضافةٌ في المعنى إلَّا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم
القرائن الدالّة على غيره مِن قرينةِ لفظٍ أو حالٍ، فتدبَّره ففيه مُعتَبَرٌ لمن اذَّكر، وعِلْمٌ
لمن رأی بعین فؤاده واستبصر. انتهى.
ولا يخفى على المطّلع على التاريخ أنَّ ما وقع كان عن اجتهادٍ، وأنَّ قوله:
وليس هاهنا إضافة .. إلخ، محلُّ نظر.
ويُستفاد مِن الآية أيضاً على - ما قيل - النهيُ عن الصلاة في مساجدَ بُنيتْ
مباهاةً أو رياءً وسمعةً، أو لغرضٍٍ سوى ابتغاء وجه الله تعالى، وأُلحِقَ بذلك كلُّ
مسجدٍ بُني بمالٍ غيرِ طيِّبٍ، ورُوي عن شقيق ما يؤيِّدُ ذلك، وروي عن عطاء:
لما فتَحَ الله الأمصارَ على عمرَ ◌َبه، أَمَرَ المسلمين أنْ يبنُوا المساجدَ، وأنْ
لا يتَّخذوا في مدينةٍ مسجدَين يُضارُّ أحدُهما صاحبه.
ومَن حمَلَ التطهيرَ فيها على ما نَطقَتْ به الأخبارُ السابقة قال: يُستفاد منها سُنِيةٌ
الاستنجاء بالماء، وجاء من حديث البزار تفسيرُه بالجمع بين الماء والحجر(٤)،
(١) في الروض الأنف ٢٤٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٦٤/٤.
(٢) في الأصل و(م): يجب، والمثبت من الروض والحاشية.
(٣) في الأصل و(م): بنقلهم، والمثبت من الروض والحاشية.
(٤) مسند البزار (٢٤٧- كشف) عن ابن عباس ﴿نا قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ
رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَّهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُظَهِّرِينَ﴾ فسألهم رسول الله وَّل، فقالوا: إنَّا نتبع
=

الآية : ١٠٩
٥١٣
سُورَةُ التَّوَّةِ
وهو أفضلُ من الاقتصار على أحدهما. وفسَّره بعضُهم بالتخلَّص عن المعاصي
والخصالِ المذمومة، وهو معنًى مجازيٌّ له، وإذا فُسِّر بما يَشْمَلُ التطهُّرَ (١) من
الحدث الأكبر والخبثِ، والتنزُّهَ من المعاصي ونحوِها، كان فيه من المدح ما فيه.
وجُوِّز في جملة ((فيه رجال)) ثلاثةُ أوجهٍ: أنْ تكون مستأنفةً مبيِّنَةً لأَحَقِّيَّةِ القيام
في ذلك المسجد مِن جهة الحال بعد بيانِ الأحقِّيَّة من جهة المحلّ، وأنْ تكون صفةً
للمبتدأ جاءت بعد خبره، وأن تكون حالاً من الضمير في ((فيه)). وعلى كلِّ حال
ففيها تحقيقٌ وتقريرٌ لاستحقاق القيام فيه.
وقرئ: ((أنْ يَطَّهروا)) بالإدغام(٢).
﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ (٢٠)﴾ أي: يرضَى عنهم ويُكرمُهم ويُعْظِمُ ثوابهم، وهو
المراد بمحبَّة الله تعالى عند الأشاعرة وأشياعهم، وذكروا أنَّ المحبةَ الحقيقية
لا يُوصف بها سبحانه. وحَمَل بعضُهم التعبيرَ بها هنا على المشاكلة. والمرادُ من
((المطَّهِّرين)) إمَّا أولئك الرجال، أو الجنس ويدخلون فيه.
﴿أَفَمَنْ أَسَسَ بُنْيَنَهُ﴾ أي: مَبنَّه، فهو مصدرٌ كالغفران، واستُعمل بمعنى
المفعول، وعن أبي عليٍّ أنَّ البنيان جمعٌ واحدُهُ بُنيانة(٣). ولعلَّ مرادَه أنَّه اسمُ
جنسٍ جمعيٌّ واحدُه ما ذكر، وإلا فليس بشيءٍ.
والتأسيسُ وضعُ الأساس، وهو أصلُ البناء وأوَّلُه، ويُستعمل بمعنَى الإحكام
الحجارة الماء. وإسناده ضعيف كما في التلخيص الحبير ١/ ١١٢ .
=
وذكر ابن المنذر في الأوسط ٣٥٧/١: أن الاستنجاء بالأحجار جائز؛ لأن النبي وَلهُ سنَّه،
والاستنجاء بالماء مستحب لأنّ الله سبحانه أثنى على فاعله، قال تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ
يُحِبُونَ أَن يَنَّهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمَُّهِّرِينَ﴾ ولأن النبي ◌َّر استنجى بالماء. ولو جمعهما فاعل
فبدأ بالحجارة ثم أتبعه الماء كان حسناً، وأي ذلك فعل يجزيه. اهـ.
وحديث الاستنجاء بالماء أخرجه أحمد (١٢١٠٠)، والبخاري (٢١٧)، ومسلم (٢٧٠)
و(٢٧١) عن أنس به.
وحديث الاستنجاء بالأحجار أخرجه أحمد (٣٩٦٦)، والبخاري (١٥٦) عن ابن مسعود
(١) في (م): التطهير.
(٢) المحرر الوجيز ٨٤/٣، والبحر ١٠٠/٥ عن طلحة بن مصرف والأعمش.
(٣) الحجة لأبي عليٍّ الفارسي ٢١٩/٤.

سُورَةُ التَّوَنِّية)
٥١٤
الآية : ١٠٩
وبه فسَّرِه بعضُهم هنا، واختار آخرون التفسيرَ الأول لتعدِّيه بـ ((على)) في قوله
سبحانه: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ﴾ فإنَّ المتبادِر تعلُّقُه به. وجُوِّز تعلُّقه بمحذوفٍ
وقَعَ حالاً من الضمير المستكنِّ في (أَسَّس))، وهو خلافُ الظاهر كما لا يخفَى.
والمرادُ من الرضوان: طلبُه بالطاعة مجازاً، وإنْ شئتَ قدَّرتَ المضاف ليكونَ
المتعاطفان من أعمال العبد.
والهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على مقدَّرٍ، كما قالوا في نظائره، أي: أَبَعْدَ
ما عُلم حالُهم فمن أَسَّس بُنيانه على تقوى وخوفٍ من الله تعالى وطلبٍ مرضاته
بالطاعة ﴿خَيْرُّ أَمْ مَنْ أَسْسَ بُلْيَنَهُ, عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ أي: طرفِهِ، ومنه: أشفَى على
الهلاك، أي: صار على شَفاه (١)، وشُفي المريض؛ لأنَّه صار على شفا البُرء
والسلامة، ويُثَنَّى على شَفَوَان.
والجُرُفُ بضمَّتَيْن: البئرُ التي لم تُطوَ. وقيل: هو الهوَّة وما يجرفُه السيلُ من
الأودية لجَرْفِ الماء له، أي: أَكْلِه وإذهابِهِ .
وقرأ أبو بكر وابنُ عامر وحمزةُ: ((جُرْفٍ)) بالتخفيف(٢)، وهو لغةٌ فيه.
﴿هَارٍ﴾ أي: مُتصدِّع مشرفٍ على السقوط، وقيل: ساقطِ، وهو نعتٌ
لـ (ُجُرْف)). وأصلُه هاور أوَ هاير، فهو مقلوبٌ، ووزنُه فالع.
وقيل: إنَّه حُذفت عينُه اعتباطاً، فوزنُه: فال، والإعرابُ على رائه كـ : باب.
وقيل: إنَّه لا قلبَ فيه ولا حذفَ، وأصلُه: هَوِر أو هَيِرَ على وزن فَعِل بكسر
العين، كـ : كتف، فلمَّا تحرَّك حرفُ العلَّة وانفتح ما قبله قُلب ألفاً.
والظاهر أنَّه وضع شفا الجرفِ في مقابلة التقوى فيما سبَقَ، وفيه استعارةٌ
تصريحيةٌ تحقيقيةٌ، حيثُ شبَّه الباطل والنفاق بـ (شَفَا جُرُفٍ هارٍ)) في قِلَّة الثبات، ثمَّ
استُعير لذلك والقرينةُ المقابَلَةُ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارِ جَهَنَّمْ﴾ ترشيحٌ، وباؤه إمَّا للتعدية أو للمصاحبة،
(١) في (م): شفاء، وهو تصحيف.
(٢) التيسير ص ١١٩، والنشر ٢١٦/٢، وهي قراءة خلف من العشرة.

الآية : ١٠٩
٥١٥
◌ُوَرَّةُ التَّوَتَّةِ
ووُضِعَ في مقابلة الرضوان تنبيهاً على أنَّ تأسيسَ ذلك على أمرٍ يحفظُه مما يخاف،
ويُوصله إلى ما أدنَى مُقتضياته الجنةُ، وتأسيسُ هذا على ماهو بصَدَدِ الوقوع في النار
ساعةً فساعةً، ثم المصيرُ إليها لا محالة.
والاستعارة فيما تقدَّم مكنية، حيث شُبِّهت فيه التقوى بقواعد البناء تشبيهاً
مضمَراً في النفس، ودلَّ عليه ما هو من روادفه ولوازمِه، وهو التأسيسُ والبنيانُ.
واختار غيرُ واحد أنَّ معنَى الآية: أفمن أسَّس بنيانَ دينه على قاعدةٍ مُحْكَمةٍ هي
التقوى وطلبُ الرضا بالطاعة خيرٌ، أم مَن أسَّس على قاعدةٍ هي أضعفُ القواعد
وأرخاها، فأَدَّى به ذلك - لخَوَرِهِ وقلَّةِ اسْتِمْساكِه - إلى السقوط في النار. وإنَّما اختير
ذلك - على ما قيل - لِمَا أنَّه أنسبُ بتوصيف أهل مسجدِ الضرار بمضارَّة المسلمين
والكفرِ والتفريقِ والإرصاد، وتوصيفِ أهلِ مسجد التقوى بأنَّهم يُحبُّون أنْ
يَتَطَهَّروا، بناءً على أنَّ المرادَ التطهيرُ عن المعاصي والخصالِ المذمومة؛ لأنَّه
المقتضي - بزعم البعض - لمحبة الله تعالى، لا التطهيرُ المذكور في الأخبار. وأمرٌ
الاستعارة على هذا التوجيه على طرز ما تقدَّم في التوجيه الأول.
وجوِّز أنْ يكون في الجملة الأولى تمثيلٌ لحال مَن أخلصَ لله تعالى وعَمِلَ
الأعمال الصالحة، بحالٍ مَن بنى بناءً محكماً يستوطنُه ويتحصَّنُ به، وأَنْ يكونَ
البنيان استعارةً أصليةً والتأسيسُ ترشيحاً، أو تَبَعيةً. وكذا جوِّز التمثيلُ في الجملة
الثانية، وإجراءُ ذلك فيها ظاهرٌ بعد اعتبارِ إجرائه في مُقابِله.
وفاعلُ ((انهار)) إمَّا ضميرُ البنيان وضميرُ ((به)) للمؤسِّس، وإمَّا للشَّفا وضميرُ ((به))
للبنيان، وإليه يميلُ ظاهرُ التفسير المارِّ آنفاً .
وظاهرُ الأخبار أنَّ ذلك المسجدَ إذا وقَعَ وقع في النار؛ فقد أخرجَ ابنُ المنذر
وابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أنَّه قال في الآية: واللهِ ما تَنَاهَى أنْ وقع في
النار، وذُكر لنا أنَّه حُفرتْ فيه بقعةٌ فرُئِيَ منه الدخان(١).
وأخرج ابن المنذر(٢) عن ابن جريج مثلَه.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٨٤، وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ السيوطي في الدر ٢٧٩/٣.
(٢) كما في الدر المنثور ٢٧٩/٣.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥١٦
الآية : ١٠٩
وأخرج ابنُ أبي حاتم عن السُّدي أنَّه قال فيها: مضى حينَ خُسف به إلى
النار(١).
وعن سفيان بن عيينة: يقال: إنَّه بقعةٌ من نارٍ جهنم.
وأنت تعلمُ أنّي والحمد لله تعالى مؤمنٌ بقدرته سبحانه على أتمٍّ وجهٍ، وأنَّه جلَّ
جلاله فعَّالٌ لما يُريد، لكنِّي لا أُومنُ بمثل هذه الظواهر ما لم يَرِدْ فيها خبرٌ صحيحٌ
عن رسول الله چچ.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((أُسِّس)) بالبناء للمفعول في الموضعين (٢). وقرئ:
((أَسَاسُ بنيانِه)) و((أُسُّ بنيانِه)) على الإضافة، ونُسب ذلك إلى نصر بن عليّ(٣).
و: ((أَسَسُ)) بفتحات، ونُسِبَتْ إلى [نصر بن] عاصم(٤). [و ((آساس)) بالفتح
والمد](٥) و((إساسُ)) بالكسر(٦)، قيل: وثلاثتُها جمعُ أُسِّ، وفيه نظر، ففي
((الصحاح)): الأسُّ أصلُ البناء، وكذلك الأساس، والأَسَسُ مقصورٌ منه، وجمعُ
الأسِّ إسَاسٌ، مثلُ عُسِّ وعِسَاس وجمع الأساس أُسُس مثل قَذَال وقُذُل، وجمعُ
الأَسَس آساس مثل سَبَب وأسباب(٧). انتهى. وجُوِّز في أَسَسَ أنْ يكون مصدراً.
وقرأ عيسى بن عمر: ((وتقوّى)) بالتنوين(٨)، وخرَّج ذلك ابنُ جني(٩) على أنَّ
الألف للإلحاق كما في أرطَّى - أُلحق بجعفر - لا للتأنيث، كألف ((تَتَّى)) في رأيٍ،
وإلا لم يَجُز تنوینه .
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٦ / ١٨٨٤ .
(٢) التيسير ص ١١٩، والنشر ٢٨١/٢.
(٣) في الأصل و(م): علي بن نصر، والصواب ما أثبتناه، والقراءتان عنه في المحتسب ٣٠٣/١.
(٤) القراءات الشاذة ص ٥٥، والمحتسب ٣٠٣/١، وما بين حاصرتين منهما.
(٥) ما بين حاصرتين من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٣٦٦/٤، والكلام منه، والقراءة
ذكرها أيضاً الفراء في معاني القرآن ٤٥٢/١، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٥.
(٦) القراءات الشاذة ص ٥٥.
(٧) الصحاح (أسس).
(٨) القراءات الشاذة ص ٥٥، والمحتسب ٣٠٤/١، والبحر ١٠٠/٥. ووقع في (م): عمرو،
وهو خطأ .
(٩) في المحتسب ٣٠٤/١، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣٦٦/٤.

الآية : ١١٠
٥١٧
سُورَةُ التَوَيَّةِ
وقرأ ابنُ مسعود: ((فانهار به قواعدهُ في نار جهنم))(١).
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَِّنَ ﴾ أي: لأنفسهم، أو الواضِعِينَ للأشياء في
غير مواضِعِها، أي: لا يُرشدهم إلى ما فيه صلاحُهم إرشاداً موجباً له لا محالة.
﴿لَا يَزَالُ بُنْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ﴾ أي: بناؤهم الذي بَنَوْهِ، فالبنيانُ مصدرٌ أُريدَ به
المفعول كما مرَّ، ووَصْفُه بالمفرد مما يردُّ على مدَّعي الجمعية، وكذا الإخبارُ عنه
بقوله سبحانه: ﴿رِيبَةٌ فِ قُلُوبِهِمْ﴾، واحتمالُ تقدير مضافٍ وجَعْلِ الصفةِ وكذا الخبر
له، خلافُ الظاهر، نعم قيل: الإخبار بـ ((ريبة)) لا دليلَ فيه على عدم الجمعية؛ لأنَّه
يقال: الحيطان منهدمةٌ والجبالُ راسیةٌ.
وجوَّز بعضُهم كونَ البنيانِ باقياً على المصدرية و((الذي)) مفعوله.
والريبة: اسمٌ من الرَّيب بمعنى الشكِّ، وبذلك فسَّرها ابنُ عباس ﴿ًّا، والمرادُ
به شكّهم في نبوَّته وَّرِ المضمَرُ في قلوبهم، وهو عينُ النفاق.
وجَعَلَ بنيانَهم نفسَ الريبة للمبالغة في كونه سبباً لها؛ قال الإمام: وفي ذلك
وجوه :
أحدُها: أنَّ المنافقين عظُمَ فرحُهم ببنيانه، فلمَّا أَمَرَ بتخريبه ثَقُل عليهم، وازداد
غيظُهم وارتيابُهم في نبوته ◌َّد .
وثانيها: أنَّه لمَّا أَمرَ بتخريبه ظنُّوا أنَّ ذلك للحسد، فارْتَفَعَ أمانُهم عنه وَِّ،
وعَظُمَ خوفُهم، فارتابوا في أنَّهم هل يُتركون على حالهم، أو يُؤمرُ بقتلهم ونهب
أموالهم.
وثالثها: أنَّهم اعتقدوا أنَّهم كانوا محسنين في البناء، فلما أمر بتخريبه بقُوا
شاكِّين مُرتابين في أنَّه لأيِّ سببٍ أمر بذلك؟ والصحيحُ هو الأول(٢).
ويُمكن - كما قال العلّامةُ الطيبي - أنْ يرجَّح الثاني، بأنْ تُحْمَلَ الريبةُ على
(١) أخرجها أبو الشيخ كما في الدر المنثور ٢٧٩/٣، وهي في الكشاف ٢١٥/٢، والبحر
١٠٠/٥، عن أبيٍّ.
(٢) تفسير الرازي ١٦/ ١٩٧ -١٩٨.

٥١٨
الآية : ١١٠
أصل موضوعها، ويُرادَ منها قلقُ النفس واضطرابُها، وحاصل المعنى: لا يزال
هدمُ بنيانهم الذي بنَوا سبباً للقلق والاضطراب والوجل في القلوب.
ووصف بنيانهم بما وُصِفَ، للإيذان بكيفية بنائهم له، وتأسيسِهِ على ما عليه
تأسيسُه مما علمتَ، وللإشعار بعلَّة الحكم.
وقيل: وُصِفِ بذلك للدلالة على أنَّ المراد بالبنيان ما هو المبنيُّ حقيقيةً
لا ما دَبَّروه من الأُمور، فإنَّ البناء قد يُطلق على تدبير الأمر وتقديرِه، كما في
قولهم: كم أبني وتهدمُ! وعليه قولُه:
متى يبلغُ البنيانُ يوماً تَمامَه
إذا كنتَ تَبنيه وغيرُك يهدمُ (١)
وحاصلُه أنَّ الوصف للتأكيد، وفائدتُه دفعُ(٢) المجاز، وهذا نظيرُ ما قالوا في
قوله سبحانه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وفيه بحث.
والاستثناءُ في قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمُّ﴾ من أعمِّ الأوقات، أو
أعمِّ الأحوال، وما بعد ((إلا)) في محلِّ النصب على الظرفية، أي: لا يزالُ بنيانهم
ريبةً في كلِّ وقتٍ إلا وقتَ تقُّع قلوبهم، أو في كلِّ حالٍ إلا حالَ تقطّعها، أي:
تفرُّقها وخروجها عن قابلية الإدراك، وهذا(٣) كنايةٌ عن تمكُّن الريبة في قلوبهم
التي هي محلُّ الإدراك، وإضمارِ الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياءً إلا إذا
تقطّعت وتفرَّقت(٤)، وحينئذٍ تخرج منها الريبةُ وتزول، وهو خارجٌ مخرجَ التصوير
والفرض.
وقيل: المرادُ بالتقُع ما هو كائنٌ بالموت من تفرُّق أجزاء البدن حقيقةً، ورُوي
ذلك عن بعض السلف؛ وأخرج ابن المنذر وغيرُه عن أيوب قال: كان عكرمةُ يقرأ:
(إلا أنْ تقطّع قلوبُهم في القبور))(٥).
(١) البيت لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٢/ ٥١٢.
(٢) في الأصل: رفع.
(٣) في الأصل: وهو.
(٤) في (م): وخرمت.
(٥) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر ٣/ ٢٨٠، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦.

الآية : ١١٠
٥١٩
سُورَةُ التَّوَيَّةِ
وقيل: المراد: إلا أنْ يتوبوا ويندموا ندامةً عظيمةً تُفِّتُ قلوبَهم وأكبادهم،
فالتقطُّع كنايةٌ أو مجازٌ عن شدَّة الأسف. ورَوى ذلك ابنُ أبي حاتم عن سفيان(١).
و ((تَقَطَّع)) من التفعُّل بإحدى التاءَين والبناءِ للفاعل، أي: تَتَقطّع، وقرئ:
(تُقطَّع)) على بناء المجهول من التفعيل(٢)، وعلى البناء للفاعل منه(٣) على أنَّ
الخطاب للرسول وَله، أي: إلا أنْ تُقطّع أنت قلوبهم بالقتل. وقرئ على البناء
للمفعول من الثلاثي مذكّراً ومؤنَّئاً (٤).
وقرأ الحسن: ((إلى أنْ تُقَطَّع)) على الخطاب(٥).
وفي قراءة عبد الله: ((ولو قُطّعتْ قلوبُهم)) على إسناد الفعل مجهولاً إلى
«قلوبهم))(٦) .
وعن طلحة: ((ولو قَّعْتَ قلوبَهم)) على خطاب رسول الله عليه الصلاة
والسلام(٧)، ويصحُّ أنْ يُعنَى بالخطاب كلُّ مخاطَبٍ، وكذا يصحُّ أنْ يُجعَلَ ضميرُ
(تُقَطّعَ)) مع نصب ((قلوبهم)) للريبة.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بجميع الأشياء التي من جملتها ما ذُكر مِن أحوالهم ﴿حَكِيمُ
في جميع أفعاله التي من جملتها أَمرُه سبحانه الواردُ في حقٌّهم.
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٨٨٦/٦.
(٢) هي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب وأبي جعفر. التيسير ص ١٢٠، والنشر ٢٨١/٢.
(٣) الكشاف ٢١٦/٢، والبحر ١٠١/٥.
(٤) تنظر القراءتان في الكشاف ٢١٦/٢، وتفسير القرطبي ٣٨٩/١٥، والبحر ١٠١/٥، وتفسير
البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤/ ١٦٧، وتفسير أبي السعود ١٠٤/٤، وعنه نقل المصنف.
(٥) ذكرها أبو حيان في البحر ١٠١/٥ عن أبي حيوة. وذكر الفراء في معاني القرآن ٤٥٢١/١،
والطبري ٧٠٢/١١ عن الحسن: أنه قرأ ((إلى أن تقطّع)) بفتح التاء، وهي قراءة يعقوب من
العشرة. كما في النشر ٢٨١/٢.
(٦) معاني القرآن للفراء ١/ ٤٥٢، وتفسير الطبري ٧٠٢/١١، والمحرر الوجيز ٨٦/٣، والبحر
١٠١/٥. قال أبو حيان: وحكى أبو عمرو هذه القراءة: ((إن قُطِعَتْ)) بتخفيف الطاء.
(٧) الكشاف ٢١٦/٢، والبحر ١٠١/٥.

سُورَةُ التَّوَنَّةِ
٥٢٠
التفسير الإشاري (٧٥ - ١١٠)
هذا ومِن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ عَهَدَ اَللَّهَ لَإِنْ ءَاتَئِنَا مِن فَضْلِهِ،
لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ إشارةٌ إلى وصف المغرورين الذين ما ذاقوا طعْمَ
المحبة، ولا هبَّ عليهم نسيمُ العرفان، ومِن هنا صحَّحُوا لأنفسهم أفعالاً فقالوا:
لنصَّدَّقَنَّ ﴿فَلَّآ ءَنُهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بٍِ﴾ أي: أنَّهم نقضُوا العهدَ لمَّا ظهرَ لهم
ماسألوه. والبخلُ كما قال أبو حفص(١): تركُ الإيثار عند الحاجة إليه.
﴿أَلَّ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ بِرَّهُمْ﴾ وهو ما لا يعلمونَه مِن أنفسهم ﴿وَنَجْرَهُمْ﴾
أي: ما يعلمونه منها دون الناس. وقيل: السُّ ما لا يطَّلع عليه إلا عالمُ الأسرار،
والنجوى ما يطَّلع عليه الحفظة.
﴿وَقَالُواْ لَا نَفِرُواْ فِ الْخَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرََّ﴾ أرادوا التثبيطَ على المؤمنين
ببيان بعضٍ شدائدِ الغزو، وما دَرَوا أنَّ المحبَّ يستعذبُ المَرَّ في طلبٍ وصَالٍ
محبوبه، ويَرَى الحَزْنَ سَهْلاً والشدائدَ لذائذَ في ذلك، ولا خيرَ فیمن عاقه الحرُّ
والبردُ. ورَدَّ عليهم بأنَّهم آثروا بمخالفتهم النارَ التي هي أشدُّ حرًّا، ويُشبِهُ هؤلاء
المنافقين في هذا التثبيط أهلُ البطالة الذين يُثبِّطُون السالكين عن السلوك، ببيان
شدائدِ السلوك وفواتِ اللذائذِ الدنيوية.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, جَهَدُواْ بِأَمْوَظِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فَأَقْنَوا كلَّ ذلك في
طلب مولاهم جلَّ جلاله ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُ﴾ المشاهدَاتُ والمكاشفاتُ
والقُرباتُ ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالبُغْيةِ.
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ﴾ أي: الذين أَضْعفَهم حمْلُ المحبة ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ بداء
الصَّبابة، حتى ذابتْ أجسامُهم بحرارة الفكر وشدائدِ الرياضة ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا
يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ﴾ وهم المتجرِّدُون من الأكوان،
◌ٌ﴾ إثمٌ في التخلُّف عن
الجهاد الأصغر ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بأنْ أَرشدُوا الخلقَ إلى الحقِّ.
﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا﴾ غرامةً وخُسراناً؛ قيل: كلُّ مَن يرَى
الملك لنفسه، يكونُ ما يُنفق غرامةً عنده، وكلُّ مَن يرى الأشياء لله تعالى وهي
(١) شهاب الدين عمر بن محمد بن عبد الله القرشي السُّهْروردي الصوفي ثم البغدادي، يرجع
نسبه إلى الصدِّيق ﴿ه، وكان شيخ وقته في علم الحقيقة، وقرأ الفقه والخلاف والعربية،
توفي سنة (٦٣٢هـ). السير ٣٧٣/٢٢.