النص المفهرس

صفحات 441-460

الآية : ١٣
٤٣٩
سُورَةُ الْبَّقْرَة
محذوفاً مقدَّراً بـ: أنهم مفسدون، ويحتمل أن يقدَّر أنَّ وبالَ ذلك الفسادِ يرجع
إليهم، أو: أنَّا نعلم أنهم مفسدون، ويكون ((ألا إنهم هم المفسدون)) لإفادةِ لازم
فائدةِ الخبر، بناءً على أنهم عالمون بالخبر جاحدون له كما هو عادتهم المستمرة،
ويَبعد هذا إذا كان المنافقون أهل كتاب، ويحتمل أن لا يُنوَى محذوف، وهو أبلغ
في الذم. وفيه مزيدُ تسليةٍ له وَّ؛ إذ مَن كان من أهل الجهل لا ينبغي للعالم أن
یکترٹ بمخالفته.
وفي ((التأويلات)» لعلم الهدى(١): إنَّ هذه الآيةَ حجةٌ على المعتزلة في أنَّ
التكليف لا يتوجَّه بدون العلم بالمكلَّف به، وأنَّ الحجة لا تلزم بدون المعرفة،
فإنَّ الله تعالى أخبر أنَّ ما صنعوا من النفاق إفسادٌ منهم مع عدم العلم، فلو كان
حقيقة العلم شرطاً للتكليف ولا علم لهم به، لم يكن صنيعهم إفساداً؛ لأنَّ الإفساد
ارتكابُ المنهيِّ عنه، فإذا لم يكن النهي قائماً عليهم عن النفاق، لم يكن فعلهم
إفساداً، فحيث كان إفساداً دلَّ على أنَّ التكليف يعتمد قيام آلةِ العلم والتمكُّن من
المعرفة، لا حقيقة المعرفة، فيكون حجة عليهم. وهذه المسألة متفرِّعة على مسألةٍ
مقارنة القدرة للفعل وعدمها، وأنت تعلم أنه مع قيام الاحتمال يقعد على العجز
الاستدلال.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾ إشارةٌ إلى التحلية - بالحاء المهملة -
كما أنَّ ((لا تفسدوا)) إشارةٌ إلى التخلية - بالخاء المعجمة - ولذا قُدِّم، وليس هنا
ما يدلُّ على أنَّ الأعمال داخلٌ في كمال الإيمان أو في حقيقته كما قيل؛ لأنَّ اعتبارَ
ترك الفساد لدلالته على التكذيب المنافي للإيمان. وحُذف المؤمَنُ به لظهوره، أو
أريد: افعلوا الإيمان، والكاف في موضع نصب، وأكثر النحاة يجعلونها نعتاً
لمصدر محذوف، أي: إيماناً كما آمن الناس، وسيبويه لا يُجوِّز حذف الموصوف
وإقامة الصفة مقامه في هذا الموضع، ويجعلها منصوبةً على الحال من المصدر
المضمر المفهوم من الفعل (٢)، ولم تُجعل متعلّقة بـ ((آمنوا)) والظرفُ لغو، بناءً على
أنَّ الكاف لا تكون كذلك. و ((ما)) إمَّا مصدرية أو كافَّة، ولم تُجعل موصولة لما فيه
(١) هو أبو منصور الماتريدي، والكلام في تفسيره المسمى: تأويلات أهل السنة ١٧/١.
(٢) ينظر الكتاب ٢٢٧/١-٢٢٨، والدر المصون ١/ ١٤١.

سُورَةُ الْبَحَدَة
٤٤٠
الآية : ١٣
من التكلُّف، والمعنى على المصدرية: آمنوا إيماناً مشابهاً لإيمان الناس، وعلى
الكفّ: حقِّقوا إيمانكم كما تحقَّق إيمانُ الناس، وذلك بأن يكون مقروناً بالإخلاص
خالصاً عن شوائب النفاق.
والمراد من الناس الرسول و #ومَن معه من المؤمنين مطلقاً كما أخرجه ابن
جرير عن ابن عباس ◌ُها(١)، وهم نصبُ عينٍ أولي الغَيْنِ(٢)، وملتفَتُ خواطرهم
لتألُّمِهم (٣) منهم، وقد مرَّ ذكرهم أيضاً لدخولهم دخولاً أوَّلِيًّا في ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
[البقرة: ٩] فالعهد خارجيٍّ، أو خارجيٍّ ذِڭريٌّ.
أو مَن آمن من أبناء جنسهم، كعبد الله بن سلام، كما قاله جماعة من وجوه
الصحابة .
أو المراد: الكاملون في الإنسانية الذين يُعَدُّ مَن عَدَاهم في عداد البهائم في فَقْدِ
التمييز بين الحقِّ والباطل، فاللام إمَّا للجنس أو للاستغراق.
واستُدلَّ بالآية على أنَّ الإقرار باللسان إيمان، وإلا لم يُفدِ التقيدُ، وكونُه
للترغيب يأباه إيرادهم التشبيه في الجواب. والجواب عنه - بعد إمكان معارضته
بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ - أنه لا خلافَ في جواز إطلاق الإيمان على
التصديق اللساني، لكن من حيث إنه ترجمةٌ عما في القلب أُقيم مُقامه، إنما النزاع
في كونه مسمَّى الإيمان في نفسه ووَضْعِ الشارع إياه له مع قطع النظر عما في
الضمير، على ما بُيِّن لك في محله.
ولما طلب من المنافق الإيمان دلَّ ذلك على قبول توبة الزنديق:
فإنْ لا يَكُنْها أو تَكُنْه فإنَّه
أخوها غذَتْه أمُّه بِلِبانِها(٤)
(١) تفسير الطبري ٣٠١/١-٣٠٢.
(٢) غِين على قلبه غَيْناً: تغشَّته الشهوة، أو غُطّ عليه وأُلبس، أو أحاط به الرَّين. القاموس
(غين).
(٣) في (م): لتأملهم، وهو تصحيف. والمعنى: أن الرسول ﴿ ومن معه من المؤمنين كانوا
نصب أعينهم وملتفتَ خواطرهم؛ لأنهم كانوا متألِّمين منهم لإظهار المعجزات وتلاوة القرآن
عليهم. ينظر حاشية الشهاب ٣٣٥/١.
(٤) البيت لأبي الأسود الدؤلي كما في أدب الكاتب ص ٤٠٧، وإصلاح المنطق ص٣٢٩.

الآية : ١٣
٤٤١
سُوَّةُ الْجَرَة
نعم إن كان معروفاً بالزندقة داعياً إليها ولم يَتُبْ قبل الأخذ قُتل كالساحر، ولم
تُقبل توبته كما أفتى به جمعٌ من المحقّقين.
﴿قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَاَ ءَامَنَ الشُّفَهَّةُ﴾ أرادوا: لا يكون ذلك أصلاً، فالهمزة للإنكار
الإبطاليِّ، وعَنَوا بالسفهاء؛ إما أولئك الناس المتقدِّمين، أو الجنس بأسره، وأولئك
الكرامُ والعقلاءُ الفِخَامُ داخلون فيه بزعمهم الفاسدِ دخولاً أوَّلِيًّا وأبعدَ مَن ذهب إلى
أنَّ اللام للصفة الغالبة كما في العَيُّوق(١)؛ لأنه لم يغلب هذا الوصف على أناس
مخصوصين، إلا أن يدَّعَى غلبته فيما بينهم، قاتلهم الله أنَّى يؤفكون.
والسَّفَه: الخفة والتحرُّك والاضطراب، وشاع في نقصان العقل والرأي،
وإنما سفَّهوهم جهلاً منهم، حيث اشتغلوا بما لا يُجدي في زعمهم، ويحتمل
أن يكون ذلك من باب التجلُّد حَذَراً من الشماتة، إن فُسِّر الناس بمَن آمَن
منهم، واليهود قومٌ بُهت.
وقد استشكل هذه الآية كثيرٌ من العلماء: بأنه إذا كان القائل المؤمنين - كما هو
الظاهر - والمجيبُ المنافقين يلزم أن يكونوا مُظهِرين للكفر إذا لقوا المؤمنين، فأين
النِّفاق وهو المفهومُ من السياق والسباق؟
وأجيب بأنَّ هذا الجواب كان فيما بينهم، وحكاه الله تعالى عنهم وردَّه عليهم،
وليس الجواب ما يقال مواجهةً فقط، فقد استفاض من الخَلَف إطلاق لفظ الجواب
علی ردِّ كلام السلف مع بعدِ العهد من غير نکیر.
وقيل: ((إذا)) هنا بمعنى لو، تحقيقاً لإبطانهم الكفر، وأنهم على حالٍ تقتضي
أنهم لو قيل لهم كذا قالوا كذا، كما قيل مثله في قوله:
وإذا ما لُمته لُمته وحدي(٢)
وقيل: إنه كان بحضرة المسلمين، لكن مساررةً بينهم، وأظهره عالم السرِّ
(١) كوكب أحمر مضيءٌ بحبال الثريا من ناحية الشمال، ويطلع قبل الجوزاء. اللسان (عوق).
(٢) قائله أبو تمام، وهو في ديوانه ١١٦/٣ بشرح التبريزي، ونقله المصنف بهذا اللفظ عن
الشهاب في الحاشية ٣٣٣/١، ورواية الديوان:
كريم متى أَمْدَخْه أَمْدَخْه والورى معي ومتى ما لمته لُمته وحدي

سُورَةُ الْبَنْقَة
٤٤٢
الآية : ١٣
والنجوى. وقيل: كان عند مَن لم يُفْشِ سرَّهم من المؤمنين لقرابةٍ أو لمصلحة ما .
وذكر مولانا مفتي الديار الرومية: أنَّ الحقَّ الذي لا مَحيد عنه أنَّ قولهم هذا و
إن صدر بمحضر من الناصحين، لا يقتضي كونَهم من المجاهرين، فإنه ضَرْبٌ من
الكفر أنيق، وفَنٌّ في النفاق عريق؛ لأنه كلامٌ محتمِلٌ للشر كما ذُكر في تفسيره،
وللخير بأن يحمل على ادِّعاء الإيمان كإيمان الناس و إنكار ما اتُّهموا به من
النفاق، على معنى: أنؤمن كما آمن السفهاء والمجانينُ الذين لا اعتدادَ بإيمانهم لو
آمنوا، ولا نؤمن كإيمان الناس حتى تأمرونا بذلك، وقد خاطبوا به الناصحين
استهزاءً بهم، مُرائين لإرادةِ المعنى الأخير، وهم معوّلون على الأول. والشرعُ ينظر
للظاهر وعند الله تعالى علم السرائر، ولهذا سكت المؤمنون وردًّ الله سبحانه عليهم
ما كانوا يُسرُّون، فالكلام كنايةٌ عن كمال إيمانهم، ولكن في قلب تلك الكناية
نكايةٌ، فهو على مشاكلة قولهم ﴿وَأَشْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: ٤٦] في احتمال الشرِّ
والخير، ولذلك نهى عنه. وجَعَل رحمه الله تعالى قوله تعالى في الحكاية عنهم
﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] من هذا القبيل أيضاً.
وإلى ذلك مال مولانا الشهابُ الخفاجيّ(١)، وادَّعى أنه من بنات أفكاره.
وعندي أنه ليس بشيء؛ لأنَّ ((أنؤمن)) لإنكار الفعل في الحال، وقولهم ((كما آمن
السفهاء)» بصيغة الماضي صريحٌ في نسبتهم السفاهة إلى المؤمنين لإيمانهم،
فلا توريةً ولا نفاق، ولعله لما رأى صيغة الماضي زاد في بيان المعنى: لو آمنوا.
ولا أدري من أين أتى به، ولا يُصْلِحُ العطار ما أَفْسدَ الدهر؛ فالأَهْونُ بعضُ
هاتیك الوجوه.
وقوله: إنَّ إبراز ما صدر عن أحد المتحاورين في الخلاء في معرض ما جرى
بينهما في مقام المحاورة، مما لا عهد به في الكلام، فضلاً عما هو في منصب
الإعجاز(٢). لا يخفى ما فيه على مَن اطّلع على محاورات الناس قديماً وحديثاً
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
(١) في حاشيته على البيضاوي ٣٣٣/١.
(٢) تفسير أبي السعود ٤٥/١.

الآية : ١٤
٤٤٣
ـرةُ البَََة
﴾﴾ ردِّ وأشنع تجهيل حسبما أُشير إليه
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعَلَمُونَ
فيما سلف، وإنما قال سبحانه هنا: (لَا يَعْلَمُونَ) وهناك (لَّا يَشْعُونَ)، لأنَّ المُثبَتَ
لهم هناك هو الإفساد، وهو مما يُدرك بأدنى تأمُّل، ولا يحتاج إلى كثيرِ فكرٍ، فنفَى
عنهم ما يُدرَك بالمشاعر مبالغةً في تجهيلهم، والمثبَت هنا السَّفْهُ، والمصدَّر به الأمر
بالإيمان، وذلك مما يحتاج إلى نظر تامّ يفضي إلى الإيمان والتصديق، ولم يقع
منهم المأمور به، فناسب ذلك نفي العلم عنهم، ولأنَّ السَّفَهَ خِقَّةُ العقل والجهلُ
بالأمور - على ما قيل - فيناسبه أَتَّ مناسبةٍ نفيُ العلم، وهذا مبنيٌّ على ما هو الظاهرُ
في المعقول(١)، وعلى غيرِ الّاهِرِ غيرُ ظاهرٍ فتدبر.
ثم اعلم أنه إذا التقت الهمزتان والأولى مضمومة والثانية مفتوحة من كلمتين
نحو: ((السفهاء ألا)) ففي ذلك أوجهٌ: تحقيقُ الهمزتين، وبذلك قرأ الكوفيون وابن
عامر. وتحقيقُ الأولى وتخفيفُ الثانية بإبدالها واواً. وبذلك قرأ الحِرْمِيَّان
وأبو عمرو(٢). وتسهيلُ الأولى بجَعْلها بين الهمزة والواو وتحقيقُ الثانية، وتسهيلُ
الأولى وإبدالُ الثانية واواً، وأجاز قومٌ جَعْلَ الهمزتين بينَ بينَ ومَنّعه آخرون(٣).
﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا﴾ بيانٌ لدأب المنافقين، وأنهم إذا استقبلوا
المؤمنين دفعوهم عن أنفسهم بقولهم آمنًا؛ استهزاءً، فلا يتوهّم أنه مكرَّرٌ مع أول
القصة، لأنه إبداءٌ لخُبثهم ومَكْرهم، وكشفٌ عن إفراطهم في الذعارة(٤)، وادعاءٍ
أنَّهم مثلُ المؤمنين في الإيمان الحقيقي، وأنهم أحاطوه من جانبيه، على أنه لو لم
يكن هذا لا ينبغي أن يتوهّم تكرارٌ أيضاً؛ لأنَّ المعنى: ومن الناس مَن يتفوَّه
بالإيمان نفاقاً للخداع، وذلك التفوُّه عند لقاء المؤمنين، وليس هذا من التكرار
بشيء؛ لما فيه من التقييد وزيادة البيان، وأنهم ضعُّوا إلى الخداع الاستهزاءَ، وأنهم
لا يتفوَّهون بذلك إلا عند الحاجة.
(١) في (م): المفعول.
(٢) التيسير ص٣٣-٣٤، والبحر ٦٨/١، وينظر النشر ٣٨٢/١-٣٩٠.
(٣) البحر ٦٨/١.
(٤) كذا في الأصل و (م)، ولعل الصواب: الزعارة، يقال: في خلقه زعارَّة بتشديد الراء
وتخفيفها، أي: شراسة وسوء خلق. اللسان (زعر).

سُورَةُ الْبَغَة
٤٤٤
الآية : ١٤
والقول بأنَّ المراد بـ ((آمنًّا)) أولاً الإخبارُ عن إحداث الإيمان، وهنا عن إحداث
إخلاص الإيمان مما ارتضاه الإمام(١)- ولا أقتدي به - وتأييدُه له بأنَّ الإقرار اللسانيَّ
كان معلوماً منهم غيرَ محتاج للبيان، وإنما المشكوك الإخلاصُ القلبي، فيجب
إرادته، يدفعه النظر من ذي ذوقٍ فيما حرَّرناه.
واللقاء: استقبال الشخص قريباً منه، وهو أحد أربعةَ عَشَرَ مصدراً للقيَ، وقرأ
أبو حنيفة وابن السميفع: ﴿لاقَوا﴾ وجعله في ((البحر)) بمعنى الفِعل المجرَّد(٢).
وحُذف المفعول في ﴿ءَامَنَّا﴾ قيل: اكتفاءً بالتقييد قبلُ بالله وباليوم الآخر.
وقيل: المراد: آمنا بما آمنتم به. وأَبعدَ مَن قال: أرادوا الإيمان بموسى عليه
السلام دون غيره، وحذفوا توريةً منهم و إيهاماً.
هذا ولم يصحَّ عندي في سبب نزول هذه الآية شيء، وأمَّا ما ذكره الزمخشريُّ
والبيضاويُّ ومولانا مفتي الديار الرومية(٣) وغيرهم، فهو من طريق السُّدِّي الصغير،
وهو كذَّاب، وتلك السلسلة سلسلةُ الكذبِ لا سلسلةُ الذهب، وآثارُ الوضع لائحة
على ما ذكروه، فلا يعوَّل عليه، ولا يلتفتُ إليه (٤).
﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ من خلوتُ به وإليه: إذا انفردت معه، أو من قولهم
في المثل: اطلب الأمر وخَلَاك ذم(٥)، أي: عَدَاكَ ومضى عنك، ومنه ﴿قَدْ خَلَتْ مِن
قَبْلِكُمْ سُنَنَّ﴾ [آل عمران: ١٣٧] وعلى الثاني المفعولُ الأول هنا محذوفٌ لعدم تعلُّق
الغرض به أي: إذا خَلَوْهم، وتَعْدِيتُه إلى المفعول الثاني بـ ((إلى)) لما في المضيِّ عن
الشيء معنى الوصول إلى الآخر.
واحتمالُ أن يكون من خلوتُ به، أي: سخرتُ منه، فمعنى الآية: إذا أنهوا
السخرية معهم وحدَّثوهم، كما يقال: أَحمدُ إليك فلاناً وأذمه إليك = مما لا ينبغي
(١) هو الرازي في تفسيره ٦٩/٢ .
(٢) البحر ٦٨/١، والقراءة عن ابن السميفع في القراءات الشاذة ص٢.
(٣) الكشاف ١٦٤/١، وتفسير البيضاوي ٨٦/١، وتفسير أبي السعود ٤٦/١.
(٤) في (م): بوجه إليه، والخبر أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص ٢٠ من طريق السدِّي
الصغير مروان بن محمد، عن الكلبي، عن أبي صالح - وهي سلسلة الكذب - عن ابن عباس.
(٥) المستقصى ٢٢٤/١، ومجمع الأمثال ٢/ ٨٠. يضرب في نفي الذم عمَّن أَغْذَر في الطلب
وإن لم يظفر.

الآية : ١٤
٤٤٥
سُؤَةُ الْبَعَة
أن يخرَّج عليه كلامُ ربِّ العزة، وإن ذكره الزمخشريُّ والبيضاويُّ(١) وغيرهما، إذ لم
يقع صريحاً ((خلا)) بمعنى سَخِرَ في كلام مَن يُوثق به، وقولهم: خلا فلانٌ بعِرْض
فلان يعبث به، ليس بالصريح؛ إذ يجوز أن يكون خلا على حقيقته، أو بمعنى
تمكَّن منه على ما قيل، والدالُّ على السخرية: يعبث به.
وزعم النضر بن شُميل أنَّ ((إلى)) هنا بمعنى مع ولا دليلَ عليه؛ كالقول بأنها
بمعنى الباء، على أنَّ سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف، نعم إنَّ
الخلوة كما في ((التاج)) (٢) تستعمل بـ ((إلى، والباء، ومع)) بمعنى واحد، ويفهم من
كلام الراغب أنَّ أصل معنى: الخلوِّ: فراغُ المكان والحيِّز عن شاغل، وكذا
الزمان، وليس بمعنى المضيِّ، وإذا أريد به ذلك كان مجازاً، وظاهر كلام غيره أنه
حقيقة، وضعيفان يغلبان قويًّا .
والمراد بـ ((شياطينهم)) مَن كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهود، كما قاله ابن
عباس، أو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة. وسُمُّوا بذلك لتمرُّدهم وتحسينهم
القبيحَ وتقبيحِهم الحسن، أو لأنَّ قرناءهم الشياطين، إن فُسِّروا بالكهنة، وكان
على عهده بَّر كثيرٌ منهم، ككعب بن الأشرف من بني قريظة، وأبي بردة من بني
أسلم، وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وابن السوداء في
الشام.
وحَمْلُه على شياطين الجنّ - كما قاله الكلبي - مما لا يَختلجُ بقلبي. والشياطين
جمع تكسير، وإجراؤه مجرى الصحيح، كما في بعض الشواذِ: ((تنزَّلت به
الشياطون))(٣) لغةٌ غريبةٌ جدًّا، والمفرد شيطان، وهو فَيْعال عند البصريين، فنونُه
أصلية من شَطَّنَ، أي بَعُدَ؛ لبُعْدِه عن امتثال الأمر، ويدلُّ عليه: تَشَيْطَنَ،
وإلا لسقطت، واحتمالُ أَخْذِه من الشيطان لا من أصله، على أنَّ المعنى: فَعَل
فِعْلَه، خلافُ الظاهر، وعند الكوفيين وزنه فَعْلان، فنونه زائدة، من شاط يَشِيطُ :
إذا هلك وبطل، أو احترق غضباً. والأنثى شيطانة، وأنشد في ((البحر)):
(١) الكشاف ١٨٤/١، وتفسير البيضاوي ٨٦/١.
(٢) مادة (خلو).
(٣) القراءات الشاذة ص٣٨،٨.

سُورَةُ الْبَعَة
٤٤٦
الآية : ١٤
هي البازلُ الكَوماءُ لا شيءَ غيرها وشيطانةٌ قد جُنَّ منها جنونها(١)
وروي عن ابن عباس ﴾: أنَّ الشيطان كلُّ متمرِّدٍ من الجنَّ والإنس والدوابّ.
﴿قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: معيَّةً معنوية، وهي مساواتُهم لهم في اعتقاد اليهودية،
وهو أمُّ الخبائث، وأتى بالجملة الفعلية الدالّة على الحدوث مع ترك التأكيد
فيما أُلقي على المؤمنين المنكِرين لما هم عليه، أو المتردِّدين، وبالجملة الثبوتية مع
التأكيد فيما أُلقي إلى شياطينهم الذين ليسوا كذلك؛ لأنهم في الأول بصدد دعوى
إحداث الإيمان، ولم ينظروا هنا لإنكار أحد وتردُّده، إيهاماً منهم أنهم بمرتبةٍ
لا ينبغي أن يُتْردَّدَ في إيمانهم ليؤكِّدوا، لعلَّه أن يتمَّ لهم مرامهم بذلك في زعمهم.
وفي الثاني بصدد إفادة الثبات دفعاً لما يختلج بخواطر شياطينهم من مخالطة
المؤمنين ومخاطبتهم بالإيمان.
وقيل: إنَّ التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والشك، يكون لصدق الرغبة، وتَرْكه
كما يكونُ لعدم ذلك يكون لعدم اعتناء المتكلِّم، فللرَّغبة أَّدوا، ولعَدَمها تركوا، أو
لأنهم لو قالوا: إنّا مؤمنون، كان ادِّعاءً لكمال الإيمان وثباته، وهو لا يَروجُ عند
المؤمنين مع ما هم عليه من الرزانة وحدَّة الذكاء، ولا كذلك شياطينُهم.
وعندي أنَّ الوجه هو الأول؛ إذ يَرِدُ على الأخيرين قولُه تعالى فيما حكى
عنهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] إلا أن يقال: إنهم أظهروا الرغبة هناك
وتبالَهوا عن عدم الرَّواج لغرضٍ ما من الأغراض، والأحوالُ شتَّى، والعوارضُ
كثيرة، ولهذا قيل: إنهم للتقية والخداع، ودعوى أنهم مثل المؤمنين في الإيمان؛
ليُجروا عليهم أحكامهم ويعفوهم عن المحاربة، أگَّدوا بالباء فيما تقدم حيث قالوا :
«بالله وباليوم الآخر)).
والقول بأنَّ الفرق بين آية الشهادة وآية الإيمان هنا ظاهر؛ لأنهم لو قالوا: إنَّا
المؤمنون، لكانوا ملتزمين أمرين: رسالتَه بَله، ووجوبَ إيمانهم به، بخلاف آية
(١) في الأصل و (م): جفونها، والمثبت من البحر ٦٢/١، ورسالة الملائكة للمعري ص٢٤٩.
البازل من الإبل: من له تسع سنين. والكوماء: الناقة العظيمة السنام. القاموس (بزل)
و(كوم).

الآية : ١٤
٤٤٧
سُوَّةُ الْبَدَة
الشهادة فإنَّ فيها التزامَ الأول، ولا يلزم من عدم الرغبة في أمرين عدمُها في
أحدهما = ظاهرُ الركاكة للمنصفين كما لا يخفى.
وقرأ الجمهور: ((معكم)) بتحريك العين، وقرئ شاذًّا بسكونها، وهي لغةُ ربيعةً
وغَثْم (١).
﴿إِنَّمَا نَخْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
الاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، واستفعل بمعنى
١٤
فَعَلَ؛ تقول: هَزَأْتُ(٢) به واستهزأت، بمعنى، كاستَعْجَبَ وعَجِبَ، وذكر حجة
الإسلام الغزالي أنَّ الاستهزاء: الاستحقارُ والاستهانةُ، والتنبيه على العيوب
والنقائصٍ على وجهٍ يُضْحَك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول،
وبالإشارة والإيماء(٣). وأرادوا: مستحقُّون بالمؤمنين، وأصل هذه المادة: الخفة؛
يقال: ناقته تهزأ به، أي: تُسرع وتخفّ. وقول الرازي: إنه عبارةٌ عن إظهار موافقةٍ
مع إيطان ما يجري مجرى السوء على طريق السخرية(٤)، غيرُ موافقٍ للُّغة والعرف.
والجملة إما استئنافية، فكأنَّ الشياطين قالوا لهم لمَّا قالوا: إنا معكم - إن صحَّ
ذلك -: فما بالكم توافقون المؤمنين، فأجابوا بذلك. أو بدلٌ من: إنَّا معكم؛ وهل
هو بدلُ اشتمال، أو كلٍّ، أو بعضٍ؟ خلاف:
أما الأول: فلأنَّ هذه الجملةَ تفيد ما تفيدُه الأُولى، وهو الثباتُ على اليهودية؛
لأنَّ المستهزئ بالشيء مُصِرٌّ على خلافه وزيادة وهو تعظيم الكفر المفيدُ لدفع شبهة
المخالطةِ، وتصلَّبِهم في الكفر، فيكون بدلَ اشتمال.
وأمَّا الثاني - وبه قال السعد -: فللتَّساوي من حيث الصدقُ، ولا يقتضي
التساوي من حيث المدلول.
وأما الثالث: فلأنَّ كونَهم معهم عامٌّ في المعيَّة الشاملةِ للاستهزاء والسخرية
وغير ذلك.
(١) البحر ٦٩/١.
(٢) في الأصل: هزئت، وكلاهما صواب، وفي القاموس: هزأ كمنَع وسَمِع.
(٣) إحياء علوم الدين ١٣١/٣.
(٤) التفسير الكبير ٢/ ٦٩ .

سُوَّةُ الْبَقَة
٤٤٨
الآية : ١٥
أو تأكيدٌ لما قبله بأن يقال: إنَّ مدَّعاهم بـ ((إنَّا معكم)) الثباتُ على الكفر،
و ((إنما نحن مستهزؤون)) لاستلزامه ردَّ الإسلام ونَفْيَه يكون مقرِّراً للثبات عليه، إذ
دفعُ(١) نقيضٍ الشيء تأكيدٌ لثباته، لئلا يلزم ارتفاعُ النقيضين. أو يقال: يلزم ((إنا
معكم)»: إنَّا نُوهِمُ أصحابَ محمد نَّالإيمان، فيكون الاستخفاف بهم وبدينهم
تأكيداً باعتبار ذلك اللازم.
وأَوْلى الأوجُهِ عند المحقّقين الاستئنافُ، لولا ما ذكره الشيخ في «دلائل
الإعجاز))(٢) من أنَّ موضوع (إنَّما)) أن تجيءَ لخبرٍ لا يجهله المخاطَب ولا يَدْفعُ
صحته، فإنه يقتضي أنَّ تقدير السؤال هنا أمرٌ مرجوح، ولعلَّ الأمر فيه سهل.
وقرئ: ((مستهزيون)) بتخفيف الهمزة وبقَلْبها ياءً مضمومة(٣)، ومنهم مَن يحذفُ
الياء فتضمُّ الزاي(٤).
﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ حَمَل أهل الحديث وطائفةٌ من أهل التأويل الاستهزاءَ منه
تعالى على حقيقته، وإن لم يكن المستهزئ من أسمائه سبحانه، وقالوا: إنه التحقير
على وجهٍ من شأنه أنَّ من اطّلع عليه يتعجَّب منه ويضحك، ولا استحالةً في وقوع
ذلك منه عزَّ شأنه، ومَنْعُه من قياس الغائب على الشاهد.
وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جلَّ وعلا حقيقةً لِمًا فيه من تقرير
المستهزأ به على الجهل الذي فيه، ومقتضى الحكمةِ والرحمة أن يريه الصواب فإن
كان عنده أنه ليس متَّصفاً بالمستهزَأ به، فهو لعبٌّ لا يليق بكبريائه تعالى. فالآية
على هذا مؤوَّلةٌ: إمّا بأنْ يراد بالاستهزاء جزاؤه، لما بينَ الفعل وجزائه من مشابهةٍ
في القَدْر، وملابسةٍ قوية، ونوع سببيةٍ مع وجود المشاكلة المحسنة ههنا، ففي
الكلام استعارةٌ تبعية، أو مجازٌ مرسل. وإمَّا بأن يراد به إنزالُ الحقارة والهوان،
فهو مجازٌ عما هو بمنزلة الغاية له، فيكون من إطلاق المسبّب على السبب نظراً إلى
التصور، وبالعكس نظراً إلى الوجود. وإما بأن يجعل الله تعالى وتقدَّسَ كالمستهزئ
(١) في (م): رفع.
(٢) ص ٣٣٠.
(٣) وهي قراءة حمزة وقفاً. ينظر السبعة ص ١٤٢، والنشر ٤٣٨/١.
(٤) وهي قراءة أبي جعفر. النشر ٣٩٧/١.

الآية : ١٥
٤٤٩
سُورَةُ الْبَادَة
بهم على سبيل الاستعارة المكنية، وإثبات الاستهزاء له تخييلاً، ورُبَّ شيءٍ يصحُ
تبعاً ولا يصحُّ قصداً، وله سبحانه أن يطلق على ذاته المقدَّسة ما يشاء تفهيماً
للعباد.
وقد يقال: إنَّ الآية جاريةٌ على سبيل التمثيل، والمراد: يعاملهم سبحانه معاملة
المستهزئ؛ أمّا في الدنيا فبإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم من حيث لا يعلمون،
وأما في الآخرة فبأن يُفتح لأحدهم بابٌ إلى الجنة فيقال: هلمَّ هلمَّ، فيجيء بكَرْبه
وغمِّه، فإذا جاء أُغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال: هلمَّ هلمَّ، فيجيء بكربه
وغمه، فإذا أتاه أُغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إنَّ الرجل ليُفتح له باب فيقال:
هلمَّ هلمَّ، فما يأتيه. وقد روي ذلك بسندٍ مرسلٍ جيدِ الإسناد في المستهزئين
بالناس(١).
وأسند سبحانه الاستهزاء إليه مصدِّراً الجملة بذكره؛ للتنبيه على أنَّ الاستهزاء
بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغُ الذي لا اعتدادَ معه باستهزائهم، لصدوره عمَّن
يضمحلُّ علمهم وقدرتهم في جانب علمه وقدرته، وأنه تعالى كفى عبادَه المؤمنين
وانتقم لهم، وما أَخْوجَهم إلى معارضة المنافقين تعظيماً لشأنهم؛ لأنهم ما استُهزئ
بهم إلا فيه، ولا أحدَ أَغْيَرُ من الله سبحانه.
وترك العطف لأنه الأصل، وليس في الجملة السابقة ما يصحُّ عطفُ هذا القول
عليه إلا بتكلُّفٍ وبُعْدٍ، وقيل: ليكون إيراد الكلام على وجهٍ يكون جواباً عن السؤال
عن معاملة الله تعالى معهم في مقابلة معاملتهم هذه مع المؤمنين، وقولهم: ﴿إِنَّمَا
نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ إشعارٌ بأنَّ ما حكي من الشناعة بحيث يقتضي ظهورَ غيرةِ الله تعالى،
ويَسأل كلُّ أحدٍ عن كيفية انتقامه منهم، ويُشعِر كلام بعض المحقّقين أنه لو ورد هذا
القول بالعطف ولو على محذوفٍ مناسب للمقام، کـ : هم مستهزؤون بالمؤمنین،
الأفاد أنَّ ذلك في مقابلة استهزائهم، فلا يفيد أنَّ الله تعالى أغنى المؤمنين عن
معارضتهم مطلقاً، وأنه تولَّى مجازاتهم مطلقاً، بل يوهم تخصيص التولِّي بهذه
المجازاة.
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨٥)، والبيهقي في الشعب (٦٧٥٧) من طريق الحسن
عن النبي ◌َ *.

سُورَةُ الََّفَرَة
٤٥٠
الآية : ١٥
وأيضاً لكون استهزاءِ الله تعالى بمكانٍ بعيد من استهزائهم إلى حيث لا مناسبة
بينهما، يكون العطف كعطف أمرين غير متناسبين.
وبعضهم رتَّب الفائدتين اللتين ذكرناهما في الإسناد إليه تعالى على الاستئناف
مدَّعياً أنه ولو عطف - ولو بحسَب التوهُّم - على مقدَّرٍ، بأن يقال: المؤمنون
مستهزؤون بهم، والله يستهزئُّ بهم، لفاتت الفائدتان. هذا ولعل ما ذكرناه أسلم من
القيل والقال، وأبعد عن مظانِّ الاستشكال، فتدبر.
وعَدَل سبحانه عن: الله مستهزئٌّ بهم، المطابق لقولهم، إلى قوله: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ
بِهِمْ﴾ لإفادته التجدُّد الاستمراريَّ، وهو أبلغ من الاستمرار الثبوتيّ الذي تفيدُه
الاسمية؛ لأنَّ البلاء إذا استمرَّ قد يهونُ وتألفُه النفس كما قيل:
خُلقتُ أَلوفاً لو رجعتُ إلى الصبا لفارقتُ شيبي مُوجَعَ القلب باكيا(١)
وقد كانت نكايات الله تعالى فيهم ونزولُ الآيات في شأنهم أمراً متجدِّداً مستمراً
﴿أَوْلَا يَرَوّنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَّرَةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦] ﴿يَحْذَرُ
الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا
تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] وهذا نوعٌ من العذاب الأدنى، ولعذاب الآخرة أشدُّ لو كانوا
يعلمون. وصرَّح بالمستهزأ به هنا (٢) ليكون الاستهزاء بهم نصًّا، وإنما تركه
المنافقون فيما حكي عنهم خوفاً من وصوله للمؤمنين، فأبقوا اللفظ محتملاً ليكون
لهم مجالٌ في الذبِّ إذا حُوقِقوا، فجعل الله تعالى كلمة الذين كفروا السفلى
وكلمته (٣) هي العليا.
﴿وَيَمُذُّهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾﴾ معطوفٌ على قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْتَهْزِئُ
بِهِمْ﴾ كالبيان له على رأي، والمدُّ مِن: مدَّ الجيش وأمدَّه بمعنى، أي: أَلحْقَ به
ما يقوِّيه ويكثره، وقيل: مدَّ: زاد من الجنس، وأَمَدَّ: زاد من غير الجنس، وقيل:
مدَّ في الشر، وأَمدَّ في الخير، عكس وَعَدَ وأَوْعَدَ، وإذا استُعمل أمدَّ في الشر،
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٤/ ٤٢٠.
(٢) قوله: هنا، ليس في الأصل.
(٣) في الأصل: وكلمة الله.

الآية : ١٥
٤٥١
سُورَةُ الَفَة
فلعلَّه من باب ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وقد ورد استعمال هذه
المادة بمعنيين؛ أحدهما ما ذكرنا، وثانيهما الإمهال، ومنه: مدّ العمر، والواقع
هنا من الأول دون الثاني لوجهين؛ الأول أنه روي عن ابن كثير من غير السبعة:
(ويُمِدُّهم) بالضم من المزيد (١)، وهو لم يُسمع في الثاني. والثاني أنه متعدٍّ بنفسه،
والآخر متعدٍّ باللام، والحذفُ والإيصال خلاف الأصل، فلا يُرتكب بغير داع،
فمعنى ((ويَمُدُّهم في طغيانهم)): يزيدهم ويقوِّيهم فيه، وإلى ذلك ذهب البيضاويُّ(٢
وغيره، والحقُّ أنَّ الإمهال هنا محتمل، وإليه ذهب الزجَّاج(٣) وابن كيسان،
والوجهان مخدوشان، فقد ورد - عندَ من يعوَّل عليه من أهل اللغة - كلٌّ
منهما ثلاثياً ومزيداً ومعدَّى بنفسه وباللام، وكلاهما من أصل واحد،
ومعناهما يرجع إلى الزيادة كمّا أو كيفاً، وفي ((الصحاح)) (٤): مدَّ الله في عمره،
ومدَّه في غيِّه: أَمْهَلَه وطوّل له.
وروي عن ابن مسعود وظ ه: أنَّ مدَّ الله تعالى في طغيانهم: التمكين من
العصيان. وعن ابن عباس: الإملاء. ونسبة المدِّ إلى الله تعالى - بأيٌّ معنّى كان عند
أهل الحق - حقيقةٌ، إذ هو سبحانه وتعالى المؤُجِدُ للأشياءِ، المنفردُ باختراعها على
حَسَب ما اقتضته الحكمة، ورَفَعتْ له أكفَّها الاستعدادات، ونسبتُه إلى غيره سبحانه
وتعالى في قوله عزَّ شأنه: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ اٌلْفَيَ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] نسبةُ التوِّي
إلى المَلَكِ في قوله تعالى: ﴿يَوَفَّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] مع قوله جلّ وعلا:
﴿اللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ﴾.
وذهبت المعتزلة إلى أنَّ الزيادة في الطغيان والتقويةَ فيه مما يستحيل نسبتُه إليه
تعالى حقيقةً، وحملوا الآية على محامِلَ أُخَرَ، وقد قدَّمنا ما يُوهِنُ مذهبهم، فَلْنَظْوِهِ
هنا على ما فيه .
والطغيان: بضمِّ الطاء على المشهور، وقرأ زيد بن علي ظي ما بكسرها،
(١) البحر ١/ ٧٠، وهي في القراءات الشاذة ص٢ عن ابن محيصن.
(٢) في تفسيره ٨٨/١.
(٣) في معاني القرآن ١/ ٩١.
(٤) مادة (مدد).

سُورَةُ الْبَحْدَة
٤٥٢
الآية : ١٥
وهما لغتان فيه، وقد سُمعا في مصدر اللقاء (١)، وقد أماله الكسائي (٢). وأصلهُ:
تجاوز المكان الذي وقفتَ فيه، ومَن أخلَّ بما عُيِّنَ من المواقف الشرعية والمعارف
العقلية فلم يَرْعَها، فقد طغى، ومنه: طغى الماء، أي: تَجاوَزَ الحدَّ المعروف فيه.
وإضافته إليهم لأنه فِعْلُهم الصادرُ منهم بقُدَرهم المؤثّرةِ بإذن الله تعالى،
فالاختصاصُ المُشْعِرةُ به الإضافةُ إنما هو بهذا الاعتبار، لا باعتبار المحلّية
والاتِّصاف، فإنه معلومٌ لا حاجةً فيه إلى الإضافة، ولا باعتبار الإيجاد استقلالاً من
غير توقُّفٍ على إذن الفعَّال لِمَا يريد، فإنه اعتبارٌ عليه غُبار، بل غبارٌ ليس له اعتبار،
فلا تَهولنَّك جعجعةُ الزمخشريِّ وقعقعته(٣) .
ويحتمل أن يكون الاختصاصُ للإشارة إلى أنَّ طغيان غيرهم في جنبهم
كلا شيء؛ لادِّعاء اختصاصهم به، وليس بالمنحرِفِ عن سنن البلاغة.
والعَمَه: التَردُّد والتحيُّر، ويستعمل في الرأي خاصة، والعمى فيه وفي البصر،
فبينهما عمومٌ وخصوصٌ مطلَقٌ في الاستعمال، وإن تغايرا في أصل الوضع،
واختصَّ العمى بالبصر على ما قيل، وأصله الأصيل: عدمُ الأماراتِ في الطريق
التي تُنصَبُ لتَدُلَّ، من حجارة وتراب ونحوهما، وهي المنار، ويقال: عَمِهَ يَعْمَه -
كتَعِبٍ يَتْعَبُ - عَمَهاً عَمَهاناً، فهو عَمِهٌ وعامِهٌ وعمْهاء(٤). فمعنى يعمهون على هذا،
يتردَّدون ويتحيَّرون، وإلى ذلك ذهب جمعٌ من المفسرين.
وقيل: العَمَه: العمى عن الرشد. وقال ابن قتيبة: هو أن يكبَّ رأسه فلا يبصر
ما يأتي(٥). فالمعنى: يَعْمَوْن عن رشدهم، أو يَكُبُّون رؤوسهم فلا يبصرون، وكأنَّ
هذا أقرب إلى الصواب؛ لأنَّ المنافقين لم يكونوا متردِّدين في الكفر، بل كانوا
(١) الكشاف ١٨٩/١، والبحر ٧٠/١.
(٢) وهي رواية الدوري عنه. التيسير ص٤٩ .
(٣) ينظر الكشاف ١٨٩/١ - ١٩٠.
(٤) العمهاء: هي البرِّية التي ليس بها علمٌ يستدل به. البحر ٦٣/١.
(٥) البحر ٦٣/١، وفيه: يركب، بدل: يكب. والكلام في تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٤١
بلفظ (يعمهون): يركبون رؤوسهم فلا يبصرون، ومثله قوله: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبَّا عَ وَجْهِهِ، أَهْدَىّ
أَمَّنْ يَّمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِ﴾ [الملك: ٢٢].

الآية : ١٦
٤٥٣
سُؤَةُ الْبََّقَة
مصرِّين عليه، معتقدين أنه الحقُّ وما سواه باطل إلا أن يقال: التردُّد والتحير في أمر
آخر، لا في الكفر.
وجملة ((يعمهون)) في موضع نصبٍ على الحال؛ إمَّا من الضمير في ((يمدهم))،
وإما من الضمير في ((طغيانهم)) لأنه مصدرٌ مضافٌ إلى الفاعل. و ((في طغيانهم))
يحتمل أن يكون متعلّقاً بـ ((يمدَّهم))، وأن يكون متعلّقاً بـ ((يعمهون))، وجاز على
خلافٍ كونُ ((في طغيانهم)) و ((يعمهون)) حالين من الضمير في ((يمدُّهم)).
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ آَشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى﴾ إشارةٌ إلى المنافقين الذين تقدَّم ذكرهم،
الجامعينَ للأوصاف الذميمة، من دعوى الصلاح وهم المفسدون، ونسبةِ السَّفَه
للمؤمنين وهم السفهاء، والاستهزاءِ وهم المستهزأُ بهم. ولبُعْدٍ منزلتهم في الشرِّ
وسوء الحال أشار إليهم بما يدلُّ على البعد، والكلام هنا يمكن أن يكون واقعاً
موقعَ ﴿أُوْلَكَ عَ هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] فإنَّ السامع بعد سماع ذكرهم وإجراء
تلك الأوصاف عليهم، كأنه يسأل: من أين دخل على هؤلاء هذه الهيئات؟
فيُجاب: بأنَّ أولئك المستبعَدين إنَّما جسروا عليها لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى
حتى خسرت صفقتُهم وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم، ووقعوا في تيهِ الحيرة
والضلال.
وقيل: هو فَذْلكةٌ (١) وإجمالٌ لجميع ما تقدَّم من حقيقة حالهم، أو تعليلٌ
لاستحقاقهم الاستهزاءَ الأبلغَ، والمدَّ في الطغيان، أو مقرِّرٌ لقوله تعالى: (وَيَُّلُّهُمْ فِى
◌ُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ) وفيه حصرُ المسنَدِ على المسنَد إليه؛ لكون تعريفِ الموصول
للجنس بمنزلة تعريف اللام الجنسيِّ، وهو ادِّعائيٌّ باعتبارٍ كمالهم في ذلك الاشتراء
وإن كان الكفار الآخرون مشاركين لهم في ذلك، لجمعهم هاتيك المساوي
الشنيعة، والخلال الفظيعة، فبذلك الاعتبار صحَّ تخصيصُهم بذلك.
والضلالة: الجور عن القصد، والهدى التوجّه إليه، ويطلقان على العدول عن
الصواب في الدِّين والاستقامةِ عليه. والاشتراء كالشراء: استبدالُ السلعة بالثمن،
أي أخذها به، وبعضُهم يجعله من الأضداد؛ لأنَّ المتبايعينِ تبايعا الثمن والمثمَّن،
(١) الفذلكة: مجمل ما فُصِّل وخلاصته. المعجم الوسيط (فذلك).

سُؤَدَّةُ الْبَقَة
٤٥٤
الآية : ١٦
فكلٌّ من العوَضين مشترَى من جانب مبيعٌ من جانب، ويطلق مجازاً على أخذ شيءٍ
بإعطاء ما في يده، عيناً كان كلٌّ منهما أو معنى، وهذا يستدعي بظاهره أن يكون
ما يجري مجرى الثمن - وهو الهدى - حاصلاً لهؤلاء قبلُ، ولا ريب أنهم بمعزلٍ
عنه؛ فإما أن يقال: إنَّ الاشتراء مجازٌ عن الاختيار؛ لأنَّ المشتريّ للشيء مختارٌ
له، فكأنه تعالى قال: اختاروا الضلالة: على الهدى، ولكون الاستبدال ملحوظاً
جيء بالباء، على أنه قيل: إنَّ التوافُق معنّى لا يقتضي التوافق متعلَّقاً، ولا يَرِدُ على
هذا الحمل كونُه مُخِلَّا بالترشيح الآتي كما زعمه مولانا مفتي الديار الرومية (١)؛
لأنَّ الترشيح المذكور يكفي له وجود لفظ الاشتراء، وإن كان المعنى المقصودُ غيرَ
مرشَح، كما هو العادة في أمثاله.
أو يقال: ليس المراد بما في حيِّز الثمن نفسَ الهدى، بل هو التمكّنُ التامُّ منه
بتعاضُدِ الأسباب، وبأخذ المقدِّمات المُسْتَمْبِعةِ له بطريق الاستعارة، كأنه نفسُ
الهدى بجامع المشاركة في استتباع الجدوى، ولا مريةً في أنَّ ذلك كان حاصلاً
لأولئك المنافقين بما شاهدوه من الآيات الباهرة، والمعجزات القاهرة، والإرشاد
العظيم، والنصح والتعليم، لكنهم نبذوا ذلك فوقعوا في مهاوي المهالك.
أو يقال: المراد بالهدى: الهدى الجبِّي، وقد كان حاصلاً لهم حقيقة، فإنَّ
كلَّ مولود يولد على الفطرة. وقول مولانا مفتي الديار الرومية: إنَّ حَمْلَ الهدى
على الفطرة الأصلية الحاصلة لكلِّ أحد، يأباه أنَّ إضاعتها غيرُ مختصّة بهؤلاء،
ولئن حُملت على الإضاعة التامَّةِ الواصلةِ إلى حدِّ الختم، المختصَّةِ بهم، فليس في
إضاعتها فقط من الشناعة ما في إضاعتها مع ما يؤيِّدها من المؤيِّدات النقلية
والعقلية، على أنَّ ذلك يفضي إلى كون ما فُصِّل من أول السورة إلى هنا
ضائعاً (٢) = كلامٌ ناشئٌّ عن الغَفْلةِ عن معنى الإشارة؛ فإنها تقتضي ملاحظتهم
(١) هو أبو السعود في تفسيره ٤٩/١، ويعني بالترشيح الآتي قولَه تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت ◌ِنَْرَتُهُمْ﴾
وهذا من باب ترشيح المجاز، وهو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة، ثم يحكم عليه ببعض
أوصاف الحقيقة، فينضاف مجاز إلى مجاز، وعُرِّف أيضاً بأنه لفظ يذكر مع المجاز يناسب
معناه المرادُ منه ظاهراً المعنى المجازيَّ، ينظر البحر ٧٢/١، وحاشية الشهاب ٣٥٩/١.
(٢) تفسير أبي السعود ٤٨/١-٤٩ .

الآية : ١٦
٤٥٥
سُورَةُ الْبَرَة
بجميع ما مرَّ من الصفات، والمعنى: أنَّ الموصوفين بالنفاق المذكور هم الذين
ضيَّعوا الفطرة أشدَّ تضييع بتهويد الآباء، ثم بعد ما ظفروا بها أضاعوها بالنفاق، مع
تحريضهم على المحافظة والنصح شفاهاً، ونحو ذلك مما لا يوجد في غيرهم
كما يشير إليه التعريف.
أو يقال: هذه ترجمةٌ عن جناية أخرى من جناياتهم، والمراد بالهدى: ما كانوا
عليه من التصديق ببعثته وَليهِ، وحقِّيَّة دينه، بما وجدوه عندهم في التوراة، ولهذا
كانوا يستفتحون به ويدعون بحرمته، ويهدِّدون الكفار بخروجه. ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا
عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِّ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
وأمَّا حمل الهدى على ما كان عندهم ظاهراً من التلفّظ بالشهادة وإقام الصلاة
وإيتاء الزكاة والصوم والغزو، فمما لا يرتضيه مَنْ هُدي إلى سواء السبيل.
وما ذكرناه من أنَّ (أولئك)) إشارةٌ إلى المنافقين، هو الذي ذهب إليه أكثر
المفسرين، والمرويُّ عن مجاهد، وهو الذي يقتضيه النَّظْمُ الكريم، وبه أقول.
وروي عن قتادة: أنهم أهل الكتاب مطلقاً. وعن ابن عباس وابن مسعود رضي ثه أنهم
الكفار مطلقاً. والكلُّ عندي بعيد، ولعلَّ مراد مَن قال ذلك أنَّ الآية بظاهر مفهومها
تَصدُقَ على مَن أرادوا، لا أنَّ الآية نزلت فيهم. وقرأ يحيى بن يعمر وابن
أبي إسحاق: ((اشتروا الضلالة)) بالكسر (١)؛ لأنه الأصل في التقاء الساكنين.
وأبو السَّمَّال: ((اشتروَا)) بالفتح(٢) إتباعاً لما قبل. وأمال حمزة والكسائيُّ:
(الهدى)(٣) وهي لغةُ بني تميم، وعدمُ الإمالة لغةُ قريش.
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾﴾ عطفٌ على الصلة، وأتى بالفاء
للإشارة على تعقيب نفي الربح للشراء، وأنه بنفس ما وقع الشراء تحقق عدم الربح،
وزعم بعضهم أنَّ الفاء دخلت لما في الكلام من معنى الجزاء لمكان الموصول،
فهو على حدٍّ: الذي يدخل الدار فله درهم، وليس بشيء؛ لأنَّ الموصول هنا ليس
(١) القراءات الشاذة ص٢، والمحتسب ٥٤/١.
(٢) المحرر الوجيز ٩٨/١، والبحر ٧١/١.
(٣) التيسير ص٤٦.

سُوَبَُّ البَّفَقَة
٤٥٦
الآية : ١٦
بمبتدأ كما في المثال، بل هو خبر عن ((أولئك))، وما بعد الفاء ليس بخبر، بل هو
معطوفٌ على الصلة، فهو صلة.
ولا يجوز أن يكون (أولئك)) مبتدأ و((الذين)) مبتدأ، و ((فما ربحتْ تجارتُهم)) خبرٌ
عن الثاني، وهو وخبرُه خبرٌ عن الأول؛ لعدم الرابط في الجملة الثانية، ولتحقُّق
مُضيِّ الصلة، وإذا كانت الصلة ماضيةً معنىّ لم تدخل الفاء في خبر موصولها .
ولا أن يكون ((أولئك)) مبتدأ و((الذين)) بدلاً منه، والجملة خبراً؛ لأنَّ الفاء
إنما تدخل الخبر لعموم الموصول، والمبدلُ من المخصوص مخصوصٌ. فالحقُّ
ما ذكرناه، ومعنى الآية عليه ليس غير، كما في ((البحر))(١).
والتجارة: التصرُّف في رأس المال طلباً للربح، ولا يكاد يوجد تاءٌ أصلية
بعدها جيم إلا : نَتَجَ وتَجرَ ورَتِجَ والرَّتَج(٢)، وأما تُجاه ونحوه، فأصلها الواو.
والربح: تحصيل الزيادة على رأس المال، وشاع في الفضل عليه.
والمهتدي: اسمُ فاعل من اهتدى، مطاوعٍ هدى، ولا يكون افْتَعَلَ المطاوعُ
إلا من المتعدِّي، وأما قوله:
حتى إذا اشتالَ سهيلٌ في السَّحَرْ
كشعلة القابِس ترمي بالشَّرَرْ (٣)
فافتعل فيه بمعنى فَعَلَ، تقول: شال يشول، واشتال یشتال بمعنى.
وفي الآية ترشيحٌ لمَا سمعت من المجاز فيما قبلها، والمقصدُ الأصليُّ تصويرُ
خسارهم بفوت الفوائد المترتّبة على الهدى التي هي كالربح، وإضاعةٍ الهدى الذي
هو كرأس المال، بصورة خسارة التاجر الفائت للربح المضيِّع لرأس المال، حتى
(١) ١/ ٧٢ .
(٢) في الأصل و (م): وارتج، والمثبت من المصباح المنير (تجر)، وحاشية الشهاب ٣٦٠/١،
والرتج هو الباب.
(٣) الرجز في المنصف لابن جني ٧٥/١، والبحر ٦٣/١، والدر المصون ١٥٤/١، والتاج
(شول) وفيه: اشتال بمعنى شال. ومعناه: ارتفع.

الآية : ١٦
٤٥٧
سُورَةُ النََّة
كأنه هو، على سبيل الاستعارة التمثيلية مبالغةً في تخسيرهم، ووقوعهم في أشنع
الخسار الذي يتحاشى عنه أولو الأبصار.
وإسناد الربح إلى التجارة - وهو لأربابها - مجازٌ للمُلابَسة، وكنى في مقام
الذمِّ بنفي الربح عن الخسران؛ لأنَّ فوتَ الربح يستلزمه في الجملة، ولا أقل من
قدر ما يصرف من القوة، وفائدةُ الكناية التصريحُ بانتفاء مقصدِ التجارة مع حصول
ضدِّه، بخلاف ما لو قيل: خسرت تجارتهم، فلا يتوهّم أنَّ نفي أحد الضدّين
إنما يوجب إثباتَ الآخر إذا لم يكن بينهما واسطة، وهي موجودة هنا، فإنَّ التاجر
قد لا یربح ولا یخسر.
وقيل: إنَّ ذلك إنما يكون إذا كان المحلُّ قابلاً للكلّ، كما في التجارة
الحقيقية، أما إذا كان لا يقبل إلا اثنين منها، فنفيُّ أحدهما يكون إثباتاً للآخر،
والربح والخسران في الدِّين لا واسطةَ بينهما، على أنه قد قامت القرينةُ هنا على
الخسران لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾، وقد جعله غيرُ واحدٍ كنايةً عن إضاعة
رأس المال، فإنَّ مَن لم يَهْتَدِ بطرق التجارة تكثر الآفات على أمواله، واختير طريق
الكناية نكايةً لهم بتجهيلهم وتسفيههم.
ويحتمل(١) أن يكون النفي هنا من باب قوله:
على لا حِبٍ لا يُهتَدَى بمَنَارِهِ(٢)
أي: لا منارَ فِيُهْتَدَى به(٣)، فكأنه قال: لا تجارةَ ولا ربحَ.
والظاهر أنَّ ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ عطفٌ على ﴿فَمَا رَبِحَت﴾ للقرب مع التناسُب
(١) في (م): ويحتمل على بعد.
(٢) وعجزه: إذا سافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرا، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٦٦.
اللاحب: الطريق. والنَّباطي: منسوب إلى النَّبط، وهو أشد الإبل وأصبرها، وقيل هو
الضخم. وجرجر: صوَّت. يصف أنه طريق غير مسلوك، فلم يجعل فيه عَلَم، وقوله: إذا
سافه ... ، أي: إذا شمه المسنُّ من الإبل صوَّت ورَغَا لبُعْدِه وما يَلْقَى من مشَّته. قاله
شارح الديوان.
(٣) أي أنه نفى الهداية وهو يريد نفي المنار. البحر ١/ ٧٣.

سُورَةُ الجَدَّة
٤٥٨
الآية : ١٦
والتفُرُّع باعتبار المعنى الكنائي. وبتقدير المتعلّق: لطرق الهداية(١)، يندفع توهُّم أنَّ
عدم الاهتداء قد فُهم مما قبلُ فيكون تكراراً لما مضى، وهو إمَّا من باب التكميل
والاحتراس كقوله :
صَوْبُ الغمام وديمةٌ تهمي(٢)
فسقى ديارَك غيرَ مُفسِدِها
أو من باب التَّتميم كقوله :
كأنَّ عيونَ الوحش حولَ خِبائنا
وأَرْحُلِنا الجَزْعُ الذي لم يُثقَّبٍ(٣)
وقال الشريف قُدِّس سره: إنَّ العطف على ﴿أَشْتَرَوَأْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى﴾ أولى(٤)،
لأنَّ عطفه على ((ما ربحت)) يوجب تَرتُّبَه على ما قبله بالفاء، فيلزم تأُرُه عنه،
والأمر بالعكس، إلا أن يقال: ترتيبُه باعتبار الحكم والإخبار، وفيه أنه لو كان
معطوفاً على ﴿أَشْتَّوْا﴾ كان الظاهرُ تقديمَه، لما في التأخير من الإيهام، وحينئذ
يكون الأحسن تركُ العطف احتياطاً كما ذكر في نحو قوله:
وتَظُنُّ سلمى أنني أبغي بها بدلاً أراها في الضلال تَهِيمُ (٥)
على أنَّ بين معنى ((اشتروا)) إلخ ومعنى ((وما كانوا)) إلخ تقارُباً يمنع حُسْنَ
(١) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: لطرق التجارة، يعني أن قوله ((وما كانوا مهتدين))
ليس معناه عدم اهتدائهم في الدين، ولكن لما وصفوا بالخسارة في هذه التجارة أشير لعدم
اهتدائهم لطرق التجارة. ينظر الكشاف وحاشية الجرجاني عليه ١٩٤/١، وحاشية الشهاب
٣٦٢/١.
(٢) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ص٨٨: الصَّوْب: نزول المطر. والديمة: المطر الدائم في
سكون. اللسان (صوب) و (دیم).
(٣) البيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص٥٣. قال شارح الديوان: قوله: الجَزْع الذي لم
يثقَّب، شبّه عيون الوحش لما فيهن من السواد والبياض بالخرَز، وجَعَله غير مثقَّب لأن ذلك
أُصفی له وأتمّ لحسنه.
(٤) حاشية الجرجاني على الكشاف ١٩٤/١-١٩٥، وما بعده من حاشية الشهاب ١/ ٣٦٢.
(٥) الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ١٥٤/١، ومعاهد التنصيص ٢٧٩/١، وحاشية الشهاب
٣٦٢/١. قال القزويني: لم يعطف أراها على تظن؛ لئلا يتوهم السامع أنه معطوف على
أبغي لقربه منه.