النص المفهرس
صفحات 121-140
الآية : ٤١ ١٢١ سُورَةُ الأَفَّاِ وجبير ﴾(١)، وهو يدلُّ على أنَّ المراد بالقُربى في النصِّ قربُ النُّصْرة لا قربُ القرابة، وحيث انتهت النصرةُ انتهى الإعطاء؛ لأنَّ الحُكم ينتهي بانتهاءِ علَّتِهِ. واليتيمٌ صغيرٌ لا أبَ له؛ فيدخل فقراءُ اليتامى من ذوي القُربى في سهم اليتامى المذكورين دون أغنيائهم، والمسكينُ منهم في سهم المساكين. وفائدةُ ذكر اليتيم مع كون استحقاقهِ بالفقر والمسكنةِ لا باليُتم (٢): دفعُ توهُّم أنَّ اليتيمَ لا يستحقُّ من الغنيمة شيئاً لأنَّ استحقاقها بالجهاد، واليتيمُ صغيرٌ فلا يستحقُّها . وفي (التأويلات))(٣) لعَلَم الهدى الشيخ أبي منصور: أنَّ ذوي القربى إِنَّما يستحقُّون بالفقر أيضاً، وفائدةُ ذِكْرِهم دفعُ ما يتوهم أنَّ الفقير منهم لا يستحقُّ؛ لأنَّه من قبيل الصدقة ولا تحلُّ لهم. وفي ((الحاوي القدسي)): وعن أبي يوسف: أنَّ الخمس يُصرف لذوي القُرْبى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وبه نأخذ. انتهى. وهو يقتضي أن الفتوى على الصرف إلى ذوي القربى الأغنياء، فليحفظ. وفي ((التحفة))(٤) أنَّ هذه الثلاثةَ مصارفُ الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق، حتى لو صُرف إلى صنفٍ واحدٍ منهم جاز، كما في الصدقات. كذا في ((فتح القدير))(٥) . ومذهبُ الإمام مالك أنَّ الخمس لا يلزمُ تخميسُه، وأنه مفوَّضٌ إلى رأي الإمام، كما يُشعر به كلامُ خليل(٦)؛ وبه صرَّح ابنُ الحاجب فقال: ولا يخمّس (١) وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام)) وهذه قطعة من حديث جبير بن مطعم السالف وردت في رواية الحديث عند أحمد والنسائي. وينظر حاشية الشهاب ٢٧٦/٤ . (٢) في (م): باليتيم، وهو تصحيف. (٣) ٣٥٢/٢. (٤) تحفة الفقهاء ٣٠٢/٣ - ٣٠٣. (٥) لابن الهمام ٣٢٨/٤. (٦) ابن إسحاق بن موسى المالكي، المعروف بالجُنْدي، الملقب ضياء الدين، الفقيه الحافظ، = سُورَةُ الأَفَِّ ١٢٢ الآية : ٤١ لزوماً، بل يصرف منه لآلِه عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد ومصالح المسلمين، ويُبْدَؤون استحباباً - كما نقل التتائيُّ(١) عن البساطيّ(٢) - بالصَّرف على غيرهم، وذكر أنَّهم بنو هاشم، وأنهم يوفّر نصيبُهم لمنعهم من الزكاة حَسْبَما يرى من قلَّةِ المال وكثرتِهِ، وكان عمرُ بنُ عبد العزيز يخصُّ ولدَ فاطمةَ ﴿ّا كلَّ عام باثني عشر ألف دينار سوى ما يُعطى غيرُهم من ذوي القربى. وقيل: يُساوى بين الغنيّ والفقير، وهو فعلُ أبي بكر ◌َظُته. وكان عمرُ بن الخطاب رُه يعطي حسبَ ما يراه. وقيل: يخيَّر؛ لأنَّ فِعْلَ كلٍّ من الشيخين حجَّة. وقال عبد الوهّاب (٣): إنَّ الإمام يبدأ بنفقتِه ونفقةٍ عياله بغير تقدير. وظاهرُ كلام الجمهور أنَّه لا يبدأ بذلك، وبه قال ابنُ عبد الحكم، والمراد بذكر الله سبحانه عندَ هذا الإمام أنَّ الخمسَ يُصرف في وجوه القُرُبات لله تعالى، والمذكورُ بعدُ ليس للتخصيص، بل لتفضيلِه على غيره، ولا يرفع حكم العموم الأوَّل، بل هو قارٌّ على حاله، وذلك كالعموم الثابت للملائكة وإن خصَّ جبريل وميكائيل عليهما السلام بعدُ. = ألف شرح جامع الأمهات لابن الحاجب وسماه: التوضيح، وله مختصر في المذهب مشهور، قصد فيه إلى بيان المشهور مجرداً عن الخلاف، وجمع فيه فروعاً كثيرة، وأقبل عليه الطلبة ودرسوه واعتنوا بشرحه وحفظه، وله شرح على ألفية ابن مالك، توفي سنة (٧٦٧هـ) وقيل غير ذلك. ينظر الدرر الكامنة ٢٠٧/٢، والديباج ٣٥٧/١، وشجرة النور الزكية ص ٢٢٣. وينظر كلام خليل في شرح الخرشي على مختصر سيدي خليل ١٢٩/٣ . (١) أبو عبد الله، شمس الدين محمد بن إبراهيم التتائي المالكي، الفقيه الفَرَضي، له شرحان على مختصر خليل: فتح الجليل، وجواهر الدرر، وشرح على ابن الحاجب الفرعي، وغير ذلك، توفي سنة (٩٤٢هـ). ينظر شجرة النور الزكية ص ٢٧٢، والأعلام ٢/ ٣٠٢. (٢) في الأصل و(م): السنباطي، والصواب ما أثبتناه. وهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان البساطي المالكي القاضي، من تصانيفه: المغني في الفقه، وشفاء الغليل في مختصر الشيخ خليل، وشرح الحاجب الفرعي، وحاشية على المواقف للعضد، ومقدمة في أصول الدين، توفي سنة (٨٤٠هـ). إنباء الغمر ٩/ ٨٢، وشذرات الذهب ٣٥٦/٩. (٣) ابن علي بن نصر التغلبي العراقي، أبو محمد القاضي شيخ المالكية، له: التلقين، والمعرفة، وغير ذلك، توفي سنة (٤٢٢هـ). سير أعلام النبلاء ٤٢٩/١٧. الآية : ٤١ ١٢٣ سُورَةُ الأَفَاِ ومذهبُ الشافعيِّ في قسمةِ الغنيمة أنْ يقدَّمَ من أصل المال السَّلَبُ، ثم يُخرِجَ منه - حيث لا متطوِّع - مؤنةُ الحفظ والنقل وغيرهما من المؤن اللازمة؛ للحاجة إليها. ثم يخمَّسُ الباقي فيجعلُ خمسةَ أخماسٍ (١) متساوية، ويكتبُ على رقعةٍ: لله تعالى، أو: للمصالح، وعلى رقعةٍ: للغانمين، وتدرجُ في بنادقَ، فما خرج لله تعالی، قُسم على خمسٍ: مصالح المسلمين؛ كالثغور، والمشتغلين بعلوم الشرع وآلاتها ولو مبتدئين، والأئمةِ، والمؤذِّنين، ولو أغنياءَ(٢)، وسائرٍ من يشتغل عن نحوٍ كسبِه بمصالح المسلمين لعموم نفعهم، وأُلحق بهم العاجزون عن الكسب، والعطاءُ إلى رأي الإمام مُعتبِراً سعةَ المال وضيقَه. وهذا هو السهم الذي كان لرسول الله وَ له في حياته، وكان ينفقُ منه على نفسِه وعيالِهِ، ويدَّخر منه مؤنةً سنةٍ، ويصرفُ الباقي في المصالح. وهل كان عليه الصلاة والسلام مع هذا التصرُّف مالكاً لذلك أو غيرَ مالك؟ قولان؛ ذهب إلى الثاني الإمامُ الرافعيُّ، وسبقه إليه جمعٌ متقدِّمون، قال: إنه عليه الصلاة والسلام مع تصرُّفه في الخمس المذكور لم يكن يملكه ولا ينتقلُ منه إلى غيره إرثاً . ورُدَّ بأنَّ الصوابَ المنصوصَ أنه كان يملكه، وقد غلَّط الشيخُ أبو حامد مَن قال: لم يكنْ وَلّ يملك شيئاً وإن أُبيح له ما يحتاج إليه. وقد يؤوَّل كلامُ الرافعيِّ بأنه لم يَنْفِ الملكَ المطلقَ، بل الملكَ المقتضيَ للإرث عنه. ويؤيِّد ذلك اقتضاءُ كلامِه في ((الخصائص)) أنه يملك. وبنو هاشم والمطلب(٣)، والعبرةُ بالانتساب للآباء دونَ الأمهات، ويشتركُ فيه الغنيُّ والفقير - لإطلاق الآية، وإعطائه عليه الصلاة والسلام العباسَ وكان غنيّاً (٤) - والنساءُ، ويفضَّلُ الذَّكر كالإرث. (١) في (م): أقسام. (٢) قوله: ولو أغنياء، راجع لجميع ما قبله. (٣) أي: ويُعْطَى بنو هاشم وبنو المطلب السهم الثاني. ينظر نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ١٣٦/٦. (٤) ينظر حديث أنس ظ له عند البخاري (٣١٦٥). سُورَةُ الأَنْفَقَالَ ١٢٤ الآية : ٤١ واليتامى، ولا يمنع وجود جدِّ، ويدخل فيهم ولدُ الزنا والمنفيُّ، لا اللقيطُ على الأَوْجَه، ويُشترط فقرُه على المشهور. ولابدَّ في ثبوت اليتم والإسلام والفقرِ هنا من البِّنة، وكذا في الهاشميِّ والمطلبيِّ، واشترط جمعٌ فيهما معها استفاضةَ النسبةِ. والمساكين وابن السبيل ولو بقولهم، بلا يمين. نعم يظهر في مدَّعي تلف مالٍ له عُرِفَ أو عيالٍ أنَّه يكلَّف بينةً. ويُشترط الإسلام في الكلِّ، والفقرُ في ابن السبيل أيضاً، وتمامُه في كتبهم. وتعلَّق أبو العالية بظاهر الآية الكريمةِ، فقال: يُقسم ستةَ أسهم، ويُصرفُ سهمُ الله تعالى لمصالح الكعبة، أي: إن كانت قريبةً، وإلا ، فإلى مسجد كلِّ بلدةٍ وقع فيها الخمسُ كما قاله ابنُ الهمام(١). وقد روى أبو داود في ((المراسيل)) وابنُ جرير عنه: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يأخذُ منه قبضةً فيجعلُها لمصالحِ الكعبة، ثمَّ يقسمُ ما بقي خمسةَ أسهم (٢). ومذهب الإماميَّة أنَّه ينقسم إلى ستة أسهم أيضاً كمذهب أبي العالية، إلا أنَّهم قالوا: إنَّ سهمَ الله تعالى وسهمَ الرسول وَّهِ، وسهمَ ذوي القربي للإمام القائم مقامَ الرسول عليه الصلاة والسلام، وسهم ليتامى آلِ محمد ◌َّر، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركُهم فيه(٣) غيرُهم، وروَوا ذلك عن زين العابدين ومحمد بن علي الباقر ﴿ه، والظاهرُ أنَّ الأسهم الثلاثةَ الأُوَل التي ذكروها اليوم تخبَّأ في السرداب، إذ القائمُ مقامَ الرسول قد غاب عندهم، فتخبأ له حتى يرجع من غيبته . وقيل: سهمُ الله تعالى لبيت المال. وقيل: هو مضمومٌ لسهم الرسول وَّر. هذا ولم يبيِّن سبحانه حالَ الأخماس الأربعة الباقية، وحيثُ بيَّن جلَّ شأنُه حكمَ الخمس ولم يبيِّنها، دلَّ على أنها ملكُ الغانمين. وقسمتُها عند أبي حنيفةً: للفارس سهمان، وللراجِلِ سهُمُ واحد؛ لِمَا رُوي عن ابن عباس ﴿هما، أنَّ النبيَّ وَّ فعل (١) في فتح القدير ٣٣٦/٤. (٢) المراسيل (٣٧٤)، وتفسير الطبري ١٨٩/١١ - ١٩٠. (٣) في (م): في ذلك. الآية : ٤١ ١٢٥ سُورَةُ الأَنْفَِّ كذلك(١)، والفارسُ في السفينة يستحقُّ سهمين أيضاً وإن لم يمكنه القتالُ عليها فيها؛ للتأهُّب، والمتأهِّب للشيء كالمباشر كما في ((المحيط))، ولا فرقَ بين الفرس المملوكِ والمستأجَرِ والمستعار، وكذا المغصوبُ على تفصيل فيه. وذهب الشافعيُّ ومالك إلى أنَّ للفارس ثلاثةَ أسهم؛ لما روي عن ابن عمر ﴿هَا، أنَّ النبيَّ وَّمِ أسهم للفارس ذلك(٢). وهو قولُ الإمامين. وأجيب بأنَّه قد روي عن ابن عمرَ أيضاً، أنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّرْ قَسَم للفارس سهمين(٣). فإذا تعارضت روايتاه، تُرجَّح رواية غيره بسلامتِها عن المعارضة فيعمل بها، وهذه الروایُ روایةُ ابن عباس وفي «الهداية)»(٤) أنَّه عليه الصلاة والسلام تَعَارَضَ فِعْلاهُ في الفارس فنرجعُ إلى قوله عليه الصلاة والسلام، وقد قال ◌َّ: (للفارسِ سهمان وللرَّاجل سهم))(٥). وتعقّبه في ((العناية)) (٦) بأنَّ طريقة استدلاله مخالفةٌ لقواعدِ الأصول، فإنَّ الأصلَ أن الدليلين إذا تعارضا وتعذّر التوفيقُ والترجيح، يُصار إلى ما بعدَه لا إلى ما قبلَه، (١) قال الحافظ في ((الدراية)) ١٢٣/٢: لم أجده. وقال الزيلعي في نصب الراية ٤١٦/٣ : غريب من حديث ابن عباس، وفي الباب أحاديث .. ثم ذكر من هذه الأحاديث حديث مجمع بن جارية عند أبي داود (٢٧٣٦)، وأحمد (١٥٤٧٠)، وحديث المقداد بن عمرو عند الطبراني في الكبير ٢٠/ (٦١٤)، وحديث الزبير في مغازي الواقدي، وحديث عائشة في تفسير ابن مردويه، ولا يخلو كل منها من مقال. (٢) أخرجه أحمد (٤٤٢٨)، والبخاري (٢٨٦٣)، ومسلم (١٧٦٢) عن ابن عمر قال: قسم رسول الله ◌َو يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً. (٣) أخرجه الدارقطني (٤١٨٠) ونقل عن شيخه أبي بكر النيسابوري توهيم بعض رواته وترجيح الرواية التي في الصحيحين. وقال الحافظ في الفتح ٦٨/٦: لا وهم؛ لأن المعنى: أسهم للفارس بسبب فرسه سھمین غیرَ سهمه المختصِّ به. (٤) الهداية مع فتح القدير ٣٢٠/٤ - ٣٢١. (٥) قال الحافظ في (الدراية)) ١٢٣/٢: لم أجده من قوله ﴿. وقال الزيلعي في نصب الراية ٤١٧/٣: غريب جدًّا، وأخطأ من نسبه لابن أبي شيبة، وسيأتي لفظه في الذي بعد هذا. ثم ذكر حديث ابن عمر عند الدارقطني: أن رسول الله وَّلي جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً. وقد سلف الكلام عليه قريباً . (٦) العناية للبابرتي على هامش فتح القدير ٣٢١/٤. الآية : ٤١ ١٢٦ سُوَرَةُ الأَنْفَّاِ وهو قال: فتعارض فعلاه، فنرجعُ إلى قوله. والمسلك المعهودُ في مثله أن نستدلَّ بقوله، ونقول: فعلُه لا يعارضُ قولَه؛ لأن القولَ أقوى بالاتفاق. وذهب الإمام إلى أنَّه لا يسهم إلا لفرسٍ واحد، وعند أبي يوسف يُسهم الفرسين، وما يستدلُّ به على ذلك محمولٌ على التنفيل عند الإمام كما أعطى عليه الصلاة والسلام سلمةَ بن الأكوع سهمين وهو راجلٌ(١). ولا يُسهم لثلاثة اتفاقاً. ﴿إِن كُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ﴾ شرط جزاؤه محذوفٌ، أي: إن كنتم آمنتم بالله تعالى، فاعلموا أنه تعالى جعل الخُمس لمن جعل، فسلِّموه إليهم، واقنعوا بالأخماس الأربعةِ الباقية، وليس المراد مجرَّدَ العلم بذلك، بل العلم المشفوعُ بالعمل والطاعةِ لأمره تعالى، ولم يُجعل الجزاءُ ما قبلُ؛ لأنَّه لا يصحُّ تقدُّمُ الجزاء على الشرط على الصحيح عند أهل العربية، وإنما لم يقدر العمل قصراً للمسافة، كما فعله النسفيُّ(٢)؛ لأنَّ المطَّرد في أمثال ذلك أن يقدَّر ما يدلُّ ما قبله عليه، فيقدَّر من جنسه. وقوله سبحانه: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا﴾ عطف على الاسم الجليل، و((ما)) موصولة، والعائد محذوفٌ، أي: الذي أنزلناه ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد ◌َّر. وفي التعبير عنه بذلك ما لا يخفى من التشريف والتعظيم. وقرئ: ((عُبُدِنا)) بضمتين جمع عبد(٣)، وقيل: اسم جمع له، وأريد به النبيُّ وَّه والمؤمنون؛ فإنَّ بعض ما نزل نازلٌ عليهم. ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ هو يومُ بدر، فالإضافة للعهد، والفرقان بالمعنى اللغويِّ فإنَّ ذلك اليوم قد فُرِّق فيه بين الحقِّ والباطل. والظرفُ منصوب بـ ((أنزلنا))، وجوَّز أبو البقاء(٤) تعلُّقه بـ (آمنتم))، وقولُه سبحانه: ﴿يَوْمَ الْنَّقَى الْجَمْعَانِ﴾ بدلٌ منه أو متعلِّق بـ ((الفرقان))، وتعريفُ ((الجمعان)) للعهد، والمرادُ بهم الفريقان من المؤمنين والكافرين. (١) أخرجه أحمد (١٦٥٣٩)، ومسلم (١٨٠٧). - (٢) في تفسيره ٢/ ١٠٤، وفيه: إن كنتم يؤمنون بالله فاعملوا به، وارضوا بهذه القسمة، فالإيمان يوجب الرضا بالحكم والعملَ بالعلم. (٣) القراءات الشاذة ص ٥٠، ونسبها أبو حيان في البحر المحيط ٤٩٩/٤ لزيد بن علي. (٤) في الإملاء ١١٢/٣ . الآية : ٤٢ ١٢٧ سُورَةُ الأَفَِّ والمرادُ ما (١) أُنزل عليه - عليه الصَّلاة والسلام - من الآيات والملائكةِ والنصر، على أنَّ المراد بالإنزال مجردُ الإيصال والتيسير، فيشملُ الكلَّ شمولاً حقيقياً، فالموصول عامٌّ، ولا جمع بين الحقيقة والمجاز خلافاً لمن توهّم فيه. وجعل الإيمان بهذه الأشياء من مُوجِباتِ العلم بكون الخمس لله تعالى على الوجه المذكور، من حيث إن الوحي ناطقٌ بذلك، وأن الملائكة والنصر لما كانا منه تعالى وجب أن يكون ما حصل بسببهما من الغنيمة مصروفاً إلى الجهات التي عيَّنها الله سبحانه. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴾﴾ ومن آثار قدرته جلَّ شأنُه ما شاهدتُموه يومَ التقى الجمعان. ﴿إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ بدل من ((يوم))، أو معمول لـ ((اذكروا)) مقدراً، وجوَّز أبو البقاء(٢) أن يكون ظرفاً لـ ((قدير))، وليس بشيء. والعدوة بالحركات الثلاث: شطُ الوادي، وأصلُه من العَدْو: التجاوز، والقراءةُ المشهورة الضمُّ والكسرُ وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب(٣)، وقرأ الحسن وزيد بن عليٍّ وغيرُهما بالفتح(٤)، وكلُّها لغاتٌ بمعنَّى ولا عبرة بإنكار بعضها. و((الدنيا) تأنيثُ الأدنى، أي: إذ أنتم نازلون بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة ﴿وَهُم﴾ أي: المشركون ﴿بِلْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البُعْدَى من المدينة، وهو تأنيثُ الأقصى. وقرأ زيد بن عليٍّ ﴿هَا: ((القُصْيا))(٥)، ومن قواعدهم أنَّ فُعْلَى من ذوات الواو إذا كان اسماً تُبدل لامه ياءً كدنيا؛ فإنه من دنا يدنو: إذا قَرُبَ، ولم يُبدل من ((قصوى)) على المشهور لأنه بحسب الأصل صفةٌ، ولم يبدل فيها للفرق بين الصفة (١) في الأصل و(م): بما، والمثبت من تفسير أبي السعود ٢٣/٤، والكلام فيه بنحوه. (٢) في الإملاء ٣/ ١١٢ . (٣) التيسير ص ١١٦، والنشر ٢٧٦/٢. (٤) المحتسب ١/ ٢٨٠، والبحر المحيط ٤٩٩/٤. (٥) البحر المحيط ٤/ ٥٠٠. سُوَبَةُ الأَنْفَقَِّ ١٢٨ الآية : ٤٢ والاسم، وإذا اعتُبر غلبتُه وأنه جرى مجرى الأسماء الجامدة، قيل: قُضْيَا وهي لغة تميم، والأُولى لغةُ أهل الحجاز. ومن أهل التصريف مَن قال: إن اللغة الغالبة العكس، فإن كانت صفةً أُبدلت اللام، نحو: العليا، وإن كانت اسماً أقرَّتْ نحو: حُزْوَى؛ قيل: فَعَلَى هذا ((القصوى)) شائَّةٌ، والقياس: قُصيا، وعَنَوا بالشذوذ مخالفةَ القياس لا الاستعمالِ، فلا تُنافي الفصاحةَ، وذكروا في تعليل عدم الإبدال بالفرق أنه إنما لم يُعكس الأمر وإن حصل به الفرق أيضاً لأن الصفة أثقل فأُبقيت على الأصل الأَخَفِّ لثقل الانتقال من الضمة إلى الياء، ومَن عَكَس أعطى الأصل للأصل - وهو الاسم - وغيّر في الفرع للفرق. ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير، أو: أصحابها أبو سفيان وأصحابه، وهو اسمُ جمعِ راكبٍ لا جمعٌ على الصحيح. ﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أي: في مكانٍ أسفلَ من مكانكم، يَعني ساحلَ البحر، وهو نصبٌ على الظَرفية، وفي الأصل صفةٌ للظرف كما أشرنا إليه، ولهذا انتصب انتصابَه وقام مقامه ولم ينسلخ عن الوصفية خلافاً لبعضهم، وهو واقعٌ موقعَ الخبر، وأجاز الفرَّاءُ والأخفشُ رَفْعَه على الاتِّساعِ، أو بتقدير: موضعُ الركبِ أسفلُ(١). والجملة عطفٌ على مدخولِ ((إذ)، أي: إذ أنتم إلخ، وإذ الركبُ إلخ، واختار الجمهور أنها في موضع الحال من الضمير المستتر في الجارِّ والمجرورِ قبلُ. ووجهُ الإطناب في الآية - مع حصول المقصود بأن يقال: يومَ الفرقان يومَ النصر والّفر على الأعداء، مثلاً - تصوير ما دبّر سبحانه من أمر وقعة بدر، والامتنانُ والدلالة على أنه من الآيات الغرِّ المحجَّةِ، وغير ذلك. وهذا مرادُ الزمخشريِّ بقوله: فائدةُ هذا التوقيت، وذكرٍ مراكز الفريقين، وأنَّ العير كان أسفلَ منهم، الإخبارُ عن الحال الدالّة على قوة شأن العدو وشوكته، وتَكامُلِ عدَّتِه، وتمهُّدِ أسباب الغلبة(٢) له، وضَعْفٍ شأن المسلمين والْتِياثِ (١) معاني القرآن للفراء ٤١١/١، ومعاني القرآن للأخفش ٥٤٦/٢ . (٢) في الأصل و(م): العدة، والمثبت من الكشاف. الآية : ٤٢ ١٢٩ سُوَّةُ الأَنَفَّاِ أمرهم(١)، وأنَّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله تعالى، ودليلاً على أنَّ ذلك أمرٌ لم يتيسَّر إلا بحوله سبحانه وقوَّته وباهرٍ قدرته، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا بأس بها، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خَبار(٢) تسوخ فيها الأَرجُلُ، وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها تُضاعف حميتهم، وتشحذُ في المقاتلةِ عنها نيَّاتِهم، وتوطّنُ نفوسَهم على أنْ لا يبرحوا مواطنَهم، ولا يُخلوا مراكزَهم، ويبذلوا منتهى نجدتِهم، وقُصارى شدَّتهم، وفيه تصويرُ ما دبرَّ سبحانه من أمر تلك الوقعة (٣). وليس السؤال عن فائدةِ الإخبار بما هو معلوم للمخاطَبِ ليكون الجواب بأنَّ فائدته لازمةٌ - كما ظنّه غيرُ واحد - لما لم لا يخفى. وعلى هذا الطرز ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدَّمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِ اَلْمِيعَدِ﴾ أي: لو تواعدتُم أنتم وهم القتالَ وعَلِمْتُم حالَهم وحالَكم، لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبةً منهم ويأساً من الّفَر عليهم، وجعلُ الضمير الأول شاملاً للجمعين تغليباً والثاني للمسلمين خاصَّة هو المناسب للمقام؛ إذ القصدُ فيه إلى بيان ضعف المسلمين ونصرة الله تعالی لهم مع ذلك. والزمخشريُّ جعله فيها شاملاً للفريقين لتكونَ الضمائرُ على وتيرةٍ واحدة من غير تفكيكٍ، على معنى: لو تواعدتم أنتم وأهلُ مَّةً، لخالف بعضكم بعضاً، فتبظَّكم قلَّتُكم وكثرتُهم عن الوفاء بالموعِدِ، وثبّطهم ما في قلوبهم من تهيُّبٍ رسول الله ◌َّ﴿ والمؤمنين، فلم يتّفقْ لكم من التلاقي ما وقَّقه الله تعالى من التلاقي وسبَّبَ له(٤). ولا يخفى عدمُ مناسبته، وأمرُ التفكيك سهل. ﴿وَلَكِن﴾ تلاقيتُم على غيرِ موعد ﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا﴾ وهو نصرُ المؤمنین وقھرُ (١) أي: صعوبته والتباسه عليهم، من قولهم: التائت عليه الأمور، أي: التبست واختلطت. حاشية الشهاب ٢٧٨/٤ . (٢) الخَبار من الأرض: ما لان واسترخى، وساخت فيه قوائم الدواب. المعجم الوسيط (خبر). (٣) الكشاف ٢/ ١٦٠. (٤) المصدر السابق. سُورَةُ الأَنْفَالِ ١٣٠ الآية : ٤٢ أعدائهم ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: كان واجباً أنْ يُفعلَ بسبب الوعدِ المشارِ إليه بقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] أو: كان مقدَّراً في الأزل. وقيل: ((كان)) بمعنى ((صار)) الدالَّةِ على التحوُّل، أي: صار مفعولاً بعد أن لم یکن. وقوله سبحانه: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحَْى مَنْ حَى عَنْ بَيْنَةٌ﴾ بدلٌ من (ليقضي)) بإعادة الحرف، أو متعلِّقٌ بـ ((مفعولاً)). وجوَّز أبو البقاء(١) أيضاً تعلُّقه بـ ((يقضي))، واستطيب الطّيبي الأوَّل. والمرادُ بالبينة الحجَّةُ الظاهرة، أي: ليموتَ مَن يموتُ عن حجَّةٍ عاينها، ويعيشَ مَن يعيشُ عن حجَّةٍ شاهدها، فلا يبقى محلٌّ للتعلُّل بالأعذار، فإنَّ وقعةَ بدرٍ من الآيات الواضحة، والحجج الغرِّ المحجَّلة. ويجوز أن يُرادَ بالحياة الإيمانُ، وبالموت الكفرُ، استعارةً أو مجازاً مرسلاً، وبالبيِّنة إظهارُ كمال القدرة الدالّة على الحجَّةِ الدافعة، أي ليصدر كفرُ مَن كفر وإيمانُ من آمن عن وضوح بيِّنة، وإلى هذا ذهب قتادة ومحمد بن إسحاق. قيل: والمراد بـ ((مَن هلك)) و((مَن حيَّ)): المشارفُ للهلاك والحياة، أو مَنْ هذا حاله في علم الله تعالى وقضائِه، والمشارفةُ في الهلاك ظاهرةٌ، وأما مشارفة الحياة، فقيل: المراد بها الاستمرارُ على الحياة بعد الوقعة، وإنما قيل ذلك؛ لأنَّ ((مَن حيَّ)) مقابلٌ لـ ((مَن هَلَكَ))، والظاهرُ أن ((عن)) بمعنى ((بعد))، كقوله تعالى: ﴿عَمَّا قَلِلٍ لَُّصْبِحُنَّ نَلِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠]. وقيل: لما لم يتصوَّر أن يهلكَ في الاستقبال من هلك في الماضي، حُمل ((مَن هلك)) على المشارفة؛ ليرجع إلى الاستقبال، وكذا لما لم يتصوَّر أن يتَّصف بالحياة المستقبلة مَن انَّصف بها في الماضي حُمل على ذلك لذلك أيضاً، لكن يلزم منه أن يختصَّ بمن لم يكن حيًّا إذ ذاك، فيحمل على دوام الحياة دون الاتِّصاف بأصلها؛ ليكون(٢) المعنى: لتدوم حياةٌ مَن أشرف لدوامهاَ، ولا يجوزُ أن يكون المعنى: (١) في الإملاء: ١١٥/٣. (٢) في (م): فيكون. الآية : ٤٢ ١٣١ سُورَةُ الأَفََِّ لتدوم حياةٌ مَن حيَّ في الماضي؛ لأنَّ ذلك صادق على مَن هلك، فلا تحصل المقابلةُ إلا أن یخصَّص باعتبارها . وتكلَّف بعضُهم لتوجيه المضيِّ والاستقبال بغيرِ ما ذكر ممَّا لا يخلو عن تأمُّل. واعتبارُ المضيِّ بالنظر إلى علم الله تعالى وقضائه، والاستقبال بالنظر إلى الوجود الخارجيٍّ، مما لا غبارَ عليه، و((عن)) لا يتعيَّن كونُها بمعنى ((بعد))، بل يمكن أن تبقى على معنى المجاوزةِ الذي لم يذكر البصريون سواه. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيِّ ءَالِهَئِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] بناءً على أنَّ المراد: ما نتركها صادرين عن قولك، كما هو رأيُ البعض، ويمكن أن تكونَ بمعنى ((على)) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] وقول ذي الإصبع : عنِّي ولا أنتَ ديَّاني فتَخْزُوني(١) لاِ ابنُ عمِّك لا أفضلتَ في حَسَبٍ وقرأ الأعمش: ((ليهلَكَ)) بفتح العين، وروي ذلك عن عاصم(٢). وهي على ما قال ابنُ جني في ((المحتسب)): شاذَّة مرغوبٌ عنها؛ لأنَّ الماضي هَلَكَ بالفتح، ولا يأتي فَعَلَ يَفْعَلُ إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام، فهو من اللغة المتداخلة(٣). وفي ((القاموس))(٤): أنَّ ((هلك)) كضَرَبَ ومَنَعَ وعَلِم. وهو ظاهرٌ في جوازٍ الكسر والفتح في الماضي والمضارع. نعم المشهورُ في الماضي الفتحُ، وفي المضارع الكسر. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب: ((حَبيَ)) بفكِّ الإدغام(٥)؛ قال أبو البقاء: وفيه وجهان : (١) المفضليات ص ١٦٢، وأدب الكاتب ص ٥١٣، والخزانة ١٧٣/٧. قال البغدادي: لاوِ ابنُ عمِّك، أي لِلَّه ابنُ عمِّك. (٢) القراءات الشاذة ص ٥٠، والبحر ٤ /٥٠١. (٣) المحتسب ٢٦٨/٢ - ٢٦٩ بنحوه. (٤) مادة (هلك). (٥) التيسير ص ١١٦، والنشر ٢٧٦/٢، وهي رواية البزي عن ابن كثير، وقرأ بها أيضاً أبو جعفر وخلف. سُورَةُ الأَنْفَِّ ١٣٢ الآية : ٤٣ أحدُهما: الحملُ على المستقبل وهو يَحْيَى، فكما لم يُدغم فيه لم يدغم في الماضي. والثاني: أنَّ حركةَ الحرفين مختلفةٌ، فالأولُ مکسورٌ، والثاني مفتوحٌ، واختلافُ الحركتين كاختلاف الحرفين؛ ولذلك أجازوا في الاختيار: ضَبِبَ البلدُ، إذا كثر ضَبُّه، ويقوِّي ذلك أنَّ الحركة الثانية عارضةٌ فكأنَّ الياء الثانية ساكنةٌ، ولو سكنت لم يلزم الإدغامُ، فكذلك إذا كانت في تقدير الساكن، والياءان أصلٌ، وليست الثانيةُ بدلاً من واو، وأمَّا الحيوان فالواوُ فيه بدلٌ من الياء، وأمَّا الحواء فليس من لفظِ الحيَّةِ، بل مِن حَوَى يحوي: إذا جمع(١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعُ عَلِيمُ ﴾﴾ أي: بكفرٍ مَن كفر وعقائِهِ، وإيمانِ مَن آمن وثوابِهِ، ولعلَّ الجمعَ بين الوصفين لاشتمال الكفر والإيمان على الاعتقاد والقول، أمَّا اشتمالُ الإيمانِ على القول فظاهر؛ لاشتراك إجراء الأحكام بكلمتي الشهادة، وأما اشتمالُ الكفر عليه، فبناء على المعتاد فيه أيضاً. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ مقدَّر بـ ((اذكر))، أو بدلٌ من ((يوم الفرقان)). وجوِّز أن يتعلَّق بـ (عليم)، وليس بشيء. ونصب ((قليلاً)) على أنَّه مفعولٌ ثالث عند الأجهوري، أو حالٌ على ما يُفهمُه كلامُ غيره. والجمهورُ على أنَّه وَلِ أُري ما أُري في النوم، وهو الظاهر لا المتبادر، وحكمةُ إراءتهم إِيَّاه ◌ََّ قليلين أنْ يخبرَ أصحابَه ◌َ﴿ُه، فيكون ذلك تثبيتاً لهم. وعن الحسن: أنَّه فسر المنام بالعين؛ لأنَّها مكانُ النوم، كما يقال للقطيفة: المنامة، لأنَّها يُنام فيها. فلم يكن عندَه هناك رؤيا أصلاً، بل كانت رؤيةً، وإليه ذهب البلخيُّ. ولا يخفى ما فيه؛ لأنَّ المنام شائعٌ بمعنى النوم، مصدرٌ ميميٍّ على ما قال بعضُ المحققين، أو في موضع الشخص النائم على ما في ((الكشف»، ففي الحمل على خلافٍ ذلك تعقيدٌ، ولا نكتةً فيه. وما قيل: إن فائدةَ العدول الدلالةُ على الأمن الوافر، فليس بشي؛ لأنَّه لا يفيد (١) الإملاء ١١٧/٣ - ١١٩. الآية : ٤٤ ١٣٣ سُورَةُ الأَنْفَّاِ ذلك، فالنومُ في تلك الحالِ دليلُ الأمن، لا أن يريَهم في عينه التي هي محلُّ النوم. على أنَّ الروايات الجمَّةَ برؤيتهِ وَ ل﴿ إياهم مناماً، وقصِّ ذلك على أصحابه مشهورةٌ لا يعارضُها كونُ العين مكانَ النوم نظراً إلى الظاهر، ولعل الروايةَ عن الحسن غيرُ صحيحةٍ؛ فإنَّه الفصيحُ العالم بكلامٍ العرب. وتخريجُ كلامِه على أنَّ في الكلام مضافاً محذوفاً أقيم المضافُ إليه مُقامه، أي: في موضع منامك، مما لا يرتضيه اليقظان أيضاً. والتعبيرُ بالمضارع لاستحضار الصورة الغريبة، والمراد: إذ أراكهم الله قليلاً. ﴿وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبُنْتُم وهِبْتُم الإقدامَ، وجمع ضمير الخطاب في الجزاء مع إفراده في الشرط إشارةٌ كما قيل: إلى أنَّ الجُبنَ يعرضُ لهم لا له ◌َ﴾ إن كان الخطابُ للأصحاب فقط، وإن كان للكلِّ، يكونُ من إسناد ما للأكثرِ للكل. ﴿وَلَنَزَّعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: أمرٍ القتال وتفرقتْ أراؤكم في الثبات والفرار ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمُّ﴾ أي: أنعم بالسلامة من الفَشَل والتنازع. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾﴾ أي: الخواطرِ التي جُعلت كأنَّها مالكةٌ للصدور، والمراد: أنَّه يعلم ما سيكون فيها من الجراءةِ، والجبنِ، والصبر، والجزع، ولذلك دبّر ما دبّر. ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِيَّ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ مقدَّر بمضمر خوطب به الكلُّ بطريق التلوين والتعميم، معطوفٌ على ما قبلُ. والضميران مفعولًا ((يرى))، و((قليلاً)) حالٌ من الثاني. وإنَّما قلّلهم سبحانه في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود ظُه إلى مَن بجنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئة (١)! تثبيتاً لهم وتصديقاً لرسوله عليه الصلاة والسلام. (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٧٤/١٤، والطبري ٢١١/١١. سُورَةُ الأَنْفَّاِ ١٣٤ الآية : ٤٤ ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَّ أَعْيُنِهِمْ﴾ حتى قال أبو جهل: إنَّما أصحاب محمد وَّهِ أَكْلةُ جزور. وكان هذا التقليل في ابتداء الأمر قبل التحام القتال؛ ليجترؤوا عليهم، ويتركوا الاستعدادَ والاستمدادَ، ثم كثَّرهم سبحانه حتَّى رأوهم مثليهم؛ لتفاجئهم الکثرةُ ڤيُبهتوا ویهابوا . كرَّر لاختلاف ٢٤٤ ﴿لَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ الفعل المعلَّل به، إذ هو في الأول اجتماعُهم بلا ميعاد، وهنا تقليلُهم ثمَّ تكثيرُهم، أو لأنَّ المرادَ بالأمر ثَمَّ الالتقاءُ على الوجه المحكيِّ، وهاهنا إعزازُ الإسلامِ وأهلِهِ، وإذلالُ الشِّرْك وحزبِهِ . هذا وذكر غيرُ واحدٍ أنَّ ما وقع في هذه الواقعةِ من عظائم الآيات، فإنَّ البصرَ وإنْ كان قد يرى الكثيرَ قليلاً والقليلَ كثيراً، لكن لا على ذلك الوجه، ولا إلى ذلك الحدِّ، وإنما يتصوَّرُ ذلك بصدٌ الأبصار عن إبصارٍ بعضٍ دون بعضٍ مع التساوي في الشرائط . واعتُرض بأنَّ ما ذُكر من التعليل مناسبٌ لتقليل الكثير لا لتكثير القليل. وأجيب بأنَّ تكثيرَ القليل من جانبٍ المؤمنين بكون الملائكة عليهم السلام [معهم] (١) ومن جانب الكفرةِ حقيقةٌ، فلا يحتاج إلى توجيهٍ فيهما، وإنَّما المحتاج إليه تقليلُ الكثير. وذكر في ((الكشاف)) طريقين لإبصار الكثير قليلاً: أنْ يستر الله تعالى بعضه بساتر، أو: يُحدثَ في عيونهم ما يستقلُّون به الكثيرَ، كما خلق في عيون الحُولِ ما يستكثرون به القليلَ فيرونَ الواحدَ اثنين(٢)، وعليه فيمكن أن يقال: إن رؤيتَهم للمؤمنين مثليهم من قبيل رؤيةِ الأحول، بل هي أعظمُ على تقديرٍ أنْ يراد مثلي أنفسِهم، وحينئذٍ لا يحتاجُ إلى حديثٍ رؤيةِ الملائكةِ مع المؤمنين. وفي ((الانتصاف)): أن في ذلك دليلاً بيِّناً على أنه تعالى هو الذي يخلقُ الإدارك في الحاسَّة غيرَ موقوفٍ على سبب من مقابلة أو قربٍ أو ارتفاعٍ حُجُبٍ أو غير (١) زيادة من حاشية الشهاب ٢٨٠/٤، والكلام منه. (٢) الكشاف ٢/ ١٦١. الآية : ٤٤ ١٣٥ سُؤَدَّةُ الأَنْفَِّ ذلك؛ إذ لو كانت هذه الأسبابُ موجبةً للرؤية عقلاً، لما أمكن أنْ يستترَ عنهم البعضُ وقد أدركوا البعض، والسببُ الموجب مشتركٌ، فعلى هذا يجوزُ أن يخلقَ الله تعالى الإدراك مع انتفاءِ هذه الأسباب، ويجوز أن لا يخلقَه مع اجتماعها، فلا ربطً إذن بين الرؤية وبينها في مقدور الله تعالى، وهي رادَّةٌ على القدريَّة المنكرين لرؤيتهِ تعالى لفَقْد شرطها وهو التجسُّم ونحوه، وحسبُهم هذه الآيةُ في بطلان زعمهم، لكنهم يمرُّون عليها وهم عنها معرضون(١). ثم إن رؤياه عليه الصَّلاة والسلام كانت في قولٍ على طرز رؤية أصحابه المشركين، وذكر بعضُ المحققين أنَّها كانتْ في مقام التعبير؛ فلا يلزمُ أن تكونَ على خلافِ الواقع، والقلَّةُ معبَّرة بالمغلوبية، والواقعةُ من الرؤيا: منها ما يقع بعينِهِ، ومنها ما يعبّر ويؤوَّل، وتحقيقُ الكلام فيها يقتضي بسطاً فتيقَّظ واستمعْ لما يتلى فنقول: اعلم أنَّ النفس الناطقةَ الإنسانية سلطانُ القوى البدنية، وهي آلاتٌ لها، وظاهرٌ أنَّ القوةَ الجسمانية تَكِلُّ بكثرة العمل، كالسيف الذي يكلُّ بكثرةِ القطع، فالنفس إذا استعملت القوى الظاهرةَ استعمالاً كثيراً بحيث يَعْرِضُ لها الكلالُ، تُعطِّلها لتستريحَ وتقوى، كما أنَّ الفارس إذا أكثر ركوبَ فرسِه یرسُه ليستريح ويرعى. وهذا التعظُّل الحاصلُ باسترخاءِ الأعصاب الدماغية المتّصلة بآلات الإدارك هو النوم، وما يتراءى هناك هو الرؤيا، إلا أنَّ المتكلِّمين، والحكماء المشائين، والمتألِّهين من الإشراقيين، والصوفية، اختلفوا في حقيقتها إلى مذاهب: فذهب المعتزلةُ وجمهورُ أهل السُّنَّةِ من المتكلِّمين إلى أنَّ الرؤيا خيالاتٌ باطلة، ووجه ذلك عندَ المعتزلة فَقْدُ شرائط الإداراك حالةَ النوم؛ من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسُّط الشِّغاف، والبنيةِ المخصوصة، إلى غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الإدارك عندهم. وعند الجماعة وهم لم يشترطوا شيئاً من ذلك: أنَّ الإدارك حالةَ النوم خلافُ العادة، وأن النومَ ضدُّ الإدارك، فلا يجامعُه، فلا تكون الرؤيا إداركاً حقيقةً. (١) الانتصاف ٢/ ١٦١ - ١٦٢. سُورَةُ الأَفَاِ ١٣٦ الآية : ٤٤ وقال الأستاذ أبو إسحاق: إن الرؤيا إدراك حقٌّ؛ إذ لا فرق بين ما يجدُه النائمُ من نفسه من إبصارٍ وسمع وذوقٍ وغيرها من الإدراكات، وما يجدُه اليقظانُ من إدراكاته، فلو جاز التشكيكُ فيما يجدُه النائم، لجاز التشكيكُ فيما يجدُه اليقظان، ولزم السفسطةُ والقدحُ في الأمور المعلومة حقيقتُها بالبداهة(١). ولم يخالف في كون النوم ضدَّ الإدراك(٢)، لكنه زعم أنَّ الإدراكات تقومُ بجزءٍ من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النومُ من أجزائه، فلا يلزمُ اجتماع الضدين في محلٌّ. وذهب المشَّاؤون(٣) إلى أنَّ المدرَكَ في النوم يوجدُ في الحسِّ المشترك الذي هو لوحُ المحسوسات ومجمعُها، فإنَّ الحواسَّ الظاهرةَ إذا أخذت صورَ المحسوسات الخارجية، وأدَّتْها إلى الحسِّ المشترَك، صارتْ تلك الصورُ مشاهدةً هناك، ثم إن القوةَ المتخيِّلةَ التي من شأنها تركيبُ الصور إذا رَّبتْ صورةً فربما انطبعتْ تلك الصورةُ في الحسِّ المشترك وصارتْ مشاهدةً على حسب مشاهدةِ الصورةِ الخارجية، فإن مدارَ المشاهدة الانطباعُ في الحسِّ المشترك، سواء انحدرتْ إليه من الخارج أو من الدَّاخل، ثمَّ إنَّ القوةَ المتخيّلة من شأنِها التصويرُ دائماً، لا تسكن نوماً ولا يقظةً، فلو خلِّيتْ وطباعها، لما فَتَرتْ عن رسم الصور في الحسِّ المشترك، إلا أنَّه يصرفها عن ذلك أمران: أحدهما: تواردُ الصور من الخارج على الحسِّ المشترك؛ إذ بعد انتقاشه بهذهِ الصورةِ لا يسعُ أن ينتقشَ بالصورةِ التي تركِّبها المتخيِّلة. وثانيهما: تسلُّطُ العقلِ أو الوهم عليها بالضبط عندما يستعملانها في مدر کاتهما . ولا شكّ في انقطاع هذين الصَّارفين عند النوم، فيتسع لانتقاش الصُّور من الداخل، فيكون ما يدركه النائمُ صوراً مرتسمةً في الحسِّ المشترك وموجودةً فيه، وهو الرؤيا، إلا أنَّ منها ما هو صادقٌ، ومنها ما هو كاذب: (١) في (م): بالبديهة. (٢) في (م): ضدا للإدراك. (٣) هم طائفة من الفلاسفة من أتباع أرسطو. الآية : ٤٤ ١٣٧ سُورَةُ الأَنْفَاِ أمَّا الأولى: فهي التي تَرِدُ تلك الصورُ فيها على الحسِّ المشترك من النفس الناطقة، وبيانُه أنَّ صورَ جميع الحوادث - ما كان وما يكون - مرتسمةٌ في المبادي العالية التي يعبِّر عنها أربابُ الشرع بالملائكة، ومنطبعةٌ بالنفوس المجرّدة الفلكية، واتصال النفس المجرّدة بالمجرد لعلَّة الجنسية أشدُّ من اتصالها بالقوى الجمسانية، فمن شأنها أن تتَّصلَ بذلك وتنتقشَ بما فيه، إلّا أن اشتغالَها بالحواسِّ الظاهرة والباطنة واستغراقَها بتدبيرِ بدنها يمنعانها عن ذلك الاتّصال والانتقاش؛ لأن اشتغالَ النفس ببعض أفاعيلها يمنعُها من الاشتغال بغيره، فإنَّ الذي لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ هو الله الواحدُ القَّار، ولا يمكن إزالةُ العائق بالكلِّيَّة، إلا أنه يَسْكُن اشتغالُها بالإدراكات الحسِّيَّة حالةَ النوم؛ إذ في اليقظة ينتشر الروحُ إلى ظاهر البدن بواسطة الشرايين، وينصبُّ إلى الحواسِّ الظاهرة حالةَ الانتشار، ويحصلُ بها الإدراكُ، فتشتغلُ النفسُ بتلك الإدراكات، وأمَّا في النوم الذي هو أخو الموت فينحبس الروحُ إلى الباطن، ويرجع عن الحواسِّ الظاهرة بعد انصبابه إليها فتتعطل، فيحصلُ للنفس أدنى فراغ، فتتصل بتلك المبادي اتصالاً روحانيًّا معنويًّا، وتنتقش ببعض ما فيها مما استعدت هي له، كالمرايا إذا حوذي بعضُها ببعض، فانتقش في بعضها ما يتّسع له ممَّا انتقش في البعض الآخر، فتدركُ النفس مما ارتسم في تلك المبادي ما يناسبُها من أحوالها وأحوالٍ ما يقارنها من الأقارب والأهل والولد والإقليم والبلد، ماضيه وآتيه، إلا أنَّ هذا الإدراكَ لعدم تأدِّيه من طرف الحسِّ كليٍّ، فتحاكيه القوةُ المتخيّلةُ التي جبلت محاكيةً لما يَرِدُ عليها بصورٍ جزئية، مثالية، خيالية، مناسبة إيَّاه، فتحاكي ما هو خيرٌ بالنسبة إليها في صورة جميلة، وما هو شرٌّ كذلك في صورةٍ قبيحةٍ هائلة، على مراتبَ مختلفةٍ، ووجوهٍ متعددة، ومن ثمةَ قد ترى ذاتها بصفةٍ جميلةٍ، صوريَّة ومعنويَّةٍ، من الجمال والعلم والكرم والشجاعة، وغير ذلك من الصفات المحمودة، وقد ترى ذاتها منَّصفةً بأضدادِ ما ذكر، وقد ترى تلك الصفات في صورة ما غلبتٍ الصفاتُ عليه، وبل قد ترى أنَّها نفسها صارت نوعاً آخرَ؛ لغلبة صفاته عليها، ومتى غلبتْ عليها الصفاتُ الجميلةُ والأخلاقُ الحميدة، ترى صوراً جميلة وأشخاصاً حميدة، كذوي الجمال والعلماءِ والأولياءِ والملائكة، بل قد ترى أنَّها صارت عالِماً أو ملكاً مثلاً. ومتى غلبت عليها الصفاتُ الذميمةُ ترى صوراً هائلةً، كصورةٍ غُولِيَّةٍ أو سبُعيَّةٍ، وكذا رؤية حال مَن يقاربه من الأهل والولدِ والإقليم مثلاً، فإنها تراها سُورَةُ الأَفَّالِ ١٣٨ الآية : ٤٤ باعتبار اختلاف المراتب والمناسبات على ما هي عليه في المضيّ، أو الحال، أو الاستقبال، حتى لو اهتمت بمصالح الناس رأتْها، ولو كانت منجذبةَ الهمة إلى المعقولات، لاحتْ لها أشياءُ منها، فمتى لم يكن اختلافٌ بين تلك الصورة وبين ما هي مأخوذةٌ منه إلا بالكلِّيَّة والجزئية، كانت الرؤيا غيرَ محتاجة إلى التعبير، والتجاوُزِ عنها إلى ما يناسبها بوجهٍ من المماثلة أو الضدِّية التي يقتضيها نحو الإلف والخلق والأسباب السماوية، وغير ذلك من وجوهٍ خفيَّةٍ لا يطَّلع عليها إلا الأفرادُ من أئمة التعبير، وإن كانت مخالفةً لها؛ لقصورٍ يقع في المتخيِّلة، إمَّا لذاتها أو العروضٍ دهشةٍ وحيرةٍ لها مما ترى أو لغير ذلك، كانت محتاجةً إلى التعبير، وهو أن يرجع المعبِّر القهقرى مجرِّداً لما يراه النائم عن تلك الصور التي صوَّرتْها المتخيِّلةُ إلى أن ينتهي بمرتبةٍ أو مراتبَ إلى ما تلقَّتْه النفسُ من تلك المبادي، فيكون هو الواقع، وقد يتفق - سيما إذا كان الرائي كثيرَ الاهتمام بالرؤيا - أن يعبِّرَ رؤياه في النوم الذي رآها فيه أو غيره، فهو إما بتذكُّره لمَا كانت الرؤيا حكايةً عنه، وإما بتصوير المتخيلةِ حكايةً رؤياه بحكايةٍ أخرى، وحينئذٍ يحتاج إلى تعبيرين. وأما الثانية: فهي تكون لأشياء؛ إما لأنَّ النفس إذا أحسَّت في حال اليقظة - بتوسُّط الآلات الجسمانية - بصُورٍ جزئية محسوسةٍ أو خياليَّةٍ، وبقيت مخزونةً في قوة الخيالِ، فعند النوم الذي يخلصُ فيه الحسُّ المشترك ممَّا(١) يرِدُ عليه من الحواسِّ الظاهرة تُرسمُ في الحسِّ المشترك ارتسامَ المحسوسات، إما على ما كانت عليها، وإمَّا بصورٍ مناسبة لها، أو لأنَّ النفسَ أتقنتْ بواسطة المتخيلةِ صورةً أَلِفَتْها، فعند النوم تتمثّل في الحسِّ المشترك، أو لأنَّ مزاجَ الدماغ يتغيّر، فيتغير مزاجُ الروح الحاملةِ للقوةِ المتخيلةِ، فتتغيَّرُ أفعالُ المتخيلةِ بحسب تلك التغيُّرات، ولذلك يرى الدمويُّ الأشياءَ الحمرَ، والصفراويُّ النيرانَ والأشعَّةَ، والسوادويُّ الجبالَ والأدخنة، والبلغميُّ المياه والألوانَ البيض، ومن هذا القبيل رؤيةُ كون بدنِه أو بعضٍ أعضائه في الثلج، أو الماء، أو النار، عند غلبة السخونةِ أو البرودة عليه، ورؤيةُ أنَّه يأكلُ أو يشربُ أو يبولُ عند عروض الاحتياج إلى أحدها . (١) في (م): عما. الآية : ٤٤ ١٣٩ ـرَةُ الأَفَال ومن العجائب في هذا الباب أنَّه إذا غلب المنيُّ واحتاجت الطبيعةُ إلى دفعه، تحتالُ باستعانةِ القوَّة المتخيلةِ إلى تصوير ما يندفعُ به من الصور الحسنة، وفي إرسال الريح الناشرة لآلة الجماع وإرادة حركاته (١)، حتَّى يندفعَ بذلك ما أرادت اندفاعَه، وقد يكون ذلك التوجُّه والاعتيادُ لا لغلبة المنيِّ، فلهذا قد لا يندفع به شيء. وقد يَعْرِضُ للروح اضطرابٌ وتحريكٌ من الأسباب الخارجة والداخلة، فترى أموراً متغيّرةً متفرِّقةً غيرَ منضبطة، فربَّما يتركب من المجموع صورةٌ غيرُ معهودةٍ قلَّما يتصوَّرها أحدٌ، أو يقعُ مثلها في الخارج، وقد يكون ذلك لاتِّصالاتٍ فلكيّة وأوضاع سماوية، فإذا كانت الرؤيا لأحدٍ هذه الأمور تسمَّى أضغاثَ أحلام، ولا تعبيرً لها ولا تقع. وقد ذكروا أن أصدق الناس رؤيا أعدلُهم مزاجاً، ومَن كان مع ذلك منقطعاً عن العلائق الشاغلة، والخيالات الفاسدةِ، معتاداً للصدق، متوجّهاً إلى الرؤيا واستثباتها وكيفيتها، كانت رؤياه أصحَّ وأصدقَ، وأكثرُ أحلام الكذَّاب والسكران والمغموم، ومَن غلب عليه سوءُ مزاجٍ أو فكرٍ أو خيالاتٍ فاسدة، ومقتضياتٍ قوّى غضبيةٍ وشهويةٍ، كاذبةٌ لا يُعتمد عليها، ومن هنا قالوا: لا اعتمادَ على رؤيا الشاعر؛ لتعوُّده الأكاذيبَ الباطلةَ، والتخيلاتِ الفاسدةَ. وذهبَ أصحابُ(٢) المكاشفات وأربابُ المشاهداتِ، من الحكماء المتألهين، والصوفية المنكرين لارتسام الصور في الخيال، إلى أنَّ الرؤيا مشاهدةُ النفس صوراً خياليةً موجودةً في عالم المثال الذي هو برزخٌ بين عالم المجرَّدات اللطيفةِ المسمَّى عندهم بعالم الملكوت، وبين عالَم الموجودات العينيَّة الكثيفةِ المسمَّى بعالَم الملك. وقالوا: فيه موجوداتٌ متشخّصة مطابقةٌ لمَا في الخارج من الجزئيات، مِثْلٌ لها، قائمةٌ بنفسها، مناسبةٌ لما في العالَمينِ المذكورَينِ: أمَّا لعالم الملك؛ فلأنَّها (١) في (م): حركاتها. (٢) في (م): بعض أصحاب. سُورَةُ الأَنْفَّاِ ١٤٠ الآية : ٤٤ صورٌ جسمانية شَبَحِيَّة، وأما لعالَم الملكوت؛ فلأنَّها معلّقةٌ غيرُ متعلِّقة بمكانٍ وجِهَةٍ كالمجرَّدات، حتى إنه يرى صوراً مثاليةً لشخصٍ واحدٍ في مرايا متعدِّدةٍ، بل في مواضعَ متكِّرةٍ، كما يُرى بعضُ الأولياء في زمان واحد في أماكنَ متعدِّدةٍ، شرقيةٍ وغربية، ثمّ إنَّ لِتلك الصور مجالِيَ مختلفةً، كالمرايا والماء الصافي. والقوى الجسمانيةُ سيما الباطنة إذا انقطعتْ عن الاشتغال بالأمور الخارجية العائقةِ، إذ بذلك يحصلُ لها زيادةُ مناسَبةٍ لذلك العالمَ كما للمتجرِّدینَ عن العلائق البشرية، وإذا قُوِيَتْ تلك المناسَبةُ، كما للأنبياء عليهم السلام، والأولياءِ الكُمَّل قدَّس الله تعالى أسرارَهم، تظهرُ في القوى الظاهرة أيضاً، ولهذا كان النبيُّ نَلِ يشاهدُ جبريل عليه السلام حين ما ينزل بالوحي، والصحابةٌ ﴿ه حولَه كانوا لا يشاهدونه(١). هذا واستُشْكِل قولُ المتكلمين: إن الرؤيا خيالاتٌ باطلة. بأنه قد شهد الكتابُ والسنَّةُ بصحَّتها، بل لم يكنْ أحدٌ من الناس إلَّا وقد جرَّبها من نفسه تجربةً توجبُ التصدیقَ بها . وأجيب بأنَّ مرادَهم أنَّ كونَ ما يتخيَّلُه النائمُ إدراكاً بالبصر رؤيةً وكونَ ما يتخيَّله إدراكاً بالسمع سمعاً باطلٌ، فلا ينافي كونَها أمَارةً لبعض الأشياء. وذكر حجَّةُ الإسلام الغزاليُّ عليه الرحمة في شرح قوله عليه الصلاة والسلام: (مَن رآني في المنام فقد رآني)) الحديثَ(٢)، أنَّه ليس المرادُ بقوله عليه الصلاة والسلام فقدْ رآني رؤيةَ الجسم، بل رؤيةَ المثال الذين صارَ آلةً يتأدَّى بها المعنى الذي في نفسه إليه، ثمَّ ذكر أنَّ النفسَ غيرُ المثال المتخيَّل، فالشكلُ المرئيُّ ليس روحَه ◌َّه، ولا شخصَه، بل مثالَه على التحقيق، وكذا رؤيتُه سبحانه نوماً، فإنَّ ذاته تعالى منزَّهة عن الشكلِ والصورةِ، لكن تنتهي تعريفاتُه تعالى إلى العبدِ بواسطة مثالٍ محسوسٍ من نورٍ أو غيرِهِ، وهو آلةٌ حقًّا في كونه واسطةً في التعريف، فقول الرائي: رأيتُ الله تعالى نوماً. لا يعني به أنه رأى ذاته تعالی. (١) ينظر حديث يعلى بن أمية عند أحمد (١٧٩٤٨)، والبخاري (١٥٣٦)، ومسلم (١١٨٠). (٢) أخرجه أحمد (٧١٦٨)، والبخاري (١١٠)، ومسلم (٢٢٦٦) من حديث أبي هريرة ـ وأخرجه أحمد (١٣٨٤٩) والبخاري (٦٩٩٤) من حديث أنس ◌ُه. وأخرجه أحمد (١٤٧٧٩)، ومسلم (٢٢٦٨) من حديث جابر ـ