النص المفهرس
صفحات 321-340
الآية : ١ ٣١٩ سُؤَدَةُ الْجَرَة أصحابه: كيف تنطقون في الباء من ((ضرب)) والكافٍ من ((لك))؟ فقالوا: باء كاف. فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرفِ، وأنا أقول: به كه(١). وما روي عن ابن مسعود ربه قال: سمعت رسول الله وَل ويقول: ((مَن قرأ حرفاً من كتاب الله تعالى فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الَمّ﴾ حرف، ولكن ألف حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرفٌ(٢)) فالمراد به غير المصطلح - إذ هو عرفٌ جديد - بل المعنى اللغويُّ، وهو واحدُ حروف المباني، فمعنى ((ألف حرف)) إلخ: مسمَّى ألف، وهكذا، ولعلَّه وَلَسمَّى ذلك حرفاً باسم مدلوله، فهو معنّى حقيقيٌّ له. وما قيل: إنه سمَّاه حرفاً مجازاً لكونه اسم الحرف، وإطلاقُ أحد المتلازمين على الآخر مجازٌ مشهورٌ، ليس بشيءٍ. فإن أريد من ((ألم)) مفتتحُ سورة الفيل يكون المراد أيضاً منه مسمَّاه، وتكون الحسنات ثلاثين، وفائدة النفي دفعُ توهُّم أن يكون المراد بالحرف في: ((من قرأ حرفاً ... )) الكلمة. وإن أُريد نحوُ ما هنا فالمراد نفسه، ويكون عدد الحسنات حينئذٍ تسعين، وفائدة الاستئناف دفعُ أن يُراد بالحرف الجملة المستقلة، كما في ((الإبانة)» لأبي نصر(٣) عن ابن عباس قال: آخرُ حرفٍ عارَضَ به جبريل رسول اللهِ﴾ ﴿الَّمّ ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبٌ فِهِ هُدِّى لِلُْنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١-٢]. والمعنى: لا أقول: إنَّ مجموع الأسماء الثلاثة حرف، بل مسمَّى كلٍّ منها حرف، وإنما لم يذكر تلك الحروف من حيث إنها أجزاء بأن يقال: بل(٤) ألف حرف ولام حرف، تنبيهاً على أنَّ المعتبر في عدد الحسنات الحروف المقروءة(٥) التي هي المسمَّيات، سواء كانت أجزاءً لها أو لكلمات أُخر، لا من حيث إنها أجزاء لتلك الأسماء، فيكون عدد الحسنات في نحو ضرب ثلاثين. (١) الكشاف ٧٩/١. (٢) أخرجه الترمذي (٢٩١٠). وقال: حديث حسن صحيح غريب. (٣) السِّجْزي، عبيد الله بن أحمد بن سعيد الوائلي البكري السِّجِسْتاني، شيخ الحرم، توفي سنة (٤٤٤هـ). سير أعلام النبلاء ٦٥٤/١٧. وذكر الخبر عنه السيوطي في الدر المنثور ٢٣/١. (٤) في (م): يقابل، بدل: يقال بل. (٥) في الأصل: المفردة. الآية : ١ ٣٢٠ سُؤَةُ الْجَعَة والحاصل أنَّ الحروف المذكورة من حيث إنها مسمَّيات تلك الأسماء أجزاءٌ لجميع الكلم، مفردٌ بقراءتها، ومن حيث إنها أجزاء تلك الأسماء لا تكون مفردةً إلا عند قراءة تلك الأسماء، والمعتبر في عدد الحسنات الاعتبار الأول دون الثاني، ذكر ذلك بعض المحققين. ثم إنهم راعَوا في هذه التسمية لطيفةً، حيث جعلوا المسمَّى صدرَ كلِّ اسم له كما قاله ابن جنيٌّ(١)، وذلك ليكون تأديتُها بالمسمَّى أولَ ما يقرع السمع، ألا ترى أنك إذا قلت: جيم، فأوَّلُ حروفه جيم، وإذا قلت: ألف، فأولُ حروفه ألف التي (٢) نطقت بها همزةٌ، ولما لم يمكن للواضع أن يبتدئ بالألف التي هي مَدَّةٌ ساكنة، دعمها باللام قبلها متحرّكة ليمكن الابتداء بها، فقالوا: لا كـ ((ما)) - لا كما يقوله المعلِّمون: لام ألف، فإنَّه خطأ - وخصّ اللام بالدعامة؛ لأنهم توصَّلوا إلى اللام بأختها في التعريف، فكأنهم قصدوا ضرباً من المعاوضة، فالألف [التي] هي أول حرف المعجم صورة الهمزة في الحقيقة. ويضاهي هذا في إيداع اللفظ دلالةً على المعنى: البسملة والحمدلة والحوقلة، وتسمِّيه النحاة نحتاً . وحكم أسماء الحروف سكون الأعجاز ما لم تكن معمولة. وهل هي معربة أم مبنية، أم لا، ولا؟ خلافٌ مبنيٌّ على الاختلاف في تفسير المعرَب والمبني، فالخلافُ لفظيٍّ، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والبحث مستوفَى في كتبنا النحوية. وقد كثر الكلام في شأن أوائل السور، والذي أطبق عليه الأكثر، وهو مذهب سيبويه (٣) وغيره من المتقدِّمين، أنها أسماء لها، وسُمِّيت بها إشعاراً بأنها كلماتٌ معروفةُ التركيب، فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها، وذلك كما سمّوا بلامٍ والدَ حارثة بن لامِ الطائي، وبصاد النُّحاس، وبقاف الجبل. (١) في سر صناعة الإعراب ١/ ٤٢-٤٤. (٢) في سر صناعة الإعراب: فأول الحروف التي، وكذا نقل عنه الشهاب في الحاشية ١٥٦/١، والكلام وما سيأتي بین حاصرتين منه. (٣) في الكتاب ٢٥٦/٣. الآية : ١ ٣٢١ سُورَةُ الْبَحَ واستدلَّ عليه بأنها لو لم تكن مفهِمةً كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمّل والتكلَّم بالزنجي مع العربي، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدّى، ولما أمكن التحدِّي به، وإنْ كانت مفهمة؛ فإما أن يُراد بها السور التي هي مستهلُّها على أنها ألقابها بناءً على ذلك الإشعار، أو غير ذلك، والثاني باطلٌ؛ لأنه إما أن يكون المراد ما وُضعت له في لغة العرب، وظاهرٌ أنه ليس كذلك، أو غيره وهو باطل؛ لأنَّ القرآن نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين، فلا يُحمل على ما ليس في لغتهم، وعورض بوجوه: الأول: أنَّا نجد سوراً كثيرة افتتحت بـ ((ألم)) و ((حم)) والمقصودُ رفعُ الاشتباه. الثاني: لو كانت أسماءً لوردت ولاشتهرت بها، والشهرة بخلافها؛ كسورة البقرة وآل عمران. الثالث: أنَّ العرب لم تتجاوز ما سمَّوا به مجموعَ اسمين؛ كبعلبكَّ، ولم يسمّ أحدٌ منهم بمجموع ثلاثة أسماءٍ وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروجٌ عن لغتهم. الرابع: أنه يؤدِّي إلى اتحاد الاسم والمسمَّى. الخامس: أنَّ هذه الألفاظ داخلةٌ في السور، وجزءُ الشيء متقدِّمٌ على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخّرٌ عنه، فيلزم أن يكون متقدِّماً متأخراً معاً وهو محال. وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد. وعن الثاني بأنه ورد عنه وَّه: ((يس قلب القرآن))(١) و((مَن قرأ حم حُفظ إلى أنْ يُصْبِحَ))(٢) وفي السنن: أنَّ النبيَّ وَّهَ سجد في ﴿صَ﴾(٣) وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق، مع أنَّ شهرة أحد العَلَمين لا يضرُّ عَلَميةَ الآخر، فكم من (١) أخرجه أحمد (٢٠٣٠٠) من طريق معمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإسناده ضعيف لجهالة الرجل وأبيه. (٢) قطعة من حديث أخرجه الترمذي (٢٨٧٩)، عن أبي هريرة ظله، وقال: هذا حديث غريب.ا هـ. وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، قال عنه البخاري: ذاهب الحديث. وقال ابن معين: ضعيف. وقال أحمد منكرالحديث. الميزان ٥٥٠/٢ . (٣) أخرجه أحمد (٢٥٢١)، والبخاري (١٠٦٩)، وأبو داود (١٤٠٩)، والترمذي (٥٧٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . سُوَّةُ الْبَعَة ٣٢٢ الآية : ١ مسمَّى لا يعرف اسمه إلا بعد التنقير لاشتهاره بغيره كأبي هريرة وذي اليدين، وعدم اشتهار بعضها لكونه مشتركاً، فتُرك لاحتياجه إلى ضميمة كـ ﴿الَمّ﴾ هنا. وعن الثالث: بأنَّ التسمية بثلاثة أسماء مثلاً إنما تمتنع إذا رُكِّبت وجعلت اسماً واحداً، فأمّا إذا نُثرت نثرَ أسماء الأعداد فلا؛ لأنها من باب التسمية بما حقُّه أن يُحكى. وقد وردت التسمية بثلاثة ألفاظ؛ كشابَ قرناها، وسرّ مَن رأى، ودارا بجرد، وسوَّى سيبويه بين التسمية بالجملة والبيتٍ من الشعر وطائفةٍ من أسماء حروف المعجم. وعن الرابع: بأنَّ هذه التسمية من تسمية مؤلَّفٍ بمفرد، والمفردُ غيرُ المؤلف فلا اتحاد، ألا ترى أنهم جعلوا اسم الحرف مؤلّفاً منه ومن غيره كـ ((صاد»، فهما متغايران ذاتاً وصفة. وعن الخامس: بأنَّ تأخّر ما هو متقدِّمٌ باعتبارٍ آخر غيرُ مستحيل، والجزء مقدَّمٌ من حيث ذاته مؤخّرٌ من حيث وصفه، وهو الاسمية، فلا محذور. وقال بعضهم: كونها أسماء الحروف المقطّعة أقربُ إلى التحقيق لظهوره وعدمٍ التجوُّز فيه، وسلامتِه مما يَرِدُ على غيره، ولأنه الأمر المحقَّق، وأوفقُ للطائفَ التنزيل لدلالته على الإعجاز قصداً، ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضعٍ واحد، فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصودُ العَلَمية، وكلام سيبويه وغيرِه ليس نَصّاً فيها لاحتمال أنهم أرادوا أنها جاريةٌ مجراها، كما يقولون: قرأتُ: بانت سعاد، و﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ أي: ما أوَّلُه ذلك، فلمَّا غلب جريانها على الألسنة صارت بمنزلة الأعلام الغالبة، فذكرت في باب العلم و أُثبتت لها أحكامه. على أنَّ ما ذكر في الاعتراض الثالث مما لا محيص عنه، إذ عدم وجود التسمية بثلاثة أسماء وأربعة وخمسة في كلام العرب مما لا شك فيه، وما نقل عن سیپویه مجرّد قیاس محتاج للإثبات كما ذكره السيد السند. هذا ووراء هذين القولين أقوالٌ أخشى من نَقْلها الملالَ، والذي يغلب على الظنِّ أنَّ تحقيق ذلك عِلْمٌ مستورٌ وسرِّ محجوب، عجزت العلماء - كما قال(١) ابن (١) في الأصل: قاله. الآية : ١ ٣٢٣ سُورَةُ الْبَعَة عباس - عن إدراكه، وقصرت خيول الخيال عن لحاقه، ولهذا قال الصدِّيق. لكلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ القرآن أوائل السور. وقال الشعبيُّ: سرُّ اللّه تعالى فلا تطلبوه. بينَ المُحِبِّينَ سِرٍّ ليسَ يُفْشِيهِ قَوْلٌ ولا قَلَمٌ للخَلْقِ يَحْكِيْهِ فلا يعرفه بعد رسول الله وَ وإلا الأولياءُ الورثة، فهم يعرفونه من تلك الحضرة، وقد تنطق لهم الحروف عمَّا فيه كما كانت تنطق لمن سبَّح بكفّه الحصى، وكلَّمه الضبُّ والظبي وَلِ﴾(١)، كما صحَّ ذلك من رواية أجدادنا أهل البيت﴿ه. بل متى جنى العبد ثمرةً شجرةٍ قُرَبِ النوافل عَلِمها وغَيْرَها بعِلْم الله تعالى الذي لا یعزُب عن علمه مثقال ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء. وما ذكره المستدلُّ سابقاً من أنه لو لم تكن مُفْهِمةً كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل إلخ، فمهمَلٌ من القول وإن جلَّ قائله؛ لأنه إن أراد إنهام جميع الناس فلا نسلِّم أنه موجودٌ في العَلَمیة، وإن أراد إفهام المخاطب بها وهو هنا الرسول وَله، فهو مما لا يَشكُّ فيه مؤمِنٌ، وإن أراد جملةً من الناس فيا حيَّهلا؛ إذ أربابُ الذوق يعرفونها، وهم کثیرون في المحمَّدیین والحمد لله : نُجُومُ سماءٍ كُلّما انقضَّ کَوْكَبٌ بَدًا کَوْكَبٌ تَأْوِي إلیه کَوَاكِبُهْ(٢) وجَهْلُ أمثالنا بالمراد منها لا يضرُّ، فإنَّ من الأفعال التي كلِّفنا بها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه؛ كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والرَّمَل والاضطباع، والطاعةُ في مثله أدلُّ على كمال الانقياد ونهايةِ التسليم، فلِمَ لا يجوز أن يأمرنا مَن لا يُسأل عما يفعل جلَّ شأنه بما لم نقف على معناه من الأقوال، ويكون المقصود من ذلك ظهورُ كمال الانقياد من المأمور للآمر، ونهايةُ التسليم(٣) للحكيم القادر؟ لَوْ قَالَ تِيْهاً قِفْ عَلَى جَمْرِ الغَضَا لَوَقَفْتُ مُمْتَثِلاً ولَمْ أَتَوقَّفِ (٤) (١) ينظر ما ورد من أحاديث في ذلك في الشفا للقاضي عياض ٥٨٨/١ وما بعدها، وحديث تسبيح الحصى بكفه الشريف سيأتي ٢/ ٢٥٤، وحديث الضبّ قال عنه ابن دحية: موضوع، كما في تخريج أحاديث الشفا للسيوطي ص ١٣٠ . (٢) البيت لأبي الطمحان القيني، وهو في الكامل للمبرد ١/ ٦٨، والحماسة البصرية ١٦١/١. (٣) في (م): التسليم والامتثال. (٤) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٥٣ . الآية : ١ ٣٢٤ سُؤَدَّةُ الْبََ على أنَّ فيه فائدةً أخرى: هي أنَّ الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به، سقط وقْعُه عن القلب، وإذا لم يقف على المقصود منه مع القَطْع بأنَّ المتكلّم به حكيم، فإنه يبقى قلبه منقلباً إليه أبداً، وملتفتاً (١) نحوه سرمداً، ومتفكّراً فيه، وطائراً إلى وكره بُقدَامَى ذهنه وخَوَافيه. وبابُ التكليف اشتغالُ السرِّ بذكر المحبوب والتفكّرٍ فيه وفي كلامه، فلا يَبْعُدُ أن يعلم الله تعالى أنَّ في بقاء العبد ملتفتَ الذهن مشتغلَ الخاطر بذلك أبداً مصلحةً عظيمةً، ومنَّةً منه عليه جسيمةً، ربما يَرْقَى بواسطتها إلى حظائر القدس ومعالم الأنس، وأول العشق خيال، وهذا لا ينافي كونَ القرآن عربيًّا مُبيناً مثلاً؛ لأنه بالنسبة إلى مَن علمت. وأما التحدِّي فليس بجميع أجزائه، وكونُ أول السورة مما ينبغي أن يكون مما يتحدَّى به غيرُ مسلّم. ومن عجائب هذه الفواتح أنها نصفُ حروف المعجم على قول، وهي موجودةٌ في تسعٍ وعشرين سورةً عددَ الحروف كلِّها على قول، واشتملت على أنصاف أصنافها من المهموسة والمجهورة والشديدة والمطبقة والمستعلية والمنخفضة وحروف القلقلة. وقد تكلّم الشيخ الأكبر قُدِّس سرُّه على سرّ عددٍ حروفها بالتكرار، وعددٍ حروفها بغير تكرارٍ، وعلى جملتها في السور، وعلى إفرادها في ((ص)) و ((ق)) و (ن)، وتثنيتِها في ((طس))(٢) و((طه)) وأخواتهما، وجمعها من ثلاثة فصاعداً، ولمَ بلغت خمسةً حروف، ولم وُصل بعضُها وقُطع بعض؟ فقال قُدِّس سرُّه في ((فتوحاته))(٣) أعاد الله تعالى علينا من طِيب نفحاته ما حاصلُه: اعلم أنَّ مبادئ السور المجهولة لا يعلم حقيقتها إلا أهلُ الصُّور المعقولة، فجعلها تبارك وتعالى تسعاً وعشرين سورة، وهو كمال الصورة ﴿وَاُلْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] والتاسع والعشرون القطبُ الذي به قوامُ الفلك، وهو علةُ ١ الله﴾ ولولا ذلك ما ثبتت الثمانيةُ وجوده، وهو سورة آل عمران ﴿الّمـ (١) في (م): ومتلفتاً. (٢) في (م): يس. (٣) ٥٩/١ وما بعدها. الآية : ١ ٣٢٥ سُورَةُ الْبَّكَقَة والعشرون. وجملتها على تكرار الحروف ثمانيةٌ وسبعون حرفاً؛ فالثمانية حقيقة البضع، قال رَليجر: ((الإيمان بضع وسبعون))(١). وهذه الحروف ثمانيةٌ وسبعون، فلا يُكمِلُ عبدٌ أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها، كما أنه إذا عَلِمَها من غير تكرارٍ عَلِمَ تنبيه الله فيها على حقيقة الإيجاد. وتفرَّد القديم سبحانه وتعالى بصفاته الأزلية، فأرسلها في قرآنه أربعة عشر حرفاً مفردةً مبهمةً، فجعل الثمانية لمعرفة الذات والسبع الصفات منًّا، وجعل الأربعة للطبائع المؤلّفة، فجاءت اثنتي(٢) عشرة موجودة، وهذا هو الإنسان من هذا الفلك، ومن فلك آخر متركِّبٌ من أَحَدَ عَشَرَ ومن عشرةٌ ومن تسعةٍ ومن ثمانيةٍ، حتى يصل إلى فلك الاثنين، ولا يتحلَّل إلى الأحدية أبداً، فإنها مما انفرد بها الحق سبحانه. ثم إنه تعالى جعل أوَّلَها الألف في الخط، والهمزة في اللفظ، وآخرها النون، فالألف لوجود الذات على كمالها؛ لأنها غير مفتقرةٍ إلى حركة، والنون لوجود الشطر من العالَم، وهو عالَم التركيب، وذلك نصف الدائرة الظاهرة لنا من الفلك، والنصفُ الآخر النونُ المعقولةُ عليها التي لو ظهرت للحسِّ وانتقلت إلى(٣) عالم الروح لكانت دائرةً محيطةً، ولكن أُخفيت(٤) هذه النون الروحانية التي بها كمالُ الوجود، وجُعلت نقطة النون المحسوسة دالةً عليها، فالألف كاملةٌ من جميع وجوهها، والنون ناقصة، فالشمس كاملة والقمر ناقص؛ لأنه محو، فصفة ضوئه مُعارة، وهي الأمانة التي حملها، وعلى قَدْرِ مَحْوِهِ وسِراره إثباتُه وظهورُه ثلاثةٌ لثلاثة، فثلاثةٌ غروبُ القمر القلبي الإلهي في الحضرة الأحدية، وثلاثةٌ طلوعُ القمر القلبي الإلهي في الحضرة الربانية، وما بينهما في الخروج والرجوع قَدَماً بقَدَم، لا يختلُّ أبداً. ثم جعل سبحانه وتعالى هذه الحروفَ على مراتب؛ منها موصولٌ ومنها مقطوعٌ ومنها مفردٌ ومثنىَّ ومجموعٌ، ثم نبَّه أنَّ في كلِّ وصلٍ قطعاً، وليس في كلِّ قطعٍ (١) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٩٣٦١)، والبخاري (٩)، ومسلم (٣٥) عن أبي هريرة ض الته. (٢) في (م): اثنتا. (٣) في الفتوحات: وانتقلت من. (٤) في الأصل و (م): أخفى، والمثبت من الفتوحات. سُورَةُ الَّغَة ٣٢٦ الآية : ١ وصلِّ، فكلُّ وصلٍ يدلُّ على فصل، وليس كلٌّ فصلٍ يدلُّ على وصل، والوصلُ والفصلُ في الجمع وغير الجمع، والفصلُ وحده في عين الفرق، فما أفرده من هذا فإشارةٌ إلى فناء رسم العبد أزلاً، وما ثَنَّاه (١) فإشارةٌ إلى وجود رسم العبودية حالاً، وما جمعه فإشارةٌ إلى الأبد بالموارد التي لا تتناهى، والإفرادُ للبحر الأزلي، والجمعُ للبحر الأبديِّ، والمثنَّى للبرزخ المحمَّدي الإنساني. والألف فيما نحن فيه إشارةٌ إلى التوحيد، والميمُ إشارةٌ إلى المُلك الذي لا يَبيد، واللام بينهما واسطةٌ؛ لتكون بينهما رابطةً، فانظر إلى السطر الذي يقع عليه الخط من اللام، فتجد الألف إليه ينتهي أصلها، وتجد الميم منه يبتدئ نُشُوُّها، ثم تنزل من أحسن تقويم - وهو موضع السطر - إلى أسفل سافلين منتهى تعريف الميم، ونزول الألف إلى السطر مثل قوله: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا))(٢) وهو أولُ عالَم التركيب؛ لأنه سماءُ آدم عليه السلام، ويليه فلكُ النار، فلذلك نزل إلى أول السطر، فإنه سبحانه وتعالى نزل من مقام الأحدية إلى مقام إيجاد الخليقة(٣) نزولَ تقدُّسٍ وتنزيهِ، لا نزولَ تمثيلٍ وتشبيٍ، وكانت اللام واسطةً وهي نائبةٌ منابَ المكوّن والكون، فهي القدرة التي عنها وُجد العالم، فأشبهت الألفَ في النزول إلى أول السطر، ولمَّا كانت ممتزجةً من المكوِّن والكون، فإنه سبحانه وتعالى لا يتصف بالقدرة على نفسه، وإنما هو قادرٌ على خلقه، فكان وجهُ القدرة مصروفاً إلى الخلق، فلا بدَّ من تعلُّقها بهم، ولمَّا كانت حقيقتها لا تتمُّ بالوصول إلى السطر، فتكون هي والألف على مرتبةٍ واحدة، طلبت بحقيقتها النزولَ تحت السطر أو عليه، كما نزل الميم، فنزلت إلى إيجاده ولم تتمكّن أن تنزل على صورته، فكان لا يوجد عنها إلا الميم، فنزلت نصفَ دائرة حتى بلغت إلى السطر من غير الجهة التي نزلت منها، فصارت نصفَ فلكٍ محسوس يطلب نصفَ فلكٍ معقول، فكان منهما فلكٌ دائرٌ، فكان العالم كلُّه في ستة أيام أجناساً، من أول يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة، وبقي يوم السبت للانتقال من مقامٍ إلى مقام، ومن حالٍ إلى حال، فصار (١) في الأصل: وما أثبته. وفي (م): أو ما أثبته، والمثبت من الفتوحات ١/ ٦١. (٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٧٥٩٢)، والبخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)، عن أبي هريرة . (٣) في الأصل و (م): الخليفة، والمثبت من الفتوحات. الآية : ١ ٣٢٧ سُؤَدَّةُ البَلَقَة ((آلم)) فلكاً محيطاً من ورائه عِلْمُ الذات والصفات والأفعال والمفعولات، فمَن قرأها بهذه الحقيقة حضر بالكلِّ للكلِّ مع الكلِّ إلى آخر ما قال. وذَكَر في كتاب ((الإسرا إلى المقام الأسرى(١))) ما يشير إلى دقائق أفكارٍ وخفايا أسرارٍ مبنيةٍ على أعداد الحروف، وهي ثلاثة آلاف وخمسُ مئةٍ واثنان وثلاثون، وأوَّل التفصيل من نوح إلى إشراق يُوح(٢)، ثم إلى آخر التركيب الذي نزل فيه الكلمة والروح، فبعد عدده تضربه وتجمعه، وتحطُ منه طرحاً وتضعه، يبدو لك تمام الشريعة، حتى إلى انخرام الطبيعة. ومما يستأنس به لذلك ما رواه العزُّ بن عبد السلام أنَّ عليًّا رَضُه استخرج وقعة معاوية من ﴿حمّ ﴿ عَسَقَ﴾ [الشورى: ١- ٢]. واستخرج أبو الحكم عبد السلام بن برَّجان في تفسيره فتح بيت المقدس سنة ثلاثٍ وثمانين وخمسٍ مئة من قوله تعالى: ﴿الَّ ج ◌ُليَتِ الزُّوُمُ﴾ [الروم: ١-٢]. وذكر الشيخ قُدِّس سرُّه كيفية استخراج ذلك بغير الطريق الذي ذكره، وهو أن تأخذ عدد ((ألم)) بالجزم الصغير فيكون ثمانية، وتجمعها إلى ثمانية البضع في الآية فتكون ستة عشر، فتُزيلُ الواحد الذي للألف للأُسّ فتبقى خمسة عشر، فتُمْسِكُها عندك ثم ترجع إلى العمل في ذلك بالجُمَّل الكبير، وهو الجزم، فتضرب ثمانية البضع في أحد وسبعين - واجعل ذلك كلَّه سنين - يخرج لك في الضرب خمسُ مئةٍ وثمانيةٌ وستون سنة، فتضيف إليها الخمسة عشر التي أمسكتها عندك فتصير ثلاثةً وثمانين وخمسَ مئة سنة، وهو زمان فتح بيت المقدس على قراءة: ((غَلَبت)) بفتح الغين واللام، ((وسيُغْلَبون)) بضم الياء وفتح اللام. انتهى(٣). وإذا علمت أنَّ هذه الفواتح السرُّ الأعظم والبحر الخِضَمُّ والنور الأثُّ : وَنُورٌ ولا نارٌ وَرُوحٌ ولا جِسْمُ(٤) صفاءٌ ولا ماءٌ ولُطفٌ ولا هوَّى (١) ص٧٧. (٢) يُوحٌ ويُوحَى بضمهما: من أسماء الشمس. القاموس (يوح). (٣) الفتوحات المكية ٦٠/١، والقراءة في القراءات الشاذة ص١١٦. وينظر استنباط ابن برجان والكلام عليه فيما سلف ص ١١٠- ١١١ . (٤) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص ١٤٢ . سُورَةُ الْبَقَة ٣٢٨ الآية : ١ فاعلم أنَّ كلَّ ما ذكر الناس فيها، رشفةٌ من بحار معانيها، ومَن ادَّعى قصراً فمن قُصُوره، أو زعم أنه أتى بكثير فمن قِلَّة نوره، والعارفُ يقول باندماج جميع ما ذكروه في صدف فرائدها، وامتزاج سائر ما سَطَروه في طمطام(١) فوائدها. فإن شئت فقل: كما أنها مشتملةٌ على هاتيك الأسرار، يشير كلُّ حرفٍ منها إلى اسم من أسمائه تعالى. وإن شئت فقل: أتى بها هكذا لتكون كالإيقاظ وقَرْع العصا لمن تحدَّى بالقرآن. وإن شئت فقل: جاءت كذلك ليكون مَطلع ما يتلى عليهم مستقلاً بضربٍ من الغرابة، أنموذجاً لما في الباقي من فنون الإعجاز، فإنَّ النطق بأنفَس الحروف في تضاعيف الكلام، وإن كان على طرف الثُّمام(٢) يتناوله الخواصُّ والعوامُّ، لكنَّ التلفُّظَ بأسمائها إنما يتأتّى ممن دَرَسَ وخَطّ، وأما مَن لَم يَحُمْ حول ذلك قطّ، فأعزّ من بَيْض الأُنوق، وأبعدُ من مناط العُيُّوق، لا سيّما إذا كان على نمطٍ عجيبٍ وأسلوبٍ غريبٍ، منبئ عن سرِّ سريٍّ مبنيٍّ على نهج عبقريّ، بحيث يَحارُ فيه أربابُ العقول، ويعجز عن إدراكه ألبابُ الفحول. وإن شئت فقل: فيها جلبٌ لإصغاء الأذهان، وإلجامُ كلِّ مَن يلغو من الكفار عند نزول القرآن؛ لأنهم إذا سمعوا ما لم يفهموه من هذا النمط العجيب، تركوا اللَّغَط، وتوفّرت دواعيهم للنظر في الأمر المناسب بين حروف الهجاء التي جاءت مقطّعةً وبين ما يجاورها من الكلم، رجاءً أنه ربما جاء كلامٌ يفسِّر ذلك المبهم ويوضِّح ذلك المُشْكِلَ، وفي ذلك ردُّ شرِّ كثير من عنادهم وعتوّهم ولَغْوهم الذي كان إذ ذاك يظهر منهم، وفي ذلك رحمةٌ منه تعالى للمؤمنين ومنَّةٌ للمستبصرين. وإن شئت فقل: إنَّ بعض مرَّباتها - بالمعنى الذي يفهمه أهل الله تعالى منها - يصحُّ إطلاقه عليه سبحانه، فيجري ما روي عن عليٍّ كرَّم الله تعالى وجهه أنه قال: يا كهيعص(٣) ويا حمعسق، على ظاهره، وإن أبيت فقل: المراد يا مُنْزِلَهما، وإن شئت فقل غير ذلك، حدِّث عن البحر ولا حرج. (١) الطمطام: البحر، أو وسط البحر. اللسان (طمم). (٢) الثمام: نبت ضعيف قصير، والعرب تقول للشيء الذي لا يَعْسُر تناولُه: على طرف الثمام؛ لأن الثمام لا يطول. اللسان (ثمم). (٣) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٥١ . الآية : ١ ٣٢٩ سُؤَةُ الْبَقَة وعندي فيما نحن فيه لطائفُ، وسبحان مَن لا تتناهى أسرار كلامه، فقد أشار سبحانه بمفتتح الفاتحة حيث أتى به واضحاً إلى اسمه الظاهر، وبمبدأ سورة البقرة إلى اسمه الباطن، فهو الأولُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطنُ، وأشار بتقديم الأول إلى أنَّ الظاهر مقدَّمٌ وبه عمومُ البعثة، ونحن نحكم بالظاهر والله تعالى يتولَّى السرائر. وأيضاً في الأول إشارةٌ إلى مقام الجمع وفي الثاني رمزٌ إلى الفرق بعد الجمع. وأيضاً افتتاح هذه السورة بالمبهم، ثم تعقيبه بالواضح، فيه أتمُّ مناسبةٍ لقصة البقرة التي سُمِّيت السورة بها: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَذَارَغْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٧٢]. وأيضاً في الحروف رمزٌ إلى ثلاثة أشياء؛ فالألف إلى الشريعة، واللام إلى الطريقة، والميم إلى الحقيقة، فهناك يكون العبد كالدائرة، نهايتها عينُ بدايتها ، وهو مقام الفناء في الله تعالى بالكلِّية. وأيضاً الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخرها، فيشير بها إلى أنَّ أوَّلَ ذكرِ العبدِ ووسطَه وآخرَه لا ينبغي إلا لله عز وجل. وأيضاً في ذلك إشارة إلى سرِّ التثليث، فالألف مشيرٌ إلى الله تعالى، واللام إلى جبريل، والميم إلى محمد ◌َ﴿، وقد قال جعفر الصادق ﴿به: في الألف ستُّ صفاتٍ من صفات الله تعالى: الابتداء والله تعالى هو الأول، والاستواءُ والله تعالى هو العدل الذي لا يجور، والانفرادُ والله تعالى هو الفرد، وعدمُ الاتصال بحرفٍ وهو سبحانه بائنٌ عن خلقه، وحاجةُ الحروف إليها مع عدم حاجتها، وأنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني، ومعناها الألفة، وبالله تعالى الائتلاف. وبقيت أسرارٌ وأيُّ أسرار يغار عليها العارفُ الغَيُورُ من الأغيار. ومن الظريف(١): أنَّ بعض الشيعة استأنس بهذه الحروف لخلافة الأمير(٢) كرَّم الله تعالى وجهه، فإنه إذا حُذِفَ منها المكرَّرُ يبقى ما يمكن أن يخرج منه: (١) في (م): الظرائف. (٢) في (م): الأمير علي. الآية : ١ ٣٣٠ سُورَةُ الْبَّنَة صراطُ عليٍّ حقٌّ نمسكه. ولك أيها السُّنِّي أن تستأنس بها لمَا أنت عليه، فإنّه بعد الحذف يبقى ما يمكن أن يخرج منه ما يكون خطاباً للشيعيِّ، وتذكيراً له بما ورد في حقِّ الأصحاب بِ﴿ه، وهو: طرِّقْ سَمْعَكَ النصيحةَ، وهذا مثلُ ما ذكروه حرفاً بحرف، وإن شئت قلت: صحَّ طريقُك مع السنَّة، ولعله أولى وأَلطف. وبالجملة: عجائبُ هذه الفواتح لا تنفذُ ولا يحصرها العدّ: وَ كُلٌّ يَدَّعي وَضْلاً لِلَيْلَى وَلَيْلَى لا تقرُّلَهِمْ بِذَاكًا وقد اختلف الناس في إعرابها حَسْبَما اختلفت أقوالُهم فيها، فإن جُعلت أسماءً للسور مثلاً، كان لها حظّ من الإعراب رفعاً ونصباً وجرًّا: فالرفعُ على أنها خبرُ مبتدأ محذوف، أو مبتدأُ خبرُه محذوف. والنصبُ بتقدير فعل القسم، أو فعلٍ يناسب المقام. وجاز النصب بتقدير فعل القسم فيما وقع بعده مجرورٌ مع الواو، نحو: ﴿قَّ وَالْقُرْءَانِ﴾ [ق١-٢] مع أنه يلزم المخالفةُ بين المتعاطفَيْنِ في الإعراب إن جُعِلَت الواو للعطف، واجتماعُ قَسَمين على شيءٍ واحد إن جعلت للقسم - وهو مستكرَةٌ كما قاله الخليل وسيبويه(١). لأنَّ المعطوف عليه في محلٌّ يقع فيه المجرور، فيكون العطف على المحل، ويقدَّر الجواب من جنس ما بعدُ إن كانت للقَسَم، أو لا حاجة للتقدير ويكتفى بجواب واحد؛ إذ لا مانع من جعل أحد القسمين مؤكّداً للآخر من غير عطف، أو يقال: هما لمَّا كانا مؤكِّدين لشيءٍ واحد وهو الجواب، جاز ذلك، ولا وجهَ وجيهَ للاستكراه، وإن كان للضلالة أبٌ فالتقليد أبوها . والجرُّ على إضمار حرف القسم. وقولُ ابن هشام: إنه وهم؛ لأنَّ ذلك مختصّ عند البصريين باسم الله سبحانه، وبأنه لا جواب للقسم في سورة البقرة ونحوها، ولا يصح جَعْلُ ما بعدُ جواباً وحذفت اللام كحذفها في قوله: والأرضِ وما فِيْها المقدَّرُ كائِنُ وَرَبِّ السَّماواتِ العُلَى وبُرُوجِھَا (١) الكتاب ٥٠١/٣، والكشاف ٨٧/١. الآية : ١ ٣٣١ سُولَةُ البََّة لأنَّ ذلك على قلَّته مخصوصٌ باستطالة القَسَمِ(١) = وهمّ لا يخفى على الوليد، إذ مذهبُنا كوفيٍّ واتِّباعُ البصريِّ ليس بفرض، وكثيراً ما يستغنىَ عن الجواب بما يدلُّ عليه، والمقسَمُ عليه مضمونُ ما بعده، وهو قرينةٌ قريبة، وبهذا صرَّح في ((التسهيل) وشروحه، وحديثُ الاستطالة ليس بلازم، بل هو الأغلبُ كما صرَّح به ابن مالك(٢). ثم ما كان من هذه الفواتح مفرداً كـ ((ص))، أو موازِناً له كـ ((حم)) بزنةٍ قابيل، يتأتَّى فيه الإعرابُ لفظاً أو محلاً بأن يسكَّن حكايةً لحاله قبلُ ويقدَّر إعرابه، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. وما خالفهما نحو ((كهيعص)) يُحكى لا غير. وجازت الحكاية في هذه الأسماء - مع أنها مختصَّةٌ بالأعلام التي نقلت من الجمل، كتأبَّط شرًّا، لرعاية صورها المنبئة عن نقلها إلى العَلَمية، وفي الألفاظ التي وقعت أعلاماً لأنفسها، كـ : ضرب فعلٌ ماض؛ لحفظ المجانسة مع المسمَّى في الإشعار بأنها لم تنقل عن أصلها بالكلية - لأنها لكثرة استعمالها معدودة [ساكنة الأعجاز](٣) موقوفة صارت هذه الحالة كأنها أصل، فلما جعلت أعلاماً جازت حكايتها على تلك الهيئة الراسخة، تنبيهاً على أنَّ فيها سمة من ملاحظة الأصل، وهو الحروف المبسوطة، والمقصد الإيقاظ وقرع العصا، فتجويز الحكاية مخصوص بهذه الأسماء أعلاماً للسور، وإلا فلم تجز الحكاية، كذا في الحواشي الشريفة الشريفية (٤). وإطباق النحاة على أنَّ المفردات تُحكَى بعد ((من)) و ((أي)) الاستفهاميتين وبدونهما؛ كقولهم: دعنا من تمرتان(٥)، مخالف لدعوى الاختصاص التي حكاها كما لا يخفى، وإن أبقيت على معانيها مسرودةً على نمط التعديد لم تُعرب، لعدم المقتضي والعامل، وكذا إذا جعلت أبعاضاً على الصحيح، أو مزيدة للفصل مثلاً، نعم إن قُدِّرت بالمؤلّف من هذه الحروف كانت في حيِّز الرفع على ما مرَّ، وإن (١) المغني ص٧٧١. (٢) التسهيل ص١٥٢ . (٣) ما بين حاصرتين من حاشية الجرجاني على الكشاف ٨٤/١، وحاشية الشهاب ١٨٠/١، ووقع في حاشية الشهاب: مقدرة، بدل: معدودة. (٤) حاشية الجرجاني على الكشاف ١/ ٨٤. (٥) وهذا في جواب: ألك تمرتان، أو: أيكفيك تمرتان، وما أشبههما، ومعناه: دعني من هذا الحديث، ولو قيل: تمرتين، لم يؤدِّ هذا المعنى. حاشية الجرجاني على الكشاف ٨٥/١. الآية : ٢ ٣٣٢ سُورَةُ الْبَقَة جُعلت مقسَماً بها يكون كلُّ كلمة منها منصوباً أو مجروراً، على اللغتين في: الله لأفعلنَّ، وهل ذلك لمجموع(١) نحو ﴿الّ﴾ و﴿حَمْ﴾ [غافر: ١] أو للألف والحاء مثلاً على طريق: الرمان حلو حامض؟ خلاف، والظاهر الأول، وبعضهم جوَّز الرفع بالابتداء والخبر قَسَميٍّ محذوفٌ، وتصريح الرضي باختصاص ذلك فيما إذا كان المبتدأ صريحاً في القَسَميَّة يجعله غير مرتضى. وجعل بعضهم النصب في البعض مخصوصاً بما إذا لم يمنع مانع كما في ﴿مِّ وَالْقُرْءَانِ﴾ [ص: ١] فيتعين الجرُّ للزوم المخالفة بين المتعاطفين واجتماع القسمين حينئذٍ، وفيه ما تقدَّم فلا تغفل. وبقيت أقوالٌ مبنيةٌ على أقوالٍ لا أظنُّها تَخْفَى عليك إن أَحَظْتَ خبراً بما قدَّمناه لدیك، فتدبر. وفي كون هذه الفواتح آيةً خلاف؛ فقال الكوفيون: ﴿الَّمَ﴾ آيةٌ أينما وقعت، وكذلك: (ألمص)) و((طسم)) وأخواتهما، و((طه)) و((يس)) و((حم)) وأخواتها و(كهيعص)) آية، و((حم عسق)) آيتان، وأما ((ألمر)) وأخواتها الخمس فليست بآية، وكذلك (طس)) و ((ص)) و ((ق)) و((ن)). وقال البصريون: ليس شيءٌ من ذلك آية، وفي ((المرشد)) أنَّ الفواتح في السور كلِّها آيات عند الكوفيين من غير تفرقة، وليس بشيء، كقول بعضٍ: إنّ ﴿الَّ﴾ في ((آل عمران)) ليست بآية. ﴿ذَلِكَ الْكِنَبُ لَا رَيْبُ فِيهِ هُدَّى لِلْمُنَّقِينَ ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ وابتداء كلام، أو متعلّقةٌ بما قبلها، وفيه احتمالات أطالوا فيها، وكتاب الله تعالى يُحمل على أحسن المحامل، وأبعدِها من التكلُّف، وأسوغِها في لسان العرب. و((ذلك)) إشارة إلى الكتاب الموعود به وَّ ه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] كما قال الواحدي(٢)، أو على لسان موسى وعيسى عليهما السلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [البقرة: ٨٩]، ويؤيده (١) في (م): المجموع. وهو تصحيف، وينظر حاشية الشهاب ١٨١/١. (٢) الوسيط في تفسير القرآن المجيد ٧٧/١. الآية : ٢ ٣٣٣ سُورَةُ الجَوَة ما روي عن كعب: عليكم بالقرآن؛ فإنه فهمُ العقل، ونورُ الحكمة، وينابيع العلم، وأحدث الكتب بالله عهداً، وقال في التوراة: يا محمد إني منزلٌ عليك توراة حديثة تفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صمًّا وقلوباً غلفاً. كما قاله غير واحد. أو إلى ما بين أيدينا، والإشارة بـ ((ذلك)) للتعظيم، وتنزيل البُعد الرتبي منزلةَ البعد الحقيقي كما في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَّنِ فِهِ﴾ [يوسف: ٣٢] كما اختاره في ((المفتاح))(١). أو لأنه لما نزل عن حضرة الربوبية وصار بحضرتنا بَعُد، ومن أعطى غيره شيئاً أو أوصله إليه أو لاحظ وصوله عبَّر عنه بـ ((ذلك))؛ لأنه بانفصاله عنه بعيدٌ أو في حُكْمِه، وقد قيل: كلُّ ما ليس في يديك بعيد. ولما لم يتأثَّ هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنَزْنَهُ﴾ [الأنعام: ٩٢] لأنه إشارة إلى ما عنده سبحانه، لم يأت بـ ((ذلك)) مع بعد الدرجة، وهذا لذكر(٢) حروف التهجِّي في الأول، وهي تقطع بها الحروف، وهو لا يكون في حقِّنا، وعدمِ ذكرها في الثاني، فلذا اختلف المقامان وافترقت الإشارتان كما قاله السهيلي، وهو عند قوم تحقیق، ويرشدك إلى ما فيه عندي نظر دقيق. وأَبْعَدَ بعضهم فوجَّه البعد بأنَّ القرآن لفظً، وهو من قبيل الأعراض السيَّالة الغير القارَّة، فكلُّ ما وُجد منه اضمحلَّ وتلاشى وصار منقضياً غائباً عن الحسّ، وما هو كذلك في حکم البعيد. وقيل: لأنَّ صيغة البعيد والقريب قد يتعاقبان؛ كقوله تعالى في قصة عيسى عليه السلام: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٥٨] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٦٢] وله نظائر في الكتاب الكريم، ونقله الجرجانيُّ عن طائفة، وأنشدوا(٣): أَقُولُ له والرُّمْحُ بأطُرُ مَتنَهُ تَأْمَّلْ خُفافاً إِنَّنِي أَنا ذَلِكًا (٤) (١) مفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن محمد السكاكي ص ١٨٤ . (٢) في (م): الذكر، وهو تصحيف. (٣) في الأصل: وأنشد. (٤) البيت لخفاف بن ندبة، وهو في ديوانه ص ٨٠، والشعر والشعراء ١/ ٣٤٢، والكامل ١١٥٠، والخزانة ٤٣٨/٥، وفيه: يأطر متنه، أي: يثني ظهر مالك، وهو مالك بن حمار الذي قتله خفاف. سُورَةُ البََّقَة ٣٣٤ الآية : ٢ وليس بنصِّ لاحتمال أن يكون المراد: إنني أنا ذلك الذي كنت تُحدَّث عنه وتسمع به . وقول الإمام الرازي: إن ((ذلك)) للبعيد عرفاً لا وضعاً (١). فحَمْلُه هنا على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي مخالفٌ لما نفهمه من كتب أرباب العربية، وفوق كل ذي علم عليم. والقول بأنَّ الإشارة إلى التوراة والإنجيل - كما نقل عن عكرمة - إن كان قد ورد فيه حديثٌ صحيحٌ قبلناه وتكلَّفنا له، وإلا ضربنا به الحائط، وما كلُّ احتمال یلیق. وأغرب ما رأيناه في توجيه الإشارة أنها إلى ((الصراط المستقيم)) في الفاتحة، كأنهم لما سألوا الهداية لذلك قيل لهم: ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب، وهذا إن قبلته يتبيَّن به وجهُ ارتباط سورة البقرة بسورة الحمد على أتمِّ وجهٍ، وتكون الإشارة إلى ما سبق ذكره. والذي تنفتح له الآذان أنه إشارةٌ إلى القرآن، ووجهُ البُعْد ما ذكره صاحب ((المفتاح)) ونورُ القُرْبِ يَلُوح عليه. والمعتبر في أسماء الإشارة هو الإشارة الحسية التي لا يُتصوَّر تعلُّقها إلا بمحسوس مشاهد، فإن أشير بها إلى ما يستحيل إحساسه نحو ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أو إلى محسوس غير مشاهد نحو ﴿تِلْكَ الْجَنَّهُ﴾ [مريم: ٦٣] فلتصييره كالمشاهد، وتنزيل الإشارة العقلية منزلة الحسية كما في الرضي، فالإشارة هنا لا تخلو عن لطف. وقول بعضهم: إنَّ اسم الإشارة إذا كان معه صفة له لم يلزم أن يكون محسوساً، وهمّ محسوس. والكتاب كالكَثْب مصدر کَتَبَ، ويطلق على المكتوب؛ کاللباس بمعنى الملبوس، قال الراغب(٢): الكتب ضمُّ أديم إلى أديم بالخياطة، وفي المتعارف: (١) التفسير الكبير ١٣/٢. (٢) في مفردات ألفاظ القرآن (كتب). الآية : ٢ ٣٣٥ سُورَةُ الْبَقَة ضم الحروف بعضها إلى بعض، والأصل في الكتابة النظم بالخط، وقد يقال ذلك للمضموم بعضه إلى بعض باللفظ، ولذا يستعار كلُّ واحد للآخر، ولذا سُمِّي كتاب الله - وإن لم يكتب(١) - كتاباً. والكتاب هنا إما باقٍ على المصدرية، وسُمِّي به المفعول للمبالغة، أو هو بمعنى المفعول وأطلق على المنظوم عبارةً قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط، تسميةً بما يَؤُول إليه مع المناسبة. وقول الإمام: إن اشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته، وسمِّيت الكتيبة لاجتماعها، فسمِّي الكتاب كتاباً لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم، أو لأنَّ الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق(٢). كلامٌ ملفَّقٌ لا یخفی ما فيه. ويطلق الكتاب كالقرآن على المجموع المنزل على النبيِّ المرسل وَّر، وعلى القدر الشائع بين الكلِّ والجزء، ولا يحتاج هنا إلى ما قيل في دفع المغالطة المعروفة بالجذر الأصم، ولا أرى فيه بأساً إن احتجته. واللام في الكتاب للحقيقة مثلها في: أنت الرجل، والمعنى: ذلك هو الكتاب الكامل الحقيق بأن يُخصَّ به اسمُ الكتاب لغاية تفوُّقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس، حتى كأنَّ ما عداه من الكتب السماوية خارجٌ منه بالنسبة إليه. وقال ابن عصفور: كلُّ لامٍ وقعت بعد اسم الإشارة، وأي في النداء، وإذا الفجائية، فهي للعهد الحضوري. وقرئ: ((تنزيل الكتاب))(٣). والريب: الشك، وأصله مصدرُ رابَني الشيءُ: إذا حصل فيك الريبة، وهي قلق النفس، ومنه ريَبُ الزمان لنوائبه، فهو مما نقل من القلق إلى ما هو شبيه به، ويستعمل أيضاً لما يختلج في القلب من أسباب الغيظ. وقول الإمام الرازي: إن هذين قد يرجعان إلى معنى الشك؛ لأنَّ ما يُخاف من (١) في الأصل و (م): يكن، والمثبت من مفردات الراغب. (٢) التفسير الكبير ١٤/٢ . (٣) وهي قراءة عبد الله بن مسعود. الكشاف ١/ ١١٢. سُوَّةُ الْبَعْدَة ٣٣٦ الآية : ٢ الحوادث محتمل فهو كالمشكوك، وكذلك ما اختلج في القلب فإنه غير مستيقَنٍ (١). مستيقَنَّ ردُّه، فالمنون من الرَّيْب، أوَ يُشكُّ فيه؟! ويختلج في القلب من أسباب الغيظ علی الکفار مثلاً مما لا ريب فيه، أوَ فیه ريب؟ وفرَّق أبو زيد بين رابني وأرابني، فيقال: رابني من فلان أمرٌ، إذا كنت مستيقناً منه بالريب، وإذا أسأتَ به الظنّ ولم تستيقن منه قلت: أرابني، وعليه قول بشار: أَخُوكَ الذي إنْ رِبتَهُ قَالَ إِنَّما أَرَبْتُ(٢) وإنْ عَاتَبْتَهُ لانَ جَانِبُهْ(٣) وبعضٌ فَرَّق بين الريب والشك بأنَّ الريب شكٌّ مع تهمةٍ، وقال الراغب: الشك وقوف النفس بين شيئين متقابلين بحيث لا يترجَّح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية: التردد في المتقابلين، وطلب الأمارة: من مَرَى الضَّرعَ، أي: مسحه للدّر، والرَّيب: أن يتوهم في الشيء ثم ينكشف عما توهم فيه (٤). وقال الجولي(٥): يقال: الشك لِمَا استوى فيه الاعتقادان أو لم يستويا، ولكن لم ينته أحدهما لدرجة الظهور الذي تنبني عليه الأمور، والريب لما لم يبلغ درجة اليقين، وإن ظهر نوعَ ظهورٍ، ولذا حسن هنا ﴿لَا رَيْبَ فِهِ﴾ للإشارة إلى أنه لا یحصل فیھ ریبٌ فصلاً عن شك. ونفى سبحانه الريب فيه مع كثرة المرتابين - لا كثَّرهم الله تعالى - على معنی: إنه في علوِّ الشأن وسطوع البرهان بحيث لا يرتاب العاقل - بعد النظر - في كونه وحياً من الله تعالى، لا لأن لا يرتاب فيه حتى لا يصحّ ويحتاج إلى تنزيل وجود الريب عن البعض منزلة العدم لوجود ما يزيله. (١) التفسير الكبير ١٨/٢ -١٩. (٢) في (م): أراب. (٣) ديوان بشار بن برد ٢٦٥/١. (٤) مفردات الراغب (ريب) و(شك) و(مرى)، ونقله المصنف عن حاشية الشهاب ١٩٠/١. (٥) كذا في الأصل و (م)، وجاء في حاشية الشهاب ١/ ١٩٠ (والكلام منه): الحوي، ولعله الخُوَيِّي، وهو شهاب الدين محمد بن أحمد بن خليل، أبو عبد الله الشافعي قاضي دمشق، من كتبه: أقاليم التعاليم في الفنون السبعة: التفسير والحديث والفقه والأدب والطب والهندسة والحساب، توفي سنة (٦٩٣هـ). الوافي بالوفيات ٢/ ١٣٧ وكشف الظنون ١٣٤/١. الآية : ٢ ٣٣٧ سُوَّةُ الْبَقَة وقيل: إنه على الحذف كأنه قال: لا سبب ريب فيه؛ لأنَّ الأسباب التي توجبه في الكلام التلبيس والتعقيد والتناقض والدعاوي العارية عن البرهان، وكلُّ ذلك منتفٍ عن كتاب الله تعالى. وقيل: معناه النهي وإن كان لفظه خبراً، أي: لا ترتابوا فيه، على حدٍّ ﴿فَلَاَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقيل: معناه: لا ريب فيه للمتقين، فالظرف صفة و ((للمتقين)) خبر. و ﴿هُدى﴾ حالٌ من الضمير المجرور، أي: لا ریب كائناً فيه للمتقين حال كونه هادياً، وهي حالٌ لازمة فيفيد انتفاء الريب في جميع الأزمنة والأحوال، ويكون التقييد كالدليل على انتفاء الريب، و ((لا)) لنفي اتصاف الاسم بالخبر، لا لنفي قيد الاسم، فلا تتوجه إليه ليختلَّ المعنى، نعم هو قولٌ قليلُ الجدوى، مع أنَّ الغالب في الظرف الذي بعد ((لا)) هذه كونه خبراً. وإنما لم يقل سبحانه: لا فيه ريب - على حدٍّ ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] - لأنَّ التقديم يُشعر بما يُبعد عن المراد، وهو أنَّ كتاباً غيره فيه الريب، كما قصد في الآية تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها، فليس فيها ما في غيرها من العيب. قاله الزمخشري(١). وبعضهم لم يفرِّق بين: ليس في الدار رجل، وليس رجل في الدار، حتى أنكر أبو حيان إفادة تقديم الخبر هنا الحصر(٢)، وهو مما لا يلتفت إليه. وقرأ سليم أبو الشعثاء: لا ريبٌ فيه بالرفع(٣)، وهو لكونه نقيضاً لـ : ريبٌ فيه، وهو محتمِلٌ لأنْ يكون إثباتاً لفرد، ونفيُه يفيد انتفاءه، فلا يوجب الاستغراق كما في القراءة المشهورة، ولهذا جاز: لا رجلٌ في الدار بل رجلان، دون: لا رجلَ في الدار (٤) بل رجلان، فـ ((لا)) لعموم النفي، لا لنفي العموم. (١) في الكشاف ١١٥/١. (٢) البحر المحيط ٣٧/١. (٣) الكشاف ١١٥/١، والبحر المحيط ٣٦/١. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢ عن زهير الفرقبي. (٤) في (م): لا رجل فيها. سُورَةُ الْبَحْمَة ٣٣٨ الآية : ٢ والوقف على ﴿فِهِ﴾ هو المشهور، وعليه يكون الكتاب نفسه هدى، وقد تكرر ذلك في التنزيل. وعن نافع وعاصم: الوقف على ﴿لَا رَبَ﴾(١)، ولا ريب في حذف الخبر. وذهب الزجاج إلى جعل ﴿لَا رَبٌ﴾ بمعنى حقًّا (٢)، فالوقف عليه تامٌّ، إلا أنه أيضاً دون الأول. وقرأ ابن كثير: ((فيهي))، بوصل الهاء ياء في اللفظ (٣)، وكذلك كلُّ هاءٍ كنايةٍ قبلها یاءٌ ساكنة، فإن كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو، ووافقه حفص في ﴿فِيهِ، مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٩] و﴿فَمُلَقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] و﴿سَأُمْلِهِ﴾ [المدثر: ٢٦]، والباقون لا يُشْبِعون، وإذا تحرك ما قبل الهاء أشبعوه(٤)، وقرأ الزهريُّ وابن جندب بضم الهاء من الكنايات في جميع القرآن على الأصل(٥). والهدى: في الأصل مصدرُ هَدَى، أو عوضٌ عن المصدر، وكلٌّ في كلام سيبويه، ولم يجئ من المصادر بهذه الزنة إلا قليل كالتُّقى، والسُّرى، والبُكى بالقصر في لغة، ولُقى، كما قال الشاطبي وأنشد: وَقَدْ زَعَمُوا حُلماً لُقَاكَ فَلَمْ أَزْدْ بحمدِ الذي أَعْطاكَ حِلماً ولا عَقْلا (٦) والمراد هنا اسم الفاعل بأحد الوجوه المعروفة في أمثاله، وهو لفظٌ مؤنثٌ عند ابن عطية، ومذكرٌ عند اللحياني(٧). وبنو أسد يؤثِّثون كما قال الفرَّاء(٨)، فهو کالهداية وقد تقدم معناها . (١) الكشاف ١١٥/١ . (٢) معاني القرآن للزجاج ١/ ٧٠. (٣) التيسير ص٢٩، والنشر ٣٠٥/١. (٤) النشر ٣٠٤/١ -٣٠٥ دون ذكرآية الانشقاق وآية المدثر. (٥) البحر المحيط ٣٧/١ وابن جندب هو مسلم بن جندب. (٦) البحر ٣٣/١، والشاطبي هو رضي الدين محمد بن علي بن يوسف أبو عبد الله اللغوي شيخ أبي حيان، توفي سنة (٦٨٤هـ). الوافي بالوفيات ٤/ ١٩٠. والبيت ذكره أيضاً القاسم بن علي الحريري في درة الغوّاص ص٢٠٦، وهو في اللسان (لقا). (٧) المحرر الوجيز ٧٣/١. (٨) في المذكر والمؤنث ص٢١.