النص المفهرس

صفحات 61-80

التفسير الإشاري (١ - ١٦)
٦١
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بالترقِّي من مقام العلم إلى العين. وقد
جاء أن الله تعالى تجلَّ لعباده في كلامه لو يعلمون.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إذ لا يرون فعلاً لغيرِه تعالى.
وذكر بعضُ أهل العلم أنه سبحانه وتعالى نبّه أولاً بقوله عزَّ قائلاً: ﴿وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ على بَدْء حال المريد؛ لأنَّ قلبَه لم يقوَ على تحمُّل التجليات في المبدأ؛
فيحصُلُ له الوجَلُ، كضَرَمة السَّعْفة، ويقشعرُّ لذلك جلدُه، وترتعدُ فرائصُه،
وأما المنتهي فقلَّما يعرِضُ له ذلك؛ لما أنه قد قوي قلبُه على تحمُّل التجلِّيات
وأَلِفَها، فلا يتزلزلُ لها ولا يتغيّر، وعلى هذا حمَلَ السهرورديُّ قُدِّس سرُّه ما رُوي
عن الصديق الأكبر ظلبه أنه رأى رجلاً يبكي عند قراءة القرآن، فقال: هكذا كنّا
حتى قسَت القلوبُ، حيث أراد: حتى قويت القلوبُ؛ إذ أدمنتْ سماعَ القرآن،
وأَلِفِتْ أنواره، فما تستغربُه حتى تتغيَّر.
ونبّه سبحانه ثانياً بقوله جلَّ وعلا: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ على أخذ المريد في السلوك
والتجلِي، وعُرُوجه في الأحوال.
وثالثاً بقوله عزَّ شأنُه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَُّونَ﴾ على صعودِهِ في الدرجات
والمقامات.
وفي تقديم المعمول إيذانٌ بالتبرِّي عن الحَوْل والقوَّة، والتفويض الكامل،
وقطع النظرِ عمَّا سواه تعالى، وفي صيغة المضارع تلويحُ إلى استيعابٍ مراتب
التوّل كلِّها، وهو - كما قال العارفُ أبو إسماعيل الأنصاريُّ -: أن يفوِّض الأمرَ
كلَّه إلى مالكه، ويعوِّل على وكالته، وهو من أصعبِ المنازل، وهو دليلُ العبودية
التي هي تاجُ الفخر عند الأحرار، والظاهرُ أن الخوفَ الذي هو خوفُ الجلال
والعظمةِ يتَّصفُ به الكاملون أيضاً، ولا يزولُ عنهم أصلاً، وهذا بخلافِ خوف
العقاب؛ فإنه يزول، وإلى ذلك الإشارةُ بما شاع في الأثر: ((نعمَ العبدُ صهيبٌ، لو
لم يخفِ اللهَ لم يعصِهِ))(١).
(١) أورده القاري في المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (٣٨٥)، وقال: لا أصل له. وقد
سلف ٤ / ١٥٣.

سُورَةُ الأَنْفَّاِ
٦٢
التفسير الإشاري (١ - ١٦)
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ﴾ أي: صلاةَ الحضور القلبيِّ، وهي المعراجُ المعنويُّ
إلى مقام القرب ﴿وَمِنَّا رَزَقْتَهُمْ﴾ من العلومِ التي حصلتْ لهم بالسَّير ﴿يُنفِقُونَ﴾.
﴿أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنهم الذين ظهرت فيهم الصفاتُ الحَقَّةِ، وَغَدَوا
مرايا لها، ومن هنا قيل: المؤمنُ مرآةُ المؤمن.
﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ من مراتبِ الصفات، وروضاتِ جنَّات القلب ﴿وَمَغْفِرَةٌ ﴾
لذنوب الأفعال ﴿وَرِزْفٌ كَرِيمٌ﴾ من ثمرات أشجار(١) التجلِّيات الصِّفاتية.
وقال بعضُ العارفين: المغفرةُ: إزالةُ الظلماتِ الحاصلة من الاشتغال بغير الله
تعالى، والرزقُ الكريم: الأنوارُ الحاصلةُ بسبب الاستغراق في معرفته ومحبَّتَه، وهو
قريب مما ذكرنا .
﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ متلبِّساً ﴿بِأَلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم المحتجِبون
برؤية الأفعال ﴿لَكَرِهُونَ﴾ أي: حالُهم في تلك الحالة كحالهم في هذه الحال.
﴿يُجَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا نَبَّنَ﴾ لك أو لهم بالمعجزات.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بالبراءةِ عن الحَوْل والقوَّة، والانسلاخ عن ملابس
الأفعال والصِّفات النفسية ﴿فَأَسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ عند ذلك ﴿أَنِّ مُمِدُكُمْ﴾ من عالم
المَلَكوت؛ لمشابهة قلوبكم إيَّاه حينئذٍ ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ﴾ أي: القُوى السماوية
وروحانيَّاتها ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لملائكةٍ أخرى، وهو إجمالُ ما في ((آل عمران)).
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: ما جعَلَ الله تعالى الإمدادَ ﴿إِلَّاّ بُشْرَى﴾ أي: بشارةً
لكم بالنَّصر ﴿وَلِتَطْمَيِنَّ ◌ِهِ، قُلُوبُكُمْ﴾ لما فيه من اتِّصالها بما يُناسبها.
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ الَِّ﴾، والأسبابُ في الحقيقة ملغاةٌ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾
قويٌّ على النصر من غيرِ سبب ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعلُ على مقتضى الحكمة، وقد اقتضت
فعله على الوجهِ المذكور.
﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ﴾ وهو هدوء القوى البدنية والصِّفاتِ النفسانيةِ بنزول
السَّكينة ﴿أَمَنَّةً مِّنْهُ﴾ أي: أَمْناً من عنده سبحانه وتعالى.
(١) في (م): أشعار، وهو تصحيف.

الآية : ١٧
٦٣
سُوَدَةُ الأَنْفَِّ
﴿وَيَزِلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سماء الروح ﴿مَاءَ﴾ وهو ماءُ علم اليقين؛
◌ِطَهِرَكُمْ بِهِ.﴾ عن حدَثِ هواجِسِ الوهم، وجَنَابة حديثِ النفس، ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُ
رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾ وسوسَتَه وتخويفَه، ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يقوِّيها بقوةِ اليقين،
ويُسكِّن جأشَكم، ﴿وَيُثَبِتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ إذ الشجاعةُ وثباتُ الأقدام في المخاوف من
ثمراتٍ قوة اليقين.
﴿إِذْ يُؤْحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ﴾ أي: يمدُّ الملكوتَ بالجبروت ﴿فَشَبِتُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ لانقطاع المدَدِ عنهم، واستيلاء
فَتام الوهم عليهم ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ لئلا يرفعوا رَأَساً ﴿وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلّ
بَنَانٍ﴾ لئلا يقدِرُوا على المُدافعة.
وبعضُهم جعل الإشارة في الآيات نفسيةً، والخطابَ فيها حسبما يليقُ له
الخطابُ من المرشد والسالك مثلاً، ولكلِّ مقام مقال، وفي ((تأويل النيسابوري))
نبذةٌ من ذلك، فارجع إليه إن أردتَه.
وما ذكرناه يكفي لغرضنا: وهو عدمُ إخلاء كتابنا من كلماتِ القوم، ولا نتقيَّدُ
بآفاقيةٍ أو أنفسيةٍ، والله تعالى الموفِّقُ للرَّشاد.
ثم إنه تعالى عاد كلامُه إلى بيان بقيةِ أحكام الواقعة وأحوالها، وتقريرِ ما سبَقَ؛
حيث قال سبحانه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ الخطابُ للمؤمنين، والفاء قيل: واقعةٌ في
جواب شرطٍ مقدَّرٍ يستدعيه ما مرَّ من ذِكْر إمدادِه تعالى، وأَمْرِه بالتثبيت، وغير
ذلك، كأنه قيل: إذا كان الأمرُ كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوَّتكم وقدرتكم ﴿وَلَكِنّ
اللَّهَ قَلَهُمْ﴾ بنصرِكم، وتسليطكم عليهم، وإلقاء الرُّعب في قلوبهم.
وجُوِّز أن يكون التقديرُ: إذا علمتُم ذلك فلم تقتلوهم، على معنى: فاعلموا،
أو فأُخبرُكم أنكم لم تقتلوهم.
وقيل: التقدير: إن افتخرتُم بقتلهم فلم تقتلوهم؛ لما رُوي أنهم لما انصرفوا من
المعركة غالبينَ غانمينَ أقبلوا يتفاخرون يقولون: قتلتُ وأسرتُ، وفعلتُ وتركتُ،
فنزلت.

سُورَةُ الأَنْفَقَّاِ
٦٤
الآية : ١٧
وقال أبو حيان: ليست هذه الفاءُ جوابَ شرطٍ محذوف كما زعموا، وإنما هي
للربط بين الجُمل؛ لأنه قال سبحانه: (فَأَضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ
بَنَانٍ)، وكان امتثالُ ما أُمروا به سبباً للقتل، فقيل: فلم تقتلوهم، أي: لستُم
مستبدِّين بالقتل؛ لأن الإقدارَ عليه والخلقَ له إنما هو الله تعالى(١).
قال السَّفاقسيُّ: وهذا أَولى من دعوى الحذف. وقال ابنُ هشام: إن الجوابَ
المنفيَّ لا تدخُلُ عليه الفاء. ومن هنا - مع كون الكلام على نفي الفاعلِ دون الفعل
كما قيل - ذهب الزمخشريُّ(٢) إلى اسميةِ الجملة، حيث قدَّر المبتدأ، أي: فأَنتُم لم
تقتلوهم.
وجعل بعضُهم المذكورَ علَّة الجزاء أُقيمت مقامَه، وقال: إن الأصلَ: إن
افتخرتُم بقتلهم فلا تفخّروا؛ لأنكم لم تقتلوهم. ونظائرُه كثيرةٌ، ولعلَّ كلامَ
أبي حيان - كما قال السفاقسيُّ - أولى.
والخطابُ في قوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَّيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اَللَّهَ رَمَىْ﴾ خطابٌ
النبيِّه عليه الصلاة والسلام بطريقِ التلوين، وهو إشارةٌ إلى رميه وَّهه بالحصى يوم بدر
وما كان منه؛ فقد رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال لما طلعت قريشٌ من العَقَنْقَل:
((هذه قريشٌ بخُيَلائها وفَخْرها، اللهمَّ إني أسألُكَ ما وعدتَني))، فأتاه جبريلُ عليه
السلام فقال له: خُذْ قبضةً من ترابٍ فارمِهِم بها، فلما التقى الجمعان قال لعليٍّ
كرَّم الله تعالى وجهَه: ((أعطني قبضةً من حصباءِ الوادي)). فرمى بها وجوههم،
فقال: ((شاهتِ الوجوهُ))، فلم يبقَ مشركٌ إلا شُغل بعينه، فانهزموا، ورَدِفَهم
المؤمنون يقتلونَهم ويأسرونَهم(٣).
وجاء من عدة طرق ذكرها الحافظ ابنُ حجر(٤) أن هذا الرميَ كان يومَ بدر،
(١) البحر المحيط ٤ / ٤٧٦.
(٢) في الكشاف ١٤٩/٢ .
(٣) أورده الزمخشري في الكشاف ١٤٩/٢ بمثل رواية المصنف، وأخرجه الطبري في تفسيره
٨٤/١١، ٨٥، ٨٦ مقطعاً. وانظر سيرة ابن هشام ٦٢١/١-٦٢٨، ومجمع الزوائد ٨٤/٦.
والعقنقل: الوادي العظيم المتسع. القاموس: (عقل).
(٤) في تخريج أحاديث الكشاف ص٦٨ .

الآية : ١٧
٦٥
سُورَةُ الأَنْفَاِ
وزعم الطيبيُّ أنه لم يكن إلا يومَ حُنين، وأن أئمةَ الحديث لم يذكر أحدٌ منهم أنه
كان يومَ بدر، وهو - كما قال الحافظُ السيوطيُّ - ناشئٌّ من قلَّة الاطلاع؛ فإنه عليه
الرحمةُ لم يبلغ درجةَ الحقَّاظ، ومنتهى نظرِهِ الكتبُ الستُّ، و((مسند أحمد)»،
و((مسند الدرامي))، وإلا فقد ذكر المحدِّثون أن الرميّ وقع في اليومين، فنفيُ وقوعِه
في يومَ بدرٍ مما لا ينبغي، وذِكْر ما في حُنين في هذه القصَّة من غير قرينة بعيدٌ
جدًّا، وما ذكره في تقريب ذلك ليس بشيء كما لا يخفى على من راجَعَه وأنصف.
ويَرِدُ نحو هذا على ما رُوي عن الزهريِّ وسعيد بن المسيِّب من أن الآيةَ إشارة
إلى رميه عليه الصلاة والسلام يومَ أحد؛ فإنَّ اللعين أبيَّ بنَ خلف قصدَه عليه
الصلاة والسلام، فاعترض رجالٌ من المسلمين له ليقتلوه، فقال لهم رسول الله وَالآتي:
(استأخِرُوا)) فاستأخَرُوا، فأخذ عليه الصلاة والسلام حربَتَه بيده فرماه بها، فكسر
ضِلْعاً من أضلاعه - وفي رواية خدش تَرْقُوته - فرجع إلى أصحابه ثقيلاً وهو يقول:
قتلني محمد، فطفِقُوا يقولون: لا بأسَ عليك، فقال: والله لو كانت بالناس
لقتَلَتهم، فجعل يخورُ حتى مات ببعض الطريق(١).
وما أخرج ابنُ جرير عن عبد الرحمن بن جُبَير، أنَّ رسول الله وَّهِ يومَ ابن
أبي الحُقَيق - وذلك في خيبر - دعا بقوسٍ، فأَتي بقوس طويلةٍ، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((جيئوني بقوسٍ غيرِها))، فجاؤوه بقوسٍ كَبْداء، فرمى وَّ الحصنَ، فأقبل
السهمُ يهوي حتى قَتَلَ ابنَ أبي الحُقَيق في فراشه، فأنزل الله تعالى الآيةَ(٢). والحقُّ
المعوَّلُ عليه هو الأول.
وتجريدُ الفعل عن المفعول به؛ لما أنَّ المقصود بيانُ حالِ الرمي نفياً وإثباتاً؛
إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر، وهو المنشأُ لتغيُّر المرميِّ به في نفسه، وتكثُّره إلى
حيث أصاب عيني كلِّ واحدٍ من أولئك الجمع الغفير شيءٌ من ذلك.
(١) أخرجه الحاكم في مستدركه ٣٢٧/٢، وأورده البيهقي في الدلائل ٢١١/٣-٢١٢.
(٢) ليس في المطبوع من تفسير الطبري، وقال الشيخ محمود شاكر في تعليقه على التفسير
٤٤٦/١٣: أخشى أن يكون في هذا الموضع من التفسير نقص. ثم نقل رحمه الله هذا
الحديث عن ابن كثير، حيث ذكره عن ابن جرير بإسناده. والقوس الكبداء: التي يملأ
الكفَّ مقبضُها. القاموس: (كبد).

سُورَةُ الأَنْفَّاِ
٦٦
الآية : ١٧
والمعنى - على ما قيل -: وما فعلتَ أنتَ يا محمدُ تلك الرميةَ المستتبِعةً لتلك
الآثارِ العظيمةِ حقيقةً حين فعلتَها صورةً، ولكنَّ الله تعالى فعلَها، أي: خَلَقَها حين
باشرتَها على أكملِ وجهٍ؛ حيث أوصَلَ بها الحَضْباء إلى أعينهم جميعاً .
واستُدلَّ بالآية على أنَّ أفعال العباد بخلقِهِ تعالى، وإنما لهم كسبُها ومباشرتُها
قال الإمام: أثبَتَ سبحانَه كونَه بَه رامياً، ونفى كونَه رامياً، فوجَبَ حملُه على أنه
عليه الصلاةُ والسلام رمى كسباً، والله تعالى رمى خَلْقاً(١).
وقال ابنُ المنير(٢): إن علامةَ المجازِ أنْ يصدُقَ نفيُه حيث يصدُقُ ثبوتُه،
ألا تراك تقولُ للبليد: حمار، ثم تقول: ليس بحمار؟ فلما أثبَتَ سبحانه الفعلَ
للخلق ونفاه عنهم دلَّ على أنَّ نفيَه على الحقيقةِ، وثبوتَه على المجاز بلا شبهة،
فالآية تكفَحُ - بل تلفَحُ - وجوه القَدَرية بالردِّ.
فإن قلت: إن أهل المعاني جعلوا ذلك من تنزيل الشيء منزلةً عدمِهِ، وفسَّروه
بـ : ما رميتَ حقيقةً إذ رميتَ صورةً، والرميُّ الصوريُّ موجود، والحقيقيُّ لم
یوجد، فلا تنزيل.
أُجيب: بأنَّ الصوريَّ مع وجود الحقيقيِّ كالعدم، وما هو إلا كنورِ الشمع مع
شعشعة الشمس، ولذا أتى بنفيه مطلقاً كإثباته، وما ذكروه بيانٌ لتصحيح المعنى في
نفس الأمر، وهو لا ينافي النكتةَ المبنيَّة على الظاهر، ولذا قال في ((شرح
المفتاح)): النفيُ والإثبات واردان على شيء واحد باعتبارين، فالمنفيُّ هو الرميُّ
باعتبار الحقيقة، كما أن المثبَتَ هو الرميُّ باعتبار الصورة.
والمشهور حملُ الرمي في حيِّز الاستدراك على الكامل، وهو الرميُّ المؤثِّرُ
ذلك التأثيرَ العظيم.
واعتُرض: بأنَّ المطلق ينصرف إلى الفرد الكامل؛ لتبادره منه، وأمَّا ما جرى
على خلافِ العادة، وخرج عن طَوْق البشر، فلا يَتَبادر حتى ينصرف إليه، بل ذلك
ليس من أفراده.
(١) تفسير الرازي ١٣٩/١٥.
(٢) في الانتصاف ١٤٩/٢ .

الآية : ١٧
٦٧
سُورَةُ الأَفَّاك
وأُجيب: بأنَّا لا ندَّعي إلا الفردَ الكامل من ذاك المطلق حَسْبما تقتضيه
القاعدةُ، وكونُ ذلك الفرد جارياً على خلافِ العادة، وخارجاً عن طَوْق البشر،
إنَّما جاء من خارج، ووصفُ الرمي بما ذُكر بيانٌ لكماله، ولا يستدعي ذلك أن
لا یکون من أفرادِ المطلق، ومن ادَّعاه فقد کابر.
واعتُرض على التفسير الأول بأنه مشعرٌ بتفسير ((رمى)) في حيِّز الاستدراك بـ: خَلَق
الرمي، وتفسير ((رميتَ)) في حيِّز النفي بـ : خلقتَ الرميّ، فحاصلُ المعنى حينئذٍ :
وما خلقتَ الرميّ إذ صدَرَ عنك صورةً، ولكنَّ الله سبحانه خلَقَه، ويلزم منه صحةُ أن يقال
مثلاً : ما قمتَ إذا قمتَ، ولكنَّ الله سبحانه قامَ، على معنى: ما خلقتَ القيامَ إذ صدر
عنك صورةً، ولكن الله تبارك وتعالى خلَقَه، ولا أظنُّك في مِرْية من عدم صحة ذلك.
وأُجيب بأن القياسَ يقتضي صحَّة ذلك، إلا أنَّ مدارَ الأمر على التوقيف.
واعتُرض على ما يستدعيه كلامُ ابنِ المنير من أنَّ المعنى: وما رميتَ حقيقةً إذ
رميتَ مجازاً، ولكنَّ الله تعالى رمى حقيقةً، بأنَّ نفيَ الرمي حقيقةً حين إثباتِهِ مجازاً
من أجلى البديهيات، فأيُّ فائدةٍ في الإخبار بذلك؟
قيل: ومثلُ ذلك يرِدُ على كلام الإمام؛ لأنَّ كسب العبدِ للفعل عندهم - على
المشهور - عبارةٌ عن مَحلِّيةِ العبد للفعل، من غيرِ تأثيرٍ لقدرته في إيجاده، ويؤولُ
ذلك إلى مباشرته له من غير خَلْق، فيكون المعنى: وما خلقتَ الرميَ إذ باشرتَ ولم
تخلق، وهو کما تری. وهو كما ترى.
وبالجملة كلامُ أكثرٍ أهل الحقِّ في تفسير الآية والاستدلالِ بها وكذا بالآية قبلَها
على مذهبهم، لا يخلو عن مناقشةٍ ما، ولعلَّ الجواب عنها متيسِّر لأهله.
وقال بعضُ المحققين: إنه أُثبتَ له وَلّ الرميُّ؛ لصدوره عنه عليه الصلاة
والسلام، ونُفيّ عنه؛ لأنَّ أَثَرَه ليس في طاقة البشر، ولذا عدَّ ذلك معجزةً، حتى
كأنه وَ له لا مدخَلَ له فيه، فمبنى الكلام على المبالغة، ولا يلزم منه عدمُ مطابقته
للواقع؛ لأن معناه الحقيقيَّ غيرُ مقصود، ولا يصحُّ أن تُخَرَّج الآيةُ على الخلقِ
والمباشرة؛ لأن جميعَ أفعال العباد بمباشرتهم وخلقِ الله تعالى، فلا يكونُ
للتخصيص بهذا الرمي معنى. وله وجهٌ، وإن قيل عليه ما قيل.

سُورَةُ الأَفَّاِ
٦٨
الآية : ١٧
وأنا أقول: إن للعبدِ قدرةً خلَقَها الله تعالى له مؤثِّرة بإذنه، فما شاء الله سبحانه
كان، وما لم يشأ لم يكن، لا أنَّه لا قدرةَ له أصلاً كما يقول الجَبْرية، ولا أنَّ له
قدرةً غيرَ مؤثِّرةٍ كما هو المشهور من مذهب الأشاعرة، ولا أنَّ له قدرةً مؤثِّرة بها
يفعلُ ما لا يشاءُ الله تعالى فِعْلَه كما يقول المعتزلةُ، وأدلةُ ذلك قد بُسِطت في
محلِّها، وألّفت فيها رسائل تُلْقِم المخالفَ حجراً، وليس إثباتُ صحةِ هذا القولِ،
وكذا القولِ المشهور عند الأشاعرة- عند من يراه- موقوفاً على الاستدلال بهذه
الآية، حتى إذا لم تَقُمِ الآية دليلاً یبقی المطلَبُ بلا دليل.
فإذا كان الأمرُ كذلك فأنا لا أرى بأساً في أن يكون الرميُّ المثبَتُ لهِوَّر هو
الرميُّ المخصوصُ الذي ترتَّب عليه ما ترتَّب مما أبهَرَ العقولَ وحَيَّر الألباب،
وإثباتُ ذلك له عليه الصلاة والسلام حقيقةً على معنى أنه فعَلَه بقدرةٍ أُعطيت له وَتِ،
مؤثّرةٍ بإذن الله تعالى، إلا أنه لمَّا كان ما ذُكر خارجاً عن العادة؛ إذ المعروفُ في
القُدَر الموهوبةِ للبشر أن لا تؤثِّر مثلَ هذا الأثر، نُفي ذلك عنه، وأُثبت لله سبحانه
مبالغة، كأنه قيل: إن ذلك الرميّ، وإن صدر منك حقيقةً بالقدرة المؤثِّرة بإذن الله
سبحانه، لكنه لعِظَم أمرِه، وعدم مشابهته لأفعال البشر، كأنه لم يصدُرْ منك، بل
صدَرَ من الله جلَّ شأنُه بلا واسطة. وكذا يجوز أن يكون المعنى: وما رميتَ
بالرُّعب إذ رميتَ بالحَصْباء، ولكنَّ الله تعالى رمى بالرُّعب. فالرميُّ المنفيُّ أولًا
والمثبَتُ أخيراً غيرُ المثبَتِ في الأثناء.
وعلى الوجهين يظهرُ بأدنى تأمُّلٍ وجهُ تَخالُفِ أسلوبي الآيتين؛ حيث لم يقل:
وما رميتَ ولكنَّ الله رمى؛ ليكون على أسلوب: ((فلم تقتلوهم ولكنَّ الله قتلهم))،
ولا: فلم تقتُلوهم إذ قتلتُموهم ولكن الله قتَلَهم؛ ليكون على أسلوب: ((وما رميتَ إذ
رميتَ ولكنَّ الله رمى)). ولا يظهر لي نكتةٌ في هذا التخالُفِ على الوجوه التي ذكرها
المعظَمُ، وكونُها الإشارةَ إلى أنَّ الرميّ لم يكن في تلك الوقعة كالقتلِ، بل كان في
حُنين دونه- على ما فيه - مخالفٌ لما صحَّ من أن كلا الأمرين كان في تلك الوقعة
كما علمتَ، فتأمَّل؛ فلمسلَكِ الذهنِ اتِّساع.
وقُرئ: ((ولكنِ اللهُه بالتخفيف، ورفعِ الاسم الجليل في المحلَّين(١).
(١) وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف. التيسير ص٧٥، والنشر ٢١٩/٢.

الآية : ١٨
٦٩
سُورَةُ الأَفَّارِك
﴿وَلِيُبْلَِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنًا﴾ أي: ليعطيَهم سبحانه من عنده إعطاءً جميلاً
غيرَ مشوبٍ بالشدائد والمكارِهِ، على أنَّ البلاءَ بمعنى العطاء، كما في قول زُهير:
جزى الله بالإحسانِ ما فَعَلا بكم فأبلاهُما خيرَ البلاءِ الذي يُبلي(١)
واختار بعضُهم تفسيرَه بالإبلاء في الحرب بدليل ما بعدَه، يقال: أبلى فلانٌ
بلاءً حسناً، أي: قاتَلَ قتالاً شديداً، وصبر صبراً عظيماً، سُمِّي به ذلك الفعلُ لأنه
ما يُخبر به المرءُ، فتظهَرُ جلادَتُه وحُسْن أثرِه.
واللامُ إِمَّا للتعليل متعلِّق بمحذوفٍ متأخِّر، فالواو اعتراضيةٌ، أي: وللإحسان
إليهم بالنصر والغنيمة فعَلَ ما فعل، لا لشيء آخر غيرِ ذلك ممَّا لا يُجديهم نفعاً،
وإما بـ ((رمى))، فالواو للعطفِ على علَّةٍ محذوفةٍ، أي: ولكنَّ الله رمى ليَمحق
الكافرين، وليُبلي، إلخ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ﴾ أي: لدعائهم واستغاثتهم، أو لكلِّ مسموع،
فيدخل فيه ما ذُكر. ﴿عَلِيمٌ ﴾ أي: بنيَّاتهم وأحوالهم الداعيةِ للإجابة، أو لكلِّ
معلومٍ، ويدخل فيه ما ذُكر أيضاً = تعليلٌ للحكم.
﴾ إشارة إلى البلاء الحَسَن، ومحلُّه الرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف.
وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوْمِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ معطوفٌ عليه، أي:
المقصِدُ إبلاءُ المؤمنين، وتوهينُ كيدِ الكافرين، وإبطالُ حِیَلھم.
وقيل: المشارُ إليه القتلُ أو الرمي، والمبتدأ الأمر، أي: الأمرُ ذلكم، أي:
القتلُ أو الرميُّ، فيكونُ قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ) إلخ من قَبِيل عطفِ البيان.
وقيل: المشار إليه الجميعُ بتأويلِ ما ذُكر.
وجوِّز جعلُ اسمِ الإشارة مبتدأً محذوفَ الخبر، وجعلُه منصوباً بفعل مقدَّر.
وقرأ ابنُ کثیر ونافع وأبو بكر: ((مُوَهِّنٌ)) بالتشدید ونصب ((کید»، وقرأ حفص
عن عاصم بالتخفيف والإضافة، وقرأ الباقون بالتخفيف والنَّصب(٢).
(١) البيت في ديوانه ص١٠٩، وفيه: يبلو، بدل يبلي.
(٢) وبمثل قراءة ابن كثير ومن معه قرأ أبو عمرو وأبو جعفر. التيسير ص١١٦، والنشر ٢٧٦/٢.

سُورَةُ الأَفَّالِكَ
٧٠
الآية : ١٩
﴿إِن تَسْتَفْئِحُوا﴾ خطابٌ للمشركين على سبيل التهكُّم؛ فقد رُوي أنهم حين
أرادوا الخروجَ تعلَّقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهمَّ انصُرْ أعلى الجُنْدين، وأهدَى
الفئتين، وأکرم الچِزْبین.
وفي روايةٍ أنَّ أبا جهل قال حين التقى الجمعان: اللهمَّ ربَّنا، ديتُنا القديمُ ودينُ
محمدٍ الحديثُ، فأيُّ الدِّينين كان أحبَّ إليك وأرضى عندَك فانصُرْ أهلَه اليوم.
والأولُ مرويٌّ عن الكلبيّ والسُّدي. والمعنى: إن تستنصروا لأعلى الجُنْدين
وأهداهما ﴿فَقَدْ جَءَكُمُ الْفَتْحٌ﴾ حيث نصَرَ أعلاهما وأهداهما، وقد زعمتُم
أنكم الأعلى والأهدى. فالتهكّم في المجيء، أو فقد جاءكم الهلاكُ والذِّلَّةُ،
فالتھگّم في نفس الفتح حيث وُضِع موضع ما يقابلُه.
﴿وَإِن تَنَهُواْ﴾ عن حِراب(١) الرسولِ عليه الصلاة والسلام ومعاداتِهِ ﴿فَهُوَ﴾
أي: الانتهاءُ ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من الحِراب الذي ذقتُم بسببه ما ذقتُم من القتل والأسر،
ومبنى اعتبارٍ أصل الخيرية في المفضَّل عليه هو التھكُم.
﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ أي: إلى حِرابه عليه الصلاة والسلام ﴿نَعُدْ﴾ لما شاهدتُموه من
الفتح.
﴿وَلَنْ تُغْنِىَ﴾ أي: لن تدفَعَ ﴿عَنكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ جماعتُكم التي تجمعونها وتستغيثون
بها ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء أو المضارِّ ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ تلك الفئةُ.
وقُرئ: ((ولن يُغني)) بالياء التحتانية (٢)؛ لأن تأنيثَ الفئة غيرُ حقيقيٍّ، وللفصل.
ونصب ((شيئاً)) على أنه مفعولٌ مطلقٌ، أو مفعولٌ به، وجملةُ ((ولو كثرت)) في
موضع الحال.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي: ولأنَّ الله تعالى معينُ المؤمنين كان ذلك، أو
والأمرُ أنَّ الله سبحانه معهم.
وقرأ الأكثر: ((وإنَّ) بالكسر على الاستئناف، قيل: وهي أوجَهُ من قراءة
(١) في الأصل: حرب.
(٢) نسبها ابن خالويه ص٤٩ إلى يحيى وإبراهيم، وهي غير منسوبة في البحر ٤٧٩/٤.

الآية : ٢٠
٧١
سُورَةُ الأَفَّاِ
الفتح(١)؛ لأنَّ الجملة حينئذٍ تذييلٌ، كأنه قيل: القصدُ إعلاءُ أمر المؤمنين، وتوهينُ
كيدِ الكافرين، وكيتَ وكيتَ، وإنَّ سنةَ الله تعالى جاريةٌ في نصر المؤمنين وخِذْلان
الكافرين، وهذا وإن أمكن إجراؤه على قراءة الفتح، لكنَّ قراءةَ الکسر نصّ فيه،
ويؤيِّدُها قراءةُ ابنِ مسعود: ((والله مع المؤمنين))(٢).
ورُوي عن عطاء وأبيٍّ بن كعب - وإليه ذهب أبو عليٍّ الجُبَّائي - أن الخطاب
للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصرُ، وإن تنتهوا عن التكاسُلِ والرغبةِ
عما يرغَبُ فيه الرسولُ وَّهِ، فهو خيرٌ لكم من كلِّ شيء؛ لما أنه مدارٌ لسعادةٍ الدارين،
وإن تعودوا إليه نَعُدْ عليكم بالإنكار وتهييج العدوِّ، ولن تُغني عنكم حينئذٍ كثرتُكم؛ إذ
لم يكن الله تعالى معكم بالنصر، والأمر أنَّ الله سبحانه مع الكاملين في الإيمان.
ويُفهِمُ كلامُ بعضهم أنَّ الخطاب في ((تستفتحوا)) و((جاءكم)) للمؤمنين،
وفيما بعدَه للمشركين، ولا يخفى أنه خلافُ الظاهرِ جدًّا.
وأُيِّد كونُ الخطاب في الجميعِ للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَوْ﴾ أي: تتولّوا، وقُرئ بتشديد التاء(٣). ﴿عَنْهُ﴾ أي: عن
الرسول، وأُعيد الضميرُ إليه عليه الصلاة والسلام لأن المقصود طاعتُه وَّهِ، وذكر
طاعة الله تعالى توطئةً لطاعته، وهي مستلزمةٌ لطاعةِ الله تعالى؛ لأنه مبلِّغ عنه، فكان
الراجعُ إليه كالراجعٍ إلى الله تعالى ورسوله(٤).
وقيل: الضميرُ للجهاد. وقيل: للأمر الذي دلَّ عليه الطاعةُ، والتولِّي مجازٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٥)﴾ جملةٌ حاليةٌ واردةٌ لتأكيد وجوبِ الانتهاء
عن التولِّي مطلقاً، لا لتقييدِ النهي عنه بحال السَّماع، أي: لا تتولّوا عنه والحالُ
أنكم تسمعونَ القرآن الناطقَ بوجوبٍ طاعته، والمواعظَ الزاجرةَ عن مخالفته سماعَ
تفُّم وإذعان.
(١) وقد قرأ بالفتح حفص ونافع وابن عامر وأبو جعفر. التيسير ص١١٦، والنشر ٢٧٦/٢.
(٢) البحر المحيط ٤٧٩/٤.
(٣) الكشاف ٢/ ١٥٠، وتفسير أبي السعود ١٥/٤.
(٤) حاشية الشهاب ٢٦٣/٤، وجاءت العبارة الأخيرة فيه: فكان الراجع إليه كالراجع إليهما .

سُورَةُ الأَنْفَّاِ
٧٢
الآية: ٢١، ٢٢، ٢٣
وقد يُراد بالسَّماع التصديق، وقد يبقى الكلامُ على ظاهره من غير ارتكاب
تجوُّزٍ أصلاً.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ تقريرٌ لما قبله، أي: لا تكونوا بمخالفةِ الأمر والنّهي
﴿كَلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ كالكَفَرَة والمنافقين الذين يدَّعون السماعَ ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
﴾ أي: سماعاً ينتفعون به؛ لأنهم لا يُصدِّقون ما سمعوه، ولا يفهمونَه حقَّ فهمِهِ.
والجملة في موضع الحال من ضمير ((قالوا))، والمنفيُّ سماعٌ خاصٌّ، لكنَّه أتى
به مطلقاً للإشارة إلى أنهم نُزِّلوا منزلةً مَنْ لم يسمَعْ أصلاً، بجعل سماعهم كالعَدَم.
﴿إِنَّ شَرَّ الذَّوَآتِ﴾ استئنافٌ مسوقٌ لبيان كمال سوء حال المشبّه بهم، مبالغةً في
التحذير، وتقريراً للنهي إثرَ تقرير.
و((الدوابُّ)) جمع دابة، والمرادُ بها إما المعنى اللغويُّ أو العرفيُّ، أي: إن شرَّ
مَنْ يَدِبُّ على الأرض، أو شرَّ البهائم ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي: في حكمه وقضائه ﴿أُلُّمُ﴾
الذين لا يسمعون الحقَّ ﴿الْبُّكْمُ﴾ الذين لا ينطقون به. والجمعُ على المعنى،
ووُصفوا بذلك؛ لأنَّ ما خُلق له الحاسَّتان: سماعُ الحقِّ والنطقُ به، وحيث لم
يُوجد فيهم شيء من ذلك صاروا كأنَّهم فاقدون لهما رأساً.
وتقديم (الصمّ)) على ((البكم)) لما أنَّ صمَمَهم متقدِّم على بَكَمِهم؛ فإنَّ السكوتَ
عن النطق بالحقِّ من فروع عدم سماعهم له، كما أن النطقَ به من فروعٍ سماعه.
وقيل: التقديمُ لأنَّ وصفَهم بالصمَمِ أهمُّ؛ نظراً إلى السابق واللاحق.
ثم وُصفوا بعدم التعقُّل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٣)﴾ تحقيقاً لكمال
سوء حالهم؛ فإنَّ الَأَصَّ الأبكم إذا كان له عقلٌ ربما يَفهم بعضَ الأمور، ويفهمُه
غيره، ويهتدي إلى بعض مطالبه، أما إذا كان فاقداً للعقل أيضاً فقد بلغ الغايةَ في الشَّرِّية
وسوءِ الحال، وبذلك يظهر كونُهم شرَّ الدوابِ حيث أَبطلوا ما به يمتازون عنها .
﴿وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ﴾ أي: في هؤلاء الصُّمِّ البكم ﴿نَبْرًا﴾ أي: شيئاً من جنس
الخير الذي من جملته صَرْفُ قواهم إلى تحرِّي الحقِّ، واتِّباع الهدى ﴿لَأَسْمَعَهُمّ﴾
سماعَ تدبُّرٍ وتفهُّم، ولَوَقَفوا على الحقِّ، وآمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام
وأطاعوه.

الآية : ٢٣
٧٣
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ سماعَ تفهُم وتدبُّر - وقد علم أن لا خيرَ فيهم - ﴿لَتَوَلَّواْ﴾ ولم
ينتفعوا به، وارتدُّوا بعد التصديق والقَبول ﴿وَّهُم مُعْرِضُونَ ﴾﴾؛ لعنادِهم.
والجملةُ حال مؤگِّدة مع اقترانها بالواو.
ومما ذُكر يُعلم الجوابُ عما قيل: إن الآية قياسٌ اقترانيٌّ من شرطيتين، ونتيجتُه
غيرُ صحيحةٍ؛ لما أنه أُشير فيه أولاً إلى منع القَصْد إلى القياس؛ لفقد الكلية
الكبرى، وثانياً إلى منع فساد النتيجة؛ إذ اللازمُ: لو علم الله تعالى فيهم خيراً في
وقتٍ لتولَّوا بعدَه، قاله بعضُ المحقّقين.
وفي ((المغني)) (١): والجوابُ من ثلاثة أوجه:
اثنان يرجعان إلى منع كونِ المذكور قياساً، وذلك لاختلاف الوسط؛ أحدُهما:
أن التقدير: لأَسمعهم سماعاً نافعاً، ولو أَسمعهم سماعاً غيرَ نافعٍ لتولَّوا.
والثاني: أن يُقدَّر: ولو أسمعهم على تقدير علمِهِ عدمَ الخير فيهم، كما أُشير
إليه .
والثالث إلى منع استحالةِ النتيجة بتقدير كونه قياساً متَّحِدَ الوسط؛ إذ التقديرُ:
ولو علم الله تعالى فيهم خيراً في وقتٍ ما لتولَّوا بعدَ ذلك.
ولا يخفى ضعفُ الجواب الأول؛ لأنه لا قرينةً على تقييد («لو أسمعهم)»
بالسماع الغيرِ النافع، ولأنه تحقَّق فيهم الإسماعُ الغيرُ النافع، إلا أن يُقَيَّدَ بالإسماع
بعد نزول هذه الآية، وكذا ضعفُ الثالث؛ لأن علمَه تعالى بالخير - ولو في
وقتٍ - لا يستلزم التولِّي بل عدَمَه.
وأما الجوابُ الثاني فهو قويٌّ؛ لأن الشرطيةَ الأُولى قرينةٌ على تقييد الإسماع
في الشرطية الثانية بتقدير علم عدم الخير فيهم.
وذكر بعضُهم في الجواب أن الشرطيتين مهمَلَتان، وكبرى الشكل الأول يجبُ
أن تكون كليةً، ولو سُلِّم فإنما يُنتِجان أي اللزومية لو كانتا لزوميَّتين، وهو ممنوعٌ،
ولو سلم فاستحالةُ النتيجة ممنوعةٌ، أي: لا نُسلِّم استحالةَ الحكم باللزوم بين
(١) مغني اللبيب ص٣٤٣-٣٤٤.

سُورَةُ الأَفَِّ
٧٤
الآية : ٢٣
المقدَّم والتالي، وإن كان الطرفان مُحالَين؛ لأنَّ عِلْمَ الله تعالى فيهم خيراً محال،
والمحالُ جاز أن يستلزمَ المحالَ، وإن لم يُوجَد بينهما علاقةٌ عقلية على ما هو
التحقيقُ من عدم اشتراط العلاقة في استلزام المُحال للمُحال.
واعتُرض على أصل السؤال: بأن لفظ ((لو)) لم يستعمل في فصيح الكلام في
القياس الاقترانيِّ، وإنما يُستعمل في القياس الاستثنائيِّ المستثنى فيه نقيضُ التالي؛
لأنها لامتناع الشيء لامتناع غيرِهِ، ولهذا لا يُصرَّح باستثناء نقيض التالي. وعلى
الجواب: بأَنَّ فيه تسليمَ كونِ ما ذُكِرَ قياساً، ومنع كونه منتجاً؛ لانتفاء شرائط
الإنتاج، وكيف يصحُّ اعتقادُ وقوعٍ قياسٍ في كلام الحكيم تعالى أُهملت فيه شرائط
الإنتاج، وإن لم يكن مرادُه تعالى قياسيَّتَه؟!
وذُكر أن الحقَّ أن قوله سبحانه: (وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا) واردٌ على قاعدة
اللغة، يعني أن سبَبَ عدمِ الإسماع عدمُ العلم بالخير فيهم، ثم ابتدأ قوله
تعالى: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوأ) كلاماً آخر على طريقة: ((لو لم يَخَفِ اللهَ تعالى لم
يَعْصِه))(١).
وحاصل ذلك أنه كلامٌ منقطعٌ عما قبلَه، والمقصودُ منه تقريرُ قولهم في جميع
الأزمنة، حيث اُّعي لزومُه لما هو منافٍ له؛ ليفيد ثبوتَه على تقدير الشرط وعدمه،
فمعنى الآية حينئذٍ: أنه انتفى الإسماعُ لانتفاء علمٍ الخير، وأنهم ثابتون على
التولِّي، ففي الشرطية الأُولى اللزومُ في نفس الأمر، وفي الثانية ادعائيٌّ، فلا يكون
على هيئة القياس.
وقال العلامة الثاني: يجوز أن يكون التولِّي منفيًّا بسبب انتفاء الإسماع، كما هو
مقتضى أصل ((لو))، لأنَّ التولّي بمعنى الإعراض عن الشيء، كما هو أصل معناه،
لا بمعنى مطلق التكذيب والإنكار، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقَّق
التولِّي والإعراضُ؛ لأن الإعراضَ عن الشيء فرعُ تَحقُّقه، ولم يلزم من هذا تحقّق
الانقياد له؛ لأنَّ الانقياد للشيء وعدمَ الانقيادِ له ليسا على طرفي النقيض، بل
العدولُ والتحصيلُ لجواز ارتفاعهما بعدم ذلك الشيء، وحاصلُه- كما قيل- أنه إذا
(١) انظر ما سلف قريباً ص٦١ من هذا الجزء.

الآية : ٢٣
٧٥
سُؤَدَّةُ الأَفَِّ
كان التولِّي بمعنى الإعراض يجوز أن يكون ((لو)) بمعناه المشهور، ويكون المقصود
الإخبار بأن انتفاءَ الثاني في الخارج لانتفاء الأول فيه، كالشرطية الأُولى، ولا ينتظم
منهما القياسُ؛ إذ ليس المقصودُ منهما بيانُ استلزام الأول للثاني في نفس الأمر
ليستدلّ، بل اعتبارُ السببية واللزوم بينهما ليُعلَم السببيةُ بين الانتفائين المعلومين في
الخارج، وما يقال من أن انتفاء التولِّي خير، وقد ذكر أن لا خير(١) فيهم، مجابٌ
عنه بأنَّا لا نُسلِّم بأن انتفاءَ التولِّ بسبب انتفاءِ الإسماع خيرٌ؛ لأنه يجوزُ أن يكون
ذلك بسبب عدم الأهلية للإسماع، وهو داءٌ عضالٌ، وشرٌّ عظيم، وإنما يكون خيراً
لو كانوا من أهله، بأن أُسمِعُوا شيئاً ثم انقادوا له ولم يُعرضوا، وهذا كما يقال:
لا خير في فلانٍ لو كان به قوةٌ لقَتَلَ المسلمين؛ فإن عدم قتل المسلمين بناءً على
عدم القوة والقدرةٍ ليس خيراً فيه، وإن كان خيراً له. اه. وردَّه الشريفُ قُدِّس سره
بما تعقّبه السيالكوتي عليه الرحمة.
نعم، قال مولانا محمد أمين بن صدر الدين(٢): إن حملَ التولِّي هاهنا على
معنى الإعراض غيرُ ممكنٍ؛ لمكان قوله سبحانه: (وَّهُم مُعْرِضُونَ) وأوجَبَ أن
يُحمل إما على لازم معناه: وهو عدمُ الانتفاع؛ لأنه يلزمُ الإعراضَ، أو على
ملزومِهِ: وهو الارتدادُ؛ لأنه يلزمُه الإعراضُ، فليُفهم.
وعن الجُبَّائيّ أنهم كانوا يقولون لرسول الله وَّهِ: أَخْي لنا قُصِيًّا؛ فإنه كان
شيخاً مباركاً، حتى يشهَدَ لك ونؤمن بك، فالمعنى: ولو أسمعهم كلامَ قصيٍّ، إلخ.
وقيل: هم بنو عبدِ الدار بن قُصَيٍّ، لم يُسلم منهم إلا مصعب بنُ عُمَير
وسُوَيد بن حَرْملة، كانوا يقولون: نحن صٌّ بكمٌ عميٌ عمَّا جاء به محمد، لا نسمعه
ولا نجيبُه، قاتَلَهم الله تعالى، فقُتلوا جميعاً بأحد، وكانوا أصحابَ اللواء.
وعن ابن جُرَيج أنهم المنافقون، وعن الحَسَن أنهم أهلُ الكتاب.
(١) قوله: وقد ذكر أن لا خير، سقط من الأصل، والمثبت من (م).
(٢) الشرواني، نسبة إلى شروان من نواحي بخارى، أقام مدة في الآستانة، عالم مشارك في
أنواع العلوم، من مصنفاته: حاشية على تفسير البيضاوي، لم تكمل، والفوائد الخاقانية،
تشتمل على ثلاثة وخمسين علماً. توفي ١٠٣٦ هـ. الأعلام للزركلي ٤١/٦، ومعجم
المؤلفين ١٤٢/٣.

ـرةُ الأَفَّالِكَ
٧٦
الآية : ٢٤
والجملةُ الاسمية في موضع الحال من ضمير ((تولَّوا))، وجُوِّز أن تكون اعتراضاً
تذييليًّا، أي: وهم قومٌ عادتُهم الإعراض.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ تكريرُ النداء مع وَصْفِهم بنعت الإيمان؛ لتنشيطهم إلى
الإقبال على الامتثال بما يَرِدُ بعده من الأوامر، وتنبيههم على أنَّ فيهم ما يوجبُ
ذلك.
﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ بحُسْنِ الطاعة ﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ أي: الرسول؛ إذ هو
المباشِرُ لدعوة الله تعالى مع ما أشرنا إليه آنفاً. ﴿لِمَا يُِيكُمْ﴾ أي: لما يُؤْرِثُكم
الحياة الأبدية في النعيم الدائم، من العقائد والأعمال، أو من الجهاد الذي
أعزَّكم الله تعالى به بعدَ الذلِّ، وقوَّاكم به بعد الضعف، ومنعكم به من عدوّكم بعد
القَهْر، كما رُوي عن عروة بن الزُّبير.
وإطلاق ما ذُكر على العقائد والأعمال، وكذا على الجهاد، إما استعارةٌ، أو
مجازٌ مرسلٌ بإطلاق السبب على المسبّب.
وقال القُتبيُّ: المراد به الشهادةُ، وهو مجازٌ أيضاً. وقال قتادة: القرآن. وقال
أبو مسلم: الجنة.
وقال غيرُ واحد: هو العلومُ الدينية التي هي مناطُ الحياة الأبدية، كما أنَّ
الجهل مدارُ الموت الحقيقيّ، وهو استعارةٌ مشهورةٌ ذكرها الأدباء وعلماءُ المعاني،
وللزمخشريِّ:
لا تُعْجِبِنَّ الجهولَ حُلَّتُه
فذاك ميتٌ وثوبُه كفن(١)
واستدلَّ بالآية على وجوب إجابته وَلّ إذا نادى أحداً وهو في الصلاة، وعن
الشافعيِّ أنَّ ذلك لا يُبطلها؛ لأنها أيضاً إجابةٌ. وحكى الرويانيُّ أنها لا تجبُ،
وتَبْطُلُ الصلاةُ بها. وقيل: إنه يقطعُ الصلاةَ إذا كان الدعاءُ لأمرٍ يَفُوتُ بالتأخير،
كما إذا رأى أعمى وصل إلى بئرٍ، ولو لم يحذِّره لهلك.
وأيِّد القولُ بالوجوب بما أخرجه الترمذيُّ والنسائيُّ عن أبي هريرة، أنه تَِّ مرَّ
(١) الكشاف ١٥٢/٢. قال الشهاب في الحاشية ٢٦٤/٤: البيت المذكور للزمخشري من قصيدة
مدح بها المؤتمن بالله الخليفة.

الآية : ٢٤
٧٧
سُوَدَّةُ الأَنْفَّاِ
على أبيّ بنِ كعب وهو يصلِّي، فدعاه، فعجَّل في صلاته ثم جاء، فقال:
((ما منعك من إجابتي؟)) قال: كنت أصلِّي. قال: ((ألم تخْبَرْ فيما أوحي:
(أُسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ)؟)) قال: بلى، ولا أعودُ إن شاء الله
تعالى. ثم إنه وَ﴿ قال له: ((لأعلمنَّكَ سورةً أعظمَ سورةٍ في القرآن: ((الحمد لله
رب العالمين)) وهي السبع المثاني))(١). وأنت تعلم أنه لا دلالةً فيه على أنَّ
إجابته ◌َ له لا تقطع الصلاة.
وقال بعضهم: إنَّ ذلك الدعاء كان لأمرٍ مهمٌّ لا يحتملُ التأخير، وللمصلِّي أنْ
يقطع الصلاة لمِثْلِه. وفيه نظر.
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلِهِ.﴾ عطفٌ على ((استجيبوا)).
وأصلُ الحول كما قال الراغب: تغيُّر الشيء وانفصالُه عن غيره، وباعتبارِ التغيُّرِ
قيل: حالَ الشيءُ يَحُولُ، وباعتبارِ الانفصال قيل: حالَ بينهما كذا(٢).
وهذا غير متصوَّرٍ في حقِّ الله تعالى، فهو مجازٌ عن غايةِ القُرْبِ من العبد؛ لأنَّ
مَن فَصَلَ بين شيئين كان أقربَ إلى كلٌّ منهما من الآخر؛ لاتصاله بهما، وانفصالٍ
أحدهما عن الآخر.
وظاهرُ كلام كثيرٍ أنَّ الكلام من باب الاستعارة التمثيلية، ويجوزُ أن يكون هناك
استعارةٌ تبعية، فمعنى يَحُول: يقرب، ولا بُعْدَ في أنْ يكون من باب المجاز المرسل
المركَّب؛ لاستعماله في لازم معناه وهو القُرْبُ، بل ادُّعيّ أنه الأنسبُ، وإرادة هذا
المعنى هو المرويُّ عن الحسن وقتادة، فالآيةُ نظيرُ قوله سبحانه: ﴿وَغَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
(١) سنن الترمذي (٢٨٧٥)، وسنن النسائي الكبرى (١١١٤١)، وهو عند أحمد (٩٣٤٥). قال
الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أنس، وفيه عن أبي سعيد بن
المعلى. اهـ.
وأخرج البخاري (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد،
فدعاني رسول الله وَطيه ... ، وذكره بنحو حديث أبي هريرة. قال الحافظ في الفتح ٨/ ١٥٧ :
وجمع البيهقي بأن القصة وقعت لأبي بن كعب ولأبي سعيد بن المعلى، ويتعين المصير إلى
ذلك لاختلاف مخرج الحديثين، واختلاف سياقهما.
(٢) مفردات الراغب: (حول).

سُورَةُ الأَفَِّ
٧٨
الآية : ٢٤
حَبّلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وفيها تنبيهٌ على أنه تعالى مطّلعٌ من مكنونات القلوب على
ما قد يغفلُ عنه أصحابُها .
وجوِّز أن يكون المرادُ من ذلك الحثّ على المبادرة إلى إخلاص القلوب
وتصفيتها، فمعنى يحول بينه وبين قلبه: يميتُه، فتفوتُه الفرصةُ التي هو واجدُها،
وهي التمكُّنُ من إخلاص القلب، ومعالجة أدوائه وعلله، وردِّه سليماً كما يريدُه الله
تعالى، فكأنه سبحانه بعد أن أمرهم بإجابة الرسول عليه الصلاة والسلام أشار لهم
إلى اغتنام الفرصة من إخلاص القلوب للطاعة، وشبَّه الموت بالحيلولة بين المرء
وقلبه الذي به يعقلُ، في عدم التمكّن من علم ما ينفعُه عِلْمُه، وإلى هذا ذهب
الجبائي.
وقال غير واحد: إنه استعارةٌ تمثيلية؛ لتمكّنه تعالى من قلوب العباد، فيصرِّفُها
كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها، فيفسخ عزائمه، ويغيِّرُ مقاصده، ويلهمُه رُشْدَه،
ويُزيغُ عن الصراط السويِّ قلبَه، ويبدِّله بالأمن خوفاً، وبالذِّكر نسياناً، وذلك كمَن
حال بين شخصٍ ومتاعه(١)، فإنه القادر على التصرُّف فيه دونه، وهذا كما في حديث
شهر بن حوشب عن أم سلمةً، وقد سألتْ رسول الله وَل و عن إكثاره الدعاء بـ:
((يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك)) فقال لها: ((يا أم سلمة، إنه ليس آدميّ
إلا وقلبُهُ بين أصبعين من أصابع الله تعالى، فَمَن شاء أقام، ومَن شاء أزاغ))(٢).
ويؤيِّد هذا التفسيرَ ما أخرجه ابنُ مردويه عن ابن عباس ◌ًِّا قال: سألتُ
النبيَّ وَّر عن هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: ((يحول بين المؤمن والكفر،
ويحولُ بين الكافر والهدى)»(٣). ولعل ذلك منه عليه الصلاة والسلام اقتصارٌ على
الأمرين اللذين هما أعظمُ مدارٍ للسعادة والشقاوة، وإلا فهذا فرع من فروع التمكُّن
الذي أشرنا إليه، ولا يختصُّ أمرُه بما ذكر، وقد حال سبحانه بين العدلية وبين
اعتقاد هذا، فعدلوا عن سواء السبيل.
(١) في الأصل: وبين متاعه، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٢٦٥/٤.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٧٦)، والترمذي (٣٥٢٢)، وقال: حديث حسن. اهـ. وله شاهد من
جّ أخرجه أحمد (٦٥٦٩)، ومسلم (٢٦٥٤).
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص
(٣) الدر المنثور ١١٦/٣، وأخرجه الطبري ١٠٨/١١ عن ابن عباس ﴿جا موقوفاً.

الآية : ٢٤
٧٩
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
وبيَّن بعضُ الأفاضل رَبْطَ الآيات على ذلك بأنه تعالى لمَّا نصَّ بقوله عزَّ من
قائل: (وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ) إلخ، على أنَّ الإسماع لا ينفعُ فيهم تسجيلاً
على أولئك الصمِّ البكم، منَّ على المؤمنين بما منحهم من الإيمان، ويسَّر لهم من
الطاعة، كأنه قيل: إنكم لستُم مثلَ أولئك المطبوعين على قلوبهم؛ فإنهم إنما امتنعوا
عن الطاعة لأنهم ما خُلقوا إلا للكفر، فما تيسّر لهم الاستجابةُ، وكلٌّ ميسَّرٌ لِمَا
خُلِقَ له، فأنتم لما منحتم الإيمان، ووفِّقتُم للطاعة، فاستجيبوا لله وللرسول إذا
دعاكم لِمَا فيه حياتُكم من مجاهدة الكفار، وطلبٍ الحياة الأبدية، واغتنموا تلك
الفرصةَ، واعلموا أنَّ الله تعالى قد يحول بين المرء وقلبه؛ بأن يحول بينه وبين
الإيمان، وبينه وبين الطاعة، ثم يجازيه في الآخرة بالنار. وتلخيصُه: أوليتُكم
النعمةَ فاشكروها ولا تكفروها؛ لئلا أزيلها عنكم. اهـ.
ولا يخفى ما فيه من التكلُّف.
وقيل: إنَّ القوم لمَّا دُعوا إلى القتال والجهاد، وكانوا في غاية الضعف والقلَّة،
خافت قلوبهم، وضاقت صدورهم، فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله تعالى إذا
دُعيتم، واعلموا أنَّ الله يحولُ بين المرء وقلبه، فيبدِّلُ الأمنَ خوفاً، والجبنَ جرأةً.
وقرئ: ((بين المَرِّ)) بتشديد الراء على حذف الهمزة، ونَقْلٍ حركتها إليها،
وإجراءِ الوصل مجرى الوقف(١).
لا إلى غيره،
﴿وَأَنَّهُ,﴾ أي: الله عزَّ وجل، أو الشأن ﴿إِلَيْهِ تُخْتَرُونَ
فيجازيكم بحسب مراتب أعمالكم التي لم يَخْفَ عليه شيءٌ منها، فسارعوا إلى
طاعته وطاعة رسوله ◌َّه، وبالغوا في الاستجابة.
وقيل: المعنى: أنه تحشرون إليه تعالى دون غيره فيجازيكم، فلا تألوا جهداً
في انتهاز الفرصة.
أو المعنى: أنه المتصرِّفُ في قلوبكم في الدنيا، ولا مَهْربَ لكم عنه في
الآخرة، فسلِّموا الأمرَ إليه عزَّ شأنه، ولا تحدِّثوا أنفسَكم بمخالفته.
(١) المحتسب ٢٧٦/١ عن الحسن والزهري.

سُورَةُ الأَفَّاِ
٨٠
الآية : ٢٥
وزعم بعضهم أنه سبحانه لمَّا أشار في صدر الآية إلى أنَّ السعيد مَن أسعده،
والشقيَّ من أضلَّه، وأن القلوب بيده يقلبها كيفما يشاء، ويخلقُ فيها الدواعيّ
والعقائد حَسْبَما يريد، خَتَمها بما يفيد أنَّ الحشر إليه؛ ليُعْلم أنه مع كون العباد
مجبورين، خُلِقوا مُثابِينَ معاقَبين إما للجنة وإما للنار، لا يُتْرَكون مُهْمَلينَ معطّلين.
وأنت تعلم أنَّ الآية لا دلالةَ فيها على الجبر بالمعنى المشهور، وليس فيها - عند
مَن أنصف - بعد التأمُّل أكثر من انتهاء الأمور بالآخرة إليه عزَّ شأنُه.
﴿وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَآَمَةٌ﴾ أي: لا تختصُّ إصابتها لمن
يباشِرُ الظلم منكم بل تعمُّه وغيرَه، والمرادُ بالفتنة الذنبُ، وفسِّر بنحو إقرار المنكر،
والمداهنةِ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتراقِ الكلمة، وظهورِ البدع،
والتكاسُلِ في الجهاد، حَسْبما يقتضيه المعنى، والمصيبُ على هذا هو الأثر،
كالشآمة والوبال، وحينئذٍ إما أن يُقدَّر، أو يُتجوَّزَ في إصابته، وجوِّز أن يراد به
العذاب، فلا حاجةَ إلى التقدير أو التجوُّز فيما ذكر؛ لأنَّ إصابته بنفسه، وكذا
لا حاجة إلى ارتكاب تقديرٍ في جانب الأمر، ولا التزامِ استخدام (١).
و ((لا)) نافية، والجملةُ المنفيةُ قيل: جواب الأمر، على معنى: إنْ أصابتكم
لا تصيبُ الظالمين منكم(٢).
واعتُرض بأنَّ جواب الأمر إنما يقدَّر فعلُه من جنس الأمر المظهَر لا من جنس
الجواب، ولو قدِّر ذلك وفاءً بالقاعدة فَسَدَ المعنى؛ إذ يكون: إن تَّقوا الفتنة تعمّكم
إصابتها، ولا تختصّ بالظالمین منکم، وهو كما ترى.
وأجيب بأن أصل الكلام: واتَّقوا فتنةً لا تصيبنَّكم، فإنْ أصابتكم لا تصيبنَّ
الذين ظلموا منكم خاصةً بل عمَّتكم، فأقيم جوابُ الشرط الثاني مقام جواب
الشرط المقدَّر في جواب الأمر، لتسبُّبه منه، وسمِّ جوابَ الأمر لأنَّ المعاملة معه
لفظاً .
(١) الاستخدام: أن يؤتى بلفظ له معنيان أو أكثر مراداً أحد معانيه، ثم يؤتى بضميره مراداً به
المعنى الآخر. الإتقان ٢/ ٩٠١.
(٢) أي: لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم. الكشاف ٢/ ١٥٢، وتفسير البيضاوي مع
حاشية الشهاب ٤ / ٦٦ .