النص المفهرس

صفحات 381-400

الآية : ٦
٣٧٩
سُورَةُ الْجَفَقَة
زعماً أنَّ شرح تمرُّد الكفار يؤكّد كون الكتاب كاملاً في الهداية، نعم يمكن على
بُعْدٍ أن يوجَّه السؤال بأن يقال: لو كان الكتاب كاملاً لكان ھدی للكفار أيضاً،
فيجاب: بأنَّ عدم هدايته إياهم لتمرُّدهم وتعتُتهم، لا لقصورٍ في الكتاب:
والنَّجْمُ تَسْتَصْغرُ الأبْصارُ رُؤْیته
والذَّنبُ للطّرْفِ لا للنّجمِ في الصّغرِ(١)
والعطف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ ﴿ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَّفِى ◌َِرٍ﴾
[الانفطار: ١٣-١٤] لاتِّحاد الجامع؛ إذ الجملة الأولى مسوقةٌ لبيان ثواب الأخيار،
والثانية لذكر جزاء الأشرار، مع ما فيهما من الترصيع والتقابل، وقد عُدَّ التضادُّ
وشِبههُ جامعاً يقتضي العطف؛ لأنَّ الوهم يُنزل المتضادّين منزلة المتضايفين،
فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن، حتى قالوا: إنَّ الضدَّ أقرب خطوراً (٢) بالبال
مع الضدِّ من الأمثال.
وصُدِّرت الجملة بـ ((إن)) اعتناءً بمضمونها، وقد تُصدَّر بها الأجوبة؛ لأنَّ السائل
لكونه متردِّداً يناسبه التأكيد، وتعريف الموصول إما للعهد(٣) والمراد مَن شافههم
صلى الله عليه وآله وسلم بالإنذار في عهده وهم مصرُّون على كفرهم، أو للجنس
كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١] وكقول الشاعر:
وَيَسْعَى إذا أَبْني لِيَهْدِمَ صَالِچِي
وَلَيْسَ الذي يَبْنِي كَمَنْ شَأُنُّهُ الهَدْمُ(٤)
فهو حينئذٍ عامٌّ خصَّه العقل بغير المصرِّين، والإخبار بما ذكر قرينة عليه، أو
المخصِّص عودُ ضميرٍ خاصٌّ عليه من الخبر لا الخبر نفسه، وقد ذكر الأصوليون
ثلاثة أقوال فيما إذا عاد ضميرٌ خاصٌّ على العام، فقيل: يخصصه، وقيل: لا،
وقيل بالوقف، ومثلوه بقوله تعالى: ﴿وَالُْطَلَّقَتُ يَتْرَبِّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةً فُرُوَةٍ﴾
[البقرة: ٢٢٨] فإنَّ الضمير في ((بعولتهن)) للرجعيات فقط. وما ذكره بعض أجلَّة
المفسِّرين أن المخصِّص هنا الخبر، أُورد عليه أنَّ تعيُّن المخْبَر عنه بمفهوم الخبر
(١) البيت لأبي العلاء المعري، وهو في شروح سقط الزند ١/ ١٦٢.
(٢) الأصل: حضوراً، والمثبت موافق لما في حاشية الشهاب ١/ ٢٦٠، والكلام منه.
(٣) في هامش الأصل: وهو الأولى رواية ودراية.
(٤) البيت لمعن بن أوس المزني، وهو في ديوانه ص٤٢، ومعاهد التنصيص ٢٢/٤.
١

سُورَةُ الْبَّكَفَة
٣٨٠
الآية : ٦
ينافي ما تقرَّر من أنَّ المخبر عنه لا بدَّ أن يكون متعيِّناً عند المخاطَب قبل ورود
الخبر، فلو توقّف تعيُّن المخبر عنه على الخبر لزم الدور.
والكُفْر - بالضم - مقابل الإيمان، وأصله المأخوذ منه الكَفْر - بالفتح - مصدرٌ
بمعنى الستر، يقال: كَفَر يَكْفُر من باب قتل، وما في ((الصحاح)) من أنه من باب
ضرب، فالظاهر أنه غير صحيح، وإن لم ينبِّه عليه في ((القاموس))(١). وشاع استعماله
في ستر النعمة خاصة وفي مقابل الإيمان؛ لأنَّ فيه سَتْرَ الحقِّ ونِعَم الفيض المطلق.
وقد صعب على المتكلِّمين تعريف الكفر الشرعي الغير التبعي، واختلفوا في
تعريفه على حسب اختلافهم في تعريف الإيمان، إلا أنَّ الذي عَوَّل عليه الشافعية
رحمهم الله تعالى: أنه إنكارُ ما عُلِمَ مجيء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم به
مما اشتهر حتى عرفه الخواصُّ والعوام، فلا يكفّر جاحد المجمَع عليه على
الإطلاق، بل من جحد مُجمّعاً عليه فيه نصٌّ، وهو من الأمور الظاهرة التي يشترك في
معرفتها سائر الناس؛ كالصلاة وتحريم الخمر [ونحوهما، فهو كافر] (٢). ومن جحد
مُجْمَعاً عليه لا يعرفه إلا الخواصُّ؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب،
فليس بكافر، ومن جحد مُجمَعاً عليه ظاهراً لا نصَّ فيه، ففي الحكم بتكفيره خلاف.
وأما ساداتنا الحنفية ثّ فلم يشترطوا في الإكفار سوى القطع بثبوت ذلك
الأمر الذي تعلَّق به الإنكار، لا بلوغ العلم به حدَّ الضرورة، وهذا أمرٌ عظيمٌ،
وكأنه لذلك قال ابن الهمام: يجب حمله على ما إذا علم المنكِر ثبوتَه قطعاً؛ لأنَّ
مناط التكفير التكذيب أو الاستخفاف(٣). ولا يرد على أخذ الإنكار في التعريف أنَّ
(١) كذا نقل المصنف عن الشهاب في حاشيته ٢٦٤/١، ومثله نقل صاحب التاج (كفر) عن
شيخه. وما ذكره الجوهري أقره الرازي في مختار الصحاح وكذلك صاحب اللسان (كفر)،
وقال الزبيدي: قلت: لا غلط، والصواب ما ذهب إليه الجوهري والأئمة، وتبعهم المصنف
(يعني صاحب القاموس) وهو الحق، فالكَفْر الذي بمعنى الستر بالاتفاق من باب (ضرب)،
وهو غير الكفر الذي هو ضد الإيمان، فإنه من باب (نصر)، والجوهري إنما قال في الكَفْر
الذي بمعنى الستر، فظن شيخنا أنهما واحد، حيث إن أحدهما مأخوذ من الآخر.
(٢) ما بين حاصرتين زيادة من كتاب المسامرة شرح المسايرة ص ٣٠٠، وحاشية الشهاب ٢٦٤/١،
والكلام فيهما .
(٣) المسامرة شرح المسايرة ص٢٩٩، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ٢٦٤/١.

الآية : ٦
٣٨١
سُؤْلَةُ الْبَفَقَة
أهل الشرع حكموا على بعض الأفعال والأقوال بأنها كفر، وليست إنكاراً من
فاعلها ظاهراً؛ لأنهم صرَّحوا بأنها ليست كفواً، وإنما هي دالَّةٌ عليه، فأُقيم الدالُ
مُقام مدلوله؛ حماية لحرم(١) الدين، وصيانة لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه
وآله وسلم، وليست بعض المنهيات التي تقتضيها الشهوة النفسانية كذلك، فلا يبطل
الطرد بغير الكفر من الفسق(٢) فَلبسُ شعار الكفار مثلاً ليس في الحقيقة كفراً،
كما قاله مولانا الإمام الرازي(٣) وغيره، إلا أنهم كفَّروا به لكونه علامة ظاهرة على
أمر باطن وهو التكذيب؛ لأنَّ الظاهر أنَّ من يصدِّق الرسول وَّولا يأتي به، فحيث
أتى به دلَّ على عدم التصديق، وهذا إذا لم تقم قرينةٌ على ما ينافي تلك الدلالة،
ولهذا قال بعض المحققين: إنَّ لبس شعار الكفار(٤) سخرية بهم وهزلاً ليس بكفر.
وقال مولانا الشهاب: وليس ببعيد إذا قامت القرينة(٥). وأنا أقول: إذا قامت
القرينة على غرض آخر غير السخرية والهزل لا كفر به أيضاً، كما يظنُّه بعض من
ادَّعى العلم اليوم، وليس منه في قبيل ولا دبير(٦)، ولا في العير ولا النفير.
ثم الإنكار هنا بمعنى الجحود، ولا يرد أنَّ من تشكَّك أو كان خالياً عن
التصديق والتكذيب ليس بمصدِّق ولا جاحد، وأنه قولٌ بالمنزلة بين المنزلتين، وهو
باطل عند أهل السنة؛ لأنه يجوز أن يكون كفرُ الشاٌّ والخالي؛ لأنَّ تركهما الإقرار
مع السعة والأعمال بالكلية، دليل كما قاله السيالكوتي على التكذيب، كما أنَّ
التلفُّظ بكلمة الشهادة دليلٌ على التصديق.
وقيل: هو هنا من أنكرت الشيء: جهلته، فلا ورود أيضاً. وفيه: أنَّ الإنكار
(١) في (م): لحريم.
(٢) في هامش الأصل: ولا يحتاج إلى أن يقال: يجوز جعل الشارع بعض المنهيات علامة
للتكذيب، فيحكم بكفر مرتكبه. اهـ. وينظر حاشية الشهاب ٢٦٥/١.
(٣) التفسير الكبير ٣٨/٢.
(٤) في (م): الكفرة.
(٥) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ٢٦٥/١.
(٦) القبيل: ما أقبلت به المرأة من غزلها حين تفتله، والدبير: ما أدبرت به، وفي المثل:
ما يعرف قبيلاً من دبير، أي: ما يعرف الإقبال من الإدبار. ينظر أدب الكاتب ص ٤٧،
وجمهرة الأمثال ٢٨٦/٥.

سُورَةُ الْبَّنْعَة
٣٨٢
الآية : ٦
بمعنى الجهل يقابل المعرفة، فيلزم أن يكون العارف الغير المصدِّق كأحبار اليهود
واسطة، فالمحذور باقٍ بحاله.
وعرَّف في ((المواقف)) (١) الكفر بأنه: عدم تصديق الرسول وَ لؤفي بعض ما علم
مجيئه به بالضرورة. ولعلَّه أيضاً يقول بإقامة بعض الأفعال والأقوال مقام عدم
التصدیق .
واعتُرض على أخذ الضرورة بأنَّ ما ثبت بالإجماع قد يخرج من الضروريات،
وكذا براءة عائشة ؤها ثبتت بالقرآن، وأدلَّته اللفظية غير موجبة للعلم، فنخرج عن
الضروريات أيضاً .
وأجيب بأنَّ خروج ما ثبت بالإجماع عن الضروريات ممنوع، والدلالة اللفظية
تفيد العلم بانضمام القرائن، وهي موجودة في براءة عائشة پتا.
وقد عدَّ أصحابنا ﴿ه في باب الإكفار أشياء كثيرة، لا أراها توجب إكفاراً،
والإخراجُ عن الملّة أمرٌ لا يشبهه شيء، فينبغي الاتِّتاد في هذا الباب مهما أمكن،
وقول ابن الهمام أرفق بالناس، وفي (أبكار الأفكار)) في هذا البحث ما يقضي منه
العجب، ولا أرغب في طولٍ بلا طول، وفضول بلا فضل.
واستدلَّ المعتزلة بهذه الآية ونحوها على حدوث كلامه سبحانه وتعالى؛
لاستدعاء صدق الإخبار بمثل هذا الماضي سابقةً المخبَر عنه، أعني: النسبة
بالزمان، وکل مسوق بالزمان حادث.
وأجيب بأنَّ سَبْقَ المخبّر عنه يقتضي تعلُّق كلامه الأزلي بالمخبر عنه، فاللازم
سَبْقُ المخبر عنه على التعلَّق وحدوثِه، وهو لا يستلزم حدوث الكلام، كما في علمه
تعالى بوقوع الأشياء، فإنَّ له تعلَّقاً حادثاً، مع عدم حدوثه. أو يقال: إنَّ ذاته تعالى
وصفاته لما لم تكن زمانية يستوي إليها جميع الأزمنة استواء جميع الأمكنة،
فالأنواع كلٌّ منها حاضرٌ عنده في مرتبته، واختلاف التعبيرات بالنظر إلى المخاطب
الزماني رعاية للحكمة في باب التفهيم، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره، وقد ذكرنا
في الفائدة الرابعة ما يفيدك ذكره هنا فتذكَّر.
(١) ص٣٨٨.

الآية : ٦
٣٨٣
سُوَّةُ الْبَقَة
و(سواء)): اسم مصدر بمعنى الاستواء، وهو لا يثَّى ولا يجمع، وقد استغنوا
عن تثنيته بتثنية ((سيّ)(١) إلا شذوذاً، وكأنه في الأصل مصدر كما قاله الرضي.
ورُفع على أنه خبر ((إنَّ) وما بعده مرتفعٌ به على الفاعلية، كأنه قيل: إنَّ الذين كفروا
مستوٍ عليهم إنذارُك وعدمه، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: الأمران سواء، ثم بيَّن
الأمرين بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذَّرْتَّهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرّهُمْ﴾، أو خبرٌ لما بعده، أي: إنذارك
وعدمه سيَّان، وهو المشهور على ألسنة الطلبة في مثله، وأُورد عليه أمور:
الأول: أنَّ الفعل لا يُسند إليه. الثاني: أنه مبطلٌ لصدارة الاستفهام. الثالث:
أنَّ الهمزة و((أم)) موضوعان لأحد الأمرين، وكلُّ ما يدلُّ على الاستواء لا يسند
إلا إلى متعدِّد، فلذا يقال: استوى وجوده وعدمه، ولا يقال: أو عدمه. الرابع: أنه
على تقدير كونه خبراً يلزم أن لا يصح تقديمه؛ لالتباس المبتدأ بالفاعل.
ويجاب، أمَّا عن الأول: فبأنه من جنس الكلام المهجورِ فيه جانبُ اللفظ إلى
جانب المعنى، والعرب تميل في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاً بيِّناً، ومن
ذلك: لا تأکل السمك وتشرب اللبنَ، أي: لا یکن منك أکلُ السمك وشربُ
اللبن، ولو أُجري على ظاهره لزم عطف الاسم المنصوب على الفعل، بل المفرد
على جملة لا محلَّ لها .
ودعوى البيضاوي(٢) - بيَّض الله تعالى غُرَّة أحواله - أنه استعمل فيه اللفظ في
جزءٍ معناه - وهو الحدث - تجوُّزاً، فلذا صحَّ الإخبار عنه، كما يجوز الإخبار
عما يُراد به مجرَّدُ لفظه؛ كضرب: ماضٍ مفتوح الباء، على ما فيها لا تتأتى فيما إذا
كان المعادلان - أو أحدهما - بعد همزة التسوية جملةً اسمية، كما في قوله تعالى:
﴿سَوَهُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] ويدخل في الميل مع المعنى
مع أنه لا يلزم عليه الخروج عن الحقيقة، وقد نقل ابن جني عن أبي علي أنه قال:
الجملة المركبة من المبتدأ والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بـ ((أن)) إذا انتصب،
وانصرف القول به والرأي فيه إلى مذهب المصدر؛ كقوله تعالى: ﴿هَل ◌َّكُمْ مِّن مَّا
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِىِ مَا رَزَقْتَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَّآءٌ﴾ [الروم: ٢٨] وكقوله سبحانه
(١) بمعنى مثل - وهو نظير سواء - تقول: هما سِيَّن، أي: مثلان.
(٢) في تفسيره ٦٨/١ .

الآية : ٦
٣٨٤
سُورَةُ الْبََّة
وتعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: ٣٥] ألا ترى أنَّ الفاء جواب الاستفهام
وهي تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بـ((أن)) مضمرة، والفعل المنصوب مصدرٌ
لا محالة حتى كأنه قال: أعنده علم الغيب فرؤيته، وهل بينكم شركة فاستواء.
وأما عن الثاني والثالث: فبأنَّ الهمزة و ((أم)) انسلخا عن معنى الاستفهام عن أحد
الأمرين، ولما كانا مستويين في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلُّق الحكم
بكليهما، ولهذا قيل: تجوَّز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها
في نسبة ما، من غير ملاحظة تقدُّم أو تأخر، ثم إنَّ مثل هذا المعنى وإن كان مراداً
إلا أنه لا يلاحظ في عنوان الموضوع بعد السبك، كما لا يلاحظ معنى العاطف،
فلا يقال في الترجمة هنا إلا: الإنذار وعدمه سواء، من غير نظر إلى التساوي، حتى
يقال: إذا كان تقدیر المبتدأ: المتساويان، يلغو حمل سواء عليه، فيدفع بما يدفع، وقد
قال الإمام الأقسرائي(١): إن إنذرتهم إلخ. انتقل عن أن يكون المقصود أحدهما إلى
أن يكون المراد كليهما، وهذا معنى الاستواء الموجود فيه، وأما الحكم بالاستواء في
عدم النفع فلم يحصل إلا من قوله: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَ أَنَذَرْتَّهُمْ أَمَ لَمْ نُنذِرُهُمْ﴾ وذكر أنه ظفر
بمثله عن أبي علي الفارسي، وكلام المولى الفناري(٢) يحوم حول هذا الحمى.
وذهب بعض المحققين إلى أنهما في الأصل للاستفهام عن أحد الأمرين،
وهما مستويان في علم المستفهم، وقد ذهب ذلك الاستواء هنا إذا سُلخ
عنهما الاستفهام وبقي الاستواء في العلم، وهو معنى قول من قال: الهمزة و ((أم))
مجرَّدتان لمعنى الاستواء، فيكون الحاصل فيما نحن فيه: المتساويان في علمك
مستويان في عدم الجدوى، وهذا على ما فيه تكلُّفٌ مستغنّى عنه بما ذكرناه، ومثله
ما ذكر العاملي (٣) من أنَّ تمام معناهما الاستواء والاستفهام معاً، فجُرِّدا عن معنى
(١) هو محمد بن محمد الأقسرائي، محقق عارف مدقق، حسن السيرة، له حواش على الكشاف،
وهو حفيد الفخر الرازي، توفي سنة نيف وسبعين وسبعمائة هجرية. الفوائد البهية ص١٩١.
(٢) هو علاء الدين علي بن يوسف بن محمد الفناري، من علماء العربية، له ((شرح الكافية))،
توفي سنة (٩٠٣هـ). الفوائد البهية ص٢٢٨، والبدر الطالع ١/ ٥٠٤.
(٣) هو محمد بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الهمذاني صاحب التصانيف
والتحقيقات، له حاشية على تفسير البيضاوي وكتاب الكشكول. توفي سنة (١٠٣١هـ).
خلاصة الأثر ٣/ ٤٤٠ .

الآية : ٦
٣٨٥
سُورَةُ الْبَرَة
الاستفهام وصارا لمجرَّد الاستواء، ولتكرر الحكم بالاستواء بمعنى واحد يحصل
التأكيد، كأنه قيل: سواء الإنذار وعدمه سواء، وهو بعيد عن ساحة التحقيق
كما لا يخفى، ويوهم قولهم بالتجريد أنَّ هناك مجازاً مرسلاً استعمل فيه الكلُّ في
جزئه، والتحقيق أنه إما استعارة أو مستعمل في لازم معناه.
ثم المشهور أنه لا يجوز العطف بعد سواء بـ((أو)) إن كان هناك همزة التسوية،
حتى قال في ((المغني))(١): إنه من لحن الفقهاء. وفي ((شرح الكتاب)) للسيرافي:
(سواء)) إذا دخلت بعدها ألف الاستفهام لزمت ((أم)) كسواءٌ علي أقُمْتَ أم قعدت، فإذا
عطف بعدها أحد اسمين على آخر، عطف بالواو لا غير نحو: سواءٌ عندي زيد
وعمرو، فإذا كان بعدها فعلان بغير استفهام عطف أحدهما على الآخر بـ((أو))؛
كقولك: سواء عليَّ قمت أو قعدت، فإن كان بعدها مصدران مثل: سواء عليّ قيامك
وقعودك، فلك العطف بالواو وب((أو))، وإنما دخلت في الفعلين بغير استفهام لما في
ذلك من معنى المجازاة، فتقدير المثال: إن قمت أو قعدت فهما عليَّ سواء.
والظاهر من هذا بيان استعمالات العرب لسواء، ولم يُحك في شيء من ذلك
شذوذاً؛ فقراءة ابن محيصن من طريق الزعفراني: ((سواء عليهم أنذرتهم أو لم
تنذرهم»، شاذة روايةً فقط، لا استعمالاً كما يفهمه كلام ابن هشام(٢)، فافهم هذا
المقام، فقد غلط فيه أقوام بعد أقوام.
وأما عن الرابع: فبأنَّ النحاة قد صرَّحوا بتخصيص ذلك بالخبر الفعلي دون
الصفة، نحو: زيدٌ قام، فلا يقدم لالتباس المبتدأ بالفاعل حينئذ، فإذا لم يمتنع في
صريح الصفة فعَدَمُ امتناعه هنا أولى على ما قيل، وإنما عدل سبحانه عن المصدر
فلم يأت به على الأصل لوجهين؛ لفظي وهو حُسْنُ دخول الهمزة وأم؛ لأنهما في
الأصل للاستفهام وهو بالفعل أولى، ومعنوي وهو إيهام التجدد نظراً لظاهر
الصيغة، وفيه إشارة إلى أنه وَوأحدث ذلك وأوجده، فأدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة،
وإنما لم يؤمنوا لسبق الشقاء ودَرْك القضاء، لا لتقصير منه وحاشاه، فهو وإن أفاد
اليأس، فيه تسليةٌ لِه ◌ِله.
(١) ص ٦٣ .
(٢) مغني اللبيب ص٦٣ -٦٤، وعزا ابن هشام القراءة لكتاب الكامل للهذلي.

سُوَرَّةُ الْبََّقَة
٣٨٦
الآية : ٦
و((على)) هنا باعتبار أصل معناه؛ لأنَّ الاستواء يتعدَّى بـ((على))؛ كقوله تعالى:
﴿أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقيل: بمعنى ((عند))، ففي ((المغني)): ((على))
تجرد للظرفية(١)، وعلى ذلك أكثر المفسرين، والقول بأنها هنا للمضرَّة كدعاءٍ
عليه، ليس بشيء؛ لأنَّ ((سواء)) تستعمل مع ((على)، مطلقاً، فيقال: مودَّتي دائمة
سواء عليَّ أُزرت أم لم تزر.
والإنذار: التخويف مطلقاً أو الإبلاغ، وأكثر ما يستعمل في تخويف عذاب الله
تعالى، ويتعدَّى إلى اثنين؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنَذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] ﴿فَقُلْ
أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةٌ﴾ [فصلت: ١٣]. فالمفعول الثاني هنا محذوف أي: العذاب ظاهراً
ومضمراً، واستحسن أن لا يقدَّر؛ ليعمّ، وفي ((البحر)): الإنذار: الإعلام مع
التخويف في مدة تَسَعُ التحفّظ من المخوف، فإن لم تسع فهو إشعار وإخبار
لا إنذار(٢). ولم يَذكُر سبحانه البشارة؛ لأنها تُفهَم بطريق دلالة النص؛ لأنَّ الإنذار
أوقعُ في القلب وأشدُّ تأثيراً، فإذا لم ينفع كانت البشارة بعدم النفع أولى. وقيل:
لا محل للبشارة هنا؛ لأنَّ الكافر ليس أهلاً لها .
وقوله عزَّ من قائل: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يَحتمِلُ أن تكون مفسِّرة لإجمالِ ما قبلها
مما فيه الاستواء، والكفرُ وعدمُ نفع الإنذار في الماضي - بحسب الظاهر - مسكوتٌ
فيه عن الاستمرار، و((لا يؤمنون)) دالٌّ عليه ومبيِّنٌ له، فلا حاجة إلى القول بأنَّ هذا
بالنظر إلى مفهوم اللفظ مع قطع النظر عن أنه إخبار عن المصرِّين. وهي حينئذٍ
لا محلَّ لها من الإعراب، كما هو شأن الجمل المفسِّرة، وعند الشَّلَويِين(٣): لها
محلٌّ؛ لأنها عطفُ بيانٍ عنده.
ويحتمل أن تكون حالاً مؤكّدةً لما قبلها، وصاحب الحال ضميرُ ((عليهم)) أو
(أنذرتهم))، وليس هذا كـ : زيدٌ أبوك عطوفاً؛ لفَقْدٍ ما يشترط في هذا النوع هاهنا (٤).
(١) ينظر مغني اللبيب ص١٩١.
(٢) البحر المحيط ٤٥/١.
(٣) هو عمر بن محمد بن عمر الإشبيلي المعروف بالشّلَوبين، كان إمام عصره في العربية بلا
مدافع، توفي سنة (٦٤٥هـ). بغية الوعاة ٢٢٤/٢.
(٤) اشترط النحاة في الحال المؤكدة في نحو: زيد أبوك عطوفاً، أن تقع بعد جملة اسمية
طرفاها معرفتان جامدان، وعامل الحال محذوف وجوباً. حاشية الشهاب ١/ ٢٧٤ .

الآية : ٦
٣٨٧
سُوَُّ الْبَادَة
وأن تكون بدلاً: إما بدل اشتمال؛ لاشتمال عدم نفع ما مرَّ على عدم الإيمان،
أو بدل كلٍّ؛ لأنه عينه بحسب المآل.
أو خبراً بعد خبر، أو خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هم لا يؤمنون.
أو خبر ((إنَّ) والجملة قبلها اعتراض. وفي ((التسهيل)): الاعتراضية هي المفيدةُ
تقويةً (١). وهي هنا كالعلة للحكم لدلالتها على قسوة قلوبهم وعدم تأثرها بالإنذار،
وهو مقتضٍ لعدم الإيمان؛ وحيث إنَّ الموضوع دالٌّ على عدم الإيمان في الماضي
والمحمول على استمراره في المستقبل، اندفع توهُّمُ عدم الفائدة في الإخبار ..
وجَعْلُ الجملة دعائية بعيد. وأبعد منه ما روي أنَّ الوقف على قوله: أم لم
تنذر، والابتداء بـ: هم لا يؤمنون(٢)، على أنه مبتدأ وخبر، بل ينبغي أن لا يلتفت
إليه .
وقرأ الجحدري: ((سواء)) بتخفيف الهمزة(٣) على لغة الحجاز، فيجوز أنه
أخلص الواو، ويجوز أنه جعل الهمزة بين بين، أي: بين الهمزة والواو (٤).
وعن الخليل أنه قرأ: ((سُوء عليهم)) بضم السين مع واو بعدها، فهو عدول عن
معنى المساواة إلى السب والقبح، وعليه: لا تعلَّق إعرابياً له بما بعده كما في
((البحر))(٥).
وقرأ الكوفيون وابن ذكوان - وهي لغة بني تميم -: ((أأنذرتهم)) بتحقيق الهمزتين
وهو الأصل، وأهل الحجاز لا يرون الجمع بينهما طلباً للتخفيف، فقرأ الحِرْميَّان و
أبو عمرو وهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، إلا أنَّ أبا عمرو وقالون
وإسماعيل بن جعفر عن نافع وهشام يُدخلون بينهما ألفاً وابن کثیر لا يدخل. وروي
تحقيقهما عن هشام مع إدخال ألف بينهما، وهي قراءة ابن عباس وابن أبي إسحاق،
(١) تسهيل الفوائد ص١١٣ .
(٢) ذكرها الهذلي في الوقف والابتداء كما في حاشية الشهاب١/ ٢٧٥ ..
(٣) القراءات الشاذة ص٢.
(٤) في حاشية (م): ولامها على هذا واو لا ياء، وفي المشهور همزتها منقلبة عن ياء فهو من
باب طویت. اهـ منه.
(٥) ٤٥/١.

سُوَّةُ الْبَقَدَة
٣٨٨
الآية : ٦
وروي عن ورش كابن كثير وكقالون وإبدال الهمزة الثانية ألفاً (١)، فيلتقي ساكنان
على غير حدِّهما عند البصريين، وزعم الزمخشريُّ أن ذلك لحنٌ وخروجٌ عن كلام
العرب من وجھین:
أحدهما: الجمع بين ساكنين على غير حدِّه(٢).
الثاني: أنَّ طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها هو بالتسهيل بين
بين، لا بالقلب ألفاً؛ لأنه طريقُ الهمزة الساكنة.
وما قالوه(٣) مذهب البصريين، والكوفيون أجازوا الجمع على غير الحدِّ الذي
أجازه البصريون. وهذه القراءة من قبيل الأداء، ورواية المصريين عن ورش، وأهلُ
بغداد يروون التسهيل بين بين كما هو القياس، فلا يكون الطعن فيها طعناً فيما هو
من السبع المتواتر، إلا أنَّ المعتزليَّ أساء الأدب في التعبير.
وقد احتجَّ بهذه الآية وأمثالها مَن قال بوقوع التكليف بالممتنع لذاته، بناءً على
أنْ يراد بالموصول ناسٌ بأعيانهم، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه وتعالى أخبر
بأنهم لا يؤمنون، وأمرهم بالإيمان وهو ممتنع؛ إذ لو كان ممكناً لما لزم من فرض
وقوعه محال، لكنه لازم؛ إذ لو آمنوا انقلب خبره كذباً، وشمل إيمانهم الإيمان
بأنهم لا يؤمنون لكونه مما جاء به وَّهِ، وإيمانُهم بأنهم لا يؤمنون فرعُ اتصافهم
بعدم الإيمان، فيلزم اتصافهم بالإيمان وعدم الإيمان، فيجتمع الضدَّان،
وكلا الأمرين من انقلاب خبره تعالى كذباً، واجتماعُ الضدّين محال، وما يستلزم
المحال محال.
وأجيب بأنَّ إيمانهم ليس من المتنازع فيه؛ لأنه أمرٌ ممكنٌ في نفسه، وبإخباره
سبحانه وتعالى بعدم الإيمان لا يخرج من الإمكان، غايته أنه يصير ممتنعاً بالغير،
واستلزامُ وقوعه الكذبَ أو اجتماعَ الضدَّين بالنظر إلى ذلك؛ لأنَّ إخباره تعالى
بوقوع الشيء أو عدم وقوعه لا ينفي القدرة عليه، ولا يخرجه من الإمكان الذاتي
(١) التيسير ص٣١-٣٢، والنشر ٣٦٣/١، والبحر ٤٧/١ وعنه نقل المصنف.
(٢) وحدُّه أن يكون الأول حرف لين، والثاني حرفاً مدغَماً، نحو: ((الضالِّين)). الكشاف ١/ ١٥٥.
(٣) كذا في الأصل و (م)، والصواب: قاله، كما في البحر ١/ ٤٧، والكلام منه.

الآية : ٦
٣٨٩
سُورَةُ الْبَقَة
لامتناع الانقلاب، وإنما ينفي عدمَ وقوعِه أو وقوعَه، فيصير ممتنعاً بالغير، واللازم
للممكن أن لا يلزم من فرض وقوعه نظراً إلى ذاته محالٌ، وأما بالنظر إلى امتناعه
بالغير فقد يستلزم الممتنع بالذات كاستلزام عدم المعلول الأول عدم الواجب.
وقيل في بيان استحالة إيمانهم بأنهم لا يؤمنون أنه تكليف بالنقيضين؛ لأن
التصديق في الإخبار بأنهم لا يصدقونه في شيء يستلزم عدم تصديقهم في ذلك،
والتكليف بالشيء تكليفٌ بلوازمه، وقوبل بالمنع لاسيما اللوازم العدمية.
وقيل: لأن تصديقهم في أن لا يصدقوه يستلزم أن لا يصدقوه، وما يستلزم
وجودُه عدمَه محال. وردًّ بأنه يجوز أن يكون ذلك الاستلزام لامتناعه بالغير
کما فیما نحن فيه.
وقيل: لأنَّ إذعان الشخص بخلاف ما يجد في نفسه محال. واعترض بأنه
يجوز أن لا يخلق الله تعالى العلم بتصديقه، فيصدِّقه في أن لا يصدِّقه، نعم إنه
خلاف العادة لكنه ليس من الممتنع بالذات.
كذا قيل، ولا يخلو المقام بعدُ عن شيءٍ وأي شيء، والبحث طويل واستيفاؤه
هنا كالتكليف بما لا يطاق، وسيأتيك إن شاء الله تعالى على أتم وجه.
ثم فائدة الإنذار - بعد العلم بأنه لا يثمر - استخراجُ سرِّ ما سبق به العلم التابعُ
للمعلوم من الطّوْع والإباء في المكلَّفين ﴿لِتَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾
[النساء: ١٦٥] فإن الله تعالى لو أدخل ابتداءً كلَّا داره التي سبق العلمُ بأنها داره،
لكان شأن المعذَّب منهم ما وصف الله تعالى بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن
قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَغَخْزَى﴾
[طه: ١٣٤] فأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين ليستخرج ما في استعدادهم من الطوع
والإباء، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة، فإنَّ الذكرى تنفع
المؤمنين، وتقوم به الحجة على الآخرين؛ إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسالة تتحرك
الدواعي للطّوع والإباء بحسب الاستعداد الأزلي، فيترتب عليه الفعل أو الترك
بالمشيئة السابقة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت الأزلي، فيترتب عليه النفع
والضرُّ من الثواب والعقاب.

سُورَةُ الْبَنَة
٣٩٠
الآية : ٦
وإنما قامت الحجة على الكافر؛ لأنَّ ما امتنع من الإتيان به بعد بلوغ الدعوة
وظهور المعجزة من الإيمان، ولو كان ممتنعاً لذاته مطلقاً لما وقع من أحد، لكنه
قد وقع، فعُلم أنَّ عدم وقوعه منه كان عن إباءٍ ناشئٍ من استعداده الأزلي باختياره
السيِّئ، وإن كان إباؤه بخَلْق الله تعالى به، فإنَّ فِعْلَ الله تعالى تابعٌ لمشيئته التابعة
لعلمه التابع للمعلوم، والمعلوم من حيث ثبوته الأزليُّ غير مجعول، فتعلَّق العلم به
على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي، ثم الإرادة
تعلَّقت بتخصيص ما سبق العلم به من مقتضى استعداده الأزلي فأبرزته القدرة على
طبق الإرادة، قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] فلهذا قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ
اَلْبَّةُ الْبَلِغَّةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] لكنه لم يشأ؛ إذ لم يسبق به
العلم؛ لكونه كاشفاً للمعلوم وما في استعداده الأزلي، فالمعلوم المستعدُّ للهداية
في نفسه كَشَفَه على ما هو (١) عليه من قبوله لها، والمستعدُّ للغواية تعلَّقَ به على
ما هو عليه من عدم قبوله لها، فلم يشأ إلا ما سبق به العلم من مقتضيات
الاستعداد، فلم تبرز القدرة إلا ما شاء الله تعالى، فصحَّ أنَّ لله الحجة البالغة
سبحانه إذا نوزع؛ لأنَّ الله تعالى قد أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَه وما يقتضيه استعدادُه،
وما نقص منه شيئاً، ولهذا قال رَ له: ((فمَن وَجَدَ خيراً فلْيَحْمَدِ الله)) فإنَّ الله متفضِّل
بالإيجاد لا واجب عليه ((وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلك فلا يَلومَنَّ إلَّا نفسه))(٢) لأنه ما أبرز
قدرته بجوده ورحمته مما اقتضته الحكمة من الأمر الذي لا خير فيه له إلا لكونه
مقتضى استعداده، فالحمد لله على كل حال ونعوذ به من أحوال أهل الزيغ
والضلال.
وإنما قال سبحانه: ﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: عليك؛ لأنَّ الإنذار وعدمه ليسا
سواءً لديه ◌َّه؛ لفضيلة الإنذار الواجب عليه على تركه، وإذا أريد بالموصول ناسٌ
معيَّنون على أنه تعريفٌ عهدي كما مرَّ، كان فيه معجزةٌ لإخباره بالغيب، وهو موت
أولئك على الكفر كما كان.
(١) في (م): عمّا هو.
(٢) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذرَُّّبه، وفيه: (( ... يا عبادي، إنما هي
أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيراً ... )).

الآية : ٧
٣٩١
سُورَةُ الْبَدَة
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٧
إشارةٌ إلى برهان لمِّيَّ للحكم السابق، كما أنَّ ((سواء عليهم)) إلخ - على تقدير كونه
اعتراضاً - برهانٌ إنِّيّ، فالختم والتغشية مسيَّبان عن نفس الكفر واقترافِ المعاصي،
سببان للاستمرار على عدم الإيمان، أو الاستواء الإنذار وعدمه، فالقطع لأنه سؤال
عن سبب الحكم.
والختم: الوسم بطابعٍ ونحوه، والأثر الحاصل، ويُتجوَّز بذلك تارةً في
الاستيثاق من الشيء والمنع منه؛ اعتباراً بما يحصل من المنع بالختم على الكتب
والأبواب، وتارةً في تحصيل أثرٍ عن أثرٍ اعتباراً بالنقش الحاصل، وتارةً يعتبر معه
بلوغ الآخِر، ومنه: ختمت القرآن.
والغشاوة - على ما عليه السبعة - بكسر الغين المعجمة من غشَّاه: إذا غطّاه،
قال أبو علي: ولم يُسمع منه فعلٌ إلا يائي. فالواو مبدلةٌ من الياء عنده، أو يقال:
لعل له مادتين.
وفِعالة عند الزَّجَّاج لما اشتمل على شيءٍ كاللفافة، ومنه أسماء الصناعات
كالخياطة لاشتمالها على ما فيها، وكذلك ما استولى على شيء كالخلافة(١).
وعند الراغب: هي لما يفعل به الفعل كاللَّفِّ في اللفافة، فإن استعملت في
غيره فعلى التشبيه(٢).
وبعضهم فرَّق بين ما فيه هاء التأنيث وبين ما ليس فيه؛ فالأول: اسمٌّ لما يفعل به
الشيء كالآلة، نحو: حزام وإمام، والثاني: لما يشتمل على الشيء ويحيط به (٣).
وحمل الظاهريون الختم والتغشية على حقيقتهما، وفوَّضوا الكيفية إلى علمٍ مَن
لا كيفية له سبحانه، وروي عن مجاهدٍ أنه قال: إذا أذنب العبد ضُمَّ من القَلب
(١) معاني القرآن للزجاج ٨٣/١-٨٤.
(٢) مفردات ألفاظ القرآن ص ٦٠٧ بنحوه، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ١/ ٢٨٠.
(٣) في هامش الأصل و(م): وهذا في غير المصادر، وأما فيها فَعَنْ أبي علي: فعالة - بالكسر
في المصادر - يجيء لما كان صنعة ومعنى متقلَّداً كالكتابة والخلافة، وبالفتح غيره. فافهم.
وينظر الحجة لأبي علي الفارسي ١٤٩/٥، وحاشية الشهاب ٢٧٩/١.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٩٢
الآية : ٧
هكذا - وضمَّ الخنصر - ثم إذا أذنب ضُمَّ هكذا - وضمَّ البنصر - وهكذا إلى الإبهام،
ثم قال: وهذا هو الختم والطبع والرَّين. وهو عندي غير معقول.
والذي ذهب إليه المحققون أنَّ الختم استعير من ضرب الخاتم على نحو
الأواني لإحداث هيئةٍ في القلب والسمع مانعةٍ من نفوذ الحق إليهما، كما يمنع
نقش الخاتم تلك الظروف من نفوذ ما هو بصدد الانصباب فيها، فيكون استعارةَ
محسوسٍ لمعقولٍ بجامعٍ عقليٍّ، وهو الاشتمال على منع القابل عما من شأنه أن
يقبله، ثم اشتقَّ من الختمّ ختم، ففيه استعارةٌ تصريحيَّةٌ تبعيَّةٌ.
وأما الغشاوة فقد استعيرت من معناها الأصلي لحالةٍ في أبصارهم مقتضيةٍ لعدم
اجتلائها الآيات، والجامعُ ما ذكر؛ فهناك استعارةٌ تصريحيةٌ أصليةٌ، أو تبعية إذا
أُوِّلت الغشاوة بمشتق، أو جعلت اسم آلة على ما قيل.
ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تمثيلية بأن يقال: شُبِّهت حال قلوبهم
وأسماعهم وأبصارهم مع الهيئة الحادثة فيها المانعةِ من الاستنفاع بها بحالٍ أشياءً
معدّةٍ للانتفاع بها في مصالح مهمّة، مع المنع من ذلك بالختم والتغطية، ثم يستعار
للمشبّه اللفظ الدالُّ على المشبَّه به، فيكون كلُّ واحد من طرفي التشبيه مرّباً،
والجامع عدمُ الانتفاع بما أُعدَّ له بسبب عروض مانعٍ يمكن فيه كالمانع الأصلي،
وهو أمرٌ عقليٍّ منتزعٌ من تلك العدة(١).
ثم إنَّ إسنادَ الختم إليه عزَّ وجلَّ باعتبار الخلق، والذُّ والتشنيع الذي تشير إليه
الآية باعتبار كون ذلك مسبّباً عما كسبه الكفار من المعاصي، كما يدلُّ عليه قوله
تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وإلا أشكل التشنيع والذمُّ على
ما ليس فِعْلَهم، كذا قاله مفسرو أهل السنة عن آخرهم فيما أعلم.
(١) في هامش الأصل و(م): وليس للإسناد إلى الختم والغشي في هاتين مدخل في هذا
التمثيل، كما لا مدخل له في قولك: أراك تقدم رجلاً وتؤخّر أخرى، وهل هذا التمثيل تبعيٍّ
في الفعل وحده، أو في لفظٍ مركبٍ ملحوظٍ بعضه ومَنْويّ في الإرادة؟ ارتضى الشريف
المرتضى الثاني وغيرُه الأول، وعليه إنما صرح بالختم والتغشية لأنها الأصل والعمدة في
تلك الحالة المركبة، فيلاحظ باقي الأجزاء بألفاظ متخيلة إذ لا بد في التركيب من
ملاحظات قصدية متعلقة بتلك الأجزاء، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتخيل ألفاظ بإزائها، فتدبر
وافهم. اهـ منه. والكلام من حاشية الشهاب ٢٨٢/١.

الآية : ٧
٣٩٣
سُوَّةُ الْبَّنَة
والمعتزلة لما رأوا أنَّ الآية يلزم منها أن يكون سبحانه مانعاً عن قبول الحق
وسماعِه بالختم، وهو قبيح يمتنع صدروه عنه سبحانه وتعالى على قاعدتهم، التزموا
للآية تأويلاتٍ، ذكر الزمخشريُّ جملة منها حتى قال: الشيطان هو الخاتم في
الحقیقة، أو الكافرُ، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى لما کان هو الذي أقدره أو مگّنه،
أسند الختم إليه كما يسند [الفعل] إلى السبب(١)، نحو: بنى الأمير المدينة، وناقة
حلوب.
وأنا أقول: إنَّ ماهيَات الممكنات معلومة له سبحانه أزلاً، فهي متميزةٌ في
أنفسها تميُّزاً ذاتيًّا غير مجعولٍ لتوقُّف العلم بها على ذلك التميز، وإنَّ لها
استعدادات ذاتية غير مجعولة أيضاً، مختلفة الاقتضاءات، والعلمُ الإلهي متعلّقٌ بها
كاشفٌ لها على ما هي عليه في أنفسها من اختلاف استعداداتها التي هي من مفاتيح
الغيب التي لا يعلمها إلا هو، واختلافٍ مقتضيات تلك الاستعدادات، فإذا تعلَّق
العلم الإلهيُّ بها على ما هي عليه مما يقتضيه استعدادها من اختيار أحد الطرفين:
الخير والشر، تعلَّقت الإرادة الإلهية بهذا الذي اختاره العبد بمقتضى استعداده،
فيصير مراده بعد تعلُّق الإرادة الإلهية مراداً لله تعالى، فاختياره الأزليُّ بمقتضى
استعداده متبوعٌ للعلم المتبوع للإرادة، مراعاةً للحكمة، وإن اختياره فيما لا يزال
تابعٌ للإرادة الأزلية المتعلقة باختياره لِمَا اختاره، فالعباد منساقون إلى أن يفعلوا
ما يصدر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر، وليسوا مجبورين في اختيارهم
الأزلي؛ لأنه سابق الرتبة على تعلق العلم السابقِ على تعلق الإرادة، والجبرُ تابعٌ
للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الذي هو هنا اختيارهم الأزلي، فيمتنع أن يكون
تابعاً لما هو متأخر عنه بمراتب.
فما من شيء يبرزه الله تعالى بمقتضى الحكمة ويفيضه على الممكنات إلا وهو
مطلوبها بلسان استعدادها، وما حرمها سبحانه شيئاً من ذلك كما يشير إليه قوله
تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: ٥٠] أي: الثابت له في الأزل مما يقتضيه
استعداده الغير المجعول، وإن كانت الصور الوجودية الحادثة مجعولة، وقوله
تعالى: ﴿فَأَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] أي: الثابتين لها في نفس الأمر. والكلُّ
(١) الكشاف ١٦٢/١، وما بين حاصرتين منه، وفيه: المسبب، بدل: السبب.

سُورَةُ الْبَقَة
٣٩٤
الآية : ٧
من حيث إنه خَلَقَهُ حَسَنٌ؛ لكونه بارزاً بمقتضى الحكمة من صانع مُطلَقٍ لا حاكم
عليه، ولهذا قال عزَّ شأنه: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ [السجدة: ٧] و﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ
الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَوُّتٍ﴾ [الملك: ٣] أي: من حيث إنه مضاف إليه ومُفَاضٌ منه، وإن تفاوت
من جهة أخرى وافترق عند إضافة بعضه إلى بعض.
فعلى هذا يكون الختم منه سبحانه وتعالى دليلاً على سوء(١) استعدادهم الثابت
في علمه الأزلي الغير المجعول، بل هذا الختم الذي هو من مقتضيات الاستعداد
لم يكن من الله تعالى إلا إيجادُه وإظهارُ يقينه طبقَ ما عَلِمَه فيهم أزلاً، حيث
لَا جَعْل، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٣] في إظهاره، إذ من صفته سبحانه إفاضة
الوجود على القوابل بحسب القابليات على ما تقتضيه الحكمة ﴿وَلَكِنْ كَانُّوْاْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣] حيث كانت مستعدَّة بذاتها لذلك، فحينئذ يظهر أنَّ إسناد الختم
إليه تعالى باعتبار الإيجاد حقيقة، ويحسن الذُّ لهم به من حيث دلالته على سوء
الاستعداد، وقبح ما انطوت عليه ذواتهم في ذلك الناد ﴿وَالْبَلَدُ الَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ.
بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلَّا تَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨].
وأما ما ذكره المفسرون من أنَّ إسناد الختم إليه تعالى باعتبار الخَلْقِ فمُسلَّم
لا كلام لنا فيه، وأمَّا أنَّ الذمَّ باعتبار كون ذلك مسبّباً عما كسبه الكفار إلخ، فنقول
فيه: إن أرادوا بالكسب ما شاع عند الأشاعرة من مقارنة الفعل لقدرة العبد من غير
تأثير لها فيه أصلاً، وإنما المؤثّر هو الله تعالى، فهو مع مخالفته لمعنى الكسب
وكونه ﴿كَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْشَانُ مَآءَ حََّ إِذَا جَآءَّهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]
لا يشفي عليلاً ولا يروي غليلاً، إذ للخصم أن يقول: أيُّ معنىّ لذمِّ العبد بشيءٍ
لا مدخل لقدرته فيه إلا كمدخل اليد الشلَّاء فيما فعلته الأيدي السليمة، وحينئذ
يتأتى ما قاله الصاحب بن عبّاد(٢) في هذا الباب: كيف يأمر الله تعالى العبد بالإيمان
(١) في (م): سواء.
(٢) الوزير العلّامة، أبو القاسم، إسماعيل بن عباد بن عباس الطالقاني الأديب الكاتب، وزير
الملك مؤيَّد الدولة بُوَيه بن ركن الدولة، صحب الوزير أبا الفضل بن العميد، ومن ثَمَّ
شُهر بالصاحب، من تصانيفه: المحيط، والكافي، والإمامة، وكان شيعيًّا معتزليًّا مبتدعاً،
تياهاً صلفاً جباراً، ثم تاب واتخذ لنفسه بيتاً سماه بيت التوبة، توفي سنة (٣٨٥هـ). السير
١٦ / ٥١١.

الآية : ٧
٣٩٥
سُورَةُ الْبَّفْعَة
وقد منعه منه، وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه؟ وكيف يصرفه عن الإيمان ثم
يقول: ﴿أَنَّ يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] ويخلق فيهم الإفك ثم يقول: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾
[الأنعام: ٩٥] وأنشأ فيهم الكفر ثم يقول: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وخلق
فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ﴾ [آل عمران: ٧١]
وصدَّهم عن السبيل ثم يقول: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] وحال
بينهم وبين الإيمان ثم قال: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ﴾ [النساء: ٣٩] وذهب بهم عن
الرشد ثم قال: ﴿فَأَنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وأضلَّهم عن الدين حتى أعرضوا ثم
قال: ﴿فَمَا لَمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]؟ .
فإن أجابوا بأنَّ لله تعالى أن يفعل ما يشاء ولا يتعرَّض للاعتراض عليه
المعترضون ﴿لَا يُنْثَلُ عَنَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قلنا لهم: هذه كلمة حقّ أريد بها باطل، وروضةُ صدقٍ ولكن ليس لكم منها
حاصل؛ لأنَّ كونه تعالى لا يُسأل عما يفعل ليس إلا لأنه حكيم لا يفعل ما عنه
يسأل.
وإذا قلتم: لا أثر القدرة الحادثة في مقدورها، كما لا أثر للعلم في معلومه.
فوجه مطالبة العبد بأفعاله كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألواناً وإدراكاتٍ، وهذا
خروجٌ عن حدِّ الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطالُ الشرائع العظام،
وردُّ ما ورد عن النبيين عليهم الصلاة والسلام.
وإن أرادوا بالكسب فعلَ العبد استقلالاً ما يريده هو، وإن لم يُرِدْه الله تعالى،
فهذا مذهب المعتزلة، وفيه الخروجُ عمَّا دَرَجَ عليه سلفَ الأمة، واقتحام ورطات
الضلال، وسلوكُ مَهَامِهِ الوبال:
مَسَارٍ لو قُسِمْنَ على الغَوَاني
لَمَا أُمْهِرنَ إلّ بِالطَّلاقِ(١)
وإن أرادوا به تحصيل العبد بقدرته الحادثة حسب استعداده الأزلي المؤثّرة
لا مستقلًا بل بإذن الله تعالى ما تعلقت به من الأفعال الاختيارية مشيئتُه التابعة
(١) البيت لأبي تمام، وهو في ديوانه بشرح الخطيب التبريزي ٤٠١/٤، وفيه: جُهِّزن، بدل:
مُھرن.

سُوَّةُ الْبَغَة
٣٩٦
الآية : ٧
لمشيئة الله تعالى - على ما أشرنا إليه - فنعمت الإرادة، وحبَّذا السلوك في هذه
الجادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بسطُها، وإقامةُ الأدلَّة على صحَّتها، وإماطة
الأذى عن طريقها، إلا أنَّ أشاعرتنا اليوم لا يشعرون، وإنهم ليحسبون أنهم
يحسنون صنعاً، ولبئس ما كانوا يصنعون:
مّا فِي الدِّيارِ أَخُوْ وَجْدٍ نُطارِحُهُ حَدِيثَ نَجْدٍ ولا خِلٌّ نُجاريْهٍ (١)
وأما ما ذكره المعتزلة، لاسيما علَّامتهم الزمخشريُّ، فليس أولَ عشواءَ
خبطوها، وفي مهواةٍ من الأهواء أهبطوها، ولَكُم نزلوا عن منصّة الإيمان بالنصِّ
إلى حضيض تأويله، ابتغاء الفتنة واستيفاءً لِمَا كتب عليهم من المحنة،
وطالما استوخموا من السنَّة المناهلَ العِذَابَ، ووردوا من حميم البدعة موارد
العذاب.
والشبهة التي تدندن هنا حول الحمَى: أنَّ أفعال العباد لو كانت مخلوقة لله
تعالى لما نعاها على عباده، ولا عاقبهم بها، ولا قامت حجة الله تعالى عليهم.
وهي أوهى من بيت العنكبوت، وإنه لأوهن البيوت، وقد علمتَ جوابها مما قدمناه
لك، ولیکن علی ذکرٍ منك.
على أنَّا نرجع فنقول: إن أسندوا الملازمة - وكذلك يفعلون - إلى قاعدة
التحسين والتقبيح، وقالوا: معاقبة الإنسان مثلاً بفعلٍ غيره قبيحةٌ في الشاهد،
لاسيما إذا كانت من الفاعل، فيلزم طرد ذلك غائباً. قيل: ويقبح في الشاهد أيضاً
أن يمكِّن الانسانُ عبده من القبائح والفواحش بمرأى ومسمعٍ، ثم يعاقبه على ذلك
مع القدرة على ردعه وردِّه من الأول عنها، وأنتم تقولونّ: إنَّ القدرة التي بها
يخلق العبد الفواحش لنفسه مخلوقة لله تعالى على علم منه عزَّ وجلَّ أنَّ العبد يخلق
بها لنفسه ذلك، فهو بمثابة إعطاء سيفٍ باترٍ لفاجرٍ يعلم أنه يقطع به السبيل ويسبي
به الحريم، وذلك في الشاهد قبيحٌ جزماً.
فإن قالوا: ثَمَّ حكمةٌ استأثر الله تعالى بعلمها فرَّقت بين الغائب والشاهد،
فحسن من الغائب ذلك التمكين ولم يحسن في الشاهد.
(١) البيت لابن المعلم كما في الكشكول ٣٥٩/٢.

الآية : ٧
٣٩٧
سُورَةُ الْبَرَة
قلنا على سبيل التنَزُّل والموافقة لبعض الناس: ما المانع أن تكون تلك الأفعال
مخلوقة لله تعالى، ويعاقَب العبد عليها لمصلحةٍ وحكمة استأثر بها، كما فرغتم منه
الآن حذو القذَّة بالقذَّة؟!
على أنَّ في كون الخاتم في الحقيقة هو الشيطان، مما لا يُقْدِم عليه حتى
الشيطان، ألا تسمعه كيف قال: ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] فلا حول
ولا قوة إلا بالله، وليكن هذا المقدار كافياً في هذا المقام، ولشحرور القلم بعدُ إن
شاء الله تعالى على كل بانةٍ تغريدٌ بأحسن مقام.
والقلوب: جمع قلب، وهو في الأصل مصدر سمِّي به الجسم الصنوبريُّ
المودّع في التجويف الأيسر من الصدر، وهو مشرق اللطيفة الإنسانية، ويطلق على
نفس اللطيفة النورانية الربانية العالمة، التي هي مهبط الأنوار الإلهية الصمدانيّة،
وبها يكون الإنسان إنساناً، وبها يستعدُّ لاكتساب الأوامر واجتناب الزواجر، وهي
خلاصة تولَّدت من الروح الروحاني، ويُعبِّر عنها الحكيم بالنفس الناطقة.
ولكونها هدف سهام القهر واللطف، ومظهر الجمال والجلال، ومنشأ البسط
والقبض، ومبدأ المحو والصحو، ومنبع الأخلاق المرضية والأحوال الرّدية،
وقلَّما تستقرُّ على حال وتستمر على منوال، سمِّيت قلباً، فهي متقلِّبة في أمره،
ومنقلبة بقضاء الله وقدره، وفي الحديث: ((إن القلب كريشةٍ بأرض فلاة تقلّبها
الرياح)»(١) وقد قال الشاعر:
قَدْ سُمِّي القلبُ قَلْباً مِنْ تقلُّبه فاحذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وتَحْوِيْلٍ
وتسمية الجسم المعروف قلباً إذا أمعنت النظر، ليس إلا لتقلُّب هاتيك اللطيفة
المشرقة عليه؛ لأنه العضو الرئيس الذي هو منشأ الحرارة الغريزية المُمِدَّة للجسد
كله(٢)، ويكنى بصلاحه وفساده عن صلاح هاتيك اللطيفة وفسادها؛ لما بينهما من
(١) أخرجه أحمد (١٩٦٦١)، وابن ماجه (٨٨) من حديث أبي موسى الأشعري ته. وأخرجه
البزار (٤٤- كشف)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٣٦٩)، والبيهقي في الشعب (٧٥١)
من حديث أنس ظُبه، ووقع عند البزار: ((مَثَل المؤمن كمثل ريشة ... )).
(٢) في هامش الأصل و(م): وقيل سمّي قلباً لأنه لبٌّ كما سمّي العقل لبًّا. اهـ منه.

سُورَةُ الْبَحَة
٣٩٨
الآية : ٧
التعلُّق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، وكأنه لهذا قال وَّةِ: ((ألا وإنَّ في
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي
القلب)»(١).
وكثيرٌ من الناس ذهب إلى أنَّ تلك المضغة هي محلُّ العلم، وقيل: إنه في
الدماغ، وقيل: إنه مشترك بينهما، وبني ذلك على إثبات الحواس الباطنة، والكلامُ
فيها مشهور.
ومن راجع وجد أنه أدرك أنَّ بين الدماغ والقلب رابطةً معنويّةً، ومراجعةً سرّيةً،
لا ينكرها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن معرفة حقيقة ذلك
متعزّزة كما هي متعذِّرة، والإشارة إلى كُنْه ما هنالك على أرباب الحقائق وأصحاب
الدقائق متعسرة، ومَن عرف نفسه فقد عرف ربه، والعجزُ عن دَرْك الإدراك إدراك.
والسمع: مصدر سمع سمعاً وسماعاً، ويطلق على قوة مودَعةٍ في العصب
المفروش أو المطبل(٢) في الأذن، تدرك بها الأصوات، ويعبر به تارة عن نفس
الأذن وأخرى عن الفعل نحو ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢].
والأبصار: جمع بصر، وهو في الأصل بمعنى إدراك العين وإحساسها، ثم
تُجوِّز به عن القوة المودَعة في ملتقى العصبتين المجوَّفتين الواصلتين من الدماغ إلى
الحدقتين، التي من شأنها إدراك الألوان والأشكال بتفصيلٍ معروفٍ في محلّه، وعن
العين التي هي محلّه، وشاع هذا حتى صار حقيقة في العرف لتبادره، وهو المناسب
للغشاوه لتعلقها بالأعيان، ويناسب الختم ما يناسب الغشاوة.
وإنما قدَّم سبحانه الختم على القلوب هنا؛ لأنَّ الآية تقريرٌ لعدم الإيمان،
فناسب تقديم القلوب لأنها محلُّ الإيمان، والسمع والأبصار طرقٌ وآلات له، وهذا
بخلاف قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] فإنه مسوقٌ لعدم المبالاة
بالمواعظ، ولذا جاءت الفاصلة ﴿أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] فكان المناسب هناك
تقديم السمع.
(١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٨٣٧٤)، والبخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) عن النعمان بن
بشير چچ .
(٢) في (م): المبطل.