النص المفهرس
صفحات 21-40
الآية : ٢ ٢١ سُورَةُ الْأَفَّالِ وقُرئ: ((وَجَلت)) بفتح الجيم (١)، ومضارعه يَجِلُ، وأما وَجِلَ بالكسر فمضارعه يَوْجَلُ، وجاء بِنْجَلُ وياجَلُ، وهي لغاتٌ أربع حكاها سيبويه(٢). وقرأ عبد الله: ((فَرِقَت))(٣)، أي: خافت. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَنْتُهُ﴾ أي: القرآن كما رُوي عن ابن عباس. ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: تصديقاً كما هو المتبادر؛ فإنَّ تظاهُرَ الأدلةِ، وتعاضُدَ الحُجج، مما لا ريب فيه في كونه موجباً لذلك. وهذا أحدُ أدلة مَنْ ذهب إلى أن الإيمانَ يقبلُ الزيادة والنَّقص، وهو مذهب الجمِّ الغفير من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، وبه أقول؛ لكثرة الظواهر الدالّة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارِضٍ لها عقلاً. بل قد احتجَّ عليه بعضُهم بالعقل أيضاً؛ وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقةُ الإيمان لكان إيمانُ آحادِ الأمة، بل المنهمكين بالفسق والمعاصي، مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، واللازمُ باطلٌ، فكذا الملزومُ. وقال محيي الدين النوويُّ في معرض بيان ذلك: إنَّ كلَّ أحدٍ يعلم أنَّ ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظمَ إخلاصاً ويقيناً منه في بعضها، فكذلك التصديقُ والمعرفة بحسب ظهورِ البراهين وكثرتها . وأجابوا عما اعتُرض به عليه - من أنه متى قَبِل ذلك كان شكًا، وهو خروجٌ عن حقيقته - بأنَّ مراتبَ اليقين متفاوتةٌ إلى علم اليقين، وحقِّ اليقين، وعينِ اليقين، مع أنه لا شكَّ معها . وذهب الإمامُ أبو حنيفة ◌َُه وكثيرٌ من المتكلمين إلى أن الإيمانَ لا يزيدُ ولا ينقص - واختاره إمام الحرمين (٤) - محتجِّين بأنه اسمٌ للتصديق البالغ حدَّ الجزم (١) القراءات الشاذة ص ٤٨، والبحر ٤ / ٤٥٧ . (٢) الكتاب ١١١/٤- ١١٢، وليس فيه وَجَل يَجِلُ، وقد حكاها السمين ٥٥٧/٥. (٣) البحر المحيط ٤ / ٤٥٧ . (٤) في الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد ص ٣٣٥. سُورَةُ الأَفَّاِ ٢٢ الآية : ٢ والإذعان، وذلك لا يُتصوَّر فيه زيادةٌ ولا نقصان، فالمصدِّق إذا أتى بالطاعات(١) وارتكب المعاصي فتصديقُه بحاله لم يتغيَّر أصلاً، وإنما يتفاوتُ إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلةً وكثرةً، على ما ذهب إليه القلانسيُّ وجماعةٌ من السلف. وبما رواه الفقيه أبو الليث السَّمر قنديُّ في ((تفسيره))(٢) عن محمد بن الفضل وأبي القاسم السَّاباذي(٣)، عن فارس بن مَرْدويه، عن محمد بن الفضل بن العابد، عن يحيى بن عيسى، عن أبي مُطِيع، عن حمّاد بن سلمة، عن أبي المُهزِّم، عن أبي هريرة ◌َبه قال: جاء وفدُ ثَقِيف إلى رسول اللهِ وَّهِ، فقالوا: يا رسول الله، الإيمانُ يزيدُ وينقصُ؟ فقال: ((لا، الإيمان مكمّلٌ في القلب، زيادتُه ونقصانُه كفر)). وأجابوا عما تمسّك به الأولون من الآيات والأحاديث بأنَّ الزيادة بحسَب الدوام والثبات، وكثرة الزمان والساعات، وإيضاحُه ما قاله إمامُ الحرمين(٤): إن النبيَّ وَّرِ يفضُلُ مَنْ عداه باستمرار تصديقه، وعصمةِ الله تعالى إياه من مخامرة الشُّكوك، والتصديقُ عَرَضٌ لا يبقى بشخصه زمانين، بل بتجدُّدِ(٥) أمثالِهِ، فتقع للنبي ◌َ﴿ دون غيره متواليةً، فيثبُتُ له وَّهِ أعدادٌ من الإيمان لا يثبُتُ لغيره إلا بعضُها، فيكون إيمانُه أكثر. واعتُرض هذا بأن حصولَ المِثْل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادةً فيه، ودُفع بأن المراد زيادة أعدادٍ حصلَتْ، وعدمُ البقاء لا ينافي ذلك. وأجابوا أيضاً بأن المراد الزيادةُ بحسَب زيادةٍ ما يؤمنُ به، والصحابةُ ﴿ه كانوا آمنوا في الجملة، وكانت الشريعةُ غير تامَّة، والأحكامُ تتنزّل شيئاً فشيئاً، فكانوا (١) في الأصل: بالطاعة. (٢) المسمى: بحر العلوم، والكلام فيه ٢/ ٩٩. (٣) كذا في الأصل و(م)، وفي تفسير أبي الليث: الشنابازي، ولعل الصواب: السناباذي، نسبة إلى سناباذ، ومن قرى بلخ أيضاً قرية تدعى شناباذ. ينظر معجم البلدان ٢٥٩/٣ و٣٦٦، واللباب في تهذيب الأنساب ٤٢/٣. وأيًّا كان فهو مجهول كما سيرد. (٤) في الإرشاد ص٣٣٦. (٥) في الأصل: يتجدد. الآية : ٢ ٢٣ سُورَةُ الأَفَِّ يؤمنون بكلِّ ما يتجدَّد منها، ولا شكَّ في تفاوت إيمان الناس بملاحظةِ التفاصيل كثرةً وقلةً، ولا يختصُّ ذلك بعصر النبوة؛ لإمكان الاطّلاع عليها في غيره من العصور. وبأنَّ المراد زيادةُ ثمرته، وإشراقُ نوره في القلب؛ فإنَّ نوره يزيد بالطاعات، وينقُصُ بالمعاصي. ولا يخفى أن الحَجَّة الأولى يُعلم جوابُها مما ذكرناه أولاً، وأما الحجّة الثانية التي ذكرها أبو الليث فممَّا لا يُعوَّل عليها عند الحفاظ أصلاً؛ لأن رجال السند إلى أبي مطيع كلّهم مجهولون لا يُعرفون في شيء من كتب التواريخ المشهورة، وأما أبو مطيع وهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخيُّ، فقد ضغَّفه أحمد بنُ حنبل، ويحيى بنُ معين، وعَمْرو بن علي الفلَّاس، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، و[أبو](١) حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حِبان البُسْتي، والعُقَيلي، وابن عَدِي، والدارقطني، وغيرهم. وأما أبو المهزِّم - وقد تصحّف على الكتاب(٢)، واسمه یزید بنُ سفيان - فقد ضعَّفه أيضاً غيرُ واحدٍ، وتركه شعبة بن الحجّاج، وقال النسائيُّ: متروك، وقد اتهمه شعبةُ بالوضع حيث قال: لو أعطوه فِلْسين لحدَّثهم سبعين حديثاً (٣). ومَنْ مارس الأحاديث النبوية لا يشكُّ في أن ذلك اللفظ ليس منها في شيء، وما ذكره إمامُ الحرمين - على ما فيه - مبنيٌّ على تجدُّد الأعراض وعدمٍ بقائها زمانين، والمسألةُ خلافية، ودون إثبات ذلك خَرْطُ القَتاد. وما أجابوا به أولاً من أن زيادةَ الإيمان بحسَب زيادة المؤمن به - مع كونه خلافَ الظاهر، ولا داعي إليه عند المنصف - لا يكاد يتأتَّى من قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: (١) مابين حاصرتين من شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٨٠، والكلام منه، وقد نقله مصنفه ابن أبي العز عن شيخه ابن كثير رحمه الله. (٢) وقع اسمه في مخطوط تفسير أبي الليث: المحرم، وفي شرح العقيدة الطحاوية: المحزم. (٣) شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٤٨٠، وقد حكم بوضع الخبر أيضاً ابن حبان والحاكم والجوزقاني والذهبي. ينظر المجروحين ١٠٣/٢، والميزان ٤٢/٣، واللآلي المصنوعة ٤١/١. سُورَةُ الأَفَِّ ٢٤ الآية : ٢ ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَّا مَعَ إِيَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]؛ إذ ليس هناك زيادةُ مشروع يحصُّلُ الإيمان به ليقال: إنَّ زيادةَ الإيمان بحسَب زيادة المؤمن به، وحالُ الجواب الثاني لا يخفى عليك. وذهب جماعةٌ منهم الإمام الرازيُّ وإمام الحرمين في قولٍ إلى أن الخلافَ في زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما لفظيٌّ، وهو فرعُ تفسير الإيمان؛ فمن فسَّره بالتصديق قال: إنه لا يزيدُ ولا ينقص، ومن فسَّره بالأعمال مع التصديق قال: إنه يزيدُ وينقص، وعلى هذا قولُ البخاريِّ: لقيتُ أكثرَ من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيتَ أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قولٌ وعمل، ويزيدُ وينقص(١). وهو المعنيُّ بما روي عن ابن عمر رضيًّا قال: قلنا: يا رسول الله، إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: ((نعم، يزيد حتى يدخل صاحبه الجنةَ، وينقص حتى يدخل صاحبه النار))(٢). واعترض على هذا بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات(٣) داخلةً في مسمَّاه أولى وأحقُّ من عدم قبوله ذلك إذا كان مسمَّاه التصديق وحده، أما أولاً: فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة، ولا إيمان دونه ليكون نقصاً، أما ثانياً: فلأن أحداً لا يستكمل الإيمان حينئذ، والزيادة على ما لم يكمل بعدُ محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجَّه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الإيمان بانتفاء شيء من الأعمال، ونحن إنما نقول: إنها شرط كمال فيه، واللازم عند الانتفاء انتفاءُ الكمال، وهو غير قادح في أصل الإيمان. والحق أن الخلاف حقيقيٌّ، وأن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه، فما المانع من تفاوته قوةً وضعفاً كما في التصديق بطلوع الشمس، والتصديق (١) ذكره بهذا اللفظ ابن حجر في الفتح ٤٧/١، وعزاه لللالكائي، وهو في شرح أصول الاعتقاد (١٥٩٧) دون قوله: ويزيد وينقص. (٢) نسبه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف ص٣٤ إلى الثعلبي. (٣) في الأصل: الطاعة، والمثبت من (م). الآية : ٣، ٤ ٢٥ سُؤَدَّةُ الْأَنفَّاِ بحدوث العالم، وقلةً وكثرةً كما في التصديق الإجماليِّ، والتصديق التفصيليِّ المتعلق بالكثير، وما عليَّ إذا خالفتُ في بعض المسائل مذهبَ الإمام الأعظم أبي حنيفة رُه للأدلة التي لا تكاد تحصى، فالحقُّ أحقُّ بالاتباع، والتقليدُ في مثل هذه المسائل من سنن العوام. نعم أخرج ابنُ جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه فسَّر الإيمان في هذه الآية بالخشية(١)، وعبر عنها بذلك بناءً على أنها من آثاره، وهو خلافُ الظاهر أيضاً، وكأنَّ المعنى عليه: إن المؤمنين الكاملين هم الذين إذا ذُكر الله، من غير أن يُذكر هناك ما يوجب الفزعَ من صفاته وأفعاله، وَجِلَت قلوبُهم، وإذا تُليت عليهم آياتُه المتضمنة لذلك زادتهم وجلاً على وَجَل. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ ﴾﴾ أي: يفوِّضون أمورهم كلَّها إلى مالكهم ومدبِّرهم خاصةً، لا إلى أحد سواه؛ كما يدلُّ عليه تقديمُ المتعلّق على عامله. والجملة معطوفةٌ على الصلة، وجوَّز أبو البقاء(٢) كونَها حالاً من ضمير المفعول، وكونَها استئنافيةً. وقولُه سبحانه وتعالى: ﴿اَلَّيْنَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمِمَا رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ مرفوع على أنه نعتٌ للموصول الأول، أو بدلٌ منه، أو بيانٌ له، أو منصوبٌ على القطع المنبئ عن المدح، وقد مدَحَهم سبحانه وتعالى أولاً بمكارم الأعمال القلبية من الخشية والإخلاص والتوكل، وهذا مدحٌ لهم بمحاسن الأعمال القالبية من الصلاة والصدقة. ﴿أُوْلَكَ﴾ أي: المتصفون بما ذُكر من الصفات الحميدة من حيثُ إنَّهم كذلك ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنهم حقَّقوا إيمانَهم بما ضمُّوا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال. وأخرج الطبرانيُّ عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مرَّ برسول الله وَّته، فقال له: ((كيف أصبحتَ يا حارث؟)) قال: أصبحتُ مؤمناً حقًّا. فقال وَّهِ(«انظُرْ ما تقولُ؛ (١) تفسير الطبري ٢٩/١١- ٣٠، وتفسير ابن أبي حاتم (٨٧٨١). (٢) إملاء ما من به الرحمن ٣/ ٩٢. الآية : ٤ ٢٦ سُورَةُ الأَفَِّّ فإنَّ لكلِّ شيء حقيقةً، فما حقيقةُ إيمانِكَ؟)) فقال: عزفَتْ نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأني أنظُرُ إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظرُ إلى أهل النار يتصارخون فيها. قال عليه الصلاة والسلام: ((يا حارث، عرفتَ فالزَمْ)). ثلاثاً (١). ونُصب ((حقًّا)) على أنه صفةٌ مصدرٍ محذوفٍ، فالعاملُ فيه ((المؤمنون))، أي: إيماناً حقًّا، أو هو مؤكِّد لمضمون الجملة، فالعامل فيه حقٌّ مقدَّر. وقيل: إنه يجوز أن يكون مؤكّداً لمضمون الجملة التي بعده، فهو ابتداءُ كلام، وهو مع أنه خلافُ الظاهر إنما يتّجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكّد لمضمون الجملة عليها، والظاهر منعُه كالتأكيد. واستدلَّ بعضُهم بالآية على أنه لا يجوز أن يصف أحدٌ نفسَه بكونه مؤمناً حقًّا؛ لأنه سبحانه وتعالى إنما وصَفَ بذلك أقواماً على أوصافٍ مخصوصةٍ، وكلُّ أحدٍ لا يتحقَّقُ وجود تلك الأوصاف فيه، بل يلزمُه أن يقول: أنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى. وقرَّر بعضُهم وجهَ الاستدلال بما يُشير إليه ما رُوي عن الثوري أنه قال: مَنْ زعم أنه مؤمنٌ بالله تعالى حقًّا، ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة، فقد آمَنَ بنصف الآية، ولم يؤمن بالنصف الآخر. وهذا ظاهرٌ في أن مذهبَه الاستثناء، وهو كما قال الإمام مذهبُ ابن مسعود، وتبِعَه جمعٌ عظيم من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعيُّ، ونُسب إلى مالك وأحمد، ومنعه الإمام الأعظم برضه، ورُوي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ قال: اتِّباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَلَّذِىّ أَْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، فقال له: هلا اقتديتَ به في قوله: ﴿بَ﴾ حين قيل له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فانقطع قتادة. قال الرازيُّ: كان لقتادة أن يُجيب أبا حنيفة عليهما الرحمة ويقول: قولُ إبراهيم عليه (١) المعجم الكبير (٣٣٦٧)، وأخرجه أيضاً العقيلي في الضعفاء ٤/ ٤٥٥، وقال: ليس لهذا الحديث إسناد يثبت. الآية : ٤ ٢٧ سُورَةُ الأَفَّاِ السلام: ﴿وَلَكِن لِيَظْمَبِنَّ قَلِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] بعد قوله: ﴿بَ﴾ طلبُ لمزيد الطمأنينة، وذلك يدلُّ على جواز الاستثناء(١). وفي «الكشف)): أن الحقَّ أن مَنْ جوَّز الاستثناء إنما جوَّز إذا سُئل عن الإيمان مطلقاً، أما إذا قيل: هل أنتَ مؤمنٌ بالقَدَر؟ مثلاً، فقال: أنا مؤمنٌ إن شاء الله تعالى. لا يجوز، لا لأنَّ التبرُّك لا معنى له، بل للإيهام فيما ليس له فائدةٌ، وأما في الأول فلمَّا كان الإطلاق يدلُّ على الكمال - وهو الإيمان المنتفَعُ به في الآخرة - عُلِّق بالمشيئة تفاؤلاً وتيمُّناً، وذلك لأن هذه الكلمة خرجت عن موضوعها الأصلي إلى المعنى الذي ذُكر في عرف الاستعمال، وتراهم يستعملونها في كلِّ ما لهم اهتمامٌ بحصوله شائعاً بين العرب والعجم، فلا وجهَ لقولٍ مَنْ قال: إنَّ معنى التبرُّك: أنا أشكُّ في إيماني تبرُّكاً، وذلك أنَّ المشيئة عنده غيرُ مشكوكة عنده، بل هو تعليقٌ بما لا بدَّ منه نظراً إلى أنه السببُ الأصلي، وأنه تفويضٌ من العبد إلى الله تعالى، ومن فوَّض كُفي، لا نظراً إلى أن المشيئة غيبٌ غير معلوم، فيكون شكّاً في الإيمان، وقد جاء: ((من شكَّ في إيمانه فقد كفر))(٢). وما أحسن ما نُقل عن الحسن أن رجلاً سأله: أمؤمن أنتَ ؟ فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنتَ تسألني عن الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وکتبِهِ، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار، والبعث والحساب، فأنا مؤمنٌ، وإن كنتَ تسألني عن قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) إلخ، فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ وهذا ونحوه مما يجعل الخلافَ لفظيا، وقد صرَّح بذلك جمعٌ من المحقّقين عليهم الرحمة. ﴿لَّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَيِّهِمْ﴾ أي: كرامةٌ وعلوُّ مكانةٍ، على أن يُراد بالدرجات العلوُّ المعنويُّ، وقد يراد بها العلوُّ الحسِّيُّ، وفي الخبر عن أبي هريرة ◌َظُبه أنه وَّ (١) تفسير الرازي ١٢١/١٥، وجاءت العبارة الأخيرة فيه: وهذا يدل على أنه لابد من قول: إن شاء الله . (٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج ابن حبان في المجروحين ٢٠٢/٢ من حديث أنس څله: ((من شك في إيمانه فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)) وهو حديث موضوع كما في الفوائد المجموعة ص٤٥٣، ولكن معناه مجمع عليه، فقد قال ابن نجيم في البحر الرائق ١٣٤/٥: أجمعوا على أن مَن شك في إيمانه فهو كافر. سُؤَدَّةُ الأَنْفَّاِ ٢٨ الآية : ٤ قال: ((في الجنة مئةُ درجة، لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهنَّ لوسعتهم))(١). وعن الربيع بن أنس: سبعون درجة، ما بين كلِّ درجتين حضر الفرس المُضَمَّر سبعين سنة. ووجهُ الجمع على الوجهين ظاهرٌ. والتنوين للتفخيم، والظرف إما متعلّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لها مؤكّدةً لما أفادَه التنوين، أو بما تعلَّق به الخبرُ - أعني: لهم - من الاستقرار. وجوَّز أبو البقاء(٢) أن يكون العاملُ فيه: ((درجات))؛ لأنَّ المراد بها الأجور. وفي إضافته إلى الربِّ المضاف إلى ضميرهم مزيدُ تشريفٍ لهم ولطفٍ بهم، وإيذانٌ بأن ما وعدَهم متيقَّنُ الثبوت، مأمونُ الفوَات. والجملةُ جُوِّز أن تكون خبراً ثانياً لـ((أولئك))، وأن تكون مبتدأ مبنيةٌ على سؤالٍ نشأ من تعدُّد مناقبهم، كأنه قيل: ما لهم بمقابلة هذه الخصال؟ فقيل: لهم درجات، ﴿وَمَغْفِرَةٌ ﴾ عظيمةٌ لما فرَطَ منهم ﴿وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾﴾ وهو ما أُعدَّ لهم من نعيم الجنة. وأخرج ابنُ أبي حاتم عن محمد القُرظيّ قال: إذا سمعتَ الله تعالى يقول: (رزق كريم)) فهو الجنة(٣). والكَرَم كما نقل الواحديُّ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحمَد ويُستحسن في بابه، فلعلَّ وصف الرزق به هنا حقيقة. وقال بعضُ المحققين: معنى كون الرزق كريماً أن رازقَه كريمٌ، ومن هنا وصفوه بالكثرة وعدم الانقطاع؛ إذ من عادة الكريم أن يُجزِل العطاء ولا يقطعَه، فكيف بأكرم الأكرمين تبارك وتعالى، وجعلُه نفسه كريماً على الإسناد المجازيِّ للمبالغة. ولم يذكروا لتوسيط المغفرة - والظاهرُ كما قيل تقديمُها هنا - نكتةً. (١) لم نقف عليه من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد (١١٢٣٦)، والترمذي (٢٥٣٢) من حديث أبي سعيد. قال الترمذي: هذا حديث غريب. وأخرج أحمد (٨٤١٩)، والبخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة رضيبه مرفوعاً: ((إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله)). (٢) في الإملاء ٣/ ٩٢. (٣) تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٠١). الآية : ٥ ٢٩ سُؤَدَّةُ الْأَفَّاِ وربما يقال في وجه ذِكْر هذه الأشياء الثلاثةِ على هذا الوجه: إنَّ الدرجات في مقابلة(١) الأوصافِ الثلاثة، أعني الوجَلَ والإخلاص والتوكل، ويُستأنس له بالجمع، والمغفرةُ في مقابلة إقامة الصلاة، ويُستأنس له بما ورد في غير ما خبرٍ أن الصلوات مكفِّراتٍ لما بينها من الخطايا(٢)، وأنها تُنَقِّي الشخصَ من الذنوب كما يُنَّقِّي الماءُ من الدَّنَس(٣)، والرزقُ الكريم بمقابلة الإنفاق، والمناسبةُ في ذلك ظاهرةٌ، وإلى هذا يُشير كلامُ أبي حيان(٤). أو يقال: قدَّم سبحانه الدرجاتِ لأنها بمحضٍ الفضل، وذَكَر بعدها المغفرةَ لأنها أهمُّ عندهم من الرزق، مع اشتراكهما في كونهما في مقابلة شيء، ويؤيِّد هذا ما أخرجه ابنُ أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد أنه قال في الآية: المغفرةُ بترك الذنوب، والرزقُ الكريم بالأعمال الصالحة(٥). فتدبّر، والله تعالى أعلمُ بأسرار كلامه . ﴿كَمَّا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقٌ﴾ أي: إخراجاً متلبساً به، فالباء للملابسة. وقيل: هي سببية، أي: بسبب الحقِّ الذي وجب عليك، وهو الجهاد. والمرادُ بالبيتِ: مسكنُهُ وََّ بالمدينة، أو المدينةُ نفسُها؛ لأنها مثواه عليه الصلاة والسلام. وزعم بعضُهم أن المراد به مكةُ، وليس بذاك. وإضافةُ الإخراج إلى الربِّ سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه كان بوحي منه عزَّ وجل، ولا يخفى لطفُ ذِكْر الربِّ، وإضافتِهِ إلى ضميره بَّه. (١) في الأصل: بمقابلة، والمثبت من (م). (٢) من ذلك ما أخرجه أحمد (٨٧١٥)، ومسلم (٢٣٣): (١٥) من حديث أبي هريرة: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارات لما بينهن)). (٣) من ذلك ما أخرجه أحمد (٨٩٢٤)، والبخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧) من حديث أبي هريرة أن النبي و * قال: ((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟)) قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس یمحو الله بهن الخطايا)). (٤) في البحر المحيط ٤/ ٤٥٨ . (٥) تفسير ابن أبي حاتم (٨٨٠٠)، وعزاه لأبي الشيخ السيوطي في الدر ١٦٣/٣. سُورَةُ الَفَِّ ٣٠ الآية : ٥ والكافُ يستدعي مشبَّهاً، وهو غير مصرَّح به في الآية، وفيه خفاءٌ، ومن هنا اختلفوا في بيانه وكذا في إعرابه على وجوه: فاختار بعضهم أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ هو المشبّه، أي: حالهم هذه في كراهة ما وقع في أمر الأنفال كحال إخراجِكَ من بيتك في كراهتهم له، وإلى هذا يشير كلامُ الفراء(١) حيث قال: الكاف شبَّهت هذه القصةَ التي هي إخراجُه وََّ من بيته بالقصة المتقدِّمة التي هي سؤالُهم عن الأنفال، وكراهتُهم لما وقع فيها، مع أنه أولى بحالهم. أو أنه صفةُ مصدرِ الفعل المقدَّر في ((الله والرسول))، أي: الأنفال ثبتَتْ لله تعالى وللرسول عليه الصلاة والسلام - مع كراهتهم - ثباتاً كثبات إخراجك. وضعَّفَ هذا ابنُ الشجريٌّ(٢)، وادَّعى أن الوجه هو الأول؛ لتباعُدِ ما بين ذلك الفعل وهذا بعشر جملٍ. وأيضاً جَعْلُه في حيِّز(قل))(٣) ليس بحسَنٍ في الانتظام، وقال أبو حيان(٤): إنه ليس فيه كبيرُ معنى، ولا يظهر للتشبيه فيه وجهٌ، وأيضاً لم يُعهَدْ مثلُ هذا المصدر. وادعى العلامةُ الطَّيبي أنَّ هذا الوجه أدقُّ التئاماً من الأول، والتشبيه فيه أكثرُ تفصيلاً؛ لأنه حينئذٍ من تتمة الجملة السابقة، داخلٌ في حيِّز المقول مع مراعاة الالتفات، وأطال الكلامَ في بيان ذلك، واعتَذَر عن الفصل بأن الفاصل جارٍ مجرى الاعتراض، ولا أُراه سالماً من الاعتراض. وقيل: تقديره: وأصلحوا ذاتَ بينكم كما أخرجَكَ. وقد التفَتَ من خطابٍ جماعةٍ إلی خطابٍ واحدٍ. وقيل: المرادُ: وأطيعوا الله والرسولَ كما أخرجَكَ إخراجاً لا مِرْيَةَ فيه، وقيل: التقدير: يتوَّلون توكُّلاً كما أخرجَكَ، وقيل: إنهم لكارهون كراهةً ثابتةً کإخراجك. وقيل: هو صفةٌ لـ ((حقًّا))، أي: أولئك هم المؤمنون حقًّا مثل ما أخرجَكَ. (١) حكاه عنه أبو حيان في البحر ٤٦١/٤، وانظر معاني القرآن للفراء ٤٠٣/١. (٢) في أماليه ١٨٣/٣ -١٨٥. (٣) في الأصل: قال، والمثبت من (م). (٤) في البحر المحيط ٤٦٢/٤ . الآية : ٥ ٣١ سُورَةُ الأَفَّالِ وقيل: صفةٌ لمصدر ((يجادلون))، أي: يجادلونك جدالاً كإخراجك. ونُسِبَ ذلك إلى الكسائي. وقيل: الكاف بمعنى إذ، أي: واذكر إذ أخرجَكَ، وهو مع بُعْدِه لم يثبت. وقيل: الكافُ للقسم، ولم يثبُتْ أيضاً وإن نُقل عن أبي عُبَيد(١)، وجُعِلَ (يجادلونك)) الجواب مع خلوّه عن اللام والتأكيد، و((ما)) حينئذٍ موصولةٌ، أي: والذي أخرجَكَ. وقيل: إنها بمعنى على، و((ما)) موصولةٌ أيضاً، أي: امضٍ على الذي أخرجَكَ ربُّك له من بيتك؛ فإنه حقٌّ. ولا يخفى ما فيه. وقيل: هي مبتدأ خبرُه مقدَّر، وهو ركيكٌ جدًّا. وقيل: في محلٌّ رفع خبرِ مبتدأ محذوف، أي: وعدُه حقٌّ كما أخرجك، وقيل: تقديرُه: قِسْمَتُكَ حقٌّ كَإِخَرَاجِكَ(٢) . وقيل: ذلكم خيرٌ لكم كإخراجِكَ، وقيل تقديره: إخراجُك من مكة لحكم کإخراجك هذا . وقيل: هو متعلَّق بـ ((اضربوا))، وهو كما تقول لعبدك: ربَّيتُك، افعَلْ كذا. وقال أبو حيان(٣): خطر لي في المنام أنَّ هنا محذوفاً، وهو: نَصَركَ، والكافُ فيها معنى التعليل، أي: لأجل أن خرجتَ لإعزازِ دين الله تعالى نصرَكَ وأمدَّك بالملائكة، ودلَّ على هذا المحذوفِ قولُه سبحانه بعدُ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) الآيات. ولو قيل: إنَّ هذا مرتبطٌ بقوله سبحانه: (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) على معنى: رزقٌ حسنٌ كحُسْنِ إخراجِكَ من بيتك، لم يكن بأبعَدَ من كثيرٍ من هذه الوجوه. (١) كذا في الأصل و(م)، وقد نسب ابن هشام هذا القول في المغني ص ٧٠٧ إلى أبي عبيدة، وهو في مجاز القرآن له ١/ ٢٤٠. (٢) في الأصل: كما أخرجك. (٣) في البحر المحيط ٤ / ٤٦٣. سُورَةُ الأَنْفََِّ ٣٢ الآية : ٥ @﴾ للخروج، إمَّا لعدم الاستعداد للقتال، ﴿وَإِنَّ فَرِبقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ أو للميل للغنيمة، أو للنَّفْرة الطبيعية عنه، وهذا مما لا يدخُلُ تحت القدرة والاختيار، فلا يَرِدُ أنه لا يليقُ بمنصب الصحابة والجملةُ في موضع الحال، وهي حالٌ مقدَّرةٌ؛ لأنَّ الكراهة وقعت بعد الخروج كما ستراه إن شاء الله تعالى، أو يعتبر ذلك ممتدًّا. والقصةُ - على ما رواه جماعةٌ وقد تداخَلتْ رواياتُهم - أنَّ عِيْرَ قريش أقبلت من الشام، وفيها تجارةٌ عظيمةٌ، ومعها أربعون راكباً منهم: أبو سفيان، وعمرو بنَ العاص، ومَخْرَمة بن نوفل، فأخبر جبريلُ عليه السلام رسولَ اللهِ وَّهِ، فأخبَرَ المسلمين، فأعجبهم تلقِّيها؛ لكثرة المال وقلة الرجال، فلمَّا خرجوا بلغ الخبرُ أهلَ مكة، فنادى أبو جهل فِرَقَ الكفر: النَّجاءَ النَّجاءَ على كلِّ صَعْبٍ وذَلُول، عِيْركم، أموالكم، إن أصابها محمدٌ لم تفلحوا بعدها أبداً. وقد رأت عاتِكَة بنتُ عبد المطلب في المنام أنَّ راكباً أقبل على بعيرٍ له، حتى وقَفَ بالأبطَح، ثم صرَخَ بأعلى صوته: أَلا انفِرُوا يا آلَ غُدَر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناسَ قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجدَ والناسُ يتبعونه، فبينما هم حولَه مثَلَ به بعيرُه على ظهرٍ الكعبة، فصرخ مثلَها، ثم مثَلَ به بعيرُه على رأس أبي قُبَيس، فصرَخَ مثلَها، ثم أخذ صخرةً فأرسَلَها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفَضَّتْ، فما بقي بيتٌ من بيوت مكة ولا دارٌ من دورها إلا ودخَلَ فيها فِلْقَةٌ. فحدَّثت به أخاها العباسَ، فحدَّث بها الوليد بن عُثْبة وكان صديقاً له، فحدَّث بها أباه عتبةَ، ففشا الحديثُ وبلغ أبا جهل، فقال العباس: يا بني عبد المطلب، أما رضيتُم أن تتنبَّأ رجالكم حتى تتنبّأ نساؤكم؟! فأنكَرَ عليه الرؤيةَ، ثم إنه خَرَجَ بجميع مکةً ومضی بهم إلى بدٍ . وكان رسول الله وَر بوادي دَقْران(١)، فنزل عليه جبريل عليه السلام بالوعد (١) بدال مهملة وقاف وراء مهملة على وزن سلمان: واد قريب من الصفراء. ينظر القاموس (دقر)، وحاشية الشهاب ٢٥٤/٤. وجاء في بعض المصادر: ذَفِران، قال في القاموس (ذفر): وذَفِران بكسر الفاء: واد قرب وادي الصفراء، أو هو تصحيف لدقْران. الآية : ٥ ٣٣ سُورَةُ الأَنْفََِّ بإحدى الطائفتين: إمَّا العِيْر، وإمَّا قريش، فاستشار أصحابَه فقال بعضُهم: هلا ذكرتَ لنا القتال حتى نتأهَّبَ له، إنَّا خرجنا للعِير. فقال ◌َّهِ: ((إنَّ العير مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبَلَ)) فقالوا: يا رسول الله، عليك بالعِيْر، ودع العدوَّ. فغضب عليه الصلاة والسلام، فقام أبو بكر وعمر ها، فأحسنا الكلامَ في اتِّباع أمرٍ رسول الله وَّهِ، ثم قام المقداد بنُ عَمرو، فقال: يا رسول الله، امضٍ لما أمَرَك الله تعالى، فنحن معك حيث أحببتَ، لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن اذهَبْ أنتَ وربُّك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون. فتبسَّم رسولُ اللهِ وَّةِ، ثم قال: (أشيروا عليَّ أيُّها الناسُ))، وهو يريدُ الأنصارَ؛ لأنهم كانوا عدَدَهم (١)، وقد شرطوا حين بايعوه بالعَقَبة أنهم برآء من ذِمَامه حتى يَصِل إلى ديارهم، فتخوَّف أن لا يَرَوا نُصْرتَه إلا على عدوّهم بالمدينة، فقام سعد بنُ معاذ ﴿ا فقال: يا رسول الله، إيَّانا تريدُ؟ قال: ((أجل)). قال: قد آمنًا بك وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناكَ على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السَّمع والطاعة، فامضٍ يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثَكَ بالحقِّ لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخضتَه لخضناه معكَ ما تخلَّفَ منَّا رجلٌ واحد، ولا نكرَهُ أن تلقَى بنا عدوَّنا، وإنا لصُبُر عند الحرب صُدُق عند اللقاء، ولعل الله تعالى يُريك منَّا ما يُقِرُّ به عينيك، فسِرْ بنا على بركات الله تعالى. فنشَطَه قولُه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((سيروا على بَرَكَةِ الله تعالى؛ فإنَّ الله تعالى قد وعَدَني إحدى الطائفتين، والله لَكأنِّي أنظُرُ إلى مصارع القوم)). اهـ (٢). وبهذا تبيَّن أن بعضَ المؤمنين كانوا كارهين، وبعضَهم لم يكونوا كذلك، وهم الأكثر كما تشير إليه الآية. (١) في الأصل و(م): عدوهم، وهو تصحيف، والمثبت من تفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٢٥٤/٤، وجاء في غيره من المصادر: وذلك أنهم كانوا عَدَدَ الناس. أي: كانوا أكثرهم عدداً . (٢) تفسير الطبري ٤١/١١-٤٣، والسيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٠٦ -٦٠٨ و ٦١٤-٦١٥، والمستدرك للحاكم ٢١/٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٣٢/٣-٣٥، وتفسير البيضاوي مع حاشية الشهاب ٤/ ٢٥٤ . سُورَةُ الأَنْفَِّ ٣٤ الآية : ٦ ، ٧ وجاء في بعض الأخبار أن النبيَّ وَِّ لما فرَغَ من بدر قيل له: عليكَ بالعِيْرِ، فليس دونها شيء. فناداه العباسُ وهو في وَثَاقه: لا يصلُحُ. فقال له: ((لمَ؟))، فقال: لأنَّ الله تعالى وعدَكَ إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعَدَكَ(١). ﴿يُحَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ﴾ الذي هو تلقِّي النفير المُعْلي للدين؛ الإيثارهم عليه تلقِّي العِير. والجملةُ إما مستأنفةٌ أو حالٌ ثانية، وجُوِّز أن تكون حالاً من الضمير في ((لکارهون)). وقوله سبحانه: ﴿بَعْدَمَا نَبَيَّنَ﴾ متعلِّق بـ ((يجادلون))، و ((ما)) مصدريةٌ، وضمير (بيَّن)) لـ ((الحق))، أي: يجادلون بعد تبيُّن الحقِّ لهم بإعلامك أنهم يُنصرون، ويقولون: ما كان خروجُنا إلا للغِيْرِ، و: هلََّ ذكرتَ لنا القتالَ حتى نستعدَّ له ونتأَّبَ. ﴿كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ أي: مشبَّهين بالذين يُساقون بالعنف والصَّغار إلى القتل، فالجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالية من ضمير ((لكارهون))، وجُوِّز أن تكون صفةً مصدرٍ لـ : ((كارهون)» بتقدير مضافٍ، أي: لكارهون كراهةً ككراهةٍ مَنْ سِيْق للموت. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾﴾ حالٌ من ضمير ((يساقون))، وقد شاهدوا أسبابَه وعلاماتِهِ. وفي قوله سبحانه وتعالى: (كَنَّا) إلخ إيماءٌ إلى أنَّ مجادلتَهم كانت لفرط فَزَعهم ورُعْبهم؛ لأنهم كانوا ثلاث مئة وتسعةً عشر رجلاً في قول، فيهم فارسان: المِقْداد بن الأسود والزُّبير بن العوَّام - وعن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه: ما كان منَّا فارسٌ يومَ بدرٍ إلا المِقْداد - وكان المشركون ألفاً قد استعدُّوا للقتال. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَِّفَيْنِ﴾ كلام مستأنفٌ مسوقٌ لبيان جميل صُنْع الله تعالى بالمؤمنين مع ما بهم من الجَزَع وقِلَّة الحَزْم، فـ ((إذ)) نصب على المفعولية بمضمر إن كانت متصرِّفة، أو ظرفٌ لمفعول ذلك الفعل، وهو خطابٌ للمؤمنين (١) أخرجه أحمد (٢٠٢٢) و(٢٨٧٣)، والترمذي (٣٠٨٠)، وهو من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، ورواية سماك عن عكرمة فيها اضطراب، ومع ذلك فقد قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وجوَّد إسناده الحافظ ابن كثير عند تفسير هذه الآية. الآية : ٧ ٣٥ سُورَةُ الأَنْفَِّ بطريق التلوين والالتفات، و((إحدى)) مفعولٌ ثان لـ ((يَعِدُ))، وهو يتعدَّى إلى المفعول الثاني بنفسه وبالباء، أي: اذكُروا وقتَ أو الحادثَ وقتَ وعدِ الله تعالى إياكم إحدى الطائفتين. وقُرىء: ((يَعِدْكم)) بسكون الدال(١) تخفيفاً. وصيغةُ المضارعة لحكاية الحال الماضية؛ لاستحضار صورتها . وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدلُ اشتمالٍ من ((إحدى)) مبيِّنٌ لكيفية الوعد، أي: يعدكم أنَّ إحدى الطائفتين كائنةٌ لكم، مختصَّةٌ بكم، تتسلَّطون عليها تسلُّط المُلَاك، وتتصرَّفون فيها كيفما شئتُم. ﴿وَتَوَدُّونَ﴾ عطفٌ على ((يعدكم)) داخلٌ معه حيث دخل، أي: تحبُّون ﴿أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ من الطائفتين، وذاتُ الشوكة هي النَّفيرُ، ورئيسُهم أبو جهل، وغيرُها العِيْر، ورئيسُهم أبو سفيان، والتعبيرُ عنهم بهذا العنوان للتنبيه على سبب وِدَادَتِهم لملاقاتهم، وموجِبٍ كراهتهم ونَفْرتهم عن موافاة النفير. والشَّوكةُ في الأصل: واحدةُ الشَّوك المعروف، ثم استُعيرت للشدَّة والحِدَّة، وتُطلق على السلاح أيضاً، وفَّرها بعضُهم به هنا. ﴿وَ يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَ الْحَقّ﴾ أي: يُظهِرَ كونَه حقًّا ﴿بِكَلِمَتِهِ﴾ المُوحَى بها في هذه القصّة، أو أوامره للملائكة بالإمداد، أو بما قضى من أَسْر الكفار، وقَتْلهم، وطَرْحهم في قَلِيب بدر. وقُرئ: ((بكلمتِهِ» بالإفراد(٢)؛ لجعل المتعدِّد كالشيء الواحد، أو على أن المراد بها كلمةُ ((كن)) التي هي عند الكثير عبارةٌ عن القضاء والتكوين. ﴿وَيَقْطَّعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ أي: آخرَهم، والمراد: يُهلكهم جملةً من أصلهم؛ لأنه لا يفنى الآخرُ إلا بعد فناءِ الأول، ومنه سُمِّ الهلاكُ دباراً. والمعنى: أنتم تريدون سَفْساف الأمور، والله عزَّ وجلَّ يريد مَعَاليها، وما يرجع (١) البحر ٤ / ٤٦٤ . (٢) القرءات الشاذة ص٤٩، والكشاف ٢ /١٤٥. سُورَةُ الأَنْفَِّ ٣٦ الآية : ٨، ٩ إلى علوِّ كلمة الحقِّ، وسموِّ رتبة الدِّين، وشتَّان بين المُرادَين، وكأنه للإشارة إلى ذلك عبَّر أولاً بالوِدادة، وثانياً بالإرادة. وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ سِيْقت لبيان الحكمةِ الدَّاعية إلى اختيار ذاتِ الشَّوكة ونَصْرهم عليها مع إرادتهم لغيرها، واللامُ متعلِّقةٌ بفعل مقدَّر مؤخّر عنها، أي: لهذه الحكمة الباهرة فَعَل ما فَعَل، لا لشيء آخر. وليس فيه مع ما تقدَّم تكرارٌ؛ إذ الأولُ لبيانٍ تفاوتٍ ما بين الإرادتين، وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذُكر. وأشار الزمخشريُّ إلى أن هذا نظيرُ قولك: أَرَدْتَ أن تَفْعَلَ الباطلَ، وأَرَدْتُ أن أَفْعلَ الحقَّ، ففعلتُ ما أَرَدْتُه لكذا، لا لمقتضى إرادتك، وليس نظيرَ قولك: أردتُ أن أكرم زيداً لإكرامه، ليكون فيه ما يكون(١). ومعنى إبطال الباطل على طَرْز ما أشرنا إليه في إحقاق الحقِّ. ﴿وَلَوْ كَرِهَ اَلْمُجْرِبُونَ ﴾﴾ ذلك، أعني: إحقاقَ الحقِّ وإبطالَ الباطل، والمرادُ بهم المشركون، لا مَن كَرِهَ الذهابَ إلى النفير لأنه جُرْم منهم، كما قيل. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بدلٌ من ((إذ يعدكم))، وإن كان زمانُ الوعد غیرَ زمان الاستغاثة؛ لأنه بتأويل أنَّ الوعد والاستغاثَة وَقَعا في زمنٍ واسع كما قال الطيبيُّ، قيل: وهو يَحتَمِلُ بدَلَ الكلِّ إن جُعِلا متَّسعين، وبدل البعض إن جُعِلَ الأول متَّسعاً والثاني معياراً . وجُوِّز أن يكون متعلِّقاً بقوله سبحانه: ((ليحق)). واعتُرض بأنه مستقبل لنصبه بـ أَنْ، و((إذا للزمان الماضي، فكيف يعمل بها؟ وأُجيب بأن ذلك مبنيٌّ على ما ذهب إليه بعضُ النحاة كابن مالك من أنَّ ((إذ) قد تكون بمعنى إذا للمستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿فَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَلُ فِىَ (١) كلام الزمخشري في الكشاف ٢/ ١٤٥: فإن قلت: أليس هذا تكريراً؟ قلت: لا؛ لأن المعنيين متباينان، وذلك أن الأول تميز بين الإرادتين، وهذا بيان لغرضه فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم، ونصرتهم عليها، وأنه ما نصرهم ولا خذل أولئك إلا لهذا الغرض الذي هو سيد الأغراض. اهـ. وما ذكره المصنف لعله منقول من أحد حواشي أو شروح الكشاف. الآية : ٩ ٣٧ سُورَةُ الأَنْفَِّ أَعْتَقِهِمْ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١]، وقد يُجعل من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقُّقه. وقال بعضُ المحقّقين في الجواب: إن كونَ الإحقاق مستقبلاً إنَّما هو بالنسبة إلى زمانٍ ما هو غايةٌ له من الفعل المقدَّر، لا بالنسبة إلى زمانِ الاستغاثة حتى لا يعمَلَ فيه، بل هما في وقتٍ واحد، وإنما عبّر عن زمانها بـ ((إذ)) نظراً إلى زمن النزول، وصيغةُ الاستقبال في ((تستغيثون)) لحكاية الحال الماضية؛ لاستحضارٍ صورتها العجيبة. وقيل: هو متعلِّق بمضمَرٍ مستأنف أي: اذكروا. وقيل: بـ ((توتُّون)). وليس بشيء. والاستغاثةُ كما قال غيرُ واحدٍ: طلبُ الغَوْث، وهو التخليصُ من الشدّةِ والنِّقمةِ، والعونُ، وهو متعدٍّ بنفسه، ولم يقع في القرآن الكريم إلا كذلك، وقد يتعدَّی بالحرف، کقوله: حتى استغاث بماءٍ لا رِشاءَ له من الأباطح في حافاته البُرَكُ(١) وكذا استعملَه سيبويه(٢)، وزَعْمُ أنه خطأٌ خطأ . والظاهر أن المستغيث هم المؤمنون، قيل: إنهم لمَّا علموا أن لا محيصَ من القتال أخذوا يقولون: أي ربِّ، انصُرْنا على عدوِّك، أغِثْنا يا غياثَ المستغيثين. وقال الزُّهريُّ: إنه رسول الله ◌َّر والمسلمون معه. وظاهرُ بعض الأخبار يدلُّ على أنه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فقد أخرج أحمدُ ومسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ وغيرُهم عن ابن عباس ﴿مَا قال: حدَّثني عمر بنُ الخطاب رَُّه قال: لما كان يومُ بدر نظر النبيُّ وَّهِ إلى أصحابه وهم ثلاثُ مئة وبضعةً عشر رجلاً، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألفٌ وزيادة، فاستقبَلَ نبِيُّ الله وَله القِبْلة، ثم مدَّ يدَه وجعل يهتِفُ بربِّه: ((اللهمَّ أنجِزْ لي ما وعدتَني، اللهمَّ إن تَهلك (١) البيت لزهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه بشرح أبي العباس ثعلب ص١٧٥. وقوله: لا رشاء له؛ أي: ظاهر يجري على وجه الأرض. وقد تحرف رشاء في الأصل و(م) إلى رشاد. والبرك: طائر أبيض. (٢) في الكتاب ٢١٥/٢. الآية : ٩ ٣٨ سُورَةُ الأَنْفَِّ هذه العِصابةُ من أهل الإسلام لا تُعبَدُ في الأرض)). فما زال يهتِفُ بربِّه، مادًّا يديه، مستقبِلَ القِبلة، حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضيُبه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزَمَه من ورائه وقال: يا نبيَّ الله، كفاك مناشدَتَك ربَّك؛ فإنه سينچِزُ لك ما وعدك. فنزلت الآيةُ في ذلك(١). وعليه فالجمعُ للتعظيم. ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ أي: فأجاب دعاءكم عَقِيب استغائتكم إيَّه سبحانه على أتمِّ و جه . ﴿أَنِّ مُمِدُكُمْ﴾ أي: بأنِّي، فحذَفَ الجارَّ، وفي كون المنسبك بعد الحذف منصوباً أو مجروراً خلافٌ. وقرأ أبو عمرو بالكسر(٢) على تقدير القول، أو إجراءِ ((استجاب)) مجرى قال؛ لأن الاستجابةَ من جنس القول. والتأكيدُ للاعتناء بشأن الخبر، وحملُه على تنزيل غير المنكر بمنزلة المنكر بمنزلة المنكر عندي. والمرادُ بـ (ممدكم)): معينُكم وناصرُكم. ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾﴾ أي: وراء كلِّ مَلَكِ مَلَكُ، كما أخرجه ابنُ (٣) جرير وغيره عن ابن عباس ورَدِف وأردَفَ بمعنى، كتَبِعَ وأتبَعَ في قول، وعن الزّجَّاج(٤) أن بينهما فرقاً: فَرَدِفتُ الرجلَ بمعنى: ركبتُ خلفَه، وأردَقْتُه بمعنى: أركبتُه خلفي. وقال بعضهم: ردِفتُ وأردفتُ: إذا فعلتَ ذلك [بنفسك](٥)، فإذا فعلتَه بغيرك فأردفتُ لا غير. (١) مسند أحمد (٢٠٨)، وصحيح مسلم (١٧٦٣)، وسنن أبي داود (٢٦٩٠)، وسنن الترمذي (٣٠٨١). والمذكور قطعة من الحديث، وهي لم ترد في رواية أبي داود. (٢) القراءات الشاذة ص٤٨-٤٩، والكشاف ٢/ ١٤٥، والبحر المحيط ٤/ ٤٦٥. والمشهور عن أبي عمرو القراءة بفتح الهمزة. (٣) تفسير الطبري ١١/ ٥٤ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ٤٠٢. (٥) ما بين حاصرتين من تهذيب اللغة ٩٧/٤، واللسان والتاج (ردف)، وحاشية الشهاب ٢٥٦/٤، وعنه نقل المصنف. الآية : ٩ ٣٩ سُؤَدَّةُ الأَنْفََِّ وجاء أردَفَ بمعنى: اتَّبع مشدداً، وهو يتعدّى لواحد، وبمعنى: أَتْبع مخففاً، وهو يتعدَّى لاثنين على ما هو المشهور، وبكلِّ فُسِّر هنا، وقدَّروا المفعول والمفعولين حسبما يصحُّ به المعنى ويقتضيه، وجعلوا الاحتمالات خمسةً: احتمالان على المعنى الأول: أحدُهما: أن يكون الموصوفُ جملةَ الملائكة، والمفعول المقدَّر المؤمنين، والمعنى: متَّبعين المؤمنين، أي: جائين خلفَهم. وثانيهما: أن يكون الموصوفُ بعضَ الملائكة، والمفعولُ بعضاً آخر، والمعنى: مُتْبِعاً بعضُهم بعضاً آخَرَ منهم، كُرُسُلهم عليهم السلام. وثلاثةُ احتمالات على المعنى الثاني : الأول: أن يكون الموصوفُ كلَّ الملائكة، والمفعولان: بعضهم بعضاً، على معنى أنهم جعلوا بعضَهم يَتْبَع بعضاً . الثاني كذلك، إلا أنَّ المفعول الأول بعضُهم، والثاني المؤمنين، على معنى أنهم أتبعوا بعضَهم المؤمنين، فجعلوا بعضاً منهم خلفَهم. والثالث كذلك أيضاً، إلا أن المفعولين أنفسهم والمؤمنين، على معنى أنهم أتبعوا أنفسَهم وجملتَهم المؤمنين، فجعلوا أنفسهم خلفهم. وقرأ نافع ويعقوب: ((مُرْدَفين)) بفتح الدال(١)، وفيه احتمالان: أن يكون بمعنى متَّبَعين بالتشديد، أي: اتَّبعهم غيرُهم، وأن يكون بمعنى مُتْبَعين بالتخفيف، أي: جعلوا أنفسَهم تابعةً لغيرهم، وأُريد بالغير في الاحتمالين المؤمنون، فتكونُ الملائكةُ على الأول مقدِّمةَ الجيش، وعلى الثاني ساقَتَهم. وقد يقال: المرادُ بالغير آخرون من الملائكة، وفي الآثار ما يؤيِّده؛ أخرج ابنُ جرير عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهَه قال: نزل جبريلُ عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنةِ النبيِّ وَّهِ وفيها أبو بكر ◌َبه، ونزل ميكائيلُ عليه السلام في (١) التيسير ص١١٦، والنشر ٢٧٥/٢. سُورَةُ الأَنَفَِّ ٤٠ الآية : ٩ ألفٍ من الملائكة عن ميسَرة النبيِّ وَ ﴿ وأنا فيها (١). لكن في ((الكشاف)) بدل الأَلْف في الموضعين: خمس مئة(٢). وقرئ: ((مردِّفين)) بكسر الراء وضمها(٣)، وأصله على هذه القراءة: مُرْتَدِفين بمعنى مترادفين، فأُبدلت التاء دالاً لقرب مخرجهما، وأُدغمت في مثلها، فالتقى الساكنان، فحرِّكت الراءُ(٤) بالكسر على الأصل، أو لإتباع الدال، أو بالضمِّ لإتباع الميم، وعن الزجَّاج(٥) أنه يجوز في الراء الفتحُ أيضاً للتخفيف، أو لنقلٍ حركة التاء، وهي القراءةُ التي حكاها الخليلُ عن بعض المكيين. وذكر أبو البقاء(٦) أنه قرئ بكسر الميم والراء، ونَقَل عن بعضهم أن مرَدَّفاً بفتح الراء وتشديد الدال من رَدَّف بتضعيف العين، أو أن التشديد بدلٌ من الهمزة، کأفرحتُه وفَّحته. ومن الناس من فسَّر الارتداف بركوب الشخص خلفَ الآخر، وأنكره أبو عُبيدة (٧)، وأيَّده بعضهم. وعن السُّدِّي أنه قرأ: ((بآلاف)) على الجمع(٨)، فيوافقُ ما وقع في سورة أخرى: ﴿ِثَلَثَةِ ءَالَفٍ﴾ [آل عمران: ١٢٤] و﴿يَخَمْسَةِ ءَالَفٍ﴾ [آل عمران: ١٢٥] قيل: ووجه التوفيقِ بينَه وبين المشهور أن المراد بالألف: الذين كانوا على المقدّمة أو الساقَة، أو وجوهُهم، أو من قاتل منهم. (١) تفسير الطبري ٥٨/١١. (٢) الکشاف ٢/ ١٤٥. (٣) المحتسب ٢٧٣/١، والبحر ٤٦٥/٤. (٤) تحرفت في الأصل إلى: الدال. والمثبت من (م). (٥) في معاني القرآن ٤٠٣/٢. (٦) في الإملاء ٩٧/٣. (٧) كذا في الأصل و(م)، وفي الدر المصون ٥/ ٥٦٧: أبو عُبيد. (٨) القراءات الشاذة ص٤٩، والبحر المحيط ٤٦٥/٤، وقد تحرفت فيهما إلى: ((بالألف)). وقد نص في الدر المصون ٥٦٦/٥ أنها على وزن: أخمال. وذكر أبو حيان والسمين عن الجحدري قراءة: ((بالُفٍ)) على وزن أَفْلُس.