النص المفهرس
صفحات 161-180
الآية : ٥٧ ١٦١ سُورَةُ الأَفَّاِ وتظفرنَّ بهم ﴿فِ الْحَرْبِ﴾ أي: في تضاعيفها ﴿فَشَرِّدْ بِهِم﴾ أي فرِّق بهم ﴿مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: مَن وراءَهم من الكفرة، يعني: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدَك فعلاً من القتل والتنكيل العظيم يفرِّق عنك بسببه مَن خلفَهم، ويَعْتَبِر به مَن سَمِعَه من أهل مكةً وغيرهم، وإلى هذا يرجع ما قيل مِن أنَّ المعنى: نكِّل بهم (١) ليتَّعظ مَن سواهم. وقيل: إنَّ معنى شرِّد بهم: سمِّع بهم في لغة قريش؛ قال الشاعر: أُطوِّفُ بالأباطح كلَّ يومٍ مخافةَ أن يشرِّد بي حكيمُ" وقرأ ابنُ مسعود والأعمش: ((فشرِّذ)) بالذال المعجمة. (٣) وهو بمعنى ((شرِّد)) بالمهملة. وعن ابن جني(٤) أنَّه لم يمر بنا في اللغة تركيبُ ((شرذ)). والأَوْجَهُ أن تكونَ الذالُ بدلاً من الدال، والجامع بينهما أنَّهما مجهوران ومتقاربان. وقيل: إنه قَلْبٌ مِن شَذَرَ، ومنه: شَذَرَ مَذَرَ للمتفرِّق. وذهب بعضُ أهل اللغة إلى أنَّها موجودة ومعناها التنكيلُ، ومعنى المهمل التفريقُ كما قاله قطرب، لكنها نادرة. وقرأ أبو حيوة: ((مِن خَلْفِهم)) بـ ((مِن)) الجارَّةُ(٥)، والفعل عليها منزَّلٌ منزلةً اللازم، كما في قوله: يجرح في عراقيبها نَصْلي(٦) (١) في (م): به. (٢) البيت للحارث بن أمية الأصغر كما في أخبار مكة للأزرقي ٢/ ٢٤٢، وأخبار مكة للفاكهي ٢٨١/٣، والمنمق لابن حبيب ص٢٨٦، وتفسير القرطبي ٤٩/١٠، واللسان (شرد). وجاء في بعض المصادر: يشردني. وحكيم هو ابن أمية بن حارثة السلمي، وذكر ابن الأثير في أسد الغابة ٤٣/٢ أنه أسلم قديماً بمكة. (٣) القراءات الشاذة ص ٥٠، والمحتسب ٢٨٠/١. (٤) في المحتسب ١/ ٢٨٠ . (٥) القراءات الشاذة ص ٥٠. (٦) قطعة من بيت لذي الرمة، وهو في ديوانه ١٥٦/١، والبيت بتمامه: وإن تعتذر بالمَحْل من ذي ضروعها على الضيف يجرحْ في عراقيبها نَصْلي أي: إن اعتذرتْ بقلّة اللبن بسبب القحط إلى الضيف، أعقرها لتكون هي عوض اللبن. الخزانة ١٢٩/٢. سُورَةُ الأَنْفَِّ ١٦٢ الآية : ٥٨ فالمعنى: افعل التشريد من ورائهم، وهو في معنى جَعْلِ الوراء ظرفاً للتشريد، لتقارُب معنى ((مِن)) و((في))؛ تقول: اضرب زيداً من وراء عمرو، ووراءه، أي: في ورائه، وذلك يدلُّ على تشريدٍ مَن في تلك الجهةِ على سبيل الكناية، فإنَّ إيقاعَ التشريد في الوراء لا يتحقَّق إلا بتشريدِ مَن وراءهم، فلا فرقَ بين القراءتين - الفتحِ والكسر - إلَّا في المبالغة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾﴾ أي: لعل المشرَّدين يتَّعظون بما يعملونه مما نزل بالناقضين، فيرتدعُون عن النَّقص، قيل: أو عن الكفر. ﴿وَإِمَّا تَخَافَ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةٌ﴾ بيانٌ لأحكام المشرفين إلى نقض العهد إثر بيان أحكام الناقضين له بالفعل، والخوفُ مستعارٌ للعلم، أي: وإما تعلمنَّ من قومٍ معاهِدينَ لك نقضَ عهدٍ فيما سيأتي بما يَلُوح لك منهم من الدلائل ﴿فَئِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: فاطرح إليهم عهدَهم، وفيه استعارةٌ مكْنيَّةٌ تخييلِيَّةٌ ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ أي: على طريقٍ مستوٍ وحالٍ قَصْدٍ، بأن تُظهرَ لهم النقضَ وتُخبرَهم إخباراً مكشوفاً بأنَّك قد قطعتَ ما بينك وبينهم من الوصلةٍ، ولا تناجزهم الحربَ وهم على توُّهم بقاءِ العهد؛ كيلا يكونَ من قِبَلِكَ شائبةُ خيانةٍ أصلاً، فالجارُّ والمجرورُ متعلِّقٌ بمحذوف وقع حالاً من المستكنِّ في ((انبذ))، أي: فانبذ إليهم ثابتاً على سواء. وجوِّز أن يكون حالاً من ضمير ((إليهم))، أو من الضميرين معاً، أي: حالَ كونهم كائنين على استواءٍ في العلم بنقض العهد بحيث يستوي فيه أقصاهُم وأدناهُم، أو: حالَ كونك أنت وهم على استواءٍ في ذلك. ولزومُ الإعلامِ عند أكثر العلماء الأعلام إذا لم تَنْقَضِ مدَّةُ العهد، أو لم يَسْتَفِضْ نقضُهم لَهَ ويظهر ظهوراً مقطوعاً به، أمَّا إذا انْقَضت المدَّةُ أو استفاض النقضُ وعَلِمِه الناسُ، فلا حاجة إلى ما ذُكر، ولهذا غزا النبيُّ نَِّ أهلَ مكةَ من غير نبذٍ ولم يُعْلمهم؛ لأنَّهم(١) كانوا نقضوا العهدَ علانيةً بمعاونتهم بني كنانةَ على قتل خزاعةً حلفاءِ النبيِّ ◌َّرَ. (١) في (م): بأنهم. الآية : ٥٩ ١٦٣ سُؤَدَّةُ الأَنْفَّالِ تعليلٌ لأمر بالنبذ باعتبار استلزامِه للنهي عن ٥٨ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيْنِينَ المناجزة التي هي خيانةٌ، فيكونُ تحذيراً للنبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم منها . وجوِّز أن يكون تعليلاً لذلك باعتبار استتباعه للقتال بالآخرة، فتكون حثًّا له وَلـ على النبذ أولاً وعلى قتالهم ثانياً، كأنَّه قيل: وإمَّا تعلمنَّ من قوم خيانةً فانبذ إليهم ثمَّ قاتِلْهم، إنَّ الله لا يحبُّ الخائنين وهم من جملتهم لِمَا علمتَ حالَهم. والأول هو المتبادر، وعلى كلا التقديرين المرادُ من نفي الحبِّ إثباتُ البغض، إذ لا واسطةً بين الحبِّ والبُغض بالنسبة إليه تعالی. ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ بياء الغيبة، وهي قراءةُ حفص وابن عامر وأبي جعفر وحمزة(١). وزَعْمُ تفرُّد الأخير بها وهمٌ، كزَعْم أنَّها غيرُ نيِّرة، فقد نصَّ في ((التيسير)) على أنه قرأ بها الأوَّلان أيضاً، وفي ((المجمع)) على أنه قرأ بها الأربعة، وقال المحققون: إنها أَنْوَرُ من الشمس في رابعة النهار؛ لأنَّ فاعلَ (يحسبنَّ)) الموصولُ بعدَه، ومفعولَه الأولَ محذوفٌ، أي: أنفسَهم، وحُذف للتكرار، والثاني جملةُ ((سبقوا))، أي: لا يحسبنَّ أولئك الكافرون أنفسَهم سابقين، أي: مُفْلَتين من أنْ يظفرَ بهم(٢). والمراد من هذا إقناطُهم من الخلاص، وقطعُ أطماعهم الفارغة من الانتتفاع بالنبذ. والاقتصارُ على دفع هذا التوقُّم، وعدمُ دَفْع توهم سائر ما تتعلَّق به أمانيُّهم الباطلةُ من مقاومة المؤمنين أو الغلبةِ عليهم؛ للتنبيه على أنَّ ذلك مما لا يَحومُ عليه عُقابُ وَهْمِهِم وحسبانِهم، وإنَّما الذي يمكن أن يدورَ في خَلَدِهم حسبانُ المناصِ فقط . ويحتمل أن يكونَ الفاعلُ ضميراً مستتراً، والحذفُ لا يخطرُ بالبال كما توهِّم، أي: لا يحسبن هو، أي: قبيلُ المؤمنين، أو الرسلُ، أو الحاسبُ، أو من خلفهم، أو أحدٌ، وهو معلومٌ من الكلام، فلا يَرِدُ عليه أنه لم يَسْبِقْ له ذكر، ومفعولا الفعل ((الذين كفروا)) و((سبقوا)). (١) التيسير ص ١١٧، والنشر ٢٧٧/٢ . (٢) مجمع البيان ١٦٨/١٠. سُورَةُ الَفَِّ ١٦٤ الآية : ٥٩ وحكي عن الفراء(١) أنَّ الفاعل: ((الذين كفروا))، وأنَّ ((سبقوا)) بتقديرٍ: أنْ سبقوا، فتكون ((أنْ)) وما بعدها سادَّةً مسدِ المفعولين، وأيَّد بقراءة ابن مسعود: (نَّهم سبقوا))(٢). واعترضه أبو البقاء(٣) وغيرُه بأنَّ ((أنْ)) المصدريةَ موصولٌ، وحذفُ الموصول ضعيفٌ في القياس، شاذٌّ في الاستعمال، لم يَرِد منه إلا شيءٌ يسير كـ : تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه، ونحوِه، فلا ينبغي أن يخرَّج كلام الله تعالى عليه. وقرأ مَن عدا مَن ذُكر: (تَحسبن)) بالتاء الفوقية(٤)، على أنَّ الخطاب للنبيِّي ◌ََّ، أو لكلِّ مَن له حظّ في الخطاب، و((الذين كفروا سبقوا)) مفعولاه، ولا كلامَ في ذلك. وقرأ الأعمش: ((ولا تَحْسَب الذين)) بكسر الباء وفتحِها على حذفِ النون الخفيفة ـمة (٥) . ﴾﴾ - أي: لا يفوتون اللهَ تعالى، لا يجدون وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ طالبهم عاجزاً عن إدراكهم - تعليلٌ للنهي على طريق الاستئناف. وقرأ ابن عامر: (أنهم) بفتح الهمزة(٦)، وهو تعليلٌ أيضاً بتقدير اللام المطَّردِ حَذْفُها في مثله. وقيل: الفعلُ واقعٌ عليه، و((لا)) صلة، ويؤيِّده أنه قرئ بحذفها(٧)، و((سبقوا)) حال بمعنى سابقين، أي: مفلتين هاربين. وضعِّف بأن ((لا)) لا تكون صلةً في موضعٍ يجوز أن لا تكونَ كذلك، وبأنَّ المعهود كما قال أبو البقاء في المفعول الثاني لـ ((حسب)) في مثل ذلك أن تكون (إنَّ)) فيه مكسورةً(٨) . (١) في معاني القرآن ٤١٥/١. (٢) ذكرها الفراء في معاني القرآن ١/ ٤١٤، وأبو حيان في البحر ٤/ ٥١٠. (٣) الإملاء ١٢٧/٣-١٢٨. (٤) التيسير ص١١٧، والنشر ٢٧٧/٢، وقراءة شعبة بفتح السين والباقون بكسرها. (٥) الكشاف ١٦٥/٢، والبحر ٥١٠/٤. (٦) التيسير ص ١١٧ . (٧) ذكرها الشهاب في الحاشية ٢٨٧/٤. (٨) الإملاء ١٢٨/٣-١٢٩. الآية : ٦٠ ١٦٥ سُوَبَُّ الأَنْفَّاِ وهذا - على قراءة الخطاب - لإزاحة ما عسى أن يحذر من عاقبة النبذٍ؛ لِمَا أنَّه إيقاظٌ للعدوِّ، وتمكينٌ لهم من الهرب والخلاص من أيدي المؤمنين، وفيه نفيٌ لقدرتهم على المقاومة والمقابلة على أبلغ وجهٍ وآكدِه كما أشير(١) إليه. وذكر الجبَّائي أنَّ((لا يُعْجزون)) على معنى: لا يُعْجِزونَك، على أنَّه خطابٌ أيضاً للنبيّ عليه الصلاة والسلام، ولا يخلو عن حُسن. والظاهر أنَّ عدم الإعجاز كيفما قدِّر المفعولُ إشارةٌ إلى أنه سبحانه سيمگّن منهم في الدنيا، فما روي عن الحسن أنَّ المعنى: لا يفوتون اللهَ تعالى حتى لا يَبعثَهم في الآخرة(٢). غريبٌ منه إن صحَّ. وادَّعى الخازنُ(٣) أنَّ المعنى على العموم، على معنى: لا يُعْجِزون الله تعالى مطلقاً، إمّا في الدنيا بالقتل، وإمَّا في الآخرة بعذاب النار. وذكر أنَّ فيه تسليةً للنبي ◌َّهِ فيمَن فاته من المشركين ولم ينتقم منهم. وهو ظاهر على القول بأنَّ الآية نزلت فيمَن أفلتَ من فلِّ المشركين، وروي ذلك عن الزهري. وقرئ: ((يعجزون)) بالتشديد (٤). وقرأ ابن محيصن: ((يُعْجِزونِ)) بكسر النون(٥)، بتقدير: يعجزونني، فحذفت إحدى النونين للتخفيف، والياءُ اكتفاءً بالكسرة، ومثله كثيرٌ في الكتاب. ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم﴾ خطابٌ لكافَّة المؤمنين؛ لما لأنَّ المأمورَ به من وظائف الكلِّ، أي: أعدُّوا لقتال الذين نُبذ إليهم العهد، وهيِّئوا لحرابهم، كما يقتضيه السياق، أو: لقتال الكفار على الإطلاق، وهو الأَوْلَى كما يقتضيه ما بعده. (١) في (م): يشير. (٢) ذكره الطبرسي في مجمع البيان ١٠/ ١٧٠ . (٣) في تفسيره ٢/ ٤٤ -٤٥ . (٤) قرئ بتشديد النون وتشديد الجيم، فقد قرأ ابن محيصن: ((يُعْجزونٌ)) بنون مشددة مكسورة، وعنه أيضاً: ((يعجِّزونٍ)) بفتح العين وتشديد الجيم وكسر النون. معاني القرآن للنحاس ١٦٥/٣-١٦٦، والبحر ٥١١/٤، والدر المصون ٦٢٦/٥. (٥) القراءات الشاذة ص٥٠، وذكرها أبو حيان في البحر ٥١١/٤ عن طلحة بن مصرف. سُورَةُ الأَفَّالِ ١٦٦ الآية : ٦٠ ﴿مَا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ﴾ أي: من كلِّ ما يُتقوَّى به في الحرب كائناً ما كان، وأطلق عليه القوة مبالغة، وإنما ذكر هذا لأنَّه لم يكن لهم(١) في بدرٍ استعدادٌ تام، فنبِّهوا على أنَّ النصر من غير استعداد لا يتأتَّى في كل زمان. وعن ابن عباس تفسيرُ القوة بأنواع الأسلحة. وقال عكرمة: هي الحصون والمعاقل. وفي رواية أخرى عنه: أنها ذكورُ الخیل. وأخرج أحمد ومسلم وخَلْقٌ كثيرٌ عن عقبةً بن عامر الجهنيِّ قال: سمعتُ النبيَّ وََّ يقول وهو على المنبر: (وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) ألا إنَّ القوةَ الرميُّ) قالها ثلاثاً(٢). والظاهر العمومُ، إلا أنَّه عليه الصلاة والسلام خصَّ الرميَ بالذكر لأنَّه أقوى ما يتقوَّى به، فهو من قبيلِ قوله وَّهِ: ((الحجُّ عرفة)»(٣). وقد مدح عليه الصلاة والسلام الرميّ وأمر بتعلُّمه في غير ما حديثٍ، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ شيءٍ مِنْ لَهْو الدنيا باطلٌ إلَّا ثلاثةً: انتضالَك بقوسك، وتأديبَك فرسَك، وملاعبتَك أهلَك، فإنَّها من الحقِّ)) (٤). وجاء في روايةٍ أخرجها النسائيُّ وغيرُه: ((كلُّ شيءٍ ليس من ذكر الله تعالى فهو لغوٌ وسهوٌ، إلا أربع خصالٍ: مشيَ الرجل بين الغرضين، وتأديبَ فرسه، وملاعبتَه أهلهَ، وتعليمَ السباحة(٥)). وجاء أيضاً: ((انتضلوا واركبوا، وأن تنتضلوا أحبُّ إليٍّ، إنَّ الله تعالى ليُدخِلُ (١) في (م): له. (٢) مسند أحمد (١٧٤٣٢)، وصحيح مسلم (١٩١٧). (٣) سلف ١٩١/٣. (٤) قطعة من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٣٠٥)، والحاكم ٩٥/٢ عن أبي هريرة رضي قال الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٦٩: فيه سويد بن عبد العزيز، قال أحمد: متروك، وضعفه الجمهور، ووثقه دحيم، وبقية رجاله ثقات. اهـ. وله شاهد من حديث عقبة بن عامر عند أحمد (١٧٣٠٠)، وأبو داود (٢٥١٣)، والترمذي (١٦٣٧)، والنسائي ٢٢٢/٦-٢٢٣. قال الترمذي: حسن صحيح. (٥) سنن النسائي الکبری (٨٨٩٠) من حديث جابر ـنه . الآية : ٦٠ ١٦٧ سُورَةُ الأَنْفَِّ بالسهم الواحدِ ثلاثةً الجنةَ: صانعه محتسباً، والمعينَ به، والراميَ به في سبيل الله تعالى))(١). وأنتَ تعلم أنَّ الرمي بالنِّبال اليوم لا يصيب هدفَ القصد من العدو؛ لأنَّهم استعملوا الرميَ بالبندق والمدافع، ولا يكاد ينفع معهما نبلٌ، وإذا لم يقابَلوا بالمثل عمَّ الداءُ العضالُ، واشتدَّ الوبالُ والنَّكالُ، ومَلَكَ البسيطةَ أهلُ الكفر والضلال، فالذي أراه - والعلم عند الله تعالى - تعيُّنُ تلك المقابلة على أئمة المسلمين وحُماةِ الدين، ولعلَّ فَضْلَ ذلك الرمي يثبت لهذا الرمي؛ لقيامه مقامه في الذبِّ عن بيضة الإسلام، ولا أرى ما فيه من النار - للضرورة الداعية إليه - إلا سبباً للفوز بالجنة إن شاء الله تعالى، ولا يبعدُ دخولُ مثلِ هذا الرميٍ في عموم قوله سبحانه: (وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِّن قُوَّةٍ). ﴿وَمِن رَّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرباط قيل: اسمٌ للخيل التي تُربط في سبيل الله تعالى، على أنَّ فِعال بمعنى مفعول، أو مصدر سميت به، يقال: رَبَطَ رَبْطاً ورِباطاً، ورابَطَ مرابَطَةٌ ورباطاً . واعتُرض بأنه يلزم على ذلك إضافة الشيء لنفسه. وردَّ بأن المرادَ أنَّ الرباطَ بمعنى المربوط مطلقاً، إلا أنَّه استُعمل في الخيل وخُصَّ بها، فالإضافة باعتبار المفهوم الأصليِّ. وأجاب القطبُ بأنَّ الرباط لفظُ مشتركٌ بين معاني الخيل، وانتظارِ الصلاة بعد الصلاة، والإقامةِ على جهاد العدوِّ بالحرب، ومصدرٍ رابطتُ، أي لازمتُ، فأضيف إلى أحدٍ معانيه للبيان، كما يقال: عينُ الشمس وعين الميزان. قيل: ومنه يُعلم أنه يجوز إضافة الشيء لنفسه إذا كان مشتركاً، وإذا كانت الإضافة من إضافة المطلَق إلى المقيَّد، فهي على معنى ((من)) التبعيضية. وجوِّز أن يكون جَمْعَ ربيط، كفَصِیل وفِصَال، أو جمعَ رَبْطِ، ککعب وکِعاب، و کلب وكلاب. (١) قطعة من حديث أبي هريرة ربه عند الطبراني في الأوسط (٥٣٠٥)، والحاكم ٩٥/٢، وقد سلفت قطعة منه قريباً. وله شاهد من حديث عقبة بن عامر ظه، وقد سلف تخريجه مع حديث أبي هريرة سُورَةُ الأَفَِّ ١٦٨ الآية : ٦٠ وعن عكرمة تفسيرُه بإناث الخيل، وهو - كتفسيره القوةَ بما سبق قريباً - بعيد. وذكر ابنُ المنير أنَّ المطابق للرمي أن يكونَ الرباط على بابه مصدراً (١). وعلى تفسير القوة بالحصون يتمُّ التناسبُ بينَه وبين رباط الخيل؛ لأنَّ العرب سمَّت الخيلَ حصوناً، وهي الحصونُ التي لا تحاصَر كما في قوله: أنَّ الحصونَ الخيلُ لا مَدَرُ القُری(٢) ولقد عَلِمتُ على تجنُّبِيّ الرَّدى وقال: وحِصني من الأحداث ظهرُ حصاني(٣) وقد جاء مدحُها فيما لا يُحصى من الأخبار، وصحَّ: ((الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة)»(٤). وأخرج أحمد عن مَعقِل بن يسار والنسائيُّ عن أنس: لم يكن شيءٌ أحبَّ إلى رسول الله و له بعد النساء من الخيل(٥). وميَّز ◌َ ﴿ بعضَ أصنافها على بعض، فقد أخرج أبو عبيدةً عن الشعبيٍّ في حديثٍ رفعه: ((التمسوا الحوائجَ على الفرس الكميتِ الأرثم، المحجَّل الثلاثِ، المطلقِ اليد اليمنى))(٦). (١) الانتصاف ١٦٦/٢. (٢) البيت للأسعر الجُعْفي الشاعر الفارس، وهو في الأصمعيات ص١٤١، والمؤتلف والمختلف للآمدي ص٥٨، وفي الأصمعيات: تجشمي، بدل: تجنبي. (٣) ذكره الشهاب في الحاشية ٢٨٨/٤. (٤) أخرجه أحمد (١٩٣٥٩)، والبخاري (٣١١٩)، ومسلم (١٨٧٣) من حديث عروة بن الجعد البارقي (٥) مسند أحمد (٢٠٣١٢)، والمجتبى ٢١٧/٦-٢١٨. (٦) أخرجه أبو عبيدة في بداية كتاب الخيل له، وهو مرسل. وأخرج أحمد (٢٢٥٦١)، والترمذي (١٦٩٦) من حديث أبي قتادة، عن النبي ◌َّر: ((خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم، ثم الأقرح المحجل، طَلْقُ اليمين، فإن لم يكن أدهم فكُميتٌ على الشِّيَةِ)). قال السندي كما في حاشية المسند: الأدهم: الأسود. الأقرح: ما كان في جبهته قُرْحة، وهو بياض يسير دون الغرة. الأرثم: هو الذي أنفه أبيض وشفته العليا. المحجل: هو الذي في قوائمه بياض. طلق اليمين، أي: مطلقها، ليس فيها تحجيل. الكميت: هو الذي لونه بين السواد والحمرة. الآية : ٦٠ ١٦٩ سُوَرَةُ الأَفَِّكَ وأخرج أبو داود والترمذيُّ وحسّنه عن ابن عباس . الخيل في شقرها))(١). عن النبيِّ وَِّ ((يُمنُ وأخرج مسلم وغيرُه عن أبي هريرةَ رَُّبه قال: ((كان رسول الله وَلّه يكره الشِّكال من الخيل»(٢) . واختلف في تفسيره؛ ففي ((النهاية)»(٣): الشِّكال في الخيل أن تكون ثلاثُ قوائمَ محجَّةً وواحدةٌ مظْلَقةً، تشبيهاً بالشِّكال الذي يُشكل به الخيل؛ لأنه يكون في ثلاث قوائمَ غالباً. وقيل: هو أن تكونَ الواحدةُ محجَّلة والثلاثُ مطلقةً. وقيل: هو أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلافٍ محجَّتين. وإنما كرهه عليه الصلاة والسلام تفؤُّلاً(٤)؛ لأنَّه كالمشكول صورةً، ویمکن أن یکون جرَّب ذلك الجنس فلم یکن فيه نَجَابة، وقيل: إذا كان مع ذلك أغرَّ زالت الكراهةُ؛ لزوال شِبْه الشِّكال. انتهى. ولا يخفى عليك أن حديثَ الشعبيِّ يُشْكِلُ على القول الأوَّل، إلا أن يقال: إنه يخصِّص عمومَه، وإنَّ حديثَ التفاؤل غيرُ ظاهر، والظاهرُ التشاؤم. وقد جاء: ((إنَّما الشؤمُ في ثلاثٍ؛ في الفرس والمرأة والدَّار))(٥) وحمله الّيبي على الكراهة التي سبَيُها ما في هذه الأشياء من مخالفةِ الشرع أو الطبع، كما قيل: شؤمُ الدَّارِ ضِيْقُها وسوءُ جيرانها، وشؤُ المرأة عُقْمُها وسَلَاطةُ لسانِها، وشؤمُ الفرس أنْ لا يُغْزَى(٦) عليها. لكنْ قال الجلالُ السيوطيُّ في ((فتح المطلب المبرور))(٧): إنَّ حديثَ التشاؤم (١) سنن أبي داود (٢٥٤٥)، وسنن الترمذي (١٩٦٥)، وهو عند أحمد (٢٤٥٤). (٢) صحيح مسلم (١٨٧٥)، وهو عند أحمد (٧٤٠٧). (٣) مادة: (شكل). (٤) في (م): تفاؤلاً، وهما بمعنى، والمثبت من الأصل والنهاية. (٥) أخرجه أحمد (٤٥٤٤)، والبخاري (٢٨٥٨)، ومسلم (٢٢٢٥) من حديث ابن عمر ـ (٦) في الأصل: يقرا. (٧) تمام تسميته: فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور. رسالة أجاب فيها السيوطي عن الأسئلة التي وردت إليه من بادية التكرور - وهي بلاد تنسب إلى قبيل من السودان في أقصى جنوب المغرب - وهي مطبوعة ضمن: الحاوي للفتاوى، والكلام فيه ٤٥٢/١ . سُورَةُ الأَفَّاِ ١٧٠ الآية : ٦٠ بالمرأة والدَّار والفرس قد اختلف العلماءُ فيه: هل هو على ظاهره، أو مؤوَّل؟ والمختار أنَّه على ظاهره، وهو ظاهرُ قولِ مالك. انتهى. ولا يُعارضه ما صحَّ عن ابن عمرَ ﴿ه قال: ذُكر الشُؤْم عند النبيِّ وَِّ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن كان الشُّؤْمُ في شيءٍ ففي الدَّار والمرأة والفرس))(١) فإنه ليس نصًّا في استثناء نقيضٍ المقدَّم وإنْ حمله عياضٌ على ذلك(٢)؛ لاحتمال أن يكون على حدٍّ قوله ◌ِّر: ((قد كان فيمَن قَبْلكم من الأمم محدَّثون، فإنْ يَكُنْ في أمتي منهم أحدٌ، فإنَّه عمرُ بن الخطاب (٣)) وقد ذكروا هناك أنَّ التعليقَ للدلالة على التأكيد والاختصاص، ونظيرُه في ذلك: إنْ كان لي صديقٌ، فهو زيد. فإنَّ قائلَه لا يريد به الشّك في صداقة زيد، بل المبالغةَ في أنَّ الصداقة مختصّة به لا تتخطاه إلى غيره، ولا محذور (٤) في اعتقاد ذلك بعد اعتقاد أنَّ المذكورات أماراتٌ، وأنَّ الفاعلَ هو الله تبارك وتعالى. وقرأ الحسن: ((ومن رُبط الخيل)) بضم الباء وسكونِها جمع رِباط(٥). وعطف ما ذكر على القوة بناءً على المعنى الأول لها؛ للإيذان بفضلها على سائر أفرادها، كعطف جبريل وميكالَ على الملائكة عليهم السلام. ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ أي: تخوِّفون به، وعن الراغب: أنَّ الرهبةَ والرَّهْبَ مخافةٌ مع تحرُّزٍ واضطراب(٦). وعن يعقوب أنه قرأ: ((ترهِّبون)) بالتشديد(٧). وقرأ ابن عباس (١) أخرجه من حديث ابن عمر البخاري (٥٠٩٤)، ومسلم (٢٢٢٥) (١١٨)، وأخرجه أحمد (٢٢٨٦٦)، والبخاري (٥٠٩٥)، ومسلم (٢٢٢٦) عن سهل بن سعد رائه وفيه: المسكن، بدل الدار. (٢) ينظر إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض ٧/ ١٥٠ . (٣) أخرجه أحمد (٨٤٦٨)، والبخاري (٣٦٨٩) من حديث أبي هريرة له، وأخرجه أحمد (٢٤٢٨٥)، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة هيپتا. (٤) في (م): محظور. (٥) ذكر ضم الباء عن الحسن ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٥٠، وذكر سكونها عنه أبو حيان في البحر ٤/ ٥١٢. (٦) مفردات الراغب (رهب). (٧) هي رواية رويس عن يعقوب كما في النشر ٢٧٧/٢ . الآية : ٦٠ ١٧١ سُوَدَّةُ الأَفَّاِ ومجاهد: (تُخزون))(١). والضمير المجرور لـ ((ما استطعتم))، أو للإعداد وهو الأنسب. والجملةُ في محلٌ نصب على الحالية من فاعل ((أعدُّوا)) أي: أعِدُّوا مُرْهِبينَ به، أو من الموصول كما قال أبو البقاء(٢)، أو من عائدهِ المحذوف، أي: أعدُّوا ما استطعتموه مُرْهَباً به. وفي الآية إشارةٌ إلى عدم تعيُّن القتال؛ لأنه قد يكون لضربِ الجزية ونحوه مما يترتَّب على إرهاب المسلمين بذلك ﴿عَدُوَّ الَّهِ﴾ المخالفين لأمره سبحانه ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ المتربِّصين بكم الدوائر، والمرادُ بهم على ما ذكره جمعٌ: أهلُ مكة، وهم في الغاية القصوى من العداوة. وقيل: المراد هم وسائرُ كفار العرب. ﴿وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ أي: من غيرِهم من الكفرة، وقال مجاهد: هم بنو قريظةً. وقال مقاتل وابن زيد: هم المنافقون. وقال السُّديُّ: هم أهلُ فارس. وأخرج الطبرانيُّ وأبو الشيخ وابن المنذر وابنُ مردوية وابنُ عساكر وجماعةٌ عن يزيد بن عبد الله بن عَريب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((هم الجنُّ، ولا يخبلُ الشيطانُ إنساناً في داره فرسٌ عتيق))(٣). وروي ذلك عن ابن عباس رضيها أيضاً، واختاره الطبريُّ(٤)، وإذا صحَّ الحديث، لا ينبغي العدول عنه. وقوله سبحانه: ﴿لَا نَعْلَمُونَهُمُ﴾ أي: لا تعرفونَهم بأعيانهم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾ لا غير، في غاية الظهور، وله وجه(٥) غير ذلك، وإطلاقُ العلم على المعرفة شائعٌ، وهو المرادُ هنا كما عرفت، ولذا تعدَّى إلى مفعول واحد. (١) ذكرها عنهما أبو حيان في البحر ٥١٢/٤، وأخرج قراءة ابن عباس الطبري في تفسيره ٢٤٧/١١ وينظر القراءات الشاذة ص٥٠. (٢) في الإملاء ١٢٩/٣ . (٣) المعجم الكبير ١٧/ (٥٠٦)، والعظمة (١١٠٦)، وتاريخ ابن عساكر ٤٥/ ٧٨. وأخرجه أيضاً الحارث في مسنده (٦٥٢ - زوائد). وقال الهيثمي في المجمع ٢٧/٧: رواه الطبراني، وفيه مجاهيل. وذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية مختصراً بذكر الجن وقال: هذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه. (٤) في تفسيره ٢٤٩/١١. (٥) بعدها في (م): على. سُورَةُ الأَفَِّ ١٧٢ الآية : ٦١ وإطلاقُ العلم بمعنى المعرفة على الله تعالى لا يضرُّ، نعم منع الأكثرُ إطلاقَ المعرفة عليه سبحانه وجوَّزه البعضُ بناءً على إطلاقِ العارف عليه تعالى في ((نهجِ البلاغة))، وفيه بحث، وبالجملة لا حاجةً إلى القول بأنَّ الإطلاقَ هنا للمشاكلة لما قبله؟ وجوِّز أن يكون العلمُ على أصله، ومفعولهُ الثاني محذوفٍ، أي: لا تعلمونهم معادين أو محاربين لكم، بل الله تعالى يعلمهم كذلك، وهو تكلُّف. واختار بعضُهم أن المعنى: لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة، وقال: إنه الأنسب بما تفيده الجملةُ الثانية من الحصر نظراً إلى تعليقِ المعرفة بالأعيان؛ لأنَّ أعيانَهم معلومةٌ لغيره تعالى أيضاً. وهو مسلَّم نظراً إلى تفسيره، وأما الاحتياجُ إليه في تفسير النبيِّ ◌َلا ففيه تردُّدٌ. ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ﴾ جَلَّ أو قلَّ ﴿فِي سَبِيلِ اٌلَّهِ﴾ وهي وجوهُ الخير والطاعة، ويدخلُ في ذلك النفقةُ في الإعداد السابق والجهاد دخولاً أوَّلِيًّا، وبعضُهم خصَّص اعتباراً للمقام ﴿یُوَنَّ إِلَتگُمْ﴾ أي: يؤدَّی بتمامه، والمراد: یؤدّی إلیکم جزاؤه، فالكلامُ على تقدير المضاف، أو التجوُّز في الإسناد. ﴿وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ (٥) بترك الإثابة أو بنقصٍ الثواب، والتعبير(١) عن ذلك بالظلم - مع أنَّه له سبحانه أنْ يفعل ما يشاء - للمبالغة، كما مرَّ. ﴿وَإِنْ جَنَحُواْ﴾ الجنوحُ: الميل، ومنه جناحُ الطائر؛ لأنَّه يتحرَّك ويميل، ويعدَّى باللام وبـ: إلى، أي: وإن مالوا ﴿لِلسَّلّمِ﴾ أي: الاستسلام والصلح. وقرأ ابنُ عباس وأبو بكر بكسر السين(٢)، وهو لغة. ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي: للسلم، والتأنيثُ لحملِه على ضده وهو الحرب، فإنه مؤنَّث سماعيٌّ. وقال أبو البقاء(٣): إن السَّلْم مؤنثٌ. ولم يذكُر حديثَ الحمل، وأنشدوا: والحربُ يكفيكَ من أنفاسِها جُرَعُ (٤) السَّلْمُ تأخذُ منها ما رضيتَ به (١) في الأصل و(م): وفي التعبير، وهو خطأ، والمثبت من تفسير أبي السعود ٣٢/٤، والكلام منه. (٢) التيسير ص١١٧ عن أبي بكر. (٣) في الإملاء ١٣١/٣. (٤) البيت لعباس بن مرداس كما في إصلاح المنطق ص٣٥ و٣٩٩، والخزانة ١٨/٤، وفيه: الجُرَع جمع ◌ُرعة، وهي ملء الفم. الآية : ٦٢ ١٧٣ سُوَرَّقُ الأَنْفَّاَِّ وقرأ الأشهب العقيلي: ((فاجنُح)) بضم النون(١)، على أنه مِن جَنَحَ يجنُح، كقَعَدَ يقعُد، وهي لغة قيس، والفتح لغةُ تميم وهي الفصحى. والآية قيل: مخصوصةٌ بأهل الكتاب، فإنها - كما قال مجاهد والسديُّ - نزلت في بني قريظةَ، وهي متّصلةٌ بقصتهم بناءً على أنهم المعنيُّون بقوله تعالى: (الَّذِينَ عَهَدَثَ) إلخ، والضمير في ((وأعدُّوا لهم)) لهم. وقيل: هي عامَّة للكفار، لكنها منسوخةٌ بآية السيف؛ لأنَّ مشركي العرب ليس لهم إلا الإسلامُ أو السيف، بخلاف غيرِهم فإنه تُقبل منهم الجزيةُ، وروي القولُ بالنسخ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. وصحّح أنَّ الأمر فيمَن تُقبل منهم الجزيةُ على ما يرى فيه الإمامُ صلاحَ الإسلام وأهلهِ من حربٍ أو سلمٍ، وليس بحتم أن يقاتلوا أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً، وادَّعى بعضُهم أنه لا يجوز للإمام أن يهادن أكثرَ من عشر سنين اقتداءً برسول الله وَّ؛ فإنه صالَحَ أهل مكة هذه المدَّة(٢)، ثمَّ إنهم نقضوا قبلَ انقضائها كما مرَّ فتذكر. ﴿وَتَّكَّلْ عَلَى اللّهِ﴾ أي: فوِّض أمرك إليه سبحانه، ولا تَخَفْ أن يُظهروا لك السَّلْمَ وجوانحُهم مطويةٌ على المكرِ والكيد ﴿إِنَّهُ﴾ جلَّ شأنُه ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ فيسمع ما يقولون في خلواتهم من مقالاتِ الخداع ﴿ اَلْعَلِيمُ ®) فيعلم نيَّاتِهم فيؤاخذهم بما يستحقُّونه، ویردُّ کیدهم في نحرهم. ﴿وَإِن يُرِيدُوَأْ أَنْ يَخْدَهُوَكَ﴾ بإظهار السَّلم ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اَللَّهُ﴾ أي: مُحْسِبكَ اللهُ وكافيك، وناصرك عليهم، فلا تُبال بهم، فحَسْبٌ صفةٌ مشبهةٌ بمعنى اسم الفاعل، والكاف في محلِّ جرِّ كما نصَّ عليه غيرُ واحدٍ، وأنشدوا لجرير: أن تلبسوا حُرَّ الثياب وتَشْبَعوا(٣) إِنِّي وجدتُ من المكارمِ حَسْبَكم (١) المحتسب ٢٨٠/١. (٢) أخرجه أحمد (١٨٩١٠) مطولاً، وأبو داود (٢٧٦٦) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وأصله في صحيح البخاري دون ذكر المدة. (٣) نسبه لجرير الزمخشري في الكشاف ١٦٦/٢، ونسبه سيبويه في الكتاب ١٥٣/٣ لعبد الرحمن بن حسان، ونسبه السيرافي في شرح أبيات سيبويه ١٦٨/٢ لابنه سعيد بن عبد الرحمن بن حسان. سُوَرَّقُ الأَفَِّ ١٧٤ الآية : ٦٣ وقال الزجَّاج(١): إنَّه اسمُ فِعْلٍ بمعنى كفاك، والكافُ في محلِّ نصب. وخطَّأه فيه أبو حيَّان(٢)، لدخول العوامل عليه، وإعرابِه في نحو: بحَسْبِكَ درهم، ولا يكونُ اسمُ فعل هكذا. ﴿هُوَ﴾ عزَّ وجلَّ ﴿ الَِّىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لتعليل كفايته تعالى إِيَّهِ وَّهِ، فإنَّ تأييده عليه الصلاة والسلام فيما سلف على الوجه الذي سلف من دلائل تأييده و ﴿ فيما سيأتي، أي: هو الذي أيَّدك بإمداده من عنده بلا واسطةٍ أو من المهاجرين والأنصار على ما هو بالملائكة مع خَرْقِه للعادات ﴿ رَبِالْمُؤْمِنِينَ المتبادر. وعن أبي جعفر رَظُّه والنعمان بن بشير وابن عباس والسُّدِّيِّ أنَّهم الأنصار چې۔ ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ مع ما جُبلوا عليه - كسائر العرب - من الحميَّة والعصبيّة، والانطواءِ على الضغينة، والتهالُكِ على الانتقام، بحيث لا يكادُ يأتلفُ فيهم قلبان، حثَّی صاروا بتوفيقه تعالی کنفسٍ واحدة. وقيل: إنَّ الأنصارَ وهم الأوسُ والخزرج كان بينهم من الحروب ما أهلك ساداتِهم، ودقَّ جماجمَهم، ولم يكن لبغضائهم أمدٌ، وبينهم التجاورُ الذي يھيِّج الضغائنَ، ويُديمُ التحاسد والتنافسَ، فأنساهم الله تعالى ما كان بينهم، فاتَّفقوا على الطاعة، وتصافَوا وصاروا أنصاراً، وعادوا أعواناً، وما ذاك إلا بلطيف صنعه تعالی، وبلیغ قدرته جلَّ وعلا. واعترض هذا القولُ بأنه ليس في السِّياق قرينةٌ عليه. وأجيب بأنَّ كونَ المؤمنين مؤيَّداً بهم يُشعر بكونهم أنصاراً. ولا يَخفى ضعفُه، ولا تجد له أنصاراً. وبالجملة ما وقع من التأليف مِن أَبْهرِ معجزاته عليه الصلاة والسلام. ﴿لَوْ أَنْقَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لتأليف ما بينهم ﴿مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ لتناهي عداوتهم وقوَّةٍ أسبابها. والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لِمَا قبله، ومبيِّن لعزَّة المطلبِ (١) في معاني القرآن ٢/ ٤٢٣. (٢) في البحر ٥١٦/٤. التفسير الإشاري (٤١ - ٦٣) ١٧٥ سُورَةُ الأَنْفَّاِ وصعوبةِ المأخذِ. والخطابُ لكلِّ واقف عليه؛ لأنَّه لا مبالغةً في انتفاء ذلك من منفقٍ معين. وذكرُ القلوب؛ للإشعار بأنَّ التأليف بينها لا يتسنَّى وإن أمكنَ التأليفُ ظاهراً . ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾ جلَّت قدرته ﴿أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ قلباً وقالباً بقدرته البالغة ﴿إِنَّهُ, عَزِيزٌ﴾ كاملُ القدرة والغلبة، لا يستعصي عليه سبحانه شيءٌ مما يريده(١). ﴿حَكِيمٌ ﴾﴾ يعلمُ ما يليق تعلُّقُ الإرادة به، فيوجدُه بمقتضى حكمته عزَّ وجلَّ، ومن آثار عزَّته سبحانه تصرُّفه بالقلوب الأبيَّة المملوءةِ من الحميَّة الجاهلية، ومن آثار حكمته تدبيرُ أمورِهم على وجهٍ أحدث فيهم التوادّ والتحابَّ، فاجتمعتْ كلمتُهم، وصاروا جميعاً كنانةَ رسول الله وَّهِ الذابِين عنه بقوسٍ واحدة، والجملةُ على ما قال الطّيبي كالتعليل للتأليف. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّنْ شَىْءٍ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ طبَّقه بعضُ العارفين على ما في الأنفس فقال: ﴿وَعْلَمُواْ﴾ أي: أيُّها القوى الروحانية ﴿أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ من العلوم النافعة ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ وهي كلمةُ التوحيد التي هي الأساس الأعظم للدِّيَن ﴿وَلِلَّسُولِ﴾ الخاصِّ، وهو القلب ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ﴾ الذي هو السِّرُّ ﴿وَأَلْيَتَى﴾ من القوَّة النظريَّة والعملية ﴿وَالْمَسَكِينِ﴾ من القوى النفسانية ﴿وَأَبْنِ السَبِيلِ﴾ الذي هو النفسُ السالكةُ الداخلةُ في الغُربة، السائحةُ في منازل السُّلوك، النائية عن مقرِّها الأصلي باعتبار التوحيد التفصيلي، والأخماسُ الأربعة الباقيةُ بعد هذا الخمس من الغنيمة تُقسم على الجوارح والأركان والقوى الطبيعية. ﴿إِن كُمْ ءَامَنتُم بِالَّهِ﴾ تعالى الإيمانَ الحقيقيِّ جمعاً ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ وقتَ التفرقة بعد الجمع تفصيلاً ﴿يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ﴾ من فريقَي القوى الروحانية والنفسانية عند الرجوع إلى مشاهدة التفصيل في الجمع ﴿وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ﴾ فيتصرَّف فيه حَسْبَ مشيئته وحكمته. (١) في (م): یرید. سُورَةُ الأَفَّاِ ١٧٦ التفسير الإشاري (٤١ - ٦٣) ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: القريبة من مدينة العلم ومحلِّ العقل الفُرقاني ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدةِ من الحقِّ ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: ركبُ القوى الطبيعية الممتارة ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ معشَر الفريقين ﴿وَلَوْ تَوَاعَدَتُّمْ﴾ اللقاءَ للمحاربة من طريق العقل دونَ طريق الرياضة ﴿لَآَخْتَلَفْتُمْ فِى الْمِيعَدِ﴾ لكون ذلك أصعبَ من خرط القتاد ﴿وَلَكِن لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ مقدَّراً محققاً فعل ذلك. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةِ﴾ وهي النفسُ الملازِمةُ للبدن الواجبِ الفناء ﴿وَيَحَْى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٌ﴾ وهي الرُّوحِ المجردةُ المتَّصلة بعالمِ القُدس الذي هو معدن الحياة الحقيقية الدائم البقاء، وبيِّنةُ الأول تلك الملازمة، وبيِّنة الثاني ذلك التجرُّد والاتصال. ﴿إِذْ يُرِيكُهُمُ اللَّهُ﴾ أيُّها القلب ﴿فِى مَنَامِكَ﴾ وهو وقتُ تعظُلِ الحواسِّ الظاهرة، وهُدوِّ القوى البدنية، ﴿قَلِيلًا﴾ أي: قليلَ القَدْرِ ضعافَ الحال ﴿وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا﴾ في حال غلبة صفاتِ النفس ﴿لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: أمرٍ كسرها وقهرِها؛ لانجذابٍ كلِّ منكم إلى جهة ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمْ﴾ من الفشل والتنازُع بتأييده وعصمته ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بحقيقتها، فيَثْبُتُ علمُه بما فيها من باب الأَوْلى. ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم﴾ وهم القوى النفسانيَّة، خرجوا من مقارّهم وحدودهم ﴿بَطَرًا﴾ فخراً وأَشَراً ﴿وَرِئَةَ النَّاسِ﴾ وإظهاراً للجلادة. وقال بعضهم: حذَّر الله تعالى أولياءه بهذه الآية عن مشابهة أعداءه في رؤيةٍ غيره سبحانه. ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو التوحيد والمعرفة. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: شيطانُ الوهم ﴿أَعْمَلَهُمْ﴾ في التغلُّب على مملكة القلب وقُواه ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ أوهمهم تحقيقَ أمنيتِهم بأنْ لا غالبَ لكم من ناسِ الحواسِّ، وكذا سائرِ القوى ﴿وَإِنِّ جَارٌ لَكُمْ﴾ أمذُكم وأقوِّيكم وأمنعُكم من ناس القوى الروحانية. ﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ اُلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ لشعورِه بحال القوى الروحانية وغلبتها؛ المناسبته إيَّاها من حيثية إدراك المعاني ﴿وَقَالَ إِنَّ بَرِىٌّ مِّنْكُمْ﴾ لأنِّي لستُ من التفسير الإشاري (٤١ - ٦٣) ١٧٧ سُورَةُ الأَفَّالِ جنسكم ﴿إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ من المعاني ووصول المدد إليهم من سماء الروح، وملكوتِ عالم القُدس ﴿إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ﴾ سبحانه لشعورٍ ببعض أنواره وقهره. وذكر الواسطيُّ بناءً على أنَّ المرادَ من الشيطان الظاهر، أنَّ اللعين ترك ذنبَ الوسوسة إذ ذاك، لكنَّ تركَ الذنب إنَّما يكون حسناً إذا كان إجلالاً وحياءً من الله تعالى لا خوفاً من البطش فقط، وهو لم يخف إلا كذلك. ﴿وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذ صفاتُه الذاتيَّةُ والفعليَّة في غاية الكمال. اهـ بأدنى تغييرٍ وزيادة. وذكر أنَّ الفائدة في مثل هذا التأويل تصويرُ طريق السلوك للتنشيط في الترقِّي والعروج. ﴿وَلَوْ تَرَىَّ إِذْ يَتَوَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم الذين غلبتْ عليهم صفاتُ النفس ﴿الْمَلَبِكَةُ﴾ أي: ملائكةُ القهر والعذاب ﴿يَضْرِبُنَ وُجُوهَهُمْ﴾ الإعراضهم عن عالَم الأنوار، ومزيدِ الكبرِ والعُجْبٍ ﴿وَأَذْبَرَهُمْ﴾ لميلهم إلى عالم الطبيعة، ومضاعفٍ الشهوة والحرص، ويقولون لهم: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو عذابُ الحرمان وفواتِ المقصود. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِرًا نِعْمَةٌ أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَّى يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: حتى يفسدوا استعدادَهم، فلا تبقى لهم مناسبةٌ للخير، وحينئذ يغيِّر سبحانه النعمة إلى النقمة؛ لطلبهم إيَّاها بلسان الاستعدادِ، وإلا فاللهُ تعالى أكرمُ من أن يسلبَ نعمةً شخصٍ مع بقاء استحقاقها فيه. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ لجهلهم بربِّهم وعصيانهم له دونَ سائر الدوابِّ ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لغلبةٍ شقاوتِهم ومزيدِ عتُوِّهم وغيِّهم. ﴿الَّذِينَ عَهَدَثَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَرٍَّ﴾ من مرَّات المعاهدة؛ لأنَّ ذلك شنشنةٌ (١) فيهم مع مولاهم، ألا ترى كيف نقضوا عهدَ التوحيد الذي أُخِذَ منهم في مُنْزَل: ﴿أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ﴾ العارَ ولا النار. ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ قال أبو علي الرُّؤْذْباري(٢): القوةُ هي الثقةُ (١) الشِّنشنة: الطبيعية والخليقة والسجية. اللسان (شنن). (٢) بضم الراء وسكون الواو والذال المعجمة، محمد بن أحمد بن القاسم، من كبار الصوفية، ومن أهل الفضل والفهم، وله تصانيف حسان في التصوف، كان من أبناء = سُورَةُ الأَنْفَِّ ١٧٨ الآية : ٦٤ بالله تعالى. وقال بعضهم: هي الرميُّ بسهام التوجُّه إلى الله تعالى عن قِسِيٍّ الخضوع والاستكانة. ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ﴾ الذي لم يُعهَدَ مثله ﴿وَبِالْمُؤْمِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ بجَذْبها(١) إليه تعالى، وتخليصِها ممَّا يوجب العداوة والبغضاءَ، أو لكشفِه سبحانه لها عن حُجُب الغيب حتى تعارفوا فيه، و((الأرواحُ جنودٌ مجنّدةٌ، ما تَعارَفَ منها ائتلف، وما تَناكَرَ منها اختلف))(٢). ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ لصعوبة الأمر، وكثافةٍ الحجاب ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ, عَزِرُ حَكِيمٌ﴾ والتأليفُ من آثارِ ذلك، واللهُ تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُ﴾ شروٌ في بيان كفايته تعالى إِيَّاه عليه الصلاة والسلام في جميع أموره، وحده أو مع أمور المؤمنين، أو في الأمور المتعلقة بالكفار كافّةً، إثر بيان الكفاية في مادّةٍ خاصة. وتصديرُ الجملة بحرفي النداء والتَنبيه؛ للنداء والتنبيه على الاعتناء بمضمونها، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوانِ النبوَّة؛ للإشعار بعلِّيَّة الحكم، كأنَّه قيل: يا أيها النبيُّ ﴿حَسْبُكَ اَللَّهُ﴾ أي: كافيك في جميع أمورك، أو فيما بينك وبين الكفرةِ من الحِراب لنبوَّتك. ﴿وَمَّنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ ﴾﴾ قال الزجَّاج(٣): في محلِّ النصب على المفعول معه، كقوله على بعضٍ الروايات: إذا كانت الهيجاءُ واشتجر القنا فحسبُكَ والضَّحاكَ سيفٌ مهنَّدُ (٤) = الرؤساء والوزراء والكتبة، ولزم الجنيد وصار أحد أئمة الزمان، توفي سنة (٣٢٢هـ). الأنساب للسمعاني ١٨٠/٦ - ١٨١. (١) في الأصل: لجذبها . (٢) أخرجه أحمد (٧٩٣٥)، ومسلم (٢٦٣٨) من حديث أبي هريرة ظه. وعلقة البخاري (٣٣٣٦) عن عائشة. (٣) في معاني القرآن ٢/ ٤٢٣. (٤) البيت مقلوب، وهو في الصحاح (عصا)، وشرح المفصل ٤٨/٢، وذيل الأمالي ص ١٤٠ الآية : ٦٤ ١٧٩ سُورَةُ الأَنْفَّاِ وتعقَّبه أبو حيَّان(١) بأنه مخالف لكلام سيبويه، فإنَّه جعل زيداً في قولهم: حَسْبُكَ وزيداً درهمٌ. منصوباً بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: وكفى زيداً درهم، وهو مِن عَظْفٍ الجُمل عنده. انتهى. وأنت تعلم أنَّ سيبويه كما قال ابنُ تيمية لأبي حيَّان لمَّا احتجَّ عليه بكلامه حين أنشد له قصيدةً فغلَّطه فيها: ليس نبيَّ النحو فيجبَ اتباعه (٢) . وقال الفراء (٣): إنه يقدَّرُ نَصْبُه على موضع الكاف، واختاره ابنُ عطية(٤)، وردّه السفاقسي بأنَّ إضافته حقيقيةٌ لا لفظيةٌ، فلا محلَّ له، اللهم إلا أن يكون من عطفٍ التوُّم. وفيه ما فيه. وجوِّز أن يكونَ في محلِّ الجرِّ عطفاً على الضمير المجرور، وهو جائزٌ عند الكوفيين بدون إعادة الجارِّ، ومَنَعه البصريون بدون ذلك، لأنَّه كجزءٍ الكلمة فلا يُعطف عليه. وأنْ يكون في محلٌّ رفع؛ إِمَّا على أنَّه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ، أي: من اتبعك من المؤمنين كذلك، أي: حسبهم الله تعالى، وإمَّا على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: وحَسْبُكَ مَن اتبعك، وإمَّا على أنَّه عطفٌ على الاسم الجليل واختاره الكسائيُّ وغيرُه، وضُعِّف بأنَّ الواو للجمع، ولا يَحْسُنُ هاهنا كما لم يحسن في: ما شاء الله تعالى وشئتَ، والحَسَنُ فيه (ثُم))، وفي الأخبار ما يدلُّ عليه(٥)، اللهم إلّا أنْ يقال بالفرق بين وقوع ذلك منه تعالى وبين وقوعِه منَّا . والآية على ما روي عن الكلبيِّ نزلتْ في البيداء في غزوة بدرٍ قبل القتال. والظاهر شمولُها للمهاجرين والأنصار، وعن الزهريِّ أنَّها نزلت في الأنصار. برواية: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... ، وقوله: واشتجر القنا، رواية في البيت = كما ذكر الشهاب في الحاشية ٢٨٦/٤. ونسب في ذيل الأمالي لجرير وليس في ديوانه. (١) في البحر ٥١٦/٤. (٢) ذكر القصة ابن حجر في الدرر الكامنة ١٧٨/١ . (٣) في معاني القرآن ١/ ٤١٧. (٤) في المحرر الوجيز ٥٤٩/٢. (٥) أخرج أحمد (٢٣٢٦٥)، وأبو داود (٤٩٨٠) عن حذيفة به عن النبي ◌َّر قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، وقولوا: ماشاء الله ثم شاء فلان)). سُورَةُ الأَنْفَّارِك ١٨٠ الآية : ٦٥ وأخرج الطبرانيُّ وغيرُه عن ابن عباس، وابنُ المنذر عن ابن جبير، وأبو الشيخ عن ابن المسيب: أنَّها نزلت يوم أسلم عمرُ بن الخطاب ◌َظُبه مكمّلاً أربعين مسلماً ذكوراً وإناثاً هنَّ ستُّ (١). وحينئذ تكون مكيةً. و((من)) يحتمل أن تكونَ بيانيةً وأن تكونَ تبعيضيَّةً، وذلك للاختلاف في المراد بالموصول. ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ بعد أن بَيَّن سبحانه الكفايةَ، أمَر جلَّ شأنُه نبيَّهِ وَلِّ بترتيب بعض مباديها، وتكريرُ الخطاب على الوجه المذكور؛ لإظهار کمالٍ الاعتناء بشأن المأمور به. والتحريضُ: الحَثُّ على الشيء. وقال الزجَّاج: هو في اللغة أنْ يُحثَّ الإنسان على شيء حتَّى يُعلمَ منه أنه حارضٌ، أي: مقاربٌ للهلاك(٢). وعلى هذا فهو للمبالغة في الحثّ. وزعم في ((الدرِّ المصون)) أنَّ ذلك مستبعدٌ من الزجَّاج(٣)، والحقُّ معه، ويؤيِّده ما قاله الراغبُ من أنَّ الحَرَضَ يقال لما أشرفَ على الهلاكِ، والتحريض: الحثُّ على الشيء بكثرةِ التزيينِ وتسهيلِ الخَطْبِ فيه، كأنَّه في الأصل: إزالة الحرض، نحو قذَّيتُه: أزلتُ عنه القذى، ويقال: أحرضتُه إذا أفسدته، نحو: أقذيتُه إذا جعلت فيه القذى(٤). فالمعنى هنا: يا أيُّها النبيُّ بالغْ في حثِّ المؤمنين على قتال الكفار. وجوِّز أن يكون من تحريضِ الشخص، وهو أن يسمِّيه حَرَضاً، ويقالُ له: ما أراك إلا حَرَضاً في هذا الأمر ومحرَّضاً فيه، ونحوه: فسَّقتُه، أي: سمَّيته فاسقاً، (١) خبر ابن عباس في المعجم الكبير (١٢٤٧٠). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٨/٧: فيه: إسحاق بن بشر الكاهلي وهو كذاب. والخبرين الآخرين ذكرهما السيوطي في الدر المنثور ٢٠٠/٣، وأخرجه عن سعيد بن جبير أيضاً ابن أبي حاتم ١٧٢٨/٥. (٢) معاني القرآن للزجاج ٤٢٣/٢، وفيه: التحريض في اللغة: أن يُحثَّ الإنسان على الشيء حثًّا يعلم منه أنه حارضٌ إن تخلف عنه، والحارض الذي قد قارب الهلاك. وعبارة المصنف توافق ما في الدر المصون ٦٣٥/٥، وحاشية الشهاب ٤/ ٢٩٠. (٣) الدر المصون ٦٣٥/٥. (٤) المفردات (حرض).