النص المفهرس
صفحات 461-480
الآية : ١٧ ٤٥٩ سُورَةُ الْبَارَة العطف كما لا يخفى على مَن لم يُضِعْ فطرته السليمة. وجُوِّز أن تكون الجملة حالاً، ولا يخفى سوءُ حاله على مَن حَسُنَ تمييزه. وقرأ ابن أبي عبلة ((تجاراتهم)) على الجمع(١)، ووجهه أنَّ لكلِّ واحدٍ تجارة، ووجه الإفراد في قراءة الجمهور فهمُ المعنى مع الإشارة أنَّ تجاراتهم وإن تعدَّدت فهي من سوق واحدة، وهم شركاء فيها . ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِى أَسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ جملةٌ مقرِّرةٌ لجملة قصة المنافقين المسرودة إلى هنا، فلذا لم تُعطف على ما قبلها. ولما كان ذلك جارياً على ما فيه من استعارات وتجوُّزات مجرى الصفات الكاشفة عن حقيقة المنافقين وبيان أحوالهم عقَّبه ببيان تصوير تلك الحقيقة وإبرازها في صورة المشاهَد بضرب المثل تتميماً للبيان، فلضرب المثل شأنٌ لا يَخْفَى ونورٌ لا يُطْفَى يرفع الأستار عن وجوه الحقائق، ويميط اللثام عن مُحيًّا الدقائق، ويُبرِزُ المتخيَّل في معرض اليقين، ويجعل الغائب كأنه شاهد، وربما تكون المعاني التي يُراد تفهيمُها معقولةً صرفة، فالوهم ينازع العقل في إدراكها حتى يحجبها عن اللحوق بما في العقل فيِضَرْبٍ الأمثال تبرز في معرض المحسوس، فيساعد الوهمُ العقلَ في إدراكها ، وهناك تنجلي غياهب الأوهام، ويرتفع شغب الخصام ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. وقيل: الأشبه أن تجعل موضِّحة لقوله تعالى: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ آَشْتَّرُوا﴾ إلخ، ولا بُعْدَ فيه، والحمل على الاستئناف بعيدٌ، لاسيما والأمثال تُضرب للكشف والبيان. والمَثَل - بفتحتين - كالمِثْل بكسر فسكون، والمثيلُ في الأصل: النظيرُ والشبيه، والتفرقةُ لا أرتضيها، وكأنه مأخوذٌ من المثول وهو الانتصاب، ومنه الحديث: ((مَن أحبَّ أن يتمثَّل له الناس قياماً، فليتبوَّأ مقعده من النار))(٢) ثم أطلق على الكلام البليغ الشائع الحسَن المشتمل إمّا على تشبيهٍ بلا شبيه، أو استعارةٍ رائقةٍ تمثيلية وغيرها، أو حكمةٍ وموعظة نافعة، أو كنايةٍ بديعة، أو نظم من جوامع الكّلِم الموجَز. ولا يشترط فيه أن يكون استعارةً مرَّبةً خلافاً لمن وهم، بل لا يشترط أن (١) القراءات الشاذة ص٣. (٢) أخرجه أحمد (١٦٨٣٠)، والترمذي (٢٧٥٥) من حديث معاوية له. قال الترمذي: حديث حسن . سُورَةُ الْبَقَة ٤٦٠ الآية : ١٧ يكون مجازاً، وهذه أمثال العرب أُفردت بالتأليف وكَثُرتْ فيها التصانيف، وفيها الكثير مستعملاً في معناه الحقيقي، ولكونه فريداً في بابه، وقد قُصد حكايته، لم يُجوِّزوا تغييره لفوات المقصود. وتفسيرُه بالقول السائر الممثَّلِ مَضْرِبُه بمَوْرِدِه(١)، يَرِدُ عليه أمثال القرآن؛ لأنَّ الله تعالى ابتدأها وليس لها مَوْرِدٌ من قبل، اللهم إلا أن يقال: إنَّ هذا اصطلاحٌ جديد، أو أنَّ الأغلب في المثل ذلك، ثم استعير لكلِّ حالٍ أو قصة أو صفةٍ لها شأنٌ وفيها غرابة، ومن ذلك ﴿وَلِلَِّ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] و﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى رُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]. وهو المرادُ هنا في المثل دون التمثيل المدلولِ عليه بالكاف. والمعنى: حالهم العجيبةُ الشأنِ كحالٍ مَن استوقد ناراً ... إلخ، فيما سيُكشف عن وجهه إن شاء الله تعالى، فالكاف حرفُ تشبيهٍ متعلقةٌ بمحذوفٍ خبرٍ عن المبتدأ، وزعم ابن عطية (٢) أنها اسمٌ، مِثلها في قول الأعشى: أَتَشْتَهون ولن يَنْهَى ذوي شَطَطِ كالطعن يذهبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ(٣) وهذا مذهب أبي الحسن(٤)، وليس بالحسن إلا في الضرورة. والقولُ بالزيادة كما في قوله: فَصُيِّرُوا مِثلَ كعصفٍ مأكول(٥). زيادةٌ في الجهل. (١) المورد - بكسر الراء - الموضع الذي ورد المثل فيه، أي: الذي كان فيه أول استعمالاته: والمضرب: الموضع الذي استعمل فيه بعد استعمال قائله الأول، والممثَّل: المشبّه. حاشية الشهاب ١/ ٣٦٣. (٢) في المحرر الوجيز ٩٩/١. (٣) ديوان الأعشى ص١١٣، والمقتضب ١٤١/٤، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٠٨١/٣، والخزانة ٤٥٣/٩، ورواية في الديوان والخزانة: لا تنتهون ... ، قال البغدادي: لا تنتهون، أي: لا تنزجرون. ذوي: مفعول مقدم، والشَّطَط: الجور والظلم. والكاف في قوله: كالطعن، فاعلُ يَنْهى. والفُتُل: جمع فتيلة، أراد فتيلة الجراحة، والمعنى: لا ينهى أصحابَ الجور مثلُ طعن نافذٍ إلى الجوف يغيب فيه الزيت والفُتُل. (٤) هو الأخفش كما ذكر المرزوقي في شرح ديوان الحماسة ١٠٨١/٣، ووقع في (م): ابن الحسن، وهو تصحيف. (٥) نسبه العيني لرؤبة كما في الخزانة ١٨٩/١٠، وهو في ملحقات ديوانه ص١٨١، ونسبه سيبويه في الكتاب ٤٠٨/١ لحميد الأرقط، وهو بلا نسبة في المقتضب ١٤١/٤، وسر صناعة الإعراب ٢٩٦/١. الآية : ١٧ ٤٦١ سُوَّةُ الْبَدَ و«الذي» وُضع موضع الذین إن کان ضمیر «بنورهم)) راجعاً إلیه، وإلا فهو باقٍ على ظاهره؛ إذ لا ضير في تشبيه حالِ الجماعة بحالِ الواحد، وجاز هنا وضعُ المفرَدِ موضع الجمع - وقد مَنَعه الجمهور، فلم يجوِّزوا إقامةً القائم مقام القائمين - لأنَّ هذا مخالفٌ لغيره لخصوصيةٍ اقتضته، فإنه إنَّما وضع ليتوصَّل به إلى وصف المَعارِفِ بالجُملِ، فلما لم يُقصد لذاته توسَّعوا فيه، ولأنه مع صلته كشيءٍ واحد، وعلامةُ الجمع لا تقع حشواً، فلذا لم يُلحقوها به، ووضعوه لما يعم؛ کمَن وما، والذين ليس جمعاً له بل هو اسمٌ وُضع مزيداً فيه لزيادة المعنى، وقصد التصريح بها، ولذا لم يُعرب(١) بالحروف كغيره على الأفصح. ولأنَّه استطال بالصلة فاستحقَّ التخفيف، حتى بولغ فيه إلى أن اقتصر على اللام في نحو اسم الفاعل. قاله القاضي(٢) وغيره، ولا يخلو عن كَدَر، لاسيما الوجه الأخير، وما روي عن بعض النحاة من جوازٍ حذفٍ نونِ ((الذين)) ليس بالمرضي عند المحقّقين، ولئن تنزَّل يلزمُ(٣) عَوْدُ ضمير الجمع إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ [التوبة: ٦٩] على وجه، وقول الشاعر: يا ربَّ عيسى لا تُبارِكْ في أَحَدْ في قائمٍ منهم ولا فيمَن قَعدْ إلا الذي قاموا بأطراف المَسَدْ(٤) وإفراد الضمير لم نسمعه ممن يوثق به، ولعله لأنَّ المحذوف كالملفوظ. فالوجه أن يقال إنه نظر إلى ما في ((الذي)) من معنى الجنسية العامة؛ إذ لا شبهةً في أنه لم يُرَدْ به مستوقدٌ مخصوصٌ، ولا جميعُ أفراد المستوقدين، والموصول كالمعرَّف باللام يجري فيه ما يجري فيه، واسم الجنس وإن كان لفظهُ مفرداً قد يعامل معاملة الجمع كـ ﴿عَلَهُمْ ثِيَّابُ سُندُيٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] وقولِهم: الدينارُ الصُّفْرُ، والدرهم البِيضُ. (١) في (م): يعرف، والمثبت من الأصل وحاشية الشهاب ٢٦٦/١، والكلام منه. (٢) هو البيضاوي في تفسيره ١/ ٩٢. (٣) في (م): يلتزم. (٤) الرجز في تهذيب اللغة ٤٠/١٥، والأزهية ص٢٩٩، وسمط اللآلي ٣٥/١، واللسان (ذا)، ووقع في المصادر: يا رب عَبْسٍ ... سُورَةُ الْبَعَة ٤٦٢ الآية : ١٧ أو يقال: إنه مقدَّرٌ له موصوفٌ مفردُ اللفظ مجموعُ المعنى؛ كالفوج والفريق، فيحسن النظام، ويلاحظ في ضمير (استوقد)) لفظُ الموصوف، وفي ضمير ((بنورهم)) معناه. واستوقدوا بمعنی: أوقدوا، فقد حكى أبو زيد: أوقد واستوقد بمعنى؛ کأجاب واستجاب، وبه قال الأخفش(١)، وجَعْلُ الاستيقاد بمعنى طلب الوقود، وهو سطوع النار، كما فعل البيضاوي(٢)، مُحوِجٌ إلى حذف، والمعنى حينئذ: طلبوا ناراً واستدعَوْها فأوقدوها فلما أضاءت، لأنَّ الإضاءة لا تتسبَّب عن الطلب، وإنما تتسبَّب عن الإيقاد. والنار: جوهرٌ لطيفٌ مضيءٌ محرِقٌ، واشتقاقها من نار يَنُورُ نَوْراً: إذا نَفَر؛ لأنَّ فيها - على ما نشاهِدُ - حركةً واضطراباً لطلب المركز، وكونُه مِن غَلَطِ الحسِّ كأنه من غلط الحس. نعم أورد على التعريف أنَّ الإضاءة لا تعتبر في حقيقتها وليست شاملة، لما ثبت في الكتب الحِكْمية أنَّ النار الأصلية حيث الأثير شفافةٌ لا لون لها، وكذا يقال في الإحراق. والجواب أنَّ تخصيص الأسماء الأعيانِ الأشياء حَسْبَما تُدْرَك، أو للمعاني الذهنية المأخوذةِ منها، وأما اعتبارُ لوازمِها وذاتياتِها فوظيفةُ مَن أراد الوقوف على حقائقها، وذلك خارجٌ عن وُسع أكثر الناس، والناسُ يدركون من النار التي عندهم الإضاءة والإحراقَ، ويجعلونهما أخصَّ أوصافها، والتعريفُ للمتعارَفِ، وعدمُ الإحراقِ لمانعٍ لا يضر، على أنَّ كون النار التي تحت الفلك هاديةٌ غير محرقة - وإنْ زَعَمه بعضُ الناس - أبطله الشيخ، واحتراقُ الشهب شهابٌ على مَن ينكر الإحراق، وأغربُ من هذا نفي النار التي عند الأثير، وقريبٌ منه القول بأنها ليست غيرَ الهواء الحارِّ جداً. وقرأ ابن السميفع: ((كمثل الذين)) على الجمع(٣)، وهي قراءةٌ مشكلةٌ جدّاً، وقصارى ما رأيناه في توجيهها، أنَّ إفراد الضمير - على ما عُهد في لسان العرب - (١) في معاني القرآن ٢٠٨/١. (٢) في تفسيره ١/ ٩٢. (٣) البحر ١/ ٧٧. الآية : ١٧ ٤٦٣ سُوَّةُ الْجَمَة من التوهُّم، كأنه نطق بـ ((مَن)) الذي هو لفظُ (١) ومعنىٌ، كما جَزم بالذي على تَوَهُّمِ (مَن)) الشرطية في قوله: كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً تُصبه على رغمٍ عواقبُ ما صنع (٢) أو أنه اكتفى بالإفراد عن الجمع كما يُكتفى بالمفرد الظاهر عنه، فهو كقوله: وبالبدو منَّا أُسرةٌ يحفظونها سرائعٌ إلى الداعي عظام كراكره(٣) أي: کراکرهم. أو أنَّ الفاعل في استوقد عائدٌ على اسم الفاعل المفهوم من الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اَلْآَيَتِ﴾ [يوسف: ٣٥] على وجه، والعائد حينئذ محذوفٌ على خلاف القياس، أي: لهم، أو لا عائد في الجملة الأولى اكتفاءً بالضمير من الثانية المعطوفة بالفاء، وفي القلب من كلِّ شيءٍ. ﴿فَلَمَّ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ, ذَهَبَ اللَّهُ بِئُورِهِمْ﴾ ((لما)) حرفُ وجودٍ لوجود؛ أو وجوبٍ لوجوب كما نصَّ عليه سيبويه(٤)، أو ظرفٌ بمعنى حين أو إذ، والإضاءة: جَعْلُ الشيء مضيئاً نيِّراً، أو الإشراقُ وفَرْطُ الإنارة. وأضاء يكون متعدِّياً ولازماً، فعلى الأول ((ما)) موصولة أو موصوفة، والظرفُ صلةٌ أو صفة، وهي المفعول، والفاعلُ ضمير النار. وعلى الثاني فـ ((ما)) كذلك، وهي الفاعل وأنّثَ فِعْلُه لتأويله بمؤنَّث كالأمكنة والجهات. أو الفاعلُ ضميرُ النار، و((ما)) زائدةٌ، أو في محلِّ نصبٍ على الظرفية؛ ولا يجب التصريح بفي حينئذ كما توهّم؛ لأنَّ الحقَّ أنَّ ما الموصولةَ أو الموصوفةَ إذا جُعلتْ ظرفاً فالمرادُ بها الأمكنةُ التي تحيط بالمستوقِد، - وهي الجهات السِّتُّ - وهي مما يُنصَبُ على الظرفية قياساً مطَرداً، فكذا ما عُبِّر به عنها . (١) في الأصل: الذي لها لفظ، وفي (م): الذي لها لفظاً، والمثبت من البحر ٧٧/١، والكلام منه . (٢) البيت لسابق البربري، كما في أمالي الزجاجي ص ١٨٥، وهو في البحر ١/ ٧٧ دون نسبة. (٣) البحر ١/ ٧٧، وفيه: يحفظوننا. (٤) الدر المصون ١٥٩/١، وينظر الكتاب ٢٣٤/٤. سُولَةُ الْبَّنْعَة ٤٦٤ الآية : ١٧ وأَوْلى الوجوهِ أن تكون («أضاءت)) متعديةً و ((ما)» موصولة؛ إذ لا حاجةً حينئذٍ إلى الحمل على المعنى، ولا ارتكاب ما قلَّ استعمالهُ، لا سيما زيادة ((ما)) هنا، حتى ذكروا أنها لم تسمع هنا، ولم يحفظ من كلام العرب: جلستُ ما مجلساً حَسَناً، ولا: قمتُ ما يومَ الجمعة: ويا ليت شعري مِن أين أخذ ذلك الزمخشريُّ، وكيف تبعه البيضاوي(١)؟! وإذا جُعِل الفاعلُ ضميرَ النار والفعلُ لازم، يكون الإسناد إلى السبب؛ لأنَّ النار لم توجد حول المستوقد وُجد ضوؤها، فجُعِل إشراقُ ضوئها حوله بمنزلة إشراقها نفسِها على ما قيل، وهو مبنيٌّ على أن الظرفِ إذا تعلَّق بفعل قاصرٍ له أثرٌ متعدٍّ يُشترطُ في تحقّق النسبة الظرفية للأثر والمؤثّر، فلا بدَّ في إشراق كذا في كذا من كَوْنِ الإشراق والمُشْرِق فيه، وهذا كما إذا تعلَّق الظرف بفعلٍ قاصرٍ؛ كقام زيدٌ في الدار، فإنَّ زيداً والقيامَ فيها ذاتاً وتبعاً، وإلى ذلك مال الزمخشريّ(٢). ومن الناس من اکتفی بوجود الأثر فیه، وإن لم يوجد المؤثّر فيه بذاته، کما في الأفعال المتعدِّية، فأضاءت الشمس في الأرض، حقيقةٌ على هذا، مجازٌ على الأول. وحول: ظرفُ مكانٍ ملازمٌ للظرفية والإضافة، ويثنَّى ويجمع، فيقال حَوْلَيْه وأَحواله، وحَوَال مثلُه فيثنَّى على حَوَالي، ولم نظفر بجمعه فيما حولنا من الكتب اللغوية، ولا تقل: حواليه - بكسر اللام - كما في «الصحاح))(٣)، ولعل التثنية والجمع ـ مع ما يفهم من بعض الكتب أنَّ حول وكذا حوال بمعنى الجوانب وهي مستغرقة - ليسا حقيقيين. وقيل: باعتبار تقسيم الدائرة كما أشار إليه المولى عاصم أفندي في ترجمة القاموس بالرومية، وفيه تأمُّلٌ. وأصل هذا الترکیب موضوعٌ للطواف والإحاطة، کالحول للسنة، فإنه یدور من فصل أو يومٍ إلى مثله، ولما لزمه الانتقالُ والتغيُّر استُعمل فيه باعتباره كالاستحالة والحوالة، وإن خفي في نحو ((الحول)) بمعنى القوة. وقيل: أصله تغيُّر الشيء وانفصالُه. (١) الكشاف ١٩٨/١، وتفسير البيضاوي ١/ ٩٢. (٢) ينظر الكشاف ١٩٨/١، وحاشية الشهاب ٣٦٨/١ - ٣٦٩. (٣) مادة (حول). الآية : ١٧ ٤٦٥ سُورَةُ الْبَقَة و((ذهب)) إلخ جوابُ ((لما))، والسببية ادِّعائية، فإنه لمَّا ترتّب إذهاب النور على الإضاءة بلا مهلة، جُعل كأنه سببٌ له، على أنه يكفي في الشرط مجرَّدُ التوقُّف نحو: إن كان لي مالٌ حججتُ، والإذهابُ متوقّفٌ على الإضاءة، والضمير في (بنورهم)) لـ ((الذي)) أو لموصوفه، وجَمْعُه لِمَا تقدَّم. واختار النورَ على النار؛ لأنه أعظم منافعها، والمناسبُ للمقام سباقاً ولحاقاً . وقيل: الجملة مستأنفةٌ جواباً عن: ما بالُهم شبِّهَتْ حالُهم بذلك؟ أو بدلٌ من جملة التمثيل للبيان، والضمير للمنافقين، وجواب ((لما)) محذوف، أي: خمدت نارهم فبقوا متحيِّرين، ومثله ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ،﴾ [يوسف: ١٥] وحذفه للإيجاز وأمن الإلباس، ولا يخفى ما فيه على مَن له أدنى إنصافٍ، وإن ارتضاه الجمُّ الغفير، ويُجَلُّ عن مثل هذه الألغاز كلامُ الله تعالى اللطيف الخبير. وإسنادُ الفعل إليه تعالى حقيقة، فهو سبحانه الفعَّال المطلق الذي بيده التصرف في الأمور كلِّها بواسطةٍ وبغير واسطة، ولا يعترض على الحكيم بشيء. وحَمْلُ النارِ على نارٍ لا يرضى الله تعالى إيقادها، إمَّا مجازيةً كنار الفتنة والعداوة للإسلام، أو حقيقةً أوقدها الغواة للفساد أو الإفساد، فحينئذ يليق بالحكيم إطفاؤها، وإلا يُرْتَكَب المجاز = لم يدعُ إليه إلا الاعتزالُ(١) وإيقادُ نار الغواية والإضلال، وعُدِّي بالباء دون الهمزة لمّا في ((المثل السائر))(٢) بأنَّ ذهب بالشيء يُفهم منه أنه استصحبه وأمسكه عن الرجوع إلى الحالة الأولى، ولا كذلك أَذْهَبه، فالباءُ والهمزة وإن اشتركا في معنى التعدية، فلا يَبْعُدُ أن ينظر صاحب المعاني إلى معنى الهمزة والباءِ الأصليين، أعني الإزالةَ والمصاحبةَ والإلصاق. ففي الآية لطفٌ لا ينكر، كيف والفاعل هو الله تعالى القويُّ العزيز الذي لا رادَّ لما أخذه، ولا مُرسِلَ لما أمسكه. وذكر أبو العباس(٣) أنَّ: ذهبتُ بزيد، يقتضي ذهاب المتكلِّم مع زید، دون أَذهَبتُه، ولعله يقول: إنَّ ما في الآية مجازٌ عن شدَّة الأخذ بحيث لا يُرَدُّ، أو يجوز (١) ينظر الكشاف ٢٠٠/١. (٢) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير ٣٣/٢، ونقله المصنّف بواسطة الشهاب في الحاشية ١/ ٣٧٢. (٣) هو المبرِّد، وقوله في البحر ١/ ٨٠، والمغني ص١٣٨ . سُورَةُ الْبَغَة ٤٦٦ الآية : ١٧ أن يكون الله تعالى وصف نفسه بالذهاب على معنى يليق به، كما وصف نفسه سبحانه بالمجيء في ظاهر قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]. والذي ذهب إليه سيبويه(١) إلى أنَّ الباء بمعنى الهمزة، فكلاهما لمجرَّد التعدية عنده بلا فرقٍ، فلذا لا یجمع بینھما . والنور: منشأ الضياء و مبدؤه، كما يشير إليه استعمال العرب حيث أضافوا الضياء إليه، كما قال ورقة بن نوفل : ويظهرُ في البلاد ضياءُ نور (٢) وقال العباس بضَّ وأنت لمَّا ظهرتَ أشرقت الأر ضُ وضاءت بنورك الأفقُ(٣) ولهذا أطلق عليه سبحانه النورَ دون الضياء، وأشار سبحانه إلى نفي الضياء الذي هو مقتضى الظاهرِ بنفي النور وإذهابه؛ لأنه أصله، وبنفي الأصل ينتفي الفرع، وهذا الذي ذكرنا هو الذي ارتضاه المحقّقون من أهل اللغة، ومنه يُعلم وجهُ وصفِ الشريعة المحمَّدية بالنور في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌّ مُبِيدٌ﴾ [المائدة: ١٥] والشريعةِ الموسَويةِ بالضياء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَّاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّفِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] وفي ذلك إشارةٌ إلى مقام نبينا وَّرِ الجامعِ الفارقِ، ومَزِيَّتهِ على أخيه موسى عليه السلام الذي لم يأت إلا بالفرقان(٤)، ولفرق ما بين الحبيب والكليم. وكلُّ آيٍ أتى الرسلُ الكرامُ بها فإنَّما اتَّصلَتْ من نوره بهمِ (٥). وكذا وجهُ وصفِ الصلاةِ الناهيةِ عن الفحشاء والمنكر في حديث مسلم بالنور، (١) ذكر قوله الشهاب في الحاشية ٣٧٢/١، وينظر المغني ص١٣٨. (٢) وعجزه: يُقيمُ البريّة أن تموجا. سيرة ابن هشام ١/ ١٩٢. (٣) البيت في مدح النبي ◌َّر، وهو في أخبار أبي القاسم الزجاجي ص٨٤، وأساس البلاغة (ضوأ). (٤) في (م): بالفرق. (٥) البيت للبوصيري، وهو في كتاب القصائد البصيرية في مدح خير البرية. الآية : ١٧ ٤٦٧ سُورَةُ الجَنَة والصبرِ بالضياء(١)، ويُعلم من هذا أنه أقوى من الضياء، كذا قيل، واعتُرض بأنه قد جاء وصف ما أوتيه نبيُّنَا وَ ل# بالضياء، كما جاء وصف ما أوتيه موسى عليه السلام بالنور، وإليه يشير كلام الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه في ((الفتوحات)) فتدبّر. وذهب بعض الناس إلى أنَّ الضياء أقوى من النور؛ لقوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وعلى هذا يكون التعبير بـ ((ذهب الله بنورهم)) دون: ذهب الله بضوئهم، دفعاً لاحتمال إذهاب ما في الضوء من الزيادة، وبقاء ما يسمَّى نوراً، مع أنَّ الغرض إزالة النور رأساً. وذكر بعضهم أنَّ كلاً من الضوء والنور يطلق على ما يطلق عليه الآخر، فهما كالمترادفين، والفرق إنما نشأ من الاستعمال أو الاصطلاح، لا من أصل الوضع واللغة، ومن هنا قال الحكماء: إنَّ الضوء ما يكون للشيء من ذاته، والنور ما يكون من غيره، واستعمل الضوء لما فيه حرارةٌ حقيقةً - كالذي في الشمس - أو مجازاً كالذي ذُكر فيما أوتيه موسى عليه السلام مما فيه شدَّة ومزيدُ كلفةٍ، ومنه ((الصبر ضياء)) ومعلوم أنه كاسمه. والنور لما ليس كذلك كالذي في القمر، وفيما جاء به النبيُّ وَّ من الشريعة السَّهْلةِ السَّمْحَةِ البيضاء، ومنه ((الصلاة نور)) ولا شك أنها قرَّةٌ العين وراحةُ القلب، وإلى ذلك يشير: ((وجُعلت قرَّةُ عيني في الصلاة))(٢) و((أَرِحْنا بها يا بلال))(٣)، واستعمل النورُ لما يطرأ في الظلم كما ورد: ((كان الناس في ظلمة، فَرَشَّ الله تعالى عليهم من نوره)»(٤) وقول الشاعر: بتنا وعُمْرُ الليل في غُلَوائه. وله بنورِ البدر فرعٌ أَشْمِطُ (٥) والضوء ليس كذلك. إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبّع. (١) صحيح مسلم (٢٢٣)، وهو عند أحمد (٢٢٩٠٢)، وهو من حديث أبي مالك الأشعري ظ (٢) أخرجه أحمد (١٢٢٩٣)، والنسائي في المجتبى ٦١/٧-٦٢ من حديث أنس ضـ (٣) أخرجه أحمد (٢٣٠٨٨) و (٢٣١٥٤) وأبو داود (٤٩٨٥) و (٤٩٨٦)، والطبراني في الكبير (٦٢١٥)، واللفظ له وما بين حاصرتين منه، ولم يُسمَّ عندهم الصحابي راوي الحديث. (٤) أخرجه بنحوه الترمذي (٤٦٤٢) من حديث عبد الله بن عمرو رقپا، وقال: حديث حسن. (٥) البيت لأبي الحسن علي بن رستم المعروف بابن الساعاتي، كما في وفيات الأعيان لابن خلكان ٣٩٦/٣. سُورَةُ الْبَقَة ٤٦٨ الآية : ١٧ والذي يميل القلب(١) إليه: أنَّ الضياء يطلَقُ على النور القوي، وعلى شعاع النور المنبسط، فهو بالمعنى الأول أقوى، وبالمعنى الثاني أدنى، ولكلِّ مقام مقالٌ، ولكلٍّ مرتبةٍ عبارةٌ، ولا حَجْرَ على البليغ في اختيار أحد الأمرين في بعض المقامات لنكتةِ اعْتَبَرها، ومناسبة لاحَظَها، وآية الشمس لا تدلُّ على أنَّ الضياء أقوى من النور أينما وقع، فـ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] ولله المثل الأعلى. وشاع إطلاق النور على الذَّوات المجرّدةِ دون الضوء، ولعل ذلك لأنَّ انسياق العرضية منه إلى الذهن أسرعُ من انسياقها من النور إليه، فقد انتشر أنه عَرَض وكيفيةٌ مغايرةٌ للَّون، والقولُ بأنه عبارة عن ظهور اللون، أو أنه أجسام صغار تنفصل من المضيء فتتَّصل بالمستضيء، مما بُيِّنَ بطلانه في الكتب الحكمية، وإن قال بكلِّ بعضٌ من الحكماء. ثم التعبير هنا بالنور دون الضوء، يحتمل أن يكون لسرِّ غير ما انقدح في أذهان الناس، وهو كونُه أنسبَ بحالِ المنافقين الذين حُرموا الانتفاع والإضاءة بما جاء من عند الله، مما سمَّاه سبحانه نوراً في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبٌ﴾ [المائدة: ١٥] فكأنَّ الله عز شأنه أمسك عنهم هذا (٢) النور وحرمهم الانتفاع به، ولم يُسمِّه سبحانه ضوءاً لتتأتَّى هذه الإشارة لو قال هنا ذهب الله بضوئهم، بل كساه من حُلَلٍ أسمائه، وأفاض عليه من أنوار آلائه، فهو المظهر الأتمُّ والرداء المعلم. هذا وإضافة النور إليهم لأدنى ملابسةٍ؛ لأنه للنار في الحقیقة، لكن لما كانوا ينتفعون به صحَّ إضافته إليهم. وقرأ ابن السميفع وابن أبي عبلة: ((فلما ضاءت)) ثلاثيًّا(٣)، وتخريجها يُعلم مما تقدَّم. وقرأ اليمانيُّ: ((أذهب الله نورَهم)) وفيها تأييدٌ لمذهب سيبويه(٤). (١) في الأصل: والذي يميل إليه البعض. (٢) قوله: هذا، ليس في (م). (٣) تفسير الرازي ٢/ ٧٥، والبحر ٧٩/١. (٤) يعني قوله أن الباء بمعنى الهمزة، وقد سلف قريباً، والقراءة في الكشاف ٢٠١/١، والبحر ٨٠/١. الآية : ١٧ ٤٦٩ سُؤَدَّةُ الْبَقَة عطفٌ على قوله تعالى ﴿ذَهَبَ اَللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ١٧ ﴿وَكَّهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ وهو أَوْفَى بتأدية المراد، فيستفاد منه التقريرُ لانتفاءِ النور بالكلِّية تبعاً لما فيه من ذكر الظلمةِ وجمعِها وتنكيرِها، وإيرادِ ((لايبصرون)). وجَعْلُ الواوِ للحال بتقدير: قد - مع ما فيه - يقتضي ثبوتَ الظلمةِ قبل ذهاب النور ومعه، وليس المعنى عليه. والترك في المشهور: طرحُ الشيء؛ كتَرَك العصا من يده، أو تَخْلِيتُه محسوساً كان أو غيرَه، وإن لم يكن في يده؛ كترَكَ وطنه ودينه. وقال الراغب(١): تركُ الشيء: رفضُه قَصْداً واختياراً، أو قهراً واضطراراً. ويفهم من ((المصباح)) أنه حقيقة في مفارقة المحسوسات، ثم استعير في المعاني(٢). وفي كون الفعل من النواسخ الناصبةٍ للجزأين لتضمينه معنى صيَّر، أم لا ، خلافٌ، والكلُّ هنا محتملٌ؛ فعلى الأول: ((هم)) مفعولهُ الأول، و((في ظلمات)) مفعولهُ الثاني، و ((لا يبصرون)) صفة لظلمات بتقدير فيها، أو حالٌ من الضمير المستتر، أو من ((هم))، ولا يجوز أن يكون ((في ظلمات)) حالاً، و((لا يبصرون)) مفعولاً ثانياً، لأنَّ الأصل في الخبر أن لا يكون مؤكّداً، وإن جوَّزه بعضهم. وعلى الثاني ((هم)) مفعولهُ، و ((في ظلمات لا يبصرون)) حالان مترادفان من المفعول، أو متداخلان: فالأول من المفعول، والثاني من الضمير فيه (٣). أو ((في ظلمات)) متعلِّق بـ ((تركهم)) و ((لا يبصرون)) حال. والظلمة في المشهور: عدمُ الضوء عمَّا من شأنه أن يكون مستضيئاً، فالتقابُلُ بينها وبين الضوء تقابل العدم والملكة. واعترض: بأنَّ الظلمة كيفيةٌ محسوسةٌ، ولا شيءٍ من العدم كذلك. وبأنها مجعولةٌ، كما يقتضيه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورِ﴾ [الأنعام: ١] والمجعول لا يكون إلا موجوداً. وأجيب عن الأول بمنع الصغرى، فإنَّا إذا غمضنا العين لا نشاهد شيئاً ألبتة، (١) في مفرداته (ترك). (٢) كقولهم: ترك حقَّه، إذا أسقطه. المصباح المنير (ترك)، وحاشية الشهاب ٣٧٥/١. (٣) يعني من الضمير المرفوع المستكن في الجار والمجرور. الدر المصون ١٦٤/١ -١٦٥. سُورَةُ الْبَدَّة ٤٧٠ الآية : ١٧ كذلك إذا فتحنا العين في الظلمة. وعن الثاني بالمنع أيضاً، فإنَّ الجاعل كما يجعل الموجودَ يجعل العدم الخاصَّ كالعمى، والمنافي للمجعولية هو العدمُ الصرف. وقيل: كيفيةٌ مانعةٌ من الإبصار، فالتقابل تقابل التضادِّ. واعتُرض: بأنه لو كانت كيفيةً لما اختلف حال مَنْ في الغار المظلم ومَن هو في الخارج، في الرؤية وعدمِها، إلا أن يقال: المراد أنها كيفيةٌ مانعةٌ من إبصار ما فيها، فيندفع الاعتراض عنه، وربما يرجح عليه بأنه قد يصدق على الظلمة الأصليةِ السابقةِ على وجود العالم دونه كما قيل. وقيل: التقابل بين النور والظلمة تقابل الإيجاب والسلب. وجمع الظلمات إما لتعدُّدها في الواقع، سواء رجع ضمير الجمع إلى المستوقدين أو المنافقين، أو لأنها في الحقيقة، وإن كانت ظلمةً واحدة، لكنَّها لشدتها استُعير لها صيغةُ الجمع مبالغة، كما قيل: ربٍّ واحدٌ يعدل ألفاً. أو لأنه لما كان لكلِّ واحد ظلمَة تخصُّه، جمعت بذلك الاعتبار، كذا قالوا. ومن اللطائف: أنَّ الظلمة حيثما وقعت في القرآن وقعت مجموعة، والنور حيثما وقع وقع مفرداً، ولعل السبب هو أنَّ الظلمة وإن قلَّت تُستكثر، والنور وإن كثر يُستقلُّ ما لم يضرّ. وأيضاً: كثيراً ما يشار بهما إلى نحو الكفر والإيمان، والقليلُ من الكفر كثير، والكثيرُ من الإيمان قليل، فلا ينبغي الركون إلى قليل من ذاك، ولا الاكتفاء بكثير من هذا، وأيضاً: معدنُ الظلمةِ بهذا المعنى قلوبُ الكفار، و﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّنْ﴾ [الحشر: ١٤] ومَشْرِقُ النور بذلك المعنى قلوبُ المؤمنين، وهي كقلب رجلٍ واحد. وأيضاً: النور المفاضُ هو الوجود المضاف وهو واحدٌ لا تعدُّد فيه، كما يرشدك إليه قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وفي الظلمة لا يرى مثل هذا . وأيضاً: الظلمة يدور أصل معناها على المنع، فلذا أُخذت من قولهم: ما ظَلَمَكَ أن تفعل كذا؟ أي: ما مَنَعَك؟ وفي (مثلَّئات)) ابن السيد: الّلم - بفتح الظاء - شخصُ كلِّ شيء يسدُّ بصر الناظر، يقال: لقيته أوَّلَ ذي ظَلم، أي: أوَّلَ الآية : ١٧ ٤٧١ سُوَّةُ الْجَوَة شخصٍ يسدُّ بصري، وزرته والليل ظَلم، أي مانعٌ من الزيارة. فكأنها سُمِّيت ظلمةً لأنها تسدُّ في المشهور وتمنع الرؤية، فباعتبار تعدُّد الموانع جُمعت، ولم يعتبر مثل هذا في أصل معنى النور، فلم يجمع. إلى غير ذلك. وإنما نُكِّرت ((ظلمات)» هنا ولم تُضف إلى ضمير ((هم)) كما أضيف النور، اختصاراً للَّفظ، واكتفاءً بما دلَّ عليه المعنى، والظرفية مجازيةٌ كيفما فُسِّرت الظلمة على بعض الآراء، و((لا يبصرون)) منزَّلٌ منزلةً اللازم؛ لطرح المفعول نسياً منسيّاً، ولعدم القصد إلى مفعولٍ دون مفعول، فيفيد العموم. وقرأ الجمهور: ((في ظلمات)) بضم اللام، والحسن وأبو السَّمَّال بسكونها(١)، وقوم بفتحها(٢)، والكلُّ جمع ظلمة، وزعم قوم أنَّ (ظُلمَات)) بالفتح جمع ◌ُلَم جمع ظُلمة، فهي جمعُ الجمع. والعدولُ إلى الفتح تخفيفاً مع سماعه في أمثاله أسهلُ من ادِّعاء جمع الجمع، إذ ليس بقياسيٍّ ولا دليل قطعيَّ عليه، وقرأ اليمانيُّ: ((في ظلمة»(٣). وفي الآية إشارةٌ إلى تشبيه إجراءٍ كلمةٍ الشهادة على ألسنة مَن ذكر، والتحلّي بحِلْيةِ المؤمنين، ونحو ذلك مما يمنع من قتلهم، ويعود عليهم بالنفع الدنيوي من نحو الأمن والمغانم، وعدم إخلاصهم لما أظهروه بالنِّفاق الضارِّ في الدين = بإيقاد نارٍ مضيئةٍ للانتفاع بها، أطفأها الله تعالى، فهبَّت عليها الرياح والأمطار، وصيَّرت مُوقدَها في ظلمةٍ وحسرة. ويحتمل أنهم لمَّا وُصفوا بأنهم ﴿أَشْتَرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ عقَّب ذلك بهذا التمثيل؛ لتشبيه هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالةٍ التي اشتروها وطبعٍ الله تعالى بها على قلوبهم، بذهاب الله تعالى بنورهم، وتَرْكِه إياهم في الظلمات. والتفسير المأثورُ عن ابن عباس ﴿ - كما أخرجه ابن جرير عنه - أنَّ ذلك مَثَلٌ للإيمان الذي أظهروه لاجتناء ثمراته بنارٍ ساطعةِ الأنوار مُوقَدةٍ للانتفاع (١) القراءات الشاذة ص٢، والمحتسب ٥٦/١، والبحر ٨٠/١. (٢) تفسير القرطبي ٣٢٣/١، والبحر ٨٠/١. (٣) الكشاف ٢٠١/١. سُؤَدَّةُ الْبَرَة ٤٧٢ التفسير الإشاري (١٨) والاستبصار، ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها (١)، ويحتمل التشبيه وجوهاً أُخر. ومن البطون القرآنية التي ذكرها ساداتنا الصوفية نفعنا الله تعالى بهم: أنَّ الآية مَثَلُ مَن دَخَل طريقة الأولياء بالتقليد لا بالتحقيق، فعَمِلَ عَمَلَ الظاهرِ وما وجد حلاوةَ الباطن، فترك الأعمال بعد فقدان الأحوال. أو مَثَلُ من استوقد نيران الدعوى وليس عنده حقيقةُ المعنى، فأضاءت ظواهره بالصّيت والقَبول، فأفشى الله تعالى نِفاقَه بين الخَلْق حتى نبذوه في الآخِر، ولا يجد مَناصاً من الفضيحة يوم تُبلى السرائر. وقال أبو الحسن الورّاق: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لمن لم يُصحِّح أحوال الإرادة، فارتقى من تلك الأحوال بالدعاوى إلى أحوال الأكابر، فكان يضيء عليه أحوال إرادته لو صحّحها بملازمة آدابها، فلما مَزَجها بالدعاوى، أذهب الله تعالى عنه تلك الأنوار، وبقي في ظلمات دعاويه لا يُبصر طريقَ الخروج منها، نسأل الله تعالى العفو والعافية ونعوذ به من الحَوْر بعد الكور (٢). الأوصاف جموع کَثْرة على وزن فُعْل، وهو ﴿ُمْ بُكْم عُنِىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ قياسٌ في جمع فَعْلاء و أَفْعَل الوصفين، سواء تقابلا كأحمر وحمراء، أم انفردا لمانع في الخلقة، كغُرْل ورُتْق، فإن كان الوصفُ مشتركاً ولكن لم يُستعملا على نظام أحمر وحمراء، كرجل آلَى، وامرأة عجزاء(٣)، فالوزن فيه سماعي. والصَّمَم: داء في الأذن يمنع السمع، وقال الأطباء: هو أن يُخلق الصماخ (١) تفسير الطبري ٣٣٦/١-٣٣٨ بنحوه. (٢) وردت هذه العبارة في حديث عبد الله بن سَرْجِس ◌َظله، والذي أخرجه أحمد (٢٠٧٧٢)، ومسلم (١٣٤٣)، ومعناها: من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا منهم، وأصله من نقض العمامة بعد لفِّها. ينظر النهاية (حور)، وشرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ١١١ . (٣) الآلَى: العظيم الآلية، والعجزاء: العظيمة العَجُز، قال الجوهري: ولا تقل: أَلْياء، وبعضهم يقوله. الصحاح (عجز) و (ألا). الآية : ١٨ ٤٧٣ سُؤَدَةُ الْبَغَة بدون تجويف يشتمل على الهواء الراكد الذي يُسمع الصوتُ بتموُّجه فيه. أو بتجويفٍ، لكنَّ العصب لا يؤدِّي قوة الحسِّ، فإن أدَّى بكلفةٍ سُمِّي عندهم طَرَشاً. وأصله من الصلابة أو السدِّ، ومنه قولهم: قناةٌ صمَّاء، وصَمَمْتُ القارورة. والبَكّم: الخَرَس وزناً ومعنى، وهو داءٌ في اللسان يمنع من الكلام، وقيل: الأبكم هو الذي يولد أخرسَ، وقيل: الذي لا يفهم شيئاً ولا يهتدي إلى الصواب، فيكون إذ ذاك داءٌ في الفؤاد لا في اللسان. والعمى عدمُ البصر عمَّا من شأنه أن يكون بصيراً. وقيل: ظلمة في العين تمنع من إدراك المُبْصَرات، ويطلق على عدم البصيرة مجازاً عند بعضٍ، وحقيقةً عند آخرين. وهي أخبارٌ لمبتدأ محذوفٍ هو ضميرُ المنافقين، أو خبرٌ واحد، وتَؤُولُ إلى عدم قبولهم الحقَّ، وهم وإن كانوا سُمَعاءَ الآذانِ، فُصَحاءَ الأَلْسُنِ، بُصَراءَ الأعين، إلا أنهم لما لم يُصيخوا للحق، وأبت أن تنطق بسائره ألسنتهم، ولم يتلمَّحوا أدلة الهدى المنصوبةً في الآفاق والأنفس، وُصفوا بما وُصفوا به من الصَّمَم والبكم والعمی على حدٍّ قوله: حتى يواري جارتي الخِدرُ أعمى إذا ما جارتي بَرزَتْ أُذُني وما في سَمْعِها وَقْرُ (١) وأَصُمُّ عمَّا كان بينهما وهذا من التشبيه البليغ عند المحقّقين لذكر الطرفين حكماً، وذكرهُما قصداً - حكماً أو حقيقة - مانعٌ عن الاستعارة عندهم، وذهب بعضهم إلى أنه استعارة، وآخرون إلى جواز الأمرین، وهذا أمرٌ مفروٌ عنه، لیس لتقريره هنا کثیرُ جدوى، غير أنهم ذكروا هنا بحثاً، وهو أنه لا نزاع أنَّ التقدير: هم صمٌّ .... إلخ، لكن ليس المستعارُ له حينئذٍ مذكوراً؛ لأنه لبيان أحوال مشاعر المنافقين لا ذواتهم، ففي هذه الصفات استعارةٌ تبعيةٌ مصرحة، إلا أن يقال تشبيهُ ذوات المنافقين بذوات الأشخاص الصمِّ متفرِّعٌ على تشبيه حالهم بالصَّمَم، فالقصدُ إلى إثبات هذا الفرع (١) البيتان لمسكين الدارمي، كما في الشعر والشعراء ٥٤٥/١، وأمالي المرتضى ٤٤/١، ومعجم الأدباء ١٣٢/١١، وذم الهوى لابن الجوزي ص٨٩، والخزانة ٧٢/٣. وفي الخزانة: أعشى، بدل: أعمى. ووقع بدلاً منها في معجم الأدباء: أغضي. سُورَةُ الْبَقَة ٤٧٤ الآية : ١٨ أقوى وأبلغ، وكأنَّ المشابهة بين الحالين تعدَّت إلى الذاتين، فحُملت الآية على هذا التشبيه برعاية المبالغة. أو يقال - ولعله أولى -: إنَّ((هم)) المقدَّرَ راجع إلى المنافقين السابقِ حالهُم وصفاتهم وتشهيرهم بها، حتى صاروا مثلاً، فكأنه قيل: هؤلاء المتَّصفون بما ترى صمِّ، على أنَّ المستعار له ما تضمَّنه الضمير الذي جُعل عبارةً عن المتَّصفين بما مرّ، والمستعار ما تضمَّن الصُّم وأخويه من قوله: ((صم .. )) إلخ، فقد انكشف المغَّى، وليس هذا بالبعيد جدًّا. والآية فذلكةُ ما تقدَّم ونتيجتُه؛ إذ قد علم من قوله سبحانه ((لا يشعرون)) و (لا يبصرون)) أنهم صُمٌّ عُمْيٌّ، ومن كونهم يكذبون أنهم لا ينطقون بالحقِّ فهم كاليُكم، ومن كونهم غيرَ مهتدين أنهم ((لا يرجعون)). وقدّم الصَّمَم؛ لأنه إذا كان خَلْقيًّا يستلزم البَكُم، وأخّر العمى؛ لأنه كما قيل: شاملٌ لعمى القلب الحاصلِ من طرق المبصَرات والحواسِّ الظاهرة، وهو بهذا المعنى متأخِّر؛ لأنه معقولٌ صِرْفٌ. ولو توسط حلَّ بين العصا ولحائها، ولو قدِّم لأَوْمَم تعلُّقه بـ ((لا يبصرون)). أو الترتيبُ على وَفْقِ حالِ الممثَّل له؛ لأنه يسمع أولاً دعوة الحقِّ، ثم يجيب ويعترف، ثم يتأمَّل ویتبصّر. ومثلُ هذه الجملة (١) وردت تارةً بالفاء كما في قوله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَثْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ، أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢] وأخرى بدونها كما في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّامٍ فِي ◌َجْ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَمْتُهُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَمِلَّةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] لأنَّ استلزامَ ما قبلها وتضمُّنَه لها بالقوة منزَّلٌ منزلة المتَّحدِ معه، فيترك العطف. ومغايرتُها له، وترتُّبُها عليه ترتّبَ النّتاجِ والفرعِ على أصله، يقتضي الاقتران بالفاء، وهو الشائع المعروف. وبعض الناس يجعل الآية من تتمة التمثيل، فلا يُحتاج حينئذ إلى التجوُّز، ويكفي فيه الفَرَضُ وإن امتنع عادة كما في قوله: (١) يعني الجملة الواقعة موقع النتيجة، وهي هنا قوله تعالى: ﴿مُمْ بُكْم عُنِىٌ﴾. الآية : ١٨ ٤٧٥ سُورَةُ البَفَقَة أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ ن على رماح من زَبَرْجَدْ(١) فِيُفْرَضُ هنا حصول الصَّمَم والبَكَمِ والعَمَى لمن وقع في هاتيك الظلمة الشديدة المُطبقة، وقيل: لا يَبْعدُ فَقْدُ الحواَسِّ ممَّن وقع في ظلماتٍ مخوفةٍ هائلة؛ إذ ربّما يؤدِّي ذلك إلى الموت فضلاً عن ذلك. ـجُ : (صمًّا وبكماً ويؤيِّد كونَها تتمَّتَه قراءةُ ابن مسعود وحفصة أمِّ المؤمنين ﴿ وعمياً)) بالنصب(٢)، فإنَّ الأوصاف حينئذٍ تحتمل أن تكون مفعولاً ثانياً لترك، و((في ظلمات)) متعلِّقاً به أو في موضع الحال، و ((لا يبصرون)) حالاً. أو منصوبةً على الحال من مفعولٍ ((تركهم)؛ متعدِّياً لاثنين أو لواحد. أو منصوبةً بفعلٍ محذوف، أعني: أعني. والقولُ بأنَّها منصوبةٌ على الحال من ضميرٍ ((لا يبصرون)) جهلٌ بالحال، وقريبٌ منه في الذِّ مَنْ نَصَبَ على الذم، إذ ذاك إنما يحسن حيث يذكر الاسم السابق. وأمَّا جَعْلُ هذه الجملة على القراءة المشهورة دعائية، وفيها إشارةٌ إلى ما يقع في الآخرة من قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُودِهِمْ عُمْيًا وَبِّكْمًا وَسُنََّ﴾ [الإسراء: ٩٧] فنسأل الله تعالى العفو والعافية من ارتكاب مثله، ونعوذ به من عَمَی قائله وجَهْلهِ، ومثلُه - بل أدهى وأمرُّ - القولُ بأنَّ جملة ((لا يرجعون)) كذلك. ومتعلّق ((لا يرجعون)) محذوفٌ، أي: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعُوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتَرَوْها، وقد لا يُقدَّر شيء ويترك على الإطلاق. والوجهان الأولان مبنيان على أنَّ وجه التشبيه في التمثيل مستنبطٌ من ((أولئك (١) البيت للصنوبري، وقبله: وكأن محمرَّ الشقيق إذا تصوَّب أو تصعَّد، وهما في أسرار البلاغة للجرجاني ص١٣٦-١٣٧، ومعاهد التنصيص لعبد الرحيم العباسي ٤/٢. قال العباسي: الشقيق أراد به شقائق النعمان، والشاهد فيهما: التشبيه الخيالي، وهو المعدوم الذي فرض مجتمعاً من أمور واحد منها مما يدرك بالحس،؛ فإن الأعلام الياقوتية المنشورة على الرماح الزبرجدية مما لا يدركه الحس، لكن مادته التي تركب منها كالأعلام والياقوت والرماح والزبرجد كل منها محسوس بالبصر. (٢) القراءات الشاذة ص٢-٣، وإعراب القرآن للنحاس ١٩٣/١-١٩٤، والقراءة فيهما: ((صحًا بكماً عمياً)) دون حرف العطف. سُوَّةُ الْبَغَة ٤٧٦ الآية : ١٩ الذين اشتروا)) إلخ، والأخير على تقدير أن يكون مِن ((ذهب الله بنورهم)) الخ، بأن يراد به أنهم غِبَّ(١) الإضاءةِ خبطوا في ظلمة، وتورَّطوا في حيرة، فالمراد هنا أنهم بمنزلة المتحيِّرين الذين بقوا جامدين في مكاناتهم لا يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون أَمْ يتأخرون، وكيف يرجعون إلى حيث ابتدؤوا منه، والأعمى لا ينظر طريقاً، وأبكم لا يسأل عنها، وأصُّ لا يسمع صوتاً من صوب مَرْجعِه فيهتدي به؟ والفاءُ للدلالة على أنَّ اتِّصافهم بما تقدَّم سببٌ لتحيرُهم واحتباسهم كيف ما كانوا. ومن البطون: صُمِّ آذانُ أسماع أرواحهم عن أصوات الوصلة، وحقائقٍ إلهامٍ القربة، بكمٍّ عن تعريف علل بواطنهم عند أطباء القلوب عجباً، عميٌّ عن رؤية أنوار جمال الحقِّ في سيماء أوليائه . وقال سيدي الجنيد قُدِّس سرُّه: صمُّوا عن فهم ما سمعوا، وأبكموا عن عبارة ما عرفوا، وعموا عن البصيرة فيما إليه دُعوا . ﴿أَوْ كَصَيْبٍ مِّنَ السَّمَاءِ﴾ شروعٌ في تمثيلٍ لحالهم إثر تمثيل، وبيانٌ لكلِّ دقيقٍ منها وجليل، فَهُمْ أئمةُ الكفر الذين تفتّنوا فيه، وتفيؤوا ظلال الضلال بعد أن طاروا إليه بقُدَامَى النفاقِ وخَوَافيه(٢)، فحقيقٌ أن تُضرَبَ في بيداءٍ بيانِ أحوالهم الوخيمةِ خيمةُ الأمثال، وتُمدَّ أطنابُ الإطناب في شرح أفعالهم، ليكون أفعى لهم ونكالاً بعد نكال، وكلُّ كلام له حظّ من البلاغة، وقسطٌ من الجزالة والبراعة، لا بدَّ أن يُوفَّى فيه حقُّ كلٍّ من مقامَي الإطناب والإيجاز، فماذا عسى أن يقال فيما بلغ الذروةَ العليا من البلاغة والبراعة والإعجاز؟ ولقد نعى سبحانه عليهم في هذا التمثيل تفاصيلَ جناياتهم العديمةِ المثيل، وهو معطوف على ((الذي استوقد ناراً))، ويكون النظم: كَمثَلِ ذوي صيِّبٍ، فيظهر مرجعُ ضمير الجمع فيما بَعْدُ(٣)، وتحصل الملائمة للمعطوف عليه والمشبَّه. (١) أي: بَعْدَ. المعجم الوسيط (غبب). (٢) الخوافي: ريشات إذا ضم الطائر جناحيه خَفِيتْ، أو هي الأربع المناكب التي بعد المناكب. والقُدامى والقوادم: أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح. القاموس (قدم) و(خفي). (٣) يعني فيما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ . الآية : ١٩ ٤٧٧ سورة البَّفَقَة و((أو) عند ذوي التحقيق لأحد الأمرين، ويتولَّد منه في الخبر الشكُّ والإبهامُ والتفصيلُ على حَسَب اعتبارات المتكلّم، وفي الإنشاء الإباحةُ والتخييرُ(١) كذلك، وحينئذٍ لا يلزم الاشتراكُ ولا الحقيقةُ والمجاز، وبعضُهم يقول: إنها باعتبار الأصل موضوعةٌ للتساوي في الشك، وحُمل على أنه فردٌ من أفراد المعنى الحقيقي، ثم اتّسع فيها فجاءت للتساوي من غير شكٌّ كما فيما نحن فيه على رأي؛ إذ المعنى مَثِّل بأي القصتين شئتَ فهما سواء في التمثيل، ولا بأس لو مثَّلتَ بهما جميعاً، وإن كان التشبيه الثاني أبلغَ لدلالته على فَرْطِ الحيرة، وشدةِ الأمر وفظاعته، ولذا أُخِّر ليتدرَّج من الأهون إلى الأهول. وزعم بعضهم أنَّ ((أو) هنا بمعنى الواو، وما في الآيتين تمثيلٌ واحد. وقيل: بمعنى بل. وقيل: للإبهام، والكلُّ ليس بشيء، نعم اختار أبو حيان(٢) أنها للتفصيل .- وكأنَّ مَن نظر إلى حالهم منهم مَن يشبِّهه بحال المستوقد، ومنهم مَن يشبِّهه بحالٍ ذوي صيِّب ۔ مدَّعياً أنَّ الإباحة، وكذا التخيير، لا يكونان إلا في الأمر أو ما في معناه. انتهى. ولا يخفى على مَن نظر في معناه، وحقّق ما معناه، أنَّ ما نحن فيه داخلٌ في الشقِّ الثاني، على أنَّ دعوى الاختصاص(٣) مما لم يُجمِعْ عليه الخواصُ، فقد ذكر ابن مالك أنَّ أكثر ورود ((أو)) للإباحة في التشبيه نحو: ﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤] والتقدير نحو: ﴿فَكَنَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ﴾ [النجم: ٩](٤). والصيِّب في المشهور: المطر، مِن صابَ يَصُوبُ: إذا نزل، وهو المرويُّ هنا عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، ويطلق على السحاب أيضاً كما في قوله: حتى عفاها صيِّبٌ وَدْقُهُ داني النواحي مُسْبَلٌ ماطلُ(٥) (١) الفرق بين الإباحة والتخيير هو أنه في التخيير لا يملك الجمع بينهما، بخلاف الإباحة. ينظر حاشية الشهاب ٣٩١/١. (٢) في البحر ٨٣/١. (٣) يعني اختصاص ((أو)) التي للإباحة والتخيير بالأمر. ينظر حاشية الشهاب ٣٩٢/١. (٤) ذكر هذا الكلام عن ابن مالك ابن هشام في المغني ص٨٨. (٥) ذكره بهذه الرواية أبو حيان في البحر ٨٣/١، وهو في منتهى الطلب ١٩٢/٢ منسوب لعبيد بن الأبرص برواية: حتى عفاها صيِّتُ رَغْدُهُ داني النواحي مُسْبَلٌ ماطلُ سُورَةُ الََّة ٤٧٨ الآية : ١٩ ووزنه فَيْعِل - بكسر العين - عند البصريين، وهو من الأوزان المختصّة بالمعتلِّ العَيْنِ، إلا ما شذَّ من صَيْقِل - بكسر القاف - عَلَمٌ لامرأة، والبغداديون يفتحون العين وهو قولٌ تُسَدُّ الأذن عنه، وقريبٌ منه قول الكوفيين: إنَّ أصله فَعِيل، كطويل، فقُلب. وهل هو اسم جنس أو صفةٌ بمعنى نازل أو مُنْزَل؟ قولان؛ أشهرُهما الأول، وأكثر نظائره في الوزن من الثاني، وقرئ: ((أو كصائب))(١) وصيِّبٌ أبلغُ منه، والتنكير فيه للتنويع والتعظيم. والسماء: كلُّ ما عَلَاكَ من سقفٍ ونحوِهِ، والمعروفة عند خواصِّ أهل الأرض والمرئية عند عوامِّهم، وأصلُها الواو من السمو؛ وهي مؤنثة، وقد تُذكَّر كما في قوله: فلو رفع السماء إليه قوماً لحقنا بالسماء مع السحاب(٢) وتلحقها هاء التأنيث فتصحُّ الواوُ حينئذ - كما قاله أبو حيان(٣) - لأنها بُنيت عليها الكلمة، فيقال: سماوة. وتُجمع على سماوات وأَسْمِية وسَمَائي، والكلُّ - كما في البحر (٤)_ شاذٌ؛ لأنها اسم جنسٍ وقياسُه أن لا يجمع، وجمعُه بالألف والتاء خالٍ عن شرطٍ ما يُجمع بهما قياساً، وجمعُه على أَفْعِلة ليس مما يَنْقاس في المؤنث، وعلى فعائل لا ينقاس في فعال. والمراد بالسماء هنا: الأفق، والتعريف للاستغراق لا للعهد الذهنيّ كما ينساق لبعض الأذهان، فيفيد أنَّ الغمام آخذٌ بالآفاق كلها، فيشعر بقوة المصيبة مع ما فيه من تمهيد الظُلمة، ولهذا القصد ذَكَرها، وعندي أنَّ الذكر يحتمل أن يكون أيضاً للتهويل والإشارة إلى أنَّ ما يؤذيهم جاء من فوق رؤوسهم، وذلك أبلغ في الإيذاء كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] وكثيراً ما نجد أنَّ المرء يعتني بحفظ رأسه أكثر مما يعتني بحفظٍ سائرٍ أطرافه، حتى إنَّ المستطيع من الناس يتّخذ طيلساناً لذلك، والعِيَانُ والوجدان أقوى شاهدٍ على ما قلنا. (١) الكشاف ٢١٤/١. (٢) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٣٣/١، ومنتهى الطلب ٤٢٠/٥، والبحر ٨٣/١، والدر المصون ١/ ١٧٠، ورواية الديوان: ولو رفع الإله إليه .. (٣) في البحر ٨٣/١. (٤) ١/ ٨٣.