النص المفهرس
صفحات 481-500
الآية : ١٩
٤٧٩
سُورَةُ الَقَة
و ((مِن)): لابتداء الغاية، وقيل: يحتمل أن تكون للتبعيض على حذف مضافٍ،
أي: من أمطار السماءِ، و ليس بشيء.
وزعم بعضهم أنَّ الآية تُبْطِلُ ما قيل: إنَّ المطر من أبخرةٍ متصاعدة من السفل -
وهو من أبخرة الجهل - إذ ليس في الآية سوى أنَّ المطر من هذه الجهة، وهو غيرُ
منافٍ لما ذُكر، كيف والمشاهدةُ تقضي به، فقد حدَّثني مَن بلغ مبلغَ التواتُرِ أنهم
شاهدوا وهم فوق الجبال الشامخة. سحاباً يمطر أسفلهم، وشاهدوا تاراتٍ أبخرةً
تتصاعد من نحو الجبال فتنعقد سحاباً فيمطر، فإياك أن تلتفت لبرق كلام خُلَّب(١)
ولا تظنَّ أنَّ ذلك علم، فالجهلُ منه أضْوَبُ، ثم حَمْلُ ((الصيِّب)) هنا على السحاب،
وإن كان محتملاً، غير أنه بعيد بُعْدَ الغمام، وكذا حَمْلُ السماء عليه.
﴿فِيهِ ظُلُمْتُ وَرَعْدٌ وَبَرْفٌ﴾ أي: معه ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ فِىَ أُمَرٍ﴾
[الأعراف: ٣٨] وإذا حُملت ((في)) على الظرفية - كما هو الشائع في كلام المفسِّرين -
احتيجَ إلى حمل الملابسة التي تقتضيها الظرفيةُ على مُطْلَقِ الملابسة الشاملة للسببية
والمجاوَرَةِ وغيرِهما، ففيه بذلك المعنى ظلماتٌ ثلاث؛ ظلمةُ تكاثُفِه بِتَتَابُعِه(٢)،
وظلمةُ غمامِهِ، مع ظلمة الليل التي يستشعرها الذوقُ من قوله تعالى: (كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم
مَّشَوْا فِيهِ). وكذا: فيه رعدٌ وبرقٌ؛ لأنهما في منشئه ومحلِّ ينصبُّ منه، وقيل:
فيه(٣)، وهو - كما قال الشهاب - وَهْمُ نشأ من عدم التدبُّر (٤).
وإن كان المراد بالصّيِّب السحابَ فأمرُ الظرفية أَظْهَرُ، والظلماتُ حينئذٍ: ظلمةُ
السُّحمة والتطبيقِ(٥) مع ظلمة الليل. وجمعُ الظلمات على التقديرين مضيء، ولم
يُجمع الرعد والبرق - وإن كانا قد جُمعا في لسان العرب، وبه تزداد المبالغة
(١) البرق الخُلَّب: الذي لا غيث فيه، كأنه خادع يومض حتى تطمع بمطره، ثم يُخْلِفُك. اللسان
(خلب).
(٢) يعني بتتابع القطر لأن تلاصُق القطرات وتقارُبها يقتضي قلة تخلل الهواء المنتشر المستنير.
حاشية الشهاب ٣٩٤/١.
(٣) يعني: ينصبُّ فيه.
(٤) حاشية الشهاب ٣٩٥/١، قال الشهاب: لأن الرعد والبرق لا يكونان في الأرض.
(٥) يعني كون بعضه فوق بعض، والسحمة: السواد والظّلْمة. حاشية الشهاب ٣٩٥/١.
سُوَّ الْبَقَة
٤٨٠
الآية : ١٩
وتحصلُ المطابقةُ مع الظلمات والصواعق - لأنهما مصدران في الأصل، وإن أريد
بهما العينان هنا كما هو الظاهر، والأصل في المصدر أن لا يجمع، على أنه لو
جُمعا لدلَّ ظاهراً على تعدُّد الأنواع كما في المعطوف عليه، وكلٌّ من الرعد والبرق
نوعٌ واحد.
وذكر الشهاب(١) - مدَّعياً أنه مما لمعت به بَوَارِقُ الهداية في ظلمات الخواطر -
نكتةً سريَّةً في إفرادهما هنا، وهي أنَّ الرعد - كما ورد في الحديث(٢) وجرت به
العادة - يسوقُ السحاب من مكان لآخر، فلو تعدَّد لم يكن السحاب مُظْبِقاً، فتزول
شدة ظلمته، وكذا البرقُ لو كثر لَمعَانُه لم تُطْبِقِ الظلمة، كما يشير إليه قوله تعالى:
﴿كُلِّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ﴾ فإفرادُهما متعيِّنٌ هنا.
وعندي - وهو من أنوار العناية المشرقة على آفاق الأسرار - أنَّ النور لمّا
لم يجمع في آية من القرآن - لما تقدَّم - لم يجمع البرق، إذ ليس هو بالبعيد
عنه كما يُرشدك إليه: ((كلما أضاء لهم)، والرعدُ مُصاحِبٌ له، فانعكست أشعَّته
عليه .
أو ما تَرى الجلدَ الحقيرَ مُقبَّلاً
بالثغرِ لما صار جارَ المُصحَفِ
وارتفاعُ ((ظلمات)) إمَّا على الفاعلية للظرف المعتمِدِ على الموصوف، أو على
الابتدائية والظرفُ خبره، وجَعْلُ الظرف حالاً من النكرة المخصَّصةِ و ((ظلمات))
فاعلَه، لا يخلو عن ظلمةِ البُعْدِ كما لا يخفى.
وللناس في الرعد والبرق أقوال، والذي عُوِّل عليه: أنَّ الأول صوتُ زجٍ
الملك المؤثّل بالسحاب(٣)، والثاني: لمعانُ مخاريقه التي هي من نار. والذي
(١) في الحاشية ٣٩٧/١.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٨٣)، والترمذي (٣١١٧) من حديث ابن عباس ﴿ه، قال: أقبلت يهود
إلى النبي ﴿ فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ((ملك من الملائكة
موثّلٌ بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله)) ... ، وفي إسناده
بكير بن شهاب، وهو مقبول كما قال الحافظ في التقريب، يعني حيث يتابع، وقد تفرد في
هذا الحديث بذكر الرعد بأنه ملك.
(٣) ينظر حديث ابن عباس السالف.
الآية : ١٩
٤٨١
سُوَّةُ الْبَقَة
اشتَهر عند الحكماء أنَّ الشمس إذا أشرقت على الأرض اليابسة حلَّلت منها أجزاءً
ناريةً يُخالطها أجزاءٌ أرضية، فيرَّب منهما دخان ويختلط بالبخار، وهو الحادث
بسبب الحرارة السماوية إذا أَّرت في الِلَّة(١)، ويتصاعدان معاً إلى الطبقة الباردة،
وينعقد ثَمَّة سحابٌ ويحتقن الدخان فيه، ويطلب الصعودَ إن بقي على طبعه الحارِّ،
والنزولَ إنْ ثَقُلَ وبَرَدَ، وكيف كان، يمزِّقُ السحابَ بعنفه فيحدث منه الرعد، وقد
تشتعل منه - لشدة حركته ومحاكَّته - نارٌ لامعة، وهي البرق إن لطفتْ، والصاعقةُ إن
غلظتْ، وربما كان البرق سبباً للرعد، فإنَّ الدخان المشتعل ينطفئ في السحاب
فُيُسمع لانطفائه صوت، كما إذا أطفأنا النار بين أيدينا.
والرعد والبرق يكونان معاً، إلا أنَّ البرق يُرى في الحال؛ لأنَّ الإبصار
لا يحتاج إلا إلى المحاذاة من غير حجاب، والرعد يسمع بعدُ؛ لأنَّ السماع
إنما يحصل بوصول تموُّج الهواء إلى القوة السامعة، وذلك يستدعي زماناً، كذا
قالوهِ، وربما يختلج في ذهنك قُرْبُ هذا ولا تدري ماذا تصنع بما ورد عن حضرة
مَن أُسري به ليلاً. بلا رعد ولا برق على ظهر البراق، وعرج إلى ذي المعارج
حيث لا زمانَ ولا مكان، فرجع وهو أعلم خَلْقِ الله على الإطلاق ◌َّر، فأنا بحَوْل
مَنْ عزَّ حولُهُ، وتوفيق مَن غمرني فضلُه، أُوفِّق لك بما يزيل الغين عن العين، ويُظهر
سرَّ جوامع الكلم التي أُوتيها سيدُ الكونين وَه.
فأقول: قد صحَّ عند أساطين الحكمة والنبوةِ مما شاهدوه في أرصادهم
الروحانية في خلواتهم ورياضاتهم، وكذا عند سائر المتألّهين الربّانيِّين من حكماء
الإسلام والفرس وغيرهم، أنَّ لكلِّ نوع جسمانيٌّ من الأفلاك والكواكب والبسائط
العنصرية ومرتَّباتها ربًّا، هو نورٌ مجرَّدٌ عن المادة، قائمٌ بنفسه مدبّرٌ له حافظً إياه،
وهو المنمِّي والغاذي والمولِّد في النبات والحيوان والإنسان، لامتناع صدور هذه
الأفعال المختلفة في النبات والحيوان عن قوةٍ بسيطة لا شعور لها، وفينا عن أنفسنا
وإلا لكان لناشعورٌ بها، فجميع هذه الأفعال من الأرباب، وإلى تلك الأرباب أشار
صاحب الرسالة العظمى وَه بقوله: ((وإنَّ لكلِّ شيء مَلَكاً))(٢) حتى قال: ((إنَّ كلَّ
(١) البِلَّة: النُّدوة، وبلَّ الشيءَ بلاً وبِلَّة: نذَّاه. معجم متن اللغة (بلل).
(٢) لم نقف عليه.
سُورَةُ الشََّقَةِ
٤٨٢
الآية : ١٩
قطرة من القطرات ينزل معها ملك))(١) وقال: ((أتاني ملك الجبال وملك البحار))(٢).
وحكى أفلاطونُ عن نفسه: أنه خلع الظلمات النفسانيةَ والتعلقاتِ البدنيةَ
وشاهدها. وذكر مولانا الشيخ صَدْرُ الدِّين القُونوي قُدِّس سرُّه(٣) في تفسير
الفاتحة: أنه ماثَمَّ صورةٌ إلا ولها روحٌ. وأطال أهل الله تعالى الكلامَ في ذلك.
فإذا علمتَ هذا فلا بُعْدَ في أن يقال: أراد ﴿ بالملك المؤثّل بالسحاب - في
بيان الرعد - هو هذا الربُّ المدبِّرُ الحافظُ، وبزجره تدبيرُهُ له حَسْبَ استعداده
وقابليَّته، وأراد بصوت ذلك الزَّجْرِ ما يحدث عند الشقِّ بالأبخرة الذي يقتضيه ذلك
التدبير، وأراد بالمخاريق في بيان البرق - وهي جمعُ مخراقَ، وهو في الأصل ثوبٌ
يُلفُّ وتَضْرِبُ به الصبيان بعضهم بعضاً - الآلةَ التي يحصل بواسطتها الشق، ولا شك
أنها - كما قرَّرْنا - من نار أشعلتها شدةُ الحركة والمحاگّة فظهرت كما ترى.
وحيث فتحنا لك هذا الباب قَدرْت على تأويل كثيرٍ مما ورد من هذا القبيل،
حتى قولهم: إنَّ الرعد نُطقُ الملك، والبرق ضحكُه، وإن كان بحسب الظاهر
مما يضحك منه، ولم أر أحداً وُفِّق فوقَّق، وتحقَّق فحقَّق، والله تعالى الموفِّق، وهو
حسبي ونعم الوكيل.
﴿يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِمِ مِنَ الصََّّعِقِ حَذَّرَ الْمَوْتِّ ﴾ الضمائر عائدةٌ على
المحذوف المعلوم فيما قبلُ، وكثيراً ما يلتفت إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَكُم مِّن
قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَّتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] والجملةُ استئنافٌ لا محلّ
لها من الإعراب، مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام، كأنه قيل عند بيان أحوالهم
(١) لم نقف عليه، قال الطبري ٣٦٢/١: قيل: إن مع كلِّ قطرة من قطر المطر ملكاً.
(٢) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥) من حديث عائشة غيرتا
نحوه، وفيه أن جبريل قال للنبي {$$ لما كذبه قومه: «إن الله قد سمع قول قومك لك وما
ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم)) قال: ((فناداني ملك الجبال
وسلَّم علي، الحديث.
(٣) محمد بن إسحاق بن محمد القونوي الصوفي صاحب ابن عربي، من مصنفاته: تفسير سورة
الفاتحة، وكتاب النصوص في تحقيق الطور المخصوص، توفي سنة (٦٧٣هـ). طبقات
الشافعية ٨/ ٤٥، وطبقات الأولياء ص ٤٦٧، وكشف الظنون ١٩٥٦/٢ .
الآية : ١٩
٤٨٣
سُورَةُ الْبَقَة
الهائلة: فماذا يصنعون في تضاعيف تلك الشدة؟ فقال: ((يجعلون)) إلخ. وجوَّزوا
وجوهاً أُخَرَ ككونها في محلٌّ جرِّ صفةٍ للمقدَّر، وجُوِّز فيها وفي ((يكاد)» كونُها صفةً
(صيِّب)) بتأويل نحوٍ: لا يطيقونه. أو في محلٌّ نصبٍ على الحال من ضمير ((فيه))،
والعائد محذوفٌ أو اللامُ نائبةٌ عنه، أي: صَوَاعِقِه(١).
والجَعْلُ في الأصل: الوضع. والأصابعُ جمع إصبع، وفيه تسعُ لغاتٍ حاصلة
من ضرب أحوال الهمزة الثلاثِ في أحوال الباء كذلك، وحَكُوا عاشرةً، وهي
أُصبوع بضمِّها مع واو، وهي مؤنّئة، وكذا سائرُ أسمائها إلا الإبهام، فبعضُ بني
أسد یذگِّرها، والتأنيثُ أجود ..
وفي الآية مبالغةٌ في فَرْطِ دهشتهم وكمالِ حيرتهم - كما في ((الفرائد)» - من
وجوه.
أحدها: نسبةُ الجَعْلِ إلى كلِّ الأصابع، وهو منسوبٌ إلى بعضها وهو الأنامل.
وثانيها: من حيث الإبهامُ في الأصابع و المعهودُ إدخالُ السبابة، فكأنهم من
فَرْطِ دهشتهم يدخلون أيَّ إصبع كانت، ولا يسلكون المسلك المعهود.
وثالثها: في ذكر الجَعْلِ موضعَ الإدخالِ فإنَّ جَعْلَ شيء في شيء أدلُّ على
إحاطة الثاني بالأول من إدخاله فيه.
وهل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكلِّ باسم جُزْئِه، أو للتجوُّز في الجَعْلِ،
أو هو من المجاز العقليّ بأن ينسب الجعل للأصابع وهو للأنامل؟ فيه خلاف،
والمشهور هو الأول وعليه الجمهور، وابن مالك وجماعةٌ على الأخير ظنًّا منهم أنَّ
المبالغة في الاحتراز عن استماع الصاعقة إنما يكون عليه، ولم يكتفوا فيها بتبادر
الذهن إلى أنَّ الكلَّ أُدخل في الأذن قبل النظر للقرينة.
وقيل: لا مجاز هنا أصلاً؛ لأنَّ نسبة بعض الأفعال إلى ذي أجزاء تنقسم،
يكفي فيه تلبُّسه ببعض أجزائه، كما يقال: دخلتُ البلد، وجئت ليلة الخميس
ومسحت بالمنديل، فإنَّ ذلك حقيقةٌ، مع أنَّ الدخولَ والمجيء والمسحَ في بعض
(١) يعني أن الألف واللام في ((الصواعق)) نابت عن العائد، فيكون التقدير: يجعلون أصابعهم
في آذانهم من صواعقه. ينظر الدر المصون ١/ ١٧٢، وحاشية الشهاب ٣٩٨/١.
سُورَةُ الْبََّة
٤٨٤
الآية : ١٩
البلدِ والليلةِ والمنديل. ولا يخفى أنَّ كون مثل ذلك حقيقة ليس على إطلاقه،
والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر.
و ((من)) تعليليةٌ تغني غناءً اللام في المفعول له، وتدخل على الباعث المتقدِّم
والغرض المتأخِّر، وهي متعلِّقة بـ ((يجعلون)) وتعلُّقُها بالموت بعيد، أي: يجعلون من
أجل الصواعق، وهي جمع صاعقة، ولا شذوذَ، والظاهرُ أنها في الأصل صفةٌ من
الصَّعْق وهو الصراخ، وتاؤها للتأنيث إن قُدِّرت صفةً لمؤنث، أو للمبالغة إن لم
تُقَدَّر، كراوية، أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية، كحقيقة، وقيل: إنها مصدرٌ
كالعافية والعاقبة، وهي اسمٌ لكلِّ هائلٍ مسموعٍ أو مشاهَدٍ، والمشهورُ أنها الرعد
الشديد معه قطعة من نارٍ لا تمرُّ بشيء إلا أتت عليه، وقد يكون معه جِرْمٌ حجريٌّ أو
حديدي، وسدُّ الآذان إنما ينفع على المعنى الأول، وقد يراد المعنى الثاني، ويكون
في الكلام إشارةٌ إلى مبالغةٍ أخرى في فرط دهشتهم، حيث يظنون مالا ينفع نافعاً.
وقرأ الحسن (من الصواقع) (١) وهي لغة بني تميم كما في قوله:
ألم تر أنَّ المجرمين أصابهم صواقعُ لابل هنَّ فوق الصواقع(٢)
وليس من باب القلب على الأصح؛ إذ علامته كونُ أحد البِنَاءينِ فائقاً للآخر
ببعض وجوه التصريف، والبناءان هنا مستويان في التصرُّف.
و ((حذر الموت)) نصبٌ على العلة لـ ((يجعلون))، وإن كان ((من الصواعق)) في
المعنى مفعولاً له كان هناك نوعان؛ منصوب ومجرور، ولزوم العطف في مثله غير
مسلّم، خلافاً لمن زعمه، ولا مانع من أن يكون علةً له مع علته، كما أنَّ ((من
الصواعق)) علة له نفسه، وورد مجيء المفعول له معرفةً وإن كان قليلاً كما في قوله:
وأُغْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تَكَرُّما(٣)
وأَغْفرُ عوراءَ الكريم ادِّخاره
(١) القراءات الشاذة ص٣.
(٢) البيت لعمرو بن أحمر كما في اللسان (صقع)، والتاج (صقع).
(٣) البيت لحاتم الطائي، وهو في ديوانه ص٨١، والكتاب ٣٦٨/١ و١٢٦/٣. قال السيرافي
في شرح أبيات سيبويه ٤٥/٢: العوراء: الكلمة القبيحة، يقول: إذا بلغتني كلمة قبيحة قالها
فيَّ رجل کریم غفرت له، وادخرته لیوم أحتاج إليه فیه.
الآية : ١٩
٤٨٥
سُورَةُ الْبَدَة
وجَعْلُهُ مفعولاً مطلقاً لمحذوف - أي: يحذرون حَذَرَ الموت - بعيد.
وقرأ قتادة والضحاك وابن أبي ليلى: ((حِذار))(١) وهو كحَذَر: شدة الخوف(٢).
والموت في المشهور: زوالُ الحياة عما يتصَّف بها بالفعل، وإطلاقهُ على
العدم السابق في قوله سبحانه: ﴿وَكُنْتُمْ أَقْوَتًا فَأَحْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] مجاز،
لا يَرِدُ قوله تعالى: ﴿فَلَقَ الْمَوْتَ﴾ [الملك: ٢] إذ الخلقُ فيه بمعنى القديرِ وتعیینٍ
المقدار بوجهٍ ما، وهو يوصَفُ به الموجودُ والمعدوم؛ لأنَّ العدم كالوجود له مدةٌ
ومقدارٌ معيَّنٌ عنده تعالى، وقيل: المراد بخَلْقِ الموت إحداثُ أسبابه.
وقيل: إنه العدم مطلقاً وإن لم يكن مخلوقاً، إلا أنَّ إعدام الملكات مخلوقة
لما فيها من شائبة التحقق، بمعنى أنَّ استعداد الموضوع معتبر في مفهومها، وهو
أمرٌ وجوديٌّ، فيجوز أن يعتبر تعلُّقُ الخلقِ والإيجاد باعتبار ذلك.
وصحَّح محقِّقو أهل السنة أنَّ الموت صفةٌ وجوديةٌ خلقت ضدًّا للحياة، ولهذا
يظهر كما في الحديث - يوم تتجسَّد المعاني، كما قال أهل الله تعالى - بصورة كبش
أملح(٣)، ويصيرُ عدماً محضاً؛ إذ يُذبح بمُدية الحياة التي لا ينتهي أمدها.
﴾ أي: لا يفُوتونه كما لا يفوتُ المُحاطُ المُحيطَ،
﴿وَلَهُ مُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ
فإحاطته تعالى بهم مجازٌ تشبيهاً لحال قدرته الكاملةِ التي لا يفوتُها المقدور أصلاً
بإحاطة المحيط بالمحاط بحيث لا يفوته، فيكون في الإحاطة استعارةٌ تبعيَّةٌ. وإن
شُبِّه حالهُ تعالى - وله المثل الأعلى - معهم بحالِ المحيطِ مع المحاط، بأن تُشبَّه
هيئة منتزعةٌ من عدة أمور بمثلها، كان هناك استعارة تمثيلية لا تصرف في مفرداتها،
إلا أنه صرح بالعمدة منها وقدَّر الباقي، فافهم.
وجوَّز أبو علي (٤) في ((محيط)) أن يكون بمعنى مُهْلِك، كما في قوله تعالى:
(١) القراءات الشاذة ص٣، والمحرر الوجيز ١٠٢/١، والكشاف ٢١٨/١.
(٢) قوله: شدة الخوف، ليس في الأصل.
(٣) أخرجه أحمد (١١٠٦٦)، والبخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩) من حديث أبي سعيد
◌ُ.
الخدري ـ
(٤) هو الفارسي، كما في حاشية الشهاب ٤٠٢/١.
سُوَّةُ الْبَحْمَة
٤٨٦
الآية : ٢٠
﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْتَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، أو عالم علم مجازاة، كما في قوله تعالى:
﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيِهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] وكلُّ هذا من الظاهر، ولأهل الشهود كلام من ورائه
محيط .
والواو اعتراضية لا عاطفة ولا حالية، والجملة معترضة بين جملتين من قصة
واحدة، وفيها تتميم للمقصود من التمثيل بما تفيده من المبالغة، لأنَّ ((الكافرين))
وُضع موضع الضمير وعُبِّر به إشعاراً باستحقاق ذوي الصيِّب ذلك العذابَ لكفرهم،
فيكون الكلام على حدٍّ قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوِ الذُّنْيَا كَمَثَلِ
رِجُ فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] فإنَّ التشبيه
بحرثِ قومٍ كذلك لا يخفى حُسْنُهُ؛ لأن الإهلاك عن سخط أشدُّ وأبلغ. وفيه تنبيه
على أنَّ ما صنعوه من سدِّ الآذان بالأصابع لا يغني عنهم شيئاً وقد أحاط بهم
الهلاك، ولا يدفع الحذرُ القدرَ، وماذا يصنع مع القضاء تدبيرُ البشر؟
وجَعْلُ الاعتراض من جملة أحوال المشبّه، على أنَّ المراد بالكافرين
المنافقون، ولا محيصَ لهم عن عذاب الدارين ووسّط بين أحوال المشبّه به
لإظهار كمال العناية بشأن المشبّه، والتنبيه على شدة الاتصال= مما يأباه الذوقُ
(١)
السليم(١).
﴿يَكَادُ الْبَّقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ﴾ استئنافٌ آخرُ بيانيٍّ، كأنه قيل: فكيف حالُهم مع
ذلك البرق؟ فقال: ((يكاد)» إلخ، وفي ((البحر))(٢): يحتمل أن يكون في موضع جرِّ
لذوي المحذوفة فيما تقدَّم.
ويكاد: مضارعُ كاد، من أفعال المقاربة، وتدلُّ على قرب وقوع الخبر، وأنه لم
يقع، والأول لوجود أسبابه والثاني لمانع أو فَقْدٍ شرطٍ على ما تقضي العادة به،
والمشهور أنها إن نُفيت أَثبتت، وإن أُثبتتَ نَفَتْ، وألغْزَوا بذلك، ولم يَرْتَضِ هذا
أبو حيان، وصحّح أنها كسائر الأفعال في أنَّ نفيها نفيٌّ وإثباتها إثبات(٣).
(١) حاشية الشهاب ١/ ٤٠٢.
(٢) ١/ ٨٨.
(٣) في البحر ٨٨/١.
الآية : ٢٠
٤٨٧
سُؤَدَّةُ الْبَّفَقَة
واللام في ((البرق)) للعهد، إشارةً إلى ما تقدم نكرةً. وقيل: إشارة إلى البرق
الذي مع الصواعق، أي: برقُها، وهو كما ترى. وإسناد الخطف - وهو في
الأصل: الأخذُ بسرعة، أو الاستلاب - إليه من باب إسناد الإحراق إلى النار،
وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقُه قريباً.
والشائع في خبر كاد أن يكون فعلاً مضارعاً غيرَ مقترنٍ بأن المصدرية،
الاستقبالية، أما المضارع فلدلالته على الحال المناسب للقرب، حتى كأنه لشدَّة
قربه وقع، وأمَّا أنه غيرُ مقترنٍ بأنْ فلمُنافاتها لمَا قَصَدوا، ونحو:
فأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كذْتُ آيباً (١)
و: كاد الفقر أن يكون كفراً (٢).
قد كاد مِن طولِ البِلَى أنْ يَمْصَحا(٣)
و :
قلیل.
وقرأ مجاهد وعلي بن الحسين ويحيى بن وثاب: ((يخطِف)) بكسر الطاء(٤)،
والفتح أفصح. وعن ابن مسعود: ((يختطف)). وعن الحسن: ((يَخَطّف)): بفتح الياء
والخاء وأصلهُ يختطف، فأدغم التاء في الطاء. وعن عاصم وقتادة والحسن أيضاً:
(يَخِطِّفُ)) بفتح الياء وكسر الخاء والطاء المشددة. وعن الحسن أيضاً والأعمش:
(ِخِطّف)) بكسرٍ الثلاثة والتشديد. وعن زيد: ((يُخَطِّف)) بضم الياء وفتح الخاء وكسر
(١) وعجزه: وكم مثلها فارقتها وهي تَصْفِرُ. والبيت لتأبَّط شرًّا، وهو في ديوانه ص٩١، والخصائص
٣٩١/١، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٨٣/١، والخزانة ٣٧٤/٨، ورواية المرزوقي:
ولم أَكُ آيباً، وفي الترجيح بين الروايتين خلاف ينظر تفصيله في الخزانة. وفَهُم اسم قبيلة.
(٢) المستقصى ٢٠٣/٢، وروي مرفوعاً عن النبي * من حديث أنس ظه، أخرجه ابن
الجوزي في العلل المتناهية (١٣٤٦)، وقال: هذا حديث لا يصح عن النبي ◌َّر. وينظر
المقاصد الحسنة ص٣١١.
(٣) البيت لرؤبة، وهو في ملحقات ديوانه ص ١٧٢، والكتاب ١٦٠/٣، والمقتضب ٧٥/٣،
وقبله: رسمٌ عفا من بعد ما قد امَّحى. قال الأعلم في شرح الشواهد ص ٤٤٣: وصف منزلاً
بالقدم وعُفُوّ الأثر، ويمصح في معنى يذهب.
(٤) القراءات الشاذة ص٣، والمحتسب ١/ ٦٢.
سُورَّةُ الْبَقَة
٤٨٨
الآية : ٢٠
الطاء المشددة (١)، وهو تكثيرُ مبالغةٍ لا تعديةٍ. وكَسْرُ الطاءِ في الماضي لغةُ قريش،
وهي اللغة الجيدة.
﴿كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ استئنافٌ ثالث، كأنه لما قيل:
إنهم مُبْتَلَوْن باستمرارِ تجدُّدِ خَطْفِ الأبصار، فُهم منه أنهم مشغولون بفعلٍ ما يحتاج
إلى الإبصار ساعةً فساعة، وإلَّا لغَطّوْها كما سدُّوا الآذان، فسئل وقيل: ما يفعلون
في حالتي وميض البرق وعَدَمِه؟ فأجيب بأنهم حراصٌ على المشي، كلَّما أضاء
لهم، اغتنموه ومَشَوْا، وإذا أظلم عليهم توقَّقوا مُتَرصِّدين.
و((كلما)) في هذه الآية وأمثالها منصوبةٌ على الظرفية، وناصبُها ما هو جوابٌ
معنىّ. و ((ما)) حرفٌ مصدريٌّ، أو اسمٌ نكرةٌ بمعنى وقت، فالجملةُ بعدها صلةٌ أو
صفة. وجُعلت شرطاً لما فيها من معناه، وهي لتقدير ما بعدها بنكرةٍ تفيدُ عموماً
بدليًّا، ولهذا أفادت ((كلما)) التكرارَ كما صرح به الأصولیون، وذهب إليه بعض
النحاة واللغويين. واستفادةُ التكرار من ((إذا)) وغيرِها من أدوات الشرط من القرائن
الخارجية على الصحيح، ومن ذلك قولهُ:
إذا وجدتُ أُوارَ الحبِّ من كبدي
أقبلتُ نحو سقاءِ القوم أَبتَرِهُ(٢)
وزعم أبو حيان (٣) أنّ التكرار الذي ذكره الأصوليون وغيرهم في (كلما))
إنما جاء من عموم ((كل)) لا مِن وَضْعِها، وهو مخالفٌ للمنقول والمعقول، وقد
استعملت هنا في لازم معناها كنايةً أو مجازاً وهو الحرصُ والمحبة لِمَا دخلت
عليه، ولذا قال مع الإضاءة ((كلما)) ومع الإظلام ((إذا)). وقولُ أبي حيان: إنَّ
التكرار متى فُهم من ((كلما)) هنا، لزم منه التكرار في ((إذا)»، إذ الأمرُ دائرٌ بين إضاءةِ
(١) تنظر هذه القراءات وزيادة عليها في القراءات الشاذة ص٣، والمحتسب ٥٩/١- ٦٢،
والكشاف ٢١٩/١، والمحرر الوجيز ١٠٣/١، ومعاني القرآن للفراء ١٨/١، وإعراب
القرآن للنحاس ١٩٥/١-١٩٦، والبحر ٩٠/١، والدر المصون ١٧٩/١.
(٢) البيت لعروة بن أذينة، كما في الشعر والشعراء ٤٨٤/٢. الأوار: حر الشمس والنار
والعطش. القاموس (أور).
(٣) في البحر ١/ ٩٠.
الآية : ٢٠
٤٨٩
سُورَةُ البََّة
البرق والإظلام، ومتى وجد ذا فُقد ذا، فلزم مِن تكرارٍ وجودِ ذا تكرارُ عدم
ذا(١) = غفلةٌ عما أرادوه من هذا المعنى الكنائي والمجازي.
و «أضاء» إما متعدٍّ كما في قوله:
أَعد نظراً يا عبد قيس لعلَّما أضاءت لك النارُ الحمارَ المقيَّدا(٢)
والمفعولُ محذوفٌ، أي: كلما أضاء لهم ممشىّ مَشَوْا فيه وسلكوه، وإما لازمٌ،
ويقدَّر حينئذ مضافان، أي: كلما لمع لهم مشوا في مُطَرح ضوئه، ولا بدَّ من
التقدير، إذ ليس المشي في البرق بل في مَحَلِّه وموضع إشراق ضوئه.
وكونُ ((في)) للتعليل، والمعنى: مشوا لأجلِ الإضاءة فيه، يتوقّف فيه مَن له
ذوقٌ في العربية.
ويؤيِّدُ اللزومَ قراءةُ ابن أبي عبلة: ((ضاء)) ثلاثيًّا(٣)، وفي مصحف ابن مسعود
بدلَ ((مشوا فيه)): ((مضوا فيه))(٤).
و للإشارة إلى ضعف قواهم لمزيد خوفهم ودهشتهم لم يأتِ سبحانه بما يدل
على السرعة، ولمَّا حذف مفعول أضاء وكانت النكرةُ أصلاً، أشار إلى أنهم لفرط
الحيرة كانوا يخبطون خبط عشواء، ويمشون كلَّ ممشى.
ومعنى (أظلم عليهم)) اختفى عنهم، والمشهورُ استعمال أظلم لازماً، وذكر
الأزهريُّ - وناهيك به - في ((التهذيب))(٥): أنَّ كلَّ واحد من أوصاف الظلم يكون
لازماً ومتعدِّياً. وعلى احتمال التعدِّي هنا، ويؤيِّده قراءةُ زيد بن قطيب والضحاك:
(أُظلم)) بالبناء للمفعول(٦)، مع اتفاقِ النُّحاة على أنَّ المطّرد بناءُ المجهول من
المتعدِّي بنفسه = يكون المفعول محذوفاً، أي: إذا أظلم البرقُ بسبب خفائه معاينةً
(١) المصدر السابق.
(٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٢١٣/١.
(٣) الكشاف ٢٢٠/١.
(٤) القراءات الشاذة ص٣.
(٥) تهذيب اللغة ٤/ ٣٨٢.
(٦) المحرر الوجيز ١٠٤/١ والكشاف ٢٢٠/١.
سُورَةُ البََّقَة
٤٩٠
الآية : ٢٠
الطريق قاموا، أي: وقفوا عن المشي، ويتجوَّز به عن الكساد، ومنه: قامت
السوق، وفي ضدِّه يقال: مشت الحال.
﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ﴾ عطفٌ على مجموع الجمل الاستئنافية،
ولم يجعلوها معطوفةً على الأقرب ومن تتمَّته؛ لخروجها عن التمثيل، وعدمٍ
صلاحيتها للجواب، وعَظْفُ ما ليس بجواب على الجواب ليس بصواب، وجوَّزه
بعضُ المحققين؛ إذ لا بأس بأن يزاد في الجواب ما يناسبه وإن لم يكن له دخلٌ
فيه، بل قد يستحسن ذلك إذا اقتضاه المقام كما في: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى﴾
الآية [طه : ١٧].
وكونُها اعتراضيةً، أو حاليةً من ضمير ((قاموا)) بتقدير المبتدأ، أو معطوفةً على
الجملة الأولى مع تخلُّل الفواصل اللفظيةِ والمقدَّرةِ = فضولٌ عند ذوي الفضل.
والقولُ بأنه أتى بها لتوبيخ المنافقين حيث لم ينتهوا، لأنَّ مَن قدر على إيجاد
قصيف الرعد و وميضه وإعدامهما، قادرٌ على إذهاب سمعهم وأبصارهم، فلا يرجعون
عن ضلالهم = محلٌّ للتوبيخ، إذ لا يصحُّ عطفُ الممثَّل له على حالِ الممثَّل به.
ومفعول ((شاء)» هنا محذوفٌ، وكثيراً ما يحذفُ مفعولها إذا وقعت في حيِّز
الشرط ولم يكن مستغرباً، والمعنى: ولو أراد الله إذهابَ سمعهم بقصيف الرعدِ و
أبصارِهم بوميض البرق لذهب، ولتقدُّم ما يدلُّ على التقييد من ((يجعلون)) و ((يكاد)»
قوي دلالةُ السياق عليه، وأخرجه من الغرابة، ولك أن لا تقيِّد ذلك المفعولَ وتقيدَ
الجوابَ كما صنعه الزمخشريَّ(١)، أو لا تُقيِّد أصلاً، ويكون المعنى: لو أراد الله
إذهاب هاتيك القوى أذهبها من غير سبب، فلا يغنيهم ما صنعوه.
والمشيئةُ عند المتكلمين كالإرادة سواء، وقيل: أصل المشيئة إيجاد الشيء،
وإصابته، وإن استعمل عرفاً في موضع الإرادة.
وقرأ ابن أبي عبلة: ((لأَذْهبَ بأسماعهم))(٢) وهي محمولةٌ على زيادة الباء لتأكيد
(١) في الكشاف ٢٢١/١-٢٢٢، والتقدير فيه: ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد،
وأبصارهم بوميض البرق. وينظر حاشية الشهاب٤٠٩/١.
(٢) في الأصل و(م): لأذهب الله بأسماعهم، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في الكشاف
٢٢٢/١، وتفسير البيضاوي ١/ ١٠٢، وحاشية الشهاب ١/ ٤١١، وعنه نقل المصنف.
الآية : ٢٠
٤٩١
سُورَةُ الْبَقَة
التعدية، أو على أنَّ ((أذهب)) لازمٌ بمعنى ذهب، كما قيل بنحوه في: ﴿تَنَّبُتُ
بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيكُ﴾ [البقرة: ١٩٥] إذ الجمع بين أداتي تعديةٍ
لا يجوز. وبعضُهم يقدِّر له مفعولاً، أي: لأذهبهم، فيهون الأمر. وكلمة ((لو))
التعليق حصولِ أمرٍ ماضٍ هو الجزاءُ بحصول أمرٍ مفروضٍ هو الشرط؛ لما بينهما من
الدوران حقيقةً أو ادِّعاء، ومِن قضيةِ مفروضيَّةِ الشرط دلالتها على انتفائه قطعاً،
والمنازع فيه مکابرٌ.
وأمَّا دلالتها على انتفاء الجزاء فقد قيل وقيل، والحقُّ أنه إن كان ما بينهما من
الدوران قد بُني الحكم على اعتباره، فهي دالَّةٌ عليه بواسطةٍ مدلولها، ضرورةً
استلزام انتفاء العلة لانتفاء المعلول، أما في الدوران الكلّي كالذي في قوله تعالى
شأنه: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَدَنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٩، والنحل: ٩] وقولك: لو جئتني لأكرمتك،
فظاهر، ثم إنه قد يساق الكلام لتعليل انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط كما في المثالین،
وهو الاستعمال الشائع في ((لو)) ولذا قيل: إنها لامتناع الثاني لامتناع الأول، وقد
يساق للاستدلال بانتفاء الثاني لكونه ظاهراً أو مسلَّماً على انتفاء الأول لكونه
بعكسهِ كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِمَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] و ﴿لَوْ
كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] واللزومُ في الأول حقيقي وفي الثاني ادِّعائي،
وكذا انتفاء الملزومين، وليس هذا بطريق السببية الخارجية، بل بطريق الدلالة
العقلية الراجعة إلى سببية العلم بانتفاء الثاني للعلم بانتفاء الأول، ومَن لم يتنبه زعم
أنه لانتفاء الأول لانتفاء الثاني.
وأما في مادة الدوران الجزئيّ كما في قولك: لو طلعت الشمس لوُجد الضوء،
فلأنَّ الجزاء المنوطَ بالشرط ليس وجودَ أيِّ ضوء، بل وجودُ الضوء الخاصِّ الناشئ
من الطلوع، ولا ريب في انتفائه بانتفائه، هذا إذا بني الحكم على اعتبار الدوران،
وإن بُني على عدمه فإما أن يعتبر تحقّق مدارٍ آخَرَ له، أو لا .
فإن اعتُبر فالدلالةُ تابعةٌ لحال ذلك المدار، فإن كان بينه وبين الانتفاء الأول
منافاةٌ تعيَّن الدلالة، كما إذا قلت: لو لم تطلع الشمس لوُجدَ الضوء، فإنَّ وجود
الضوء معلّقٌ في الحقيقة بسبب آخر هو المدار، ووُضع عدم الطلوع موضعه لكونه
كاشفاً عنه، فكأنه قيل: لو لم تطلع الشمس لوجد الضوء بالقمر مثلاً، ولا ريب في
سُورَةُ الْبَحَقَة
٤٩٢
الآية : ٢٠
أنَّ هذا الجزاء منتفٍ عند انتفاء الشرط لاستحالة الضوء القمريّ عند طلوع الشمس.
وإن لم یکن بينهما منافاةٌ تعیَّن عدمُ الدلالة کحدیث: «لو لم تکن ربيبتي في حجري
ما حلَّت لي، إنها لَابنةُ أخي من الرضاعة)» (١) فإنَّ المدار المعتبر في ضمن الشرط
- أعني كونها ابنة الأخ ـ غيرُ منافٍ لانتفائه الذي هو کونُها ربیبته، بل مجامعٌ له،
ومن ضرورته مجامعةُ أثريهما، أعني: الحرمة الناشئة من هذا وهذا.
وإن لم يعتبر تحقّق مدارٍ آخر، بل بني الحكم على اعتبار عدمه، فلا دلالة لها
على ذلك أصلاً، ومساقُ الكلام حينئذٍ لبيان ثبوت الجزاء على كلِّ حالٍ بتعليقه
بما ينافيه، ليعلم ثبوته عند وقوع ما لا ينافيه بالأَوْلى، كما في قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ
أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآَيِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَّا لَّأَمْسَكُمْ﴾ [الإسراء: ١٠٠] فإنَّ الجزاء قد نيط بما ينافيه
إيذاناً بأنه في نفسه، بحيث يجب ثبوته مع فرض انتفاء سببه، أو تحقّقِ سبب
انتفائه، فكيف إذا لم يكن كذلك، على طريقةٍ ((لو)) الوصلية(٢). و: نِعْمَ
العبدُ صهيبٌ، لو لم يَخَفِ اللهَ لم يَعْصِه (٣)، إن حُمل على تعليق عدم العصيان في
ضمن عدم الخوف بمدارٍ آخر - کالحياء - ممَّا يجامع الخوفَ كان من قَبيل حديث
الربيبة، وإن حمل على بيان استحالةٍ عصيانه مبالغةً كان من هذا القبيل.
والآية الكريمة واردةٌ على الاستعمال الشائع، مفيدةٌ لفظاعة حالهم وهولٍ
ما دَهَمهم، وأنه قد بلغ الأمر إلى حيث لو تعلَّقت مشيئة الله تعالى بإزالة قواهم
لزالت، لتحقُّق ما يقتضيه اقتضاءً تاماً. وقيل: كلمة ((لو)) فيها لرَبْطِ جزائها بشرطها
مجرَّدة عن الدلالة على انتفاء أحدهما لانتفاء الآخر، بمنزلة إن.
ذكر جميعَ ذلك مولانا مفتي الديار الرومية (٤)، وأظنه قد أصاب الغرض، إلا أنَّ
كلام مولانا السيالكوتي يشعر باختيار أنَّ (لو)) موضوعةٌ لمجرَّدٍ تعليق حصولٍ أمر في
(١) أخرجه أحمد (٢٦٦٣٢)، والبخاري (٥١٠١)، ومسلم (١٤٤٩) من حديث أم سلمة
(٢) في مثل قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىَءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥]. تفسير أبي السعود
٥٦/١.
(٣) ذكره أبو عبيد في غريب الحديث ٣٩٤/٣ عن عمر عنه قوله. قال أبو عبيد: المعنى
والوجه فيه أن عمر به أراد أن صهيباً إنما يطيع الله تبارك وتعالى حبًّا له لا مخافة عقابه،
فلو لم يكن عقاب يخافه ما عصى الله عز وجل أيضاً .
(٤) هو أبو السعود في تفسيره ١/ ٥٥ - ٥٦.
الآية : ٢٠
٤٩٣
سُوَّةُ الْبَقَة
الماضي بحصول أمر آخر فيه، من غير دلالة على انتفاء الأول أو الثاني، أو على
استمرار الجزاء، بل جميعُ الأمور خارجةٌ عن مفهومها مستفادَةٌ بمعونة القرائن،
كيلا يلزم القول بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز من غير ضرورة، وبه قال بعضهم.
وما ذهب إليه ابن الحاجب من أنها للدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني من
لوازم هذا المفهوم، وكونه لازماً، لا يستلزم الإرادة في جميع الموارد، فإنَّ الدلالة
غيرُ الإرادة، وذكر أنَّ ما قالوه من أنها لتعليق حصولِ أمرٍ في الماضي بحصول أمرٍ
آخرَ فرضاً مع القطع بانتفائه، فيلزم لأجل انتفائه انتفاءُ ما عُلِّق به، فيفيد أنَّ انتفاءً
الثاني في الخارج إنما هو بسبب انتفاء الأول فيه، مع توقُّفه على كون انتفاء الأول
مأخوذاً في مدخولها، وقد عرفتَ أنه يستلزم خلاف الأصل، يَرِدُ عليه أنَّ المستفاد
من التعليق على أمرٍ مفروضٍ الحصول إبداءُ المانع من حصول المعلّق في الماضي،
وأنه لم يخرج من العدم الأصليِّ إلى حدِّ الوجود، وبقي على حاله لارتباط وجوده
بأمر معدوم، وأمَّا أنَّ انتفاءه سببٌ لانتفائه في الخارج، فكلًا، كيف والشرطُ
النحويُّ قد يكون مسبّباً مضافاً للجزاء؟ نعم إنَّ هذا مقتضى الشرط الاصطلاحي،
وما استدلَّ به العلامة التفتازاني على إفادتها السببية الخارجية من قول الحماسي:
لَطارَتْ ولكنَّه لم يَطِرْ (١)
ولو طار ذو حافرٍ قبلها
لأن استثناء المقدَّم لم(٢) ينتج، ففيه أنَّ اللازم مما ذكر أن لا تكون مستعملةً
للاستدلال بانتفاء الأول على انتفاء الثاني، ولا يلزم منه أن لا تكون مستعملةً
لمجرَّد التعليق؛ لإفادة إبداء المانع مع قيام المقتضي، كيف ولو كان معناها إفادةً
سببيةِ الانتفاءِ للانتفاء كان الاستثناء تأكيداً وإعادة، بخلاف ما إذا كان معناها مجرَّدَ
التعليق، فإنه يكون إفادةً وتأسيساً، وهذا محصِّلُ ما قالوه ردًّا وقبولاً، وزبدةٌ
ما ذكروه إجمالاً وتفصيلاً، ومعظم مفتي أهل العربية أَفْتَوْا بما قاله مفتي الديار
الرومية، ولا أوجبُ عليك التقليد، فالأقوال بين يديك فاختر منها ما تريد.
(١) البيت لأبيٍّ بن سلمى بن ربيعة الضَّبِّي، كما في شرح الحماسة للمرزوقي ٥٥٦/٢،
وللتبريزي ٥٩/٢. قال المرزوقي: يقول: لو أن ذوات الحافر جعل في قدرتها الطيران
لطارت هذه الفرس، وكانت الأَوْلى بذلك لما فيها من النجابة والعتق.
(٢) في (م): لا.
سُورَةُ الْبَنَة
٤٩٤
الآية : ٢٠
كالتعليل للشرطية، والتقريرِ لمضمونها الناطق
٢٠
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
بقدرته تعالى على إذهاب ما ذكر؛ لأنَّ القادر على الكلِّ قادرٌ على البعض. والشيء
لغةً: ما يصحُّ أن يُعلم ويخبر عنه، كما نصَّ عليه سيبويه، وهو شاملٌ للمعدوم
والموجود الواجب والممكن، وتختلف إطلاقاته، ويُعلم المراد منه بالقرائن، فيطلقُ
تارةً ويراد به جميعُ أفراده، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١]
بقرينةٍ إحاطةِ العلم الإلهيِّ بالواجب والممكنِ المعدومِ والموجودِ والمحالِ
الملحوظ بعنوانٍ ما. ويطلق ويراد به الممكنُ مطلقاً، كما في الآية الكريمة بقرينةٍ
القدرة التي لا تتعلَّق إلا بالممكن. وقد يطلق ويراد به الممكنُ الخارجيُّ الموجودُ
في الذهن، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (جَ إِلَّ أَنْ
يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤] بقرينة كونه متصوَّراً مَشيئاً فعلُه غداً. وقد يطلق ويراد به
الممكنُ المعدوم الثابت في نفس الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ
أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] بقرينةِ إرادةِ التكوين التي تختصُّ بالمعدوم.
وقد يطلق ويراد به الموجود الخارجيُّ، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ
وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] أي: موجوداً خارجيًّا؛ لامتناع أن يراد نفيُ كونه شيئاً
بالمعنى اللغويِّ الأعمِّ الشامل للمعدوم الثابتِ في نفس الأمر؛ لأنَّ كلَّ مخلوق فهو
في الأزل شيء، أي: معدوم ثابتٌ في نفس الأمر، وإطلاق الشيء عليه قد قُرِّرَ،
والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يعدل عنه إلا لصارفٍ ولا صارف، وشيوعُ
استعماله في الموجود لا ينتهض صارفاً إذ ذاك، إنما هو لكون تعلّق الغرض في
المحاورات بأحوال الموجودات أكثر، لا لاختصاصه به لغة.
وما ذكره مولانا البيضاويُّ(١) من اختصاصه بالموجود؛ لأنه في الأصل مصدرُ
شاء، أُطلق بمعنى شاءٍ (٢) تارةً، وحينئذ يتناول الباري تعالى، وبمعنى مَشيءٍ(٣)
أخرى، أي: مشيءٌ وجودهُ إلخ. ففيه - مع ما فيه - أنه يلزمه في قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ
(١) في تفسيره ١/ ١٠٢ .
(٢) في الأصل: شائي، والمثبت من (م) وتفسير البيضاوي، وقال الشهاب في الحاشية ١/ ٤١٢ :
قوله: أطلق بمعنى شاءٍ، اسم فاعل كجاءٍ، وأصله: شائي، فَأُعلَّ إعلال قاضٍ، فهو (يعني
شيء) مصدر أطلق على الفاعل، وهو مَن قامت به المشيئة، كعَدْل بمعنى عادل.
(٣) اسم مفعول بوزن مبيع ومَهيب. حاشية الشهاب ٤١٣/١.
الآية : ٢٠
٤٩٥
سُؤَةُ الْبَّكُغَة
بِكُلٍ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ استعمال المشترك في معنييه؛ لأنه إذا كان بمعنى الشائي
لا يشمل نحو الجمادات عنده، وإذا كان بمعنى المشيءٍ وجودهُ، لا يشمل الواجب
تعالى شأنه، وفي استعمال المشترك في معنييه خلاف، ولا خلافَ في الاستدلال
بالآية على إحاطة علمه تعالى. وأمَّا ما ذكر في شرحي المواقف والمقاصد فجعجعةٌ
ولا أرى طِحناً، وقعقعةٌ ولا أرى سلاحاً تِقْناً. وقد كفانا مؤنةً الإطالة في ردِّه
مولانا الكورانيُّ قُدِّس سرُّه(١)، والنزاع في هذا وإن كان لفظيًّا، والبحث فيه من
وظيفة أصحاب اللغة، إلا أنه يبتني على النزاع في أنَّ المعدوم الممكن ثابتٌ أوْلا؟
وهذا بحثٌ طالما تحيَّرت فيه أقوام، وزلَّت فيه أقدام.
والحقُّ الذي عليه العارفون الأوَّلُ؛ لأنَّ المعدوم الممكن، أي ما يصدقُ عليه
هذا المفهوم، يتصور ويُراد بعضه دون بعض، وكلُّ ما هو كذلك فهو متميِّز في نفسِه
من غير فرض الذهن، وكلُّ ما هو كذلك فهو ثابتٌ ومتقرّرٌ في خارج أذهاننا منفكًا
عن الوجود الخارجي، فما هو إلا في نفس الأمر، والمراد به علم الحقِّ تعالى
باعتبار عدم مغايرته للذات الأقدس، فإنَّ لعلم الحق تعالى اعتبارين:
أحدهما: أنه ليس غيراً، والثاني: أنه ليس عيناً. ولا يقال بالاعتبار الأول:
العلم تابعٌ للمعلوم؛ لأنَّ التبعية نسبةٌ تقتضي متمايزين ولو اعتباراً، ولا تمايزَ عند
عدم المغايرة، ويقال ذلك بالاعتبار الثاني للتمايز النسبي المصحِّح للتبعية،
والمعلومُ الذي يتبعه العلم هو ذاتُ الحقِّ تعالى بجميع شؤونه ونِسَبه واعتباراته،
ومن هنا قالوا: عِلْمُه تعالى بالأشياء أزلاً عينُ عِلْمِه بنفسه؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ من نسب
علمه بالاعتبار الأول، فإذا علم الذاتَ بجميع نسبها، فقد علم كلَّ شيء من عين
علمه بنفسه، وحيث لم يكن الشريك من نسب العلم بالاعتبار الأول؛ إذ لا ثبوت
له في نفسه من غير فرض؛ إذ الثابت كذلك هو أنه تعالى لا شريك له، فلا يتعلَّق به
العلم بالاعتبار الثاني ابتداء، ومتى كان تعلّق العلم بالأشياء أزلياً، لم تكن أعداماً
صِرْفة؛ إذ لا يصحُّ حينئذٍ أن تكون طرفاً، إذ لا تمايز، فإذن لها تحقّقٌ بوجهٍ ما،
(١) إبراهيم بن حسن الشافعي، برهان الدين، نزيل المدينة المنورة، الصوفي النقشبندي له من
المؤلفات ما ينوف على المئة، منها: شرح العوامل الجرجانية، ومسلك السداد إلى مسألة
خلق أفعال العباد، توفي سنة (١١٠١هـ). سلك الدرر ٥/١.
سُورَةُ الجََّة
٤٩٦
الآية : ٢٠
فهي أزليةٌ بأزلية العلم، فلذا لم تكن الماهيات بذواتها مجعولة؛ لأنَّ الجعل تابعٌ
للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت؛ فالثبوتُ متقدِّم على الجعل بمراتب؛
فلا تكون من حيث الثبوتُ أثراً للجعل وإلا لَدَارَ، وإنما هي مجعولةٌ في وجودها؛
لأنَّ العالمَ حادثٌ وكلُّ حادثٍ مجعولٌ، وليس الوجود حالاً حتى لا تتعلَّق به
القدرة، ويلزم أن لا يكون الباري تعالى موجداً للممكنات، ولا قادراً عليها؛ لأنه
قد حقق أنَّ الوجود بمعنى ما، بانضمامه إلى الماهيات الممكنة، يترتّب عليها
آثارُها المختصّة بها موجود.
أما أولاً؛ فلأنَّ كلَّ مفهوم مغايرٍ للوجود، فإنه إنما يكون موجوداً بأمر ينضمُ
إليه وهو الوجود، فهو موجودٌ بنفسه لا بأمر زائد، وإلا لتسلسل، وامتيازه عما عداه
بأنَّ وجوده ليس زائداً على ذاته.
وأما ثانياً، فلأنه لو لم يكن موجوداً لم يوجد شيء أصلاً؛ لأنَّ الماهية الممكنة
قبل انضمام الوجود متَّصفةٌ بالعدم الخارجيّ، فلو كان الوجود معدوماً كان مثلَها
محتاجاً لما تحتاجه، فلا يترتَّب على الماهية بضمِّه آثارها؛ لأنه على تقدير كونه
معدوماً ليس فيه بعد العدم إلا افتقارُه إلى الوجود، وهذا بعينه متحقِّقٌ في الماهية
قبل الضم، فلا يحدث لها بالضم وصفٌ لم تكن عليه، فلو كان هذا الوجودُ
المفتقِرُ مفيداً لترتيب (١) الآثار، لكانت الماهية مستغنيةً عن الوجود حالَ افتقارِها
إليه، واللازمُ باطلٌ لاستحالة اجتماع النقيضين، فلا بد أن يكون الوجود موجوداً
بوجودٍ هو نفسه، وإلا لتسلسل أو انتهى إلى وجود موجود بنفسه. والأول باطل،
والثاني قاضٍ بالمطلوب.
نعم الوجودُ بمعنى الموجودية حال؛ لأنه صفةٌ اعتباريةٌ ليست بعرضٍ ولا سلبٍ،
ومع هذا يتعلق به الجعل، لكن لا ابتداءً بل بضمِّ حصةٍ من الوجود الموجود إلى
الماهية، فيترتّب على ذلك اتصافُ الماهيةِ بالموجودية، وظاهرٌ أنه لا يلزم من عدم
تعلُّق القدرة بالوجود بمعنى الموجودية ابتداءً أن لا تتعلَّق به بوجهٍ آخر، وإذا تبيَّن
أنَّ الماهيات مجعولةٌ في وجودها، فلا بدَّ أن يكون وجودُ كلِّ شيء عینَ حقيقته،
(١) في (م): لترتب.
الآية : ٢٠
٤٩٧
سُورَةُ الْبَّنَة
بمعنى أنَّ ما صدق عليه حقيقةُ الشيء من الأمور الخارجية، هو بعينه ما صدق عليه
وجوده، وليس لهما هويَّتان متمايزتان في الخارج، كالسواد والجسم، إذ الوجود إن
قام بالماهية معدومةً لزم التناقض، وموجودةً لزم وجودان مع الدور أو التسلسل،
والقول بأنَّ الوجود ينضمُّ إلى الماهية من حيث هي لا تحقيق فيه؛ إذ تحقَّق في
محلِّه أنَّ الماهية قبل عروض الوجود متَّصفةٌ في نفس الأمر بالعدم قطعاً، لاستحالة
خلوِّها عن النقيضين فيه، غايةُ الأمر أنَّا إذا لم نعتبر معها العدم لا يمكن أن نحكم
عليها بأنها معدومة، وعدمُ اعتبارنا العدمَ معها حين عروض الوجود لا يجعلها
منفكَّةً عنه في نفس الأمر، وإنما يجعلها منفكّة عنه باعتبارنا، وضم الوجود أمرٌ
يحصل لها باعتبار نفس الأمر، لا من حيث اعتبارنا، فخلوُّها عن العدم باعتبارنا
لا يصحِّح اتِّصافَها بالوجود من حيث هي هي في نفس الأمر، سالماً عن المحذور،
فإذاً ليس هناك هويَّتان تقوم إحداهما بالأخرى، بل عينُ الشخص في الخارج عينُ
تعيُّن الماهية فيه، وهو عينُ الماهية فيه أيضاً؛ إذ ليس التعيُّن أمراً وجوديًّا مغايراً
بالذات للشخص، منضمًا للماهية في الخارج، ممتازاً عنهما فيه، مركَّباً منها ومن
الفرد، بل لا وجودَ في الخارج إلا للأشخاص، وهي عينُ تعيينات الماهية وعينُ
الماهية في الخارج لاتّحادهما فيه، وعلى هذا فلا شكّ في مقدورية الممكن إذ
جَعْلُه بجَعْل حصَّته من الوجود المطلق الموجودِ في الخارج مقترنةً بأعراضٍ وهيئات
يقتضيها استعدادُ حصَّته من الماهية النوعية، فيكون شخصاً، وإيجادُ الشخص من
الماهية على الوجه المذكور عينُ إيجاد الماهية؛ لأنهما متَّحدان في الخارج جَعْلاً
ووجوداً، متمايزان في الذهن فقط، وهذا تحقيقُ قولهم: المجعول هو الوجود
الخاصُّ، ولا يستعدُّ معدومٌ لعروضه إلا إذا كان له ثبوتٌ في نفس الأمر، إذ
ما لا ثبوت له - وهو المنفيُّ - لا اقتضاءَ فيه لعروض الوجود بوجهٍ، وإلا لكان
المحالُ مكناً واللازم باطل، فالثبوتُ الأزليُّ لماهيةِ الممكن هو المصححُ لعروض
الإمكان المصحِّح للمقدورية، لا أنه المانع كما توقَّموه.
هذا والبحثُ طويلٌ، والمطلبُ جليل، وقد أشبعنا الكلام عليه في ((الأجوبة
العراقية عن الأسئلة الإيرانية)) على وجهٍ رددنا فيه كلام المعترضين المخالفين
لما تَبِعْنا فيه ساداتنا الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم، وهذه نبذةٌ يسيرةٌ تنفعك في
سُوَّةُ الْبَقَة
٤٩٨
الآية : ٢٠
تفسير الآية الكريمة، فاحفظها فَلا أظنك تجدُها في تفسير. وحيث كان الشيءُ عامًا
لغةً واصطلاحاً عند أهل الله تعالى؛ وإن ذهب إليه المعتزلة أيضاً فلا بدَّ في مثل
ما نحن فيه من تخصيصه بدليل العقل بالممكن.
والقدرة عند الأشاعرة: صفةٌ ذاتيةٌ ذاتُ إضافةٍ تقتضي التمكُّن من الإيجاد
والإعدام والإبقاء، لا نفس التمكُّن لأنه أمرٌ اعتباري، ولا نفي العجز عنه تعالى، لأنه
من الصفات السلبية، ولعل مَن اختار ذلك اختاره تقليلاً للصفات الذاتية، أو نفياً لها .
والقادر: هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، ولكون المشيئة عندنا
صفةً مرجِّحةً لأحد طرفي المقدور، وعند الحكماء: العناية الأزلية، ساغ لنا أن
نعرِّفه بما ذكر دونهم، خلافاً لمن وهم فيه.
والقدير: هو الفعَّال لما يشاء على قَدْرِ ما تقتضيه الحكمة، وقلَّما يوصف به
غيره تعالى، والمقتدر إن استعمل فيه تعالى فمعناه القدير، أو في البشر فمعناه:
المتكلِّفُ والمكتسِبُ للقدرة، واشتقاقُ القدرة من القدر بمعنى التحديد والتعيين.
وفي الآية دليلٌ على أنَّ الممكن الحادثَ حالَ بقائه مقدورٌ؛ لأنه شيء، وكلُّ
شيء مقدورٌ له تعالى، ومعنى كونه مقدوراً أنَّ الفاعل إن شاء أعدمه وإن شاء لم
يُعْدِمْه، واحتياجُ الممكن حالَ بقائه إلى المؤثّر مما أجمع عليه مَن قال: إنَّ علَّة
الحاجة هي الإمكان، ضرورةً أنَّ الإمكان لازمٌ له حالَ البقاء. وأما من قال: إنَّ
علة الحاجة الحدوثُ وحده أو مع الإمكان، قال باستغنائه؛ إذ لا حدوث حينئذ،
وتمسَّك في ذلك ببقاء البناء بعد فناءِ البنَّاء، ولمَّا رأى بعضهم شناعة ذلك قالوا: إنَّ
الجواهر لا تخلو عن الأعراض وهي لا تبقى زمانين، فلا يتصوَّر الاستغناء عن
القادر سبحانه بحالٍ، وهذا مما ذهب إليه الأشعريُّ، ولما فيه من مكابرة الحسِّ
ظاهراً، أنكره أهلُ الظاهر، نعم يسلِّمه العارفون من أهل الشهود - وناهيك بهم -
حتى إنهم زادوا على ذلك فقالوا: إنَّ الجواهر لا تبقى زمانين أيضاً، والناسُ في
لَبسٍ من خَلْقٍ جديد، وأنا أُسلِّم ما قالوا، وأفوِّضُ أمري إلى الله الذي لا يتقيَّد
بشأن، وقد كان ولا شيءَ معه، وهو الآن على ما عليه كان.
ثم المرادُ من هذا التمثيل تشبيهُ حالِ المنافقين في الشدة، ولباس إيمانهم
المبطّن بالكفر المطرَّز بالخداعِ حَذَرَ القتل، بحال ذوي مطرٍ شديد فيه ما فيه،