النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٢٨ ٢٨١ سُورَةُ التَّوَتِيّ وإلى ما رُوي عن ابن عباس ﴿ّ مال الإمامُ الرازيُّ(١)، وهو الذي يقتضيه ظاهرُ الآية، ولا يُعدلُ عنه إلا بدليلٍ منفصلٍ. قيل: وعلى ذلك فلا يحلُّ الشُّربُ من أوانیھم، ولا مؤاکلتُھم، ولا لبسُ ثیابهم. لكنْ صحَّ عن النبيِّ ◌َّهِ والسَّلفِ خلافُه، واحتمالُ كونه قبلَ نزول الآية فهو منسوخٌ بعيد. والاحتياطُ لا يخفى. والاستدلالُ على طهارتهم بأنَّ أعيانهم لو كانت نجسةً ما أَمْكَنَ بالإيمان طهارتُها؛ إذ لا يُعْقَلُ كونُ الإيمان مطهِّراً، ألا ترى أنَّ الخنزيرَ لو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله لا يطهرُ؟ وإنَّما يَظْهُرُ نَجَسُ العين بالاستحالة - على قولِ مَن يرى ذلك - وعينُ الكافر لم تَستَحِلْ بالإيمان عيناً أخرى = ليس بشيء، وإنْ ظنَّه مَن تَهُولُه القعقعة (٢) شيئاً؛ لأنَّ الطهارةَ والنجاسةَ أمران تابعان لما يُفهم من كلام الشارع عليه الصلاة والسلام، وليستا مربوطتين بالاستحالة وعدمِها، فإذا فُهم منه نجاسةُ شيءٍ في وقتٍ وطهارته في وقتٍ آخرَ أو (٣) بالعكس كما في الخمر، اتّبع وإن لم يكن هناك استحالةٌ، وذلك ظاهر. وقرأ ابنُ السميفع: ((أنجاس)) على صيغة الجمع(٤). وقرأ أبو حيوةً: ((نِجْس)) بكسر النون وسكون الجيم(٥)، وهو تخفيفُ نَجِس، ككِبْدٍ في كَبِدٍ، ويُقدَّر حينئذٍ موصوفٌ كما قرَّرناه آنفاً فيما قاله الجوهريُّ. وأكثر ما جاء هذا اللفظ تابعاً لرجس، وقول الفرَّاء وتبعه الحريريُّ في ((درَّته)) أنَّه لا يجوز ذلك بغير إتباع(٦)، تردُّه هذه القراءةُ إذ لا إتباعَ فيها . ﴿فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَاءَ﴾ تفريعٌ على نجاستهم، والمرادُ النَّهيُّ عن الدُّخول إلا أنَّه نَهَى عن القُرْبِ للمبالغة. وأخرج عبدُ الرزاق والنَّحاس عن عطاء أنَّهم نُهوا (١) في تفسيره ٢٤/١٦. (٢) في الأصل: المقعقعة. (٣) في (م): أوما. (٤) البحر ٢٨/٥. (٥) القراءات الشاذة ص٥٢، والبحر ٢٨/٥. (٦) معاني القرآن للفراء ٤٣٠/١، ودرة الغوّاص للحريري ص٦٧ . سُورَةُ التَّوَتِية ٢٨٢ الآية : ٢٨ عن دخول الحرم كلِّه (١). فيكون المنعُ من قُرْبٍ نَفْسِ المسجدِ على ظاهره. وبالظاهرِ أَخَذَ أبو حنيفةَ رَظُه؛ إذ صَرَفَ المنعَ عنِ دخولِ الحرم إلى المنعِ من الحجّ والعمرة، ويؤيِّده قولهُ تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فإنَّ تقييدَ النَّهي بذلكَ يدلُّ على اختصاص المنهيِّ عنه بوقتٍ من أوقات العام، أي: لا يحجُوا ولا يعتمروا بعدَ حجّ عامهم هذا، وهو عامُ تسعةٍ من الهجرةَ حين أُمِّر أبو بكر ◌َظُبه على الموسم، ويدلُّ عليه نداءُ عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه يومَ نادى ببراءة: أَلا لا يحجُّ بعد عامنا هذا مشرٌ، وكذا قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ أي: فقراً بسبب مَنْعِهم، لِمَا أنَّهم كانوا يأتون في الموسم بالمتاجر، فإنَّه إنَّما يكون إذا مُنعوا من دخول الحَرَم كما لا يخفى. والحاصلُ: أنَّ الإمامَ الأعظم يقولُ بالمنع عن الحجّ والعمرةِ ويحملُ النَّهيَ عليه، ولا يُمنعون من دخول المسجد الحرام وسائرِ المساجدِ عنده. ومذهب الشافعيِّ وأحمدَ ومالكٍ ﴿َّهِ - كما قال الخازنُ(٢) - أَنَّه لا يجوز للكافر ذِميًّا كان أو مستأمناً أنْ يدخلَ المسجد الحرام بحالٍ من الأحوال، فلو جاء رسولٌ من دارِ الكفر، والإمامُ فيه، لم يأذن له في دخوله، بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه مَن يسمعُ رسالته خارجَه، ويجوز دخولُه سائر المساجد عند الشافعيِّ عليه الرحمة، وعن مالكٍ كلُّ المساجد سواءٌ في منع الكافر عن دخولها . وزعم بعضُهم أنَّ المنع في الآية إنَّما هو عن تولّي المسجد الحرام والقيامِ بمصالحه، وهو خلافُ الظاهر جدًّا، والظاهرُ النهيُ على ما علمت(٣). وكونُ العلَّة فيه نجاستَهم - إنْ لم نقلْ بأنها ذاتيةٌ - لا يقتضي جوازَ الفعل ممَّن اغتسل ولبس ثياباً طاهرةً، لأنَّ خصوصَ العِلَّة لا يخصِّصُ الحكم كما في الاستبراء. والكلامُ على حدٍّ: لا أَرَينَك هنا، فهو كنايةٌ عن نهي المؤمنين عن تمكينهم ممَّا (١) مصنف عبد الرزاق (٩٨٨٠)، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٢٨/٢. (٢) في التفسير ٣/ ٧٧ . (٣) في الأصل: عما علمت. الآية : ٢٨ ٢٨٣ سُورَةُ التَّوَنَّةِ ذُكر، بدليلٍ أنَّ ما قبلُ وما بعدُ خطابٌ للمؤمنين. ومَنْ حَمَله على ظاهره استدلَّ به على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالفروع، حيثُ إنَّهم نُهوا فيه والنهيُ من الأحكام، وكونُهم لا ينزجرون به لا يضرُّ بعد معرفةٍ معنى مخاطبتهم بها . يُروى أنَّه لمَّا جاء النهيُ شقَّ ذلك على المؤمنين، وقالوا: مَن يأتينا بطعامنا وبالمتاع، فأنزل الله سبحانه (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ) (١). ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ:﴾ أي: عطائِه، أو: تَفَضُّلِه(٢) بوجهٍ آخر، و((من)) على الأول ابتدائيةٌ أو تبعيضيَّةٌ، وعلى الثاني سببيَّة، وقد أنجز الله تعالى وعدَه بأن أرسل السماءَ عليهم مدراراً، ووقَّق أهلَ تبالةً(٣) وجُرَش، فأسلموا وحملوا إليهم الطعامَ وما يحتاجون إليه في معاشهم، ثمَّ فتح عليهم البلادَ والغنائمَ وتوجّه إلیھم الناسُ من كلِّ نجّ عميق. وعن ابن جبير أنَّه فسَّر الفضلَ بالجزية، ويؤيَّد(٤) بأنَّ الأمرَ الآتيَ شاهدٌ له، وما ذكرناه أولى، وأمرُ الشهادة ھیِّن. وقرئ: ((عائلة)»(٥) على أنَّه إمَّا مصدرٌ كالعاقبة والعافية، أو اسمُ فاعلٍ صفة الموصوفٍ مؤنَّثٍ مقدَّرٍ، أي: حالاً عائلةً، أي: مفتقرةً. وتقييدُ الإغناء بقوله سبحانه: ﴿إِن شَآءً﴾ ليس للتردُّد ليُشْكِلَ بأنَّه لا يناسب المقامَ وسببَ النزول، بل لبيان أنَّ ذلك بإرادته لا سببَ له غيرها، حتى ينقطعوا إليه سبحانه ويقطّعوا النَّظر عن غيره، وفيه تنبيهٌ على أنه سبحانه متفضِّلٌ بذلك الإغناء لا واجب عليه عزَّ وجلَّ، لأنه لو كان بالإيجاب لم يُوكَلْ إلى المشيئة. (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٠٣/١١ - ٤٠٤ عن قتادة. (٢) في (م): تفضيله، والمثبت من الأصل والكشاف ٢/ ١٨٤، وتفسير أبي السعود ٤/ ٥٧. (٣) في (م): أهل نجد وتبالة، والمثبت من الأصل والكشاف ١٨٤/٢، وتفسير القرطبي ١٠/ ١٥٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠٤ وغيرها من المصادر. وتبالة: موضع ببلاد اليمن. وجُرش: مخلاف من مخاليف اليمن، أي: ناحية منه. معجم البلدان ٩/٢، ١٢٦، وحاشية الشهاب ٤/ ٣١٧. (٤) في الأصل: وأريد. (٥) القراءات الشاذة ص ٥٢، والمحتسب ٢٨٧/١ عن ابن مسعود سُورَةُ التَّوَّةِ ٢٨٤ الآية : ٢٩ وجوِّز أن يكون التقييدُ لأنَّ الإغناء ليس مطرداً بحسب الأفراد والأحوال والأوقات. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ﴾ بأحوالكم ومصالحكم ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ فيما يعطي ويمنع. ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ أمرٌ بقتالِ أهل الكتابين إثرَ أمرِهم بقتال المشركين، ومنعِهم من أنْ يحوموا حولَ المسجد الحَرَامِ، وفي تضاعيفه تنبيهٌ لهم على بعض طُرُقِ الإغناء الموعود، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلِّيةِ ما في حيِّز الصِّلة للأمر بالقتال، وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين، وإيمانُهم الذي يزعمونه ليس على ما ينبغي، فهو كَلَا إيمانٍ. ﴿وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أي: ما ثبت تحريمه بالوحي متلوًّا وغيرَ متلوٍّ، فالمرادُ بالرسول نبيِّنَا وَّه. وقيل: المرادُ به رسولُهم الذي يزعمون اتِّباعه؛ فإنهم بدَّلوا شريعته وأحلُّوا وحرَّموا من عند أنفسهم اتِّباعاً لأهوائهم، فيكونُ المراد: لا يتَّبعون شريعتنا ولا شريعتَهم، ومجموعُ الأمرين سببٌ لقتالهم وإن كان التحريف بعد النسخ ليس علَّة مستقلّة. ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي: الدِّينَ الثابتَ، فالإضافةُ من إضافة الصفة إلى الموصوف. والمراد به: دينُ الإسلام الذي لا يُنْسخ بدينٍ كما نُسِخَ كلُّ دینٍ به. وعن قتادة: أنَّ المرادَ بالحقِّ هو الله تعالى، وبدينِهِ الإسلامُ. وقيل: ما يعمُّه وغيرَه، أي: لا يدينون بدينٍ من الأديان التي أنزلها سبحانه على أنبيائه وشَرَعَها لعبادِهِ. والإضافةُ على هذا على ظاهرها. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ أي: جِنْسَه الشاملَ التوراة والإنجيل. و((من)) بيانيَّة لا تبعيضيَّةٌ حتى يكون بعضُهم على خلافٍ ما نعت. ﴿حَّى يُعْطُوا﴾ أي: يَقْبَلوا أن يُعْطُوا ﴿اَلْجِزْيَةَ﴾ أي: ما تَقرَّرَ عليهم أن يُعْطُوه، وهي مشتقَّةٌ من جَزَى دَينَه، أي: قضاه، أو من جزيتُه بما فَعَل، أي: جازَيْته؛ لأنَّهم يَجْزُونَ بها مَنْ مَنَّ عليهم بالعفو عن القتل. الآية : ٢٩ ٢٨٥ سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ وفي ((الهداية))(١) أنَّها جزاءُ الكفر. فهي من المجازاة. وقيل: أصلُها الهمز، من الجَزْءِ والتَّجْزِئةِ؛ لأنَّها طائفةٌ من المال يُعطَى. وقال الخوارزميُّ: إنها معرَّبُ كزيت، وهو الخراجُ بالفارسية. وجمعُها جِزّى كلحية ولِحى. ﴿عَنْ يَدِ﴾ يحتملُ أن يكون حالاً من الضمير في ((يُعْطُوا)) وأن يكونَ حالاً من الجزية. واليد تحتملُ أن تكونَ اليدَ المعطيةَ، وأن تكونَ اليدَ الآخذة. و((عن)) تحتملُ السبيَّةَ وغيرَها . أي: يُعْطُوا الجزيةَ عن يدٍ مُواتيةٍ (٢)، أي: منقادين، أو مقرونةً بالانقياد. أو عن يدهم، أي: مسلِّمين، أو مسلَّمةً بأيديهم لا بأيدي غيرهم من وكيلٍ أو رسول؛ لأنَّ القصدَ فيها التحقيرُ وهذا ينافيه؛ ولذا مُنع من التوكيل شرعاً . أو عن غنىّ، أي: أغنياءَ، أو صادرةً عنه، ولذلك لا تؤخذُ من الفقير العاجز. أو عن قهرٍ وقوة، أي: أذلَّاء عاجزين، أو مقرونةً بالذُّلِّ. أو عن إنعام عليهم فإنَّ إبقاء مُهَجِهم بما بذلوا من الجِزيةِ نعمةٌ عظيمة، أي: منعَماً عليهم، أو كائنةً عن إنعامٍ عليهم. أو نقداً، أي: مسلَّمةً عن يدٍ إلى يدٍ، أو مسلِّمين نقداً. واستعمال اليد بمعنى الانقياد إمَّا حقيقة أوكناية، ومنه قول عثمان ته: هذي يدي لعمار. أي: أنا منقادٌ مطيعٌ له، واستعمالها بمعنى الغنى لأنَّها تكون مجازاً عن القدرة المستلزمةِ له، واستعمالها بمعنى الإنعام - وكذا النعمة - شائعٌ ذائعٌ، وأما معنى النقديَّة فلشهرةِ يداً بيدٍ في ذلك، ومنه حديثُ أبي سعيد الخدريِّ في الرِّبا(٣)، وما في الآية يَؤُولُ إليه كما لا يخفى على مَنْ له اليدُ الطولى في المعاني والبيان. (١) مع فتح القدير ٣٧٥/٤. (٢) من المواتاة، وهي الموافقةُ، وعدمُ الامتناع، والطاعةُ. حاشية الشهاب ٣١٧/٤. (٣) أخرجه أحمد (١١٩٢٨)، ومسلم (١٥٨٤) (٨٢) ولفظه: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء)». سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٢٨٦ الآية : ٢٩ وتفسيرُ اليد هنا بالقهر والقوَّة أخرجه ابنُ أبي حاتم عن قتادة، وأخرج عن سفيانَ بنِ عيينةَ ما يدلُّ على أنَّه حملَها على ما يتبادرُ منها، طرزَ ما ذكرناه في الوجه الثاني(١). وسائرُ الأوجُه ذكرها غيرُ واحد من المفسرين. وغايةُ القتال ليس نفسَ هذا الإعطاء بل قبولَه كما أشير إليه، وبذلك صرَّح جمعٌ من الفقهاء حيث قالوا: إنهم يُقَاتَلون إلى أنْ يقبلوا الجزيةَ، وإنَّما عبّر بالإعطاء لأنَّه المقصود من القبول. ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ أي: أذلَّاء، وذلك بأن يُعطوها قائمين والقابضُ منهم قاعد. قاله عكرمة. وعن ابن عباس طه: تؤخذُ الجزيةُ من الذِّمِّيِّ ويوجَأُ (٢) عنقُه. وفي رواية: أنه يؤخذ بتلبيبهِ (٣) ويهزُّ هزًّا، ويقال: أعطِ الجزيةَ يا ذميُّ. وقيل: هو أن يُؤخذ بلحيتِه وتُضْرَبَ لِهُزمتُه(٤)، ويقال: أدِّ حقَّ الله يا عدوَّ الله. ونقل عن الشافعيِّ أنَّ الصَّغار هو جريانُ أحكام المسلمين عليهم. وكلُّ الأقوال لم نرَ اليومَ لها أثراً؛ لأنَّ أهلَ الذِّمة فيه قد امتازوا على المسلمين - والأمرُ لله عزَّ وجل - بكثيرٍ حتَّى إِنَّه قُبِل منهم إرسالُ الجزية على يدِ نائبٍ منهم. وأصُّ الروايات أنَّه لا يقبل ذلك منهم بل يكلَّفون أن يأتوا بها بأنفسهم مشاةً غيرَ راكبين، وكلُّ ذلك من ضعفِ الإسلام عامَلَ الله تعالى مَن كان سبباً له بعَدْلِه. وهي تؤخذُ عند أبي حنيفةً من أهل الكتاب مطلقاً، ومن مشركي العجم والمجوسِ لا من مشركي العرب؛ لأنَّ كفرَهم قد تغلَّظ لِمَا أنَّ النبيَّ ◌َِّ نشأ بين أظهُرِهم، وأُرسل إليهم، وهو عليه الصلاة والسلام من أنفُسِهم، ونزل القرآنُ (١) الخبران في تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٠ ولفظ خبر سفيان: ﴿حَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدِ﴾ قال: من يده ولا يبعث بها مع غيره. (٢) أي يضرب. القاموس (وجأ). (٣) أخذ بتلبيبه: جعل ثيابه في عنقه وصدره في الخصومة. اللسان (لبب). (٤) اللهزمة: عظم ناتئ في اللّخْي تحت الحنك، وهما لهزمتان. المعجم الوسيط (لهز). الآية : ٢٩ ٢٨٧ سُؤْدَةُ التَّوَنَّةِ بلُغتِهم، وذلك من أقوى البواعثِ على إيمانهم، فلا يُقبل منهم إلا السَّيفُ أو الإسلامُ زيادةً في العقوبة عليهم، مع اتِّباع الوارد في ذلك، فلا يَرِدُ أنَّ أهلَ الكتاب قد تغلَّظ كفرُهم أيضاً لأنَّهم عرفوا النبيَّ وَِّ معرفةً تامَّةً ومع ذلك أنكروه وغيَّروا اسمَه ونعتَه من الكتاب. وعند أبي يوسف لا تؤخذُ من العربيِّ كتابيًّا كان أو مشركاً، وتؤخَذُ من العجميِّ كتابياً كان أو مشركاً. وأخْذُها من المجوس إنما ثبت بالسُّنَّة، فقد صحَّ أنَّ عمرَ ظَه لم يأخذْها منهم حتَّى شهد عبد الرحمن بنُ عوف أنَّ رسولَ الله وَّ أخذها من مجوسِ هجر(١). وقال الشافعيُّ ◌َله: إنَّها تؤخذ من أهل الكتاب عربيًّا كان أو عجميًّا، ولا تؤخذ من أهل الأوثان مطلقاً؛ لثبوتها في أهل الكتاب بالكتاب، وفي المجوس بالخبر، فبقي مَن وراءهم على الأصل. ولنا أنه يجوزُ استرقاقهم، وكلُّ مَن يجوزُ استرقاقُه يجوز ضربُ الجزية عليه إذا كان من أهل النُّصرة؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يشتملُ على سلبِ النفسِ: أما الاسترقاقُ فظاهرٌ لأنَّ نفعَ الرقيق يعودُ إلينا جملةً. وأما الجزيةُ فلأنَّ الكافر يؤدِّيها مِن كَسْبِهِ، والحالُ أنَّ نفقته في كَسْبِهِ فكان أداءُ كَسْبِهِ الذي هو سببُ حياتِهِ إلى المسلمين راتبةً في معنى أخذ النفس منه حكماً. وذهب مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنَّها تُؤخذ من جميعِ الكفّار. ولا تؤخذُ عندنا من امرأةٍ ولا صبيٍّ ولا زمِنٍ ولا أعمى، وكذلك المفلوجُ والشيخ، وعن أبي يوسف أنها تؤخذ منه إذا كان له مالٌ. ولا من فقيرٍ غيرِ معتملٍ خلافاً للشافعيِّ، ولا من مملوكٍ ومكاتَبٍ ومدبَّرٍ. ولا تُؤخذ من الراهبينَ الذين لا يخالطون الناسَ كما ذكره بعضُ أصحابنا. وذكر محمدٌ عن أبي حنيفة أنها تؤخذ منهم إذا كانوا يقدرون على العمل، وهو قولُ أبي يوسف. (١) سلف ٤٤/٧-٤٥. سُورَةُ الثَّوَقّة ٢٨٨ الآية : ٢٩ ثم إنَّها على ضربين : جزيةٌ تُوضَعُ بالتَّراضي والصُّلح فتقدَّر بحسب ما يقعُ عليه الاتفاق، كما صالح وَّهِ بني نجرانَ على ألفٍ ومئتي حُلَّةٍ (١). ولأنَّ الموجبَ التراضي، فلا يجوز التعدِّي إلى غير ما وقع عليه. وجزيةٌ يبتدئُ الإمامُ بوضعها إذا غلب على الكفَّار وأقرَّهم على أملاكهم، فيضعُ على الغنيِّ الظاهرِ الغنى في كلِّ سنةً ثمانيةً وأربعين درهماً، يأخذ في كلِّ شهرٍ منه أربعةَ دراهم، وعلى الوسط الحالِ أربعةً وعشرين في كلِّ شهرٍ درهمين، وعلى الفقير المعتمل - وهو الذي يقدرُ على العمل وإن لم يُحْسِنْ حرفةً - اثني عشر درهماً في كلِّ شهر درهماً. والظاهر أنَّ مرجع الغِنَى وغيره إلى عُرف البلد، وبذلك صرَّح(٢) الفقيه أبو جعفر. وإلى ما ذهبنا إليه من اختلافها غنىّ وفقراً وتوسُّطاً ذهب عمرُ وعليٍّ وعثمانُ . ونقل عن الشافعي أنَّ الإمامَ يضعُ على كلِّ حالم ديناراً أو ما يعدله، والغنيُّ والفقير في ذلك سواء، لِمَا أخرجه ابنُ أبي شيبة عن مسروقٍ أنه يَّر لما بعث معاذاً إلى اليمن، قال له: ((خُذْ من كلِّ حالم ديناراً أو عَدْلَه معافرَ))(٣). ولم يفصِّلْ عليه الصلاة والسلام. وأُجيب عنه بأنَّه محمولٌ على أنَّه كان صلحاً، ويؤيِّده ما في بعض الروايات: (من كلِّ حالمٍ وحالمةٍ))(٤)؛ لأنَّ الجزيةَ لا تجبُ على النساء. (١) سلف ٢٥٢/٤-٢٥٣. (٢) بعدها في (م): به. (٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٢٦/٣ - ١٢٧ وهو مرسل. ووصله بإسناد صحيح أحمد (٢٢٠١٣)، وأبو داود (١٥٧٧)، والترمذي (٦٢٣)، والنسائي في المجتبى ٢٥/٥ - ٢٦ من طريق مسروق عن معاذ قال: بعثه النبي ◌َّله إلى اليمن وأمره ... والمعافر: برود تنسج في اليمن. قاله السندي كما في حاشية المسند. (٤) رويت أيضاً متصلة ومرسلة كالتي قبلها، فالمتصلة أخرجها الدار قطني (١٩٣٦)، وعبد الرزاق كما في نصب الراية ٤٤٦/٣، والمرسلة أخرجها عبد الرزاق أيضاً في المصنف (١٠٠٩٦). الآية : ٢٩ ٢٨٩ سُورَةُ التَّوَقَّة والأصحُّ عندنا أنَّ الوجوبَ أوَّل الحول؛ لأنَّ ما وجب بدلاً عنه لا يتحقَّق إلَّا في المستقبل، فتعذّر إيجابُه بعد مضيٍّ الحول فأوجبناها في أوَّله. وعن الشافعي أنَّها تجب في آخره اعتباراً بالزكاة. وتعقّبه الزيلعيُّ(١) بأنه لا يلزمنا الزكاة؛ لأنَّها وجبت في آخر الحول ليتحقَّق النَّماء، فهي لا تجب إلَّا في المال النامي، ولا كذلك الجزية، فالقياسُ غيرُ صحيح. واقْتَضَى - كما قال الجصَّاص في «أحكام القرآن)» - وجوبُ قَتْلِ مَن ذُكر في الآية إلى أنْ تؤخذَ منهم الجزيةُ على وجهِ الصَّغار والذلَّة، أنه لا يكونُ لهم ذمةٌ إذا تسلَّطوا على المسلمين بالولايةِ ونفاذِ الأمر والنهي؛ لأنَّ الله سبحانه إنَّما جَعَلَ لهم الذِّمةَ بإعطاء الجزية وكونِهم صاغرين، فواجبٌ على هذا قَتْلُ مَن تَسلَّط على المسلمين بالغَصْبِ، وأَخْذِ الضرائبِ بالظُلم، وإنْ كان السلطانُ ولَّاه ذلك. وإنْ فَعَله بغير إذنه وأمرِه فهو أولى، وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء اليهود والنَّصارى الذين يتولَّون أعمالَ السلطان وأمرائِهِ، ويَظْهَرُ منهم الظلمُ والاستعلاءُ وأَخْذُ الضرائب، لاذمَّةَ لهم، وأنَّ دماءهم مباحةٌ. ولو قَصَدَ مسلمٌ مسلماً لأخذِ ماله، أبيحَ قتلُه في بعض الوجوه، فما بالُكَ بهؤلاءِ الكفرةِ أعداءِ الدِّين(٢). وقد أفتى فقهاؤنا بحرمةِ توليتهم الأعمالَ لثبوت ذلك بالنَّصِّ، وقد ابتُلي الحكام بذلك حتى احتاج الناس إلى مُراجعتِهم بل تقبيلٍ أيديهم كما شاهدناه مراراً، وما كلُّ ما يُعْلَمُ يقال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. هذا وقد استشكل أخذُ الجزية من هؤلاء الكفرة بأنَّ كفرَهم من أعظم الكفر، فکیف یُقَرُّون علیه بأخْذِ دراهمَ معدوداتٍ؟! وأجاب القطبُ: بأنَّ المقصودَ من أَخْذِ الجزيةِ ليس تقريرَهم على الكفر، بل إمهالَ الكافر مدَّةً ربما يقف فيها على محاسن الإسلام وقوَّةٍ دلائله فُيُسلم. (١) فخر الدين، عثمان بن علي بن محجن، أبو محمد، وضع شرحاً على كنز الدقائق سماه: تبيين الحقائق، وهو المراد بالشارح في البحر الرائق، توفي سنة (٧٤٣هـ). الفوائد البهية ص١٩٤. وكلامه في تبيين الحقائق ٢٧٩/٣. (٢) أحكام القرآن للجصاص ٩٩/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣١٩/٤. سُورَةُ التَّوَّةِ ٢٩٠ الآية : ٣٠ وقال الإتقانيُّ(١): إنَّ الجزيةَ ليست بدلاً عن تقريرٍ الكفر، وإنَّما هي عِوَضٌ عن القتل والاسترقاقِ الواجبين، فجازت كإسقاط القصاص بعِوضٍ، أو هي عقوبةٌ على الكفر كالاسترقاق. والشِّقُّ الأوَّل أظهرُ حيث يُوهِمُ الثاني جوازَ وضعِ الجزية على النِّساء ونحوهنَّ. وقد يجاب بأنَّها بدلٌ عن النُّصرة للمقاتِلةِ منَّا، ولهذا تفاوتت لأنَّ كلَّ مَن كان من أهل دار الإسلام تجبُ عليه النُصرة للدار بالنفسِ والمال، وحيث إنَّ الكافرَ لا يصلحُ لها؛ لميله إلى دار الحرب اعتقاداً، أقيمت الجزيةُ المأخوذةُ المصروفةُ إلى الغزاةِ مُقامها . ولا يَرِدُ أنَّ النُّصرةَ طاعةٌ وهذه عقوبةٌ، فكيف تكونُ العقوبةُ خلفاً عن الطاعة؟ لِمَا في ((النهاية)) من أنَّ الخليفةَ عن النصرة في حقِّ المسلمين، لما في ذلك من زيادة القوَّة لهم، وهم يُثابون على تلك الزيادة الحاصلةِ بسبب أموالهم، وهذا بمنزلةِ ما لو أعارُوا دوابَّهم للغزاةٍ (٢). ومن هنا تعلمُ أنَّ مَن قال: إنَّها بدلٌ عن الإقرار على الكفر فقد توهّم وهماً عظيماً . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ استئنافٌ سيق لتقريرِ ما مرَّ من عدمِ إيمان أهلِ الكتابين بالله سبحانه وانتظامِهم بذلك في المشركين، والقائل ﴿عُزَيْرُ أَبْنُ الَّهِ﴾ متقدِّمو اليهود، ونسبةُ الشيء القبيح إذا صدر من بعضٍ القوم إلى الكلِّ ممَّا شاع. وسببُ ذلك على ما أخرج ابنُ أبي حاتم(٣) عن ابن عبَّاس ﴿هَا أنَّ عزيراً كان في أهل الكتاب، وكانت التوراةُ عندَهم يعملون بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا، ثمَّ أضاعوها وعملوا بغيرِ الحقِّ، وكان التابوتُ فيهم(٤)، فلما رأى الله سبحانه (١) هو قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي، أبو حنيفة الإتقاني الحنفي، قيل: اسمه لطف الله، كان رأساً في مذهب أبي حنيفة بارعاً في اللغة العربية، شَرَح الهداية، توفي سنة (٧٥٨هـ). بغية الوعاة ٤٥٩/١، وشذرات الذهب ٣١٦/٨. (٢) ينظر البناية في شرح الهداية ٨٢٠/٥. (٣) في تفسيره ٦/ ١٧٨١ . (٤) في (م): عندهم، والمثبت من الأصل وتفسير ابن أبي حاتم. الآية : ٣٠ ٢٩١ سُؤَّةُ التَّوَيَّةِ وتعالى أنَّهم قد أضاعوا التوراةَ وعملوا بالأهواء، رفع عنهم التابوتَ وأنساهم التوراةَ ونَسَخَها من صدورهم، فدعا عزيرٌ رَّه عزَّ وجلَّ وابتهل إليه (١) أن يردّ إليه ما نُسخ من صدره، فبينما هو يصلِّي مبتهلاً إلى الله عزَّ وجلَّ نزل نورٌ من الله تعالى فدخل جوفَه، فعاد الذي كان ذَهَبَ من جوفه من التوراة، فأذَّن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة وردَّها إليَّ، فطفق يعلِّمهم. فمكثوا ما شاء تعالى أن يمكثوا وهو يعلِّمهم، ثمَّ إنَّ التابوتَ نزل عليهم بعد ذهابه منهم، فعرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلِّمهم فوجدوه مثلَه، فقالوا: والله ما أوتي عزيرٌ هذا إلا لأنَّه ابنُ الله سبحانه. وقال الكلبيُّ في سبب ذلك: إنَّ بختنصَّر غزا بيتَ المقدِس، وظهر على بني إسرائيل وقتل مَن قرأ التوراة، وكان عزيرٌ إذ ذاك صغيراً، فلم يقتله لصغره، فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيتِ المقدس وليس فيهم مَن يقرأ التوراةَ بعث الله عُزيراً ليجدِّد لهم التوارة، وليكونَ آية لهم بعد ما أماته الله تعالى مئةَ سنة، فأتاه مَلَكٌ بإناءٍ فيه ماء فشرب منه، فمثلَتْ له التوراةُ في صدره، فلما أتاهم قال: أنا عزير، فكذَّبوه وقالوا: إنْ كنتَ كما تزعم فَأَمْلِ علينا التوراةَ، فكتبها لهم من صدره، فقال رجلٌ منهم: إنَّ أبي حدَّثني عن جدِّي أنَّه وُضعتِ التوراةُ في خابيةٍ ودُفنت في كرمِ، فانطَلَقوا معه حتَّى أخرجوها، فعارَضوها بما كَتَبَ لهم عزيرٌ فلم يجدوه غادَرَ حرفاً، فقالوا: إنَّ الله تعالى لم يَقذفِ التوراةَ في قلب عزيرٍ إلَّا لأنَّه ابنُه. تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً (٢). وروي غيرُ ذلك، ومرجعُ الروايات إلى أنَّ السببَ حِفظُه عليه السَّلام للتوراة. وقيل: قائلُ ذلك جماعةٌ من يهودِ المدينةِ منهم سلام بن مِشْكُم، ونعمان بن أَوفَى(٣)، وشاسُ بن قيس، ومالك بن الصَّيف؛ أخرج ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ وابنُ مردويه عن ابن عباس ظُها: أنَّهم أتوا رسولَ اللهِ وَ له فقالوا: كيف نتَّبعكَ وقد (١) قوله: إليه، ليس في (م)، والمثبت من الأصل وتفسير ابن أبي حاتم. (٢) تفسير البغوي ٢٨٤/٢، وتفسير أبي السعود ٥٩/٤. (٣) في الأصل و(م): ابن أبي أوفى، والمثبت من تفسير الطبري ٤٠٩/١١، وتفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨١، وسيرة ابن هشام ١/ ٤٧٠. سُورَةُ التَّوَنَّة ٢٩٢ الآية : ٣٠ تركتَ قبلتنا وأنتَ لا تزعمُ أنَّ عزيزاً ابنُ الله؟(١). وأخرج ابنُ المنذر(٢) عن ابن جريج أنَّ قائلَ ذلك فنحاصُ بن عازوراء. وهو على ما جاء في بعضِ الرِّوايات القائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَفَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وبالجملة: إنَّ هذا القولَ كان شائعاً فيهم ولا عبرةَ بإنكارهم له أصلاً، ولا بقولِ بعضهم: إنَّ الواقع قولُنا: عزيرٌ أَبانَ الله، أي: أَوْضَحَ أحكامَه وبيَّن دينَه، أو نحو ذلك، بعد أنْ أخبر الله سبحانه وتعالى بما أخبر. وقرأ عاصم والكسائيُّ ويعقوب وسهلٌ: ((عزيرٌ)) بالتنوين والباقون بتركه(٣). أمَّا التنوين فعلى أنه اسمٌ عربيٍّ مخبرٌ عنه بابن. وقال أبو عبيد(٤): إنَّه أعجميٌّ لكنَّه صُرِف لِحقَّته بالتصغير، كنوحٍ ولوطٍ. وإلى هذا ذهب الصغانيُّ. وهو مصغّر عزار تصغيرَ ترخيم. والقول بأنَّه أعجميٍّ جاء على هيئة المصغّر وليس به، فيه نظر. وأما حذفُ التنوين؛ فقيل: لالتقاء الساكنين؛ فإنَّ نونَ التنوين ساكنةٌ والباء في (بن)) ساكنةٌ أيضاً، فالتقى الساكنان، فحذفت النونُ له كما يحذف حروفُ العِلَّة لذلك، وهو مبنيٌّ على تشبيهِ النون بحرف اللِّين وإلَّا فكان القياسُ تحريكها، وهو مبتدأ و((ابن)) خبرُه أيضاً، ولذا رُسم في جميع المصاحف بالألف. وقيل: لأنَّه ممنوعٌ من الصَّرف للعلميَّةِ والعُجمة. وقيل: لأنَّ الابنَ وصفٌ والخبر محذوفٌ، مثل: معبودُنا. وتُعقّب بأنه تمخُّلٌ عنه مندوحة. وردّه الشيخ في ((دلائل الإعجاز))(٥) بأنَّ الاسم إذا وُصف بصفة ثمَّ أخبر عنه، (١) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨١، وعزاه إليهم السيوطي في الدر المنثور ٢٢٩/٣. (٢) كما في الدر المنثور ٢٢٩/٣. (٣) التيسير ١١٨، والنشر ٢٧٩/٢ عن عاصم والكسائي ويعقوب. (٤) في الأصل و(م): عبيدة، والمثبت من البحر ٣١/٥، والدر المصون ٣٨/٦، وحاشية الشهاب ٣١٩/٤، والكلام منه. (٥) ص٣٧٦، ونقله عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣١٩/٤. الآية : ٣٠ ٢٩٣ سُورَةُ التَّوَّةِ فَمَن كذَّبه انْصَرَفَ تكذيبُه إلى الخبر، وصار ذلك الوصفُ مسلَّماً. فلو كان المقصودُ بالإنكار قولُهم: عزيرُ ابنُ الله معبودُنا، لتوجَّه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم، وحصل تسلیمُ كونه ابناً لله سبحانه وذلك ◌ُفْرٌ. واعترض عليه الإمام(١) بأنَّ (٢) قوله: يتوجَّه الإنكار إلى الخبر، مسلَّم، لكن قوله: يكون ذلك تسليماً للوصف، ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من كونه مكذِّباً لذلك الخبر كونه مصدقاً لذلك الوصف، إلا أن يقال: [تخصيص] ذلك بالخبر يدلُّ على أنَّ ما سواه لا يكذِّبه، وهو مبنيٌّ على دليل الخطاب، وهو ضعيف. وأجاب بعضُهم بأنَّ الوصفَ للعلِيَّة، فإنكارُ الحُكْم يتضمَّن إنكارَ عِلَّته. وفيه أنَّ إنكارَ الحُكم قد يَحْتمِلُ أن يكونَ بواسطة عدم الإفضاء، لا لأنَّ الوصفَ - كالابْنيَّة مثلاً - منتفٍ. وفي ((الإيضاح)) أنَّ القول بمعنى الوصف(٣)، وأراد أنه لا يحتاج إلى تقديرٍ الخبر كما أنَّ أحداً إذا قال مقالةً يُنكَرُ منها البعضُ فحكيتَ منها المنكرَ فقط، وهو كما في ((الكشف)) وجهٌ حسن في رَفْع التمثُّل، لكنَّه خلافُ الظاهر كما يشهدُ له آخِرُ الآية. وقال بعض المحققين: إنه يحتمل أن يكون ((عزير ابن الله)) خبرَ مبتدأ محذوف، أي: صاحبنا عزير ابن الله، مثلاً، والخبر إذا وُصف توجَّه الإنكار إلى وصفِه، نحو: أهذا(٤) الرجل العاقل، وهذا موافقٌ للبلاغة وجارٍ على وفقِ العربية من غير تكلُّف ولا غُبار، ولم يظهر لي وجهُ تركه مع ظهوره. والظاهر أنَّ التركيبَ خبريٌّ (٥)، ولا حذفَ هناك. (١) في تفسيره ٣٥/١٦، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٣١٩/٤، وما سيأتي بین حاصرتین منه. (٢) في (م): قائلاً إن. (٣) حاشية الشهاب ٣١٩/٤ _ ٣٢٠، وعبارة الإيضاح ١١٠/١: فالقول في الآية بمعنى الذكر؛ لأن الغرض الدلالة على أن اليهود قد بلغوا في الرسوخ في الجهل والشرك إلى أنهم يذكرون عزيراً هذا الذكر، أي: كذلك یکون ذکرهم له إذا ذكروه. (٤) في (م): هذا، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٣٢٠/٤، والكلام منه. (٥) في (م): خبر. سُوَّةُالتَّوَنَّةِ، ٢٩٤ الآية : ٣٠ واختلف في عزير؛ هل هو نبيُّ أمْ لا؟! والأكثرون على الثاني. ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ﴾ هو أيضاً قولُ بعضهم، ولعلَّهم إنَّما قالوه لاستحالةِ أن يكون وُلِد من غيرِ أب، أو لأنَّهم رأَوا من أفعاله ما رأوا. ويحتمل - وهو الظاهر عندي - أنَّهم وجدوا إطلاقَ الابن عليه عليه السلام وكذا إطلاق الأب على الله تعالى فيما عندهم من الإنجيل، فقالوا ما قالوا وأخطؤوا في فهم المراد من ذلك. وقد قدَّمنا من الكلام ما فيه كفايةٌ في هذا المقام (١). ومن الغريب - ولا يكاد يصحُّ - ما قيل: إنَّ السببَ في قولهم هذا أنَّهم كانوا على الدِّين الحقِّ بعد رفعٍ عيسى عليه السلام إحدى وثمانين سنةً يصلُّون ويصومون ويوحِّدون، حتَّى وقع بينهم وبين اليهودِ حربٌ، وكان في اليهود رجلٌ شجاعٌ يقال له بولص قتل جماعةً منهم، ثم قال لليهود: إنْ كان الحقُّ مع عيسى عليه السلام، فقد كفرنا والنارُ مصيرُنا، ونحن مغبونون إنْ دخلنا النارَ ودخلوا الجَّنَةَ، وإنِّي سأحتالُ عليهم وأُضلُّهم حتَّى يدخلوا النارَ معنا. ثمَّ إنه عمد إلى فرسٍ يقاتل عليه فعقره وأظهرَ الندامةَ والتوبةَ، ووضع الترابَ على رأسه وأتى النصارى، فقالوا له: من أنت؟ فقال: عدُّكم بولص، وقد(٢) نوديتُ من السماء: إنَّه ليست لك توبةٌ حتى تتنصَّر، وقد تبتُ وأتيتُكم. فأدخلوه الكنيسةَ ونصَّروه، ودخل بيتاً فيها فلم يخرجْ منه سنةً حتى تعلَّم الإنجيلَ، ثمَّ خرج وقال: قد نوديتُ: إنَّ الله تعالى قد قبل توبتك. فصدَّقوه وأحبُّوه وعلا شأنُه فيهم. ثَمَّ إنه عمد إلى ثلاثةِ رجالٍ منهم: نسطور، ويعقوب، وملكا، فعلَّم نسطور أنَّ الإله ثلاثة: الله، وعيسى، ومريم، تعالى الله عن ذلك، وعلَّم يعقوب أنَّ عيسى ليس بإنسان ولكنَّه ابنُ الله سبحانه، وعلَّم ملكا أنَّ عيسى هو الله تعالى لم يزلْ ولا يزالُ. فلما استمكن ذلك منهم، دعا كلَّ واحد منهم في الخلوة، وقال له: أنتَ خالصتي، فادعُ الناسَ إلى ما علَّمتك، وأمره أنْ يذهب إلى ناحية من البلاد. ثم (١) ينظر ٢٣٨/٤-٢٤٠ و٤١٦/٦ وما بعدها. (٢) في (م): قد. الآية : ٣٠ ٢٩٥ سُورَةُ التَّوَنَّةِ قال لهم: إني رأيتُ عيسى عليه السلام في المنام، وقد رضي عنِّي، وأنا ذابحٌ نفسي تقرُّباً إليه ثمَّ ذهب إلى المذبح فذبح نفسه. وتفرَّق أولئك الثلاثةُ فذهب واحدٌ منهم إلى الروم، وواحد إلى بيت المقدس، والآخر إلى ناحيةٍ أخرى، وأظهر كلٌّ مقالتَه ودعا الناسَ إليها، فتبعه مَن تَبِعَه، وكان ما كان من الاختلال والضَّلال. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما صدر عنهم من العظيمتين ﴿قَوَّلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ﴾ أي: أنه قولٌ لا يعضدُه برهان، مماثلٌ للألفاظ المهملة التي لا وجود لها إلا في الأفواه من غير أن يكون لها مصداقٌ في الخارج. وقيل: هو تأكيدٌ لنسبة القول المذكور إليهم ونفي التجوُّزِ عنها، وهو الشائعُ في مثل ذلك. وقيل: أريد بالقول الرأيُ والمذهب، وذِكرُ الأفواه إمَّا للإشارة إلى أنه لا أثرَ له في قلوبهم وإنما يتكلَّمون به جهلاً وعناداً، وإمَّا للإشعار بأنَّه مختارٌ لهم غير متحاشين عن التَّصريح به، فإنَّ الانسانَ ربَّما ينبِّه على مذهبه بالكتابة أو بالكناية مثلاً، فإذا صرَّح به وذكره بلسانه كان ذلك الغاية في اختياره. وادَّعى غيرُ واحدٍ أنَّ جَعْلَ ذلك من باب التأكيد كما في قولك: رأيتُه بعيني وسمعته بأذني - مثلاً - ممَّا يأباه المقام، ولو كان المراد به التأكيدَ مع التعجيبٍ من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدةِ، لا ينافيه المقامُ، ولا تزاحُمَ في النكات. ﴿يُضَهِقُونَ﴾ أي: يضاهي قولُهم في الكفر والشناعة ﴿قَوّلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه وصيِّر مرفوعاً . ويحتمل أن يكون من باب التجوُّز، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيّدَ الْخَيِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]: لا يهديهم في كيدهم، فالمراد: يضاهئون في قولهم(١) قول الذین کفروا . ﴿مِن قَبْلٌ﴾ أي: من قَبْلهم، وهم - كما روي عن ابن عبّاس ومجاهد(٢)، (١) في الأصل: أقوالهم. (٢) بعدها في (م): وقتادة. سُورَةُ التَّوَنَّة ٢٩٦ الآية : ٣٠ واختاره الفرَّاءُ(١) - المشركون الذين قالوا: الملائكة وكذا اللات والعزى(٢) بناتُ الله، سبحانه وتعالى عمَّا يقولون. وقيل: المراد بهم قدماؤهم، فالمضاهي مَنْ كان في زمنه عليه الصلاة والسلام منهم لقدمائهم وأسلافهم، والمرادُ الإخبارُ بعراقتهم في الكفر. وأنت تعلم أنه لا تعدُّد في القول حتى يتأتَى التشبيه، وجعلُه بين قولي الفريقين ليس فيه مزيدُ مزيَّة. وقيل: المراد بهم اليهودُ، على أنَّ الضميرَ للنصارى. ولا يخفى أنَّه خلافُ الظاهر، وإن أخرجه ابنُ المنذر وغيرُه عن قتادةَ (٣)، مع أنَّ مضاهاتَهم قد عُلِمتْ من صَدْر الآية، ويستدعي أيضاً اختصاصَ الردِّ والإبطال بقوله تعالى: (ذَلِكَ قَّوْلُهُم بِأَقْوَهِهِمٌ) بقول النصارى. وقرأ الأكثر: ((يضاهون)) بهاءٍ مضمومةٍ بعدَها واو (٤). وقد جاء ضاهيتُ وضاهأتُ بمعنىّ، من المضاهاة وهي المشابهةُ، وبذلك فسَّرها ابن عباس ﴿هَا. وعن الحسن تفسيرُها بالموافقة، وهما لغتان. وقيل: الياءُ فرعٌ عن الهمزة كما قالوا: قَرَيْتُ وتَوضَّيْتُ. وقيل: الهمزة بدلٌ من الياء لضمِّها. وردَّ بأنَّ الياء لا تَثْبتُ في مثله حتَّى تقلبَ، بل تحذفُ، کرامون من الرمي. وقيل: إنَّه مأخوذ من قولهم: امرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثديَ لها، أو لا تحيضُ، أو لا تحملُ، لمشابهتها الرجال. ويقال: ضهياء بالمد كحمراء، وضهياءة بالمدِّ وتاءِ التأنيث. وشدَّ فيه الجمعُ بين علامتي التأنيث. وتُعقِّب بأنَّه خطأ؛ لاختلاف المادَّتين، فإنَّ الهمزة في ضهياء على لغاتها(٥) (١) في معاني القرآن ٤٣٣/١. (٢) قوله: وكذا اللات والعزى. ليس في(م). (٣) عزاه لابن المنذر السيوطي في الدر المنثور ٢٣٠/٣، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٤١٤/١١، وابن أبي حاتم ٦/ ١٧٨٣. (٤) وهي قراءة العشرة سوى عاصم. التيسير ص١١٨، والنشر ٢٧٩/٢. (٥) في (م): لغتها. الآية : ٣١ ٢٩٧ سُورَةُ التَّوَنَّة الثلاث زائدةٌ، وفي المضاهاة أصليةٌ. ولم يقولوا: إنَّ همزة ضهياء أصليةٌ وياؤها زائدةٌ؛ لأنَّ فَعْيَلاً(١) لم يثبتْ في أبنيتهم، ولم يقولوا وزنها فَعْلل كجعفر؛ لأنَّه ثبت زيادةُ الهمزة في ضهياء بالمدِّ فتعيَّن في اللغة الأخرى، وفي هذا المقام كلامٌ مفضَّل في محلِّه. ومِن الناس مَن جوَّز الوقفَ على ((قولُهم))، وجَعَل ((بأفواههم)) متعلِّقاً بـ ((يضاهؤون))، ولا توقُّفَ في أنه ليس بشيء. وفي الجملة ذمّ للذين كفروا على أبلغ وجه وإن لم تُسَقْ لذمِّهم. و﴿قَنَلَهُمُ الَّهُ﴾ دعاءٌ عليهم بالإهلاك؛ فإنَّ مَن قاتل الله تعالى فمقتولٌ، ومَن غالبه فمغلوبٌ. وأخرج ابنُ جرير(٢) وغيرُه عن ابن عباس أنَّ المعنى: لعنهم الله. وهو معنىّ مجازيٌّ لـ ((قاتلهم)). ويجوزُ أن يكونَ المرادُ من هذه الكلمة التعجّبَ من شناعة قولهم، فقد شاعت في ذلك حتَّى صارت تُستعمل في المدح، فيقال: قاتله الله تعالى ما أَقْصَحَه. وقيل: هي للدعاء، والتعجّبُ يُفهم من السِّياق؛ لأنَّها كلمةٌ لا تقال إلا في موضع التعجّب من شناعةٍ فعل قومٍ أو قولِهم. ولا يخفى ما فيه، مع أنَّ تخصيصَها بالشناعة شناعةٌ أيضاً . ﴿أَنْ يُؤْفَكُونَ ﴾ أي: كيف يُصرفون عن الحقِّ إلى الباطل بعدَ وضوحٍ الدليل وسُطوعٍ البرهان. ﴿اَّخَذُواْ أَخْبَارَهُمْ﴾ زيادةُ تقريرٍ لما سلف من كفرِهم بالله تعالى، والأحبارُ علماءُ اليهود، واختلف في واحدِه؛ فقال الأصمعيُّ: لا أدري أهو حَبر أو حِبر. وقال أبو الهيثم: هو بالفتح لا غير. وذكر ابنُ الأثير (٣) أنه بالفتح والكسرِ، وعليه أكثرُ أهل اللغة. (١) في (م): فعيلاء، وهو خطأ، ينظر الدر المصون ٦/ ٤٠، وحاشية الشهاب ٣٢١/٤، والكلام منه. (٢) في تفسيره ١١/ ٤١٥، وأخرجه أيضاً ابن أبي حاتم ١٧٨٣/٦ . (٣) في النهاية (حبر). سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ ٢٩٨ الآية : ٣١ والصحيح إطلاقُه على العالم ذميًّا كان أو مسلماً، فقد كان يقال لابن عباس : الخَبر. ويجمع(١) كما في ((القاموس))(٢) على حُبور أيضاً. وكأنَّه مأخوذٌ من تحبيرِ المعاني بحُسنِ البيانِ عنها. ﴿وَرُهْبَنَّهُمْ﴾ وهم علماءُ النصارى من أصحاب الصوامع، وهو جمعُ راهب، وقد يقع على الواحد، ويجمعُ على رَهَابِينَ ورَهَابِنَةٍ. وفي ((مجمع البيان)) أنَّ الراهب هو الخاشي الذي تظهرُ عليه الخشيةُ، وکَثُر إطلاقُه على متنسِّكي النصارى(٣). وهو مأخوذٌ من الرهبة، أي: الخوف، وكانوا لذلك يتخلَّون من أشغال الدنيا، وتركٍ ملاذِها، والزهد فيها، والعزلةِ عن أهلها، وتعمُّدِ مشاقٌّها، حتَّى إنَّ منهم مَن كان يخصي نفسَه ويضعُ السلسلةَ في عنقه، وغير ذلك من أنواع التَّعذيب، ومن هنا قالِ وَسحجر: ((لا رهبانيةَ في الإسلام)»(٤) . والمراد في الآية: انَّخذ كلٌّ من الفريقين علماءَهم، لا الكلُّ الكلَّ ﴿أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ بأنْ أطاعوهم في تحريم ما أَحَلَّ الله تعالى وتحليلِ ما حرَّمه سبحانه، وهو التفسيرُ المأثورُ عن رسول الله وَّ، فقد روى الثعلبيُّ وغيرُه عن عديٍّ بن حاتم قال: أتيتُ رسولَ الله ◌َّهِ وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ، فقال: ((يا عديُّ، اْرَحْ عنك هذا الوثَنَ)) وسمعتُه يقرأ في سورة براءة: (اتَّخَذُوَاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَزْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ) فقلت له: يا رسول الله، لم يكونوا يعبدونَهم! فقال عليه الصلاة والسلام: ((أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله تعالى فتحرِّمونه، ويُحلُّون ما حرَّم الله فتستحلُّون؟)) فقلت: بلى. قال: ((ذلك عبادتُهم))(٥) . (١) في الأصل: والجمع. (٢) مادة: حبر. (٣) مجمع البيان ١٠/ ٤٧. (٤) سلف ٣٦٦/٧. (٥) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٠٩٥) من طريق عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أَغْيَن، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم له. قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيفُ بن أَعيَنَ ليس بمعروف في الحديث. الآية : ٣١ ٢٩٩ سُورَةُ التَّوَّةِ وسُئل حذيفةُ ◌َله عن الآية، فأجاب بمثل ما ذَكر رسولُ اللهِ وَلّهِ . ونظيرُ ذلك قولُهم: فلانٌ يعبد فلاناً، إذا أفرطَ في طاعته، فهو استعارةٌ بتشبيه الإطاعة بالعبادة، أو مجازٌ مرسَلٌ بإطلاق العبادة - وهي طاعةٌ مخصوصةٌ - على مُطْلَقها. والأوَّلُ أبلغُ. وقيل: اتخاذُهم أرباباً بالسُّجود لهم ونحوِهِ، ممَّا لا يصلُح إلا للربِّ عزَّ وجلَّ، وحينئذٍ فلا مجاز، إلا أنَّه لا مقالَ لأحدٍ بعد صحَّةِ الخبر عن رسول الله وَّه. والآيةُ ناعيةٌ على كثير من الفِرَق الضَّالة الذين تركوا كتابَ الله تعالى وسنَّةً نبيّه عليه الصلاة والسلام لكلامٍ علمائهم ورؤسائهم، والحقُّ أحقُّ بالاتِّباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتِباعُه وإن أخطأه اجتهادُ مقلَّدِهِ. ﴿وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ﴾ عطفٌ على ((رهبانَهم)) بأن اتَّخذوه ربًّا معبوداً، أو بأنْ جعلوه ابناً لله تعالى كما يقتضيه سياقُ الآية على ما قيل. وفيه نظر. وتخصيصُ الاتِّخاذ به عليه السلام يشيرُ إلى أنَّ اليهودَ ما فعلوا ذلك بعزير، وتأخيرُه في الذِّكر مع أنَّ اتِّخاذَهم له كذلك أقوى من مجرَّد الإطاعة في أمر التحليل والتحريم؛ لأنَّه مختصٌّ بالنَّصارى، ونسبتُه عليه السلام إلى أمِّه للإيذان بكمال ركاكة رأيهم، والقضاءِ عليهم بنهاية الجَهْل والحماقة. ﴿وَمَآَ أُمِرُوَا﴾ أي: والحال أنَّ أولئك الكفرةَ ما أُمروا في الكتب الإلهية وعلى ألسنة الأنبياء عليهم السلام ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهَا وَاحِدًا﴾ جليلَ الشأن وهو الله سبحانه، ويطيعوا أمرَه ولا يطيعوا أمرَ غيرِهِ بخلافِهِ، فإنَّ ذلك مُنافٍ لعبادته جلَّ شأنه، وأمَّا إطاعةُ الرسول وَّه وسائرِ مَن أمر الله بطاعتِهِ، فهي في الحقيقة إطاعةٌ لله عزَّ وجلَّ. أو: وما أُمر الذين انَّخذهم الكفرةُ أرباباً، من المسيح عليه السلام والأحبارِ والرهبانٍ، إلَّا ليطيعوا أو ليوحِّدُوا اللهَ تعالى، فكيف يصحُّ أنْ يكونوا أرباباً وهم مأمورون مستعبَدُون مثلَهم، ولا يخفى أنَّ تخصيص العبادة به تعالى لا يتحقَّق إلا بتخصيص الطاعةِ أيضاً به تعالى، ومتى لم تُخصَّ به جلَّ شأنُه لم تُخصَّ العبادةُ به سبحانه. سُورَةُ التَّوَتَّة ٣٠٠ الآية : ٣٢ ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ صفةٌ ثانية لـ ((إلهاً))، أو استئنافٌ، وهو على الوجهين مقرِّرٌ للتوحيد، وفيه ــ على ما قيل - فائدةٌ زائدةٌ، وهو أنَّ ما سبق يحتملُ غيرَ التوحيد بأنْ يؤمروا بعبادة إلهٍ واحد من بين الآلهة، فإذا وُصف المأمور بعبادته بأنَّه هو المنفردُ بالألوهية تعيّن المراد. وجُوِّز أن يكون صفةً مفسِّرةً لـ ((واحداً)). ﴾﴾ تنزيهٌ له أيُّ تنزيهٍ عن الإشراك به في العبادة ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ والطاعة. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اَللَّهِ﴾ إطفاءُ النار على ما في ((القاموس)): إذهابُ لهبها(١)، الموجبُ لإذهاب نورِها، لا إذهابُ نورِها على ما قيل، لكنْ لما كان الغرضُ من إطفاء نارٍ لا يرادُ بها إلا النورُ - كالمصباح - إذهابَ نورِها، جُعِلَ إطفاؤها عبارةً عنه، ثمَّ شاع ذلك حتى كان عبارةً عن مطلَقٍ إذهاب النُّور، وإن كان لغيرِ النار. والمرادُ بنور الله: حجَّتُه تعالى النَّيِّرةُ المشرقةُ الدَّالَّةُ على وحدانيته وتنزُّهِه سبحانه عن الشركاء والأولاد، أو القرآنُ العظيمُ الصادعُ الصادحُ بذلك. وقيل: نبوَّتُه عليه الصلاة والسلام التي ظهرت - بعدَ أن استطال دُجى الكفر - صبحاً منيراً. وأيًّا ما كان فالنُّور استعارةٌ أصليّةٌ تصريحيَّةٌ لما ذكر، وإضافته إلى الله تعالى قرينة. والمرادُ من الإطفاء: الردُّ والتكذيبُ، أي: يريد أهلُ الكتابين أنْ يردُّوا ما دلَّ على توحيد الله تعالى وتنزيهِه عمَّا نسبوه إليه سبحانه ﴿يَأَفَوَمِهِمْ﴾ أي: بأقاويلهم الباطلة، الخارجةِ عنها من غير أنْ يكون لها مصداقٌ تنطبقُ عليه، أو أصلٌ تستندُ إليه، بل كانت أشبه شيءٍ بالمهمَلات. قيل: ويجوزُ أن يكون في الكلام استعارةٌ تمثيليةٌ، بأن يشبّه حالُهم في محاولة إيطال نبوَّتِهِ وَّ بالتكذيبِ بحالٍ مَن يريد أن ينفخَ في نورٍ عظيم منبثٌّ في الآفاق، (١) القاموس: (طفاً).