النص المفهرس
صفحات 221-240
الآية : ٤ ٢٢١ سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ والقولُ بالرجوع إليهما والمستثنى منهما في الجملتين ليستا على نسقٍ واحدٍ، لا يَحْسُنُ، وجَعْلُ الثاني معهوداً وهم المشركون المستثنى منهم هؤلاء، فقبل(١) مجيء الاستثناء يبعُدُ ارتكابُه في النظم المعجز، وقولُه سبحانه: (فَأَنِقُواْ إِلَيْهِمْ) حينئذ لا بدَّ من أن يجعل جزاءَ شرطٍ محذوف، وهو أيضاً خلافُ الظاهر. والظاهرُ الخبرية، والفاءُ لتضمُّن المبتدأ معنى الشرط. وكونُ المرادِ به أناساً بأعيانهم، فلا يكون عامًّا فيشبهَ الشرط فتدخلَ الفاءُ في خبره، على تقدير تسليمه غيرُ مضرٍّ، فقد ذهب الأخفشُ إلى زيادة الفاء في خبر الموصول من غير اشتراطِ العموم. واستدلَّ القطبُ لما في (الكشاف)) بأنَّ هاهنا جملتين يمكن أن يعلّق بهما الاستثناء: جملةَ البراءة وجملةَ الإمهال، لكن تعليق الاستثناء بجملة البراءة يستلزمُ أنْ لا براءةَ عن بعض المشركين، فتعيَّن تعلَّقه بجملة الإمهال أربعة أشهر. وفيه غفلةٌ عن أنَّ المرادَ البراءةُ عن عهودِ المشركين لا عن أنفسهم، ولا كلامَ في أنَّ المعاهدين الغيرَ الناكثين ليس الله تعالى ورسولُهُ وَّه بريئَيْنِ من عهودِهم وإن برئا عن أنفسهم بضربٍ من التأويل، فافهم. وقال ابن المنير (٢): يجوز أن يكون قوله سبحانه: (فَسِيحُوأ) خطاباً للمشركين غيرَ مضمَرٍ قبلَه القول، ويكونُ الاستثناء على هذا من قوله تعالى: (إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ) كأنه قيل: براءةٌ من الله تعالى ورسوله إلى المعاهَدين إلا الباقين على العهدِ، فأتمُّوا إليهم أيُّها المسلمون عهدَهم، ويكون فيه خروجٌ من خطاب المسلمين في ((إلى (٣) الذين عاهدتم)) إلى خطاب المشركين في ((فسيحوا)) ثم التفاتٌ من التكلّم إلى الغيبة في (وَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمُ غيّرُ مُعْجِى الَهِ وَأَنَّ اللَّهَ) والأصل: غيرُ معجزيَّ وأنِّي، وفي هذا الالتفاتِ بعد الالتفاتِ الأولِ افتنانٌ في أساليب البلاغة، وتفخيمٌ للشأن، وتعظيمٌ للأمر، ثمَّ يتلو هذا الالتفاتَ العودُ إلى الخطاب بقوله سبحانه: (إِلَّا الَّذِينَ عَهَدُثُم) إلخ، وكلُّ هذا من حسناتِ الفصاحة. انتهى. ولا يخفى ما فيه من كثرةٍ التعشُّف. (١) في (م): فقيل. (٢) في الانتصاف ٢/ ١٧٤ . (٣) في الأصل و(م): إلا، والمثبت من الانتصاف. سُورَةُ التَّوَّةِ ٢٢٢ الآية : ٥ و (مِن)) قيل: بيانية. وقيل: تبعيضية. و((ثم)) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا﴾ للدلالة على ثباتهم على عهدِهم مع تمادي المدَّة. و(ينقصوا)) بالصاد المهملة - كما قرأ الجمهور - يجوز أن يتعدَّى إلى واحدٍ، فيكون ((شيئاً)) منصوباً على المصدرية، أي: لم ينقصوكم شيئاً من النقصان لا قليلاً ولا كثيراً، ويجوز أن يتعدَّى إلى اثنين، فيكون ((شيئاً)) مفعوله الثاني، أي: لم ينقصوكم شيئاً من شروط العهد وأدَّوها لكم بتمامها . وقرأ عكرمة وعطاء: ((ينقضوكم)) بالضاد المعجمة (١). والكلام حينئذ على حذفٍ مضاف، أي: لم ينقضوا عهودَكم شيئاً من النقض، وهي قراءةٌ مناسبةٌ للعهد، إلا أنَّ قراءة الجمهور أوقعُ لمقابلة التمام، مع استغنائها عن ارتكاب الحذف. ﴿وَلَمْ يُظَهِرُوا﴾ أي: لم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم، كما عدَتْ بنو بكر على خزاعةً، فظاهرتهم قريشٌ بالسلاح كما تقدم. ﴿فَتِمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أي: أُدُّوه إليهم كَمَلاً ﴿إِلَى مَُّّتِهِمَّ﴾ أي: إلى انقضائها ولا تُجرُوهم مجرى الناكثين. قيل: بقي لبني ضَمْرَةً وبني مُدْلجٍ - حيَّيْن من كنانة - من عهدِهم تسعةُ أشهر، فأُتم إليهم عهدُهم. وأخرج ابنُ أبي حاتم [عن قتادة] أنه قال: هؤلاء قريشٌ عاهدوا نبيَّ الله وَل زمنَ الحديبية، وكان بقي من مدَّتهم أربعةُ أشهرٍ بعدَ يوم النَّحر، فأمر الله تعالى شأنه نبيَّه وَّرِ أن يوفِّي لهم بعهدهم ذلك إلى مدَّتهم(٢). وهو خلافُ ما تظافرت به الرواياتُ من أنَّ قريشاً نقضوا العهدَ على ما علمتَ، والمعتمد هو الأول. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ ﴾﴾ تعليلٌ لوجوب الامتثال، وتنبيهٌ على أنَّ مراعاة العهد من باب التقوى، وأنَّ التسويةَ بين الغادر والوفيّ منافيةٌ لذلك وإن كان المعاهَدُ مشركاً . ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: انقَضَتْ، وأصله من السلخ بمعنى الكشط، (١) القراءات الشاذة ص٥١، والمحتسب ٢٨٣/١، والبحر ٨/٥. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ٦/ ١٧٥٠، وما سلف بين حاصرتين منه. الآية : ٥ ٢٢٣ سُوَدَّةُ التَّوَيَّةِ يقال: سلختُ الإهابَ عن الشاة، أي: كشطتُه ونزعتُه عنها. ويجيء بمعنى الإخراج، كما يقال: سلختُ الشاة عن الإهاب، إذا أخرجتها منه. وذكر أبو الهيثم(١) أنه يقال: أهللنا شهر كذا، أي: دخلنا فيه، فنحن نزداد كلَّ ليلة لباساً إلى نصفِه ثم نسلخُه عن أنفسِنا جزأ فجزأ حتى ينقضي، وأنشد: إذا ما سلختُ الشهرَ أهللتُ مثله كفى قاتلاً سلخي الشهورَ وإهلالي(٢) والانسلاخُ فيما نحن فيه استعارةٌ حسنة، وتحقيقُ ذلك أنَّ الزمان محيطٌ بما فيه من الزمانيات، مشتملٌ عليه اشتمالَ الجلد على الحيوان، وكذا كلُّ جزء من أجزائه الممتدَّة كالأيام والشهور والسِّنين، فإذا مضى فكأنه انسلخ عمَّا فيه، وفي ذلك مزيدُ لطفٍ؛ لما فيه من التلويح بأنَّ تلك الأشهرَ كانت حرزاً لأولئك المعاهدين عن غوائل أيدي المسلمين، فنيط قتالُهم بزوالها، ومِن هنا يُعلم أنَّ جَعْلَه استعارةً من المعنى الأول للسلخ أولى مِن جَعْلِه من المعنى الثاني باعتبار أنه لما انقضى كأنَّه أُخرج من الأشياء الموجودة؛ إذ لا يظهر هذا التلويحُ عليه ظهورَه على الأول. و((أل)) في ((الأشهر)) للعهد، فالمراد بها الأشهرُ الأربعة المتقدِّمة في قوله سبحانه: (فَسِيحُواْ فِىِ الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وهو المرويُّ عن مجاهد وغيرهٍ. وفي ((الدرِّ المصون)): أنَّ العرب إذا ذكرت نكرةً ثم أرادت ذِكْرَها ثانياً، أتت بالضمير أو باللفظ معرَّفاً بأل، ولا يجوزُ أن تصفَه حينئذٍ بصفة تُشْعر بالمغايرة، فلو قيل: رأيت رجلاً وأكرمتُ الرجلَ الطويلَ، لم تُرد بالثاني الأوَّلَ، وإن وصفتَه بما لا يقتضي المغايرةً جاز، كقولك: فأكرمتُ الرجلَ المذكور. والآية من هذا القبيل، فإنَّ ((الحُرُم)) صفةٌ مفهومةٌ من فحوى الكلام، فلا تقتضي المغايرة(٣). (١) الرازي، اشتهر بكنيته، كان نحويًّا إماماً، له: الشامل في اللغة، والفاخر في اللغة، وزيادات معاني القرآن للفراء، وتوفي سنة (٢٧٦هـ). إنباه الرواة ١٨٢/٤، وبغية الوعاة ٣٢٩/٢. وكلامه في تهذيب اللغة ٧/ ١٧٠، وحاشية الشهاب ٣٠٠/٤، وعنه نقل المصنف. (٢) البيت لعمر بن الأهتم، وهو في ديوانه ص٩٨ (طبعة مؤسسة الرسالة)، وتهذيب اللغة ٧/ ١٧١، وحاشية الشهاب ٣٠٠/٤، ورواية الديوان: إذا ما سلخت الدهر ... ، وذكره الزمخشري في أساس البلاغة (سلخ) برواية: أهلكت مثله. (٣) الدر المصون ٦/ ١٠-١١. سُورَةُالثَّوَنَّة ٢٢٤ الآية : ٥ وكأنَّ النكتة في العُدُول عن الضمير ووضع الظاهرِ موضعَه الإتيانُ بهذه الصفة؛ لتكون تأكيداً لما يُنْبِئُ عنه إباحةُ السياحة من حَرَمةِ التعرُّض لهم، مع ما في ذلك من مزيدِ الاعتناء بشأن الموصوف، وعلى هذا فالمرادُ بالمشركين في قوله سبحانه: ﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الناكثون، فيكون المقصودُ بيانَ حكمهم بعد التنبيه على إتمام مدَّة من لم ينكث، ولا يكون حكمُ الباقين مفهوماً من عبارة النصِّ بل من دلالتِهِ. وجُوِّز أن يكون المرادُ بها تلك الأربعةَ مع ما فُهم من قوله سبحانه: (فَأَيْقُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمَّ) من تتمَّة مدَّةٍ بقيتْ لغير الناكثين. وعليه يكونُ حكم الباقين مفهوماً من العبارة حيثُ إنَّ المراد بالمشركين حينئذٍ ما يعمُّهم والناكثين إلَّا أنَّه يكون الانسلاخُ وما نِيط به من القتال شيئاً فشيئاً لا دفعةً واحدة، فكأنَّه قيل: فإذا تمَّ ميقاتُ كلِّ طائفة، فاقتلوهم. وقيل المرادُ بها الأشهرُ المعهودةُ الدائرةُ في كلِّ سنةٍ، وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم،. وهو مخلٌّ بالنظم الكريم؛ لأنَّه يأباه الترتيبُ بالفاء، وهو مخالف للسياق الذي يقتضي توالي هذه الأشهر. وقيل: إنه مخالفٌ للإجماع أيضاً؛ لأنه قام على أنَّ هذه الأشهرَ يحلُّ فيها القتالُ، وأنَّ حرمتها نُسخت، وعلى تفسيره بها يقتضي بقاءَ حرمتها، ولم ينزلْ بعدُ ما ينسخها . ورُدَّ بأنه لا يلزم أنْ يُنسخَ الكتابُ بالكتاب، بل قد يُنسخ بالسنة كما تقرَّر بالأصول، وعلى تقدير لزومِه كما هو رأي البعض يحتمل أن يكون ناسخُه من الكتاب منسوخَ التلاوة. وتعقّب هذا بأنه احتمالٌ لا يفيدُ ولا يُسمع؛ لأنَّه لو كان كذلك لنُقل، والنسخُ لا يكفي فيه الاحتمال. وقيل: إنَّ الإجماع إذا قام على أنَّها منسوخةٌ كفى ذلك من غير حاجةٍ إلى نقلٍ سندٍ إلينا، وقد صحَّ أنه ◌ِّرِ حاصر الطائفَ لعشرٍ بقين من المحرَّم، وكما أن ذلك كافٍ لنسخِها يكفي لنسخ ما وقع في الحديث الصحيح، وهو ((إنَّ الزمانَ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ الله تعالى السماواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عَشَرَ شهراً منها أربعةٌ الآية : ٥ ٢٢٥ سُوَّةُ التَّوَنَّي حُرُم؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم ورجب))(١) فلا يقال: إنَّه يُشْكِلُ علينا لعدم العلم بما ينسخُه، كما تُوهم. وإلى نسخ الكتاب بالإجماع ذهب البعضُ منَّا، ففي ((النهاية شرح الهداية)): تجوز الزيادة على الكتاب بالإجماع، صرَّح به الإمام السرخسيُّ. وقال فخر الإسلام: إنَّ النسخ بالإجماع جوَّزه بعضُ أصحابنا بطريقِ أنَّ الإجماعَ يوجب العِلْمَ اليقينيَّ كالنصِّ، فيجوز أن يثبتَ به النسخُ، والإجماعُ في كونه حجَّةً أقوى من الخبر المشهور، والنسخُ به جائزٌ فبالإجماع أولى. وأما اشتراطُ حياة النبيِّ وَِّ في جواز النسخ فغيرُ مشروطٍ على قولِ ذلك البعضٍ من الأصحاب. اهـ. وأنت تعلم أنَّ المسألة خلافيةٌ عندنا، على أن في الإجماع كلاماً، فقد قيل ببقاء حرمةٍ قتال المسلمين فيها إلَّا أنْ يقاتلوا، ونُقل ذلك عن عطاء لكنَّه قولٌ لا يعتدُّ به . والقولُ بأنَّ مَنْعَ القتال في الأشهر الحُرُم كان في تلك السنة وهو لا يقتضي منعَه في كلِّ ما شابهها، بل هو مسكوتٌ عنه، فلا يخالف الإجماع، ويكون حلَّه معلوماً من دليل آخرَ = ليس بشيء؛ لأنَّ الظاهر أنَّ مَن يدَّعي الإجماعَ يدَّعيه في الحلِّ من تلك السنة أيضاً. وبالجملة: لا معوَّلَ على هذا التفسير. وهذه - على ما قال الجلالُ السيوطيُّ - هي آية السيف التي نَسخت آياتِ العفو والصَّفح والإعراض والمسالمة(٢). وقال العلّامة ابنُ حجر: آية السيف ﴿وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وقيل: هما . واستدلَّ الجمهورُ بعمومِها على قتالِ التُّرك والحبشةِ، كأنَّه قيل: فاقتلوا الكفّار مطلقاً ﴿حَيْثُ وَجَدَّتُمُوهُمْ﴾ من حلِّ وحَرَم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ قيل: أي: انسروهم، والأخيذُ الأسير، وفُسِّر الأسر بالربط لا الاسترقاق، فإنَّ مشركي العرب لا يُسترقُّون. وقيل: المراد إمهالُهم للتخيير بين القتل والإسلام. وقيل: هو عبارةٌ عن أذَّتهم بكلِّ طريقٍ ممكن. (١) سلف ص ٢١٠ من هذا الجزء. (٢) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص١٣٨ . سُورَةُ الَوَّةِ ٢٢٦ الآية : ٥ وقد شاع في العُرف الأخذُ على الاستيلاء على مالِ العدو، فيقال: إنَّ بني فلان أخذوا بني فلان، أي: استولوا على أموالهم بعد أن غلبوهم. ﴿وَأَخْصُرُوهُمْ﴾ قيل: أي: احبسوهم. ونقل الخازنُ(١) عن ابن عباس ﴿يَا أنَّ المراد: امنعوهم عن الخروج إذا تحصَّنوا منكم بحصنٍ. ونقل غيرُه عنه أنَّ المعنى: حِيلوا بينهم وبينَ المسجد الحرام. ﴿وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: كلَّ ممرٍّ ومجتازٍ يجتازون منه في أسفارهم، وانتصابُه عند الزجَّاجِ (٢) ومَن تبعه على الظرفية. وردَّه أبو عليٍّ بأنَّ المرصد المكانُ الذي يُرصد فيه العدوُّ، فهو مكانٌ مخصوصٌ لا يجوز حذفُ ((في)) منه ونصبُه على الظرفية إلَّ سماعاً. وتعقّبه أبو حيَّان بأنه لا مانعَ من انتصابه على الظرفية؛ لأنَّ قوله تعالى: (وَقْعُدُواْ لَهُمْ) ليس معناه حقيقةَ القعود، بل المرادُ ترقُّبهم وترصُّدهم، فالمعنى: ارصدوهم كلَّ مرصدٍ يُرصَدُ فيه. والظرفُ مطلقاً ينصبه بإسقاط ((في)) فعلٌ مِن لفظه أو معناه، نحو: جلستُ وقعدتُ مجلسَ الأمير(٣). والمقصورُ على السماع ما لم يكن كذلك، و(كل)) وإنْ لم يكن ظرفاً لكنْ له حكمُ ما يضاف إليه؛ لأنَّه عبارة عنه. وجوَّز ابنُ المنير(٤) أن يكون («مرصد)) مصدراً ميميًّا، فهو مفعولٌ مطلقٌ، والعامل فيه الفعلُ الذي بمعناه، كأنه قيل: وارصدوهم كلَّ مرصد. ولا يخفى بُعدُه. وعن الأخفش(٥) أنَّه منصوبٌ بنزعِ الخافض، والأصلُ: على كلِّ مرصدٍ، فلما حذف ((على)) انتصب. وأنت تعلم أنَّ النصبَ بنزع الخافض غيرُ مقيس، خصوصاً إذا كان الخافضُ ((على)) فإنه يقلُّ حذفها، حتَّى قيل: إنه مخصوصٌ بالشعر. (١) في تفسيره ٣/ ٦٢. (٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٣١. (٣) البحر المحيط ١٠/٥. (٤) في الانتصاف ٢/ ١٧٥ . (٥) في معاني القرآن ٥٤٩/٢ . الآية : ٥ ٢٢٧ سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ ﴿فَإِن تَابُواْ﴾ عن الشِّرك بالإيمان بسبب ما ينالهم منكم ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوًّا الزَّكَوَةَ﴾ تصديقاً لتوبتهم وإيمانِهم. واكتفى بذكرهما كونَهما رئيسا العبادات البدنية والمالية. ﴿فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي: فاتركوهم وشأنَهم، ولا تتعرَّضوا لهم بشيءٍ مما ذُكر. وقيل: المرادُ: خلُّوا بينهم وبينَ البيت ولا تمنعوهم عنه. والأوَّل أولى، وقد جاءت تخليةُ السبيل في كلام العرب كنايةً عن التَّرك كما في قوله: وابرُزْ ببرزةَ حيثُ اضطرَّكَ القَدَرُ (١) خلِّ السبيلَ لمن يبني المنارَ به ثَّ يراد منها في كلِّ مقامٍ ما يليق به، ونُقل عن الشافعيِّ ◌َُّه أنَّه استدلَّ بالآية على قتل تارك الصلاة، وقتّالِ مانع الزكاة، وذلك لأنَّه تعالى أباح دماءَ الكفار بجميع الطُرق والأحوال، ثمَّ حرَّمها عند التوبة عن الكفر وإقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة، فما لم يُوجَد هذا المجموعُ، تبقى إباحةُ الدم(٢) على الأصل، ولعلَّ أبا بكر رُّبه استدلَّ بها على قتال مانعي الزكاة. وفي ((الحواشي الشهابية))(٣): أن المُزَنيَّ من جلَّة الشافعية ﴿ه أورد على قتلِ تارك الصلاة تشكيكاً تحيّروا في دفعه كما قال السبكيُّ في ((طبقاته))(٤)، فقال: إنه لا يتصوَّر؛ لأنَّه إما أن يكون على تركِ صلاةٍ قد مضت، أوْ لَمْ تأتِ، والأولُ باطلٌ؛ لأنَّ المقضيَّةَ لا يُقتل بتركها، والثاني كذلك؛ لأنه ما لم يخرج الوقتُ فله التأخيرُ، فعَلَامَ يقتل؟ وسلكوا في الجواب مسالك: الأول: أنَّ هذا واردٌ أيضاً على القول بالتعزير والضربِ والحبسِ كما هو مذهبُ الحنيفة، فالجواب الجواب(٥)، وهو جدليٌّ. (١) البيت لجرير، وهو في ديوانه بشرح ابن حبيب ٢١١/١. وفيه: الطريق، بدل: السبيل. (٢) في الأصل: القتل، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٠٢/٤، والكلام منه. (٣) ٣٠٢/٤. (٤) ١٠٧/٢-١٠٨، والكلام من حاشية الشهاب. (٥) أي: فما كان جواباً للمزني عن الحبس والتعزير، فهو جوابنا عن القتل. طبقات الشافعية ١٠٧/٢. سُورَةُ التَّوَتَّةِ ٢٢٨ الآية : ٥ والثاني: أنه على الماضية؛ لأنَّه تركها بلا عذرٍ. ورُدَّ بأنَّ القضاء لا يجب على الفور، وبأنَّ الشافعيَّ رَُّ قد نصَّ على أنه لا يُقتل بالمقضيّة مطلقاً . والثالث: أنه يُقتل بالمؤذَّاة في آخرٍ وقتها. ويلزمُه أنَّ المبادرةَ إلى قتل تارِك الصلاة تكونُ أحقَّ منها إلى المرتدِّ؛ إذ هو يُستتاب وهذا لا يُستتاب ولا يُمهل؛ إذ لو أُمهل صارت مقضية، وهو محلُّ كلامٍ. فلا حاجةً إلى أن يجابُ من طرفٍ أبي حنيفةَ رَ﴿ه كما قيل: بأن استدلالَ الشافعيّ(١) مبنيٌّ على القولِ بمفهوم الشرط، وهو لا يقول به (٢)، ولو سلَّمه فالتخليةُ الإطلاق عن جميع ما مرَّ، وحينئذ يقال: تارك الصلاة لا يخلّى، ويكفي لعدم التخلية أنْ يُحبس. على أنَّ ذلك منقوضٌ بمانع الزكاة عندَه. وأيضاً يجوزُ أن يرادَ بإقامتهما التزامُهما، وإذا لم يلتزمهما كان كافراً. إلّا أنَّه خلافُ المتبادر وإن قاله بعضُ المفسرين. وأنت تعلم أنَّ مذهب الشافعية أنَّ مَن ترك صلاةً واحدة كَسَلاً بشرط إخراجها عن وقتِ الضرورة - بأنْ لا يصلِّيَ الظهرَ مثلاً حتى تغرب الشمسُ - قُتل حدًّا. واستدلَّ بعضُ أجلَّة متأخريهم (٣) بهذه الآية، وقولهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أنْ أقاتلَ الناسَ)) الحديثَ(٤). وبيَّن ذلك بأنهما شَرَطا في الكفّ عن القتل والمقائلة: الإسلامَ، وإقامةَ الصلاة، وإيتاء الزكاة، لكنَّ الزكاة يمكن للإمام أخذُها ولو بالمقاتلة ممَّن امتنعوا منها وقاتلونا، فكانت فيها على حقيقتها، بخلافها في الصلاة فإنه لا يمكن فعلُها بالمقاتلة، فكانت فيها بمعنى القتل. ثمّ قال: فعُلم وضوحُ الفرق بين الصلاة والزكاة وكذا الصوم، فإنه إذا عَلِمَ أنه يُحبَسُ طولَ النهار نواه، فأجدى الحبسُ فيه، ولا كذلك الصلاةُ فتعيَّن القتلُ في حدِّها . (١) في (م): الشافعية، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب. (٢) في (م): وهو لا يعول به، وفي حاشية الشهاب: ونحن لا نقول به، والمثبت من الأصل، وضمير هو عائد على أبي حنيفة رحمه الله . (٣) هو ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج في شرح المنهاج ٨٤/٣. (٤) أخرجه البخاري (٦٩٢٤)، ومسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة لله، وقد سلف ٣٥٧/١. الآية : ٦ ٢٢٩ سُؤَدَّةُ التَّوَنَّةِ ولا يخفى أنَّ ظاهرَ هذا قولٌ بالجمع بين الحقيقة والمجاز في الآية والحديث؛ لأنَّ الصلاة والزكاة في كلٌّ منهما. وفي الآية القتلُ، وحقيقتُه لا تجري في مانع الزكاة، وفي الحديث المقاتلةُ، وحقيقتُها لا تجري في تارك الصلاة، فلا بدَّ أن يرادَ مع القتل المقاتلةُ في الآية، ومع المقاتلة القتلُ في الحديث؛ ليتأتَّى جريانُ ذلك في تارك الصلاة ومانع الزكاة، والجمعُ بين الحقيقة والمجاز لا يجوز عندنا، على أنَّ حَمْلَ الآية والحديث على ذلك ممَّا لا يكاد يتبادر إلى الذِّهن، فالنقضُ بمانع الزكاة في غاية القوة. وأشار(١) إلى ما نقل عن المزنيّ مع جوابه بقوله: لا يقال: لا قتلَ بالحاضرةِ لأنَّه لم يُخرِجها عن وقتها، ولا بالخارجةِ عنه لأنَّه لا قتلَ بالقضاء وإن وجب فوراً؛ لأنَّا نقول: بل يُقتل بالحاضرة إذا أُمر بها من جهة الإمام أو نائبه دونَ غيرهما فيما يظهر في الوقت عندَ ضيقهِ، وتُوعِّد على إخراجها عنه، فامتنع حتى خرج وقتُها؛ لأنَّه حينئذ معاندٌ للشرع عناداً يقتضي مثلهُ القتلَ، فهو ليس لحاضرةٍ فقط ولا لفائتةٍ فقط، بل لمجموعِ الأمرين: الأمرِ، والإخراجِ مع التصميم. ثم إنهم قالوا: يُستتاب تاركُ الصلاة فوراً؛ ندباً، وفارق الوجوب في المرتدِّ بأنَّ ترك استتابته توجبُ تخليدَه في النار إجماعاً بخلاف هذا، ولا يَضْمَنُ عندهم مَن قَتَلَه قبلَ التوبة مطلقاً، لكنَّه يأثم من جهة الافتياتِ على الإمام. وتمامُ الكلام في ذلك يُطلب من محلِّه. واستَدلَّ بالآية أيضاً - كما قال الجلالُ السيوطيُّ - مَن ذهب إلى كفرِ تارك الصلاة ومانع الزكاة (٢)، وليس ذاكَ بشيء، والصحيحُ أنَّهما مؤمنان عاصيان، وما يُشعِر بالكفر خارجٌ مخرج التغليظ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ يغفرُ لهم ما قد سلفَ منهم، ويُثيبهم بإيمانهم وطاعتِهم، وهو تعليلٌ للأمر بتخلية السبيل. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ شروعٌ في بيان حكم المتصدِّين لمبادي التوبة؛ من سماع كلام الله (١) يعني ابن حجر الهيتمي. (٢) الإكليل في استنباط التنزيل ص١٣٨ . سُورَةُ التَّوَّةِ ٢٣٠ الآية : ٦ تعالى، والوقوفِ على شعائرِ الدِّين، إثرَ بيانٍ حكم التائبين عن الكفر والمصرِّين عليه، وفيه إزاحةُ ما عسى أن(١) يُتوهّم من قوله سبحانه: (فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ)؛ إذ الحجَّة قد قامت عليهم، وأنَّ ما ذكره عليه الصلاة والسلام قبلُ من الدلائل والبيِّنات كافٍ في إزالة عُذْرِهم، فطلبُهم للدليل لا يُلتفتُ إليه بعدُ. و((إنْ)) شرطية، والاسمُ مرفوعٌ بشرطِ مضمَرٍ يفسِّرُه الظاهرُ، لا بالابتداء، ومَن زعم ذلك فقد أخطأ كما قال الزجَّاجُ(٢)؛ لأنَّ ((إنْ)) لكونها تعملُ العملَ المختصَّ بالفعل لفظاً أو محلًّا مختصَّةٌ به، فلا يصحُّ دخولُها على الأسماء، أي: وإن استجارك أحدٌ ﴿مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿أَسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمنك، وطلب مجاورتَك بعد انقضاء الأجل المضروب ﴿فَأَجِرْهُ﴾ أي: فآمنه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ﴾ ويتدبَّره، ويطّلع على حقيقة ما تدعو إليه، والاقتصارُ على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيءٍ آخرَ في الفهم؛ لكونهم من أهل اللَّسَن والفصاحة. والمراد بكلام الله تعالى: الآياتُ المشتملةُ(٣) على التوحيد ونفي الشَّبَهِ والشُّبَه(٤). وقيل : سورةُ براءة. وقيل: جميعُ القرآن؛ لأنَّ تمامَ الدلائل والبيناتِ فيه. و((حتى)) للتعليل متعلقةٌ بما عندها. وليست الآيةُ من التنازع على ما صرَّح به الفاضلُ ابنُ العادل(٥) حيث قال: ولا يجوز ذلك عندَ الجمهور لأمرٍ لفظيٍّ صناعيٍّ، لأنَّا لو جعلناها من ذلك الباب وأعملنا الأوَّل ـ أعني استجارك - لزم إثباتُ الممتنع عندَهم وهو إعمالُ ((حتى)) في الضمير، فإنهم قالوا: لا يُرتكب ذلك إلَّ في الضرورة كما في قوله : (١) قوله: أن، ليس في (م). (٢) في معاني القرآن ٢/ ٤٣١ . (٣) بعدها في (م): على ما يدل. (٤) في (م): الشبيه . (٥) الإمام المفسر أبو حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي المتوفى بعد سنة (٨٨٠هـ)، والكلام بنحوه في اللباب في علوم الكتاب له ٢٠/١٠، والدر المصون ١٣/٦. الآية : ٦ ٢٣١ ـرَّةُ التَّوَنَّةِ فتىِّ حَّاك يا ابن أبي زياد(١) فلا والله لا يلْقى أناسٌ ضرورةً أن القائلين بإعمال الثاني يجوِّزون إعمال الأوَّل المسْتَدعي لما ذكر، سيما على مذهب الكوفيين المبنيٍّ على رجحان إعماله، ومَن جوَّز إعماله في الضمير يصحُّ ذلك عنده؛ لعدم المحذور حينئذٍ. ويُفْهِمُ ظاهر كلام بعض الأفاضل جواز التعلق بـ ((استجارك)) حيث قال: لا داعيَ لتعلُّقه بـ ((أَجِرْه)) سوى الظنِّ أنَّه يلزم أن يكون التقدير على تقدير التعلُّق بالأوَّل: وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك حتَّى يسمع كلامَ الله فأجره حتَّاه، أي: حتَّى السَّمع، وهل يقول عاقلٌ بتوقُّفِ تمام قولك: إن استأمنك زيدٌ لأمرٍ كذا فآمنه، على أنْ تقولَ لذلك الأمر كلَّا؟! فَرَضْنا الاحتياجَ ولزومَ التقدير، ولكنْ ما الموجبُ لتقدير حتَّه الممتنع في غير الضرورة؟ ولمَ لا يجوزُ أن يقدَّر: لذلك، أو: له، أو: حتى يسمَعه، أو غيَرَ ذلك ممَّا في معناه. وقال آخر: إنَّ لزومَ الإضمار الممتنع على تقدير إعمال الأوَّل لا يعيِّن إعمالَ الثاني، فلا يخرجُ التركيبُ من باب التنازُعِ، بل يُعدَلُ حينئذٍ إلى الحذف، فإنْ تعذّر أيضاً، ذُكر مُظْهراً كما يُستفاد من كلام نجمِ الأئمةِ(٢) وغيرِه من المحققين. وقد يقالُ: إنَّ المانع من كونه من باب التنازع أنه ليس المقصود تعليلَ الاستجارة بما ذُكر كما أنَّ المقصودَ تعليلُ الإجارة به. نعم قال شيخ الإسلام(٣): إِنَّ تعلُّقَ الإجارة بسماعٍ كلامِ اللهِ تعالى يستلزمُ تَعلَّقَ الاستجارة أيضاً بذلك، أو ما (٤) في معناه من أموَرَ الدِّين، وما روي عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه أنه أتاه رجلٌ من المشركين فقال: إنْ أراد الرجل منَّا أن يأتي محمداً بعدَ انقضاءِ هذا الأجلِ لسماع كلامِ الله تعالى أو لحاجةٍ، قُتل؟! قال: لا؛ لأنَّ الله تعالى يقول: (١) المقرب لابن عصفور ١٩٤/١، ورصف المباني ص ١٨٥، والدر المصون ١٣/٦، واللباب ٢٠/١٠ والخزانة ٤٧٤/٩، والدرر اللوامع ١١١/٤. وجاء في (م): يلفي، وهو موافق لرواية المقرب والدرر اللوامع. وجاء في المصادر عدا الدرر اللوامع: يا ابن أبي يزيد. (٢) هو رضي الدين الأستراباذي. (٣) هو أبو السعود في تفسيره ٤/ ٤٤. (٤) في تفسير أبي السعود: بما. سُورَةُ التّوَيَّةِ ٢٣٢ الآية : ٦ (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ) إلخ، فالمرادُ بما فيه من الحاجة هي الحاجةُ المتعلّقة بالدِّين، لا ما يعمُّها وغيرها من الحاجات الدنيوية، كما يُنبئُ عنه قولُه: أن يأتي محمداً؛ فإنَّ من يأتيه عليه الصلاة والسلام إنَّما يأتيه للأمور المتعلّقة بالدِّين. انتهى. لكنه ليس بشيء؛ لأنَّ الظاهر من كلام ذلك القائل العمومُ، فیکون جوابُ الأمير كرم الله تعالى وجهه مؤيِّداً لما قلناه. ويَرِدُ على قوله قدِّس سرُّه: إنَّ [مَن](١) يأتيه عليه الصلاة والسلام إنما يأتيه للأمور المتعلّقة بالدِّين. منعٌ ظاهر فلا يتمُّ بناء الإنباء. وجوَّز غيرُ واحد كون ((حتى)) للغاية، والخبرُ المذكور وجزالةُ المعنى يشهدان بكونها للتعليل، بل قال المولى سريُّ الدِّين المصري(٢): إنَّ جعلها للغاية يأباه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبِغْهُ﴾ بعد سماعه كلامَ الله تعالى إنْ لم يؤمِنْ ﴿مَأْمَنَهُ﴾ أي: مسكنه الذي يأمنُ فيه، أو موضعَ أمنِه وهو ديارُ قومه، على أنَّ المأمَن اسمُ مكانٍ، أو مصدرٌ بتقديرِ مضافٍ، والأول أولى لسلامته من مؤنة التقدير. والجملةُ الشرطية - على ما بيَّنه في ((الكشف)) - عطفٌ على قوله سبحانه: (فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ) ولا حجّة في الآية للمعتزلة على نفي الكلام النفسيِّ؛ لأنَّ السماعَ قد يُنسب إليه باعتبار الدالِّ عليه، أو يقال: إنَّ الكلام مقولٌ بالاشتراك أو بالحقيقةِ والمجاز على الكلام النفسيِّ والكلام اللفظي، ولا يلزمُ من تعيُّن أحدهما في مقام نفيُ ثبوت الآخر في نفس الأمر، وقد تقدَّم في المقدِّمات من الكلام ما يتعلَّق بهذاً المقام فتذگَّر(٣). ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: الأمنُ أو الأمرُ ﴿يَأَهُمْ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ما الإسلامُ، وما حقيقةُ ما تدعوهم إليه، أو: قومٌ جَهَلةٌ، فلا بدَّ من إعطاءِ الأمان حتَّى يفهموا ذلكَ ولا يبقى لهم معذرةٌ أصلاً . (١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصل و(م). (٢) هو سريُّ الدين بن إبراهيم الدوري المصري الحنفي المعروف بابن الصائغ، له حاشية على سورة النساء من تفسير البيضاوي، وحاشية على شرح الأكمل للهداية، وحاشية على شرح المفتاح للسيد، وحاشية على شرح نخبة الفكر لابن حجر، توفي سنة (١٠٦٦ هـ). هدية العارفين ٣٨٤/١ و٢٨٧/٢. (٣) ينظر ما سلف في الفائدة الرابعة من مقدمة المصنف ١١٦/١ وما بعدها. الآية : ٧ ٢٣٣ سُوَُّ النَّوَتَّةِ والآية - كما قال الحسن - محكمةٌ. وأخرج أبو الشيخ(١) عن سعيد بن أبي عروبة أنَّها منسوخةٌ بقولهِ تعالى: ﴿وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَدِئِلُونَكُمْ كَانَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. وروي ذلك عن السُّدِّي والضحاك أيضاً، وما قاله الحسنُ أحسنُ. واختُلف في مقدار مدَّةِ الإمهال؛ فقيل: أربعةُ أشهر، وذكر النيسابوريُّ أنَّه الصحيح من مذهبٍ الشافعيِّ(٢). وقيل: مفوَّضٌ إلى رأي الإمام. ولعلَّه الأشبه. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ﴾ تبيينٌ للحكمة الدَّاعية لِمَا سبق من البراءة ولَوَاحِقِها، والمرادُ من المشركين: الناكثون؛ لأنَّ البراءة إنَّما هي في شأنهم، والاستفهامُ لإنكار الوقوع، و((يكون)) تامَّةٌ، و((كيف)» في محلٌّ النَّصب على التشبيه بالحالِ أو الظرف. وقال غيرُ واحد: ناقصةٌ و((كيف)) خبُرها، وهو واجبُ التقديم؛ لأنَّ الاستفهام له صدرُ الكلام. و((للمشركين)) متعلِّق بـ ((يكون)) عند مَن يجوِّز عمَل الأفعال الناقصةِ بالظروف، أو صفةٌ لـ ((عَهْد)) قُدِّمت فصارت حالاً. و((عند)) إما متعلِّق بـ ((يكون)) على ما مرَّ، أو بـ ((عَهْد)) لأنَّه مصدرٌ، أو بمحذوفٍ وقعَ صفةً له. وجوِّز أن يكون الخبر (للمشركين))، و((عند)» فيها الأَوْجُهُ المتقدِّمة، ويجوز أيضاً تعلُّقها بالاستقرار الذي تعلَّق به ((للمشركين)). أو الخبر ((عند الله)) و((للمشركين)) إمَّا تبيينٌ كما في: سقياً لك، فيتعلَّق بمقدَّرٍ مثل: أقول هذا الإنكار لهم، أو متعلِّق بـ ((يكون)). وإما حالٌ من ((عهد))، أو متعلِّق بالاستقرار الذي تعلَّق به الخبر، ويُغتفر تقدُّم معمولِ الخبر؛ لكونه جارًّا ومجروراً. و(كيف)) على الوجهين الأخيرين شبيهةٌ بالظرف أو بالحال، كما في احتمال كونِ الفعل تامًّا، وهو على ما قاله شيخُ الإسلام(٣): الأَوْلَى؛ لأنَّ في إنكار ثبوتٍ (١) كما في الدر المنثور ٢١٣/٣ -٢١٤. (٢) غرائب القرآن ١٠/ ٤٤. (٣) في تفسيره ٤٥/٤ . سُورَةُالتَّوَتِيِ ٢٣٤ الآية : ٧ العهد في نفسه من المبالغة ما ليس في إنكار ثبوته للمشركين؛ لأنَّ ثبوتَه الرابطيَّ فرعُ(١) ثبوته العينيِّ، فانتفاءُ الأصل يوجبُ انتفاءَ الفرع رأساً. وتُعقِّب بأنه غيرُ صحيح لما تقرَّر أنَّ انتفاء مبدأ المحمول في الخارج لا يوجب انتفاءَ الحمل الخارجي؛ لانِّصاف الأعيان بالاعتباريات والعدميَّات، حتى صرَّحوا بأنَّ: زيدٌ أعمى، قضيةٌ خارجيةٌ مع أنه لا ثبوتَ عيناً للعمى، وصرَّحوا بأنَّ ثبوتَ الشيء للشيء وإن لم يَقْتَضِ ثُبُوتَ الشيء الثابت في ظرف الاتصاف، لكنَّه يقتضي ثبوتَه في نفسه ولو في محلِّ انتزاعه، وتحقيق ذلك في محلّه. نعم في توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوتِ العهد(٢) من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ثبوته؛ لأنه إذا انتفى جميعُ أحوال وجودِ الشيء، وكلُّ موجود يجب أن يكونَ وجودهُ على حالٍ، فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهانيِّ، أي: في أيِّ حالٍ يوجد لهم عهدٌ معتدٌّ به عند الله تعالى وعند رسوله وَّه يستحقُّ أن يُراعَى حقوقُه ويُحافَظَ عليه إلى تمام المدَّة ولا يُتعرَّضَ لهم بحسَبِه قتلاً وأخذاً. وتكريرُ كلمة ((عند)) للإيذان بعدم الاعتدادِ عند كلٍّ من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على حِدة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُمْ﴾ وهم المستَئنَون فيما سلف، والخلافُ هو الخلاف، والمعتمَدُ هو المعتمدُ. والتعرُّضُ لكون المعاهدة ﴿عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ﴾ لزيادةِ بيان أصحابها، والإشعارِ بسبب وكادتها. والاستثناءُ مُنقطعٌ، وهو بمعنى الاستدراك من المنفي المفهوم من الاستفهام الإنكاري المتبادر شمولُه لجميع(٣) المعاهدین، ومحلُّ الموصول الرفعُ على الابتداء، وخبرُه مقدَّر، أو هو ﴿فَمَا أُسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُوا لَمَّ﴾ والفاء لتضمُّنه معنى الشرط على ما مرَّ. و((ما)) كما قال غيرُ واحدٍ إمَّا مصدريَّةٌ منصوبةُ المحلِّ على الظرفية بتقديرِ مضافٍ، أي: فاستقيموا لهم مدَّة استقامتهم لكم، وإمَّا شرطيةٌ منصوبةُ المحلِّ على الظرفية الزمانيَّة، أي: أيَّ زمانٍ (١) في الأصل: عين، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود. (٢) في الأصل: الإنكار، والمثبت من (م) وتفسير أبي السعود ٤/ ٤٥، والكلام منه. (٣) في (م): بجميع، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود. الآية : ٨ ٢٣٥ سُورَةُ التََّتِيِ استقاموا لكم فاستقيموا لهم. وهو أسلمُ من القيل صناعةً من الاحتمال الأوَّل على التقدير الثاني. ويحتمل أن تكونَ مرفوعةَ المحلِّ على الابتداء(١)، وفي خبرها الخلافُ المشهورُ، و((استقيموا)) جوابُ الشَّرط، والفاءُ واقعةٌ في الجواب، وعلى احتمال المصدريَّة مزيدةٌ للتأكید. وجوِّز أن يكون الاستثناءُ متَّصلاً، ومحلُّ الموصول النصبُ أو الجرُّ على أنَّه بدلٌ من المشركين؛ لأنَّ الاستفهام بمعنى النفي، والمرادُ بهم الجنسُ لا المعھودُون. وأيًّا ما كان فحكمُ الأمر بالاستقامة ينتهي بانتهاء مدَّة العَهد، فيرجع هذا إلى الأمر بالإتمام المارِّ، خلا أنَّه قد صرَّح هاهنا بما لم يصرِّح به هناك مع كونه معتبراً فيه قطعاً، وهو تقييدُ الإتمام المأمورِ به ببقائهم على ما كانوا عليه من الوفاء. وعلل سبحانه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾﴾ على طرز ما تقدَّم حذوَ القذَّةِ بالقذة. وَكَيْفَ﴾ تكريرٌ لاستنكار ما مرَّ من أن يكون للمشركين عهدٌ حقيقٌ بالمراعاة عند الله تعالى وعندَ رسولِهِ وَّه. وقيل: لاستبعاد ثباتهم على العهد. وفائدة التكرار التأكيدُ، والتمهيدُ لتعدادِ العِلل الموجبة لما ذُكر؛ لإخلال تخُللِ ما في البَيْن بالارتباط والتقريب. وحُذف الفعل المستنكَر للإيذان بأنَّ النفس مستحضرةٌ له، مترقِّبةٌ لورودِ ما يوجبُ استنكارَه. وقد كثر حذفُ الفعلِ المستفهَم عنه مع ((كيف)»، ويُدَلُّ عليه بجملةٍ حالية بعده، ومِن ذلك قولُ كعب الغنويِّ یرثي أخاه أبا المغوار: فكيف وهاتا هَضْبةٌ وقليبُ(٢) وخبَّرتماني إنَّما الموتُ في القُرى (١) أي: أيُّ زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم فيه. تفسير أبي السعود ٤٥/٤ . (٢) الكتاب ٤٨٧/٣، والأصمعيات ص٩٧، والحماسة البصرية ٢٣٣/١، وتفسير الطبري ٣٥٤/١١، وأمالي القالي ١٥١/٢، ومنتهى الطلب ٣٩٣/٦، ووقع في بعض المصادر: وكثيب، بدل: وقليب. قوله: هاتا، أي: هذه. ومعنى البيت: قلتما لي أن مَن سكن القرى لحقه الموت لكثرة الوباء بها، فكيف مات أخي في برية هي هذه. وذكر الهضبة والقليب - وهو البئر - إشارة إلى أنها مفازة فيها ذلك. حاشية الشهاب ٣٠٣/٤. الآية : ٨ ٢٣٦ سُورَةُ التَّوَتَّةِ يريد: فكيف ماتَ والحالُ ما ذكر. والمرادُ هنا: كيف يكون لهم عهدٌ معتدٍّ به عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام ﴿و﴾ حالُهم أنهم ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أي: يظفروا بكم ﴿لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ﴾ أي: لم يراعوا في شأنكم ذلك. وأصلُ الرقوب: النظرُ بطريقِ الحفظ والرعاية، ومنه الرقيب، ثمَّ استعمل في مطلق الرعاية، والمراقبةُ أبلغُ منه كالمراعاة، وفي نفي الرقوبِ من المبالغة ما ليس في نفيهما، وما ألطف ذكر الرقوب مع الظهور. والإلُّ - بكسر الهمزة وقد يُفتح - على ما روي عن ابن عباس: الرَّحِمُ والقرابةُ، وأنشدَ قول حسان: لعمرُكَ إنَّ إِلَّكَ من قريش كإنِّ السَّقْب من رَأل النَّعامِ (١) وإلى ذلك ذهب الضَّحاك. وروي عن السدِّيِّ: أنَّه الحلفُ والعهدُ. قيل: ولعلَّه بهذا المعنى مشتقُّ من الإلّ وهو الجُؤَار؛ لأنَّهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم، ثم استُعير للقرابة؛ لأنَّ بين القريبين عقداً أشدَّ من عقدِ التحالف، وكونُه أشدَّ لا ينافي كونَه مشبَّهاً؛ لأنَّ الحلفَ يصرَّحُ به ويُلفظ، فهو أقوى من وجهٍ آخرَ، وليس التشبيهُ من المقلوب كما تُؤُمِّم. وقيل: مشتقٌّ من ألَّل الشيءَ: إذا حذَّده، أو من أنَّ البرقُ: إذا لمع وظهر، ووَجْهُ المناسبة ظاهرٌ. وأخرج ابنُ المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة ومجاهد أنَّ الإلَّ بمعنى الله عزَّ وجلَّ (٢). ومنه ما روي أنَّ أبا بكر رَبهِ قُرئ عليه كلامُ مسيلمةَ، فقال: لم يخرجْ هذا من إلَّ، فأين يذهب بكم؟ قيل: ومنه اشتُقَّ الإلُّ بمعنى القرابة كما اشتُّقَّت الرحمُ من الرحمان، والظاهرُ أنه ليس بعربيٍّ؛ إذ لم يُسمع في كلام العرب إلَّ بمعنى إله. ومن هنا قال بعضُهم: إنه عبريٌّ، ومنه جبرال، وأيَّده بأنَّه (١) ديوان حسان ص٢١٦. السَّقْبُ: ولد الناقة. والرأل: ولد النعامة. القاموس (سقب) و(رأل). (٢) الدر المنثور ٢١٤/٣، وأخرجه عن مجاهد أيضاً الطبري في تفسيره ٣٥٥/١١. الآية : ٨ ٢٣٧ سُورَةُ التَّوَّةِ، قُرئ: ((إِيلاً))(١). وهو عندهم بمعنى الله أو الإله، أي: لا يخافون الله ولا يراعونَه فیکم. والذِّمة: الحقُّ الذي يُعاب ويُدمُّ على إغفاله، أو العهدُ، وسمِّيَ به لأنَّ نقضَه يوجب الذمَّ، وهي في قولهم: في ذمَّتي كذا، محلُّ الالتزام، ومن الفقهاء مَن قال: هو معنى يصيرُ به الآدميُّ على الخصوص أهلاً لوجوبِ الحقوقِ عليه، وقد تفسَّر بالأمان والضمان وهي متقاربة. وزعم بعضُهم أنَّ الإلَّ والذِّمَّةَ كلاهما هنا بمعنى العهدِ، والعطفُ للتفسير، ويأباه إعادةُ ((لا)) ظاهراً، فليس هو نظير: فألفى قَوْلَها كذباً ومَيْئًا (٢) فالحقُّ المغايرةُ بينهما . والمرادُ من الآية؛ قيل: بيانُ أنَّهم أُسَرَاءُ الفُرْصَةِ، فلا عهدَ لهم. وقيل: الإرشادُ إلى أنَّ وجوبَ مراعاة حقوق العهدِ على كلٍّ من المتعاهِدَيْنِ مشروطٌ بمراعاة الآخَر لها، فإذا لم يُراعِها المشركون فكيفَ تراعونها؟! فهو على منوالٍ قوله : علامَ تقبلُ منهم فديةً وهمُ لا فضَّةً قبلوا منَّا ولا ذهبا (٣) ولم أجد لهؤلاء مثلاً من هذه الحيثية المشارِ إليها بقوله سبحانه: (وَإِن يَظْهَرُواْ) إلخ إلَّا أناساً متزيين (٤) بزيِّ العلماء، وليسوا منهم ولا قلامةَ تُفر، فإنَّهم مِعِى، وحسبي الله وكفى على هذا الطّرز، فرفعهم الله تعالى لا قَدْراً، وحظّهم ولا حظّ عنهم وزراً. وقوله سبحانه: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَهِهِمْ وَتَأْبَ قُلُوبُهُمْ﴾ استئنافٌ للكشف عن (١) وهي قراءة عكرمة وطلحة بن مصرف. القراءات الشاذة ص٥٢، والمحتسب ٢٨٣/١. (٢) عجز بيت لعدي بن زيد، وصدره: وقدَّمت الأديم لراهِشَيه، وهو في ديوانه ص١٨٣ . وسلف ٣٩١/٥. (٣) الحماسة البصرية ٨٩/١، وغرر الخصائص الواضحة ص٣٩٣. (٤) في (م): متزينين. الآية : ٩ ٢٣٨ سُورَةُ التَّوَيَّةِ حقيقةِ شؤونهم الجليَّة والخفيَّة، دافعٌ لما يتوهّم - من تعليق عدم رعايةِ العهد بالظّفر - أنَّهم يراعونه عندَ عدم ذلك، حيثُ بَيَّن فيه أنَّهم في حالة العجزِ أيضاً ليسوا من الوفاء في شيء، وأنَّ ما يُظْهِرونه - أخفاهم الله تعالى - مداهنةٌ لا مهادنةٌ. وكيفية إرضائهم للمؤمنين أنَّهم يُبدون لهم الوفاءَ والمصافاةَ، ويَعِدونهم بالإيمان والطاعة، ويؤكّدون ذلك بالأيمان الفاجرة، والمؤمنُ غرِّ كريمٌ إذا قال صدق، وإذا قيل له صدَّق، ويتعلَّلون لهم عند ظهور خلافٍ ذلك بالمعاذير الكاذبة. وتقييد الإرضاء بالأفواه للإيذان بأنَّ كلامهم مجرَّدُ ألفاظٍ يتفوَّهون بها من غيرِ أن يكون لها مصداقٌ في قلوبهم، وأُكِّد هذا بمضمون الجملة الثانية. وزعم بعضُهم أنَّ الجملة حاليَّةٌ من فاعل ((يرقبوا)) لا استئنافيَّة. ورُدَّ بأنَّ الحال تقتضي المقارنةَ، والإرضاءُ قبل الظهور الذي هو قبلَ عدم الرقوب الواقع جزاءً، فأين المقارنة؟ وأيضاً إنَّ بين الحالتين منافاةً ظاهرةً؛ فإنَّ الإرضاء بالأفَواه حالةُ إخفاءٍ للكفر(١) والبغضِ مداراةً للمؤمنين، وحالةُ عدمِ المراعاة والرقوب(٢) حالةُ مجاهرةٍ بالعداوة لهم، وحيثُ تنافيا لا معنى لتقييد إحداهما بالأخرى. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ ﴾﴾ خارجون عن الطاعة، متمرِّدون لا عقيدةَ تَزَعُهم، ولا مروءة تردُّهم، وتخصيصُ الأكثر لما في بعضٍ الكفرة من التَّحامي عن الغدر والتعفُّفِ عمَّا يجرُّ أُحدوثة(٣) السُّوء. ووصفُ الكفرة بالفسق في غاية الذّمِّ. ﴿أَشْتَرَوْاْ بِئَايَتِ اَللَّهِ﴾ أي: المتضمنةِ للأمرِ بإيفاء العهود والاستقامة في كلِّ أمرٍ، أو جميع آياته فيدخلُ فيها ما ذُكر دخولاً أوليًّا، والمرادُ بالاشتراء: الاستبدالُ، وفي الكلام استعارةٌ تبعيَّة تصريحيَّة، ويتبعُها مكنية حيث شبِّهت الآيات بالشيء (١) في الأصل و(م): الكفر، والمثبت من حاشية الشهاب والكلام منه. (٢) في (م) والوقوف، وهو تصحيف. (٣) الأحدوثة: ما يتحدّث به من القبائح مما اشتهر. حاشية الشهاب ٣٠٤/٤. الآية : ٩ ٢٣٩ سُوَرَّةُ التَّوَنَّةِ المبتاع، وقد يكون هناك مجازٌ مرسلٌ باستعمالِ المقيَّد - وهو الاشتراء - في المطلَق وهو الاستبدالُ، على حدٍّ ما قالوا في المَرْسِن(١)، أي: استبدلوا بذلك. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: شيئاً حقيراً من حُطام الدنيا، وهو أهواؤهم وشهواتهم التي اتّبعوها . والجملةُ كما - قال العلامة الطَّبي - مستأنفةٌ كالتعليل لقوله تعالى: (وَأَكْثَرُهُمْ فَسِقُونَ) فيه(٢) أنَّ مَن فَسَقَ وتمرَّد كان سببه مجرَّدَ اتِّباع الشهوات والركونِ إلى اللَّذَّات. وفسَّر بعضُهم الثمنَ القليل بما أنفقه أبو سفيان من الطعام وصَرَفه إلى الأعراب. ﴿فَصَدُواْ﴾ أي: عَدَلوا وأَعْرَضوا، على أنَّه لازمٌ من صدَّ صدوداً، أو: صَرَفوا ومنعُوا غيرَهم، على أنَّه متعدٍّ من صدَّه عن الأمر صدًّا. والفاء للدلالة على أنَّ اشتراءهم أدَّاهم إلى الصدود أو الصدِّ. ﴿عَن سَبِيلٍِ﴾ أي: الدِّين الحقِّ الموصلِ إليه تعالى، والإضافةُ للتشريف، أو: سبيلٍ بيته الحرام حيث كانوا يصدُّون الحُجَّاج والعُمَّار عنه، فالسبيلُ إمَّا مجازٌ وإمَّا حقيقة، وحينئذ إمَّا أنْ يقدَّر في الكلام مضافٌ، أو تُجعلَ النسبةُ الإضافية متجوَّزاً فيها . ﴿إِنَّهُمْ سَآَّةَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: بئس ما كانوا يعملونه، أو عملُهم المستمرُّ، والمخصوصُ بالذمِ محذوف. وقد جوّز أن تكون كلمة ((ساء» على بابها من التصرُّف لازمةً بمعنى قَبُحَ، أو متعدِّيّةً والمفعولُ محذوفٌ، أي: ساءَهم الذي يعملونه أو عملُهم. وإذا كانت جاريةً مجرى بئس، تُحوَّل إلى فَعُلَ بالضمِّ ويمتنعُ تصرُّفها كما قُرِّر في محلِّه. (١) المرسن كمجلس ومنبر: موضع الرسن من أنف الفرس، ثم كثر حتى قيل: مرسن الإنسان، يقال: فعلت ذلك على رغم مرسنه. الصحاح والتاج (رسن). (٢) كذا في الأصل و(م)، والوجه: في. سُورَةُ التَّوَنَّةِ ٢٤٠ الآية : ١٠ - ١١ وقوله سبحانه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِ مُؤْمِنٍ﴾ ولا مؤمنة (١) ﴿إِلَّ وَلَا ذِمَّةٌ﴾ نَعَى عليهم عدمَ مراعاة حقوقٍ عهد المؤمنين على الإطلاق بخلاف الأوَّل؛ لمكان ((فيكم)) فيه و((في مؤمن)) في هذا، فلا تكرار كما في ((المدارك))(٢). وقيل: إنه تفسيرٌ لما يعملون، وهو مُشْعرٌ باختصاص الذَّمِّ والسوءِ بعملهم(٣) هذا دونَ غیرہ. وقيل: إنَّ الأوَّل عامّ في الناقضين، وهذا خاصٌّ بالذين اشتروا، وهم اليهودُ والأعرابُ الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمَهم للاستعانة بهم على حربِ النبيِّ وَّل. وعليه فالمرادُ بالآيات ما يشملُ القرآنَ والتوراة. وفي هذا القول تفكيكٌ للضمائر، وارتكابُ خلافِ الظاهر. والجبائيُّ یخصُّ هذا باليهود، وفيه ما فيه. ﴿وَأُوْلَيْكَ﴾ أي: الموصوفون بما عُدِّد من الصفات السيئة ﴿هُمُ الْمُعْتَّدُونَ المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة. ١٠ ﴿فَإِن تَابُوا﴾ عمَّا هم عليه من الكفر وسائرِ العظائم، كنقض العهد وغيره. والفاء للإيذان بأنَّ تقريعَهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مَزْجَرةٌ عنها ومَظِنَّةٌ للتوبة. ﴿وَأَقَامُواْ الضَلَوَةَ وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ﴾ على الوجه المأمور به ﴿فَإِخْوَئُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ لهم مالكم وعليهم ما عليكم. والجارُّ والمجرور متعلّقٌ بـ ((إخوانكم)) - كما قال أبو البقاء(٤) - لما فيه من معنى الفعل. قيل: والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجوابٍ الشرطية السابقة مع اتِّحاد الشرط فيهما لما أنَّ الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل ونظائرهِ، فوجب أن يكون جوابُها أمراً، بخلاف هذه، وهذه سيقت بعدَ الحُكم عليهم بالاعتداء وأشباههِ، فلا بدَّ من كون جوابها حكماً البتة. (١) قوله: ولا مؤمنة، ليس في (م). (٢) وهو تفسير النسفي، المسمى: مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ٢٠٩/٢. (٣) في (م): لعملهم، والمثبت من الأصل وتفسير أبي السعود ٤/ ٤٧ . (٤) في الإملاء ٣/ ١٤٤ .