النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ٣٧ ٣٢١ سُورَةُ التَّوَنَّة وعن الضَّحاك: أنه جُنادةٌ بن عوفٍ الكنانيُّ، وكان مطاعاً في الجاهلية، وكان يقومُ على جمل في الموسم فينادي بأعلى صوته: إنَّ آلهتكم قد أحلَّتْ لكم المحرَّم فأحِلِّوه، ثمَّ يقوم في العام القابل فيقول: إنَّ آلهتكم قد حرَّمت عليكم المحرَّم فحرِّموه. قال: كانت النَّسَأَةُ حيًّا من بني مالك بن وأخرج ابنُ مردويه عن ابن عباس . كنانة، وكان آخرُهم رجلاً يقال له: القَلَمَّس، وهو الذي أنسأ المحرَّم، وكان ملكاً في قومه(١). وأنشد شاعرهم: ومنَّا ناسئُ الشهر القَلَمَّس(٢) وقال الکمیت: شهورَ الحِلِّ نجعلُها حراما (٣) ونحن الناسؤون على مَعَدٍّ وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﴿يَا أنَّ أوَّلَ من سنَّ النسيء عمرو بن لُحَيّ بن قمعة بن خِنْدِف. والجملتان تفسيرٌ للضلال فلا محلَّ لهما من الإعراب، وجوِّز أن تكونا في محلِّ نصبٍ على أنَّهما حالٌ من الموصول والعاملُ عاملُه. ﴿أَيُّوَاِقُواْ﴾ أي: ليوافقوا، وقرأ الزهريُّ: ((ليُوطِّئوا)) بالتشديد(٤) ﴿عِدَّةَ مَا (١) الدر المنثور ٢٣٧/٣. (٢) ذكره الطبري ٤٥٦/١١ ضمن خبر أخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذلك البغوي ٢٩١/٢. (٣) الرواية بهذا اللفظ منسوبة لعمير بن قيس الكناني، كما في سيرة ابن هشام ١/ ٤٥، ومعجم الشعراء ص٧٢، وتهذيب اللغة ٨٣/١٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٩٣٢/٢، وسمط اللآلي ١١/١، وجاء في بعضها: ألسنا الناسئين على معد ... ، والرواية في ديوان الكميت ص٣٥٧ : وكنا الناسئين على معدٍّ شهورَهُمُ الحرامَ إلى الحليل (٤) ذكرها الزمخشري في الكشاف ١٨٩/٢. وفي البحر ٤٠/٥، والدر المصون ٤٨/٦ عن الزهري أنه قرأ: ((ليُواطيُّوا)) بتشديد الياء. قال السمين: وهي مشكلة حتى قال بعضهم: فإن لم يُرِد به شدةً بيان الياء وتخليصها من الهمز دون التضعيف، فلا أعرف وجهها. قال السمين: وهو كما قال. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٣٢٢ الآية : ٣٨ حَرَّمَ اَللَّهُ﴾ من الأشهر الأربعة. واللَّامُ متعلِّقةٌ بـ ((يحرِّمونه))، أي: يحرِّمونه لأُجْلِ موافقةِ ذلك، أو بما دلَّ عليه مجموعُ الفعلين، أي: فعلوا ما فعلوا لأجلٍ الموافقة، وجعلَه بعضُهم من التَّنازع. ﴿فَيُسِلُواْ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ﴾ بخصوصِه من الأشهر المعيَّنة، والحاصلُ أنَّه كان الواجبُ عليهم العدَّةَ والتخصيصَ، فحيثُ تركوا التخصيصَ فقد استحلُّوا ما حرَّم الله تعالى. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوَهُ أَعْمَلِهِزْ﴾ وقرئ على البناء للفاعل(١) وهو الله تعالى، أي: جَعَل أعمالَهم مشتهاةً للطبع محبوبةً للنفس. وقيل: خَذَلهم حتَّى رأوا حَسَناً ما ليس بالحَسَن. وقيل: المزيِّن هو الشيطان، وذلك بالوسوسة والإغواء بالمقدِّمات الشعريَّة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ أَلْكَفِينَ ﴾ هدايةً مُوْصِلةً للمطلوب البتّة، وإنَّما يهديهم إلى ما يُوصِلُ إليه عند سلوكه، وهم قد صدُّوا عنه بسوء اختيارهم فتاهوا في تيه الضلال. والمرادُ من الكافرين: إمَّا المتقدِّمون، ففيه وَضْعُ الظاهر موضعَ الضمير، أو الأعم ويدخلون فيه دخولاً أوليًّا . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ عَوْدٌ إلى ترغيب المؤمنين وحثُّهم على المقاتلة بعدَ ذِكْرٍ طرفٍ من فضائحِ أعدائهم ﴿مَا لَكُمْ﴾ استفهامٌ فيه معنى الإنكار والتوبيخ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾ أي: اخرجوا للجهاد، وأصلُ النَّفر على ما قيل: الخروجُ لأمرٍ أَوْجَبَ ذلك. ﴿أَنَّا قَلْتُمْ﴾ أي: تباطأتُم ولم تُسرِعوا، وأصلُه تثاقلتم وبه قرأ الأعمشُ(٢)، فأدغمت التاءُ في الثاء واجتُلبتْ همزةُ الوصل للتوصُّل إلى الابتداء بالساكنِ، ونظيرُه قول الشاعر : تُؤْلي الضجيعَ إذا ما اسْتَافَها خَصِراً عذبَ المذاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ(٣) (١) وهي قراءة ابن مسعود كما في القراءات الشاذة ص٥٢. (٢) القراءات الشاذة ص٥٣ . (٣) معاني القرآن للفراء ٤٣٨/١، وتفسير الطبري ١١٩/٢ و٤٥٩/١١، وتفسير القرطبي ٢٠٧/١٠، الآية : ٣٨ ٣٢٣ سُؤَدَّةُ التَّوَّةِ وبه تتعلَّق ((إذا))، والجملةُ في موضع الحال، والفعلُ ماضٍ لفظاً مضارعٌ معنىّ، أي: ما لكم متثاقلين حين قال لكم رسولُ وَله: انفروا. وجوِّز أن يكون العاملُ في ((إذا)) الاستقرارَ المقدَّر في ((لكم))، أو معنى الفعل المدلولِ عليه بذلك، أي: أيُّ شيءٍ حاصلٌ - أو: حَصَلَ - لكم، أو: ما تصنعون حين قيل لكم انفروا . وقرئ: ((أَنَّاقلتم)) بفتح الهمزة(١) على أنَّها للاستفهام الإنكاريِّ التوبيخيِّ، وهمزةُ الوصل سقطتْ في الدَّرج، وعلى هذه القراءة لا يصحُّ تعلَّق ((إذا)) بهذا الفعل؛ لأنَّ الاستفهامَ له الصَّدارةُ فلا يتقدَّم معمولُه عليه، ولعلَّ مَن يقول: يُتَوسَّعُ في الّرف ما لا يُتَوسَّعُ في غيره، يجوِّزُ ذلك. وقوله سبحانه: ﴿إِلَى الْأَرْضِّ﴾ متعلِّق بـ ((اثَّاقلتم)) على تضمينه معنى الميلِ والإخلاد، ولولاه لم يُعَدَّ بـ ((إلى))، أي: انَّاقلتم مائلين إلى الدنيا وشهواتِها الفانية عمَّا قليل، وكَرِهتم مشاقَّ الجهاد ومتاعبَه المستتبعةَ للراحة الخالدةِ والحياةِ الباقية، أو: إلى الإقامة بأرضكم ودياركم، والأوَّل أبلغُ في الإنكار والتوبيخ، ورُجّح الثاني بأنَّه أبعدُ عن توهُّم شائبة التَّكرار في الآية. وكان هذا التثاقلُ في غزوة تبوك، وكانت في رجب سنةَ تسع، فإنه وَّهِ بعد أنْ رجع من الطائف أقام بالمدينة قليلاً، ثمَّ استنفر الناسَ في وقتٍّ عسرةٍ وشدَّةٍ من الحرِّ، وجدبٍ من البلاد، وقد أدركت ثمارُ المدينة وطابت ظلالُها، مع بُعْدِ الشقّة وكثرةِ العدوِّ، فشقَّ عليهم (٢) الشخوصُ لذلك. وذكر ابنُ هشام أنَّ رسولَ الله وَّهِ كان قلَّما يخرج في غزوةٍ إلا كَنَى عنها وأخبرَ أنَّه يريد غيرَ الوجهِ الذي يصمِدُ له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنَّه عليه الصلاة والسلام بيَّنها للناس ليتأهَّبوا لذلك أُهْبتَه(٣). = والاستياف: الاشتمام. وماء خصر، أي: بارد. الصحاح (سوف) و(خصر). ووقع في الأصل و(م): تؤتي الضجيع إذ ما اشتاقها خفراً، والمثبت من المصادر. (١) الكشاف ١٨٩/٢، والبحر ٤١/٥. (٢) في (م): عليه. (٣) السيرة النبوية ٥١٦/٢. سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ ٣٢٤ الآية : ٣٩ ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورِها ﴿مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ أي: بدلَ الآخرة ونعيمها الدائم. ﴿فَمَا مَتَعُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ أي: فما فوائدُها ومقاصدُها، أو: فما التمتُّع بها وبلذائذها ﴿فِي الْأَخِرَةِ﴾ أي: في جنب الآخرة ﴿إِلَّا قَلِيلُ ﴾﴾ مستحقَرٌ لا يُعبأ به، والإظهارُ في مقام الإضمار لزيادة التقرير. و ((في)) هذه تسمَّى القياسيَّة؛ لأنَّ المقیس یوضعُ في جنب ما يُقاس به، وفي ترشيح الحياة الدنيا بما يُؤْذِنُ بنَفَاسَتِها ويستدعي الرغبةَ فيها، وتجريدِ الآخرة عن مثلِ ذلك، مبالغةٌ في بيان حقارةِ الدنيا ودناءتها، وعِظَم شأنِ الآخرة ورفعتِها . وقد أخرج أحمدُ ومسلم والترمذيُّ والنسائيُّ وغيرُهم عن المستورد(١) قال: قال رسولُ اللهِوَ﴾((واللهِ ما الدُّنيا في الآخِرَةِ إلَّا كما يَجْعَلُ أحدُكم أصبعَه في اليمِّ ثمَّ يَرْفِعُها فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ))(٢). وأخرج الحاكم وصحَّحه عن سهلٍ قال: مرَّ رسول الله وَّ هِ بذي الحليفة فرأى شاةً شائلةً برجلها فقال: ((أترون هذه الشاةَ هيِّنةً على صاحبها؟)) قالوا: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: ((والذي نَفْسي بِيَدِهِ لَلدُّنيا أَهْوَنُ على اللهِ تعالى مِنْ هذه على صاحِبها، ولو كانتْ تَعْدِلُ عندَ الله جَنَاحَ بعوضةٍ ما سَقَى كافراً منها شربةَ ماءٍ))(٣). ولا أرى الاستدلال على رداءة الدنيا إلَّا استدلالاً في مقام الضرورة، نعم هي نعمتِ الدَّارُ لمن تزوَّد منها لآخرته. ﴿إِلَّا نَفِرُواْ﴾ أي: إلَّا تخرجوا إلى ما دعاكم رسول الله محمّ للخروج له (١) في الأصل و(م): المسور، وهو تصحيف. والمستورد هو ابن شداد. (٢) مسند أحمد (١٨٠٠٨)، وصحيح مسلم (٢٨٥٨)، وسنن الترمذي (٢٣٢٣)، وسنن النسائي الكبرى كما في تحفة الأشراف ٣٧٦/٨. (٣) المستدرك ٣٠٦/٤ - ٣٠٧، وهو عند ابن ماجه (٤١١٠) وصححه الحاكم. وفي إسناده زكريا بن منظور وهو ضعيف، ولكن أصل المتن صحيح كما في شرح سنن ابن ماجه للسندي. وقوله شائلة برجلها، أي: رافعة رجلها من الانتفاخ. شرح سنن ابن ماجه ٥٢٦/٢. الآية : ٤٠ ٣٢٥ سُورَةُ التَّوَنَّةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ أي: الله عزَّ وجلَّ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بالإهلاك بسببٍ فظيع، كقحطٍ وظهورٍ عدوٌّ. وَخَصَّ بعضُهم التعذيبَ بالآخرة، وليس بشيء. وعمَّمه آخرون، واعتبروا فيه الإهلاكَ ليصحَّ عطفُ قوله سبحانه: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ عليه، أي: ويستبدل بكم بعد إهلاككم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ وصَفَهم بالمغايرة لهم لتأكيد الوعيد والتشديد في التهديد بالدلالة على المغايرة الوصفيَّة والذاتيّة المستلزمةِ للاستئصال، أي: قوماً مطيعين مُؤْثِرِين للآخرة على الدنيا، ليسوا من أولادِكم ولا أرحامِكم. وهم أبناءُ فارس كما قال سعيد بن جبير، أو أهلُ اليمن كما روي عن أبي رَوق، أو يعمُّ(١) الفريقين كما اختاره بعضُ المحقّقين. ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ من الأشياء، أو: شيئاً من الضَّرر، والضميرُ لله عزَّ وجلَّ، أي: لا يقدحُ تَثَاقُلُكم في نُصرة دينه أصلاً؛ فإنَّه سبحانه الغنيُّ عن كل شيءٍ وفي كلِّ أمرٍ. وقيل: الضميرُ للرسولِ وَّ؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ وعده العصمةَ والنصرَ، وكان وعدُه سبحانه مفعولاً لا محالة. والأوَّل هو المرويُّ عن الحسن، واختاره أبو علي الجبائيُّ وغيره، ويقرِّبُ الثاني رجوعُ الضمير الآتي إليه عليه الصلاة والسلام اتفاقاً. ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ فيقدِرُ على إهلاكهم والإتيانِ بقوم آخرين. وقيل: على التبديل وتغييرِ الأسباب والنُّصرة بلا مددٍ، فتكون الجملة تتميماً لِمَا قبلُ وتوطئةً لِمَا بعدُ. ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من مكة، وإسنادُ الإخراج إليهم إسنادٌ إلى السبب البعيد؛ فإنَّ الله تعالى أَذِنَ له عليه الصَّلاة والسَّلام بالخروج حين كان منهم ما كان، فخرج ◌َّ® بنفسه. ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ﴾ حالٌ من ضميره عليه الصلاة والسلام، أي: أحدَ اثنين، من (١) قبلها في (م): ما. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٣٢٦ الآية : ٤٠ غير اعتبارِ كونه وَ ل﴿ ثانياً، فإنَّ معنى قولهم: ثالثُ ثلاثة ورابعُ أربعة ونحو ذلك أحدُ هذه الأعداد مطلقاً، لا الثالثُ والرابعُ خاصَّة، ولذا منع أن يُنصبَ ما بعدُ بأن يقال: ثالثٌ ثلاثةً ورابعٌ أربعةً، فلا حاجةَ إلى تكلّف توجيه كونه عليه الصلاة والسلام ثانیهما، کما فعله بعضُهم. وقرئ: (ثانيْ)) بسكون الياء(١) على لغةٍ مَن يُجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب، وليس بضرورةٍ، خلافاً لمن زعمه وقال: إنه من أحسنِ الضرورة في الشعر. واستشكلت الشرطيةُ: بأنَّ الجواب فيها ماضٍ، ويشترط فيه أن يكون مستقبلاً، حتى إذا كان ماضياً قُلب مستقبلاً وهنا لم ينقلب. وأجيب: بأنَّ الجوابَ محذوفٌ أُقيم سببُه مُقامه، وهو مستقبل، أي: إنْ لم تنصروه فسينصرُه الله تعالى الذي قد نصره في وقتٍ ضرورةٍ أشدَّ من هذه المرَّة، وإلى هذا یشیر کلامُ مجاهد. وجوِّز أن يكون المرادُ: إنْ لم تَنْصُروه فقد أَوْجَبَ له النُّصرةَ حين نَصَره في مثل ذلك الوقت فلن يخذلَه في غيره. وفُرِّق بين الوجهين بعد اشتراكهما في أنَّ جوابَ الشرط محذوفٌ، بأنَّ الدَّالَّ (٢) عليه على الوجه الأول: النصرةُ المقيَّدةُ بزمان الضعف والقلَّةِ في السالف، وعلى الوجه الثاني: معرفتُهم بأنه وَّ من المنصورين. وقال القطب: الوجهان متقاربان، إلا أنَّ الأوَّل مبنيٌّ على القياس والثاني على الاستصحاب، فإنَّ النصرةَ ثابتةٌ في تلك الحالة فتكون ثابتةً في الاستقبال؛ إذ الأصلُ بقاءُ ما كان على ما كان. وقيل: إنَّه على الوجه الأول يقدَّر الجواب، وعلى الثاني هو نصرٌ مستمرٌّ، فيصحُّ ترتيبُهُ على المستقبل لشموله له. (١) المحتسب ٢٨٩/١. (٢) في الأصل: الدالة. الآية : ٤٠ ٣٢٧ سُورَةُ التَّوَنِّيِ ﴿إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ بدلٌ من ((إذ أخرجه)) بدل البعض، إذ المراد به زمانٌ متَّسع، فلا يُتُوهَّم التغايرُ المانعُ من البدليَّة، وقيل: إنه ظرفٌ ((لثاني اثنين)). والمراد بالغار ثقبٌ في أعلى ثور، وهو جبلٌ في الجهة اليمنى لمكة على مسيرٍ ساعة، مَكَثًا فيه - كما روي عن ابن عباس ﴿يا - ثلاثةَ أيام يختلف إليهما بالطعام عامرُ بن فَهيرة؛ وعليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه يجهِّزهما. فاشترى ثلاثةَ أباعر من إبل البحرين واستأجر لهما دليلاً، فلما كانا في بعض الليل من الليلة الثالثةِ، أتاهم عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه بالإبل والدليلِ، فركبوا وتوجّهوا نحوَ المدينة(١). ولاختفائه عليه الصلاة والسلام في الغار ثلاثةً اختفى الإمام أحمدُ فيما يُروى زمنَ فتنة القرآن كذلك لكنْ لا في الغار، واختفى هذا العبدُ الحقيرُ زمن فتح بغدادَ بعد المحاصرة سنةً سبع وأربعين بعد الألف والمئتين خوفاً من العامَّة وبعضٍ الخاصَّة لأمورٍ نُسبت إليَّ وافتراها بعضُ المنافقين عليَّ في سردابٍ عند بعض الأحبّة ثلاثةَ أيام أيضاً لذلك، ثمَّ أخرجني منه بالعزِّ أمينٌ، وأيَّدني الله تعالى بعد ذلك بالغرِّ المیامن. ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدلٌ ثانٍ، وقيل: أوَّل ﴿لِصَحِهِ﴾ وهو أبو بكر الصديق . وقد أخرج الدار قطنيُّ وابنُ شاهين وابن مردويه وغيرُهم عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله لأبي بكر ظه: ((أنت صاحبي في الغار، وأنت معي على الحوض))(٢). وأخرج ابنُ عساكر من حديث ابن عبّاس ◌ِظًَّا وأبي هريرة مثله(٣). وأخرج هو وابنُ عديٍّ من طريق الزهريِّ عن أنس، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال لحسَّان: ((هل قلتَ في أبي بكر رَّه شيئاً؟)) قال: نعم. قال: ((قل وأنا أسمع)) فقال حسّان ◌ُله : (١) أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل كما في الدر المنثور ٢٤٠/٣. (٢) الدر المنثور ٢٤١/٣، وأخرجه أيضاً الترمذي (٣٦٧٠) وقال: حسن صحيح غريب. (٣) تاريخ ابن عساكر ٨٩/٣٠ - ٩٠ عن ابن عباس وحده، والكلام من الدر المنثور ٢٤١/٣ وفيه: عن أبي هريرة، بدل: وأبي هريرة. سُورَة التَّوَتِيةِ ٣٢٨ الآية : ٤٠ طافَ العدوُّ به إذ صاعَدَ الجبلا وثاني اثنين في الغار المُنیف وقدْ من البريَّة لم يَعْدِلْ به رجُلا وكان حِبَّ رسولِ الله قد عَلموا فضحك رسولُ اللهِ وَلَ﴿ه حتَّى بدت نواجذُه، ثمَّ قال: ((صَدَقْتَ يا حسَّان، هو كما قُلْتَ))(١). ولم يخالف في ذلك أحدٌ حتى الشيعةُ فيما أعلم، لكنَّهم يقولون ما ستعلمُه وردّه إنْ شاء الله تعالى. ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بالعِصمة والمعونةِ، فهي معيَّةٌ مخصوصةٌ، وإلَّا فهو تعالى مع كلِّ واحدٍ مِن خَلْقِه؛ روى الشيخان وغيرهما عن أنس قال: حدَّثني أبو بكر قال: كنتُ مع النبيِّ وَِّ في الغار، فرأيتُ آثارَ المشركين، فقلتُ: يا رسولَ الله، لو أنَّ أحدَهم رفع قدمه، لأبصرنا تحتَ قدمه فقال عليه الصلاة والسلام: ((يا أبا بكر، ما ظَنُّك باثنين الله تعالى ثالثُهما)»(٢). وروى البيهقيُّ وغيرُه: أنَّه لما دخلا الغارَ، أمر الله تعالى العنكبوتَ فنسجتْ على فم الغار، وبعثَ حمامتين وحشيَّتين فباضتا فيه، وأقبل فتيانُ قريش من كلِّ بطنٍ رجلاً بعصيِّهم وسيوفِهم، حتى إذا كانوا قدرَ أربعين ذراعاً تعجّل بعضُهم فنظر في الغار ليرى أحداً، فرأى حمامتين، فرجع إلى أصحابه فقال: ليس في الغار أحدٌ ولو كان قد دخلَه أحدٌ ما بقيت هاتان الحمامتان(٣). (١) تاريخ ابن عساكر ٩١/٣٠، والكامل ٥٨٢/٢. وهو من رواية أبي العطوف الجزري (وهو الجراح بن المنهال) عن الزهري عن أنس، ورواه أبو العطوف أيضاً عن الزهري مرسلاً . قال ابن عدي: هذا الحديث موصوله ومرسله منكر، والبلاء فيه من أبي العطوف. والبيتان في ديوان حسان ص٣٥٦ برواية :... إذ صعَّد الجبلا. (٢) صحيح البخاري (٤٦٦٣)، وصحيح مسلم (٢٣٨١)، وهو عند أحمد (١١). (٣) دلائل النبوة للبيهقي ٤٨٢/٢، وأخرجه أيضاً ابن سعد ٢٢٩/١، والبزار (١٧٤١ - كشف)، والعقيلي في الضعفاء ٤٢٢/٢ - ٤٢٣، وهو من طريق عوين بن عمرو القيسي عن أبي مصعب المكي، عن أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة. وقد أعله العقيلي بعوين، قال: ولا يتابع عليه، وأبو مصعب مجهول. اهـ. ورويت قصة نسج العنكبوت عن ابن عباس كما في مسند أحمد (٣٢٥١)، وفي إسناده عثمان الجزري، قال عنه أحمد كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١٧٤/٦: روى أحاديث مناكير، زعموا أنه ذهب كتابه. اهـ. لكن = الآية : ٤٠ ٣٢٩ سُورَةُ التَّوَنَّةِ وجاء في روايةٍ: قال بعضُهم (١): إنَّ عليه لعتكبوتاً قبل ميلاد محمدٍ، فانْصَرَفوا. وأوَّلُ مَن دخلَ الغارَ أبو بكر ◌َُّه، فقد أخرج ابنُ مردويه عن جندب بن سفيان قال: لما انطلق أبو بكر ◌َُّه مع رسول الله وَّه إلى الغار قال أبو بكر: لا تَدْخُلْ يا رسول الله حتَّى أسْتَبْرِئَه. فدخل الغار فأصاب يدَه شيءٌ، فجعل يمسح الدَّم عن إصبعه وهو يقول: ما أنت إلَّا إصبعٌ دَمِيْتِ وفي سبيل الله ما لَقِيْتِ(٢) وروى البيهقيُّ في ((الدلائل)) وابنُ عساكر: أنَّه لما خرج رسولُ الله ◌َّيِ مها جراً تبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرَّةً أمامَه، ومرَّة خلفَه، ومرَّةً عن يمينه، ومرَّةً عن يساره، فقال له رسولُ اللهِ وَلّ: ((ما هذا يا أبا بكر؟)) فقال: يا رسول الله، أذكرُ الرَّصدَ فأكون أمامَك، وأذكر الطلبَ فأكون خلفَك، ومرَّةً عن يمينك ومرَّةً عن يسارِك لا آمَنُ علیك. فمشی رسولُ الله ټ ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رأی ذلك أبو بكر حمله على كاهله، وجعل يشتدُ به حتى أتى فمَ الغار فأنزله، ثم قال: والذي بعثك بالحقِّ لا تدخله(٣) حتى أدخله، فإنْ كان فيه شيءٌ نزل بي قبلَك. فدخل فلم يَرَ شيئاً، فحمله فأدخله، وكان في الغار خَرْقٌ فيه حيَّاتٌ وأفاعي، فخشي أبو بكر أن يخرج منهنَّ شيءٌ يؤذي رسولَ الله ◌َِّ، فألقمَه قدمَه فجعلنَ يضْرِبْنَه ویلْسعنَه، وجعلت دموعُه تنحدر وهو لا يرفع قدمَه؛ حبًّا لرسول الله وَلايَ(٤). وفي روايةٍ: أنه سدَّ كلَّ خرقٍ في الغار بثوبه؛ قطعَه لذلك قِطعاً، وبقي خرقٌ سدَّه بعَقِه ◌َُهُ(٥) . الطب، (٥) = ابن كثير في البداية والنهاية ٤٥١/٤ حسّن إسناده، ثم قال: وهو من أجود ما روي في قصة نسج العنكبوت على فم الغار. (١) جاء في هامش الأصل و(م): هو كما في بعض الروايات أمية بن خلف. اهـ منه. وينظر طبقات ابن سعد ٢٢٨/١، والدر المنثور ٣٤٠/٣. (٢) الدر المنثور ٢٤٢/٣، وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل ٢/ ٤٨٠. وقد أخرج أحمد (١٨٧٩٧)، والبخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦) من حديث جندب بن سفيان البجلي: أن رسول الله ◌َّ كان في بعض المشاهد وقد دميت أصبعه فقال: ((هل أنت إلا إصبع ... )). (٣) في (م): تدخل. (٤) دلائل النبوة ٤٧٦/٢ - ٤٧٧، وتاريخ ابن عساكر ٨٠/٣٠ من حديث عمر ظـ (٥) أخرجه ابن مردويه من حديث أنس يضـ به كما في الدر المنثور ٢٤٢/٣. سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٣٣٠ الآية : ٤٠ ﴿فَأَنْزَّلَ اَللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ وهي الظُمأنينة التي تسكنُ عندها القلوبُ ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على النبيِّ ◌َّ. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقيُّ في ((الدلائل))، وابن عساكر في ((تاريخه)) عن ابن عباس ﴿ه: أنَّ الضميرَ للصاحب(١). وأخرج الخطيب في ((تاريخه)) عن حبيب بن أبي ثابت نحوه(٢)، قيل(٣): وهو الأظهر؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لم ينزعج حتى يسكنَ، ولا ينافيه تعيُّن ضمير ﴿ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ له عليه الصلاة والسَّلام؛ لعَظْفِه على ((نصره الله)) لا على ((أنزل)) حتى تتفكّك الضمائر، على أنَّه إذا كان العطفُ عليه - كما قيل به - يجوز أن يكونَ الضمير للصاحب أيضاً، كما يدلُّ عليه ما أخرجه ابنُ مردويه من حديث أنس أنَّ النبيَّ وَّه قال لأبي بكر ◌َظُه: ((يا أبا بكر إنَّ الله تعالى أنزل سكينتَه عليك وأيَّدك)) إلخ(٤)، وأنْ أَبَيْتَ فأيُّ ضرر في التفكيك إذا كان الأمرُ ظاهراً؟ واستَظْهَرَ بعضُهم الأوَّلَ، وادَّعى أنه المناسبُ للمقام، وإنزالُ السَّكينة لا يلزم لدفع الانزعاج، بل قد يكون لرِفْعتِه ونصره وَّه، والفاءُ للتعقيب الذِّكريِّ. وفيه بُعْدٌ، وفسَّرها بعضُهم على ذلك الاحتمال بما لا يحومُ حولَه شائبةُ خوفٍ أصلاً. والمرادُ بالجنود: الملائكةُ النازلون يوم بدر والأحزاب وحنين. وقيل: هم ملائكةٌ أنزلهم الله تبارك وتعالى ليحرسوه في الغار، ويؤيِّده ما أخرجه أبو نُعيم(٥) عن أسماء بنت أبي بكر ◌َله: أنَّ أبا بكر رأى رجلاً يواجه الغار، (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠١، ودلائل النبوة للبيهقي ٤٨٢/٢، وتاريخ ابن عساكر ٨٨/٣٠، وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه السيوطي في الدر المنثور ٢٤٥/٣. (٢) تاریخ بغداد ٣٤٥/٤. (٣) في (م): وقيل. (٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٤٥/٣، والشوكاني في فتح القدير عند تفسير هذه الآية، وفيهما : وأيَّدني. (٥) كما في الدر المنثور ٣/ ٢٤٠، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ٢٨٤/٢٤ مطولاً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٤/٦: فيه يعقوب بن حميد بن كاسب، وثَّقه ابن حبان وغيره، وضعفه أبو حاتم وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. الآية : ٤٠ ٣٣١ سُورَّةُ التَّوَنَّة فقال: يا رسول الله إنَّه لرائينا (١). قال: ((كلَّا إنَّ الملائكةَ تستُره الآن بأجنحتها)) فلم ينشبِ الرجل أن قعدَ يبولُ مُسْتَقْبِلَهمَا، فقال رسول الله وَلخير: ((يا أبا بكر، لو كان يرانا ما فَعَلَ هذا)). والظاهر أنَّهما على هذا كانا في الغار بحيث يمكن رؤيتُهما عادةً ممَّن هو خارج الغار. واعتُرض هذا القولُ بأنه يأباه وصفُ الجنود بعدم رؤيةِ المخاطَبين لهم، إلَّا أن يقال: المرادُ من هذا الوصفِ مجرَّدُ تعظيم أمرِ الجنود. ومَن جَعَلَ العطفَ على ((أنزل)) التزم القولَ المذكور؛ لاقتضائه - لظاهرٍ حال الفاءِ - أن يكونَ ذلك الإنزال متعقّباً على ما قبله، وذلك مما لا يتأتَّى على القول الأوَّل في الجنود؟ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى﴾ أي: كلمتَهم التي اجتمعوا عليها في أمرِ رسول الله وََّ في دار الندوة، حيثُ نجَّاه ربُّه سبحانه على رغم أنوفهم، وحَفِظَه من كيدِهم مع أنَّهم لم يَدَعوا في القوس منزعاً في إيصال الشرِّ إليه، وجعلوا الدِّيةَ لمن يقتله أو يأسِرُه عليه الصلاة والسلام، وخرجوا في طلبه عليه الصلاة والسلام رجالاً وركباناً، فرجعوا صُفْرَ الأكُفِّ سودَ الوجوه. وصار له بعضُ من كان عليه عليه الصلاة والسَّلام؛ فقد أخرج ابنُ سعد، وأبو نُعيم والبيهقيُّ كلاهما في ((الدلائل))، عن أنس ظُه قال: لمَّا خرج النبيُّ وَّل وأبو بكر، التفت أبو بكر فإذا هو بفارسٍ قد لحقهم، فقال: يا نبيَّ الله، هذا فارسٌ قد لحق بنا. فقال وَّر: ((اللهمَّ اصرعْه)) فصُرع عن فرسه، فقال: يا نبيَّ الله مُرْني بما شئتَ، قال: ((فقف مكانك لا تتركنَّ أحداً يلحق بنا)) فكان أوَّلَ النهار جاهداً على رسول الله وَّه وآخرَ النهار مَسْلحةٌ(٢). وكان هذا الفارسُ سراقةً، وفي ذلك يقول لأبي جهل : أبا حَكَمٍ والله لو كنت شاهداً لأمرٍ جوادي إذ تسيخُ قوائمُه (١) في الأصل و(م): لرآنا، والمثبت من الدر المنثور، وجاء في المعجم الكبير ومجمع الزوائد: ليرانا . (٢) طبقات ابن سعد ٢٣٥/١ - ٢٣٦، ودلائل النبوة للبيهقي ٥٢٦/٢، وعزاه لأبي نعيم السيوطي في الدر ٢٤٠/٣. سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٣٣٢ الآية : ٤٠ علمتَ ولم تَشْكُك بأنَّ محمداً رسولٌ ببرهانٍ فَمَنْ ذا يُقاوِمُه(١) وصحَّ من حديث الشيخين وغيرِهما: أنَّ القومَ طلبوا رسولَ اللهِ وَّه وأبا بكر، قال أبو بكر: ولم يُدْركْنا منهم إلَّ سراقةُ على فرسٍ له، فقلتُ: يا رسول الله، هذا الطلبُ قد لَحِقَنا، فقال: ((لا تحزنْ إنَّ الله معنا)) حتَّى إذا دنا فكان بيننا وبينهُ قَدْرُ رمحٍ أو رمحين أو ثلاثةٍ، قلت: يا رسول الله، هذا الطلبُ قد لحقنا، وبكيت. قالَ: ((لمَ تبكي؟)) قلتُ: أَمَا والله ما أبكي على نفسي ولكنْ أبكي عليك فدعا عليه - عليه الصلاة والسلام - وقال: ((اللهم اكْفناه بما شئتَ)) فساختْ فرسُه إلى بطنها في أرض صَلْدةٍ، ووثب عنها وقال: يا محمد، إنَّ هذا عملُك، فادعُ الله أن ينجِّني ممَّا أنا فيه، فواللهِ لأُعمِّينَّ على مَن ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخُذْ منها سهماً؛ فإنك ستمرُّ بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا، فخُذْ منها حاجتَك. فقال رسولُ الله ◌َّ: ((لا حاجةَ لي فيها)) ودعا له، فانطلق ورجع إلى أصحابه. ومضى رسولُ اللهِ وَّه وأنا مَعه حتَّى قَدِمْنا المدينةَ. الحديث(٢). ويجوز تفسيرُ الكلمة بالشِّرك، وهو الذي أخرجه ابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتم، والبيهقيُّ في ((الأسماء والصفات))، عن ابن عباس ﴾(٣). فهي مجازٌ عن معتَقدِهم الذي من شأنهم التكلُّمُ به. وفسَّرها بعضُهم بدعوة الكفرِ فهي بمعنى الكلام مطلقاً . وزعم شيخُ الإسلام بأنَّ الجعلَ المذكورَ على التفسيرين آبٍ عن حملِ الجنود على الملائكة الحارِسينَ؛ لأنَّه لا يتحقَّق بمجرَّد الإنجاء، بل بالقتل والأسرِ ونحو ذلك(٤) (١) البيتان في أخبار مكة للفاكهي ٤/ ٨٥، ودلائل النبوة لأبي نعيم ٤٣٥/٢، وللبيهقي ٤٨٩/٢، والدر المنثور ٣٤٠/٣ -٣٤١. (٢) بنحوه في صحيح البخاري (٣٦١٥)، وصحيح مسلم (٢٠٠٩): (٧٥) ص٢٣٠٩، ولفظه عند أحمد (٣). (٣) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٨٠١، والأسماء والصفات ٢٧٢/١، وعزاه إلى ابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٤٥/٣. (٤) تفسير أبي السعود ٦٦/٤ - ٦٧. الآية : ٤٠ ٣٣٣ سُوَّةُ التَّوَنَّةِ وأنتَ تعلم أنَّه لا إباءَ على التفسير الذي ذكرناه نحن، على أنَّ كونَ الإنجاء مبدأ للجَعْلِ بتفسيرَيْه كافٍ في دفع الإباء بلا امتراء. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِ الْعُلْيَأْ﴾ يحتمل أن يرادَ بها وعدُه سبحانه لنبيِّهِ وَّرِ المشارُ إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَفْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وإمَّا كلمةُ التوحيد كما قال ابنُ عبَّاس ﴿هَا. وإمَّا دعوةُ الإسلام كما قيل. ولا يخفى ما في تغيير الأسلوب من المبالغة؛ لأنَّ الجملة الاسمية تدلُّ على الدوام والثبوتِ، مع الإيذان بأنَّ الجعلَ لم يتطرَّق لتلكَ الكلمة، وأنَّها في نفسها عاليةٌ بخلافِ علوٍّ غيرها، فإنه غيرُ ذاتيٌّ بل بجَعْلٍ وتكلَّفٍ، فهو عَرَضٌ زائلٌ وأمرٌ غيرُ قارِّ، ولذلك وُسِّط ضميرُ الفصل. وقرأ يعقوب: ((كلمةَ الله)) بالنصب(١) عطفاً على ((كلمةَ الذين))، وهو دون الرفع في البلاغة، وليس الكلامُ عليه، كـ : أعتقَ زيدٌ غلامَ زيدٍ، كما لا يخفى. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُغْالَبُ في أمره ﴿حَكِيئُ ®﴾ لا قصورَ في تدبيره هذا . واستُدلَّ بالآية على فضل أبي بكر الصِّديق ◌َُه، وهو (٢) لعمري ممَّا يَدَعُ الرافضيَّ في حُجرِ ضبٍّ أو مَهامِهِ قَقْرٍ، فإنها خرجتْ مخرجَ العتاب للمؤمنين ما عدا أبا بكر به، فقد أخرج ابن عساكر عن سفيانَ بن عينيةَ قال: عاتب الله سبحانه المسلمين جميعاً في نبيِّه وَّمِ غير أبي بكرٍ وحدَه فإنه خرج من المعاتبة، ثمَّ قرأ: (إِلَّا نَصُرُوهُ) الآية(٣). بل أخرج الحكيمُ الترمذيُّ عن الحسن قال: عاتب الله تعالى جميعَ أهل الأرض غيرَ أبي بكر ◌َبه، فقال: (إِلَّا تَنصُرُوهُ) إلخ (٤). وأخرج ابنُ عساكر عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه بلفظ: إنَّ الله تعالى ذمَّ الناس (١) النشر ٢٧٩/٢. (٢) في الأصل: وهي. (٣) تاريخ ابن عساكر ٩٣/٣٠. (٤) نوادر الأصول، ص٢٤٤، وليس فيه ذکر الإسناد. سُورَةُ التَّوَنَّة ٣٣٤ الآية : ٤٠ كلَّهم، ومدح أبا بكر رَظه فقال: (إِلَّا نَصُرُوهُ) إلخ (١). وفيها النصُّ على صحبتِهِ رَّهِ لرسول الله وَّهِ، ولم يثبتْ ذلك لأحدٍ من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سواه. وكونُه المرادَ من الصاحب مما وقع عليه الإجماع، ککون المرادِ من العبد في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] رسولَ الله وَّل، ومن هنا قالوا : إنَّ إنكارَ صحبته كفرٌ. مع ما تضمَّنته من تسليةٍ النبيِّ عليه الصلاة والسلام له بقوله: ((لاتحزن))، وتعليلِ ذلك بمعيَّة الله سبحانه الخاصَّة المُفادة بقوله: ((إنَّ الله معنا))، ولم يثبتْ مثلُ ذلك في غيره، بل لم يُثبتْ نبيٌّ معيَّةَ الله سبحانه له ولآخر من أصحابه، وكأنَّ في ذلك إشارةً إلى أنَّه ليس فيهم كأبي بكر الصديق رقپئه. وفي إنزال السكينة عليه - بناءً على عود الضمير إليه - ما يفيد السكينةَ في أنه هو هو رضي الله عنه ولَعَن باغِضِيهِ، وكذا في إنزالها على الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنَّ المنزعجَ صاحبُهُ ما يُرشد المنصفَ إلى أنَّهما كالشخص الواحد. وأظهرُ من ذلك إشارةُ ما ذكر إلى أنَّ الحزنَ كان لرسول اللهِ وَِّ، ويشهدُ لذلك ما مرَّ في حديث الشيخين(٢). وأنكر الرافضةُ دلالةَ الآية على شيءٍ من الفضل في حقِّ الصدِّيق ضِلُبه، قالوا : إنَّ الدَّال على الفضل إن كان ((ثاني اثنين)) فليس فيه أكثرُ من كون أبي بكر متمِّماً (٣) للعدد . وإن كان ((إذ هما في الغار)) فلا يدلُّ على أكثر من اجتماع شخصين في مكانٍ، وكثيراً ما يجتمع فيه الصالح والطالحُ. وإن كان ((لصاحبه)) فالصحبةُ تكون بين المؤمن والكافرِ كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ، صَاحِبُهُ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ﴾ [الكهف: ٣٧] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا (١) تاريخ ابن عساكر ٢٩١/٣٠. (٢) سلف ص٣٢٨ من هذا الجزء. (٣) في (م): متمًّا. الآية : ٤٠ ٣٣٥ سُوَّةُ التَّوَّةِ صَاحِبُّكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] و﴿يَصَحِتَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] بل قد تكونُ بين مَن يعقلُ وغيره کقوله: إنَّ الحمارَ مع الحميرِ مطيَّةٌ وإذا خلوتَ به فبئسَ الصاحبُ(١) وإن كان ((لا تحزن)) فيقال: لا يخلو: إمَّا أن يكون الحزنُ طاعةً أو معصيةً، لا جائزَ أن يكون طاعةً وإلا لَمَا نَهَى عنه وَّةِ، فتعيَّن أن يكون معصيةً لمكان النهي، وذلك مُثْبِتٌ خلافَ مقصودِكم، على أنَّ فيه من الدلالةِ على الجُبن ما فيه. وإن كان ((إنَّ الله معنا)) فيحتمل أن يكونَ المراد إثباتَ معيَّة الله تعالى الخاصَّة له وَ* وحدَه، لكن أتى بـ ((نا)) سدًّا لباب الإيحاش، ونظيرُ ذلك الإتيانُ بـ ((أو)) في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدَى أَوْ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]. وإن كان ((فأنزل الله سكينته عليه)) فالضميرُ فيه النبيِّ وَّ؛ لئلا يلزمَ تفكيكُ الضمائر، وحينئذٍ يكون في تخصيصه عليه الصلاة والسَّلام بالسكينة هنا مع عدمِ التخصيص في قوله سبحانه: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَهُ، عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إشارةٌ إلى ضدِّ ما ادَّعيتُموه. وإن كان ما دلَّت عليه الآيةُ من خروجه مع رسول الله وَّر في ذلك الوقت، فهو عليه الصلاة والسلام لم يُخْرِجْه معه إلَّا حذراً من كيدِه لو بقي مع المشركين بمگّة، وفي كون المجهِّز لهم بشراءِ الإبل عليًّا كرَّم الله تعالى وجهه إشارةٌ لذلك، وإن كان شيئاً وراء ذلك فبيِّنوه لنتكلَّمَ عليه. انتهى كلامهم. ولعمري إنه أشبهُ شيءٍ بهذيان المحمومِ أو عربدةِ السَّكران، ولولا أنَّ الله سبحانه حكى في كتابه الجليل عن إخوانهم اليهودِ والنَّصارى ما هو مثلُ ذلك، وردّه رحمةً بضعفاء المؤمنين، ما كنّا نفتح في ردِّه فماً، أو نُجري في ميدان تزييفه قَلَماً، لكنِّي لذلك أقول: لا يَخْفَى أنَّ ((ثاني اثنين)) وكذا ((إذ هما في الغار)) إنَّما يدلَّان بمعونة المقام على فضلِ الصدِّيق ◌َه، ولا ندَّعي دلالتَهما مطلقاً، ومعونةُ المقام أظهرُ من نارٍ على عَلَم، ولا يكاد يَنْتَطِحُ كبشان في أنَّ الرجل لا يكون ثانياً باختياره لآخَرَ ولا معه في مكان إذا فرَّ من عدوّ ما لم يكن معوِّلاً عليه، متحقِّقاً صِدْقُه لديه، (١) البيت في التمثيل والمحاضرة للثعالبي ص ٣٤٥ برواية: إن الحمار مع الحمار. ٠٠ سُورَةُ التَّوَقِّة ٣٣٦ الآية : ٤٠ لاسيما وقد ترك الآخرُ لأَجْلِه أرضاً حَلَتْ فيها قوابلُه، وحُلَّتْ عنه بها تمائمُه، وفارَقَ أحبابَه، وجَفَا أَتْرابَه، وامتطى غارِبَ سَبْسَبٍ(١) يَضِلُّ به القطا وتَقْصُرُ فيه الخطا. وممَّا يدلُّ على فضل تلكِ الاثنينِيَّة قولُهُ وَلِّ مُسكِّناً جأشَ أبي بكر: ((ما ظنُّك باثنين اللهُ تعالى ثالثُهما))(٢). والصُّحبة اللغوية وإنْ لم تدلّ بنفسها على المدَّعى لكنَّها تدلُّ عليه بمعونةِ المقام أيضاً؛ فإضافةُ صاحب إلى الضمير للعهدِ، أي: صاحبِه الذي كان معه في وقتٍ يجفو فيه الخليل خليلَه، ورفيقِه الذي فارَقَ لمرافقته أهلَه وقبيلَه. وأنَّ ((لا تحزن)) ليس المقصودُ منه حقيقةَ النهي عن الحزن؛ فإنَّه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف، بل المقصود منه التسلية للصدِّيق ربه أو نحوها. وما ذكروه من الترديد يجري مثلُه في قوله تعالى خطاباً لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿لَا تَخَافَا إِنَِّى مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] وكذا في قوله سبحانه للنبيٍّ ◌َّ: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً﴾ [يونس: ٦٥] إلى غير ذلك، أَفَترى أنَّ الله سبحانه نهى عن طاعته، أو أنَّ أحداً من أولئك المعصومين عليهم الصلاة والسلام ارتكب معصيةً، سبحانك هذا بهتانٌ عظيم !. ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنَّظر إلى نفسه أنه قد يكون مَوْرِداً للمدح أو الذمِّ(٣)، كالحزن على فوات طاعةٍ فإنَّه ممدوحٌ، والحزنِ على فوات معصيةٍ فإنه مذمومٌ؛ لأنَّ ذلك باعتبارٍ آخر كما لا يخفى. وما ذُكر في حيِّز العلاوة من أنَّ فيه من الدلالةِ على الجُبن ما فيه؛ فيه من ارتكاب الباطل ما فيه، فإنَّا لا نسلِّم أنَّ الخوفَ يدلُّ على الجُبن، وإلّا لزم جبنُ موسى وأخيه عليهما السلام، فما ظنُّك بالحزن؟ وليس حزنُ الصدِّيق ◌َُّه بأعظمَ من الاختفاء بالغار، ولا يظنّ مسلم أنه كان عن جبنٍ، أَوَ يتَّصفُ بالجبن أشجعُ الخلق على الإطلاق بَارِ؟ . (١) السبسب: القفر والمفازة. اللسان (سبسب). (٢) أخرجه البخاري (٤٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨١) من حديث أنس الجزء. (٣) في (م): والذم. عنه، وسلف ص٣٢٨ من هذا الآية : ٤٠ ٣٣٧ سُؤَدَّةُ التَّوَّةِ ومَن أنصف رأى أنَّ تسليته عليه الصلاة والسلام لأبي بكر بقوله: ((لا تحزن)) كما سَلَاهُ ربُّه سبحانه بقوله: (وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ) مشيرةً إلى أنَّ الصدِّيق ◌َه عنده عليه الصلاة والسلام بمنزلته عند ربِّه جلَّ شأنُه، فهو حبيبُ حبيبِ الله تعالى، بل لو قُطِعَ النظرُ عن وقوعِ مثلِ هذه التَّسلية من الله تعالى لنبيِّه النَّبِيهِ مَس®، كان نفس الخطاب بـ ((لا تحزنَ)) كافياً في الدلالة على أنَّه رَله حبيبُ رسول الله وَّهِ، وإلَّ فكيف تكونُ محاورةُ الأحبَّاء؟ وهذا ظاهرٌ إلا عند الأعداء. وما ذُكر من أنَّ المعيّة الخاصةَ كانت لرسول الله عليه الصلاة والسلام وحدَه، والإتيانَ بـ (نا)) لسدٍّ باب الإيحاش، من باب المكابرة الصِّرفة، كما يدلُّ عليه الخبر المارُّ آنفاً، على أنَّه إذا كان ذلك الحزنُ إشفاقاً على رسول الله عليه الصلاة والسلام لا غير، فأيُّ إيحاشٍ في قوله: لا تحزن عليَّ: إنَّ الله معي؟ وإن كان إشفاقاً على الرسول وَّه وعلى نفسِه رَؤُه، لمْ يقع التعليلُ موقعَه والجملةُ مسوقةٌ له، ولو سلَّمنا الإيحاش على الأوَّل ووقوعَ التعليل موقعَه على الثاني، يكون ذلك الحزنُ دليلاً واضحاً على مدح الصدِّيق. وإن كان على نفسهِ فقط - كما يزعمُه ذو النفس الخبيئة - لم يكنْ للتعليل معنىً أصلاً، وأيُّ معنىّ في: لا تحزن على نفسك إنَّ الله معي لا معك؟ !. على أنه يقال للرافضيِّ: هل فَهِمَ الصدِّيق ◌َبه من الآية ما فهمتَ من التخصيص، وأنَّ التعبيرَ بـ (نا)) كان سدًّا لباب الإيحاش، أم لا؟ فإن كان الأوَّل؛ يحصل الإيحاش ولا بدَّ، فنكون قد وقعنا فيما فَرَرْنا عنه، وإن كان الثاني؛ فقد زعمتَ لنفسك رتبةً لم تكن بالِغَها ولو زهقتْ روحك. ولو زعمتَ المساواةَ في فهم عباراتِ القرآن الجليل وإشاراته لمصاقِع(١) أولئك العرب المشاهِدين للوحي، ما سلِّم لك أو تموتَ، فكيف يسلَّمُ لك الامتيازُ على الصدِّيق وهو هو، وقد فَهم من إشارته و 9 في حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتَّى عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه، فاستغربوا بكاءَه رَُّه يومئذٍ(٢). (١) جمع مِصْقَع: وهو البليغ. القاموس (صقع). (٢) أخرجه البخاري (٣٦٥٤)، ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضيُه قال: خطب رسول الله * الناس وقال: ((إن الله خيَّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك = سُورَةُ التّوَنَّةِ ٣٣٨ الآية : ٤٠ وما ذُكر من التنظير في الآية مشيرٌ إلى التقيَّة التي اتَّخذها الرافضةُ ديناً، وحرَّفوا لها الكَلِمَ عن مواضعها، وقد أسلفنا لك الكلامَ في ذلك على أتمٍّ وجهٍ فتذَّرْه(١)، وما ذكر في أمر السَّكينةِ فجوابه يُعلم مما ذكرناه. عن زمرة المؤمنين كما رمز وكونُ التخصيص مشيراً إلى إخراج الصِّدِّيق . إليه الكلبُ عدوُّ الله ورسوله بَّر، لو كان، ما خفي على أولئك المشاهِدين للوحي الذين من جملتهم الأميرُ كرَّم الله تعالى وجهَه، فكيف مكَّنوه من الخلافة - التي هي أختُ النبوَّة عند الشّيعة - وهم الذين لا تأخذُهم في الله تعالى لومةُ لائم؟ وكونُ الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على ضلالة، والأميرُ كان مستضعَفاً فيما بينهم، أو مأموراً بالسكوتِ وغمْدِ السَّيف إذ ذاك ـ كما يزعمه المخالف - قد طُوي بساطُ ردِّه وعاد شَذَرَ مَذَرَ(٢)، فلا حاجةً إلى إتعابِ القلم في تسويد وجهِ زاعِمِه. وما ذكر من أنَّ رسولَ الله وَّهِ لم يُخْرِجْه إلَّ حَذَراً من كيدِه؛ فيه أنَّ الآيةَ ليس فيها شائبةُ دلالةٍ على إخراجه له أصلاً، فضلاً عن كون ذلك حَذَراً من الكيد، على أنَّ الحذَر - لو كان - في معيَّتِه له عليه الصلاة والسَّلام، وأيُّ فرصةٍ تكونُ مثلَ الفرصةِ التي حصلت حين جاءَ الطلبُ لبابِ الغار؟ فلو كان عند أبي بكرٍ ◌َُ - وحاشاه - أدنى ما يقال، لقال: هلمُّوا فها هنا الغرضُ. ولا يقال: إنَّه خاف على نفسِه أيضاً؛ لأنه يُمْكِنُ(٣) أن يخلِّصها منهم بأمور، ولا أقلَّ مِن أنْ يقول لهم: خرجتُ لهذه المكيدة. وأيضاً لو كان الصدِّيق كما يزعم الزنديق، فأيُّ شيءٍ مَنَعه من أن يقول لابنِه عبدِ الرحمن، أو ابنتِه أسماءً، أو مولاه عامر بن فهيرة - فقد كانوا يتردّدون إليه في الغار كما أخرج ابنُ مردويه (٤) عن عائشةَ - فيخبرَ أحدُهم الكفار بمكان = العبد ما عند الله)). قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أنْ يُخْبِرَ النبيِوَ لّ عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله ◌َ﴿ هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا. (١) ينظر ما سلف ٤/ ١٠٧ وما بعدها. (٢) ينظر ما سلف ١١٢/٤ وما بعدها. (٣) في الأصل: يمكنه. (٤) كما في الدر المنثور ٢٤٣/٣. الآية : ٤٠ ٣٣٩ سُورَةُ التَّوَتَّةِ رسولِ اللهِ وَ﴾؟ على أنَّه على هذا الزَّعم يجيءُ حديثُ التمكين، وهو أقوى شاهدٍ على أنَّه هو هو. وأيضاً إذا انفتح بابُ هذا الهذيان أمكنَ للناصبيِّ(١) أن يقول - والعياذُ بالله تعالى - في عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: إنَّ النبيَّ ◌َّهِ لم يأمره بالبيتوتة على فراشِه الشريف ليلةَ هاجر (٢) إلا ليقتلَه المشركون ظنًّا منهم أنه النبيُّ ◌َّر، فيستريح منه. وليس هذا القولُ بأعجبَ ولا أبطلَ من قول الشيعيّ: إنَّ إخراج الصدِّيق إنما كان حَذَراً من شرِّه، فليتَّقِ الله سبحانه مَنْ فَتَح هذا البابَ المستهجَن عند ذوي الألباب. وزَعْمُ أنَّ تجهيز الأمير كرَّم الله تعالى وجهه لهم بشراءِ الأباعر إشارةٌ إلى ذلك لا يشير إلى ذلك(٣) بوجهٍ من الوجوه. على أنَّ ذلك - وإنْ ذكرناه فيما قبلُ - إنَّما جاء في بعض الروايات عن ابن عبّاس ◌ِ﴾(٤)، والمعوَّلُ عليه عند المحدِّثين غيرُ ذلك، ولا بأسَ بإيراده تكميلاً للفائدة، وتنويراً لفضل الصدِّيق بظلُبه، فنقول: أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشةَ قالت: لم أَعْقِلْ أبويَّ قظُ إلَّا وهما يَدِينَان الدِّينَ، ولم يَمْرُرْ علينا يومٌ إلَّا يأتينا فيه رسولُ اللهِوَّر طرفي النهار بكرةً وعشيَّةً، ولما ابتُليَ المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قِبَلَ أرض الحبشة، حتَّى إذا بلغ بَرْك الغِماد(٥) لقيه ابنُ الدغنة(٦) وهو سيِّد القَارَة، فقال ابنُ الدَّغِنَة: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريدُ أن أسيحَ في الأرض وأعبدَ ربي. قال ابنُ (١) النواصب: قوم يتدينون ببغضة عليٍّ ظُه. اللسان (نصب). (٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٣٢٥١) عن ابن عباس رضيها، وقد سلف الكلام عليه ص٣٢٨. (٣) قوله: إلى ذلك، ليس في (م). (٤) سلف ص٣٢٧ من هذا الجزء. (٥) برك بفتح الموحّدة وسكون الراء بعدها كاف، وحُكي كسرُ أوله. والغماد بكسر المعجمة وقد تُضم، وبرك الغماد موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن. فتح الباري ٢٣٢/٧. (٦) بضم المهملة والمعجمة وتشديد النون عند أهل اللغة، وعند الرواة بفتح أوله وكسر ثانيه وتخفيف النون. الفتح ٧/ ٢٣٣ . سُورَةُ التَّوَّةِ ٣٤٠ الآية : ٤٠ الدَّغِنَة: مثلُك يا أبا بكر لا يَخْرِج ولا يُخْرَج؛ إِنَّك تَكْسِبُ المعدومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائبِ الحقِّ، فأنا لك جارٌ، فارْجِعْ فاعبُدْ ربَّك ببلدك. فارتحل ابنُ الدَّغنة فرجع مع أبي بكر، فطاف ابنُ الدّغنة في كفَّار قريش، فقال: إنَّ أبا بكر لا يَخَرُجُ مثلُه ولا يُخْرَجُ، أتُخرجون رجلاً یکسبُ المعدومَ، ويَصِل الرَّحِم، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيفَ، ويُعِينُ على نوائب الحقِّ. فأنفذتْ قريشٌ جِوارَ ابن الدَّغِنَة وأمَّنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدَّغِنَةَ: مُرْ أبا بكر فَلَيَعْبُدْ ربَّه في داره، ولْيُصَلِّ فيه ما شاء، ولْيَقْرأ ما شاء، ولا يؤذينا، ولا يَسْتَعْلِنْ بالصلاة والقراءة في غير داره. ففعل، ثمَّ بدا لأبي بكر فابْتَنَى مسجداً بفناءٍ داره، فكان يصلِّي فيه ويقرأ، فيتقصَّف(١) عليه نساءُ المشركين وأبناؤهم يَعْجَبون منه وينظرون إليه، وكان رجلاً بكَّاءً لا يملك دمعَه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشرافَ قريش، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنَةَ، فَقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنَّما أَجَرْنا أبا بكر على أنْ يعبدَ ربَّه في داره، وإنه جاوَزَ ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره، وأَعْلَنَ بالصلاة والقراءة، وإنَّا خَشِيْنا أنْ يُفْتَنَ نساؤنا وأبناؤنا، فإنْ أحبَّ أن يقتصر على أنْ يعبدَ ربَّه في داره فَعَلَ، وإن أبى إلَّا أنْ يُعْلِنَ ذلك فسَلْه أن يردَّ إليك ذمَّتَك، فإنَّا قد كرهنا أن نُخْفِرك(٢)، ولسنا مقرِّين لأبي بكر الاستعلانَ. فأتى ابنُ الدَّغِنَة أبا بكر فقال: يا أبا بكر، قد علمتَ الذي عَقَدْتُ لك عليه، فإمَّا أنْ تقتصرَ على ذلك، وإمَّا أن تردّ إليَّ ذمتي؛ فإِنِّي لا أحبُّ أن تسمع العربُ أنِّي أُخْفِرْتُ في عَقْدِ رجلٍ عَقَّدْتُ له. فقال أبو بكر: فإِنِّي أردُّ إليك جوارَك، وأرضى بجوار الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. ورسولُ اللهِ وَّهِ بمكة يومئذٍ قال للمسلمين: ((قد أُرِيْتُ دارَ هجرتِكم، أُرِيْتُ سبخةً ذات نخلِ بين لابتين)) وهما حرَّتان(٣)، فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينة [حين ذَكر ذلك رسولُ الله وَله ورجع إلى المدينة بعضُ مَن كان هاجرا إلى أرض الحبشة (١) جاء في هامش الأصل و(م): أي يزدحم. وينظر الفتح ٢٣٤/٧. (٢) بضم أوله وكسر الفاء، أي: نغدر بك، يقال: خَفَره إذا حفظه، وأَخْفَره إذا غدر به. الفتح ٢٣٤/٧. (٣) قوله: وهما حَرَّتان، قال ابن حجر في الفتح ٢٣٤/٧: هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري، والحرة: أرض حجارتها سود.