النص المفهرس

صفحات 421-440

الآية : ٨
٤١٩
سُورَةُ الجَدَ
وما هم بمؤمنين. فيجب أن يكون الباء صلةَ الإيمان، وكُرِّرت مبالغة في الخديعة
والتلبيس بإظهار أنَّ إيمانهم تفصيلي مؤكّد قويّ.
واليوم الآخر: يحتمل أن يراد به الوقت الدائم من الحشر بحيث لا يتناهى، أو
ما عيَّنه الله تعالى منه إلى استقرار كلٍّ من المؤمنين والكافرين فيما أُعدَّ له، وسُمِّي
آخراً؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة، والأشبه هو الأول؛ لأنَّ إطلاق اليوم شائعٌ
عليه في القرآن، سواء كان حقيقة أو مجازاً، ولأن(١) الإيمان به يتضمَّن الإيمان
بالثاني لدخوله فيه من غير عكس، نعم المناسب للفظ اليوم لغة هو الثاني؛
لمحدوديَّته، وهو على كل تقدير مغايرٌ لما عند الناس؛ لانَّ اليوم - عرفاً - من طلوع
الشمس إلى غروبها، وشرعاً على الصحيح من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب،
واصطلاحاً من نصف النهار إلى نصف النهار، والأمر وراء ذلك، وسيأتي لهذا(٢)
تتمة.
وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ حيث قُدِّم الفاعل وأُوْليَ حرفَ النفي ردِّ
لدعوى أولئك المنافقين على أبلغ وجه؛ لأنَّ انخراطهم في سلك المؤمنين من
لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم، وانتفاءُ اللازم أعدلُ شاهد على انتفاء الملزوم،
وقد بولغ في نفي اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم
مطلقاً، وأُكّد ذلك النفي بالباء أيضاً، وهذا سبب العدول عن الرد بـ: ما آمنوا،
المطابقِ لصدر الكلام. وبعضهم يُجري الكلام على التخصيص، وأنَّ الكفار
لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وادَّعوا موافقتهم، قيل في
جوابهم: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ على قصر الإفراد، والذوق يبعده، وإطلاق الوصف
للإشارة إلى العموم، وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء، وقد يُقيَّد به سابقُهُ لأنه
واقعٌ في جوابه، إلا أنَّ نفي المطلق يستلزم نفي المقيَّد، فهو أبلغ وأوكد.
وفي هذه الآية دلالةٌ على أنَّ من لم يصدِّق بقلبه لا يكون مؤمناً، وأمَّا على أنَّ
من أقرَّ بلسانه وليس في قلبه ما يُوافقه أو يُنافيه ليس بمؤمن، فلا؛ لوجود المنافي
في المنافق هنا؛ لأنه من المختوم على قلبه، أو لأنَّ الله تعالى كذَّبه، وليس إلا لعدم
(١) في الأصل: أو لأن.
(٢) في (م): لذلك.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٢٠
الآية : ٩
مطابقة التصديقِ القلبيِّ اللسانيَّ، كذا قيل، ودقَّق بعضهم مدَّعياً أنَّ من يجعل
الإيمان الإقرار اللساني سواء يشترط الخلوَّ عن الإنكار والتكذيب أم لا يشترط، أن
يكون الإقرار بالشهادتين، ولا يكفي عنده نحو: آمنت بالله وباليوم الآخر؛ لأنَّ
المدار على النطق بهما كما ورد في الصحيح، حتى اشترط بعضهم لفظً: أشهد،
والاسمَ الخاصَّ به تعالى، واسمَ محمد بَّ، فليس في الآية حينئذ دليل على إبطال
مذهب الكرَّامية(١) بوجه، فليتدبر.
أصل
﴿يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ
الخدع - بفتح الخاء وكسرها - الإخفاء والإيهام، وقيل: بالكسر اسم مصدر، ومنه
المَخدع، للخزانة؛ والأخدعان لعِرقين خفيّين في موضع المِحجمة، وخَدَعَ الضَّبُّ:
إذا توارى واختفى، ويستعمل في إظهار ما يوهم السلامة وإبطانٍ ما يقتضي الإضرارَ
بالغير أو التخلصَ منه، كما قاله الإمام(٢)، وقال السيد: هو أن يوهم صاحبه
خلاف ما یرید به من المكروه ويُصيبه به(٣) .
وفي ((الكشف)): التحقيق أنَّ الخَدْعَ صفةٌ فعليةٌ قائمةٌ بالنفس عقيب استحضار
مقدِّماتٍ في الذهن، متوصّل بها توصُّلاً يُستهجن شرعاً أو عقلاً أو عادة، إلى
استجرار منفعة من نيل معروف لنفسه، أو إصابة مكروه لغيره، مع خفائهما على
الموجه نحوه القصد، بحيث لا يتأتَّى ذلك النيل أو الإصابة بدونه، أو لو تأتَّى لزم
فوت غرض آخر حسب تصوُّره، وعليه يكون: ((الحرب خَذْعة))(٤) مجازاً، ولا تخفى
غرابته .
والمخادعة مفاعلة، والمعروف فيها أن يفعل كلُّ أحد بالآخر مثل ما يفعله به،
فيقتضي هنا أن يصدر من كل واحد من الله ومن المؤمنين ومن المنافقين فعلٌ يتعلق
(١) ومذهبهم: أن من تلفظ بالشهادتين وهو فارغ القلب عن النفي والإثبات فهو مؤمن ناج
عندهم، أما المنافق فهو مخلد في النار، ونقل عنهم غير هذا. ينظر حاشية الشهاب
٣٠٩/١-٣١٠.
(٢) التفسير الكبير ٢/ ٦٢ .
(٣) حاشية الجرجاني على الكشاف ١/ ١٧٠ .
(٤) أخرجه أحمد (٨١١٢)، والبخاري (٣٠٢٩)، ومسلم (١٧٤٠) من حديث أبي هريرة

الآية : ٩
٤٢١
سُوَبَةُ الْبَلْعَة
بالآخر، وظاهر هذا مشكل؛ لأنَّ الله سبحانه لا يَخدع ولا يُخدع، أما على
التحقيق فلأنه غنيٌّ عن كل نيل وإصابة واستجرارٍ منفعةٍ لنفسه، وهو أيضاً متعالٍ
على التعمُّل واستحضار المقدِّمات، ولأنه جلّ عن أن يحوم حول سرادقات جلاله
نقص الانفعال وخفاء معلوم ما عليه، وأما على ما ذكره السيد، فلأنه جلَّ شأنه
أَجَلُّ من أن تخفى عليه خافية، أو يُصيبه مكروه، فكيف يمكن للمنافقين أن يخدعوه
ويُوقعوا في علمه خلافَ ما يُريدون من المكروه ويُصيبونه به، مع أنهم لكونهم من
أهل الكتاب عالمون باستحالة ذلك، والعاقل لا يقصد ما تحقَّق لديه امتناعه.
وأما أنه لا يَخدع فلأنه وإن جاز عندنا أن يوقع سبحانه في أوهام المنافقين
خلافَ ما يريده من المكاره ليغترُّوا، ثم يُصيبهم به، لكن يمتنع أن يُنسب إليه، لمَا
يُوهمه من أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم؛ لأنه المعهود منه
في الإطلاق كما في (الانتصاف)» (١) ولذا زيد في تفسيره: مع استشعار خوفٍ أو
استحياء من المجاهرة.
وأما المؤمنون، وإن جاز أن يَخدعوا إلا أنه يبعد أن يقصدوا خَذْع المنافقين؛
لأنه غيرُ مستحسن، بل مذموم مستهجن، وهي أشبه شيء بالنِّفاق، وهم في غنّى
عنه، على أنَّ الانخداع المتمدَّح به هو التخادع بمعنى إظهار التأثر دونه كرماً،
كما يُشير إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((المؤمن غِرٌّ كريم))(٢) لا الانخداعُ
الداُّ على البَلَه، ولذا قالت عائشة في عمر ﴾: كان أعقلَ من أن يُخدع، وأفضلَ
من أن يخدع.
ويجاب عن ذلك بأنَّ صورة صنيعهم مع الله تعالى حيث يتظاهرون بالإيمان
وهم كافرون، وصورة صنيع الله تعالى معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين
عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل، وصورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا
أمر الله تعالى فيهم، فَأَجْرَوا ذلك عليهم، تشبه صورةَ المخادعة، ففي الكلام
إما استعارة تبعيَّة في ﴿يُخَدِعُونَ﴾ وحده، أو تمثيلية في الجملة، وحيث إن ابتداء
الفعل في باب المفاعلة من جانب الفاعل صريحاً، وكون المفعول آتياً بمثل فعله
(١) الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال على هامش الكشاف ١/ ١٧١ .
(٢) أخرجه أحمد (٩١١٨)، وأبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤) من حديث أبي هريرة نظافه.

سُوَّةُ الْبَقَة
٤٢٢
الآية : ٩
مدلول عليه من عرض الكلام، حَسُنَ إيراد ذلك في معرض الذم لما أسند إليه الفعل
صريحاً، وكون مقتضى المقام إيراد حالهم خاصة - كما قاله مولانا مفتي الديار
الرومية(١) - مما لا يخدش هذا الوجه الحسن.
أو یجاب - كما قيل - بأنَّ المراد مخادعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
وأوقع الفعل على غير ما يوقَع عليه للملابسة بينهما، وهي الخلافة، فهناك مجازٌ
عقلي في النسبة الإيقاعية، وهذا ظاهرٌ على رأي من يكتفي بالملابسة بين ما هو له
وغير ما هو له، وأما على رأي من يعتبر ملابسة الفعل بغير ما هو له بأن يكون من
معمولاته فلا، على أنه يبقى من الإشكال أن لا خَذْع من الرسول والمؤمنين،
ولا مجال لأن يكون الخَدْعُ من أحد الجانبين حقيقة، ومن الآخر مجازاً؛ لانِّحاد
اللفظ، وكأنَّ المجيب إما قائلٌ بجواز الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو غير قائل
بامتناع صدور الخدع من الرسول والمؤمنين حتى يتأتى لهم ما يُريدون من إعلاء
الدين ومصالح المسلمين.
وقرأ ابن مسعود ﴿ه وأبو حيوة: ((يَخدعون))(٢). والجواب عما يلزم هو
الجواب فيما لزم، وقد تأتي فاعَلَ بمعنى فَعَلَ؛ كعافاني الله تعالى، وعاقبت اللصَّ،
فلا بُعدَ في حمل قراءة الجمهور على ذلك، ويكون إيثار صيغة المفاعلة لإفادة
المبالغة في الكيفية، فإنَّ الفعل متى غُولب فيه بُولغ به، أو في الكمية كما في
الممارسة والمزاولة، فإنهم كانوا مداومين على الخدع، و ﴿يُخَدِعُونَ﴾ إما بيان
لـ ((يقول))، لا على وجه العطف؛ إذ لا يجري عطف البيان في الجمل عند النحاة،
وإن أوهمه كلام أهل المعاني، وإما استئنافٌ بيانيٌّ، كأنه قيل: لم يدَّعون الإيمان
كاذبين، وماذا نفعهم؟ فقيل: يخادعون .. إلخ، وهذا في المآل كالأول، ولعل
الأول أولى.
وجوَّز أبو حيان كونَ هذه الجملة بدلاً من صلة (مَنْ)) بدل اشتمال، أو حالاً من
الضمير المستكِن في ((يقول))، أي: مخادعين(٣)، وأبو البقاء أن يكون حالاً من
(١) تفسير أبي السعود ٤١/١.
(٢) الكشاف ١٧٣/١، والبحر المحيط ٥٥/١.
(٣) البحر المحيط ٥٦/١.

الآية : ٩
٤٢٣
سُورَةُ الْبَقَة
الضمير المستتر في ((مؤمنين)) (١)، ولعلَّ النفي متوجّهٌ للمقارنة لا لنفس الحال،
كما في: ما جاءني زيد وقد طلع الفجر(٢) ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ وَمَا
كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] على أنه قد تجعل الحال ونحوها
في مثل ذلك قيداً للنفي لا للمنفي، كما قرَّروه في: لم أبالغ في اختصاره تقريباً،
وجَعْل الجملة صفةً للمؤمنين ممنوعٌ لمكان النفي والقيد، وليست حالُ الصفة كصفة
الحال، فلا عجب في تجويز إحداهما ومنع الأخرى، كما تَوَهَّمه أبو حيان في
بحره(٣)، نعم التعجب من كون الجملة بياناً للتعجب من كونهم من الناس
كما لا يخفى.
ثم إنَّ الغرض من مُخادعة هؤلاء لمن خادعوه، كالغرض من نفاقهم طبق النعل
بالنعل، فقد قصدوا تعظيمهم عند المؤمنين، والتطلعَ على أسرارهم ليفشوها، ورفعَ
القتل عنهم أو ضربَ الجزية عليهم، والفوزَ بسهمٍ من الغنائم، ونحو ذلك، وثمرة
مخادعة من خادعوه إياهم إن كانت حِكَمٌ إلهية ومصالح دينية، ربما يؤدِّي تركها إلى
مفاسد لا تُحصى ومحاذير لا تُستقصى.
وقرأ الحِرْميَّان وأبو عمرو: ((وما يُخادِعون))، وقرأ باقي السبعة:
((وما يَخْدَعون))(٤). وقرأ الجارود وأبو طالوت: ((وما يُخدَعون)) بضم الياء مبنيًّا
للمفعول(٥). وقرأ بعضهم: ((وما يُخادَعون)) بفتح الدال مبنيًّا للمفعول أيضاً (٦).
وقرأ قتادة والعجليُّ: ((وما يُخدِّعون)) من خدَّع مضاعفاً مبنيًّا للفاعل(٧)، وبعضهم
بفتح الياء والخاء وتشديد الدال المكسورة، وما عدا القراءتين الأوليين شاذة،
(١) إملاء ما منّ به الرحمن على هامش الفتوحات الإلهية ١/ ٤٧.
(٢) يعني أن مجيء زيد قد انتفى مقارناً لطلوع الفجر، ولا يقصد نفي طلوع الفجر. حاشية
الشهاب ٢١٤/١.
(٣) البحر المحيط ٥٦/١.
(٤) التيسير ص٧٢ .
(٥) القراءات الشاذة ص٢، والمحتسب ٥١/١ والجارود هو ابن أبي سبرة، وأبو طالوت هو
عبد السلام بن شداد.
(٦) الكشاف ١/ ١٧٥، والبحر ١/ ٥٧.
(٧) البحر ١/ ٥٧، والعجلي هو مورق بن مشمرخ.
:

الآية : ٩
٤٢٤
سُورَةُ الْبََّمَة
وعليهما نُصب (أنفسَهم)) على المفعولية الصِّرْفة، أو مع الفاعلية معنى، وأما على
قراءة بناء الفعل للمفعول فهو إما على إسقاط الجار، أي: في أنفسهم أو عن
أنفسهم، أو على التمييز على رأي الكوفيين، أو التشبيهِ بالمفعول على زعم
بعضهم، أو على أنه مفعولٌ بتضمين الفعل [معنى](١) ينتقصون مثلاً.
ولا يشكل على قراءة ((يخادعون)) أنه كيف يصحُّ حصر الخداع على أنفسهم،
وذلك يقتضي نفيه عن الله تعالى والمؤمنين، وقد أُثبت أولاً، وأنَّ المخادعة
إنما تكون في الظاهر بين اثنين، فكيف يخادع أحدٌ نفسه؟ لأنَّا نقول: المراد أنَّ
دائرة الخداع راجعةٌ إليهم، وضررها عائدٌ عليهم، فالخداع هنا هو الخداع الأول،
والحصر باعتبار أنَّ ضرره عائدٌ إلى أنفسهم، فتكون العبارة الدالة عليه مجازاً أو
كناية عن انحصار ضررها فيهم، أو نجعل لفظ الخداع مجازاً مرسلاً عن ضرره في
المرتبة الثانية، وكونه مجازاً باعتبار الأول كما قاله السعد غير ظاهر.
وقد يقال: إنهم خدعوا أنفسهم لَمَّا غرُّوها بذلك، وخدعتهم حيث حدَّثتهم
بالأمانيّ الخالية، فالمراد بالخداع غير الأول. والمخادع والمخادَع متغايران
بالاعتبار، فالخداع على هذا مجازٌ عن إيهام الباطل وتصويره بصورة الحق، وحَمْلُهُ
على حقيقته بعيد، وكون ذلك من التجريد كقوله:
لا خَيْل عِنْدَك تُهدِيْهَا ولا مَال فَلْيُسعدِ النُّطقُ إنْ لم يُسعِدِ الحَالُ(٢)
لا يرتضيه الذوق السليم، كالقول بأنَّ الكلام من باب المبالغة في امتناع
خِداعهم الله تعالى وللمؤمنين؛ لأنه كما لا يخفى خداع المخادع لنفسه فيمتنع
خداعهُ لها، يمتنع خداع الله تعالى لعلمه، والمؤمنين لاطلاعهم بإعلام الله
تعالى. أو الكناية عن أنَّ مخالفتهم ومعاداتهم لله تعالى وأحبابه معاملة مع
أنفسهم؛ لأنَّ الله تعالى والمؤمنين ينفعونهم كأنفسهم، وبعضهم يجعل التعبير هنا
بالمخادعة للمشاكلة، مع كون كلٍّ من المشاكِل والمشاكَل مجازاً، وكلٌّ يعمل
علی شاكلته.
(١) ما بين حاصرتين من البحر المحيط ٥٨/١ والكلام منه.
(٢) البيت لأبي الطيب المتنبي، وهو في ديوانه ص٤٨٦.

الآية : ٩
٤٢٥
سُورَةُ الْبَرَة
والنفس: حقيقةُ الشيء وعينه، ولا اختصاص لها بالأجسام؛ لقوله تعالى:
﴿ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢] ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ الَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨]
وتطلق على الجوهر البخاريِّ اللطيف الحامل لقوة الحياة والحسِّ والحركة
الإرادية، وسماها الحكيم: الروح الحيوانية، وأول عضو تحلُّه القلب، إذ هو أول
ما يخلق على المشهور، ومنه تفيض إلى الدماغ والكبد وسائر الأعضاء، ولا يلزم
من ذلك أن يكون مَنْبِت الأعصاب؛ إذ من الجائز أن يكون العضو المستفيد مَنْبِتاً
لآلة الاستفادة، وقيل: الدماغ؛ لأنه المنبت، ولم تقم دلالة قطعية على ذلك كما في
(شرح القانون)) للإمام الرازي.
وكثيراً ما تُطلق على الجوهر المجرد المتعلق بالبدن تعلَّق التدبير والتصرف،
وهي الروح الأمريّة المرادة في: مَن عَرَفَ نفسَه فقد عرف ربَّه، وتُسمَّى النفس
الناطقة، وبتنوُّع صفاتها تختلف أسماؤها: وأحظى الأعضاء بإشراق أنوارها
المعنوية القلب أيضاً، ولذلك الشرف قد يسمَّى نفساً، وبعضهم يُسمِّي الرأي بها،
والظاهر في الآية على ما قيل: المعنى الأول؛ إذ المقصود بيانُ أن ضررَ مخادعتهم
راجعٌ إليهم، ولا يتخطَّاهم إلى غيرهم، وليس بالمتعيّن كما لا يخفى، وتطلق على
مَعَانٍ أُخر ستسمعها مع تحقيق هذا المبحث إن شاء الله تعالى.
وجملة ((وما يشعرون)) مستأنفةٌ، أو معطوفة على ((وما يخدعون إلا أنفسهم))،
ومفعول ((يشعرون)) محذوفٌ، أي: وما يشعرون أنهم يَخْدعونها، أو أنَّ الله يعلم
ما يُسرَّون وما يَعلنون، أو: إطلاع الله تعالى نبيَّه ◌َلي على خداعهم وكذبهم،
كما روي ذلك عن ابن عباس، أو: هلاكَ أنفسهم وإيقاعَها في الشقاء الأبدي
بكفرهم ونفاقهم كما رُوي عن زيد، أو المراد: لا يشعرون بشيء. ويحتمل -
كما في البحر (١) - أن يكون ((وما يشعرون)) جملةً حالية، أي: وما يخدعون
إلا أنفسهم غيرَ شاعرين بذلك ولو شعروا لمَا خادعوا.
والشعور: الإدراك بالحواسِّ الخمس الظاهرة، ويكون بمعنى العلم، قال
الراغب: شعرت، كذا يستعمل بوجهين؛ بأن يؤخذ من مسِّ الشَّعَر، ويُعبَّر به عن
اللمس؛ ومنه استعمل المشاعر للحواس، فإذا قيل: فلانٌ لا يشعر، فذلك أبلغ في
(١) ١/ ٥٨.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٢٦
الآية : ١٠
الذمِّ من أنه لا يسمع ولا يُبصر؛ لأنَّ حسَّ اللمس أعمُّ من حسِّ السمع والبصر،
وتارةً يقال: شعرتُ كذا، أي: أدركت شيئاً دقيقاً، من قولهم: شعرته، أي: أصبت
شعره نحو: أَذَنْته ورَأَسْتُه، وكأنَّ ذلك إشارة إلى قولهم: فلان يشقُّ الشعر، إذا دقَّ
النظر؛ ومنه أُخذ الشاعر لإدراك دقائق المعاني. انتهى.
والآية تحتمل نفي الشعور بمعنى العلم، فمعنى ((لا يشعرون)): لا يعلمون،
وكثيراً ما ورد بهذا المعنى، وفي اللحاق نوعُ إشارة إليه، ويحتمل نفيه بمعنى
الإدراك بالحواس، فيجعل متعلّق الفعل كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على فاقد
الحواس، ونفيُ ذلك نهاية الذم؛ لأنَّ من لا يشعر بالبديهي المحسوس، مرتبته أدنى
من مرتبة البهائم، فهم كالأنعام بل هم أضل. ولعلَّ هذا أولى لما فيه من التهكُم
بهم مع الدلالة على نفي العلم بالطريق الأَوْلى، وهو أيضاً أنسبُ بقوله تعالى:
﴿خَتَّمَ اَللَّهُ عَلَ قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَنْعِهِمْ وَعَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَّةٌ﴾ كما لا يخفى.
﴿فِي قُلُوبِهِم تَرَشَّ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّأْ وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
١٠
المرض بفتح الراء كما قرأ الجمهور، وبسكونها كما قرأ الأصمعيُّ عن أبي عمرو(١)،
وعلى ما ذهب إليه أهل اللغة: حالةٌ خارجةٌ عن الطبع ضارةٌ بالفعل، وعند الأطباء:
ما يقابل الصحة، وهي الحالة التي تصدر عنها الأفعال سليمة، والمراد من الأفعال
ما هو متعارف، وهي إما طبيعية كالنمو، أو حيوانية كالنفس، أو نفسانية كجودة
الفكر، فالحَوَل والحَدب مثلاً مرض عندهم، دون أهل اللغة، وقد يُطلق المرض لغةً
على أثره، وهو الألم، كما قاله جمعٌ ممن يُوثَق بهم، وعلى الظلمة كما في قوله:
فِي لَيْلَةٍ مَرضَتْ مِنْ كُلِّ ناحِيَةٍ فَما يحسُّ بِها نَجْمٌ ولا قَمَرُ (٢)
وعلى ضعف القلب وفتوره كما قاله غير واحد. ويُطلق مجازاً على ما يعرض
المرء (٣) مما يخلُّ بكمال نفسه كالبغضاء والغفلة وسوء العقيدة والحسد، وغير ذلك
(١) القراءات الشاذة ص٢، والمحتسب ٥٣/١.
(٢) البيت لأبي حية النميري كما في التكملة للصاغاني (مرض)، واللسان (مرض)، والتاج
(مرض)، ودون نسبة في تهذيب اللغة ٣٥/١٢، وأساس البلاغة (مرض)، وهو في جميع
المصادر برواية: وليلة مرضت ..
(٣) كذا في الأصل و (م)، ولعل الصواب: للمرء.

الآية : ١٠
٤٢٧
سِوَّةُ الْبَدَة
من موانع الكمالات المشابهة لاختلال البدن المانع عن الملاذُ، والمؤدية إلى
الهلاك الروحاني الذي هو أعظمُ من الهلاك الجسماني. والمنقول عن ابن مسعود
وابن عباس ومجاهد وقتادة وسائر السلف الصالح حملُ المرض في الآية على
المعنى المجازي. ولا شك أنَّ قلوب المنافقين كانت ملأى من تلك الخبائث التي
منعتهم مما منعتهم، وأوصلتهم إلى الدَّرك الأسفل من النار.
ولا مانع عند بعضهم أن يحمل المرض أيضاً على حقيقته الذي هو التُّلمة:
﴿وَمَنْ لَّ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ، نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٤٠]، ﴿وَاُلَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِمَآؤُهُمُ
الَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وكذا على الألم، فإنَّ في
قلوب أولئك ألمًا عظيماً بواسطة شوكة الإسلام وانتظام أمورهم غاية الانتظام،
فالآية على هذا محتملةٌ للمعنيين، ونصب القرينة المانعة في المجاز إنما يُشْترَط في
تعيينه دون احتمال، فإذا تضمَّن نكتة ساوى الحقيقة، فيمكن الحمل عليهما نظراً إلى
الأصالة والنكتة. إلا أنه يَردُ هنا أنَّ الألم مطلقاً ليس حقيقةً المرض، بل حقيقته
الألم لسوء المزاج، وهو مفقود في المنافقين، والقول بأنَّ حالهم التي هم عليها
تُفضي إليه في غاية الركاكة، على أنَّ قلوب أولئك لو كانت مريضة لكانت أجسامهم
كذلك، أو لكان الحِمام عاجلهم، ويشهد لذلك الحديث النبوي والقانون الطبي:
أما الأول: فلقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنَّ في الجسد مضغة)) الحديث(١).
وأما الثاني: فلأنَّ الحكماء بعد أن بيَّنوا تشريح القلب قالوا: إذا حصلت فيه
مادٌ غلیظةٌ، فإن تمگّنت منه ومن غلافه، أو من أحدهما، عاجلت المنيةُ صاحبه،
وإن لم تتمكن تأخّرت الحياة مدة يسيرة، ولا سبيل إلى بقائها مع مرض القلب.
فالأَوْلى درايةً وروايةً حملُه على المعنى المجازي، ومنه الجُبن والخَوَر وقد
داخَلَ ذلك قلوبَ المنافقين حين شاهدوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
والمؤمنين ما شاهدوا. والتنوين للدلالة على أنه نوعٌ غير ما يتعارفه الناس من
الأمراض، ولم يجمع كما جمع القلوب؛ لأنَّ تعدُّد(٢) المحال يدلُّ على تعدُّد
الحال عقلاً، فاكتفى بجمعها عن جمعه.
(١) سلف تخريجه ص٣٩٨ من هذا الجزء.
(٢) في (م): تعداد.

سُورَةُ الْبَعَة
٤٢٨
الآية : ١٠
والجملة الأُولى إما مستأنفة لبيان الموجب لخداعهم وما هم فيه من النفاق، أو
مقرِّرةٌ لما يفيده ((وما هم بمؤمنين)) من استمرار عدم إيمانهم، أو تعليل له، كأنه
قيل: ما بالهم لا يؤمنون؟ فقال: ((في قلوبهم مرض)) يمنعه، أو مُقرِّرة لعدم
الشعور، وإن كان سبيل قوله: ((وما يشعرون)) سبيل الاعتراض، على ما قيل.
وجملة: ((فزادهم الله مرضاً) إما دعائية معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه،
والمعترضة قد تقترن بالفاء كما في قوله :
أَنْ سَوفَ يَأْتِي كلُّ ما قُدِرا(١)
واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ
كما صرَّح به في ((التلويح)) وغيره نقلاً عن النحاة، أو إخبارية معطوفة على
الأُولى، وعطف الماضي على الاسمية لنكتة إن أُريد في الأولى أنَّ ذلك لم يزل
غضًّا طريًّا إلى زمن الإخبار، وفي الثانية أنَّ ذلك سببٌ لازدياد مرضهم المحقّق؛ إذ
لولا تدنّس فطرتهم لازدادوا بما مَنَّ الله تعالى به على المؤمنين شفاءً، ولا يتكرر
هذا مع قوله تعالى: ﴿وَيَُّلُّهُمْ فِى مُغْيَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] للفرق بين زيادة المرض وزيادة
الطغيان، على أنه لا مانع من زيادة التوكيد مع بعد المسافة، وأيضاً الدعاء إن لم
يكن جارياً على لسان العباد، أو مراداً به مجرَّد السَّبِّ والتنقيص، يكون إيجاباً منه
سبحانه فیؤول إلى ما آل إليه الإخبار.
وزيادة الله تعالى مرضهم إما بتضعيف حسدهم بزيادة نعم الله تعالى على
رسوله وَ ل*والمؤمنين، أو ظلمة قلوبهم بتجدُّد كفرهم بما يُنزله سبحانه شيئاً فشيئاً من
الآيات والذكر الحكيم، فهم في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، أو بتكثير خوفهم
ورعبهم المترتّب عليه ترك مجاهرتهم بالكفر بسبب إمداد الله تعالى الإسلامَ ورفعٍ
أعلامه على أعلام الإعزاز والاحترام، أو بإعظام الألم بزيادة الغموم وإيقاد نيران
الهموم:
والغَمُّ يَخْتَرمُ الثُّفُوسَ نَحافَةً ويُشِيْبُ ناصِيَةَ الصَّبِيِّ وَيُهْرِمُ (٢)
ويكون ذلك بتكاليف الله تعالى لهم المتجدّدة، وفعلهم لها مع كفرهم بها،
(١) البيت في معاهد التنصيص ١/ ٣٧٧.
(٢) البيت لأبي الطيب المتنبي، وهو في ديوانه ص٥٧١ .

الآية : ١٠
٤٢٩
سُورَةُ الْبَةَ
وبتكليف النبيِّ وَّؤلهم ببعض الأمور وتخلَّفهم عنه، الجالب لما يكرهونه من لومهم
وسوء الظن بهم، فيغتُّون إن فعلوا وإن تركوا.
ونسبة الزيادة إلى الله تعالى حقيقة، ولو فُسِّرت بالطبع فإنه سبحانه الفاعل
الحقيقيُّ بالأسباب وبغيرها، ولا يقبح منه شيء، وبعضهم جعل الإسناد مجازاً في
بعض الوجوه، ولعله نزغةٌ اعتزالية، وأغربَ بعضهم فقال: الإسناد مجازيٌّ
كيفما كان المرض، وحُمل على أنَّ المراد أنه ليس هنا مَن يزيدهم مرضاً حقيقة،
على رأي الشيخ عبد القاهر(١) في أنه لا يلزم في الإسناد المجازي أن يكون للفعل
فاعل يكون الإسناد إليه حقيقة مثل :
إذا ما زِدْتَهُ نَظَرَا(٢)
يَزِيْدكَ وَجْهُهُ حُسْناً
فتدبر. وإنما عدَّى سبحانه الزيادة إليهم لا إلى القلوب فلم يقل: فزادها؛
إما ارتكاباً لحذف المضاف، أي: فزاد الله قلوبهم مرضاً، أو إشارة إلى أنَّ مرض
القلب مرضٌ لسائر الجسد، أو رمزاً إلى أنَّ القلب هو النفس الناطقة ولولاها ما كان
الإنسان إنساناً، وإعادة مرض منكَّراً لكونه مغايراً للأول ضرورة أنَّ المزيد يغاير
المزيد عليه، وتوهّم من زعم أنه من وضع المظهَر موضع المضمَر، والتنكير للتفخيم.
والأليم فعيلٌ من الألم بمعنى مُفْعِل؛ كالسميع بمعنى مُسْمِع، وعلى ما ذهب
إليه الزمخشريُّ: من أَلِمَ الثلاثي، كوجيع من وَجِعَ، وإسناده إلى العذاب مجازٌ على
حدٍّ: جدَّ جِدُّه(٣)، ولم يثبت عنده فعيل بمعنى مُفْعِل، وجَعَل ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ﴾
[البقرة: ١١٧] من باب الصفة المشبهة، أي: بديعة سمواته(٤)، وسميع في قوله:
يُؤَرِّقُني وأَضْحَابِي مُجُزْعُ (٥)
أَمِنْ رَيْحانَةَ الدَّاعِي السَّمِيْعُ
بمعنى سامع، أي: أمِنْ ريحانةَ داعٍ من قلبي سامعٌ لدعاء داعيها، بدليل
(١) دلائل الإعجاز ص٢٩٦.
(٢) البيت لأبي نواس، وهو في ديوانه ص ٣٤٠.
(٣) الكشاف ١٧٨/١ .
(٤) الكشاف ٣٠٧/١.
(٥) البيت لعمرو بن معد يكرب، كما في الأصمعيات ص١٧٢، والكامل للمبرد ٢٦١/١،
والأضداد لابن الأنباري ص٨٤، والكشاف١/ ٣٠٧، والخزانة ١٧٨/٨ .

سُورَةُ الْبَعَة
٤٣٠
الآية : ١٠
ما بعده، فإنَّ أكثر القلق والأرق إنما يكون من دواعي النفس وأفكارها، فعلى هذا
يكون تفسيره بمؤلم اسم فاعل بيان لحاصل المعنى، وقد أخرج ابن أبي حاتم عن
ابن عباس ﴾: كلُّ شيء في القرآن أليم فهو موجع(١).
وقد جُمع للمنافقين نوعان من العذاب: عظيم، وأليم، وذلك للتخصيص
بالذكر هنا، والاندراج مع الكفار هناك، قيل: وهذه الجملة معترضة لبيان وعيد
النفاق والخداع، والباء إما للسببية أو للبدلية، و ((ما)) إما مصدرية مؤوَّلة بمصدرٍ
(كان)) إن كان(٢)، أو بمصدر متصيَّد من الخبر كالكذب، وإما موصولة، واستظهره
أبو البقاء بأنَّ الضمير المقدَّر عائدٌ على ((ما))(٣)، وردَّه في ((البحر))(٤) بأنه لا يلزم أن
يكون ثَمَّ مقدَّرٌ، بل مَن قرأ: ((يكذبون)» بالتخفيف، وهم الكوفيون، فالفعل غير
متعدٍّ، ومن قرأ بالتشديد؛ كنافع وابن كثير وأبي عمرو، فالمفعول محذوف لفهم
المعنى، والتقدير: بكونهم يكذّبون النبيَّ ◌َ ل فيما جاء به، ويحتمل أن يكون
المشدَّد في معنى المخفَّف للمبالغة في الكيف، كما قالوا في: بان الشيء وبيَّن،
وصدق وصدَّق، وقد يكون التضعيف للزيادة في الكم؛ كمُوِّتت الإبل. ويحتمل أن
یکون من: كذب الوحش: إذا جرى ووقف لينظر ما وراءه، وتلك حال المتحيّر
وهي حال المنافق، ففي الكلام حينئذٍ استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ، أو تبعيةٌ أو تمثيليةٌ،
ويشهد لِهذا المعنى قوله وَّهِ: ((مَثَلُ المنافق كمَثَل الشاة العائرة بين الغنمين، تَعِيرُ
إلى هذه مرةً وإلى هذه مرةً»(٥) والجارُّ والمجرور صفة لعذاب، لا لأليم، كما قاله
(١) الدر المنثور ٣٠/١، وهو بهذا اللفظ في تفسير ابن أبي حاتم ٤٤/١ عن أبي العالية
والضحاك وقتادة وغيرهم، وأخرجه عن ابن عباس ١٧٨٩/٦ و ١٨٢٨ و٢١٢٨/٧ و٨/
٢٦٩٥ بلفظ: ((أليم)) كلُّ شيء موجع.
(٢) يعني: على القول بأن لـ ((كان)) مصدراً، كما ذكر السمين في الدر المصون ١/ ١٣٠ وقال:
وهو الصحيح عند بعضهم.
(٣) الذي في الإملاء لأبي البقاء ١/ ٥٠ أن ((ما)) هنا مصدرية، وقد يكون هذا رأياً له في كتاب
آخر، وقد ذكره المصنف نقلاً عن البحر ١/ ٦٠، ومثله في الدر المصون ١٣١/١، وحاشية
الشهاب ٣٢٣/١.
(٤) البحر المحيط ٦٠/١.
(٥) أخرجه أحمد (٥٠٧٩)، ومسلم (٢٧٨٤) من حديث ابن عمر ؤًا. قال ابن الأثير في
النهاية ٣٢٨/٣: الشاة العائرة، أي: المترددة بين قطيعين، لا تدري أيهما تتبع.

الآية : ١٠
٤٣١
سُورَةُ الْبَنَة
أبو البقاء(١)؛ لأنَّ الأصل في الصفة أن لا توصف. والكذبُ: هو الإخبارُ عن
الشيء النسبة أو الموضوع على خلافٍ ما هو عليه في نفس الأمر عندنا، وفي
الاعتقاد عند النَّّام، وفيهما عند الجاحظ، وكلُّ مقصودٍ محمودٍ يمكن التوصُّل إليه
بالصدق والكذب جميعاً فالكذبُ فيه حرامٌ؛ لعدم الحاجة إليه، فإن لم يمكن
إلا بالكذب، فالكذب فيه مباحٌ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، وواجبٌ إن
كان واجباً، وصرَّح في الحديث بجوازه في ثلاثة مواطن؛ في الحرب، وإصلاح
ذات البين، وكذب الرجل لامرأته ليرضيها(٢)، ولا حَصْرَ، ولهذا جاز تلقينُ الذين
أقرُّوا بالحدود الرجوعَ عن الإقرار، فينبغي أن يقابل بين مفسدة الكذب والمفسدةِ
المترتّبة على الصدق، فإن كانت المفسدة في الصدق أشدَّ ضرراً فله الكذب وإن
كان عكسه - أو شكَّ - حَرُمَ عليه، فما قاله الإمام البيضاويُّ عفا الله تعالى عنه من
أنَّ الكذب حرامٌ كلَّه(٣) يوشك أن يكون ممَّاسها فيه.
وفي الآية تحريضٌ للمؤمنين على ما هم عليه من الصدق والتصديق، فإنَّ
المؤمن إذا سمع ترتُّب العذاب على الكذب دون النفاق الذي هو هو، تخيّل في
نفسه تغليظَ اسم الكذب، وتصوَّر سماجته، فانزجَرَ عنه أعظمَ انزجار، وهذا ظاهرٌ
على قراءة التخفيف(٤) ويمكن في غيرها أيضاً لأنّ نسبة الصادق إلى الكذب كذب،
وکذا کثرتُه.
وإن تُكلِّف في المعنى الأخير وقيل: إنه مأخوذٌ من كذَّب المتعدِّي، كأنه يكذِّب
رأيه، فيقف لينظر، لكن لمَّا كثُر استعماله في هذا المعنى، وكانت حالة المنافق
شبيهةً بهذا(٥)، جاز أن يُستعار منه لها =أَمْكَن على بُعدٍ بعيد ذلك التحريض.
(١) إملاء ما منّ به الرحمن ١/ ٥٠.
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٢٧٢)، ومسلم (٢٦٠٥) من حديث أم كلثوم بنت عقبة
(٣) تفسير البيضاوي ١/ ٨٢.
(٤) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقرأ الباقون: (يُكذِّبون)) بالتشديد. التيسير
ص٧٢، والنشر ٢٠٧/٢-٢٠٨.
(٥) يشير إلى ما ورد من المجاز في قولهم: كذَّب الوحشيّ وكَذّب، أي: جرى شوطاً، ثم وقف
لينظر ما وراءه فالمنافق متوقّف في رأيه متردِّد في أمره. ينظر تفسير أبي السعود ٤٣/١،
وحاشية الشهاب ٣٢٤/١، وأساس البلاغة (كذب).

سُوَّةُ الْجَعَة
٤٣٢
الآية : ١٠
ولا يُرِدُ على تحريم الكذب - في بعض وجوهه - ما روي في حديث الشفاعة عن
إبراهيم عليه السلام أنه يقول: ((لستُ لها إنِّي كذبتُ ثلاث كذبات))(١) وعنى - كما في
رواية أحمد -: ﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله
للملك في جواب سؤاله عن امرأته سارة: هي أختي، حين أراد غَصْبَها(٢)، وكان من
طريق السياسة التعرُّض لذوات الأزواج دون غيرِ هنَّ بدون رضاهن، فإنها إن كانت من
الكذب المحرَّم فأين العصمة وهو أبو الأنبياء؟! وإن لم تكن كذلك فقد أَخبر يوم
القيامة بخلاف الواقع - وحاشاه - حيث إن المفهوم من ذلك الكلام إني أذنبتُ فأستحي
أن أشفع، وهل يستحي مما لا إثم فيه؟! ولقوة هذه الشبهة قطع الرازي بكذب الرواية
صيانةً لساحة إبراهيم عليه السلام(٣) = لأنَّا نقول إنَّ ذلك من المعاريض، وفيها مندوحةٌ
عن الكذب، وقد صدرت من سيد أولي العصمة صلى الله عليه وآله وسلم كقوله: ((من
ماء)) في حديث الهجرة(٤). وتسميتُه كذباً على سبيل الاستعارة؛ للاشتراك في
الصورة، فهي من المعاريض الصادقة كما ستراه بأحسن وجه إن شاء الله تعالى في
موضعه. لكنَّها لمَّا كانت مبنيةٌ على لين العريكة مع الأعداء، ومثلُه ممَّن تكفَّل الله
تعالى بحمايته يناسبه المبارزة(٥)، فلِعُدوله عن الأَوْلى بمقامه عَدَّ ذلك في ذلك المقام
ذنباً، وسمَّاه كذباً لكونه على صورته، وما وقع لنبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك لم
يقع في مثل هذا المقام حتى يستحييَ منه، فلِكلِّ مَقامٍ مقالٌ.
على أنَّا نقول: إنها لو كانت كذباً حقيقة لا ضرر فيها ولا استحياءً منها، كيف
وقد قال رَّهِ: ((ما منها كذبةٌ إلَّ جادَلَ بها عن دين الله))(٦) فهي من الكذب المباح،
(١) أخرجه أحمد (٩٦٢٣)، والبخاري (٤٧١٢) واللفظ له، ومسلم (١٩٤) من حديث
..
أبي هريرة
(٢) مسند أحمد (٩٢٤١) من حديث أبي هريرة ، وأخرجه البخاري (٣٣٥٧) و (٣٣٥٨)
و (٥٠٨٤) مرفوعاً وموقوفاً، وأخرج المرفوع أيضاً مسلم (٢٣٧١).
(٣) تفسير الرازي ١٨٥/٢٢.
(٤) كذا ذكر، والصواب أن ذلك كان في غزوة بدر. ينظر سيرة ابن هشام ٦١٦/١.
(٥) يعني مبارزة أعدائه بالمكروه بذلاً لنفسه في سبيل الله، أو دخولاً في حفظ حصن الله.
حاشية الشهاب ٣٢٦/١.
(٦) قطعة من حديث أخرجه أبو يعلى (١٠٤٠) عن أبي سعيد الخدري ظ له، وبنحوه عند أحمد
(٢٥٤٦) من حديث ابن عباس ◌ُه، ولفظه عن أحمد: ((والله إن حاول بهنَّ إلا عن دين الله)).

الآية : ١١
٤٣٣
سُورَةُ الْبَدَ
لكن لمَّا كان مقام الشفاعة هو المقام المحمود المخبوء للحبيب لا الخليلٍ، أظهر
الاستحياءَ للدفع عنه بما يُظَنُّ أنه مما يوجب ذلك وهو لا يوجبه. وفي ذلك من
التواضع وإظهارٍ العجز والدفع بالتي هي أحسن ما (١) لا يخفى، فكأنه قال: أنا
لا آمَنُ من العتاب على كذبٍ مباح، فكيف لي بالشفاعة لكم في هذا المقام،
فليحفظ.
ثم إنَّ الإتيان بالأفعال المضارعة في أخبار الأفعال الماضية الناقصة أمرٌ
مستفيض؛ كأصبح يقول كذا، و﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧]
ومعناه: أنه في الماضي كان مستمرًّا متجدِّداً بتعاقُب الأمثال، والمضيُّ والاستقبال
بالنسبة لزمان الحكم، وقد عُدَّ الاستمرار من معاني ((كان))، فلا إشكال في
(بما كانوا يكذبون)) حيث دلَّت ((كان)) على انتساب الكذب إليهم في الماضي، و
(يكذبون)) على انتسابه في الحال والاستقبال، والزمانُ فيهما مختلف. ودَفْعُه بأنَّ
(كان)) دالَّة على الاستمرار في جميع الأزمنة، و ((يكذبون)) دلَّ على الاستمرار
التجدُّدي الداخلِ في جميع الأزمنة - على علَّاته - يُغني اللهُ تعالى عنه.
وأمال حمزة ((فزادهم)) في عشرة أفعال، ووافقه ابن ذكوان في إمالة جاء وشاء
وزاد هذه، وعنه خلافٌ في زاد غيرِها، والإمالةُ لتميم والتفخيمُ للحجاز. وقد نظم
أبو حيان تلك العشرة فقال:
فجاء وشاء ضاق ران وكمِّلا
وعشرة أفعالٍ تُمالُ لحمزة
ق زاغ سوى الأحزاب مع صادها فلا(٢)
بزاد وخاب طاب خاف معاً وحا
اختلف في
١١
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُواْ فِ اَلْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ
هذه الجملة فقيل: معطوفة على ((يكذبون))؛ لأنه أقرب وليُفيد تَسبُّبه للعذاب أيضاً،
وليؤذِنَ أنَّ صفة الفساد يُحترز منها كما يُحترز عن الكذب. ووجه إفادته لتسبُّب
الفساد للعذاب أنه داخلٌ في حيِّز صلة الموصول الواقع سبباً، إذ المعنى في قولهم:
(١) في (م): مما.
(٢) يعني أنه قد استثنى حمزة: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾ [الأحزاب: ١٠]، و﴿زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَرُ﴾
[ص: ٦٣] البحر ١/ ٥٩.

سُوَّةُ الْبَحْمَة
٤٣٤
الآية : ١١
﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ إنكارٌ لادِّعائهم أنَّ ما نسب لهم منه صلاحٌ، وهو عنادٌ
وإصرارٌ على الفسَاد، والإصرارُ على ذلك فسادٌ وإثم، وهذا الذي مال إليه
الزمخشريُّ(١). وهو مبنيٍّ على عدم الاحتياج إلى ضميرٍ في الجملة يعود إلى ((ما))،
فإنه يُغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وإلا يكون التقدير: ولهم عذابٌ أليمٌ
بالذي كانوا إذا قيل لهم .. إلخ، وهو غير منتظم، وكأنَّ مَن يجعل ((ما)) مصدريةً
يجعل الوصل بـ ((كان))، حيث لم يُعهَدْ وصلُها بالجملة الشرطية، نعم يَرِد أنَّ قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ كذب، فيؤُولُ المعنى إلى استحقاق العذاب
بالكذب، وعطف التفسير ممَّا يأباه الذوق والاستعمال، ومن هنا قيل بأنَّ هذا
العطف وجيةٌ على قراءة يكذِّبون - بالتشديد - على أحد احتمالاته؛ ليكون سبباً
للجمع بین ذمِّهم بالكذب والتكذيب.
وقولُ مولانا مفتي الديار الرومية في الاعتراض: إنَّ هذا النحو من التعليل
حقُّه أن يكون بأوصافٍ ظاهرةِ العلِّية، مسلَّمةِ الثبوتِ للموصوف، غنيةٍ عن البيان
لشهرة الاتِّصاف بها عند السامع، أو لسبق الذكر صريحاً أو استلزاماً، ولا ريب
في أنَّ هذه الشرطية غير معلومةِ الانتساب بوجهٍ حتى تستحقَّ الانتظام في سلك
التعليل(٢) = لا يخفى ما فيه على مَن أمعن النظر.
وقيل: معطوفة على ((يقول))(٣) لسلامته مما في ذلك العطف من الدغدغةِ، ولتكون
لآيات حينئذٍ على نمط تعديد قبائحهم، وإفادتهم اتِّصافهم بكلِّ من تلك الأوصاف
استقلالاً وقصداً، ودلالَتِها على لحوق العذاب بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم،
فما ظنُّك بسائرها؟ ولكون هذا الماضي لمكان ((إذا)) مستقبلاً حسن العطف.
وفيه: أنَّ مآل هذه الجملة الكذبُ كما أُشير إليه، فلا تُغاير سابقها، ولو سُلُّم
التغاير بالاعتبار وضمِّ القيود فهو جزءُ الصلة(٤) أو الصفة، وكلاهما يقتضي عدمَ
(١) في الكشاف ١٧٩/١-١٨٠.
(٢) تفسير أبي السعود ٤٣/١.
(٣) والتقدير: ومن الناس من يقول ... ومن الناس مَن إذا قيل لهم. الدر المصون ١٣٨/١.
(٤) قوله: جزء، ساقط من المخطوط، وفي حاشية الشهاب ٣٢٧/١ (والكلام منه) فهو جزء
من الصلة ...

الآية : ١١
٤٣٥
سُورَةُ الْبَّنَة
الاستقلال، وأيضاً كون ذلك الكذب أدنى أحوالِهم لا يقبل عند مَن له أدنى عقل،
على أنَّ تخلُّل البيان والاستئناف، وإن لم يكن أجنبيًّا بين أجزاء الصلة أو الصفة،
لا يخلو عن استهجان.
فالذي أميلُ إليه، وأُعوِّل - دون هذين الأمرين - عليه، ما اختاره المدفِّق في
(الكشف))، وقريبٌ منه كلام أبي حيان في ((البحر))(١): أنها معطوفةٌ على قوله:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ﴾ لبيان حالِهم في ادِّعاء الإيمان وكذبِهم فيه أولاً، ثم بيانِ
حالهم في انهماكهم في باطلهم ورؤيةِ القبيح حسناً والفساد صلاحاً ثانياً، ويُجعل
المعتمد بالعطف مجموع الأحوال وإن لزم فيه عطف الفعلية على الاسمية، فهو
أرجحُ بحسب السياق ونمط تعديد القبائح.
وما قيل عليه: إنه ليس مما يعتدُّ به وإنْ توهّم كونه أَوْفَى بتأدية هذه المعاني،
وذلك لعدم دلالته على اندراج هذه الصفة وما بعدها في قصة المنافقين وبيان
أحوالهم، إذ لا يَحْسُنُ حينئذٍ عودُ الضمائر التي فيها إليهم: كما يشهد به سلامة
الفطرة لمن له أدنى دُرْبةٍ بأساليب الكلام = كلامٌ خارج عن دائرة الإنصاف،
كما يشهد به سلامةُ الفطرة من داء التعصُّب والاعتساف، فإنَّ عود الضمائر رابطٌ
للصفات بهم، وسوق الكلام منادٍ عليه، وقد يأتي في القصة الواحدة جملةٌ مستأنفةٌ
بغير عطف، فإذا لم يُنافه الاستئناف رأساً كيف يُنافيه العطف على أوله المستأنف،
والعطف إنما يقتضي مغايرةً الأحوال لا مغايرةَ القصص وأصحابها(٢).
وما أخرجه ابن جرير عن سلمان ظه، من أنَّ أهل هذه الآية لم يأتوا بعد(٣).
ليس المراد به أنَّها مخصوصةٌ بقوم آخرين كما يُشعر به الظاهر، بل أنّها لا تختصُّ
بمن كان من المنافقين وإن نزلت فيهم؛ إذ خصوصُ السبب لا ينافي عمومَ النظم.
ثم القائلُ للمنافقين في عصر النزول هذا القولُ إمَّا النبيُّ صلى الله عليه وآله
(١) يعني هي من باب عطف الجمل استئنافاً. البحر ٦٣/١، وقول صاحب الكشف ذكره
الشهاب في الحاشية ١/ ٣٢٧.
(٢) فلو قال قائل: لولا الحمقى لخربت البلدان، ولولاهم لم يُحتج لحاكم ولا سلطان، كانت
الجملة الثانية معطوفة على أول الكلام، وهما صفة لشيء واحد. حاشية الشهاب ٣٢٨/١.
(٣) تفسير الطبري ١/ ٢٩٧.

سُورَةُ الجَمَة
٤٣٦
الآية : ١١
وسلم: تبليغاً عن الله سبحانه المخبِرُ له بنفاقهم، أو أنه عليه الصلاة والسلام بلَغه
عنهم ذلك ولم يقطع به، فنصحهم فأجابوه بما أجابوه، أو بعضُ المؤمنين الظانِّين
بهم، المتفرِّسين بنور الإيمان فيهم، أو بعضُ مَن كانوا يلقون إليه الفساد، فلا يقبله
منهم لأمرٍ ما، فينقلب واعظاً لهم قائلاً: ﴿لَا نُفْسِدُوا﴾.
والفساد: التغيُّر عن حالة الاعتدال والاستقامة، ونقيضُه الصلاح، والمعنى:
لا تفعلوا ما يؤدِّي إلى الفساد، وهو هنا الكفرُ كما قاله ابن عباس. أو المعاصي
كما قاله أبو العالية. أو النفاقُ الذي صافَوا به الكفار فأَطَلْعوهم على أسرار
المؤمنين، فإنَّ كلَّ ذلك يؤدِّي - ولو بالوسائط - إلى خراب الأرض، وقلة الخير،
ونزع البركة، وتعظُل المنافع.
وإذا كان القائل بعضَ مَن كانوا يُلقون إليه الفساد فلا يقبله ممن شاركهم في الكفر،
يُحمل الفساد على هَيْج الحروب والفتن، الموجبٍ لانتفاء الاستقامة، ومشغولية الناس
بعضهم ببعض، فيهلك الحرث والنسل، ولعل النهي عن ذلك لِخَوَرٍ أو تأمُّلٍ في العاقبة
وإراحة النفس عمَّا ضررُه أكبر من نفعه، مما تميل إليه الحذَّاق. على أنَّ في أذهان كثير
من الكفار إذ ذاك توقّعَ ما يغني عن القتال، من وقوع مكروه بالمؤمنين ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّ
أَن يُتِزَّ نُرَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، ولا يخفى ما في هذا الوجه من التكلُّف.
والمراد من الأرض: جنسُها، أو المدينةُ المنورة، والحمل على جميع الأرض
ليس بشيء، إذ تعريفُ المفرد يُفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء، اللهم إلا أن يُعتبر
كلُّ بقعةٍ أرضاً، لكن يبقى أنه لا معنى للحمل على الاستغراق، باعتبار تحقّق
الحكم في فردٍ واحد. وليس ذكرُ الأرض لمجرَّدِ التأكيد، بل في ذلك تنبيهٌ على أنَّ
الفساد واقعٌ في دارٍ مملوكةٍ لمنعم أسكنكم بها، وخوَّلكم بنعمها :
وأقبحُ خَلْقِ الله مَن بات عاصياً لِمَن بات في نعمائه يتقلَّب(١)
و((إنَّما)) للحصر كما جرى عليه بعضُ النحويين وأهلِ الأصول، واختار في
(البحر))(٢) أنَّ الحصر يُفهم من السياق ولم تدلَّ عليه وضعاً، وجَعَل القول بكونها
(١) البيت للمتنبي، وهو في ديوانه ٣٠٩/١ بلفظ: وأظلم أهل الظلم مَن بات حاسداً ...
(٢) ١/ ٦١.

الآية : ١٢
٤٣٧
سُورَةُ الْبَقَة
مركّبةً من ((ما)) النافية دخل عليها ((إن)) التي للإثبات، فأفادت الحصر قولاً ركيكاً
صادراً عن غير عارفٍ بالنحو.
ومعنى ((إنما نحن مصلحون)» مقصورون على الإصلاح المَخْضِ الذي لم يَشُبْهُ
شيءٌ من وجوه الفساد، وقد بلغ في الوضوح بحيث لا ينبغي أن يُرتاب فيه،
والقصرُ إمَّا قصرُ إفرادٍ أو قلب، وهذا إما ناشئٌ عن جهل مركَّب، فاعتقَدوا الفساد
صلاحاً، فأصرُّوا واستكبروا استكباراً :
يُقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حَسَناً ما ليس بالحسن(١)
وإمَّا جارٍ على عادتهم في الكذب، وقولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
وقرأ هشام والكسائيُّ: ((قيل)) بإشمام الضمِّ (٢)؛ ليكون دالاً على الواو المنقلبة
وقُوْل - بإخلاص الضمِّ وسكون الواو - لغةٌ لهذيلٍ، ولم يُقرأ بها.
· ردِّ لدعواهم المَخْكَّيةِ على أبلغ
﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَّا يَشْعُونَ (
١٢
وجه، حيث سلك فيه مسلكَ الاستئناف المؤدّي إلى زيادةٍ تُمكِّن الحكم في ذهن
السامع، مع تأكيد الحكم وتحقيقِه بـ((إنَّ)، و ((ألَا)) بناءً على تركُبها من همزة
الاستفهام الإنكاري الذي هو نفيٌّ معنًى، و((لا)) النافية، فهو نفيُّ نفي(٣)، فيفيد
الإثبات بطريق برهانيٍّ أبلغ من غيره، ولإفادتها التحقيق - كما قال ناصر الدين(٤) .
لا يكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدَّرةً بما يُتلقَّى به القسم، كإنَّ واللام وحرف النفي.
والذي ارتضاه الكثير أنَّها بسيطة، لا لأنها تدخل على أنَّ المشددة و ((لا))
النافية لا تدخل عليها؛ إذ قد يقال: انفسخ بعد التركيب حكمها الأصليّ، بل لأنَّ
الأصلَ البساطةُ. ودعوى: لا يكاد ... إلخ، لا تكاد تُسلَّم، كيف وقد دخلت على
رُبَّ وحبَّدا ويا النداء في :
(١) البيت للأمير يحيى بن علي باشا المدني المتوفى سنة (١٠٩٥هـ)، كما في خلاصة الأثر في
أعيان القرن الحادي عشر ٤ / ٤٧٥ -٤٧٦ .
(٢) التيسير ص٧٢، والنشر ٢٠٨/٢، وهي قراءة يعقوب في رواية رويس.
(٣) في الأصل: نفي النفي، والمثبت من (م) وحاشية الشهاب ٣٣١/١، والكلام منه.
(٤) هو البيضاوي، وكلامه في تفسيره مع حاشية الشهاب ٣٣١/١.

سُوَّةُ الْبَرَ
٤٣٨
الآية : ١٢
ألا رُبَّ يومٍ صالحٍ لك منهما (١)
و :
ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هند (٢)
و :
ألا يا قيسُ والضحاكُ سِيرا(٣)
وضُمَّ إلى ذلك تعريف الخبر وتوسيط الفصل(٤).
وأشار بـ ((لا يشعرون)) - على وجهٍ ـ إلى أنَّ كونهم من المفسدين قد ظهر ظهورَ
المحسوسٍ بالمشاعر، وإن لم يدركوه، وأتى سبحانه بالاستدراك هنا ولم يأت به
بعد المخادعة؛ لأنَّ المخادعة هناك لم يتقدَّمها ما يُتوهّم منه الشعور توهُّماً يقتضي
تعقيبه بالرفع، بخلاف ما هنا، فإنهم لمَّا نُهوا عما تعاطُوه من الفساد الذي لا يخفى
على ذوي العقول، فأجابوه بادِّعاءِ أنهم على خلافه، وأخبر سبحانه بفسادهم،
كانوا حقيقين بالعلم به مع أنهم ليسوا كذلك، فكان محلاً للاستدراك.
وما يقال: من أنه لا ذَّ على مَن أَفْسَدَ ولم يعلم، وإنَّما الذُّ على مَن أفسد عن
علم، يدفعه أنَّ المقصِّر في العلم مع التمكُّن منه مذمومٌ بلا ريب، بل ربما يقال:
إنه أسوأ حالاً من غيره. وهذا كلَّه على تقديرٍ أن يكون مفعول ((لا يشعرون))
(١) وعجزه: ولا سيما يومٌ بدارة جُلُجُل، والبيت لامرئ القيس، وهو في ديوانه ص١٠، والبحر
٦١/١ برواية: ألا ربَّ يوم لك منهنَّ صالح.
(٢) وعجزه: وهندٌ أتى من دونها النأي والبُعد، والبيت للحطيئة، وهو في ديوانه ص ١٤٠،
والبحر ١/ ٦١.
(٣) وعجزه: فقد جاوزتُما خَمَر الطريق، وهو في الأضداد لابن الأنباري ص٥٣، والحلل في
شرح أبيات الجمل للبَطَلْيَوْسي ص١٩٦، وشرح المفصل ١٢٩/١، والبحر ٦١/١. قال
البطليوسي: هذا البيت لا أعلم قائله، والخَمَر: كل ما يستر الإنسان وغيره، من شجر
وغيره، يقول لصاحبيه: قد جاوزتما المكان الذي فيه انقطاع السبيل، فسيرا آمنين.
(٤) يعني أن تعريف الخبر وهو ((المفسدون))، وتوسيط ضمير الفصل وهو ((هم)) يُضمّ إلى ((ألا))
و ((إنَّ) في تأكيد الحكم وتحقيقه. ينظر حاشية الشهاب ٣٠٣/١.