النص المفهرس
صفحات 341-360
الآية : ٢ ٣٣٩ سُورَةُ الْبَدَة وفي الكشاف(١): هي الدلالة الموصلة إلى البغية، واستدلَّ عليه بثلاثة وجوه؛ الأول: وقوع الضلال في مقابله، كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلَى هُدّى أَوْ فِي ضَلَلِ﴾ [سبأ: ٢٤] والضلالُ عبارةٌ عن الخيبة وعدم الوصول إلى البغية، فلو لم يعتبر الوصول في مفهوم الهدى لم يتقابلا لجواز الاجتماع بينهما . والثاني: أنه يقال: مَهْديّ، في موضع المدح کمهتدٍ، ومن حصل له الدلالة من غير الاهتداء لا يقال له ذلك، فعلم أنَّ الإيصال معتبرٌ في مفهومه. والثالث: أنَّ اهتدى مطاوعُ هَدَى، ولن يكون المطاوع في خلافٍ معنى أصله، ألا تری إلی نحو: گسره فانكسر. وفيه بحث؛ أما أولاً: فلأنَّ المذكور في مقابلة الضلالة هو الهدى اللازم، بمعنى الاهتداء مجازاً أو اشتراكاً، وكلامنا في المتعدِّي، ومقابله الإضلال، ولا استدلال به؛ إذ ربما يفسَّر بالدلالة على ما لا يوصل ولا يجعلُهُ(٢) ضالاً، على أنه لو فُسِّرت الهداية بمطلق الدلالة على ما من شأنه الإيصال أَوْصَلَ أم لا، وفُسِّر الضلال المقابل لها - تَقابُلَ الإيجاب والسلب - بعدم تلك الدلالة المطلقة، لزم منه عدم الوصول؛ لأنَّ سلب الدلالة المطلقة سلبٌ للمقيدة، إذ سلبُ الأعمِّ يستلزم سلبَ الأخصّ، فليس في هذا التقابل ما يرجِّح المدَّعَى. وأما ثانياً: فلأنَّا لا نسلِّم أنَّ الضلالة عبارةٌ عن الخيبة إلخ، بل هو العدول عن الطريق الموصل إلى البغية، فيكون الهدى عبارة عن الدلالة على الطريق الموصل، نعم إنَّ عدم الوصول إلى البغية لازمٌ للضلالة، ويجوز أن يكون اللازم أعمّ. وأما ثالثاً: فلأنه لا يلزم من عدم إطلاق المهدي إلا على المهتدي أن يكون الوصول معتبراً في مفهوم الهدى؛ لجواز غلبة المشتقِّ في فردٍ من مفهوم المشتقِّ منه. وأما رابعاً: فلأنَّا لا نسلِّم أنَّ اهتدى مطاوعُ هدى، بل هو من قبيل: أمره فائتمر، من ترتّب فعل يغاير الأول، فإنَّ معنى هداه فاهتدى: دلَّه على الطريق الموصل فسلكه، بدليل أنه يقال: هداه فلم يهتد، على أنَّ جمعاً يعتدُّ بهم قالوا: (١) ١١٦/١-١١٧. (٢) في الأصل: بجعله. سُورَةُ الْبَََّة ٣٤٠ الآية : ٢ لا يلزم من وجود الفعل وجود مطاوعه مطلقاً، ففي المختار لا يجب أن يوافق المطاوع أصله، ويجب في غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] مع قوله سبحانه: ﴿وَتُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا مُغْيَنَا﴾ [الإسراء: ٦٠] فقد وُجد التخويف بدون الخوف، ولا يقال: كسرته فما انكسر، والفرق بينهما مفصّل في ((عروس الأفراح))(١). وأما خامساً: فلأنَّ ما ذكره معارَضٌ بما فيه الهداية وليس فيه وصول إلى البغية، وقد مرَّ بعضه، ولهذا اختلفوا هل هي حقيقةٌ في الدلالة المطلقة مجازٌ في غيرها أو بالعكس، أو هي مشتركةٌ بينهما أو موضوعة لقَدْرٍ مشترك؟ وإلى كلِّ ذهب طائفة. قيل: والمذكور في كلام الأشاعرة أنَّ المختار عندهم ما ذكر في ((الكشاف)) وعند المعتزلة ما ذكرناه، والمشهور هو العكس. والتوفيق بأنَّ كلام الأشاعرة في المعنى الشرعي والمشهور مبنيٌّ على المعنى اللغوي أو العرفي، يخدشه اختيار صاحب (الكشاف)) مع تصلبه في الاعتزال ما اختاره، مع أنَّ الظاهر في القرآن المعنى الشرعي، فالأظهر للموفِّق عكس هذا التوفيق. والحقُّ عند أهل الحق أنَّ الهداية مشتركة بين المعنيين المذكورين وعدم الإهلاك، وبه يندفع كثير من القال والقيل. والمتقين: جمعُ متَّقٍ، اسم فاعل من وقاه فاتقى، ففاؤه واو لا تاء، والوقاية لغةً: الصيانة مطلقاً، وشرعاً: صيانة(٢) المرء نفسه عما يضرُّ في الآخرة، والمراتب متعدِّدةٌ لتعدُّد مراتب الضرر، فأولاها: التوقّي عن الشرك، والثانية: التجنب عن الكبائر، ومنها الإصرار على الصغائر، والثالثة: ما أشير إليه بما رواه الترمذي(٣) عنه وَّهِ: ((لا يبلغُ العبدُ أن يكون من المثَّقين، حتى يَدَعَ ما لا بأسَ به حَذَراً مماً به بأسٌ)» وفي هذه المرتبة يُعتبر ترك الصغائر، ولذا قيل: خَلِّ الذُّنوبَ كَبِيْرها وصَغِيْرها فَهْو التُّقَى (١) هو كتاب: عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح، لبهاء الدين السبكي. (٢) في الأصل: وقاية. (٣) برقم (٢٤٥١) من حديث عطية السعدي ﴿ه. وقال: حديث حسن غريب. الآية : ٢ ٣٤١ سُوَّةُ الْجَفَقَة ضِ الشَّوكِ يَخْذَر ما يَرَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوقَ أرِ إنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصَى(١) لا تَخْقِرَنَّ صَغِيْرةً وفي هذه المرتبة اختلفت عبارات الأكابر، فقيل: التقوى: أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. وقيل: التّبِّري عن الحول والقوة. وقيل: التنزُّه عن كل ما يشغل السرَّ عن الحق. وفي هذا الميدان تراكضت أرواح العاشقين وتفانت أشباح السالكين حتى قال قائلهم: وَلَو خَطَرَتْ لي في سِواكَ إرادةٌ عَلَى خَاطِرِي سَهْواً حَكَمْتُ بِرِذَّتِي(٢) وهداية الكتاب المبين شاملة لأرباب هذه المراتب أجمعين، فإن أريد بكونه ﴿هُدَّى لِلْمَّقِينَ﴾ إرشادُه إياهم إلى تحصيل المرتبة الأولى، فالمراد بهم المشارفون مجازاً؛ لاستحالة تحصيل الحاصل، وإيثارُه على العبارة المُعْرِبة عن ذلك للإيجاز، وتصديرِ السورة الكريمة بذكر أوليائه تعالى وتفخيم شأنهم. واعتبارُ المشارفة بالنظر إلى زمان نسبة الهدى، فلا ينافي حسن التعقيب بـ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٣]؛ لأنَّ ذلك - كما قيل - بالنظر إلى زمان إثبات تلك النسبة، كما يقال: قتل قتيلاً ودفن(٣) في موضع كذا، وربما جعل التقدير: هم الذين، في جواب: مَن المتقون؟ وحَمْلُ الكلِّ على المشارفة يأباه السوق. وقد يقال: ((المتقين)) مجاز بالمشارفة، والصفة ترشيح بلا مشارفة ولا تجوُّز كما هو المعهود في أمثاله، أو نقول: هو (٤) على حدٍّ: نبينا محمد نَّ الشفيع يوم المحشر، ولعله أولى(٥) . وإن أريد به إرشاده إلى تحصيل إحدى المرتبتين الأخيرتين، فإن عني بالمتقين (١) الأبيات لابن المعتز، وهي في ديوانه ص٢٦ . (٢) البيت لابن الفارض وهو في ديوانه ص٥٢. (٣) في (م): دفن. (٤) في الأصل: والصفة ترشيح بلا تجوز كما في أمثاله أو هو. (٥) في (م): فلا إشكال، بدل: ولعله أولى. سُورَةُ الْبَغَة ٣٤٢ الآية : ٢ أصحاب المرتبة الأولى تعيَّنت الحقيقة، وإن عني بهم أصحاب إحدى الطبقتين الأخيرتين تعيّن المجاز؛ لأنَّ الوصول إليهما إنما يتحقق بهدايته المترقبة(١)، وكذا الحال فيما بين المرتبة الثانية والثالثة، فإن أريد بالهدى الإرشاد إلى تحصيل المرتبة الثالثة، فإن عني بالمتقين أصحاب المرتبة الثانية، تعيَّنت الحقيقة، وإن عني بهم أصحاب المرتبة الثالثة، تعيَّن المجاز، ولفظ الهداية حقيقة في جميع الصور، وأما إن أُريد بكونه هدّى لهم تثبيتُهم على ما هم عليه أو إرشادهم (٢) إلى الزيادة فيه، على أن يكون مفهومها داخلاً في المعنى المستعمل فيه، فهو مجاز لا محالة، ولفظ ((المتقين)) حقيقة على كلِّ حالة، كذا حققه مولانا مفتي الديار الرومية (٣) ومنه يعلم اندفاع ما قيل: إنَّ الهداية إن فُسِّرت بالدلالة الموصِلة يقتضي أن يكون ﴿هُدَّى لِلْنَّقِينَ﴾ دالًّا على تحصيل الحاصل، كأنه قيل: دلالةٌ موصلة إلى المطلوب للواصلين إليه. وإن فُسِّرت بالدلالة على ما يوصِل كان هناك محذورٌ آخر، فإنَّ المهتدي إلى مقصوده يكون دلالته على ما يوصله إليه لغواً، ووجه الاندفاع ظاهر، لكن حقَّق بعض المحققين أنَّ الأظهر أنه لا حاجة إلى التجوُّز هنا؛ لأنه إذا قيل: السلاح عصمةٌ للمعتصم، والمال غنّى للغني، على معنى: سببُ غناه وعصمته، لم يلزم أن يكون السلاح والمال سببي عصمة وغنى حادثين غير ما هما فيه، فما نحن فيه غير محتاج للتأويل، وليس من المجاز في شيء؛ إذ المتَّقي مهتدٍ بهذا الهدى حقيقة. وقد اختلف أهل العربية والأصول في الوصف المشتق هل هو حقيقةٌ في الحال أو الاستقبال؟ وهل المراد زمان النسبة أو التكلم من غير واسطة بينهما؟ والذي عليه المحققون أنه زمان النسبة، وقد ذهب السبكيُّ والكرمانيُّ إلى أنَّ: ((من قتل قتيلاً فله سلبُه)) (٤) حقيقةٌ، وخطأًا مَن قال إنه مجاز، ولا يقال إنه لا مفاد لإثبات القتل لمقتولٍ به؛ لأنَّ قصد البليغ بمعونة القرينة العقلية أن القتل المتصف به صادرٌ (١) في الأصل و (م): المرقية، والمثبت من تفسير أبي السعود والكلام منه، على ما يأتي. (٢) في (م): وإرشادهم. (٣) تفسير أبي السعود ٢٨/١. (٤) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٢٢٦٠٧)، والبخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١) عن أبي قتادة الآية : ٢ ٣٤٣ سُؤَةُ الْبَرَة عن هذا القاتل دون غيره، فكأنه قيل: لم يشاركه فيه غيره فسلبه له دون غيره، ومن هنا جعل المعنى فيما نحن فيه: لا هدى للمتقين إلا بكتاب الله تعالى المتلألئ نورُ هدايته، الساطعِ برهانُ دلالته، وإذا عُلِّق حكمٌ على اسم الإشارة الموصوف نحو: عصرتُ هذا الخل مثلاً، فهناك تعليقان في الحقيقة؛ تعليق الحكم السابق بذات المشار إليه، وتعليق الإشارة، والمعتبر زمان الإشارة لا زمان الحكم السابق، فإذا صحَّ إطلاق الخلِّ على المشار إليه، واتصافه بالخَلّية مثلاً في زمان الإشارة - مع قطع النظر عن الحكم السابق - كان حقيقة؛ وإلا فمجاز، فافهم وتدبر. ثم لا يقدح في كونه هدّى ما فيه من المجمل والمتشابه؛ لأنه لا يستلزم كونُه هدی هدايته باعتبار کل جزء منه، فيجوز أن يذكر فيه ما فيه ابتلاء لذوي الألباب من الفحول بما لا تصل إليه الأفهام والعقول، أو لأنَّ ذلك لا ينفكُّ عن بيان المراد منه كما ذهب إليه الشافعي(١)، فهو بعد التبيين هدّى، وتوقّفُ هدايته على شيءٍ لا يضرُّ فيها، كما أنه على رأيٍ متوقّفٌ على تقدُّم الإيمان بالله تعالى ورسوله وَچ، فقد نصَّ الإمام(٢) على أنه: كل ما يتوقف صحة كون القرآن حجة على صحته لا يكون القرآن هدى فيه؛ کمعرفة ذات الله وصفاته، ومعرفة النبوَّات، لئلا يلزم الدور، إلا أن يكون هدى في تأكيد ما في العقول والاعتداد به. وبعضٌ صحَّح أنَّ القرآن في نفسه هدى في كل شيءٍ حتى معرفة الله تعالى لمن تأمَّل في أدلته العقلية وحججه اليقينية، كما يشعر به ظاهر قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] ويكون الاقتصار على المتقين هنا بناء على تفسيرنا الهداية مدحاً لهم، ليبيِّن سبحانه أنهم الذين اهتدوا وانتفعوا به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَنِهَا﴾ [النازعات: ٤٥] مع عموم إنذاره وَ*، وأما غيرهم فلا: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَّكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. وأما القول بأنَّ التقدير: هدى للمتقين والكافرين، فحذف لدلالة المتقين على حدٍّ ﴿سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] فمما لا يلتفت إليه. (١) في (م): الشافعية. (٢) في التفسير الكبير ٢/ ٢٢. سُورَةُ الْبَحَة ٣٤٤ الآية : ٣ هذا ولا يخفى ما في هذه الجمل والآيات من التناسق فـ (الّعّ) أشارت إلى ما أشارت، و(ذَلِكَ الْكِنَبُ) قرَّرت بعض إشارتها بأنه الكتاب الكامل الذي لا يحق غيره بأن(١) يسمَّى كتاباً في جنسه، أي: باب التحدِّي والهداية، و(لَا رَبُّ فِيهِ) كالتأكيد لأحد الركنين، و (هُدَّى لِلْمُنَّقِينَ) كالتأكید للرکن الآخر. وخلاصته: هو الحقيق بأن يُتحدَّى به لكمال نظمه في باب البلاغة، وكماله في نفسه وفيما هو المقصود منه، وقيل: بالحمل على الاستئناف، كأنه سئل: ما باله صار معجزاً؟ فأجيب: بأنه كامل بلغ أقصى الكمال لفظاً ومعنى، وهو معنى: (ذَلِكَ اُلْكِتَبُ) ثم سئل عن مقتضى الاختصاص بكونه هو الكتاب الكامل، فأجيب بأنه لا يحوم حوله ريب، ثم لما طولب بالدليل على ذلك استدل بكونه (هُدًى لِلْمُنَّقِينَ) لظهور اشتماله على المنافع الدينية والدنيوية، والمصالح المعاشية والمعادية، بحيث لا ينكره إلا من کابر نفسه، وعاند عقله وحسَّه. وقد يقال: الإعجاز مستلزمٌ غاية الكمال، وغاية كمال الكلام البليغ ببعده من الريب والشُّبَه لظهور حقِّيَّته، وذلك مقتضٍ لهدايته وإرشاده، فإن نُظر إلى اتحاد المعاني بحسب المآل، كان الثاني مقرّراً للأول، فلذا ترك العطف، وإن نُظر إلى أنَّ الأول مقتضٍ لما بعده للزومه بعد التأمل الصادق، فالأول؛ لاستلزامه ما یلیه، وكونه في قوته يجعله منزَّلاً منه منزلة بدل الاشتمال، لما بينهما من المناسبة والملازمة، فوزانه وزان: حُسْنها، في: أعجبتني الجاريةُ حُسْنها، وتُرك العطف حينئذٍ لشدَّة الاتصال بين هذه الجمل. وفيها أيضاً من النكت الرائقة والمزايا الفائقة ما لا يخفى جلالة قدره على من مرَّ ما ذكرناه على فكره. ﴾ صفةٌ للمتقين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصََّلَوَةَ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ ( قبل، فإن أُريد بالتقوى أولى مراتبها فمخصّصة، أو ثانيتها فكاشفة، أو ثالثتها فمادحة. وفي ((شرح المفتاح)) الشريفي: إن حُمل المتقي على معناه الشرعي . أعني الذي يفعل الواجبات ويترك السيئات - فإن كان المخاطب جاهلاً بذلك (١) في (م): أن. الآية : ٣ ٣٤٥ سُؤَةُ الْبَعَة المعنى، كان الوصف كاشفاً، وإن كان عالماً كان مادحاً، وإن حُمل على ما يقرِّب من معناه اللغوي، كان مخصِّصاً، واستظهر كون الموصول مفصولاً قصد الإخبار عنه بما بعده لا إثباته لما قبله، وإن فهم ضمناً، فهو وإن لم يَجْرِ عليه کالجاري، وهذا كافٍ في الارتباط، والاستئناف إما نحويٌّ أو بيانيٍّ، كأنه قيل: ما بال المتقين خُصُّوا بذلكَ الهدى؟ والوقف على المتقين تامٌّ على هذا الوجه، حسنٌ على الوجه الأول. والإيمان في اللغة: التصديق، أي: إذعان حكم المخبر وقبوله وجعله صادقاً . وهو إفعالٌ من الأمن، كأنَّ حقيقةَ آمن به: آمَنَه التكذيب والمخالفة، ويتعدَّى باللام كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّوْمِنُ لَكَ وَأَتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وبالباء كما في قوله وَّ ر: ((الإيمان أن تؤمن بالله))(١) الحديث. قالوا: والأول باعتبار تضمينه معنى الإدغان، والثاني باعتبار تضمينه معنى الاعتراف، إشارة إلى أنَّ التصديق لا يعتبر ما لم يقترن به الاعتراف. وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إنَّ الواثق صار ذا أمن، وهو فيه حقيقة عرفية أيضاً كما في ((الأساس))(٢)، ويُفهِم مجازيَّته ظاهرُ كلام ((الكشاف))(٣). وأما في الشرع، فهو: التصديق بما علم مجيء النبيِّ وَّزبه ضرورة، تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً، وهذا مذهب جمهور المحققين، لكنهم اختلفوا في أنَّ مناط الأحكام الأخروية مجرَّدُ هذا المعنى، أم مع الإقرار؟ فذهب الأشعريُّ وأتباعه إلى أنَّ مجرَّد هذا المعنى كافٍ؛ لأنه المقصود، والإقرار إنما هو ليُعلم وجوده، فإنه أمرٌ باطن، ويجري عليه الأحكام، فمن صدَّق بقلبه وترك الإقرار مع تمكّنه منه، كان مؤمناً شرعاً فيما بينه وبين الله تعالى، ويكون مقرُّه الجنة، لكن ذكر ابن الهمام أنَّ أهل هذا القول اتفقوا على أنه يلزم أن يعتقد أنه متى طُلب منه الإقرار أتى به، فإن طولب ولم يقرَّ فهو كفرُ عناد(٤). (١) قطعة من حديث عمر بن الخطاب ه، وقد سلف تخريجه ص٢٩٥. (٢) أساس البلاغة (أمن). (٣) ١٢٦/١. (٤) المسامرة شرح المسايرة ص ٢٨٣. سُورَةُ الَقَة ٣٤٦ الآية : ٣ وذهب إمامنا أبو حنيفة - رحمه الله - وغالبُ من تبعه إلى أنَّ الإقرار وما في حكمه كإشارة الأخرس، لا بدَّ منه، فالمصدِّق المذكور لا يكون مؤمناً إيماناً يترتب عليه الأحكام الأخروية، كالمصلي مع الرياء، فإنه لا تنفعه صلاته، ولعل هذا لأنه تعالى ذمَّ المعاندين أكثر مما ذمَّ الجاهلين المقصِّرين، وللمانع أن يجعل الذم للإنكار اللساني، ولا شك أنه علامة التكذيب، أو للإنكار القلبي الذي هو التكذيب، وحاصل ذلك منع حصول التصديق للمعاند، فإنه ضد الإنكار، وإنما الحاصل له المعرفة التي هي ضد النكارة والجهالة، وقد اتفقوا على أنَّ تلك المعرفة خارجة عن التصديق اللغوي وهو المعتبر في الإيمان. نعم اختلفوا في أنها هل هي داخلة في التصوُّر أم في التصديق المنطقي، فالعلامة الثاني(١) على الأول، وأنه يجوز أن تكون الصورة الحاصلة من النسبة التامة الخبرية تصوُّراً، وأنَّ التصديق المنطقيَّ بعينه التصديق اللغوي، ولذا فسره رئيسهم(٢) في الكتب الفارسية بـ ((كروِيدَن))، وفي العربية بما يخالف التكذيب والإنكار، وهذا بعينه المعنى اللغوي، ويؤيده ما أورده السيد السند في ((حاشية شرح التلخيص)): أنَّ المنطقيَّ إنما يبين ما هو في العرف واللغة، إلا أنه يرد أنَّ المعنى المعبّر عنه بـ ((كروِيدَن)) أمرٌ قطعيٍّ، وقد نصَّ عليه العلامة في ((المقاصد))(٣)، ولذا يكفي في باب الإيمان التصديقُ البالغ حدَّ الجزم والإذعان، مع أنَّ التصديق المنطقيَّ يعمُّ الظنيَّ بالاتفاق، فإنهم يقسمون العلم بالمعنى الأعم تقسيماً حاصراً إلى التصور والتصديق، توسُّلاً به إلى بيان الحاجة إلى المنطق بجميع أجزائه التي منها القياس الجدلي المتألف من المشهورات والمسَلَّمات، ومنها القياس الخطابي المتألّف من(٤) المقبولات والمظنونات، والشعري المتألف من المخيلات، فلو لم يكن التصديق المنطقيُّ عامًّا لم يثبت الاحتياج إلى هذه الأجزاء، وهو ظاهر، وصدر الشريعة على الأخير فإنَّ التصديق الحاصل من النسبة التامة الخبرية تصديق قطعاً، فإن كان حاصلاً بالقصد والاختيار بحيث يستلزم الإذعان والقبول، فهو (١) المقصود به التفتازاني. (٢) المقصود به ابن سينا . (٣) ينظر شرح المقاصد ١٨٧/٥ - ١٨٨. (٤) من قوله: المشهورات، إلى هذا الموضع ليس في الأصل. الآية : ٣ ٣٤٧ سُورَةُ الشَّرَ تصدیقٌ لغويٌّ، وإن لم یکن کذلك، کمن وقع بصره على شيءٍ فعلم أنه جدار مثلاً ، فهو معرفة يقينية وليس بتصديق لغوي، فالتصديق اللغويُّ عنده أخصُّ من المنطقي. وذهب الكرَّامية إلى أنَّ الإيمان شرعاً إقرار اللسان بالشهادتين لا غير، والخوارج والعلَّاف وعبد الجبار(١) من المعتزلة إلى أنَّ كلَّ طاعة إيمانٌ، فرضاً كانت أو نفلاً، والجُبَّائي وابنه وأكثر معتزلة البصرة إلى أنه الطاعات المفترضة دون النوافل منها، والقلانسيُّ من أهل السنة والنجار من المعتزلة - وهو مذهب أكثر أهل الأثر - إلى أنه المعرفة بالجَنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. قيل: وسرُّ هذا الاختلاف: الاختلافُ في أنَّ المكلّف هو الروح فقط، أو البدن فقط، أو مجموعهما. والحقُّ أَنَّ منشأً كلِّ مذهب دليلٌ دعا صاحبه إلى السلوك فيه . وأوضح المذاهب أنه التصديق، ولذا قال يعسوب المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه: إنَّ الإيمان معرفة، والمعرفة تسليم، والتسليم تصديق. ويؤيد هذا المذهب قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَلَنَّا يَدْخُلِ اَلْإِيَنُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] وقوله تعالى: ﴿وَقَلْبُهُ، مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اللهم ثبِّت قلبي على دينك))(٢). حيث نسبه فيها - وفي نظائرها الغير المحصورة - إلى القلب، فدلَّ ذلك على أنه فعل القلب، وليس سوى التصديق، إذ لم يبيَّن في الشرع بمعنى آخر، فلا نَقْلَ، وإلا لكان الخطاب بالإيمان خطاباً بما لا يفهم، ولأنه خلاف الأصل فلا يصار إليه بلا دليل. واحتمال أن يراد بالنصوص الإيمان اللغوي - وهو الذي محلُّه القلب - لا الإيمان الشرعي، فيجوز أن يكون الإقرار وغيره(٣) جزءاً من معناه، يدفعه أن الإيمان من المنقولات الشرعية بحسب خصوص المتعلق، ولذا بيَّن ◌َټمتعلقه دون (١) عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار أبو الحسن الهمداني، شيخ المعتزلة. توفي سنة (٤١٥هـ). سير أعلام النبلاء ٢٤٤/١٧. (٢) سلف تخريجه ص ٣٠٥ من هذا الجزء. (٣) في (م): أو غيره. سُوَّةُ الْبََّقَة ٣٤٨ الآية : ٣ معناه فقال: ((أن تؤمن بالله وملائكته)) الحديث(١)، فهو في المعنى اللغوي مجاز في كلام الشارع، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وأيضاً ورد عطف الأعمال على الإيمان؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الْضَلِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] والجزء لا يعطف على كلِّه، و﴿نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُّ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] على أحد الوجهين بتأويل الخروج لاعتبارٍ خطابي، وتخصيصُها بالنوافل بناء على خروجها خلافُ الظاهر، وكفى بالظاهر حجّة. وأيضاً جعل الإيمان شرط صحة الأعمال؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط؛ لامتناع اشتراط الشيء لنفسه، إذ جزء الشرط شرط. وأيضاً ورد إثبات الإيمان لمن ترك بعض الأعمال كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌َِّفَانِ مِنَ الْمُؤْمِينَ آَقْتَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] مع أنه لا تحقق(٢) للشيء بدون ركنه. وأيضاً ما ذكرناه أقربُ إلى الأصل، إذ لا فرق بينهما إلا باعتبار خصوص المتعلق كما لا يخفى. وقد أورد الخصم وجوهاً في الإلزام؛ الأول: أن الإيمان لو كان عبارة عن التصديق لما اختَلَفَ، مع أن إيمان الرسول وَلا يشبهه إيمان العوامِّ، بل ولا الخواصِ. الثاني: أنَّ الفسوق يناقض الإيمان ولا يجامعه، بنصّ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمَنَ وَزَيَّنَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَاَلْفُسُوقَ﴾ [الحجرات: ٧] ولو كان بمعنى التصديق لما امتنع مجامعته. الثالث: أنَّ فعل الكبيرة مما ينافيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] مع قوله تعالى في المرتكب: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأَفَةٌ﴾ [النور: ٢] ولو كان بمعنى التصديق ما نافاه. (١) سلف تخريجه ص٢٩٥ . (٢) في (م): لا يتحقق. الآية : ٣ ٣٤٩ سُوَّةُ الْبَةَ الرابع: أنَّ المؤمن غير مخزيٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةٌّ﴾ [التحريم: ٨] وقال سبحانه في قطّاع الطريق: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيّاً وَلَهُمْ فِ آَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] فهم ليسوا بمؤمنين مع أنهم مصدِّقون. الخامس: مستطيع الحج إذا تركه من غير عذر كافر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَبِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] مع أنه مصدِّق. السادس: من لم يحكم بما أنزل الله مصدِّق، مع أنه كافر بنصّ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. السابع: أنَّ الزاني كذلك بنصِّ قوله وَّ: ((لا يزني الزاني وهو مؤمن)»(١)، وكذا تارك الصلاة عمداً من غير عذر، وأمثال ذلك. الثامن: أنَّ المستخفَّ بنبيِّ مثلاً مصدِّقٌ، مع أنه كافر بالإجماع. التاسع: أنَّ فعل الواجبات هو الدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُكَفَاةَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْنُوا الزَّكَوَةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] والدين هو الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] والإسلام هو الإيمان؛ لأنه لو كان غيره لما قُبلَ من مبتغيه؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اُلْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. العاشر: أنه لو كان هو التصديق لما صحَّ وصف المكلّف به حقيقة إلا وقت صدوره منه، كما في سائر الأفعال، مع أنَّ النائم والغافل يوصفان به إجماعاً، مع أنَّ التصديق غيرُ باقٍ فيهما. الحادي عشر: أنه يلزم أن يقال لمن صدَّق بإلهية غير الله سبحانه: مؤمن، وهو خلاف الإجماع. الثاني عشر: أنَّ الله تعالى وصف بعض المؤمنين به عزَّ وجلَّ بكونه مشركاً فقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ولو كان هو التصديق لامتنع (١) سلف تخريجه ص ١٧٧ من هذا الجزء. سُورَةُ الْبَقَة ٣٥٠ الآية : ٣ مجامعته للشرك، سلَّمنا أنه هو، ولكن ما المانع أن يكون هو التصديق باللسان كما قاله الكرَّامية، كيف وأهل اللغة لا يفهمون من التصديق غير التصديق باللسان؟ وأجيب عن الأول: بأنَّ التصديق الواحد وإن سلَّمنا عدم الزيادة والنقصان فيه من النبيِّ والواحد منا، إلا أنه لا يمتنع التفاوت بين الإيمانين بسبب تخلل الغفلة والقوة بين أعداد الإيمان المتجددة وقلةٍ تخللها، أو بسبب عروض الشُّبَهِ والتشكيكات وعدمٍ عروضها، وللنبيِّ الأكملِ الأكملُ وَالآتى: وَلِلزّنبورِ والبَازِي جَمِيْعاً لَدَى الطَّيرانِ أَجْنِحَةٌ و ◌َخَفْقُ وَمَا يَصْطَادُهُ الزّنبورُ فَرْقُ(١) ولكنْ بينَ ما يَصْطّادُ بَازٍ وعن الثاني: بأن الآية ليس فيها ما يدل على أن الفسوق لا يجامع الإيمان، فإنه لو قيل: حبَّب إليكم العلم وكرَّه إليكم الفسوق، لم يدلَّ على المناقضة بين العلم والفسوق، وكون الكفر مقابلاً للإيمان لم يُستفد من الآية بل من خارج، ولئن سلَّمنا دلالة الآية على ما ذكرتم، إلا أن ذلك معارَض بما يدلُّ على عدمه؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فإنه يدلُّ على مقارنة الظلم للإيمان في بعض. وعن الثالث: بأنَّا لا نسلِّم أنَّ فعل الكبيرة منافٍ للإيمان: ﴿وَلَا تَأْخُذُكُم بِمَا رَأَفَةٌ فِي بِنِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] على معنى: لا تحملَّنكم الشفقة على إسقاط حدود الله تعالى بعد وجوبها . وعن الرابع: بأنَّ ما ذكر من الآيتين ليس فيه دلالة؛ لأنَّ آية نفي الخزي إنما دلَّت على نفيه في الآخرة عن المؤمنين مطلقاً، أو أصحابه بَ له، وآية القاطع دالّةٌ على الخزي في الدنيا، ولا يلزم من منافاة الخزي يوم القيامة للإيمان منافاته للإيمان في الدنيا . وعن الخامس: بأنَّا لا نسلم كفرَ من ترك الحجَّ من غير عذر، ﴿وَمَنْ كَفَّرَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ابتداء كلام، أو المراد: من لم يصدِّق بمناسك الحج وجحدها، ولا يتصوَّر مع ذلك التصديق. (١) البيتان للحسين بن عبد الله بن رواحة الأنصاري، وهما في معجم الأدباء ٥٦/١٠ عند ترجمته. الآية : ٣ ٣٥١ سُورَةُ الْبَقَة وعن السادس: بأنَّ معنى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُر﴾ الآية [المائدة: ٤٤]: من لم يصدِّق، أو: من لم يحكم بشيء مما نزَّل الله، أو المراد بذلك: التوراة؛ بقرينة السابق. وعن السابع: بأنه يمكن أن يقال: معنى ((لا يزني الزاني وهو مؤمن)) أي: آمِنٌ من عذاب الله، أي: إن زنى - والعياذ بالله - فليَخَفْ عذابه سبحانه وتعالى ولا يَأْمَنْ مَكْرَه، أو المراد: لا يزني مستحلاً لزناه وهو مؤمن، أو لا يزني وهو على صفات المؤمن من اجتناب المحظورات، وهذا التأويل أولى من مخالفة الأوضاع اللغوية لکثرته دونها، وکذا یقال في نظائر هذا. وعن الثامن: بأنَّا لا ننكر مجامعة الكبائر للإيمان عقلاً، غير أنَّ الأمة مجمعة على إكفار المستخفِّ، فعلمنا انتفاء التصديق عند وجود الاستخفاف - مثلاً - سمعاً، والجمع بين العمل بوضع اللغة وإجماع الأمة على الإكفار أولى من إبطال أحدهما . وعن التاسع: بأنَّ الآية قد فرَّقت بين الدين وفعل الواجبات؛ للعطف، وهو ظاهراً دليل المغايرة، سلمنا أنَّ الدين فعل الواجبات وأنَّ الدين هو الإسلام، لكن لا نسلِّم أنَّ الإسلام هو الإيمان، وليس المراد بغير الإسلام في الآية ما هو مغايرٌ له بحسب المفهوم، وإلا يلزم أن لا تقبل الصلاة والزكاة مثلاً، بل المغاير له بحسب الصدق، فحينئذٍ يحتمل أن يكون الإسلام أعمَّ، وهذا كما إذا قلت: من يبتغ غير العلم الشرعي فقد سها، فإنك لا تحكم بسهو من ابتغى الكلام، وظاهرٌ أنَّ ذَّ غير الأعمِّ لا يستلزم ذمَّ الأخصّ، فإنَّ قولك: غير الحيوان مذموم، لا يستلزم أن يكون الإنسان مذموماً. وعن العاشر: بأنه مشترك الإلزام، فما هو جوابكم فهو جوابنا، على أنَّا نقول: التصديق في حالة النوم والغفلة باق في القلب، والذهول إنما هو عن حصوله، والنوم ضدٌّ لإدراك الأشياء ابتداء، لا أنه مناف لبقاء الإدراك الحاصل حالة اليقظة، سلمنا، إلا أنَّ الشارع جعل المحقَّق الذي لا يطرأ عليه ما يضادُّه في حكم الباقي، حتى كان المؤمن اسماً لمن آمن في الحال أو في الماضي، ولم يطرأ عليه ما هو علامة التكذيب. سُورَةُ الْبَقَ ٣٥٢ الآية : ٣ وعن الحادي عشر: بأنَّ عدم تسمية من صدَّق بإلهية غير الله مؤمناً، إنما هو لخصوصية متعلق الإيمان شرعاً، فتسميته مؤمناً يصحُّ نظراً إلى الوضع اللغوي، ولا يصح نظراً إلى الاستعمال الشرعي. وعن الثاني عشر: بأنَّ الإيمان ضدُّ الشرك بالإجماع، وما ذكروه لازمٌ على كل مذهب، ونحن نقول: إن الإيمان هناك لغوي؛ إذ في الشرع يعتبر التصديق بجميع ما عُلم مجيئه به صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم، فالمشرك المصدِّق ببعضٍ لا يكون مؤمناً إلا بحسب اللغة دون الشرع؛ لإخلاله بالتوحيد، والآية إشارة إليه. وقولهم: أهل اللغة لا يفهمون، إلخ، مجردُ دعوى لا يساعدها البرهان، نعم لا شك أنَّ المقِرَّ باللسان وحده يسمَّى مؤمناً لغة، لقيام دليل الإيمان الذي هو التصديق القلبي فيه، كما يطلق الغضبان والفرحان على سبيل الحقيقة لقيام الدلائل الدالة عليها من الآثار اللازمة للغضب والفرح، ويجري عليه أحكام الإيمان ظاهراً، ولا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في كونه مؤمناً عند الله تعالى، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده كما كانوا يحكمون بإيمان من تكلّم بالشهادتين، كانوا يحكمون بكفر المنافق، فدلّ على أنه لا يكفي في الإيمان فعل اللسان، وهذا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، وكأنه لهذا اشترط الرَّقاشي والقطّان مواطأة القلب مع المعرفة عند الأول، والتصديق المكتسب بالاختيار عند الثاني. وقال الكرَّامية: من أضمر الإنكار وأظهر الإذعان، وإن كان مؤمناً لغة وشرعاً لتحقق اللفظ الدالّ الذي وضع لفظ الإيمان بإزائه، إلا أنه يستحقُّ ذلك الشخص الخلود في النار؛ لعدم تحقّق مدلول ذلك اللفظ الذي هو مقصودٌ من اعتبار دلالته. هذا وبعد سبر الأقوال في هذا المقام لم يظهر لي بأس فيما ذهب إليه السلف الصالح، وهو أنَّ لفظ الإيمان موضوعٌ للقَدْر المشترك بين التصديق وبين الأعمال، فيكون إطلاقه على التصديق فقط، وعلى مجموع التصديق والأعمال حقيقة، كما أنَّ المعتبر في الشجرة المعيَّنة - بحسب العرف - القدر المشترك بين ساقها ومجموع ساقها مع الشُّعَب والأوراق، فلا يطلق الانعدام عليها ما بقي الساق، فالتصديق بمنزلة أصل الشجرة، والأعمال بمنزلة فروعها وأغصانها، فما دام الأصل باقياً يكون الإيمان باقياً. الآية : ٣ ٣٥٣ سُوَرَّةُ الْبَقَة وقد ورد في الصحيح: ((الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة؛ أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق))(١). وقريبٌ من هذا قولُ مَن قال: إنَّ الأعمال آثار خارجة عن الإيمان مسيِّبة له، ويطلق عليها لفظ الإيمان مجازاً. ولا مخالفة بين القولين إلا بأنَّ إطلاق اللفظ عليها حقيقة على الأول مجاز على الثاني، وهو بحثٌ لفظيٍّ، والمتبادر من الإيمان هنا التصديق كما لا يخفى. والغيبُ: مصدرٌ أُقيم مُقام الوصف - وهو غائب - للمبالغة بجعله كأنه هو، وجَعْلُه بمعنى المفعول يردُّه - كما في ((البحر))(٢) - أنَّ الغيب مصدرُ غاب، وهو لازم لا يبنى منه اسم مفعول، وجعله تفسيراً بالمعنى - لأنَّ الغائب يغيب بنفسه - تكلُّفٌ من غير داع. أو فَيْعِل خُفِّف؛ كَقَيْلٍ (٣) ومَيْتٍ. وفي (البحر))(٤): لا ينبغي أن يدعى ذلك إلا فيما سمع مخفَّفاً ومثقّلاً. وفسَّره جمعٌ هنا بما لا يقع تحت الحواسِّ ولا تقتضيه بداهة العقل، فمنه ما لم يُنْصَبْ عليه دليل وتفرَّد بعلمه اللطيف الخبير سبحانه وتعالى؛ كعلم القَدَر مثلاً، ومنه ما نُصِب عليه دليلٌ كالحقِّ تعالى وصفاته العلا، فإنه غيبٌ يعلمه من أعطاه الله تعالى نوراً، على حسب ذلك النور، فلهذا تجد الناس متفاوتين فيه، وللأولياء نفعنا الله تعالى بهم الحظّ الأوفر منه. ومن هنا قيل: الغيب مشاهدة الكلِّ بعين الحقِّ، فقد يُمنح العبد قرب النوافل، فيكون الحق سبحانه بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويرقى من ذلك إلى قرب الفرائض، فيكون نوراً، فهناك يكون الغيب له شهوداً، والمفقود لدینا عنده موجوداً، ومع هذا لا أُسوِّغُ لمن وصل إلى ذلك المقام أن يقال فيه: إنه يعلم الغيب: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. (١) سلف تخريجه ص٣٢٥. (٢) البحر المحيط ٤٠/١. (٣) بفتح القاف، واحد الأقيال، وهو ملك حمير، وأصله: قيِّل، مشدداً. حاشية الشهاب ٢١٦/١. (٤) ١/ ٤٠. سُوَّةُ الْبَحْمَة ٣٥٤ الآية : ٣ وقُلْ لِقَتِيْلِ الحُبِّ وفَّيْتَ حَقَّه وللمُدَّعِي هَيْهَات ما الكَحَلُ الكَحْلُ(١) واختلف الناس في المراد به هنا على أقوال شتى، حتى زعمت الشيعة أنه القائم(٢)، وقعدوا عن إقامة الحجة على ذلك. والذي يميل إليه القلب أنه: ما أخبر به الرسول و 98في حديث جبريل عليه السلام، وهو: الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ لأنَّ الإيمان المطلوب شرعاً هو ذاك، لاسيَّما وقد انضمَّ إليه الوصفان بعده، وكون ذلك مستلزماً لإطلاق الغيب عليه سبحانه ضمناً، والغيب والغائب ما يجوز عليه الحضور والغیبة مما لا يضرّ، إذ ليس فيه إطلاقه علیه سبحانه بخصوصه، فهذا ليس من قبيل التسمية، على أنه لا نسلِّم أنَّ الغيب لا يستعمل إلّا فيما يجوز عليه الحضور، وبعض أهل العلم فرَّق بين الغيب والغائب فيقولون: الله تعالى غيب وليس بغائب، ويعنون بالغائب: ما لا يراك ولا تراه، وبالغيب: ما لا تراه أنت، ولا يبعد أن يقال بالتغليب ليدخل إيمان الصحابة وه به خلقه، إذ ليس بغيب بالنسبة إليهم. أو يقال: الإيمان به عليه الصلاة والسلام راجعٌ إلى الإيمان برسالته مثلاً، إذ لا معنى للإيمان به نفسه معرَّى عن الحيثيات، ورسالته غيبٌ نُصب عليها الدليل كما نصب لنا وإن افترقنا بالخبر والمعاينة، أو أنه من إسناد ما للبعض إلى الكلِّ مجازاً؛ كـ: بنو فلانٍ قتلوا فلاناً، أو المراد أنهم يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، فاستوى عندهم المشاهَدُ وغيره. واختار أبو مسلم الأصفهاني(٣) أنَّ المراد أنَّ هؤلاء المتقين يؤمنون بالغيب، أي: حال الغيبة عنكم، كما يؤمنون حال الحضور، لا كالمنافقين الذين: ﴿وَإِذَا لَقُّواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا غَْنُ مُسْتَهْزِءُونَ﴾ [البقرة: ١٤] فهو على حدِّ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّ لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ﴾ [يوسف: ٥٢]. (١) البيت لابن الفارض وهو في ديوانه ص ١٣٤ والكَحَل: سواد في أجفان العين خلقة، فكأنها كحلت وهي لم تكحل. معجم متن اللغة (كحل). (٢) هو محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عند الشيعة. ينظر مجمع البيان ١/ ٨٢، وتفسير الرازي ٢٨/٢ . (٣) هو محمد بن بحر المعتزلي، له تفسير: جامع التأويل لمُخكم التنزيل، على مذهب المعتزلة، توفي سنة (٣٢٢هـ). معجم الأدباء ٣٥/١٨. الآية : ٣ ٣٥٥ سُورَةُ الْجَمَ ويحتمل أن يقال: حالَ غيبةِ المؤمَنِ به؛ ففي ((سنن الدارمي))(١) عن ابن مسعود ﴿ه أنَّ الحارث بن قيس قال له: عند الله نحتسب ما سبقتمونا إليه من رؤية رسول الله ◌َ، فقال ابن مسعود: عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد ◌َ له ولم تروه، إِنَّ أَمْرَ محمد ﴿ ﴿كان بيِّناً لمن رآه، والذي لا إله إلا هو ما آمن أحد أفضل من إلى إيمانٍ بغيب، ثم قرأ: ﴿ الّ ◌َ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ هُدًى لِلْنَّقِينَ ®®)﴾. ولا يلزم من تفضيل إيمان على آخر من حيثيةٍ تفضيلُه عليه قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ من سائر الحيثيات، ولا تفضيلُ المتَّصف بأحدهما على المتصف بالآخر، فإنَّ الأفضلية تختلف بحسب الإضافات والاعتبارات، وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل، ويا ليت ابن مسعود ظُ سكّن لوعة الحارث بما ورد عنه وَ ل مرفوعاً: (نَعَم قومٌ يكونون بعدكم، يؤمنون بي ولم يروني))(٢). وما كان أغناه ضُه عما أجاب به، إذ يخرج الصحابة * عن هذا العموم الذي في هذه الآية، كما يشعر به قراءته لها مستشهداً بها، وبه قال بعض أهل العلم، وأنا لا أميل إلى ذلك. وقيل: المراد بالغيب القلب، أي: يؤمنون بقلوبهم، لا كمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. والباء على الأول للتعدية، وعلى الثاني والثالث للمصاحبة، وعلى الرابع للآلة. وقرأ أبو جعفر وعاصم في رواية الأعشى عن أبي بكر بترك الهمزة من (يؤمنون))(٣)، وكذا كلُّ همزة ساكنة، بل قد يتركان كثيراً من المتحركة مثل ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] و﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ،﴾ [آل عمران: ١٣] وتفصيل مذهب أبي جعفر طويل، وأما أبو عمرو فيترك كلَّ همزة ساكنة إلا أن يكون سكونها علامة للجزم مثل ﴿وَيُّهَيِّى لَكُ﴾ [الكهف: ١٦] و﴿وَنَبِتْهُمْ﴾ [الحجر: ٥١] و﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ﴾ [الإسراء: ١٤] فإنه لا يترك الهمزة فيها، وروي عنه أيضاً الهمز في الساكنة، وأما نافع فيترك كلَّ (١) كذا نقل المصنف عن الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي ١/ ٢١٧، ولم نقف عليه في سنن الدارمي، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (١٨١ - تفسير)، وأبو الليث السمرقندي في تفسيره ١/ ٩٠، والحاكم ٢/ ٢٦٠ وصححه. (٢) أخرجه أحمد (١٦٩٧٦) من حديث أبي جمعة حبيب بن سباع ضائه. (٣) ذكر هذه الرواية عن عاصم ابنُ مجاهد في السبعة ص ١٣٠، والمشهور عنه الهمز. سُورَةُ الَّقَة ٣٥٦ الآية : ٣ همزة ساكنة ومتحركة إذا كانت فاء الفعل نحو ((يومنون)) و((لا يواخذكم)) واختلفت قراءة الكسائي وحمزة، ولكلٍّ مذهب يطول ذكره(١). ويقيمون: من الإقامة، يقال: أقمتُ الشيء إقامة، إذا وفَّيت حقَّه، قال تعالى: ﴿لَسْتُمْ عَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنجِلَ﴾ [المائدة: ٦٨] أي: توقُّوا حقَّهما بالعلم والعمل. ومعنى يقيمون الصلاة: يعدِّلون أركانها بأن يوقعوها مستجمعة للفرائض والواجبات، أو لها مع الآداب والسنن، من أقام العود: إذا قوَّمه. أو: يواظبون عليها ويداومون، من قامت السوق: إذا نَفَقَت، وأقمتها إذا جعلتها نافقة. أو: يتشمَّرون لأدائها بلا فترة عنها ولا تَوانٍ، من قولهم: قام بالأمر وأقامه: إذا جدًّ فيه. أو: يؤدُّونها ويفعلونها، وعبَّر عن ذلك بالإقامة؛ لأنَّ القيام بعض أركانها، فهذه أربعة أوجه. وفي الكلام على الأولَين منها استعارة تبعيَّة، وعلى الأخیرین مجاز مرسل، وبيان ذلك في الأول: أنْ يشبَّه تعديل الأركان بتقويم العود بإزالة اعوجاجه، فهو قويم تشبيهاً له بالقائم، ثم استعير الإقامة من تسوية الأجسام التي صارت حقيقة فيها لتسوية المعاني؛ كتعديل أركان الصلاة على ما هو حقها. وقيل: الإقامة بمعنى التسوية حقيقةٌ في الأعيان والمعاني، بل التقويم في المعاني كالدِّين والمذهبِ أكثر، فلا حاجة إلى الاستعارة. ولا يخفى ما فيه، فإنَّ المجازية ما لا شبهة فيها دراية ورواية، وذاك الاستعمال مجازٌ مشهورٌ أو حقيقة عرفية. وفي الثاني: بأنَّ نَفاق السوق كانتصاب الشخص في حسن الحال والظهور التامِّ، فاستعمل القيام فيه والإقامة في إنفاقها، ثم استعيرت منه للمداومة، فإنَّ كلَّا منهما يجعل متعلِّقه مرغوباً متنافساً فيه متوجهاً إليه، وهذا معنى لطيفٌ لا يقف عليه إلا الخواصُّ، إلا أنَّ فيه تجوُّزاً من المجاز، وكأنه لهذا مال الطيبيُّ إلى أنَّ في هذا (١) ينظر تفصيل هذا البحث في السبعة ص ١٣٠- ١٣٢، والتيسير ص٣٤ وما بعدها، والنشر في القراءات العشر ٣٩٠/١ وما بعدها. الآية : ٣ ٣٥٧ سُوَّةُ الْبَقَة الوجه كناية تلويحية، حيث عبَّر عن الدوام بالإقامة، فإن إقامة الصلاة بالمعنى الأول مُشْعِرةٌ بكونها مرغوباً فيها، وإضاعتها تدلُّ على ابتذالها، كالسوق إذا شوهدت قائمة دلَّت على نَفاق سلعتها، ونَفاقُها على توجُّه الرغبات إليها، وهو يستدعي الاستدامة، بخلافها إذا لم تكن قائمة. وفي الثالث: بأنَّ القيام بالأمر يدلُّ على الاعتناء بشأنه ويلزمه التشمُّر، فأطلق القيام على لازِمه، وقد يقال: بأنَّ: قام بالأمر، معناه: جدَّ فيه وخرج عن عهدته بلا تأخير ولا تقصير، فكأنه قام بنفسه لذلك وأقامه، أي: رفعه على كاهله بجملته، فحينئذ يصحُّ أن يكون فيه استعارة تمثيلية أو مكنية أو تصريحية، ويجوز أن يكون أيضاً مجازاً مرسلاً، لأنَّ من قام لأمرٍ على أقدام الإقدام، ورفعه على كاهل الجدِّ، فقد بذل فيه جهده . وفي الرابع: بأنَّ الأداء المراد به فعل الصلاة، والقيد خارج عبّر عنه بالإقامة بعلاقة اللزوم؛ إذ يلزم من تأدية الصلاة وإيجادها كلها فعلُ القيام وهو الإقامة؛ لأنَّ فعل الشيء فعلٌ لأجزائه، أو العلاقة الجزئية؛ لأنَّ الإقامة جزءٌ أو جزئي لمطلق الفعل، ويجوز أن يكون هناك استعارةٌ لمشابهة الأداء للإقامة في أنَّ كلَّ منهما فعل متعلق بالصلاة. وإلى ترجيح أول الأوجه مال جمعٌ؛ لأنه أظهر وأقرب إلى الحقيقة وأَفْيَد، وهو المرويُّ عن ترجمان القرآن ابن عباس چ، كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه (١)، ولعل ذلك منه عن توقيف من رسول الله وَله، أو حمل لكلام الله سبحانه وتعالى على أحسن محامله، حيث إنه المناسب لترتيب الهدى الكامل والفلاح التام الشامل، وفيه المدح العظيم والثناء العميم، ولا يبعد أن يقال باستلزامه لما في الأوجه الأخيرة. وتعيُّن الأخير كما قيل في حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام)»(٢) لا يضرُّ في أرجحية الأول في الكلام القديم، إذ يرد أنه لو (١) تفسير الطبري ١/ ٢٤٧-٢٤٨، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٧/١. (٢) أخرجه أحمد (٦٧)، والبخاري (٦٩٢٤)، ومسلم (٢٠)، من حديث أبي هريرة. سُوَّةُ الْبَقَة ٣٥٨ الآية : ٣ أريد ذلك قيل: يصلُّون، والعدول عن الأخصر الأظهر بلا فائدة لا يتجه في كلام بليغ، فضلاً عن أبلغ الكلام، ولكلِّ مقام مقال، فافهم. والصلاة في الأصل عند بعضٍ بمعنى الدعاء، ومنه قوله وَّه: ((إذا دُعيَ أحدكم إلى طعامٍ فَلْيُجِبْ، فإن كان صائماً فليُصَلِّ﴾(١) وهي عند أهل الشرع مستعملةٌ في ذات الأركان؛ لأنها دعاء بالألسنة الثلاثة: الحال والفعل والمقال. والمشهور في أصول الفقه أنَّ المعتزلة على أنَّ هذه وأمثالها حقائق مخترعة شرعية؛ لأنها منقولة عن معانٍ لغوية، والقاضي أبو بكر منَّا على أنها مجازات لغوية مشهورة لم تصر حقائق، وجماهير الأصحاب على أنها حقائق شرعية عن معانٍ لغوية. وقال أبو علي ورجَّحه السهيليُّ(٢): الصلاة من الصَّلَوين - لِعِرْقَين في الظّهْر - لأنَّ أول ما يشاهد من أحوالها تحريكهما للركوع، واستحسنه ابن جِنِّي، وسمِّي الداعي مصلِّياً؛ تشبيهاً له في تخشُّعه بالراكع الساجد. وقيل: أخذت الصلاة من ذاك؛ لأنها جاءت ثانية للإيمان، فشُبِّهت بالمصَلِّي من الخيل للآتي مع صَلَوي السابقِ (٣) . وأنكر الإمام(٤) الاشتقاق من الصَّلَوين مستنداً إلى أنَّ الصلاة من أشهر الألفاظ، فاشتقاقها من غير المشهور في غاية البعد، وأكاد أوافقه وإن قيل: إنَّ عدم الاشتهار لا يقدح في النقل. وقيل: من صلَّيتُ العصا: إذا قوَّمتها بالصَّلْي، فالمصلِّي كأنه يسعى في تعديل ظاهره وباطنه مثل ما يحاول(٥) تعديل الخشبة بعرضها على النار. وهي فَعَلة - بفتح العين - على المشهور، وجوَّز بعضهم سكونها فتكون حركة العين منقولة من اللام. (١) أخرجه مسلم (١٤٣١)، من حديث أبي هريرة ـ (٢) في الروض الأنف ٢/ ٧. (٣) الفرس الثاني من أفراس المسابقة يسمى مصلِياً. التفسير الكبير ٢٩/٢. (٤) هو الرازي في تفسيره ٢٩/١. (٥) في الأصل: مثل ما دل.