النص المفهرس
صفحات 181-200
الآية : ٦٥ ١٨١ سُؤَدَّةُ الأَنْفَّاِ فالمعنى: سمِّهم حَرَضاً، وهو من باب التهييج والإلهاب. والمعنى الأولُ هو الظاهر. وقرئ: ((حرِّص)) بالصاد المهملة(١)، من الحرص وهو واضح. ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِثَنَّنَّ وَإِن يَكُن مِنكُم مِّئَةٌ يَغْلِيُوَاْ أَلْفَا﴾ شرطٌ في معنى الأمر بمصابرة الواحدِ العشرةَ، والوعدِ بأنهم إنْ صبروا غَلبُوا بعون الله تعالى وتأييدِهِ، فالجملةُ خبريّةٌ لفظاً إنشائيّةٌ معنىٌ، والمراد: لِيَصبِرِنَّ الواحدُ لعشرةٍ، ولیست بخبرٍ مَحْضٍ. وجَعَلَها الزمخشريُّ(٢) عِدَةً من الله تعالى وبشارةً، وهو ظاهرٌ في كونها خبريةً. والآية كما ستعلم قريباً إن شاء الله تعالى منسوخةٌ، والنسخُ في الخبر فيه كلامٌ في الأصول، على أنَّه قد ذكر الإمام(٣) أنَّه لو كان الكلامُ خبراً، لزم أن لا يغلبَ قظّ مئتان من الكفّار عشرين من المؤمنين، ومعلومٌ أنَّه ليس كذلك. والاعتراضُ عليه بأنَّ التعليق الشرطيَّ يكفي فيه ترتُّبُ الجزاءِ على الشرطِ في بعضِ الأزمان لا في كلِّها، ليس بشيءٍ كما بيَّنْه الشِّهاب(٤). وذكرُ الشرطية الثانية مع انفهام مضمونها ممَّا قبلها، للدلالة على أنَّ الحال مع القلّة والكثرة واحدةٌ لا تتفاوت؛ لأنَّ الحال قد تتفاوتُ بين مقاومةِ العشرين المئتين والمئةِ الألفَ، وكذا يقال فيما يأتي. و((يكن)) يحتمل أن يكونَ تامًّا والمرفوعُ فاعله، و((منكم)) حالٌ منه أو متعلقٌ بالفعل، ويحتمل أن يكون ناقصاً والمرفوعُ اسمه و ((منكم)) خبره. وقوله تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بيانٌ للألْفِ. وقوله سبحانه: ﴿يَأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴾ متعلِّق بـ ((يغلبوا))، أي: بسبب أنهم قومٌ جهلةٌ بالله تعالى وباليوم الآخر، لا يقاتلون احتساباً وامتثالاً لأمر الله (١) القراءات الشاذة ص ٥٠، ونسبها أبو حيان في البحر المحيط ٥١٧/٤ للأعمش. (٢) في الكشاف ٢/ ١٦٧ . (٣) في تفسيره ١٥/ ١٩٢. (٤) في حاشيته ٤/ ٢٩٠. سُورَةُ الأَنْفَّاِ ١٨٢ الآية : ٦٦ تعالى وإعلاءً لكلمته وابتغاءً لرضوانه كما يفعل المؤمنون، وإنَّما يقاتلون للحميّة الجاهلية واتِّباع خطوات الشيطان وإثارةٍ ثائرةٍ البغي والعدوان، فلا يستحقُّون إلَّا القهرَ والخُذلان. وقال بعضهم: وجهُ التعليل بما ذُكر: أنَّ مَن لا يؤمنُ بالله تعالى واليومِ الآخِرِ لا يؤمنُ بالمَعَاد، والسعادةُ عندَه ليست إلَّا هذه الحياةَ الدنيا، فيشحُّ بها ولا يَعرِّضها للزوال بمزاولةِ الحروب واقتحام مواردِ الخطوب، فيميل إلى ما فيه السَّلامةُ، فيَفِرُّ فيُغْلَبُ، وأما مَن اعتقد أنْ لا سعادةَ في هذه الحياة الفانية، وإنما السعادةُ هي الحياةُ الباقية، فلا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها، فيُقْدِمُ على الجهاد بقلبٍ قويٍّ وعزمٍ صحيح، فيقوم الواحدُ من مثله مَقامَ الكثير. انتهى. وتُعقِّب بأنه حقٌّ لكنَّه لا يلائم المقام. ﴿اَلْتَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ وَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِنِ يَكُن مِّنْكُمْ مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الَّهُ﴾ أخرج البخاريُّ وغيرُه عن ابن عباس ﴿ّا قال: لما نزلت (إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ) إلخ شقَّ ذلك على المسلمين؛ إذ فُرض عليهم أن لا یفرَّ واحدٌ من عشرة، فجاء التخفيفُ(١). وکان ذلك ۔ کما قيل - بعد مدَّة. وقيل: كان فيهم قلةٌ في الابتداء، ثم لمَّا كثروا بعدُ، نزل التخفيف. وهل يُعدُّ ذلك نسخاً أم لا؟ قولان اختار مكِّي (٢) الثانيَ منهما، وقال: إنَّ الآية مخفِّفةٌ، ونظيرُ ذلك التخفيفُ على المسافر بالفِطر. وذهبَ الجمهورُ إلى الأوَّل، وقالوا: إن الآية ناسخةٌ. وثمرةُ الخلاف؛ قيل: تظهرُ فيما إذا قاتل واحدٌ عشرةً فقُتل هل يأثم أم لا؟ فعلى الأوَّل لا يأثم، وعلى الثاني يأثم. والضعفُ الطارئُ بعدُ: عدمُ القوَّة البدنيَّة على الحرب؛ لأنَّه قد صار فيهم الشيخُ والعاجزُ ونحوُهما، وكانوا قبلَ ذلك طائفةً منحصرةً، معلومة قوَّتُهم (١) صحيح البخاري (٤٦٥٣). (٢) في الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٢٩٧ و٣٠١. الآية : ٦٦ ١٨٣ سُوَّةُ الأَفَّاِ وجلادتُهم، أو: ضعفُ البصيرةِ والاستقامة وتفويض النصر إلى الله تعالى؛ إذ حدث فيهم قومٌ حديثو عهدٍ بالإسلام ليس لهم ما للمتقدِّمين من ذلك. وذكر بعضهم في بيان كونِ الكثرة سبباً للضعف: أنَّ بها يضعف الاعتمادُ على الله تعالى والتوكُّلُ عليه سبحانه، ويَقْوَى جانبُ الاعتماد على الكثرةِ كما في حُنين، والأول هو الموجبُ للقوة كما يرشد إليه وقعةُ بدر، ومن هنا قال النصراباذيُّ: إنَّ هذا التخفيفَ كان للأمة دونَ رسول الله وَّهِ، فإنَّه الذي يقول: (بك أصولُ وبك أحولُ))(١). وتقييدُ التخفيف بـ ((الآن)) ظاهرٌ، وأما تقييدُ عِلْم الله تعالى به فباعتبار تعلُّقه، وقد قالوا: إنَّ له تعلُّقاً بالشيء قبلَ الوقوع، وحالَ الوقوع، وبعدَه، وقال الطّيبي: المعنى: الآن خفَّف الله تعالى عنكم لمَّا ظهر متعلَّقُ علمه، أي: كثرتُكم التي هي موجبُ ضَعْفِكم بعدَ ظهور قلَّتِكم وقوَّتكم. وقرأ أكثرُ القرَّاء: ((ضُعفاً)) بضمِّ الضاد(٢)، وهي لغة فيه كالفقر والمكث. ونُقل عن الخليل: أنَّ الضعفَ بالفتح ما في الرَّأي والعقل، وبالضمِّ ما في البدن(٣). وقرأ أبو جعفر: ((ضُعَفاءَ))(٤) جمع ضعيف. وقرأ ابنُ كثير ونافعٌ ابنُ عامر: ((تكن)) المُسنَدَ إلى المئة في الآيتين بالتاء(٥) اعتباراً للتأنيث اللفظي، ووافقهم أبو عمرو ويعقوب في ((يكن)) في الآية الثانية(٦)؛ (١) أخرجه أبو داود (٢٦٣٢) من حديث أنس ظه. قوله: أحول، أي: أتحرك، وقيل: أحتال، وقيل: أدفع وأمنع. النهاية (حول). والنصراباذي هو إبراهيم بن محمد بن أحمد الخراساني الزاهد، أبو القاسم، شيخ الصوفية، توفي سنة (٣٦٧ هـ). سير أعلام النبلاء ٢٦٣/١٦، والوافي بالوفيات ١٠٧/٦. وقد نقل المصنف كلامه عن حاشية الشهاب ٤/ ٢٩١. (٢) وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب من العشرة. التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٧/٢. (٣) العين ٢٨١/١. (٤) النشر ٢/ ٢٠٠. (٥) التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٧/٢. وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. (٦) التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٧/٢ . سُوبَةُ الأَنْفَّاِ ١٨٤ الآية : ٦٧ لقوة التأنيث بالوصفِ بـ ((صابرة)) المؤنَّث، وأما: ((إن يكن منكم عشرون)) فالجميعُ على التذكيرِ فيه. نعم روي عن الأعرج أنَّه قرأ بالتأنيث(١) . ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ ﴾﴾ تذييلٌ مقرِّرُ لمضمون ما قبله، وفي النظم الكريم صنعةٌ الاحتباك (٢)؛ قال في ((البحر)): انظر إلى فصاحةٍ هذا الكلام، حيثُ أثبت قَيْداً في الجملة الأولى وهو ((صابرون))، وحذف نظيره من الثانية، وأثبت قيداً في الثانية وهو ((من الذين كفروا))، وحَذَفه من الأولى، ولما كان الصبرُ شديد المطلوبيَّة، أُثبت في [أُولَى] جملتي التخفيف، وحُذف من الثانية، لدلالة السابقة عليه، ثمَّ ختم الآية بقوله سبحانه: (وَاَللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ) مبالغةً في شدَّة المطلوبيَّة، ولم يأتِ في جملتي التخفيف بقيدِ الكفر؛ اكتفاءً بما قبله. انتهى(٣). وذكر الشهاب(٤) أنه بقي عليه أنه سبحانه ذكر في التخفيف ((بإذن الله)) وهو قيدٌ لهما، وأنَّ قوله تعالى: (وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ) إشارة إلى تأييدهم وأنَّهم منصورون حتماً؛ لأنَّ مَن كان الله تعالى معه لا يُغلب. وأنا أقول: لا يَبْعُدُ أن يكونَ في قوله تعالى: (وَاللَّهُ مَعَ الصَِّينَ) تحريضُ لهم على الصبرِ بالإشارة إلى أنَّ أعداءَهم إنْ صبروا كان الله تعالى معهم فأمدَّهم ونصرهم . وبقي في هذا الكلام الجليل لطائفُ غير ما ذُكر، فلله تعالى درُّ التنزيل ما أعذبَ ماءَ فصاحتِهِ، وأَنْضَرَ رونقَ بلاغتِه! ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِ﴾ قرأ أبو الدراء وأبو حيوة: ((للنبي)) بالتعريف(٥). والمراد به نبيِّنَا وَّةِ، وهو عليه الصلاة والسلام المرادُ أيضاً على قراءة الجمهور عند بعض، وإنَّما عبّر بذلك تلظُفاً به وَّهِ حتَّى لا يواجَهَ بالعِتاب، ولذا قيل: إنَّ ذاك على تقديرٍ (١) البحر المحيط ٤ / ٥١٧. (٢) هو أن يُحذف من الأول ما أُثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول. الإتقان ٢/ ٨٣١. (٣) البحر المحيط ٥١٦/٤، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) في حاشيته ٢٩١/٤. (٥) القراءات الشاذة ص ٥٠. الآية : ٦٧ ١٨٥ سُورَةُ الأَنْفََِّ مضافٍ، أي: لأصحاب النبيِّ ◌َّ، بدليل قوله تعالى الآتي: (تُرِيدُونَ) ولو قصد بخصوصه عليه الصلاة والسلام، لقيل: تريد، ولأنَّ الأمورَ الواقعة في القصّة صدرتْ منهم لا منه وَّهِ. وفيه نظرٌ ظاهر. والظاهرُ أنَّ المراد على قراءة الجمهورِ العمومُ، ولا يَبْعُدُ اعتبارُه على القراءة الأخرى أيضاً، وهو أبلغُ لما فيه من بيان أنَّ ما يُذكر سنَّةٌ مَّردةٌ فيما بين الأنبياء عليهم السلام. أي: ما صحَّ وما استقام لنبيٍّ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ( أَسْرَى﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب: ((تكون)) بالتاء الفوقية(١)؛ اعتباراً التأنيث الجمعِ. وعن أبي جعفر أنه قرأ أيضاً: ((أُسارى))(٢). قال أبو عليّ(٣): وقراءة الجماعة أقيسُ؛ لأنَّ أسيراً فعيلٌ بمعنى مفعول، والمطَّردُ فيه جمعُه على فَعْلَى، كجريحِ وجَرْحَى، وقتيلٍ وقتلى، ولذا قالوا في جمعه على أسارى: إنه على تشبيه فعيل بفعلان، ککسلان وکسالى، وهذا كما قالوا: كَسلى، تشبيهاً لفعلان بفعيل. ونسب (٤) ذلك إلى الخليل وقال الأزهري(٥): إنَّه جَمْعُ أسرى. فيكونُ جمعَ الجمع. واختار ذلك الزجَّاج(٦)، وقال: إنَّ فَعْلَى جمعٌ لكلِّ مَن أصيب في بدنه أو في عقله، كمریضٍ ومَرْضَى، وأحمق وحَمْقَی. ﴿حَّ يُؤْخِنَ فِ الْأَرْضِّ﴾ أي: يبالغَ في القتل ويكثرَ منه، حتى يذلَّ الكفرُ ويقلَّ حزبُه، ويَعزَّ الإسلامُ ويستوليَ أهلُه. وأصل معنى الثخانة: الغلظُ والكثافةُ في الأجسام، ثمَّ استُعير للمبالغة في القتل والجراحة؛ لأنَّها لمنعها من الحركة صيّرته كالثخين الذي لا يسيل. (١) التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٧/٢. (٢) النشر ٢٧٧/٢. (٣) في الحجة ٤/ ١٦٣. (٤) ينظر الكتاب ٦٤٧/٣ - ٦٥٠. (٥) في تهذيب اللغة ١٣/ ٦١. (٦) في معاني القرآن له ٤٢٤/٢ - ٤٢٥. سُورَةُ الأَفَِّ ١٨٦ الآية : ٦٧ وقيل: إنَّ الاستعارة مَبْنِيَّةٌ على تشبيه المبالغةِ المذكورة بالثخانة في أنَّ في كلِّ منهما شدَّةٌ في الجملة. وذكر ((في الأرض)) للتعميم. وقرئ: ((يثخِّن)) بالتشديدِ(١)؛ للمبالغة في المبالغة. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا﴾ استئنافٌ مسوقٌ للعتاب. والعَرَضُ: ما لا ثباتَ له ولو جسماً. وفي الحديث ((الدنيا عَرَضٌ حاضر))(٢) أي: لا ثباتَ لها، ومنه استعاروا العَرَضَ المقابل للجوهر، أي: تريدون حُطامَ الدنيا بأخْذِكم الفديةَ. وقرئ: (يريدون)) بالياء(٣)، والظاهرُ أنَّ ضميرَ الجمع لأصحابٍ رسول الله ◌َّ. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةٌ﴾ أي: يريدُ لكم ثوابَ الآخرة، أو: سببَ نيل الآخرة من الطاعة بإعزازٍ دينه وقمع أعدائه، فالكلامُ على حذف المضافِ وإقامةِ المضاف إليه مُقامه، وذُكرَ ((نيل)) في الاحتمال الثاني قيل: للتوضيحِ، لا لتقدير مضافين. والإرادةُ هنا بمعنى الرضا، وعبَّر بذلك للمشاكلة، فلا حجَّة في الآية على عدمٍ وقوعِ مراد الله تعالى كما يزعمُه المعتزلةُ. وزيادةُ ((لكم)) لأنَّه المراد. وقرأ سليمان بن جماز المدني(٤): ((الآخرةِ» بالجرِّ، وخُرِّجت على حذفٍ المضاف وإبقاء المضاف إليه على جرِّه، وقدَّره أبو البقاء(٥): عَرَضَ الآخرة، وهو من باب المشاكلة، وإلا فلا يَحْسُنُ؛ لأنَّ أمورَ الآخرة مستمرَّة. ولو قيل: إنَّ المضافَ المحذوف على القراءة الأولى ذلك لذلك أيضاً لم يَبْعُدْ. وقدَّر بعضُهم هنا كما قدَّرنا هناك من الثواب أو السبب، ونظيرُ ما ذكر قوله: (١) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٠ إلى يزيد بن القعقاع ويحيى بن يعمر. (٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧١٥٨) من حديث شداد بن أوس ظه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٩/٢: فيه أبو مهدي سعيد بن سنان، وهو ضعيف جدًّا. (٣) القراءات الشاذة ص٥١ . (٤) هو سليمان بن مسلم بن جماز، وقيل: سليمان بن سالم بن جماز بالجيم والزاي مع تشديد الميم، أبو الربيع الزهري مولاهم المدني، عرض على أبي جعفر وشيبة، ثم على نافع، وأقرأ بحرف أبي جعفر ونافع، مات بعد السبعين ومئة. طبقات القراء لابن الجزري ١/ ٣١٥. وقراءته في المحتسب ٢٨١/١. (٥) في الإملاء ١٣٣/٣ . الآية : ٦٧ ١٨٧ سُورَةُ الأَفَّالِ ونارٍ توقَّدُ في الليل نارا(١) أكلَّ امرئ تحسبين امرأً في روايةٍ مَن جرَّ (نارٍ)) الأولى، وأبو الحسن يحمله على العطف على معمولي عاملين مختلفين. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يغلِّب أولياءَه على أعدائه ﴿حَكِيمٌ (®﴾ يعلمُ ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخان ونهى عن أخذِ الفدية حيث كان الإسلام غضًّا وشوكةُ أعدائهِ قويّة، وخيَّر بينه وبين المنِّ بقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآَ﴾ [محمد: ٤] لما تحوَّلت الحالُ، واستغلظ زرع الإسلام، واستقام على سوقه. أخرج أحمد، والترمذيُّ وحسَّنه، والطبرانيُّ، والحاكم وصحَّحه عن ابن مسعود رضيه قال: لما كان يومُ بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما تَرَوْنَ في هؤلاء الأسارى))؟ فقال أبو بكر ◌َُّله: يارسولَ الله، قومُك وأهلُك، اسْتَبْقِهم لعلَّ الله تعالى أن يتوبَ عليهم. وقال عمر رَظُته: يا رسول الله، كذَّبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدِّمهم فاضربْ أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة ◌َُّه: يارسول الله، انظرْ وادياً كثيرَ الحطب، فأضْرِمْه عليهم ناراً. فقال العباسُ وهو يسمع ما يقول: قطعتَ رَحِمَكَ. فدخل النبيُّنَّه ولم يَرُدَّ عليهم شيئاً. فقال أناسٌ: يأخذ بقول أبي بكر. وقال أناسٌ: يأخذ بقولِ عمر. وقال أناسٌ: يأخذ بقولِ عبد الله بن رواحة. فخرج رسولُ الله ◌َّه فقال: ((إنَّ الله تعالى لَيُلِينُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أَلْيَنَ من اللَّبَن، وإنَّ الله سبحانه لَيُشدِّدُ قلوب رجالٍ فيه حتى تكونَ أشدَّ من الحجارة. مَثَلُكَ يا أبا بكر مَثَلُ إبراهيم عليه السلام قال: ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَّهُ، مِنِّيَّ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلُكَ يا أبا بكر مثلُ عيسى عليه السلام قال: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ومَثَلُك يا عمر كمَثَلٍ موسى عليه السلام إذ قال: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيَمَ﴾ [يونس: ٨٨] ومَثَلُك يا عمر مَثَلُ نوح عليه السلام إذ قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] أنتم عالَةٌ، فلا يَنفلَنَّ أحدٌ إلا بفداءٍ أو ضربٍ عنقٍ)) فقال عبدُ الله ◌َظُله: يا رسول الله (١) البيت لأبي دُؤادٍ الإيادي كما في الكتاب لسيبويه ٦٦/١، والأصمعيات ص١٩١، ونسبه المبرد في الكامل ٣٧٦/١ و١٠٠٢/٢ لعدي بن زید. سُورَةُ الأَنْفَِّ ١٨٨ الآية : ٦٧ إلَّا سُهيلَ بن بيضاءَ، فإني سمعتُه يذكرُ الإسلام، فسكت رسول الله وَّر، فما رأيتني في يومٍ أخوفَ من أن تقعَ عليَّ الحجارةُ من السماء منِّي في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((إلَّا سهيلَ بنَ بيضاءَ))(١). وعن ابن عباس رضيه: قال عمرُ رَّه: فهوي رسولُ اللهِ وَلِّ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ، وأخذ منهم الفداءَ، فلمَّا كان الغدُ جئتُ فإذا رسولُ اللهِ وَله وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني مِن أيِّ شيءٍ تبكي أنتَ وصاحبُك، فإنْ وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإن لم أجدْ تباكيت لبكائكما؟ فقال رسولُ الله عليه الصلاة والسلام: ((أبكي على أصحابك في أخذِهم الفداءَ، ولقد عُرِضَ عليّ عذابُهُم أدنى من هذه الشجرة)) لشجرةٍ قريبةٍ منه وَل﴾(٢). واستُدلَّ بالآية على أنَّ الأنبياء عليهم السلام قد يجتهدون، وأنَّه قد يكون الوحيُّ على خلافِهِ ولا يُقَرُّون على الخطأ . وتُعُقِّب بأنَّها إنما تدلُّ على ذلك لو لم يقدَّر في (مَا كَانَ لِنَّيِّ): لأصحاب نبي، ولا يخفى أنَّ ذلك خلافُ الظاهر، مع أنَّ الإذنَ لهم فيما اجتهدوا فيه اجتهادٌ منه عليه الصلاة والسلام؛ إذ لا يمكن أن يكونَ تقليداً؛ لأنَّه لا يجوزُ له التقليدُ. وأما أنها إنَّما تدلُّ على اجتهاد النبيِّ وََّ لاجتهادٍ غيره من الأنبياء عليهم السلام، فغيرُ وارد؛ لأنَّه إذا جاز له عليه الصلاة والسلام، جاز لغيرِهِ بالطريق الأولى، وتمام البحث في كُتب الأصول. (١) مسند أحمد (٣٦٣٢)، وسنن الترمذي - مختصراً - (١٧١٤)، و(٣٠٨٤)، والمعجم الكبير (١٠٢٥٨)، والمستدرك ٢١/٣-٢٢، وهو من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود له به. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه. قال ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢١٣/٤: والذي روى هذه القصة في سهيل بن بيضاء، قد أخطأ؛ سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ولم يَسْتَخْفِ بإسلامه، وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً مع رسول الله وَلهر مسلماً لا شك فيه، فغلط من روى الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلاً أشهر من سهل، والقصة في سهل. وأقام سهل بالمدينة بعد ذلك، وشهد مع النبي ◌ّلو بعض المشاهد. اهـ. قلنا: وقد ورد الاسم على الصحيح في رواية أحمد (٣٦٣٤). (٢) أخرجه مسلم (١٧٦٣). الآية : ٦٨ ١٨٩ سُورَةُ الأَنْفَّاِ لكن بقي هاهنا شيءٌ، وهو أنَّه قد جاء: ((من اجتهد وأخطأ فله أجرٌ، ومَن اجتهد وأصاب فله أجران إلى عشرة أجور)) (١) فهل بين ما يقتضيه الخبرُ من ثبوتٍ الأجر الواحدِ للمجتهد المخطئ وبينَ عتابه على ما يقعُ منه منافاةٌ أم لا؟ لم أرَ مَن تعرَّض لتحقيق ذلك. وإذا قيل بالأوَّل، لا يتمُّ الاستدلال بالآية كما لا يخفى. ﴿لَوْلَا كِتَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ قيل: أي: لولا حكمٌ منه تعالى سبقَ إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أنْ لا يعذِّب قوماً قبل تقديم ما يبيِّن لهم أمراً أو نهياً، وروى ذلك الطبرانيُ في ((الأوسط)) وجماعةٌ عن ابن عباس ◌ِ﴾(٢). ورواه أبو الشيخ(٣) عن مجاهد. أو: المخطئَ(٤) في مثل هذا الاجتهاد. وقيل: هو أنْ لا يعذِّبَهم ورسولُ اللهِ وَّ فيهم. أو: أنْ لا يعذِّبَ أهلَ بدر ؤه، فقد روى الشيخان وغيرهما أنَّ رسول الله وَلهم قال لعمر رُه في قصة حاطب، وكان قد شهد بدراً: ((وما يدريك لعلَّ الله تعالى اطّلع على أهل بدرٍ، وقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم))(٥). وقريبٌ من هذا ما روي عن مجاهدٍ أيضاً وابن جبير. وزَعْمُ أنَّ هذا قولٌ بسقوطِ التكليفِ لا يصدرُ إلَّا عمَّن سقط عنه التكليف، (١) أخرجه أحمد (١٧٧٧٤)، والبخاري (٧٣٥٢)، ومسلم (١٧١٦) من حديث عمرو بن العاص به بلفظ: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ، فله أجر)). وأخرج أحمد (٦٧٥٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((وإذا قضى القاضي فاجتهد فأصاب فله عشرة أجور، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر أو أجران))، وإسناده ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية المسند، وينظر كذلك التلخيص الحبير ٤/ ١٨٠ . (٢) المعجم الأوسط (٨٧٠٧). (٣) كما في الدر المنثور ٢٠٣/٣ -٢٠٤. (٤) قوله: المخطئ، منصوب بالعطف على قوله: قوماً، فيكون المعنى: لولا حكم منه تعالى سبق إثباته في اللوح المحفوظ وهو أن لا يعذب المخطئ ... ينظر تفسير أبي السعود ٣٦/٤. (٥) صحيح البخاري (٣٠٠٧)، وصحيح مسلم (٢٤٩٤)، وأخرجه أحمد (٦٠٠)، وهو من حديث علي رقڅته . سُورَةُ الْأَنْفَّاِ ١٩٠ الآية : ٦٨ والعَجَبُ من الإمام الرازي كيف تفوَّه به (١)؛ لأنَّ المرادَ أنَّ مَن حضر بدراً من المؤمنين يوفِّقه الله تعالى لطاعتِهِ، ويغفرُ له الذنبَ لو صدر منه، ويثبّتُه على الإيمان الذي ملأ به صدرَه إلى الموافاة، لعِظَم شأن تلك الواقعة؛ إذ هي أوَّلُ وقعةٍ أعزَّ الله تعالى بها الإسلامَ، وفاتحةٌ للفتوح، والنصرُ من الله عزَّ وجلَّ، وليس الأمر في الحديث على حقيقته كما لا يخفى. وقيل: هو أنَّ الفديةَ التي أخذوها ستصير حلالاً لهم. واعتُرض بأنَّ هذا لا يصلحُ أن يعدّ من موانع مساسِ العذابِ، فإنَّ الحِلَّ اللاحقَ لا يرفعُ حكمَ الحرمة السابقة، كما أنَّ الحرمةَ اللاحقةَ - كما في الخمر مثلاً - لا ترفع حكمَ الإباحة السابقة، على أنَّه قادحٌ في تهويل ما نُعي عليهم من أخذِ الفداء، كما يدلُّ عليه قوله سبحانه: ﴿لَمَتَّكُمْ﴾ أي: لأصابكم ﴿فِيمَآ أَخَذْتُمْ﴾ أي: لأجل أخْذِكم، أو: الذي أخذتموه من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ لا يقادَرُ قدرُه. وأجيب بأنَّه لا مانعَ من اعتبار كونِها ستحِلُّ سبباً للعفو، ومانعاً عن وقوع العذابِ الدنيويِّ المراد بما في الآية، وإن لم يعتبر في وقتٍ من الأوقات كونُ المباح سيحرم سبباً للانتقام ومانعاً من العفو؛ تغليباً لجانب الرحمة على الجانب الآخر، وحاصلُ المعنى: أنَّ ما فعلتم أمرٌ عظيمٌ في نفسه مستوجبٌ للعذاب العظيم، لكنَّ الذي تسبَّب العفوَ عنه، ومَنَعَ ترتُّبَ العذابِ عليه، أنِّي سأحلُّه لكم قريباً (٢). ومثلُ ذلك - نظراً إلى رحمتي التي سبقت غضبي - يصير سبباً للعفو، ومانعاً عن العذاب. وكأنَّ الداعيَ لتَكَلُّفِ هذا الجواب أنَّ ما ذُكِرَ أخرجه ابنُ أبي حاتم وابن مردويه ◌ُ (٣). وأخرجاه هما والبيهقيُّ وابنُ جرير وابنُ المنذر وغيرُهم عن عن أبي هريرة ابن عباس ◌ًّا أيضاً (٤). (١) تفسير الرازي ٢٠٢/١٥-٢٠٣. (٢) في (م): قريباً لكم. (٣) تفسير ابن أبي حاتم ١٧٣٤/٥_١٧٣٥، وعزاه لابن مردويه السيوطي في الدر ٢٠٣/٣، وأخرجه أيضاً الطبري ١١/ ٢٧٨ . (٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٧٣٤/٥، وسنن البيهقي ٢٩٣/٧، وتفسير الطبري ٢٧٧/١١، وعزاه لابن مردويه وابن المنذر السيوطي في الدر ٢٠٣/٣ . الآية : ٦٨ ١٩١ سُورَةُ الأَفَاك ولا يَبْعُدُ عندي أن يكونَ المانعُ من مساس العذاب كلَّ ما تقدَّم، وفي ذلك تهويلٌ لما نُعِيَ عليهم، حيث مَنَعَ مِن ترتُّبِ مساسِ العذابِ عليه موانعُ جمَّة، ولولا تلك الموانعُ الجمةُ لترتَّب. وتعدُّدُ موانعِ شيءٍ واحدٍ جائزٌ، وليس كتعدُّد العلل واجتماعها على معلولٍ واحدٍ شخصي كما بُّيِّن في موضعه(١). وبهذا يجمعُ بين الروايات المختلفة عن الحبر في بيان هذا ((الكتاب))، وذلك بأنْ يكون في كلِّ مرةٍ ذكر أمراً واحداً من تلك الأمور، والتنصيصُ على الشيء بالذكر لا يدلُّ على نفي ماعداه، وليس في شيء من الروايات ما يدلُّ على الحصر، فافهم. وقال بعضهم: إنَّ المعنى: لولا حُكْمُ الله تعالى بغلبتِكم ونَصْرِكم، لمسَّكم عذابٌ عظيم من أعدائكم بغلبتهم لكم وتسلَّطهم عليكم، يقتلون ويأسِرون وينهبون. وفيه نظر؛ لأنَّه إنْ أُريدَ بهذه الغَلَبةِ المفروضةِ الغَلَبةُ يومَ(٢) بدر، فالأخذ الذي هو سببُها إنَّما وقع بعد انقضاء الحرب، وحينئدٍ يكون مآلُ المعنى: لولا حكمُ الله تعالى بغَلَبتكم، لغلبكم الكفارُ قبلُ بسبب ما فعلتم بعدُ، وهو كما ترى. وإن أريد الغلبة بعدَ ذلك، فهي قد مسَّت القوم في أُحد، فإنَّ أعداءهم قد قتلوا منهم سبعين عدد الأسرى، وكان ما كان، فلا يصحُّ نفيُ المسِّ حينئذ. نعم أخرج ابن جريرٍ عن محمد بن إسحاق أنَّ النبيَّ وَّ قال عند نزول هذه الآية: «لو أُنزل من السماء عذابٌ لما نجا منه غيرُ عمر بنِ الخطاب وسعدٍ بن معاذ» لقوله: كان الإثخان في القتل أحبَّ إليّ (٣). وأخرجه ابن مردويه(٤) عن ابن عمرَ لكنْ لمَ يَذْكُرْ فيه سعد بن معاذ. وذلك يدلُّ على أنَّ المرادَ بالعذاب عذابٌ [في] الدنيا غير القتل مما لم يُعْهَدْ؛ لمكانِ ((أُنزل من السماء)) وحينئذٍ لا يَرِدُ أنَّه استشهد (١) ينظر ما سلف ١٨١/٩، وما سيأتي عند تفسير الآية [٢٥] من سورة الأحقاف. (٢) في (م): في، بدل: يوم. (٣) عزاه للطبري ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٧١ والشهاب في الحاشية ٢٩٣/٤، وعنه نقل المصنف، وهو في تفسير الطبري ٢٨٣/١١ دون ذكر عمر اته. (٤) كما في تخريج أحاديث الكشاف ص٧١، والدر المنثور ٢٠٢/٣ -٢٠٣، وحاشية الشهاب ٢٩٣/٤. والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه. سُورَةُ الأَفَّاك ١٩٢ الآية : ٦٩ منهم بعدَّتهم؛ لأنَّ الشهادة لا تعدُّ عذاباً، لكن هذا لا ينفعُ ذلك القائلَ؛ لأنه لم يفسِّر العذابَ إلا بالغلبة، وهي صادقةٌ في مادة الشهادة. ﴿فَكُواْ مِنَا غَنِمْتُمْ﴾ قال محيي السنة: روي أنَّه لما نزلت الآية الأولى، كفَّ أصحابُ رسول الله وَ﴿ أيديهم عمَّا أخذوا من الفداءِ، فنزلت هذه الآية(١). فالمراد من ((ما غنمتُم)) إمَّا الفديةُ، وإمَّا مطلقُ الغنائم والمرادُ بيانُ حكم ما اندرج فيها من الفدية، وإلا فحِلُّ الغنيمة ممَّا عداها قد عُلم سابقاً من قوله سبحانه: (وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمُم) إلخ. بل قال بعضهم: إنَّ الحلَّ معلومٌ قبل ذلك بناءً على ما في كتاب ((الأحكام)): أنَّ أول غنيمةٍ في الإسلام حين أرسل رسول الله وَّر عبدَ الله بن جحش ◌َته لبدر الأولى ومعه ثمانيةُ رهطٍ من المهاجرين ﴿ه، فأخذوا عيراً لقريش وقَدِموا بها على النبيِّي ◌َّرِ فاقتسموها، وأقرَّهم على ذلك(٢). ويؤيِّد القول بأنَّ هذه الآية محلِّلة للفدية ما أخرجه ابنُ مردويه عن أبي هريرة(٣) رَُّهُ ممَّا هو نصٌّ في ذلك. وقيل: المراد بـ ((ما غنمتم)) الغنائمُ من غيرِ اندراج الفديةِ فيها؛ لأنَّ القومَ لما نزلتِ الآية الأولى، امتنعوا عن الأكل والتصرُّف فيها تزهُّداً منهم، لا ظنًّا لحرمتها، إذ يُبعده أنَّ الحلَّ معلومٌ لهم مما مرَّ. وليس بالبعيد. والقولُ بأنَّ القولَ الأوَّلَ مما يأباه سباقُ النظم الكريم وسياقه (٤). ممنوعٌ، ودون إثباته الموتُ الأحمر. والفاء للعطف على سببٍ مقدَّر، أي: قد أبحتُ لكم الغنائمَ فكلوا، مثلاً، وقيل: قد يستغنى عن العطف على السبب المقدَّر بعطفه على ما قبله؛ لأنه بمعناه، أي: لا أؤاخذكم بما أخذتم من الفداء فكلوه. (١) تفسير البغوي ٢/ ٢٦٢. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٨٧١/٢-٨٧٢. (٣) كما في الدر المنثور ٢٠٤/٣. (٤) هو قول أبي السعود في تفسيره ٣٦/٤. الآية : ٧٠ ١٩٣ سُورَّقُ الأَنْفَّاِّ وزعم بعضُهم(١) أنَّ الأظهرَ تقديرُ ((دَعُوا)) والعطفُ عليه، أي: دَعُوا ما أخذتم فكلوا ممَّا غنمتم، وهو مبنيٌّ على ما ذَهَبَ إليه من الإباء. وبنحو هذه الآية تشبّث مَن زعم أنَّ الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة، وضُعِّف بأنَّ الإباحة ثَبَتَتْ هنا بقرينة أنَّ الأكلَ إنما أُمر به لمنفعتهم، فلا ينبغي أنْ تثبت (٢) على وجهِ المضرَّة والمشقّة. وقوله تعالى: ﴿حَلًا﴾ حالٌ من ((ما)) الموصولة، أو من عائدِها المحذوفِ، أو صفةٌ للمصدر، أي: أكلاً حلالاً. وفائدةُ ذِكْرِه، وكذا ذِكْرُ قوله تعالى: ﴿طَيِّبَا﴾ تأكيدُ الإباحة؛ لما في العتاب من الشدَّة. ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾ في مخالفته ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ولذا غفر لكم ذنبَكم، وأباح لكم ما أخذتموه. وقيل: فيغفرُ لكم ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل ورود الإذن، ويرحمُكم ويتوب عليكم إذا اتَّقيتموه. ﴿يَّهَا النَُّ قُل لِّمَن فِيَّ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: في ملكتِكم واستيلائكم، كأنَّ أيديكم قابضةٌ عليهم ﴿مِّنَ الْأَسْرَى﴾ الذين أخذتم منهمُ الفداءَ. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر: ((من الأُسارى))(٣). ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إيماناً وتصديقاً كما قال ابنُ عباس ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء. والآية على ما في رواية ابنِ سعد وابن عساكر نزلتْ في جميع أسارى بدرٍ (٤). وكان فداءُ العباس منهم أربعين أوقية، وفداءُ سائرِهم عشرين أوقيةً. وعن محمد بن سيرين أنه كان فداؤُهم مئةً أوقية، والأوقيةُ أربعون درهماً وستةُ دنانير. (١) هو أبو السعود في تفسيره ٣٦/٤. (٢) في الأصل: يثبت. (٣) التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٧/٢ . (٤) طبقات ابن سعد ١٥/٤، وتاريخ مدينة دمشق ٢٩٣/٢٦، من حديث ابن عباس ـ وأخرجه أيضاً الطبري ٢٨٦/١١ . سُورَةُ الأَنْفَِّ ١٩٤ الآية : ٧٠ رَضُه(١)، وقد روي عنه أنه قال: وجاء في رواية أنها نزلت في العباس كنتُ مسلماً لكن استكرهوني. فقال رسول الله وَله: ((إنْ يَكُنْ ما تَذْكُرُ حقًّا فاللهُ تعالى يَجْزِيكَ، فأمَّا ظاهِرُ أمرك فقد كان علينا، فادِ نفسَك وابني أخويك نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب، وحليفَك عتبةً بن عمرو)) فقلتُ: ما ذاك عندي يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: ((فأين الذي دفنتَ أنتَ وأمُّ الفضل، فقلت لها: إنِّي لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإنْ حَدَثَ بي حَدَثٌ، فهو لكِ ولعبد الله وعبيدِ الله وقُثَم)) فقلتُ: وما يدريك؟ فقال ◌َّ: (أخبرني ربِّي)) فعند ذلك قال العباس: أشهد أنَّك صادقٌ، وأنْ لا إله إلا الله، وأنَّك رسولُ الله. إنَّه لم يطَّلع على ذلك أحدٌ إلا الله تعالى، ولقد دفعتُه إليها في سواد الليل (٢). وروي عنه رضيبه أنه قال بعد حين: أبدلني الله خيراً من ذلك؛ لي الآن عشرون عبداً إنَّ أدناهم ليضربُ في عشرين ألفاً، وأعطاني زمزم وما أحبُّ أنَّ لي بها جميعُ أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرةَ من ربكم(٣). بتأويل ما في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾ فإنه وعدٌ بالمغفرة مؤكّد بالاعتراض التذييلي. وروي أنه قَدِمَ على رسول اللهِوَّهَ مالُ البحرين ثمانون ألفاً، فتوضَّأَ وَلـ وما صلى حتَّى فرَّقه، وأمر العباس أن يأخذَ منه، فأخذ ما قدر على حمله(٤). وكان رَُّه يقول: هذا خيرٌ مما أخذ مني، وأرجو المغفرة(٥). (١) تفسير الطبري ٢٨٤/١١ _٢٨٥. (٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ١٤٢/٣-١٤٣ من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن الزهري وجماعة سماهم. وأخرجه الحاكم ٣٢٤/٣ من حديث عائشة ﴿يا. وأخرجه أحمد (٣٣١٠) من طريق ابن اسحاق قال: حدثني من سمع عكرمة عن ابن عباس. وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١٥ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. وذكره الواحدي في أسباب النزول ص٢٣٨ عن الكلبي. (٣) قطعة من خبر الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عند ابن سعد ١٥/٤، وأخرجه الطبري ٢٨٤/١١-٢٨٧ من طرق أخرى عن ابن عباس دون ذكر إعطائه زمزم. (٤) أخرجه البخاري (٤٢١) من حديث أنس (٥) أخرجه الطبري ٢٨٥/١١ عن قتادة. الآية : ٧١، ٧٢ ١٩٥ سُوَّةُ الأَفَِّّ والظاهر أنَّ الآية عامةٌ لسائر الأسارى على ما يقتضيه صيغةُ الجمع، ولا يأبى ذلك روايةُ أنها نزلت في العباس؛ لِمَا قالوا من أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقرأ الأعمش: ((يُثِبْكُم خيراً)). والحسن وشيبة: ((مما أخَذَ منكم)) على البناء للفاعل(١). ﴿وَإِن يُرِيدُوا﴾ أي: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾ أي: نَقْضَ ما عاهدوك عليه من إعطاء الفديةِ، أو: أنْ لا يعودوا لمحاربتِكَ، ولا إلى معاضدةِ المشركين. ويجوز أن يكون المرادُ: وإنْ يريدوا نكثَ ما بايعوكَ عليه من الإسلام، والرِّدَّة واستحبابَ دينِ آبائهم ﴿فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ بالكفر ونقضٍ ميثاقه المأخوذ على كلِّ عاقلٍ، بل ادَّعى بعضُهم أنَّه الأقرب. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمُّ﴾ أي: أقْدَرَكَ عليهم حَسْبَما رأيت في بدر، فإنْ أعادوا الخيانةَ فاعلم أنَّه سيمكّنك الله تعالى منهم أيضاً، فالمفعول محذوفٌ. وقوله سبحانه: (فَقَدْ خَانُواْ) قائم مقامَ الجواب، والجملةُ كلامٌ مسوقٌ من جهتهِ تعالى لتسليتِه عليه الصلاة والسلام بطريقِ الوعدِ له رَِّ والوعيدِ لهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ﴾ فيعلم ما في نيَّاتِهم، وما يستحقونه من العقاب ﴿حَكِيمُ يفعلُ كلَّ ما يفعلُهُ حَسْبَما تقتضيه حكمتُه البالغةُ. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾ هم المهاجرون الذين هجروا أوطانهم وتركوها لأعدائهم في الله لله عزَّ وجلَّ ﴿وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ﴾ فصرفوها للكراعِ والسلاحِ، وأنفقوها على المحاويج من المسلمين ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ بمباشرة القتال، واقتحامٍ المعارك، والخوض في لُجج المهالك. ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قيل: هو متعلِّق بـ ((جاهدوا)) قيدٌ لنوعي الجهاد، ويجوز أن يكونَ من باب التنازع في العمل بين ((هاجروا)) و((جاهدوا)). (١) ذكر القراءتين ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٥٠. سُورَةُ الأَنَفَّالِ ١٩٦ الآية : ٧٢ ولعلَّ تقديمَ الأموال على الأنفس لما أن المجاهدةَ بالأموال أكثرُ وقوعاً، وأتمُّ دفعاً للحاجة، حيث لا يُتصوّر المجاهدةُ بالنفس بلا مجاهدةٍ بالمال. وقيل: ترتيبُ هذه المتعاطفات في الآية على حَسَبِ الوقوع، فإنَّ الأوَّل الإيمانُ، ثمَّ الهجرةُ، ثمَّ الجهادُ بالمالِ لنحوِ التأمُّب للحرب، ثم الجهاد بالنفس. ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوا﴾ هم الأنصار آووا المهاجرين، وأنزلوهم منازلهم، وآثروهم على أنفسِهم، ونصروهم على أعدائِهم ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المذكورون، الموصوفون بالصِّفات الفاضلة، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ﴾ إما بدلٌ منه (١) وقولهُ سبحانه: ﴿أَوْلِيَةُ بَعْضٍ﴾ خبر، وإما مبتدأ ثان و((أولياء)) خبره والجملة خبرٌ للمبتدأ الأول. أي: بعضُهم أولياءُ بعضٍ في الميراث، على ما هو المرويُّ عن ابن عباس . والحسن ومجاهد والسدِّيِّ وقتادة؛ فإنهم قالوا: آخى رسولُ الله ◌َّ ه بين المهاجرين والأنصار ﴿ه، فكان المهاجريُّ يرثُه أخوه الأنصاريُّ إذا لم يكن له بالمدينة وليٍّ مهاجريٌّ، ولا توارثَ بينه وبين قريبِهِ المسلم غير المهاجريِّ، واستمرَّ أمرُهم على ذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بالنَّسَب بعد إذ لم تكن هجرة. فالولايةُ على هذا: الوراثة المسيّية عن القرابة الحُكمية. والآية منسوخةٌ(٢). وقال الأصمُّ: هي محكمة، والمرادُ الولايةُ بالنُّصرة والمظاهرة. وكأنَّه لم يسمع قولَه تعالى: (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) بعد نفي موالاتهم في الآية الآتية. ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُّهَاجِرُواْ﴾ كسائر المؤمنين ﴿مَا لَّكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ أي: تَولِيهم في الميراث، وإن كانوا أقربَ ذوي قرابتكم ﴿حَّ يُهَاجِرُواْ﴾ وحينئذٍ يثبت لهم الحكمُ السابق. وقرأ حمزة والأعمش ويحيى بنُ وثاب: ((ولا يتهم)) بالكسر(٣). وزعم الأصمعيُّ أنه خطأ، وهو المخطئ؛ فقد تواترت القراءةُ بذلك، وجاء في اللغة الولايةُ مَصدراً (١) في (م): منهم. (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٩٤/٢-٣٩٥. (٣) التيسير ص ١١٧ عن حمزة. الآية : ٧٣ ١٩٧ سُورَةُ الأَنْفَاِ بالفتح والكسر، وهما لغتان فيه بمعنىّ واحدٍ، وهو القُربُ الحسيُّ والمعنويُّ كما قيل. وقيل: بينهما فرقٌ؛ فالفتحُ ولايةُ مولى النسب ونحوِهِ، والكسرُ ولايةُ السلطان، ونُسب ذلك إلى أبي عبيدة(١)، وأبي الحسن. وقال الزجَّاجِ (٢): هي بالفتح النصرةُ والنسبُ، وبالكسر للإمارة. ونُقل عنه(٣) أنه ذهب إلى أنَّ الولاية لاحتياجها إلى تمرُّنٍ وتدرُّبِ شُبِّهت بالصناعات، ولذا جاء فيها الكسرُ كالإمارة، وذلك لِمَا ذهب إليه المحقِّقون من أهل اللغة من أنَّ فِعالة بالكسر في الأسماء لما يحيط بشيءٍ ويُجعلُ فيه؛ كاللِّفافة والعِمامة، وفي المصادر يكون في الصناعات وما يزاوَل بالأعمال، كالكتابة والخياطة والزراعة والحراثة. وما ذكره من حديث التشبيه بالصناعات، يحتملُ أن يكون من الواضعِ؛ بمعنى أنَّ الواضعَ حين وضعها شبَّهها بذلك، فتكون حقيقةً، ويحتمل أن يكون من غيره على طرزِ تشبيهِ زيد بالأسدِ، فحينئذ يكون هناك استعارةٌ، وهي كما قال بعضُ الجلَّة: استعارةٌ أصلية؛ لوقوعها في المصدر دون المشتقِّ، وإن كان التصرُّف في الهيئة لا في المادة، ومنه يُعلم أنَّ الاستعارة الأصلية قسمان: ما يكون التجوُّز في مادته، وما یکون في هيئته. ﴿وَإِنِ اسْتَنَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فواجبٌ عليكم أن تنصروهِم على المشركين أعداء الله تعالى وأعدائكم ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ﴾ منهم ﴿بَيْتَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَنْ﴾ فلا تنصروهم علیھم(٤)؛ لِمَا في ذلك من نقض عهدِهم. ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (﴾﴾ فلا تخالفوا أمرَه، ولا تتجاوزوا ما حدَّه لكم؛ لكي لا يحلَّ عليكم عقابهُ. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍ﴾ آخَرَ منهم، أي: في الميراث کما روي عن (١) مجاز القرآن ٢٥١/١. (٢) نقله عنه الرازي في تفسيره ٢١٠/١٥، والشهاب في الحاشية ٢٩٤/٤، والكلام منه. (٣) كما في حاشية الشهاب ٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥. (٤) في (م): عليه. سُورَةُ الأَفَِّ ١٩٨ الآية : ٧٤، ٧٥ ١. وقال قتادة وابنُ إسحاق: في المؤازرة. وهذا بمفهومه مفيدٌ لنفي ابن عباس المُوارَثةِ والمؤازَرَةِ بينهم وبين المسلمين، وإيجابٍ ضدِّ ذلك وإن كانوا أقاربَ. ومن هنا ذهب الجمهورُ إلى أنه لا يرثُ مسلمٌ كافراً ولا كافرٌ مسلماً، وأخرج ذلك ابن مردويه والحاكم وصحَّحه عن أسامة بنظُه: أنه وَّرِ قال ذلك وقرأ الآية(١). ومن الناس مَن قال: إن المسلم يرثُ الكافرَ دون العكس. وليس مما يعوَّل عليه، والفتوى على الأول كما تحقَّق في محلِّه. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي: إلا تفعلوا ما أُمرتم به في الآيتين، وقيل: الضمير المنصوب للميثاق، أو حفظِه، أو الإرثِ، أو النصر، أو الاستنصارِ المفهوم من الفعل، والأَوْلى ما ذكرنا، وفي الأخير ما لا يخفى من التكلُّف. ﴿ِتَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ﴾ أي: تحصلُ فتنةٌ عظيمةٌ فيها، وهي اختلافُ الكلمة، وضعفُ الإيمان، وظهورُ الكفر ﴿وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ ﴾﴾ وهو سفكُ الدماء على ما روي عن الحسن، فالمرادُ: فسادٌ كبير فيها. وقيل: المراد: في الدارين، وهو خلاف الظاهر. وعن الكسائيِّ أنه قرأ: ((كثير)) بالمثلثة (٢). ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُّوَاْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ كلامٌ مسوقٌ للثناء على القِسْمَين الأوَّلَيْنِ من الأقسام الثلاثة للمؤمنين - وهم المهاجرون والأنصارُ - بأنَّهم الفائزون بالقدحِ المعلَّ من الإيمان، مع الوعد الکریم بقوله سبحانه: ﴿لَّم مَّغْفِرَةٌ﴾ لا يُقادَر قدرُهَا ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: لا تبعةً له، ولا منَّة فيه. وقيل: هو الذي لا يستحيلُ نجواً في الأجواف، وهو رزقُ الجنة. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ أي: في بعض أسفاركم. والمرادُ بهم؛ قيل: المؤمنون المهاجرون من بعد صلح الحديبيةِ وهي الهجرةُ الثانية. وقيل: (١) المستدرك ٢/ ٢٤٠، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٢٠٦/٣ للحاكم وابن مردويه ولكن من حديث أبي أمامة، ولم نقف على حديث أبي أمامة عند الحاكم، وحديث أسامة أخرجه أحمد (٢١٧٤٧)، والبخاري (٦٧٦٤)، ومسلم (١٦١٤) دون ذكر الآية. (٢) القراءات الشاذة ص ٥٠-٥١، والمشهور عن الكسائي كقراءة الجماعة ((كبير)) بالباء. الآية : ٧٥ ١٩٩ سُورَةُ الأَفَّالِ من بعد نزول الآية. وقيل: من بعدٍ غزوةٍ بدرٍ. والأصحُّ أنَّ المراد بهم الذين هاجروا بعد الهجرة الأولى. ﴿فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم أيُّها المهاجرون والأنصار، وفيه إشارة إلى أنَّ السابقين هم السابقون في الشَّرف، وأنَّ هؤلاءِ دونهم فيه، ويؤيِّد أمرَ شرفِهم توجيهُ الخطاب إليهم بطريق الالتفات، وبهذا القِسْمِ صارت أقسامُ المؤمنين أربعة، والتوارثُ إنَّما هو في القسمين الأوَّلَيْنِ على ما علمتَ، وزعم الطبرسيُّ أنَّ ذلك الحكمَ يثبت لهؤلاء أيضاً، فيكون التوارثُ بين ثلاثةَ أقسام، وجعل معنى ((منكم)): من جملتكم، وحُكْمُهم حُكْمكُم في وجوب الموالاةِ والموارثةِ والنصرة(١). ولم أره لأصحابنا . ﴿وَأُوْلُوْ اَلْأَرْحَامِ﴾ أي: ذوو القرابة ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ آخرَ منهم في التوريث من الأجانب ﴿فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: في حُكْمه، أو: في اللوح المحفوظ. أخرج الطيالسيُّ والطبرانيُّ وغيرهما عن ابن عباس ◌ّ قال: آخى رسول الله وَّل بين أصحابه، وورَّث بعضهم من بعض، حتَّى نزلتْ هذه الآية فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب(٢). وأخرج ابن مردويه(٣) عنه رظُه قال: توَارَثَ المسلمون لمَّا قدِموا المدينةَ بالهجرة، ثم نُسخ ذلك بهذه الآية. واستُدِلَّ بها على توريث ذوي الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون(٤)، وذلك لأنَّها نُسخ بها التوارُثُ بالهجرة ولم يفرِّق بين العصبات وغيرهم، فيدخل مَن لا تسميةً لهم ولا تعصیبَ، وهم هم. (١) مجمع البيان ١٠/ ١٨٥ -١٨٦. (٢) مسند الطيالسي (٢٦٧٥)، والمعجم الكبير (١١٧٤٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨/٧: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (٣) كما في الدر المنثور ٢٠٨/٣. (٤) ذوو الأرحام هم الذين لا سهم لهم في الكتاب والسنة من قرابة الميت وليسوا بعصبة، وهم أحد عشر: أولاد البنات، وأولاد الأخوات، وبنات الأخ، والخال، والعمة، والخالة، والعم أخ الأب للأم، والجد أبي الأم، والجدة أم أبي الأم، وابن الأخ للأم، وبنات الأعمام. ينظر الاستذكار ٤٨٠/١٥-٤٨١، والتهذيب في الفرائض للكلوذاني ص٢١٦، والمغني لابن قدامة ٩/ ٨٢. سُورَُّ الأَنَفَِّّ ٢٠٠ التفسير الإشاري (٦٤ - ٧٥) وبها أيضاً احتجَّ ابنُ مسعود كما أخرجه ابنُ أبي حاتم والحاكمُ على أنَّ ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة، ولما سمع الحبرُ قال: هيهات هيهات، أين ذهب؟ إنَّما كان المهاجرون يتوارثون دونَ الأعراب فنزلت(١). وخالفه سائر الصحابة أيضاً على ما قيل. وأنتَ تعلم أنه إذا أريد بكتاب الله تعالى آياتُ المواريثِ السابقة في سورة النِّساء، أو حكمُه سبحانهُ المعلومُ هناك، لا يبقى للاستدلال على توريثٍ ذوي الأرحام بالآية وجهٌ، وكذا ما قاله ابن الفرس من أنه قد يستدلُّ بها لمن قال: إنَّ القريبَ أولى بالصلاة على الميت من الوالي. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ومن جملته ما في تعليق التوارُثِ بالقرابة الدينيّة أولاً على الوجه السابق، وبالقرابة النَّسَبية آخراً، من الحِكم البالغة. هذا ومن باب الإشارة: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الإيمانَ العِلمِيَّ ﴿وَهَاجَرُواْ﴾ من أوطان نفوسِهِم ﴿وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ﴾ بإنفاقها حتَّى تخلَّلوا بعباءِ التجرُّدِ والانقطاع إلى الله عزَّ وجلَّ ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ بإتعابها بالرياضة ومحاربةِ الشيطان، وبذلِها ﴿فِي سَبِيلِ اللّهِ﴾ تعالى وطريقِ الوصول إليه ﴿وَالَّذِينَ ءَاوَوا﴾ إخوانَهم في الطريق، ونصروهم على عدوّهم بالإمداد ﴿أُوْلَكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بميراثِ الحقائقِ والعلومِ النافعة. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُّهَاجِرُواْ﴾ عن وطن النفس ﴿مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ فلا توارثَ بينكم وبينهم؛ إذٍ ما عندكم لا يصلحُ لهم ما لم يستعدُّوا له، وما عندهم يأباه استعدادُكم ﴿حَّى يُّهَاِرُواْ﴾ كما هاجرتم، فحينئذ يثبتُ التوارث بينكم وبينهم. ﴿وَإِنِ أُسْتَنَصَرُوَكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ فإنَّ الدين مشترك. وعلى هذا الطرزِ يقال في باقي الآيات، والله تعالى وليُّ التوفيق، وبيده أزمَّةُ التحقيق . (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٣/٢، والمستدرك ٣٤٤/٤، قال الحاكم: حديث صحيح.