النص المفهرس

صفحات 1-20

رُوج المعـ
في
تَفِي القرآن العظيم والسُّنْع المثَانِ
تأليف
شِهَابُ الدِيَنْ أَبِرُ الثَّنَاءِ
مَجْمُود ◌َبْن عَبِّدَ آللَّهِ الآلوسيْ الْبُعْدادِيّ
(١٢١٧ - ١٢٧٠هـ)
حقّقةَ هَذَا الجزء
مَاهِرْ جَبُوشٌ
◌َاهُمْ في تحقيقه
أُممُ حَبّ ا عِبْدٌ وَسَلِي العَّيْ يَكِرْ العزّوُِّ
المَجَلّد العَاشِرُ
مؤسسة الرسالة

◌ُفَعُ النَّعَانِى
ف
تفِ القُرآن العَظِيمُ والِسَّنْ لمَّاني
(١٠)

جَمِيعُ الحقوق محفوظَةٌ لِلَّاشِرْ
الطّبعة الأولىْ
١٤٣١ هـ / ٢٠١٠ م
م
مؤسسة الرسالة
للطبَاعَة وَالنَّشْر وَالتّوزيع
بيروت - وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - مبنى المسكن
هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ فاكس: ٨١٨٦١٥ - ص.ب .: ١١٧٤٦٠ بيروت - لبنان
Al-Resalah
Publishing House
BEIRUT/LEBANON-TELEFAX: 815112-319039-818615 - P.O.BOX: 117460
Web Location: Http://www.resalah.com - E-mail: resalah@resalah.com

سُورَةُ الأَنْفَِّّ
مدنيةٌ كما رُوي عن زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزُّبير، وجاء ذلك في روايةٍ عن
ابن عباس ، وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جُبير أنه سُئل الحَبْر عنها فقال:
تلك سورةُ بدر، وفي رواية أخرى أنه قال: نزلت في بدر.
وقيل: هي مدنيةٌ إلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية
[٣٠]؛ فإنها نزلت بمكّة على ما قاله مُقاتل، ورُدَّ بأنه صحَّ عن ابن عباس طُّ أن
هذه الآية بعينها نزلت بالمدينة، وجمع بعضُهم بين القولين بما لا يخلو عن نظر.
واستثنى آخرون قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ حَسْبُكَ الَهُ﴾ الآية [٦٤]، وصحَّحه ابنُ
العربيّ وغيره، ويؤيِّده ما أخرجه البزَّار عن ابن عباس ﴿ًا أنها نزلت لما أسلم
عمر ضائه(١) .
وهي في الشاميِّ سبعٌ وسبعون آية، وفي البصريِّ والحجازيِّ ستٍّ وسبعون،
وفي الكوفيِّ خمسٌ وسبعون.
ووجه مناسبتها لسورة ((الأعراف)): أن فيها: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الآية: ١٩٩]، وفي
هذه كثيرٌ من أفراد المأمور به، وفي تلك ذِكْرُ قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
مع أقوامهم، وفي هذه ذِكْر النبيِّ أَِّ وذِكْرُ ما جرى بينه وبين قومه.
وقد فصَّل سبحانه وتعالى في تلك قصصَ آلٍ فرعون وأضرابهم، وما حلّ بهم،
وأجمل في هذه ذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
كَفَرُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِزُّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الآية: ٥٢].
(١) كشف الأستار عن زوائد البزار (٢٤٩٥)، وقال الهيثمي في المجمع ٩/ ٦٥: وفيه النضر
أبو عمر، وهو متروك. وأخرج نحوه الطبراني في الكبير (١٢٤٧٠)، وأورده الهيثمي في
المجمع ٢٨/٧، وقال: وفيه إسحاق بن بشر الكاهلي، وهو كذاب.

٦
سُورَةُ الأَفَّاِ
وأشار هناك إلى سوء زعم الكفرة في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمَّ تَأْتِهِم ◌ِكَايَتِ
قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيْنَهَا﴾ [الآية: ٢٠٣]، وصرَّح سبحانه وتعالى بذلك هنا بقوله جلَّ وعلا:
﴿وَإِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَّلِينَ﴾ [الآية: ٣١].
وبَيَّن جلَّ شأنُه فيما تقدَّم أنَّ القرآن هدى ورحمةٌ لقوم يؤمنون، وأردف سبحانه
وتعالى ذلك بالأمرِ بالاستماع له، والأمر بذِكْره تعالى،َ وهنا بيَّن جلَّ وعلا حال
المؤمنين عند تلاوته، وحالَهم إذا ذُكر الله تبارك اسمُه بقوله عزَّ من قائل: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَّكَُّونَ﴾ [الآية: ٢]. إلى غير ذلك من المناسبات.
والظاهر أن وضعَها هنا توقيفيٌّ، وكذا وضعُ ((براءة)» بعدَها، وهما من هذه
الحيثية كسائر السور، وإلى ذلك ذهب غيرُ واحدٍ كما مرَّ في المقدِّمات.
وذكر الجلالُ السيوطي(١) أن ذِكْر هذه السورة هنا ليس بتوقيفٍ من الرسول وَل
للصحابة ه كما هو المرجَّح في سائر السور، بل باجتهادٍ من عثمان رقُّه.
وقد كان يظهر في بادئ الرأي أنَّ المناسب إيلاءُ ((الأعراف)) بـ ((يونس))
و ((هود))؛ لاشتراك كلٌّ في اشتمالها على قَصص الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، وأنها مكيةُ النزول، خصوصاً أن الحديثَ ورَدَ في فضل السَّبع الُول(٢)،
وعدُّوا السابعةَ ((يونس))(٣)، وكانت تُسمَّى بذلك كما أخرجه البيهقيُّ في
((الدلائل))(٤)، ففي فَصْلها من ((الأعراف)) بسورتين فصلٌ للنظير من سائر نظائره،
هذا مع قِصَر سورة ((الأنفال)) بالنسبة إلى ((الأعراف)) و((براءة))، وقد استَشْكل ذلك
(١) في تناسق الدرر في تناسب السور ص٥٥ .
(٢) ينظر حديث واثلة بن الأسقع في فضائل القرآن لأبي عبيد ص١٢١، ومسند أحمد
(١٦٩٨٢)، والمعجم الكبير ٢٢/ (١٨٧)، وشعب الإيمان (٢٤١٥)، وحديث عائشة في
مسند أحمد (٢٤٤٤٣)، ومسند إسحاق بن راهويه (٨٥٨) والشعب (٢٤١٥).
(٣) أخرج البيهقي في الشعب (٢٤١٨) عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِّنَ اُلْمَثَانِ﴾
قال: السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف،
ویونس .
(٤) لم نقف عليه، والذي في دلائل النبوة للبيهقي ١٤٢/٧- ١٤٣ عن الحسن تسميتها: التاسعة.

٧
سُورَةُ الْأَفَّاِ
قديماً حَبْر الأمة ◌َظُه، فقال لعثمان ◌َه: ما حمَلَكم على أن عمدتُم إلى ((الأنفال))
وهي من المثاني، وإلى ((براءة)) وهي من المئين، فقرنتُم بينهما ولم تكتبوا البسملةَ
بينهما، ووضعتُموهما في السبع الُوَل؟ ثم ذكر جواب عثمان ظُه. وقد أسلفنا
الخبرَ بطوله سؤالاً وجواباً (١).
ثم قال(٢): وأقول: يتمُّ [بيان] مقصد عثمان رَلُبه في ذلك بأمورٍ فتح الله تعالى بها:
الأول: أنه جعل ((الأنفال)) قبل ((براءة)) مع قِصَرها لكونها مشتملةً على
البسملة، فقدَّمها لتكون كقطعةٍ منها ومفتتحَها، وتكون ((براءة))؛ لخلوِّها من البسملة
كتتمَّتها وبقيّتها، ولهذا قال جماعةٌ من السلف: إنهما سورةٌ واحدة.
الثاني: أنه وَضَع ((براءة)) هنا لمناسبة الطُول؛ فإنه ليس بعد الستِّ السابقة سورةٌ
أطول منها، وذلك كافٍ في المناسبة.
الثالث: أنه خلَّلَ بالسورتين أثناء السبع الطُول المعلوم ترتيبُها في العصر
الأول، للإشارة إلى أنَّ ذلك أمرٌ صادرٌ لا عن توقيف، وإلى أنَّ رسول الله وَله
قُبض قبل أن يبيِّن كلتيهما فوُضِعا هنا كالوضع المستعار، بخلاف ما لو وُضِعتا(٣)
بعد السبع الطّل؛ فإنه كان يُوهم أن ذلك محلّهما بتوقيفٍ، ولا يتوهّم هذا على
هذا الوضع؛ للعلم بترتيب (٤) السبع. فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله تعالى بها،
ولا يغوصُ عليها إلا غوَّاص.
الرابع: أنه لو أخَّرهما وقدَّم ((يونس))، وأتى بعد ((براءة)) بـ ((هود))، كما في
مصحف أبيٍّ؛ لمراعاة مناسبة السبع، وإيلاءٍ بعضها بعضاً، لَفَاتَ مع ما أشرنا إليه
أمرٌ آخر آكَدُ في المناسبة؛ فإن الأَولى بسورة ((يونس)) أن تُؤْلَى(٥) بالسور الخمس
التي بعدها؛ لِمَا اشتركتْ فيه من المناسبات: من القَصص، والافتتاح بـ ((الر))،
وبذكر الكتاب، ومن كونها مكيَّات، ومن تناسُب ماعدا ((الحجر)) في المقدار، ومن
(١) سلف ١/ ١٥٣.
(٢) يعني السيوطي.
(٣) في الأصل و(م): وضعا، والمثبت من تناسق الدرر.
(٤) في الأصل و(م): بترتب، والمثبت من تناسق الدرر.
(٥) في الأصل و(م): يؤتى، والمثبت من تناسق الدرر.

٨
سُورَةُ الأَفَِّ
التسمية باسم نبيٍّ، والرعد اسمُ ملك، وهو مناسبٌ لأسماء الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام. فهذه عدَّة مناسبات للاتصال بين ((يونس)) وما بعدها، وهي آكد من ذلك
الوجه الواحد في تقديم ((يونس)) بعد ((الأعراف))، ولبعض هذه الأمور قُدِّمت سورة
((الحجر) على ((النحل)) مع كونها أقصَرَ منها، ولو أُخّرت ((براءة)) عن هذه السور
الستِّ لبعُدت المناسبة جدًّا؛ لطولها بعد عدَّة سورٍ أقصر منها، بخلاف وضع سورة
(النحل)) بعد ((الحجر"؛ فإنها ليست كـ ((براءة)) في الطول.
ويشهد لمراعاة الفواتح في مناسبة الوضع ما ذكرناه من تقديم ((الحجر)) على
((النحل)) لمناسبة ((الر)) قبلها، وما تقدَّم من تقديم ((آل عمران)) على ((النساء))، وإن
كانت أقصر منها؛ لمناسبتها ((البقرة)) في الافتتاح بـ ((الم))، وتوالي الطواسين
والحواميم، وتوالي (العنكبوت))، و((الروم))، و((لقمان))، و((السجدة))؛ لافتتاح كلِّ
بـ ((الم))، ولهذا قُّدِّمت ((السجدة)) على ((الأحزاب)» التي هي أطولُ منها. هذا
ما فتح الله تعالى به عليّ.
ثم ذَكّر أن ابن مسعود ◌َّه قدَّم في مصحفه ((البقرة))، و((النساء))،
و((آل عمران))، و((الأعراف))، و((الأنعام))، و((المائدة))، و((يونس))، راعى السبع
الطُول فقدَّم الأطول منها فالأطول، ثم ثنّى بالمئين، فقدم ((براءة))، ثم ((النحل))، ثم
(هود))، ثم ((يوسف))، ثم ((الكهف))، وهكذا الأطول فالأطول.
وجعل ((الأنفال)) بعد ((النور))، ووجه المناسبة أن كلَّ مدنيةٌ ومشتملة على
أحكام (١)، وأن في ((النور)»: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اُلْأَرْضِ﴾الآية [الآية: ٥٥]، وفي ((الأنفال)): ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِى
الْأَرْضِ﴾ إلخ [الآية: ٢٦]. ولا يخفى ما بين الآيتين من المناسبة؛ فإن الأولى مشتملةٌ
على الوعد بما حصل، وذكّر به في الثانية، فتأمَّل. اهـ.
وأقول: قد منَّ الله تعالى على هذا العبد الفقير بما لم يَمُنَّ به على هذا المولى
الجليل، والحمد لله تعالى على ذلك، حيث أوقفني سبحانه على وجهٍ مناسبةٍ هذه
السورة لما قبلها، وهو لم يُبيِّن ذلك.
(١) في الأصل: الأحكام.

الآية : ١
٩
سُورَةُ الأَفَاك
ثم ما ذكره من عدم التوقيف في هذا الوضع في غاية البعد كما يُفهم مما قدمناه
في المقدمات، وسؤال الحبر وجوابُ عثمان ﴿هما ليسا نصًّا في ذلك.
وما ذكره عليه الرحمةُ في أول الأمور التي فتح الله تعالى عليه بها غيرُ
ملائم بظاهره ظاهرَ سؤال الحبر ظبه؛ حيث أفاد أن إسقاط البسملة من ((براءة))
اجتهاديٌّ أيضاً، ويُستفاد مما ذكره خلافُه، وما ادَّعاه من أن ((يونس)) سابعةُ السبع
الطول ليس أمراً مجمَعاً عليه، بل هو قولُ مجاهد، وابن جُبير، وروايةٌ عن ابن
عباس ◌ًَّا، وفي رواية عند الحاكم أنها ((الكهف))(١). وذهب جماعةٌ - كما قال
في (إتقانه))- إلى أن السبع الُول أولُها ((البقرة)) وآخرها ((براءة))(٢)، واقتصر ابنُ
الأثير في ((النهاية)) على هذا(٣)، وعن بعضهم أن السابعة ((الأنفال)) و((براءة))، بناء
على القول بأنهما سورة واحدة، وقد ذكر ذلك الفيروزآبادي في ((قاموسه))(٤).
وما ذكره في الأمر الثاني يغني عنه ما علَّل به عثمانُ رَّه؛ فقد أخرج النحاس
في ((ناسخه)) عنه أنه قال: كانت (الأنفال)) و((براءة)) تُدْعيان في زمن رسول الله وَّر:
القرينتين، فلذلك جعلتُهما في السبع الطول(٥) .
وما ذكره من مراعاة الفواتح في المناسبة غير مطّرد؛ فإن ((الجن))،
و ((الكافرون))، و((الإخلاص)) مفتَتَحات بـ ((قل))، مع الفصل بعدَّة سور بين الأولى
والثانية، والفصل بسورتين بين الثانية والثالثة. وبعد هذا كلُّه لا يخلو ما ذكره عن
نظرٍ كما لا يخفى على المتأمِّل، فتأمَّل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ جمع نَفَل بالفتح: وهو الزيادة، ولذا قيل للتطوع: نافلة،
وكذا لولد الولد، ثم صار حقيقةً في العطية، ومنه قولُ لبيد:
(١) المستدرك ٣٥٥/٢.
(٢) الإتقان ١٩٩/١ .
(٣) النهاية (طول).
(٤) مادة (طول).
(٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٩٨/٢.

الآية : ١
١٠
سُورَةُ الأَفَّالِ
وبإذن الله رَيْتِي وعَجَلْ(١)
إِنَّ تقوى ربِّنا خيرُ نَفَلْ
لأنها لكونها تبرعاً غير لازم كأنها زيادةٌ، ويسمَّى به الغنيمةُ أيضاً، وما يشترطُه
الإمام للغازي زيادةً على سهمه لرأي يراه، سواءٌ كان لشخصٍ معيَّن، أو لغيرٍ معيَّنٍ
كـ : (مَنْ قَتَلَ قتيلاً فله سَلَبه))(٢). وجعلوا من ذلك ما يزيدُه الإمام لمن صدر منه أثرٌ
محمود في الحرب، كبِرازٍ، وحُسْنٍ إقدام، وغيرهما.
وإطلاقه على الغنيمة باعتبار أنها منحةٌ من الله تعالى من غير وجوب، وقال
الإمام عليه الرحمة: لأن المسلمين فُضِّلوا بها على سائر الأمم التي لم تحلَّ
لهم(٣). ووجهُ التسمية لا يلزم اطّرادُه، وفي الخبر أن المغانم كانت محرَّمةً على
الأمم، فنقَّلها الله تعالى هذه الأمة (٤).
وقيل: لأنها زيادةٌ على ما شُرع الجهاد له، وهو إعلاءُ كلمة الله تعالى، وحمايةٌ
حوزة الإسلام، فإن اعتُبِرِ كونُ ذلك مظفوراً به سُمِّي غنيمةٌ.
ومن الناس من فرَّق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص، فقيل: الغنيمةُ:
ما حصل مستغنماً سواءٌ كان ببعثٍ أو لا، باستحقاقٍ أو لا، قبل الَّفَر أو بعده.
والنفل: ما قبل الظّفَر، أو ما كان بغير قتال وهو الفيء، وقيل: ما يفضُلُ عن
القسمة .
ثم إن السؤال- كما قال الطيبي، ونُقل عن الفارسي - إمَّا لاستدعاءِ معرفةٍ أو
ما يؤدي إليها، وإما لاستدعاء جَداً (٥) أو ما يؤدي إليه، وجواب الأول باللسان،
وينوب عنه اليدُ بالكتابة أو الإشارة، ويتعدَّى بنفسه وبعن والباء، وجواب الثاني
باليد، وينوب عنها اللسان موعداً وردًّا، ويتعدَّى بنفسه أو بمن، وقد يتعدَّى
لمفعولين، كأعطى واختار، وقد يكون الثاني جملة استفهامية نحو: ﴿سَلْ بَنِيّ
إِسْرَِّيلَ كَمْ ءَاتَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١١].
(١) ديوان لبيد ص١٧٤ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، والبخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) من حديث أبي قتادة
(٣) تفسير الرازي ١٥/ ١١٤.
(٤) يشير إلى قوله ◌َّيهو: ((وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي))، وقد سلف تخريجه ٩/ ٣٧٠.
(٥) الجَدًا: العطيّة. القاموس: (جدو).

الآية : ١
١١
سُورَةُ الْأَنفَِّ
والمراد بـ ((الأنفال)) هنا: الغنائم كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة
والضحاك وابن زيد، وطائفةٍ من الصحابة وغيرهم، وبالسؤال: السؤالُ لاستدعاء
المعرفة كما اختاره جمعٌ من المفسرين؛ لتعدِّيه بـ ((عن))، والأصل عدمُ ارتكاب
التأويل، ويؤيِّد ذلك ما أخرجه أحمد، وابن حبان، والحاكم من حديث عبادة بن
الصّامت ◌َ﴿ه - وهو سبب النزول - أنَّ المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي
قِسْمتها، فسألوا رسول الله وَّوكيف تُقسم، ولمن يُحكم فيها، أهو للمهاجرين، أم
للأنصار، أم لهم جميعاً؟ فنزلت هذه الآية(١).
وقال بعضهم: إن السؤال استعطاءٌ، والمراد بالنفل ما شُرِط للغازي زائداً على
سهمه، وسبب النزول غير ما ذُكر؛ فقد أخرج عبد الرزاق في ((المصنف))، وعَبْد بن
حُميد، وابنُ مَرْدويه عن ابن عباس ﴿ًا قال: لما كان يومُ بدر قال رسول الله وَّه :
((مَنْ قتل قتيلاً فله كذا، ومَنْ جاء بأسيرٍ فله كذا)» فجاء أبو اليَسَر بن عمرو
الأنصاريُّ بأسيرين، فقال: يا رسول الله، إنك قد وعدتَنا. فقام سعد بنُ عبادة
فقال: يا رسول الله، إنك إن أعطيتَ هؤلاء لم يبقَ لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا
من هذا زهادةٌ في الأجر، ولا جبنٌ عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظةً
عليك أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا، فنزل القرآن(٢).
وادَّعوا زيادة ((عن))، واستدلَّوا لذلك بقراءة ابن مسعود، وسعد بن أبي وقَّاص،
وعليٍّ بن الحسين، وزيد، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق، وطلحة بن مصرِّف:
(يسألونك الأنفال))(٣).
وتُعقّب بأن هذه القراءةَ من باب الحذف والإيصال، وليست دعوى زيادة ((عن))
في القراءة المتواترة لسقوطها في الأخرى أولى من دعوى تقديرها في تلك القراءة
لثبوتها في القراءة المتواترة، بل قد ادَّعى بعضٌ أنه ينبغي حَمْل قراءة إسقاط ((عن))
على إرادتها، لأن حذفَ الحرف وهو مرادٌ معنّى أسهلُ من زيادته للتأكيد.
(١) مسند أحمد (٢٢٧٦٢)، وصحيح ابن حبان (٤٨٥٥)، والمستدرك ١٣٥/٢- ١٣٦.
(٢) مصنف عبد الرزاق (٩٤٨٣)، وعزاه لعبد بن حميد وابن مردويه السيوطي في الدر ٣/ ١٦٠.
(٣) القراءات الشاذة ص٤٨، والمحتسب ١/ ٢٧٢، والبحر المحيط ٤ / ٤٥٦.

الآية : ١
١٢
سُوَدَّةُ الأَنْفََِّ
على أنه يُبعِد القولَ بالزيادة هنا الجوابُ بقوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
فإنَّ المراد به اختصاصُ أمرها وحكمِها بالله تعالى ورسوله وَّةِ، فيقسمُها النبيُّ عليه
الصلاة والسلام كما يأمرُه الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد؛ فإن مَبْنَى ذلك
القول القولُ بأن السؤالَ استعطاءٌ، ولو كان كذلك لما كان هذا جواباً له؛ فإن
اختصاصَ حكم ما شُرِط لهم بالله تعالى والرسول وَّو لا ينافي إعطاءه إياهم، بل
يُحقِّقُه؛ لأنهم يسألونَه بموجب شرطٍ الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه
بإذن الله تعالى، لا بحكم سَبْقِ أيديهم إليه، أو نحو ذلك مما يخلُّ بالاختصاص
المذكور.
وحَمْل الجواب على معنى أن الأنفال بذلك المعنى مختصَّةٌ برسول الله وَلَهه
لا حقَّ فيها للمنفَّل كائناً من كان، لا سبيل إليه قطعاً؛ ضرورةً ثبوت الاستحقاق
بالتنفيل، وادعاءُ ثبوته بدليل متأخّر التزامٌ لتكوُّر النسخ من غير علم بالناسخ
الأخير، ولا مساعَ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهد وعكرمة والسُّدي من أن الأنفال
كانت لرسول الله وَلخر خاصَّةً ليس لأحد فيها شيء بهذه الآية، فنُسخت بقوله تعالى:
﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ, وَلِلَرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] لِمَا أن المراد بـ ((الأنفال)) فيما قالوا هو
المعنى الأولُ حسبما نطَقَ به قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الآية
[الأنفال: ٤١]، على أن الحقَّ أنه لا نسخَ حينئذٍ حسبما قاله عبد الرحمن بنُ زيد بن
أسلم، بل بيَّن هنا إجمالاً أن الأمر مفوَّضٌ لرسول الله وَّرَ، وشرح فيما بعدُ
مصارِفَها وكيفيةً قسمتها. وادعاءُ اقتصار الاختصاص بالرسول ◌َّر على الأنفال
المشروطةِ يوم بدر بجعلِ اللام للعهد، مع بقاء استحقاق المنفلِ (١) في سائر الأنفال
المشروطة، يأباه مقامُ بيان الأحكام، كما يُنبئ عنه إظهارُ ((الأنفال)) في مقام
الإضمار. على أنَّ الجواب عن سؤالِ الموعود ببيان كونه له عليه الصلاة والسلام
خاصَّة مما لا يليق بشأنه(٢) الکریم أصلاً.
وقد رُوي عن سعد بن أبي وقَّاص أنه قال: قُتل أخي عُمير يوم بدر، فقتلتُ به
سعيد بن العاص، وأخذتُ سيفَه فأعجبني، فجئتُ به رسولَ اللهِ وَ لاَ فقلت: إن الله
(١) في الأصل: المتنقل.
(٢) في الأصل: بشأن، والمثبت من (م)، غير أنه سقط منها لفظ: لا.

الآية : ١
١٣
سُوَرَةُ الأَفَِّ
قد شفى صدري من المشركين، فَهَبْ لي هذا السيفَ، فقال عليه الصلاة والسلام:
(ليس هذا لي ولا لك، إِطرخْه في القَبَض))، فطرحتُه وبي ما لا يعلَمُه إلا الله من
قتل أخي وأَخْذ سَلَبي، فما جاوزتُ إلا قليلاً حتى نزلت سورةُ ((الأنفال))، فقال لي
رسول الله وَله: ((يا سعدُ، إنك سألتني السيفَ وليس لي، وقد صار لي، فاذهب
فخُذْه))(١).
وهذا كما ترى يقتضي عدمَ وقوع التنفيل يومئذٍ، وإلا لكان سؤالُ السيف من
سَعْد بموجب شرطِهِ عليه الصلاة والسلام ووَعْدِهِ، لا بطريق الهبة المبتدأة، وحمْلُ
ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله بموجب الشرط يردُّه ردُّه ◌َچ قبل
النزول، وتعليلُه بقوله: ((ليس هذا لي))؛ لاستحالة أن يَعِدَ نَّهِ بما لا يقدِرُ على
إنجازه، وإعطاؤه عليه الصلاة والسلام بعد النزول وترتيبُه على قوله: ((وقد صار
لي)) ضرورةً أن مناطَ صيرورةِهِ له بَّله قوله تعالى: (الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولٌ)، والفرض أنه
المانعُ من إعطاء المسؤول.
ومما هو نصٌّ في الباب قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فإنه لو كان السؤالُ طلباً
للمشروط لما كان فيه محذورٌ يجب اتقاؤه. قاله شيخُ الإسلام عليه الرحمة(٢).
وحاصلُه: إنكار وقوع التنفيل حينئذٍ، وعدمُ صحة حمل السؤال على الاستعطاء،
و((الأنفال)) على المعنى الثاني من معنييها .
وأنا أقول: قد جاء خبرُ التنفيل عن ابن عباس ◌ًّا من الطريق الذي ذكرناه،
ومن طريقٍ آخر أيضاً؛ فقد أخرج ابنُ أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن
المنذر وابن حبان وأبو الشیخ والبيهقيُّ في ((الدلائل) والحاكم - وصحَّحه - عنه
قال: لما كان يومُ بدر قال النبيُّ وَّهِ: (مَنْ قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومَنْ أسر أسيراً
فله كذا وكذا)). فأما المشيخةُ فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل
والغنائم، فقالت المشيخةُ للشبَّان: أشرِكونا معكم؛ فإنا كنّا لكم ردءاً، ولو كان
(١) سيذكر المصنف تخريجه قريباً، وسيذكر أن سعيد بن العاص غير محفوظ، وأن المحفوظ:
العاصي بن سعيد.
(٢) تفسير أبي السعود ٤/ ٢-٣.

سُورَةُ الأَنْفَِّ
١٤
الآية : ١
منكم شيء للجأتُّم إلينا، فاختصموا إلى النبيِّ و9َّ، فنزلت: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ
الْأَنْفَالِ) الآية، فقسَمَ الغنائمَ بينهم بالسوية(١).
ويشير إلى وقوعه أيضاً ما أخرجه أحمد وعَبْد بن حُميد وابن جرير وأبو الشيخ
وابن مردويه والحاكم والبيهقيُّ في ((السنن)) عن أبي أمامة قال: سألتُ عبادة بنّ
الصامت عن الأنفال، فقال: فينا أصحابَ بدرٍ نزلت، حين اختلفنا في النفل،
فساءتْ فيه أخلاقُنا، فانتزعه الله تعالى من أيدينا وجعله إلى رسوله وَّهِ، فقسمه عليه
الصلاة والسلام بين المسلمين عن بَوَاء(٢).
ولعل في الباب غيرُ هذه الروايات، فكان على الشيخ حيثُ أنكَرَ وقوع التنفيل
أن يطعَنَ فيها بضعفٍ ونحوِه ليتمَّ له الغرضُ.
وماذكره من حديث سعد بن أبي وقَّاص فقد أخرجه أحمد، وابن أبي شيبة
عنه (٣)، وهو - مع أنه وقع فيه سعيد بن العاصي والمحفوظُ كما قال أبو عُبيد(٤):
العاصي بن سعيد - مضطربُ المتن؛ فقد أخرج عَبْد بن حُميد والنحاس وأبو الشيخ
وابن مردويه عن سعد أنه قال: أصاب رسولُ اللهِ وَل ◌ِ غنيمة عظيمة، فإذا فيها
سيفٌ، فأخذتُه فأتيت رسولَ اللهِ وَّهِ، فقلت: نفِلني هذا السيفَ، فأنا مَنْ علمتَ.
فقال: ((رُدَّه من حيث أخذتَه)) فرجعتُ به، حتى إذا أردتُ أن أُلْقِيَه في القَبَض لامتني
نفسي، فرجعتُ إليه عليه الصلاة والسلام فقلتُ: أعطِنِيه. فشدَّ لي صوتَه، وقال:
((رُدَّه من حيث أخذتَه))، فأنزل الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ)(٥). فإن هذه الروايةَ
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٣٥٦/١٤، وسنن أبي داود (٢٧٣٧)، والسنن الكبرى للنسائي
(١١١٣٣)، وتفسير الطبري ١٣/١١، والأوسط لابن المنذر ١٤٦/١١، وصحيح ابن حبان
(٥٠٩٣)، ودلائل النبوة للبيهقي ١٣٥/٣، والمستدرك ٣٢٦/٢-٣٢٧. وعزاه لأبي الشيخ
السيوطي في الدر ١٥٩/٣، وعنه نقل المصنف.
(٢) مسند أحمد (٢٢٧٤٧)، وتفسير الطبري ١٤/١١-١٥، والمستدرك ١٣٦/٢، وسنن البيهقي
١٩٢/٦، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٥٩/٣. والبواء: السواء. القاموس (بوأ).
(٣) مسند أحمد (١٥٥٦)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ٣٧٠، وأخرجه أيضاً أبو عبيد في الأموال
(٧٥٦).
(٤) في الأموال (٧٥٦)، ونقله المصنف عنه بواسطة الشهاب في الحاشية ٢٥١/٤.
(٥) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٦٩/٢-٣٧٠، ونقله المصنف عن الدر المنثور ١٥٩/٣، وهو
عند مسلم ص١٨٧٧ (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة.

الآية : ١
١٥
سُورَةُ الأَنْفَّاِ
ظاهرةٌ في أن السيفَ لم يكن سَلَباً كما هو ظاهرُ الرواية الأولى، بل إن سعداً وَ الله
وجَدَه في الغنيمة، وطلبه نفلاً على سهمه الشائع فيها .
وأخرج النحاس في ((ناسخه)) عن سعيد بن جُبير، أن سعداً ورجلاً من الأنصار
خرجا يتنفَّلان، فوجدا سيفاً ملقًى، فخرًا عليه جميعاً، فقال سعد: هو لي. وقال
الأنصاريُّ: هو لي، لا أُسلمه حتى آتي رسولَ اللهِ وَِّ، فأتياه فقصًا عليه القصةَ،
فقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس لك يا سعدُ ولا للأنصاريِّ، ولكنه لي))، فنزلت:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) الآية(١).
ومخالفةُ هذه الرواية للروايتين السابقتين المختلفتين كما علمتَ في غاية
الظهور، فلا يكاد يعوَّل على إحداها إلا بإثبات أنها الأصحُّ، ولم نقف على أنهم
نصُوا على تصحيح الرواية التي ذكرها الشيخ (٢)، فضلاً عن النصّ على الأصحِيَّة.
نعم أخرج أحمد وأبو داود والترمذيُّ - وصحَّحه - والنسائي وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم - وصححه - والبيهقيُّ في ((السنن)) عن
سعدٍ المذكور ﴿به قال: قلتُ: يا رسول، قد شفاني الله تعالى اليوم من
المشركين، فَهَبْ لي هذا السيفَ، قال: ((إن هذا السيفَ لا لك ولا لي، ضَعْه)).
فوضعتُه ثم رجعتُ، قلت: عسى يُعطي هذا السيفَ اليوم مَنْ لا يُبلي بلائي، إذا
رجلٌ يدعوني من ورائي، قلت: قد أُنزل فيَّ شيء. قال عليه الصلاة والسلام:
(كنتَ سألتني هذا السيفَ وليس هو لي، وإني قد وُهِبَ لي، فهو لك)). وأنزل الله
هذه الآية: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ) إلخ(٣).
(١) الناسخ والمنسوخ ٣٧٠/٢. وينظر التعليق الذي بعده.
(٢) بل هي رواية ضعيفة؛ فإنها من طريق محمد بن عبيد الله الثقفي عن سعد، ومحمد لم يدرك
سعداً، والرواية المذكورة عن سعيد بن جبير ضعيفة أيضاً، لأنها غير متصلة كما ذكر
النحاس، وفي إسنادها أحمد بن محمد بن الحجاج، قال ابن عدي: كذبوه، وأنكرت عليه
أشياء. الميزان ١٣٣/١. والصحيح هي الرواية الثانية، وقد أخرجها مسلم كما سلف.
(٣) مسند أحمد (١٥٣٨)، وسنن أبي داود (٢٧٤٠)، وسنن الترمذي (٣٧٠٩)، والسنن
الكبرى للنسائي (١١١٣٢)، وتفسير الطبري ١٥/١١- ١٦، وتفسير ابن أبي حاتم
(٨٧٥٦)، والمستدرك للحاكم ١٣٢/٢، وسنن البيهقي ٢٩١/٦. وأخرجه بنحوه مسلم
(١٧٤٨): (٣٤).

الآية : ١
١٦
سُورَةُ الأَنْفَالِك
فهذه الروايةُ وإن نُصَّ فيها على التصحيح، إلا أنه ليست ظاهرةً في أن السيف
كان سَلَباً له من عُمير كما هو نصُّ الرواية الأولى، وإن قلنا: إن هذه الرواية وإن لم
تكن موافقةً للأولى حذو القذَّة بالقذَّة، لكنها ليست مخالفةً لها، وزيادةُ الثقة مقبولةٌ
سواء كانت في الأول أم في الآخر أم في الوسط، فلا بدَّ من القول بالنسخ؛ كما هو
إحدى الروايات عن ابن عباس ﴿ما؛ لما أنها ظاهرةٌ في كون الأنفال صارت ملكاً
لرسول الله ﴿، ليس لأحدٍ فيها حقٌّ أصلاً، إلا أن يجودَ عليه - عليه الصلاةُ
والسلام - كما يجودُ من سائر أمواله.
والمولى المذكورُ ذهب إلى القولِ بعدم النَّسخ، ولم يعلم أنَّ هذا الخبرَ الذي
استنَدَ إليه في إنكار وقوعِ الَّتفيل يعكِّر عليه.
وادعاءُ أنَّ معنى قوله وَّر فيه: ((وقد صار لي)): أنه: صار حكمُه لي، لكنْ عبَّر
بذلك مشاكلةً لِمَا في الآية، يردُّه ما في الرواية الأخرى المنصوصِ على صحَّتها من
الترمذي والحاكم: ((وإني قد وُهِبَ لي))، وحَمْل ذلك أيضاً على مثل ماحُمِل عليه
الأول مما لا يكاد يُقدِمُ عليه عارفٌ بكلام العرب، لا سيما كلام أفصح مَنْ نطَقَ
بالضاد ◌َ﴾.
وما ذكره قُدِّس سره من أن قوله تعالى: (قُلِ الْأَنفَالُ) إلخ لا يكون جواباً لسؤال
الاستعطاء؛ فإنَّ اختصاصَ حكم ما شُرِط لهم بالرسول عليه الصلاة والسلام
لا ينافي الإعطاءَ بل يُحقِّقُه = قد يُجاب عنه بالتزام الحمل الذي ادعى أن لا سبيلَ
إليه قطعاً، ويقال بالنسخ، وهو من نَسْخِ السُّنة قبل تقوُّرِها بالكتاب، وأن المنسوخَ
إنما هو ذلك التنفيلُ.
والتنفيلُ الذي يقول به العلماءُ اليوم هو أن يقول الإمام: مَنْ قتل قتيلاً فله
سَلَبُه، أو يقول للسَّرية: جعلتُ لكم الربع بعد الخمس، أي: بعد ما يُرفع الخمسُ
للفقراء، وقد یکون بغير ذلك، کالدراهم والدنانیر.
وذكر في ((السِّير الكبير)) أنه لو قال: ما أصبتُم فهو لكم، ولم يقل: بعد
الخُمس، لم يَجُزْ؛ لأن فيه إبطالَ الخمسِ الثابتِ بالنصِّ، وبعين ذلك يبطل ما لو
قال: من أصاب شيئاً فهو له؛ لاتحاد اللازم فيهما، بل هو أولى بالبطلان، وبه

الآية : ١
١٧
سُوَدَّةُ الأَنْفَّالِ
أيضاً ينتفي ما قالوا: لو نفَّل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى مصلحةً، وفيه زيادةٌ
إيحاش الباقين وإيقاع الفتنة.
وذكر السادة الشافعية أن الأصحَّ أن النفلَ يكون من خُمس الخُمس المُرْصَدِ
للمصالح إن نفل مما سيغنم في هذا القتال؛ لأنه المأثور عندهم كما جاء عن ابن
المسیّب.
ويحتمِلُ أن التنفيلَ المنسوخَ الواقعَ يوم بدر - عند القائل به - لم يكن كهذا
الذي ذكرناه عن أئمتنا، وكذا عن الشافعية الثابتِ عندهم بالأدلَّة المذكورة في كتب
الفريقين، والأخبارُ التي وقفنا عليها في ذلك التنفيل غيرُ ظاهرةٍ في اتحاده مع هذا
التنفيل، وحينئذ فما نُسِخ لم يثبت، وإنما ثبَتَ غيرُه. وربما يقال على فَرَض تسليم
أن ما ثبَتَ هو ما نُسخ: إن دليل ثبوته هو قولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ
عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]؛ فإن في ذلك التحريض ما لا يخفى، ودعوى أن حَمْل
((أل)) في ((الأنفال)) على العهد يأباه المقامُ، في حيِّز المنع، ومما يُستأنس به للعهد
أنه يقال لسورة ((الأنفال)): سورة ((بدر))، فلا بِذْع أن يراد من ((الأنفال)) أنفالُ بدر.
وإنباء الإظهار في مقام الإضمار على ما ادَّعاه في غاية الخفاء، وكونُ
الجواب عن سؤال الموعود ببيان اختصاصه به عليه الصلاة والسلام مما لا يليقُ
بشأنه الكريم أصلاً، مما لا يكاد يُسلَّم، كيف والحكمُ إلهيٌّ، والنبيُّ وَِّ مأمورٌ
بالإبلاغ؟
وقد يقال: حاصلُ الجواب: يا قوم، إن ما وعدتُكم به بإذن الله تعالى قد
ملَّكنيه سبحانه وتعالى دونكم، وهو أعلمُ بالحكمة فيما فعَلَ أولاً وآخراً، فاتقوا الله
من سوء الظنِّ وعدمِ الرِّضا بذلك. ومن هنا يُعلم حسنُ الأمرِ بالتقوى بعد ذلك
الجواب، ويطلانُ ماَ ادَّعاه المولى المدقِّقُ من أن هذا الأمر نصٍّ في الباب.
وقد يقال أيضاً: لا مانعَ من أن يُحمل السؤال على الاستعلام والاختصاصُ
على اختصاصٍ الحكم مع كون المراد بـ ((الأنفال)) المعنى الثاني، والمعنى:
يسألونَكَ عن حالٍ ما وعدتَهم إِيَّاه؛ هل يستحقُونه وإن حُرِمَ غيرُهم ممَّن كان رِدْءاً
وملجاً؛ حيث إنك وعدتَهم وأطلقتَ لهم الأمر؟ قل: إن ذلك الموعودَ قد نُسِخ

الآية : ١
١٨
سُورَةُ الأَفَّاِ
استحقاقُكم له بالوعدِ المأذون فيه من قَبْل، وفُوِّضَ أمرُه إليَّ، ولم يُحجَر عليَّ
بإعطائِهِ لكم دون غيركم، بل رخّصتُ أن أساوي أصحابَكم الذين كانوا ردءاً لكم
معكم؛ لئلا يرجع أحدٌ من أهل بدرٍ بخفّي حُنَين، ويستوحشوا من ذلك، وتَفْسُدَ
ذاتُ البَيْن، فاتقوا الله تعالى من الاستقلال بما أخذتُموه، أو إخفاء شيء منه بناءً
على أنَّكم كنتُم موعودين به، ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ بالردِّ والمواساة فيما حلَّ
بأيديكم، ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في كلِّ ما يأمُرُ به وينهى عنه؛ فإنَّ في ذلك مصالحَ
لا تعلمونها، وإنما يعلَمُها الله تعالى ورسولُه وَلِتِ.
وتقريرُ السؤال والجواب على هذا الأسلوب، وإن لم يكن ظاهراً، إلا أنه ليس
بالبعيد جدّاً.
ثم ما ذكره قدِّس سرُّه من أن حديثَ النسخ الواقع في كلام مجاهد وعكرمة
والسُّدي إنما هو للأنفال بالمعنى الأول؛ لدلالة الناسخَ على ذلك = مُسَلَّم، لكن
جاء في آخر رواية النخَّاس عن ابن جُبَير السابقة في قصَّة سعدٍ وصاحبِه
الأنصاريِّ ﴿يَّ ما يُوهم كونَ النسخ للآية، مع حَمْل ((الأنفال)» على غير ذلك
المعنی، ولیس کذلك.
هذا ثم إني أعود فأقول: إن هذا التكلُّفَ الذي تكلَّفناه إنما هو لصيانةِ الروايات
الناطقةِ بكون سبب النزول ما استند إليه القائلُ بأن ((الأنفال)) بالمعنى الثاني عن
الإلغاء قبل الوقوف على ضَعْفِها، ومجرَّد ما ذكره المولى قدِّس سرُّه لا يدلُّ على
ذلك، ألا تراهم كيف يَعْدِلون عن ظواهر الآيات إذا صحَّ حديثٌ يقتضي ذلك؟
وإلا فأنا لا أُنكر أنَّ كونَ حمل ((الأنفال)) على المعنى الأول، والذهابٍ إلى أن
الآيةَ غيرُ منسوخة، والسؤال للاستعلام، أقلُّ مؤونةً من غيره، فتأمَّل ذاك، والله
سبحانه وتعالى يتولَّى هداك.
والمراد بقوله تعالى: (فَأَتَّقُواْ اللَّهَ) إلخ على هذا: أنه إذا كان أمرُ الغنائم لله
ورسوله ◌َّلقد فاتقوه سبحانه وتعالى، واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها،
والاختلاف الموجبِ لشَقِّ العصا، وسخطِهِ تعالى، أو فاتقوه في كلِّ ما تأتون
وتَذَرون - فيدخُلُ ما هم فيه دخولاً أوليّاً - وأصلحوا ما بينَكم من الأحوال بتركِ
الغُلول ونحوِهِ، وعن السديِّ: بعدم التسابِّ، وعن عطاء: كان الإصلاحُ بينهم أَنْ

الآية : ١
١٩
سُورَةُ الأَنْفَاِ
دعاهم رسولُ اللهَ وَّله فقال: ((اقسموا غنائمَكم بالعدل)) فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا.
فقال عليه الصلاة والسلام: ((ليُرُدَّ بعضُكم على بعض))(١).
و((ذات))- كما قيل - بمعنى صاحبة، صفةٌ لمفعول محذوف، و(بين)) إما بمعنى
الفِراق، أو الوصل، أو ظرف، أي: أحوالاً ذات افتراقكم، أو ذات وصلكم، أو
ذات الكمال المتَّصل بكم.
وقال الزجَّاج وغيره: إن(ذات)) هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه(٢)، كما بيَّنه ابنُ
عطية (٣)، وعليه استعمالُ المتكلمين. ولما كانت الأحوال ملابسةً للبَيْن أُضيفت
إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك، أي: ما فيه، جُعِل كأنه صاحبُه.
وذِكرُ الاسم الجليل في الأمرين لتربية المَهابة وتعليلِ الحكم، وذِكْر الرسول وَل
مع الله أولاً وآخراً لتعظيم شأنه، وإظهارٍ شرفه، والإيذانِ بأنَّ طاعتَه عليه الصلاة
والسلام طاعةُ الله تعالى.
وقال غير واحد: إن الجمعَ بين الله تعالى ورسوله وَ﴿ أولاً لأنَّ اختصاصَ الله
تعالى بالأمرِ، والرسولِ وَ﴿ بالامتثال، وتوسيطُ الأمر بإصلاح ذاتِ البَيْن بينَ الأمرِ
بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح بحسَبِ المقام، ولیندرجَ
الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة.
وقرأ ابنُ مُحَيصن: ((يسألونكَ عَلَّتْفَال) بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على
اللام، وإدغام نون ((عن)) فيها (٤)، ولا اعتدادَ بالحركة العارضة.
﴿إِن كُنتُم مُؤْمِينَ ﴾﴾ متعلِّق بالأوامر الثلاثة، والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة
المذكور عليه، أو هو الجوابُ، على الخلاف المشهور، وأيّاً ما كان فالمرادُ بيانُ
ترثُّب ما ذُكر عليه، لا التشكيكُ في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط.
والمرادُ بالإيمان التصديقُ، ولا خفاء في اقتضائه ما ذُكر على معنى أنه من
(١) لم نقف على من أخرجه، وأورده الزمخشري ١٤١/٢ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٤٠٠.
(٣) في المحرر الوجيز ٢/ ٥٠٠.
(٤) القراءات الشاذة ص٤٨، والكشاف ٢/ ١٤١ .

سُوَدَّةُ الْأَنفَِّ
٢٠
الآية : ٢
شأنه ذلك، لا أنه لازمٌ له حقيقةً. وقد يراد بالإيمان الإيمانُ الكامل، والأعمالُ
شرطٌ فيه أو شطرٌ، فالمعنى: إن كنتم كاملي الإيمان؛ فإنَّ كمالَ الإيمان يدورُ على
تلك الخصال الثلاثة: الاتِّقاء، والإصلاح، وإطاعة الله تعالى ورسولِهِ وَّه.
ويؤيِّدُ إرادةَ الكمال قولُه سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلخ، إذ المرادُ به
قطعاً: الكاملون في الإيمان، وإلا لم يصحَّ الحصرُ، وهو حينئذٍ جارٍ على ما هو
الأصلُ المشهور في النكرة إذا أُعيدت معرفةً، وعلى الوجه الأول لا يكونُ هذا عين
النكرة السابقة، ويلزمُ القول بأن القاعدةَ أغلبيةٌ كما قد صرَّحوا به في غير ما موضع،
أي: إنما المؤمنون الكاملون في الإيمان، المخلصون فيه ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَِلَتْ
قُلُوبُهُمْ﴾ أي: فزعت استعظاماً لشأنه الجليل، وتهيُّاً منه جلَّ وعلا.
والاطمئنانُ المذكور في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَا ◌ِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: ٢٨] لا ينافي الوجَلَ والخوفَ؛ لأنه عبارةٌ عن ثَلَج الفؤاد وشَرْح الصدر بنور
المعرفة والتوحيد، وهو يجامع الخوفَ، وإلى هذا ذهب ابنُ الخازن(١) .
ووقّق بعضُهم بین الآیتین بأن الذِّکر في إحداهما ذِكر رحمة، والأخرى ذِكْر
عقوبة، فلا منافاةً بينهما .
وأخرج البيهقيُّ وجماعةٌ عن السُّديِّ أنه قال في الآية: هو الرجلُ يريد أن يَظْلَمَ
أو يهمّ بمعصية، فيقال له: اتقِ الله تعالى، فَيَجِلُ قلبُهُ(٢). وحَمْلُ الوَجَلِ فيها على
الخوف منه تعالى كلَّما ذُكر أبلغُ في المدح من حَمْله على الخوف وقت الهمِّ
بمعصية، أو إرادةٍ ظلم.
وهذا الوَجَل في قلب المؤمن كضَرَمَة السَّعَفَة كما جاء عن عائشة رضيُّهَا (٣).
وأخرج ابنُ جرير وغيره عن أمِّ الدرداء أن الدعاءَ عند ذلك مستجابٌ، وعلامتُه
حصولُ القُشَعْريرة(٤).
(١) تفسير الخازن ٤/٣.
(٢) شعب الإيمان (٧٣٧).
(٣) أخرجه الحكيم الترمذي كما في الدر المنثور ١٦٢/٣. والضَّرَمة محركة: السَّعَفة في طرفها
نار، والحجرة، والنار. القاموس (ضرم).
(٤) تفسير الطبري ٢٩/١١.