النص المفهرس

صفحات 401-420

الآية : ٧
٣٩٩
سُورَةُ الْبَرَة
وأعاد جلَّ شأنه الجارَّ لتكون أدلَّ على شدة الختم في الموضعين، فإنَّ ما يوضع
في خزانةٍ إذا ختمت خزانته وختمت داره، كان أقوى في المنع عنه وأظهرَ في
الاستقلال؛ لأنَّ إعادة الجارِّ تقتضي ملاحظة معنى الفعل المعدَّى به، حتى كأنه
ذكر مرتين، ولذا قالوا: في مررت بزيد وعمرو مرورٌ واحد، وفي مررت بزيدٍ
وبعمرو مروران، والعطف وإن كان في قوة الإعادة، لكنه ليس ظاهراً مثلها في
الإفادة لما فيه من الاحتمال.
ووحَّد السمع - مع أنه متعدِّدٌ في الواقع، ومقتضى الانتظام بالسباق واللحاق أن
يجري على نمطهما - للاختصار والتفنُّن، مع الإشارة إلى نكتةٍ هي أنَّ مدرَكاته نوعٌ
واحد ومدركاتهما مختلفة، وكثيراً ما يعتبر البلغاء مثل ذلك.
وقيل: إن وحدة اللفظ تدلُّ على وحدة مسمَّاه، وهو الحاسَّة، ووحدتها تدلُ
على قلَّة مدركاتها في بادئ النظر، فهناك دلالة التزام، ويكفي مثل ما ذكر في
اللزوم عرفاً (١). ومنه يتنبّه لوجه جمع القلوب كثرة والأبصار قلة، وإن كان ذلك هو
المعروف في استعمال الفقهاء في جميعها. على أنَّ الأسماع قلَّما قرع السمع، ومنه
قراءة ابن أبي عبلة في الشواذ: ((وعلى أسماعهم))(٢)، واستشهد له بقوله:
قَالَتْ ولَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الخَنا مَهْلاً لقدْ أَبْلَغْتَ أَسْمَاعِي (٣)
والقول بأنه وخَّده للأمن عن اللَّبس، كما في قوله:
كُلُوا في بعضٍ بَطْنِكُمُ تَعِقُّوا
فإنَّ زمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيْصُ (٤)
(١) في هامش الأصل و(م): وقيل في توجيه الإفراد أن المراد سمع كل واحد، وهذا وإن كان
حقّه الإفراد إلا أن حمل الجمع على كل فرد فرد جائز لا واجب، كما قيل في قوله تعالى:
﴿ُمْرِبُكُمْ طِفلا﴾ على وجه. اهـ منه.
(٢) القراءات الشاذة ص٢.
(٣) البيت لأبي قيس بن الأسلت، وهو في ديوانه ص٧٨، والمفضليات ص٢٨٤.
(٤) الكتاب ١/ ٢١٠، ومعاني القرآن للفراء ٣٠٧/١، والمقتضب ١٧٢/٢، وأسرار العربية
لأبي البركات الأنباري ص٢٠٣، وأمالي ابن الشجري ٤٨/٢. والبيت من أبيات سيبويه
الخمسين التي لا يعلم قائلها، وقال الأعلم في شرح شواهد الكتاب ص ١٧٠ : وصف شدة
الزمان وکَلَبه، فيقول: كلوا في بعض بطونكم ولا تملؤوها، حتى تعتادوا على ذلك، وتعقُّوا
عن كثرة الأكل، وتقنعوا باليسير، فإن الزمان ذو مخمصة وجدب.

سُورَةُ الْبَرَة
٤٠٠
الآية : ٧
ولأنه في الأصل مصدر، والمصادر لا تُجمع، فروعي ذلك، ليس بشيء؛ لأنَّ
ما ذكر مصحِّح لا مرجِّح. وأدنى من هذا عندي تقدير مضاف مثل: وحواسٌ سمعهم.
وقد اتفق القرَّاء على الوقف على ((سمعهم))، وظاهره دليلٌ على أنه لا تعلُّق له
بما بعده، فهو معطوف على: ((على قلوبهم)) وهذا أولى من كونه هو وما عطف عليه
خبراً مقدَّماً ((غشاوة))، أو عاملان فيه على التنازع، وإن احتملته الآية لتعيُّن نظيره
في قوله تعالى: ﴿وَخَّمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] والقرآن يفسِّر بعضه بعضاً،
ولأنَّ السمع كالقلب يدرك ما يدركه من جميع الجهات، فناسَب أن يقرن معه
بالختم الذي يمنع من جميعها، وإن اختصَّ وقوعه بجانب، إلا أنه لا يتعيَّن،
ولما كان إدراك البصر لا يكون عادة إلا بالمحاذاة والمقابلة، جعل المانع ما يمنع
منها وهو الغشاوة؛ لأنها في الغالب كذلك؛ كغاشية السَّرْج(١)، ومثل هذا يكفي في
النكات، ولا يضره ستره لجميع الجوانب كالإزار.
وما في ((الكشف)): من أنَّ الوجه أنَّ الغشاوة مشهورةٌ في أمراض العين، فهي
أنسب بالبصر من غير حاجة لما تكلَّفوه. يكشف عن حاله النظرُ في المعنى اللغوي
ممن لا غشاوة على بصره.
ولعلَّ سبب تقديم السمع على البصر مشاركته للقلب في التصرف في الجهات
الست مثله دون البصر. ومن هنا قيل: إنه أفضل منه، والحقُّ أنَّ كلَّا من الحواس
ضروريٌّ في موضعه، ومن فَقَد حسًّا فَقَد علماً، وتفضيل البعض على البعض تطويلٌ
من غير طائل(٢).
وقد قرئ بإمالة ((أبصارهم))(٣)، ووجه الإمالة - مع أنَّ الصاد حرفٌ مستعلٍ،
وهو منافٍ لها لاقتضائها لتسفَّل الصوت - مناسبة الكسرة، واعتبرت على الراء دون
غيرها لمناسبة الإمالة الترقيق، والمشهور عند أهل العربية أنَّ ذلك لقوة الراء لتكرُّره
(١) وهي غطاؤه. اللسان (غشا).
(٢) في هامش الأصل و(م): ويحكى عن أبي يوسف رحمه الله أنه سئل عن اللوزينج والفيلوذج
أيهما أحسن؟ فقال: لا أحكم من دون حضور الخصمين، فأتي بهما وأكل منهما ثم قال: كلما
أردت أن أحكم لأحدهما على الآخر أتى الآخر بشاهدين عدلين فيمنعني من الحكم. اهـ منه.
(٣) هي قراءة أبي عمرو والكسائي من رواية الدوري. التيسير ص٥١، والنشر ٥٤/٢-٥٥.

الآية : ٧
٤٠١
سُورَةُ الْبَغَة
على اللسان في النطق به، فإنه يرتعد، ويظهر ذلك إذا شُدِّد أو وقف عليه، فكَسْرَتُهُ
بمنزلة كسرتين، فقّوِيَ السبب حتى أزال المانع.
ولعلَّ مرادهم أنه متكرِّرٌ طبعاً كما يدركه الوجدان، إلا أنه يجب المحافظة
لئلا يقع التكرير (١)، فإنه مضرٌّ في الأداء حتى سمعت من بعض الشافعية(٢): أنَّ من
كرَّر الراء في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، والعهدة على الراوي.
والجمهور على أنَّ ((على أبصارهم)) خبرٌ مقدَّمٌ لـ((غشاوة))، والتقديم مصحِّحُ
لجواز الابتداء بالنكرة، مع أنَّ فيه مطابقة الجملة قبله؛ لأنه تقدَّم الجزء المحكوم به
فيها، وهذا كذلك، ففي الآية جملتان خبريتان: فعليةٌ دالَّةٌ على التجدُّد، واسميَّةٌ
دالة على الثبوت، حتى كأنَّ الغشاوة جبلِّيَّة فيهم، وكون الجملتين دعائيّتين ليس
بشيء، وفي تقديم الفعلية إشارةٌ إلى أنَّ ذلك قد وقع وفُرغ منه.
ونصَب المفضَّل وأبو حيوة وإسماعيل بن مسلم ((غشاوة))(٣)؛ فقيل: هو على
تقدير (جَعَل))كما صرح به في قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ،
غِشَةٌ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقيل: إنه على حذف الجارّ(٤).
وقال أبو حيان: يحتمل أن يكون مصدراً من معنى ختم؛ لأنَّ معناه: غشى
وستر، كأنه قيل: تغشيةً، على سبيل التأكيد، فيكون حينئذ قلوبهم وسمعهم
وأبصارهم مختوماً عليها مغشًّاةٍ(٥).
وقيل: يحتمل أن يكون مفعولَ ((ختم)) والظروفُ أحوال، أي: ختم غشاوة
كائنة على هذه الأمور، لئلا يتصرَّف بها بالرفع والإزالة. وفي كلِّ ما لا يخفي،
فقراءة الرفع أولى.
(١) في (م): التقرير.
(٢) في هامش الأصل: وقد ذكره العلامة ابن حجر عليه الرحمة في الإيعاب، ولم يرتضه،
فارجع إليه.
(٣) القراءات الشاذة ص٢.
(٤) يعني أنه منصوب على حذف حرف الجر، أي: بغشاوة، وقال أبو حيان في البحر ٤٩/١ :
وهو ضعيف.
(٥) البحر المحيط ٤٩/١.

سُورَةُ الْبَحَة
٤٠٢
الآية : ٧
وقرئ أيضاً بضم الغين ورفعه، وبفتح الغين ونصبه، وقرئ ((غِشْوةٌ) بكسر
المعجمة مرفوعاً، وبفتحها مرفوعاً ومنصوباً، و((غَشْيةٌ)) بالفتح والرفع، و ((عَشاوةٌ))
بفتح المهملة والرفع، وجُوِّز فيه الكسر والنصب(١). من العَشا بالفتح والقصر، وهو
الرؤية نهاراً لا ليلاً، والمعنى أنهم يبصرون إبصار غفلةٍ لا إبصار عبرة، أو أنهم
لا يرون آيات الله تعالى في ظلمات كفرهم، ولو زالت أبصروها.
وقال الراغب: العشا: ظلمة تعرض للعين، وعَشِيَ عن كذا عمي، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦](٢). فالمعنى حينئذ ظاهر.
والتنوين للإشارة إلى نوعٍ من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، ويحتمل أن يكون
للتعظيم، أي: غشاوة أيّ غشاوةٍ، وصرَّح بعضهم بحمله على النوعية والتعظيم معاً،
كما حُمل على التكثير والتعظيم معاً في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر: ٤].
واللام في ((لهم)) للاستحقاق كما في: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ [البقرة: ١١٤]
وفي ((المغني)): لام الاستحقاق هي الواقعة بين معنّى وذات(٣). وهنا كذلك إلا أنه
قدِّم الخبر استحساناً؛ لأنَّ المبتدأ نكرة موصوفة، ولو أخّر جاز كـ ﴿وَأَجَلٌ مُسَنَّى
عِندٌَ﴾ [الأنعام: ٢]، ويجوز - كما قيل - أن يكون تقديمه للتخصيص، فلا يعذَّبُ
عذابَهم أحدٌ، ولا يُوثَق وثاقَهم أحد(٤).
وكون اللام للنفع واستعملت هنا للتهكُّم، مما لا وجه له؛ لأنها إنما تقع له في
مقابلة ((على)) في الدعاء وما يقاربه، ولم يقل به أحد ممن يوثق به هنا، ولا يقال:
عليهم العذاب.
والظاهر أنَّ الجملة مساقةٌ لبيان إصرارهم بأنَّ مشاعرهم خُتمت، وأن الشقوة
عليهم محُتمت(٥)، وهي معطوفة على ما قبلها وليست استئنافاً ولا حالاً، وقال
(١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص٢، والكشاف ١٦٤/١، والمحرر الوجيز ٨٩/١،
والبحر ٤٩/١ .
(٢) مفردات ألفاظ القرآن (عشا).
(٣) مغني اللبيب ص٢٧٥ .
(٤) في هامش الأصل: قاله بهاء الدين العاملي.
(٥) في (م): ختمت.

الآية : ٧
٤٠٣
سُورَةُ الْجَمَة
السيالكوني: عطف على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والجامع أنَّ ما سبق بيان حالهم وهذا
بيانُ ما يستحقّونه، أو على خبر ((إنَّ) والجامع الشركة في المسند إليه مع تناسب
مفهوم المسنَدَين، وجعل ذلك لدفع ما يتوهّم من عدم استحقاقهم العذاب على
كفرهم؛ لأنه بختم الله تعالی وتَغْشیته، لیس بوَجید کما لا يخفى.
والعذاب في الأصل: الاستمرار، ثم اتُّسع فيه فسُمِّي به كلُّ استمرارٍ ألم،
واشتقُّوا منه فقالوا: عذَّبته، أي: داومت عليه الألم، قاله أبو حيان (١)، وعن
الخليل - وإليه مالَ كثيرٌ - أنَّ أصله المنع، يقال: عَذَبَ الفرسُ، إذا امتنع عن
العلف، ومنه العذْب لمنعه من العطش، ثم توسّع فأُطلق على كل مُؤلم شاقٌّ
مطلقاً، وإن لم يكن مانعاً ورادعاً، ولهذا كان أعمَّ من النَّكال؛ لأنه ما كانَ رادعاً
كالعقاب، وقيل: العقاب ما يجازى به كما في الآخرة، وشمل البيان عذاب
الأطفال والبهائم وغيرهما، وخص السجاوندي(٢) العذاب بإيصال الألم الحيِّ مع
الهوان، فإيلام الأطفال والبهائم ليس بعذاب عنده.
وقيل: إنَّ العذاب مأخوذٌ في الأصل من التعذيب، ثم استعمل في الإيلام
مطلقاً، وأصل التعذيب على ما قيل: إكثار الضرب بعَذَبة السوط، وقال الراغب:
أصله من العَذْب، فعذَّته أزلت عَذْبَ حياته على بناء: مَرَّضتُهُ وقَذَّيْتُ(٣).
والتنكير فيه للنوعية، أي: لهم في الآخرة نوعٌ من العذاب غير متعارف في
عذاب الدنيا، وحَمْلُه على التعظيم يستدعي حمل ما يستفاد من الوصف على
التأکید، ولا حاجة إليه.
والعظيم: الكبير، وقيل: فوق الكبير؛ لأنَّ الكبير يقابله الصغير، والعظيم يقابله
الحقير، والحقير دون الصغير، فالصغير والحقير خسيسان، والحقير أخسُهما،
والعظيم والكبير شريفان، والعظيم أشرفهما، فتوصيف العذاب به أكثر في التهويل
من توصيفه بالكبير، كما ذكره الكثير ممن شاع فضله؛ إذ العادة جارية بأنَّ الأخسَّ
(١) البحر المحيط ٤٦/١.
(٢) محمد بن طيفور الغزنوي المقرئ المفسِّر النحوي له تفسير حسن للقرآن، وكتاب علل
القراءات، والوقف والابتداء، توفي سنة (٥٦٠هـ). الوافي بالوفيات ١٧٨/٣ ..
(٣) مفردات ألفاظ القرآن (عذب).

سُورَةُ الْجَّفَقَة
٤٠٤
الآية : ٧
يقابَلُ بالأشرف، والخسيسَ بالشريف، فما يُتوهّم من أنَّ نقيض الأخصِّ أعم،
مما لا يلتفت إليه هنا، نعم يشكل على دعوى أنَّ العظيم فوق الكبير قوله عزَّ شأنه
في الحديث القدسي: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري))(١) حيث جعل سبحانه
الكبرياء مقام الرداء، والعظمة مقام الإزار، ومعلومٌ أنَّ الرداء أرفعُ من الإزار،
فيجب أن يكون صفة الكبر أرفع من العظمة.
ويقال: إنَّ الكبير هو الكبير في ذاته سواء استكبره غيره أم لا، وأما العظمة
فعبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، فالصفة الأولى على هذا ذاتية وأشرف من
الثانية. ويمكن أن يجاب على بُعدٍ بأنَّ ما ذكروه خاصٌّ بما إذا استعمل الكبير
والعظيم في غيره تعالى، أو فيما إذا خلا الكلام عن قرينة تقتضي العكس، أو
يقال: إنه سبحانه جعل العظمة وهي أشرف من الكبرياء إزاراً؛ لقلة العارفين به جلَّ
شأنه بهذا العنوان بالنظر إلى العارفين به بعنوان الكبرياء، فلقِلَّة أولئك كانت إزاراً،
ولكثرة هؤلاء كانت رداءً، وسبحان الكبير العظيم.
وذكر الراغب: أنَّ أصلَ عَظُمَ الرجل: كَبُر عَظْمُه، ثم استُعير لكل كبير وأُجري
مجراه محسوساً كان أو معقولاً، معنَى كان أو عيناً، والعظيم إذا استعمل في
الأعيان فأصلُهُ أن يقال في الأجزاء المتصلة، والكثير(٢) يقال في المنفصلة، وقد
يقال فيها أيضاً: عظيم، وهو بمعنى كثير(٣)؛ كجيش عظيم.
وعِظَّمُ العذاب بالنسبة إلى عذاب دونه يتخلَّله فتور، وبهذا التخلُّل يصحُّ أن يتفاضل
العذابان؛ كسوادين أحدهما أشبع من الآخر، وقد تخلَّل الآخرَ ما ليس بسواد.
وقد ذهب المسلمون إلى أنه يحسن من الله تعالى تعذيب الكفار، وهذه الآية
وأمثالها شواهدُ صدق على ذلك. وقال بعضهم: لا يحسن، وذكروا دلائل عقلية
مبنية على الحسن والقبح العقليين، فقالوا: التعذيب ضررٌ خالٍ عن المنفعة؛ لأنه
سبحانه منزَّةٌ عن أن ينتفع بشيء والعبد يتضرَّر به، ولو سلم انتفاعه، فالله تعالى قادرٌ
(١) أخرجه أحمد (٨٨٩٤)، من حديث أبي هريرة
(٢) في الأصل و(م): والكبير، والمثبت من مفردات الراغب (عظم)، وعمدة الحفاظ ١٧٦٧/٣،
وحاشية الشهاب ٢٩٨/١.
(٣) في الأصل و(م): كبير، وينظر التعليق السابق.

الآية : ٧
٤٠٥
سُورَةُ الَقَة
أن يوصل إليه النفع من غير عذاب، والضرر الخالي عن النفع قبيحٌ بديهة، وأيضاً
إنَّ الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه - متى حصل - ترتَّب عليه العذاب،
وما كان مستعقباً للضرر من غير نفع قبيح، فإمَّا أن يقال: لا تكليف، أو تكليفٌ
ولا عذاب، وأيضاً هو الخالق لداعية المعصية فيقبح أن يعاقب عليها .
وقالوا أيضاً: هب أنَّا سلَّمنا العقاب، فمن أين القول بالدوام؟ وأقسى الناس
قلباً إذا أَخذ من بالغ في الإساءة إليه، وعذَّبه وبالغ فيه وواظب عليه، لامه كلُّ
أحد، وقيل له: إما أن تقتله وتريحه، وإما أن تعفو عنه، فإذا قَبُحَ هذا من إنسان
يلتذُّ بالانتقام، فالغنيُّ عن الكلِّ كيف يليق به هذا الدوام؟!
وأيضاً من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله عليه، أَفَتَرى أنَّ هذا الكرم
العظيم يذهب في الآخرة، أو تسلب عقول أولئك المعذّبين فلا يتوبون، أو يحسن
أن يقول في الدنيا: ﴿أَدْعُونِ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وفي الآخرة لا يجيب دعاءهم
إلا بـ ﴿أَخْسَتُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]؟!
بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين، فلا تُعارض الأدلةَ العقلية
المفيدة له، على أنَّا ندَّعي أنَّ أخبار الوعيد في الكفار مشروطةٌ بعدم العفو، وإن لم
يكن هذا الشرط مذكوراً صريحاً، كما قال ذلك فيها من جوَّز العفو عن الفسَّاق،
على أنه يحتمل أن تكون تلك الجمل دعائية أو أنها إخبارية، لكنَّ الإخبار عن
استحقاق الوقوع لا عن الوقوع نفسه. وهذا خلاصة ما ذكروه في هذا الباب.
وبسط الإمام الرازي(١) الكلام فيه ولم يتعقَّبه بما يشرح الفؤاد ويبرِّد الأكباد
وتلك :
شِنْشَنةٌ أعرِفُها مِنْ أَخْزَم(٢)
ولعمري إنها شُبَةٌ تمكنت في قلوب كثير من الناس فكانت لهم الخنَّاسَ
الوسواس، فخلعوا رِبقة التكليف، وانحرفوا عن الدين الحنيف، وهي عند المؤمنين
(١) التفسير الكبير ٢/ ٥٤ وما بعدها.
(٢) الرجز لأبي أخزم الطائي وهو في المراثي ص١٣١، ومجمع الأمثال ٣٦١/١، ولسان العرب
(رمل) و(خزم) و(شنن)، وتاج العروس (رمل) و(خزم). الشنشئة: مثل الطبيعة والسجية.

سُورَةُ الْبَقَة
٤٠٦
الآية : ٧
المتمكِّنين كصرير باب، أو كطنين ذباب، فأقول: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]: نفي العذاب مطلقاً، مما لم يقله أحدٌ ممن يؤمن بالله تعالى واليوم
الآخر، حتى إنَّ المجوس لا يقولونه مع أنهم الذين بلغوا من الهذيان أقصاه، فإنَّ
عقلاءهم - والعقل بمراحل عنهم - زعموا أنَّ إبليس عليه اللعنة لم يزل في الظلمة
بمعزل عن سلطان الله تعالى، ثم لم يزل يزحف حتى رأى النور، فوثب فصار في
سلطان الله تعالى، وأدخل معه الآفات والشرور، فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة
له، فوقع فيها فصار لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه، فبقي محبوساً يُرمَى بالآفات،
فمَن أحياه الله تعالى أماته، ومن أصحَّه أسقمه، ومن أسرَّه أحزنه، وكل يوم ينقص
سلطانه، فإذا قامت القيامة وزالت قوته طرحه الله تعالى في الجو، وحاسب أهل
الأديان وجازاهم على طاعتهم للشيطان وعصيانهم له. نعم المشهور عنهم أنَّ
الآلام الدنيوية قبيحة لذاتها، ولا تحسن بوجه من الوجوه، فهي صادرةٌ عن الظلمة
دون النور.
وبطلان مذهب هؤلاء أظهرُ من نار على عَلَم، ولئن سلَّمنا أنَّ أحداً من الناس
يقول ذلك، فهو مردود، وغالب الأدلة التي تُذكر في هذا الباب مبنيٌّ على الحسن
والقبح العقليين، وقد نفاهما أهل السنة والجماعة، وأقاموا الأدلة على بطلانهما،
وشيوع ذلك في كتب الكلام يجعل نقله هنا من لغو الكلام، على أنَّا نقول: إن لله
تعالى صفتي لطف وقهر، ومن الواجب في الحكمة أن يكون الملك - لاسيما ملك
الملوك - كذلك؛ إذ كلٌّ منهما من أوصاف الكمال، ولا يقوم أحدهما مقام الآخر،
ومن منع ذلك فقد کابر، وقد مدح في الشاهد ذلك كما قيل:
يَدَاكَ يَدْ خَيْرُها يُرْتَجَى
وأُخرَى لأَغْدَائِها غَائِظَةٌ(١)
فلما نظر الله سبحانه إلى ما علمه من الماهيات الأزلية والأعيان الثابتة، ورأى
فيها مَنِ استعدَّ للخير وطلبه بلسان استعداده، ومَن استعدَّ للشرِّ وطلبه كذلك، أفاض
على كلِّ بمقتضى حكمته ما استعذَّ له، وأعطاه ما طلبه منه، ثم كلَّفه ورشَّبه ورقَّبه
إتماماً للنعمة، وإظهاراً للحُجَّة؛ إذ لو عذَّبه وأظهر فيه صفةً قهره قبل أن يُنذره
(١) البيت لطرفة بن العبد في ملحق ديوانه ص ١٥٥، وشرح التصريح ١٨٢/١، والمقاصد
النحوية ١/ ٥٧٢ .

الآية : ٧
٤٠٧
سُورَةُ الْبَقَة
لربَّما قال: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَقَّبِعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَّذِلَّ وَغَخْزَى﴾
[طه: ١٣٤] فالتعذيب وإن لم يكن فيه نفعٌ له سبحانه بالمعنى المألوف، لكنه من آثار
القهر، ووقوعُ فريق في طريق القهر ضروريٌّ في حكمته تعالى، وكلُّ ما تقتضيه
حكمته تعالى وكماله حسن، وإن شئت فقل: إنَّ صفتي اللطف والقهر من مستتبعات
ذاته التي هي في غاية الكمال، ولهما متعلِّقات في نفس الأمر مستعدة لهما في
الأزل استعداداً غير مجعول، وقد علم سبحانه في الأزل التعلَّقات والمتعلّقات،
فظهرت طِبْقَ ما علم، ولو لم تظهر كذلك لزم انقلاب الحقائق وهو محال؛
فالإيمان والكفر في الحقيقة ليسا سبباً حقيقيًّا علةً تامةً للتنعيم والتعذيب،
وإنما هما علامتان لهما، دعت إليهما الحكمة والرحمة. وهذا معنى ما ورد في
الصحيح: ((اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له))(١).
أما من كان - أي: في علم الله - من أهل السعادة المستعدَّة لها ذاته، فسييسَّر -
بمقتضى الرحمة - لعمل أهل السعادة؛ لأنَّ شأنه تعالى الإفاضة على القوابل بحسب
القابليات، وأما من كان في الأزل والعلم القديم من أهل الشقاوة التي ثبتت لماهيته
الغير المجعولة أزلاً، فسييسَّر - بمقتضى القهر - لعمل أهل الشقاوة، وفي ذلك تظهر
المنَّة وتتمُّ الحجة، ولا يَرِدُ قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَلَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]
لأنَّ نفي الهداية لنفي المشيئة، ولا شكَّ أنَّ المشيئة تابعةٌ للعلم، والعلمُ تابعٌ لثبوت
المعلوم في نفس الأمر، كما يشير إليه قوله تعالى في المستحيل الغير الثابت في
نفسه: ﴿أَنْ تُُِّونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ٣٣] وحيث لا ثبوت للهداية في
نفسها لا تعلّق للعلم بها، وحيث لا تعلَّق، لا مشيئة، فسبب نفي إيجاد الهداية نفيُ
المشيئة، وسبب نفي المشيئة تقرُّر عدم الهداية في نفسها، فيؤول الأمر إلى أنَّ سبب
نفي إيجاد الهداية انتفاؤها في نفس الأمر، وعدمُ تقرُّرها في العلم الأزلي: ﴿وَلَوْ
عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ﴾ [الأنفال: ٢٣].
فإذا انتقش هذا على صحيفة خاطرك، فنقول: قولهم: الضرر الخالي عن النفع
قبيح بديهة، ليس بشيء؛ لأنَّ ذلك ضرر من آثار القهر التابع للذات الأقدس، ومتى
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٦٢١)، والبخاري (٤٩٤٩)، ومسلم (٢٦٤٧) من حديث
علي څ﴾.

سُوَّةُ الْبَّفْعَة
٤٠٨
الآية : ٧
خلا عن القهر كان - عزَّ شأنه عما يقوله الظالمون - كالأقطع الذي ليس له إلا يدٌ
واحدة، بل من أنصفَه عقلُه يعلم أنَّ الخلوَّ عن صفة القهر يُخلُّ بالربوبية، ويسلب
إزار العظمة، ويحظُّ شأن الملكيَّة؛ إذ لا يرهب منه حينئذٍ، فيختلُّ النظام وينحلُّ بندُ
هذا الانتظام.
على أنَّ هذه الشبهة تستدعي عدم إيلام الحيوان في هذه النشأة، لا سيَّما البهائم
والأطفال الذين لا ينالهم من هذه الآلام نفعٌ بالكلية، لا عاجلاً ولا آجلاً، مع أنَّا
نشاهد وقوعَ ذلك أكثرَ من نجوم السماء، فما هو جوابهم عن هذه الآلام منه
سبحانه في هذه النشأة، مع أنه لا نفعَ له منها بوجهٍ، فهو جوابنا عن التعذيب في
تلك النشأة.
وقولهم: إنَّ الكافر لا يظهر منه إلا العصيان، فتكليفه متى حصل ترتَّب عليه
العذاب .. إلخ، ففيه أنَّ الكافر في علم الله تعالى حسب استعداده متعشِّقٌ للنار
تعشُّقَ الحديد للمغناطيس وإن نفر عنها، نافرٌ عن الجنة نفور الظلمة عن النور وإن
تعشَّقها، فهو إن كُلِّف وإن لم يكلّف لا بدّ وأن يُعذَّب فيها، ولكنَّ التكليف
لاستخراج ما في استعداده من الإباء لإظهار الحجة، والكفرُ مجرَّد علامة: ﴿وَمَا
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣].
وقولهم: هو سبحانه الخالق لداعية المعصية، مسلَّمٌ، لكنه خلقها وأظهرها طبق
ما دعا إليه الاستعداد الذاتيُّ الذي لا دخل للقدرة إلا في إيجاده، وأيُّ قبحٍ في
إعطاء الشيء ما طلبه بلسان استعداده، وإن أضرَّ به، ولا يلزم الله تعالى عقلًاً أن
يترك مقتضى حكمته ويبطل شأن ربوبيته، مع عدم تعلَّق علمه بخلاف ما اقتضاه ذلك
الاستعداد.
وقولهم: هب أنَّا سلَّمنا العقاب، فمن أين الدوام إلخ. قلنا: الدوام من خُبث
الذات وقُبح الصفات، الثابتَين فيما لم يزل الظاهرَين فيما لا يزال بالإباء بعد
التكليف، مع مراعاة الحكمة، وهذا الخبثُ دائمٌ فيهم ما دامت حكمة الله تعالى
الذاتية وذواتهم، كما يرشدك إلى ذلك قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوَأْ عَنْهُ﴾
[الأنعام: ٢٨] ويدوم المعلول ما دامتْ عِلَّته، أو يقال: العذاب - وهو في الحقيقة
البعد من الله - لازمٌ للكفر، والملزوم لا ينفكُّ من اللازم، وأيضاً الكفر مع ظهور

الآية : ٧
٤٠٩
سُورَةُ الَّقَة
البرهان في الأنفس والآفاق بمن لا تتناهى كبرياؤه ولا تنحصر عظمته، أمرٌ لا يحيط
نطاقُ الفكر بقبحه، وإن لم يتضرر به سبحانه، لكن الغيرة الإلهية لا ترتضيه، وإن
أفاضته القدرة الأزلية حسب الاستعداد بمقتضى الحكمة، ومثل ذلك يطلب عذاباً
أبديًّا وعقاباً سرمديًّا، وشبيهُ الشيء منجذبٌ إليه، ولا يقاس هذا بما ضربه من
المثال؛ إذ أين ذلة(١) التراب من عزَّة ربِّ الأرباب، وليس مورد المسألتين منهلاً
واحداً.
وقولهم: من تاب من الكفر ولو بعد حين تاب الله عليه، أَفَتَرى أنَّ هذا الكرم
العظيم يذهب في الآخرة، أو تسلب عقول أولئك المعذّبين فلا يتوبون .. إلخ.
ففيه أنَّ من تاب من الكفر فقد أبدل القبيح بضدِه، وأظهر سبحانه مقتضى ذاته
وماهيته المعلومة له حسب علمه، فهناك حينئذ كفرٌ قبيحٌ زائل، وإيمانٌ حسنٌ ثابت،
وقد انضمَّ إلى هذا الإيمان ندمٌ على ذلك الكفر في دار ينفع فيها تَدارُكُ ما فات،
والندم على الهفوات، فيصير الكفر بهذا الإيمان كأن لم يكن شيئاً مذكوراً؛ إذ يقابل
القبيح بالحسن ويبقى الندم - وهو ركن التوبة - مكسباً، على أنَّ ظهور الإيمان بعد
الكفر دليلٌ على نجابة الذات في نفسها وطهارتها في معلوميَّتها، والأعمال
بالخواتيم، فلا بدع في مغفرة الله تعالى له جوداً وكرماً.
ورحمة الله تعالى وإن وسعت كل شيءٍ ببعض اعتباراتها إلا أنها خصَّت المتَّقين
باعتبار آخر، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فهي كمعيَّته سبحانه الغير المكيفة، ألا تسمع قوله
تعالى مرَّة: ﴿مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَّ
أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهِّرْ﴾ [المجادلة: ٧]، وتارة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ
وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] وكرَّة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وطوراً:
مُعِى رَبِى﴾ [الشعراء: ٦٢].
ولا ينافي كون الرحمة أوسع دائرة من الغضب كما يرمز إليه: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى
اُلْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أنَّ الكفار المعذَّبين أكثر من المؤمنين المنعَّمين، كما يقتضيه
(١) قوله: ذلة، ليس في الأصل.

سُوْلَةُ الْبَقَة
٤١٠
الآية : ٧
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] وكذا حديث البعث؛
لأن هذه الكثرة بالنسبة إلى بني آدم، وهم قليلون بالنسبة إلى الملائكة والحور
والغلمان: ﴿وَمَا يَقْلَمُ جُدَ رَيِّكَ إِلَّا هُوْ﴾ [المدثر: ٣١] ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]
فيكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب، على أنَّ أهل النار مرحومون في
عذابهم، وما عند الله تعالى من كل شيء لا يتناهى، وبعض الشرِّ أهون من بعض،
وهم مختلفون في العذاب، وبين عذاب كل طبقة وطبقة ما بين السماء والأرض،
وإن ظنَّ كلٌّ من أهلها أنه أشدُّ الناس عذاباً، لكنَّ الكلام في الواقع، بل منهم من
هو ملتذّ بعذابه من بعض الجهات، ومنهم غير ذلك، نعم فيهم مَنْ عذابُه محضّ
لا لذة لهم فيه، ومع هذا يمقتون أنفسهم لعلمهم أنها هي التي استعدَّت لذلك،
ففاض عليها ما فاض من جانب المبدأ الفياض، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ
اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠] ومن غفل منهم عن ذلك نبّهه إبليس عليه
اللعنة، كما حكى الله عنه بقوله: ﴿فَلَ تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]
ولا تنفعهم التوبة هناك كما تنفعهم هنا؛ إذ قد اختلفت الداران وامتاز الفريقان،
وانتهى الأمد المضروب لها بمقتضى الحكمة الإلهية.
وقد رأينا في الشاهد أنَّ لنفع الدواء وقتاً مخصوصاً إذا تعدَّاه ربما يؤثر ضرراً،
ومن الكفار من يعرف أنه قد مضى الوقت وانقضى ذلك الزمان، وأنَّ التوبة
إنما كانت في الدار الدنيا ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَرْجِعُونِ ( لَعَلَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَكْتُ﴾
[المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] ولما كان هذا طلب عارفٍ من وجه، جاهلٍ من وجه آخر،
قال الله تعالى في مقابلته: ﴿كَلََّّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَاْ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] ولم يغلظ
عليه كما أغلظ على من قال: ﴿رَبَّ أَخْرِحْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدِّنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾
[المؤمنون: ١٠٧] حيث صدر عن جهل محض، فأجابهم بقوله: ﴿أَخْسَنُواْ فِيَهَا وَلَا
تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فلما اختلف الطلب اختلف الجواب، وليس كلُّ دعاءٍ
يُستجاب، كما لا يخفى على أولي الألباب.
وقولهم: بقي التمسك بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد اليقين، فلا تُعارِض الأدلة
العقلية المفيدة له. فيقال فيه: إن أرادوا أنَّ هذه الأدلة العقلية مفيدةٌ لليقين، فقد
علمتَ حالها وأنها كسراب بقيعة، وليتها أفادت ظنًّا، وإن أرادوا مطلق الأدلة

الآية : ٧
٤١١
سُورَةُ الْبَّفَقَة
العقلية، فهذه ليست منها، على أنَّ كون الدلائل اللفظية لا تفيد اليقين، إنما هو
مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة، والحق أنها قد تفيد اليقين بقرائنَ مشاهَدَةٍ أو
متواترة تدلُّ على انتفاء الاحتمالات، ومن صدق القائل يُعلم عدم المعارض
العقلي، فإنه إذا تعيَّن المعنى وكان مراداً له، فلو كان هناك معارض عقليٍّ لزم
كذبه، نعم في إفادتها اليقين في العقليات نظرٌ؛ لأنَّ كونها مفيدة لليقين مبنيٌّ على
أنه هل يحصل بمجردها والنظر فيها - وكون قائلها صادقاً - الجزمُ بعدم المعارض
العقلي؟ وأنه هل للقرينة التي تشاهد أو تنقل تواتراً مدخلٌ في ذلك الجزم؟ وحصول
ذلك الجزم بمجرَّدها ومدخلية القرينة فيه، مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه؛
الإثبات والنفي، فلا جَرَمَ كانت إفادتها اليقين في العقليات محلَّ نظر وتأمُّل.
إن قلت: إذا كان صدق القائل مجزوماً به، لزم منه الجزم بعدم المعارض في
العقليات، كما لزم منه في الشرعيات، وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما، فلا فرق
بینھما .
قلت: أجاب بعض المحققين بأنَّ المراد بالشرعيات أمورٌ يجزم العقل بإمكانها
ثبوتاً وانتفاء ولا طريق إليها، وبالعقليات ما ليس كذلك، وحينئذ جاز أن يكون من
الممتنعات، فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم المعارض العقلي
للدليل النقلي في العقليات، وإن حصل الجزم به في الشرعيات، وذلك بخلاف
الأدلة العقلية في العقليات، فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم المعارض؛ لأنها مركّبةٌ
من مقدِّمات عُلم بالبديهة صحَّتُها، أو عُلم بالبديهة لزومها مما علم بالبديهة صحته،
وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها؛ لأنَّ أحكام البدیھة لا تتعارض بحسب نفس
الأمر أصلاً.
هذا وقال الفاضل الرومي: هاهنا بحث مشهور، وهو أنَّ المعنيَّ بعدم المعارض
العقلي في الشرعيات صدقُ القائل، وهو قائمٌ في العقليات أيضاً، وما لا يحكم
العقل بإمكانه ثبوتاً أو انتفاءً لا يلزم أن يكون من الممتنعات، لجواز إمكانه الخافي
من العقل، فينبغي أن يُحمل كلُّ ما عُلِمَ أنَّ الشرع نطق به على هذا القسم، لئلا يلزم
كذبه وإبطال قطع العقل بصدقه، فالحق أنَّ النقليَّ يفيد القطع في العقليات أيضاً،
ولا مخلص إلا بأن يقال: المراد أنَّ النظر في الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات

سُورَةُ الْبَفَة
٤١٢
الآية : ٧
يفيد الجزم بعدم المعارض، لأجل إفادة الإرادة من القائل الصادق جزماً، وفي
العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر، بناء على أنَّ إفادته الإرادة محتملة. انتهى.
وقد ذهب الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه إلى تقديم الدليل النقلي على العقلي، فقال
في الباب الثاني والسبعين والأربع مئة من ((الفتوحات))(١):
عَلَى السَّمْعِ عَوَّلنا فكُنَّا أُولِي النَّهَى ولا عِلْمَ فيما لا يكونُ عَنِ السَّمْعِ
وقال قدس سره في الباب الثامن والخمسين والثلاث مئة:
قَدْ بناهُ العَقْلُ بالكَشْفِ انْهَدَمْ
كَيفَ للعَقْلٍ دَلِيْل والذي
تَكُ إنْساناً رَأَى ثُمَّ حرمْ
فَنَجاةُ النَّفْسِ في الشَّرْعِ فَلا
فَازَ بِالخَيْرِ عَبِيْدٌ قَدْ عَصَمْ
وَاعْتَصِمْ بِالشَّرْعِ في الكَشْفِ فَقَدْ
واْرَكَنْهُ مثلَ لحمٍ في وَضَمْ
أَهْمِلِ الفِكْرَ فلا تَحْفَلْ بهِ
بوِ فِيْهِ تَكُ شَخْصَاً قَدْ رُحمْ
إنّ لِلفِكْرٍ مَقَاماً فاعْتَضِدْ
هُوَ علم فِيْهِ فَلْتَعْتَصمْ
كُلّ عِلْمٍ يَشْهَدُ الشَّرْعُ لهُ
طورك الزَمْ ما لَكُمْ فِيْهِ قَدمْ(٢)
وإذا خَالَفَهُ العَقْلُ فَقُلْ
ويؤيد هذا ما روي عن الشافعيِّ رَّبله أنه قال: إنَّ للعقل حدّاً ينتهي إليه، كما أنَّ
للبصر حدًّا ينتهي إليه. وقال الإمام الغزالي: ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم
العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه مالا يظهر في العقل، كما لا تستبعد
أن يكون العقل طوراً وراء التمييز والإحساس ينكشف فيه عوالم وعجائب يقصر
عنها الإحساس والتمييز، إلى آخر ما قال.
ففيما نحن فيه في القرآن والسنة المتواترة ما لا يحصى مما يدلُّ على الخلود
في النار وفي العذاب دلالة واضحة لا خفاء فيها، فتأويلها كلِّها بمجرَّد شُبَهِ أضعفُ
من حبال القمر، والعدول عنها إلى القول بنفي العذاب أو الخلود فيه مما لا ينبغي،
(١) ٤ / ١٠٤.
(٢) الفتوحات المكية ٣١/٣، وهي فيه في الباب الثامن وثلاث مئة.

الآية : ٧
٤١٣
سُوَّةُ الْبَقَة
لاسيما في مثل هذه الأوقات التي فيها الناس كما ترى، على أنَّ هذه التأويلات في
غاية السخافة؛ إذ كيف يتصور حقيقة الدعاء من ربِّ الأرض والسماء؟ أم كيف
يكون التعليق بعد النظر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ
ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]؟ أم كيف يقبل أن يكون الإخبار عن الاستحقاق دون
الوقوع على ما فيه في مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]
و﴿ُلَا نَضِمَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما ما ينقل عن بعض السلف الصالح - وكذا عن حضرة مولانا الشيخ الأكبر
ومن حذا حذوه من السادة الصوفية ﴿ه - من القول بعدم الخلود، فذلك مبنيٌّ على
مشربٍ آخر وتجلٌّ لم ينكشف لنا، والكثير منهم قد بنى كلامه على اصطلاحات
ورموز وإشارات، قد حال بيننا وبين فهمها العوائق الدنيوية والعلائق النفسانية،
ولعل قولَ مَن قال بعدم الخلود ممن لم يسلك مسلك أهل السلوك مبنيٌّ على عدم
خلود طائفة من أهل النار، وهم العصاة مما دون الكفر، وإن وقع إطلاق الكفر
عليهم حمل على معنى آخر، كما حمل - على رأي - في قوله وَيفيه: ((من ترك الصلاة
فقد كفر))(١)، على أنَّ الشيخ قُدِّس سرُّه كم وكم صرَّح في كتبه بالخلود فقال في
عقيدته الصغرى أول ((الفتوحات)): والتأبيد لأهل النار في النار حق(٢). وفي الباب
الرابع والستين في بحث ذبح الموت ونداء المنادي: يا أهل النار خلود ولا خروج،
ما نصُّه: ويغتُّ أهل النار أشدَّ الغمِّ لذلك، ثم تغلق أبواب النار غلقاً لا فتح بعده،
وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضهم في بعض ليعظم انضغاطهم فيها، ويرجع
أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها، ويرى الناسُ والجنُّ فيها مثل قطع اللحم في القدر
التي تحتها النار العظيمة، تغلي كغلي الحميم، فتدور في الخلق علوًّا وسفلاً
﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧](٣) .
وذكر الشيخ عبد الكريم الجيلي(٤) في كتابه المسمَّى بـ ((الإنسان الكبير»، وفي
(١) أخرجه أحمد (٢٣٠٠٧)، من حديث بريدة ـ
(٢) الفتوحات ٣٨/١.
(٣) الفتوحات ٣١٦/١.
(٤) هو عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي القادري الحنبلي الصوفي، له تفسير القرآن
الكريم، توفي سنة (٥٠٨هـ). ذيل كشف الظنون ٣٠٤/٣.

سُورَةُ البَرَة
٤١٤
الآية : ٧
شرح لباب الأسرار من ((الفتوحات)): أنَّ مراد القوم بأنَّ أهل النار يخرجون منها
هم عصاة الموحّدين لا الكفار، وقال: إياك أن تحمل كلام الشيخ محيي الدين
وغيره من الصوفية - في قولهم بانتهاء مدة أهل النار من العصاة - على الكفار،
فإنَّ ذلك كذبٌ وخطأ، وإذا احتمل الكلام وجهاً صحيحاً وجب المصير إليه.
انتھی.
نعم قال قدِّس سرُّه في تفسير الفاتحة من ((الفتوحات)) (١). فإذا وقع الجدار
وانهدم السور، وامتزجت الأنهار والتقى البحران، وعُدم البرزخ: صار العذاب
نعيماً وجهنم جنة، ولا عذاب ولا عقاب إلا نعيم وأمان، بمشاهدة العيان .. إلخ.
وهذا وأمثاله محمولٌ على معنى صحيح يعرفه أهل الذوق، لا ينافي ما وردت
به القواطع، وقصارى ما يخطر لأمثالنا فيه أنه محمولٌ على مسكن عصاة هذه
الأمة من النار، وفيه: يضع الجبار قدمه ويتجلَّى بصفة القهر على النار فتقول:
قط قط(٢)، ولا تطيق تجلِّيه فتخمد، ولا بُعْدَ أن تلحق بَعْدُ بالجنة، وإياك أن
تقول بظاهره مع ما أنت عليه، وكلما وجدت مثل هذا لأحد من أهل الله تعالى
فسلِّمه لهم بالمعنى الذي أرادوه مما لا تعلمه أنت ولا أنا، لا بالمعنى الذي
ينقدح في عقلك المشوب بالأوهام، فالأمر والله وراء ذلك، والأخذ بظواهر هذه
العبارات النافية للخلود في العذاب، وتأويل النصوص الدالة على الخلود في النار
بأن يقال: الخلود فيها لا يستلزم الخلود في العذاب لجواز التنعُّم فيها، وانقلاب
العذاب عذوبة، مما يجرُّ إلى نفي الأحكام الشرعية وتعطيل النبوات، وفتح باب
لا يُسدّ.
وإن سوَّلت نفسك لك ذلك، قلبنا البحث معك، ولنأتينَّك بجنود من الأدلة
لا قِبَلَ لك بها، وما النصر إلا من عند الله، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الروم: ٤٧]، ولا يوقعنَّك في الوهم أنَّ الخلود مستلزمٌ لتناهي التجلِّيات، فالله تعالى
هو الله، وكلَّ يوم هو في شأن: ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَّكُن مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]
(١) ١/ ١١٤.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٧١٨)، والبخاري (٤٨٤٨)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٥) عن
أبي هريرة

الآية : ٨
٤١٥
سُورَةُ الْبَكْنَة
ولا أظنُّك تجد هذا التحقيق من غيرنا، والحمد لله رب العالمين.
هذه الآية
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِلَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
وما بعدها إلى آخر القصة معطوفة على قصة ((إن الذين كفروا)) وكلٍّ من المتعاطفين
مسوقٌ لغرض، إلا أنَّ فيهما من النعي على أهل الضلال ما لا يخفى، وقد سيقت
هذه الآية إلى ثلاث عشرة آية لنعي المنافقين الذين ستروا الكفر وأظهروا الإسلام،
فهم بحسب الظاهر أعظمُ جُرماً من سائر الكفار، كما يُشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ
اْنَفِقِينَ فِ الذَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
والناس، أصله عند سيبويه (١) والجمهور: أناس، وهو جمعٌ أو اسم جمع
لإنسان، وقد حُذفت فاؤه تخفيفاً، فوزنه فعال(٢)، ويشهد لأصله: إنسان وإنس
وأناسي، ونقصه وإتمامه جائزان إذا نُكِّر، فإذا عُرِّف بأل فالأكثر نقصه - ومن عُرِّف
خُصَّ بالبلاء - ويجوز إتمامه على قلة كما في قوله:
إنَّ المَنايا يَطَّلِعْ نَ عَلَى الْأُناسِ الآمِنِيْنَا(٣)
وهو مأخوذٌ من الأُنس ضد الوحشة، لأنسه بجنسه؛ لأنه مدنيٌّ بالطبع، ومن
هنا قيل :
وَمَا سُمِّي الإِنْسَانُ إلا لأُنْسِهِ وَلا القَلْبُ إِلا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ(٤)
أو من أنّسَ، أي: أَبْصرَ، قال الله تعالى: ﴿وَ مِن جَانِ الُْورِ ثَارًا﴾
[القصص: ٢٩] وجاء بمعنى سمع وعلم، وسُمِّي به؛ لأنه ظاهرٌ محسوس، وذهب
السكاكيُّ(٥) إلى أنه اسمٌّ تامٌّ، وعينه واو، من نَوَسَ إذا تحرك، بدليل تصغيره على
(١) الكتاب ١٩٦/٢ .
(٢) أي أن وزن ناس: فُعال، كما ذكر الزمخشري في الكشاف ١٦٦/١، وقال: لأن الزِّنة على
الأصول، ألا تراك تقول في وزن قِهِ: افعل، وليس معك إلا العين وحدها .
(٣) البيت لذي جدن الحميري، كما في الخزانة ٢٨٧/٢-٢٨٨، ودون نسبة في الخصائص
١٥١/٣، وأمالي ابن الشجري ١٨٨/١.
(٤) البيت في تفسير القرطبي ٢٩٤/١، والدر المصون ١١٩/١، وزهر الأكم ٣٠١/١.
(٥) كذا في الأصل و (م)، والصواب الكسائي، كما في البحر ٥٢/١، والدر المصون ١١٩/١،
وحاشية الشهاب ٣٠١/١، وعنه نقل المصنف.

سُورَةُ الْبَدَة
٤١٦
الآية : ٨
نُويس، فوزنه فَعَل. وفي ((الكشاف))(١): أنه من المصغّر الآتي على خلاف مكبَّره؛
كأَنَيْسَان ورُوَیْجل.
وقيل: مِن نسي بالقلب؛ لقوله تعالى في آدم عليه السلام: ﴿فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ.
عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وهذا مرويٌّ عن ابن عباس ﴿ًُّا، فوزنه حينئذ ((فلع))، ولا يستعمل
في الغالب إلا في بني آدم، وحكى ابن خالويه عن ناس من العرب: أناس من
الجن، قال أبو حيان: وهو مجاز(٢). وإذا أُخذ من نَوَسَ يكون صدق المفهوم على
الجن ظاهراً، لاسيما إذا قلنا: إنَّ النَّوس تذبذبُ الشيء في الهواء.
وعن سلمة بن عاصم(٣) أنه جزم بأنَّ كلاً من ناس وأناس مادة مستقلة.
واللام فيه إما للجنس أو للعهد الخارجي، فإن كان الأول فـ (مَن)) نكرة
موصوفة، وإن كان الثاني فهي موصولة مراداً بها عبد الله بن أبيّ وأشياعه، وجوَّز
ابن هشام وجماعة أن تكون موصولة على تقدير الجنس، وموصوفة على تقدير
العهد(٤)؛ لأنَّ بعض الجنس قد يتعيَّن بوجه ما، وبعض المعيَّنِينَ قد يُجهل باعتبار
حال من أحواله؛ كأهل محلة محصورين فيهم قاتل لم يعرف بعينه كونه قاتلاً، وإن
عرف شخصه، فلا وجه للتخصيص عند هؤلاء، وقيل: إنَّ التخصيص هو الأنسب؛
لأنَّ المعرَّف بلام الجنس لعدم التوقيت فيه قريبٌ من النكرة، وبعض النكرة نكرة،
فناسب مَنْ الموصوفة للطباق، والأمر بخلافه في العهد، وعلى هذا الأسلوب ورد
قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ﴾
[التوبة: ٦١] لأنه أريد في الأول الجنس، وفي مرجع الضمير في الثاني طائفةٌ معينةٌ
من المنافقين، ولما كان في الآية تفصيلٌ معنويٌّ؛ لأنه سبحانه ذكر المؤمنين ثم
الكافرين ثم عقّب بالمنافقين، فصار نظيراً للتفصيل اللفظي، وفي قوَّة تفصيل الناس
إلى مؤمن وكافر ومنافق - تضمَّن الإخبار عمَّن يقول بأنه من الناس - فائدة، ولك أن
(١) ١٦٦/١-١٦٧.
(٢) البحر المحيط ١/ ٥٢.
(٣) هو أبو محمد النحوي، من نحاة الكوفة، روى عن الفراء كتبه، وحدث عن ثعلب، وقال ابن
الجزري: توفي بعد السبعين ومئتين فيما أحسب. طبقات القراء ٣١١/١، وإنباه الرواة ٢/ ٥٦.
(٤) مغني اللبيب ص٤٣٣ و ٧٣٨، والكلام من حاشية الشهاب ٣٠٤/١.

الآية : ٨
٤١٧
سُورَةُ الْبَّكَفَة
تحمله على معنى: من يختفي من المنافقين معلومٌ لنا، ولولا أنَّ الستر من الكرم
فضحته، فيكون مفيداً أيضاً وملوِّحاً إلى تهديدٍ ما .
وقيل: المراد بكونهم من الناس: أنهم لا صفة لهم تميِّزهم سوى الصورة
الإنسانية، أو المراد التنبيه على أنَّ الصفات المذكورة تنافي الإنسانية، فيتعجّب
منها، أو مناط الفائدة الوجود، أي: إنهم موجودون فيما بينهم، أو إنهم من الناس
لا من الجن؛ إذ لا نفاق فيهم، أو المراد بالناس المسلمون، والمعنى: إنهم يُعَدُّون
مسلمين أو يُعامَلون معاملتهم فيها لهم وعليهم، ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه
من الكُلَف والتكلُّف، ولكل ساقطةٍ لاقطة.
واختار أبو حيان هنا أن تكون ((من)) موصولة مدَّعياً أنها إنما تكون موصوفة إذا
وقعت في مكان يختصُّ بالنكرة في الأكثر، وفي غير ذلك قليل، حتى إنَّ
السكاكيّ(١) على علوّ كعبه أنكره، ولا يخفى ما فيه، ولا يرد على إرادة العهد أنه
كيف يدخل المنافقون مطلقاً في الكفرة المصرِّين المحكوم عليهم بالختم، وإن
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ الآية وقع عديلاً لـ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بياناً للقسم الثالث المذبذب،
فلا يدخل فيه. لأنَّ المراد بالمنافقين: المصمِّمون منهم المختوم عليهم بالكفر،
كما يدل عليه ﴿مُّمُ بَّكْمُّ عُتىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] لا مطلق المنافقين، ولأنَّ
اختصاصهم بخلط الخداع والاستهزاء مع الكفر لا ينافي دخولهم تحت الكفرة
المصرِّين؛ وبهذا الاعتبار صاروا قسماً ثالثاً، فالقسمة ثنائية بحسب الحقيقة ثلاثية
بحسب الاعتبار(٢)، وفي قوله تعالى: ﴿يَقُولُ﴾ و﴿ءَامَنَا﴾ مراعاةٌ للفظ ((من))
ومعناها، ولو راعى الأول فقط لقال: آمنت، أو الثاني فقط لقال: يقولون، ولمَّا
روعيا جميعاً حسن مراعاة اللفظ أولاً؛ إذ هو في الخارج قبل المعنى، والواحد قبل
الجمع، ولو عكس جاز، وزعم ابن عطية أنه لا يجوز الرجوع من جمع إلى
توحيد(٣)، ويردُّه قول الشاعر :
(١) كذا في الأصل و(م)، والصواب: الكسائي، كما في البحر ٥٤/١، ومغني اللبيب
ص٤٣٣، والدر المصون ١١٨/١، وحاشية الشهاب ٣٠٤/١.
(٢) في (م): بالاعتبار.
(٣) المحرر الوجيز ٩٠/١.

سُورَةُ الْبَغَة
٤١٨
الآية : ٨
نَ إذا کافَحَتْهُ خَيْلُ الأعادي
لَسْتُ مِمَّنْ يَكِغُ(١) أَوْ يَسْتَكِيْنُو
واقتصر من متعلِّق الإيمان على الله واليوم الآخر، مع أنهم كانوا يؤمنون
بأفواههم بجميع ما جاء به النبي ◌َّر؛ لأنهما المقصود الأعظم من الإيمان؛ إذ
من آمن بالله تعالى - على ما يليق بجلال ذاته - آمن بكتبه ورسله وشرائعه، ومن
علم أنه إليه المصير استعدَّ لذلك بالأعمال الصالحة، وفي ذلك إشعارٌ بدعوى
حيازة الإيمان بطرفيه؛ المبدأ والمعاد، وما طريقه العقل والسمع، ويتضمَّن ذلك
الإيمانَ بالنبوَّة.
أو أنَّ تخصيص ذلك بالذكر للإيذان بأنهم يُبطنون الكفر فيما ليسوا فيه منافقين
في الجملة؛ لأنَّ القوم في المشهور كانوا يهوداً، وهم مخلصون في أصل الإيمان
بالله واليوم الآخر على ظنِّهم، ومع ذلك كانوا ينافقون في كيفية الإيمان بهما،
ويُرون المؤمنين أنَّ إيمانهم بهما مثل إيمانهم، فكيف فيما يقصدون به النفاق
المحض، وليسوا مؤمنين به أصلاً كنبوة نبينا وَ له والقرآن.
أو أنهم قصدوا بتخصيص الإيمان بهما التعرُّضَ بعدم الإيمان بخاتم
الرسل وَ﴿وما بلَّغه، ففي ذلك بيانٌ لمزيد خُبثهم، وهذا لو قصد حقيقته حينئذ لم
يكن إيماناً؛ لأنه لا بدَّ من الإقرار بما جاء به وَّر، فكيف وهو مخادعة وتلبيس؟!
وقيل: إنه لما كان غرضُهم المبالغةَ في خلوص إسلامهم بأنهم تركوا عقائدهم
التي كانوا عليها في المبدأ والمعاد، واعترفوا أنهم كانوا في ضلال، خصُّوا إيمانهم
بذلك؛ لأنهم كانوا قائلين بسائر الأصول، وأما النبوة فليس في الإيمان بها اعترافٌ
بذلك، وأيضاً ترك الراسخ في القلب مما عليه الإباء بترك الإيمان به {38 من
المسلّمات، فكأنهم لم يتعرضوا له للإشارة إلى أنه مما لا شُبهة في أنهم معتقدون
له بعد اعتقادهم ما هو أشدُّ منه عليهم.
وحَمْلُ ((بالله واليوم الآخر) على القسم منهم على الإيمان سمجٌ (٢) بالله،
وأسمج منه بمراتب حملُه على القَسَم منه تعالى على عدم إيمانهم بتقدير: ما آمنوا،
(١) أي: يجبن ويضعف. اللسان (كعع).
(٢) السمج: القبح. اللسان (سمج).