النص المفهرس
صفحات 281-300
الآية : ٤ ٢٧٩ سُوَّةُ الفَاتِةِ التربية بلا واسطة في كلماته، ورحمة الرحمن أيضاً قد تمزج بالألم؛ كشرب الدواء الكّرِهِ الطعم والرائحة، فإنه وإن كان رحمةً بالمريض لكن فيه ما لا يلائم طبعه، ورحمة الرحيم لا يمازجها شَوبٌ، فهي محضُ النعمة، ولا توجد إلا عند أهل السعادات الكاملة، اللهم اجعلنا سعداء الدارين بحرمة محمد سيد الثقلين وصلات. ﴿مَلِكِ يَوْمِ الذِيِنِ ﴾﴾ قرأ: (مالكِ)) كفاعل مخفوضاً عاصمٌ والكسائيُّ وخلفٌ في اختياره ويعقوب(١)، وهي قراءة العشرة إلا طلحة والزبير، وقراءة كثيرٍ من الصحابة، منهم أبيُّ وابن مسعود ومعاذ وابن عباس، والتابعين منهم قتادة والأعمش. وقرأ: ((مَلِكِ)) كفَعِل بالخفض أيضاً باقي السبعة، وزيد وأبو الدرداء وابن عمر والمسور، وكثير من الصحابة والتابعين. وقرأ: (مَلْك)) على وزن سَهْل، أبو هريرة وعاصم الجحدري، ورواها الجعفي وعبد الوارث عن أبي عمرو (٢)، وهي لغة بكر بن وائل. وقرأ: (مَلِكِي)) بإشباع كسرة الكاف أحمدُ بن صالح عن وَرْشٍ عن نافع(٣). وقرأ: ((مِلْك)) على وزن عِجْل، أبو عثمان والشعبيُّ وعطية(٤). وقرأ أنس بن مالك وأبو نوفل عمر بن مسلم البصري: ((مَلِكَ يومِ الدِّين)) بنصب الكاف من غير ألف(٥). وقرأ كذلك إلا أنه رفع الكاف سعدُ بن أبي وقاص وعائشة(٦). وقرأ: ((مَلَكَ)) فعلاً ماضياً أبو حنيفة على ما قيل، وأبو حيوة وجبير بن مطعم وأبوعاصم عبيد بن عمير الليثي، وينصبون اليوم، وذكر ابن عطية أنَّ هذه قراءةُ (١) التيسير ص١٨، والنشر ٢٧١/١، والبحر ٢٠/١، وعنه نقل المصنف. (٢) القراءات الشاذة ص١، والبحر ٢٠/١. (٣) المحرر الوجيز ٦٨/١، والبحر ١/ ٢٠، والمشهور عن نافع ((ملك) بالخفض كما سلف. (٤) البحر ٢٠/١، وأبو عثمان هو النهدي. (٥) البحر ٢٠/١، وهي في القراءات الشاذة ص١ عن أبي حيوة. (٦) البحر ٢٠/١. سُورَةُ الفَاتِحَةِ ٢٨٠ الآية : ٤ علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه والحسن ويحيى بن يعمر(١). وقرأ: ((مالكَ)) بالنصب الأعمشُ أيضاً وابن السميفع وعثمان بن أبي سليمان وأبو عبد الملك قاضي الجند(٢)، وذكر ابن عطية أنها قراءة عمر بن عبد العزيز وأبي صالح السمَّان(٣). وروى ابن أبي عاصم عن اليمان ((مالكاً)) بالنصب والتنوين. وقرأ: ((مالكٌ)) برفع الكاف والتنوين [عون العقيلي]، ورويت عن خلف بن هشام وأبي عبيد وأبي حاتم، فينصب اليوم. وقرأ: ((مالكُ يوم الدين)) بالرفع والإضافة أبو هريرة وأبو حيوة وعمر بن عبد العزيز بخلاف عنهم(٤)، ونسبها صاحب ((اللوامح)) إلى ابن أبي شداد العقيلي (٥) البصري(٥) . وقرأ: ((مليكِ)) كفعيل أبو هريرة في روايةٍ، وأبو رجاء العطاردي. وقرأ: ((مالك)) بالإمالة البليغة يحيى بن يَعمُر وأيوب السختياني، وببَيْن بين قتيبة بن مهران عن الكسائي، ولم يطّلع على ذلك أبو علي الفارسي فقال: لم يُمِلْ أحدٌ، وذكر أنه قرئ: ((ملَّاك)) بالألف وتشدید اللام وكسر الكاف. فهذه عدة قراءات ذكرتها لغرابة وقوع مثلها في كلمة واحدة، بعضُها راجعة إلى المِلْك، وبعضها إلى المُلْك، قال بعض اللغويين: وهما راجعان إلى المَلْك وهو الشدُّ والربط، ومنه: مَلَكَ العجينَ، وأنشدوا قول قيس بن الخطيم: يُرى قائماً مِنْ دونها ما وَرَاءها(٦) مَلَكْتُ بِها كَفِّي فأنْهَرْتُ فَتْقَها (١) المحرر الوجيز ٦٨/١، وذكرها عن أبي حنيفة الزمخشري في الكشاف ٥٦/١-٥٧، وهي في القراءات الشاذة ص١ عن أنس بن مالك ضـ (٢) في الأصل و(م) والبحر ١/ ٢٠ (والكلام وما سيأتي بين حاصرتين منه): وعبد الملك قاضي الهند، والمثبت هو الصواب. ينظر اللباب لابن عادل ١٨٦/١، وطبقات القراء لابن الجزري ٦١٨/١. (٣) المحرر الوجيز ٦٨/١، والبحر ٢٠/١. (٤) في البحر: عنه. (٥) هو أبو روح عون بن أبي شداد، كما في البحر ١/ ٢٠. (٦) ديوان قيس بن الخطيم ص٤٦، وشرح ديوان الحماسة المرزوقي ١٨٤/١. قال المرزوقي : = الآية : ٤ ٢٨١ سُوَرَّةُ الفَاتِحَةِ والمتواتر منها قراءة ((مالك)) و((ملك)، فهما نيِّرا سواريها، وقطبا فلك دراريها، واختلف في الأبلغ منهما، قال الزمخشري: و((ملك)» هو الاختيار؛ لأنه قراءة أهل الحرمين، ولقوله تعالى: ﴿لِّمَنِ اَلْمُلْكُ﴾ [غافر: ١٦] ولقوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] ولأنَّ المُلك يعم والمِلك يخص(١). ورجَّحه صاحب ((الكشف)) أيضاً بأنه يلزم على قراءة ((مالك)) نوعُ تكرّار؛ لأنَّ الربَّ بمعناه أيضاً، وبأنه تعالى وصف ذاته المتعالية بالملكية عند المبالغة في قوله: ﴿مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦] بالضم دون المالكية. واعتُرض ذلك کله: أمَّا أولاً: فلأنَّ قراءة أهل الحرمين لا تدلُّ على الرجحان؛ لأنه لو سُلِّم كون أوائلهم أعلم بالقرآن، لانسلِّم ذلك في عهد القرَّاء المشهورين، ألا ترى أنَّ صحيح البخاريِّ مقدَّمٌ على موظّأ مالك وهو عالم المدينة، على أن القراءات المشهورة كلها متواترة، وبعد التواتر المفيد للقطع لا يلتفت إلى أصول الرواة، وقول الشهاب: لا يخفى أنَّ أهل الحرمين قديماً وحديثاً أعلم بالقرآن والأحكام(٢). فيِن وراء المنع أيضاً ودون إثباته التعب الكثير، كما لا يخفى على مَن لم تَرُعْه القعاقع. وأما ثانياً: فلأن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] يخدشه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسِ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] فإنه سبحانه أراد باليوم يوم القيامة، وهو يوم الدين، ونفيُ المالكية عن غيره يقتضي إثباتها له، إذ السياق لبيان عظمته تعالى، والأمر آخر الآية واحد الأمور لا الأوامر، وإن کثر استعماله فيه. وأما ثالثاً: فلأنَّ ما في ((الناس)) مغايرٌ لِمَا هنا؛ لأنَّ مالك الناس لو كان هناك - كما قرئ به شذوذاً - يتكرّر مع رب الناس، وأما هنا فلا تكرار لاختلاف المقام. وأما رابعاً: فلأنَّ ما ادَّعاه من أنَّ المُلك بضم المیم یعمُّ والملك بالكسر يخصُّ خلافُ الظاهر، والظاهر أن بين المالك والملك عموماً وخصوصاً من وجه لغةً = يروى: ((يَرَى قائمٌ مِن دونها مَن وراءها)) و ((ما وراءها))، ويروى: ((يَرى قائماً)) أيضاً. ويقال: مَلَّكتْ العجين وأمْلَكْتُه: إذا بالغت في عجنه وشدِه. (١) الكشاف ١/ ٥٧. (٢) حاشية الشهاب على البيضاوي ١/ ٩٧ . الآية : ٤ ٢٨٢ سُورَةُ الْفَاتِيةِ وعرفاً، فيوسف الصديق عليه السلام بناءً على أنه مَلَك(١) رقاب المصريين في القحط بمقتضى شرعهم، ملك ومالك، والتاجر مالك غير مَلِكِ، والسلطان على بلد لا مِلْكَ له فيها مَلِكٌ غيرُ مالك. وأما خامساً: فبأنَّ التكرار الذي زعمه صاحب الكشف قد كُشف أمره على أنه مشترك الإلزام؛ إذ الجوهريُّ ذكر أنَّ الرب كان يطلق على الملك(٢). وأما سادساً(٣): فلأنَّ الدليل الأخير الذي ساقه لك أن تقلبه بأنه تعالى وصف ذاته بالمالكية دون الملكية، أيضاً إضافة المالك إلى المُلك تدلُّ على أنَّ المالك أبلغ من المَلِك؛ لأن المُلك بالضم قد جعل تحت حيطة المالكية، فكأنه أحدٌ مملو کاته. كذا قالوه، ولهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا. وعندي لا ثمرة للخلاف، والقراءتان فَرَسا رهان، ولا فرق بين المالك و الملك صفتين الله تعالى كما قاله السَّمين(٤)، ولا التفات إلى من قال: إنهما كحاذرٍ وحَذِرٍ، ومتى أردتُ ترجيح أحد الوصفين تعارضت لديَّ الأدلة وسدَّت عليَّ البابَ الآثارُ، وانقلب إليَّ بصر البصيرة خاسئاً وهو حسير، إلا أني أقرأ كالكسائي: (مالك)) لأحظى بزيادة عشر حسنات، ولأنَّ فيه إشارة واضحة إلى الفضل الكبير والرحمة الواسعة، والطمعُ بالمالك من حيث إنه مالك فوق الطمع بالمَلِك من حيث إنه ملك، فأقصى ما يرجى من المَلِك أن ينجوَ الإنسان منه رأساً برأس، ومن المالك يرجى ما فوق ذلك، فالقراءة به أرفق بالمذنبين مثلي، وأنسب بما قبله، وإضافته إلى يوم الدين بهذا المعنى ليكسر حرارته، فإنَّ سماع يوم الدين يقلقل أفئدة السامعين، ويُشْبِهُ ذلك من وجهٍ قولهُ تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] والمدار على الرحمة، لاسيما والأمر جدير(٥)، والترغيب فيه أرغب، (١) في (م): مالك. (٢) الصحاح (ربب). (٣) في (م): سادسها. (٤) في الدر المصون ٤٩/١. (٥) في الأصل: جديد. الآية : ٤ ٢٨٣ سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ على أنه لا يخلو الحال عن ترهيب، وكأني بك تعارض هذه النكت، وما عليَّ، فهذا الذي دعاني إليه حسن الظن. واليوم: في العرف عبارةٌ عمَّا بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان، وفي الشرع عند أهل السنّة ما عدا الأعمش: عبارةٌ عمَّا بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس، ويطلق على مُطْلَق الوقت، ويوم القيامة حقيقةٌ شرعيةٌ في معناه المعروف. وتركيبه غريب؛ إذ فاء الكلمة فيه ياء وعينها واو، ولم يأت من ذلك كما في البحر المحيط (١) إلا يوم وتصاريفه. والدين: الجزاء، ومنه الحديث المرسل عن أبي قلابة ﴿ه قال: قال رسول الله اته: ((البر لا یبلی والإثم لا ینسی، والدیَّان لا يموت، فکن کما شئت، كما تدين تدان))(٢). وقيل: فُرِّق بينهما، فإنَّ الدين ما كان بقَدْرٍ فعل المُجازَى، والجزاء أعم. وقيل: الدين اسمٌ للجزاء المحبوب المقدَّر بقدر ما يقتضيه الحساب، إذا كان ممن معه وقع الأمر المجزيُّ به، فلا يقال لمن جازى عن غيره، أو أعطى كثيراً في مقابلة قليل: دين، ويقال: جزاء. والأرجح عندي أنَّ الدين والجزاء بمعنى، فيوم الدين هو يوم الجزاء، ويؤيده قوله تعالى: ﴿اَلْيَّوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] و﴿ الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨] وإضافة ((مالك)) إلى ((يوم)) على التوسع، وقد قال النحاة: الظرف إما متصرِّفٌ؛ وهو الذي لا يلزم الظرفية، أو غير متصرف؛ وهو مقابله، والأول كيوم وليلة، فلك أن تتوسع فيهما بأن ترفع أو تجرَّ أو تنصب من غير أن تقدِّر فيه معنى ((في))، فيجري مجرى المفعول للتساوي في عدم التقدير، فإذا قلت: (١) ٢١/١. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٦٢). وقال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف ص٣: ورواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق بسنده عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قوله، وهذا منقطع مع وقفه، وله شاهد موصول من حديث ابن عمر ﴿# أخرجه ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد الملك وضعفه. ينظر الزهد لأحمد ص١٧٦، والكامل لابن عدي ٢١٦٨/٦. الآية : ٤ ٢٨٤ سُورَةُ الْفَاتِّ سِرْت اليوم، كان منصوباً انتصاب ((زيد)) في: ضربت زيداً، ويجري سرتُ مجرى ضربت في التعدِّي مجازاً؛ لأنَّ السير لا يؤثِّر في اليوم تأثيرَ الضرب في زيد، ولا يخرج بذلك عن معنى الظرفية، ولذا يتعدَّى إليه الفعل اللازم ولا يظهر في الاسم الظاهر وإنما يظهر في الضمير؛ كقوله: وَيَوْماً شَهِدْناهُ سُلَيْماً وعَامِراً قليلاً سِوَى طَعْنِ النِّهالِ (١) نَوافِلُهُ(٢) وإذا توسِّع في الظرف، فإن كان فعله غير متعدٍّ تعدَّى، وإن كان متعدِّياً إلى واحد تعدَّى إلى اثنين، وإن كان متعدِّياً إلى اثنين تعدَّى إلى ثلاثة، وهو قليل، ومنعه البعض، وإن كان متعدِّياً إلى ثلاثة لم يتعدَّ إلى رابع في المشهور، إذ لا نظير له، وحکی ابن السَّرَّاج جوازه. والتوسُّع هنا (٣) تجوُّزٌ حكميٍّ في النسبة الظرفية الواقعة بعد نسبة المفعول به الحقيقي، فالمتعدِّي قبله باقٍ على حاله، حتى إذا لم يذكر مفعوله قُدِّر أونُزِّل منزلة اللازم، والجمع بين الحقيقة والمجاز في المجاز الحكمي ليس محلَّ الخلاف، ولذا قال الرضي: اتفقوا أن معنى الظرف متوسَّعاً فيه وغيرَ متوسع فيه سواء. والمعنى: مالك الأمر كله في يوم الدين، وهذا ثابت له سبحانه أزلاً وأبداً؛ لأنه إما من الصفات الذاتية المتفق على ثبوتها له سبحانه كذلك، أو من الصفات الفعلية وهي عند الماتريدية مثلها، بل قال الزركشيُّ من الأشاعرة في إطلاق الخالق والرازق ونحوهما في حقّه تعالى قبل وجود الخلق والرزق: حقيقة، وإن قلنا بحدوث صفات الأفعال (٤) (١) في الأصل و(م): قليل ... النهار، والمثبت هو الصواب، وينظر التعليق الذي بعده. (٢) البيت لرجل من بني عامر، كما في الكتاب ٧٨/١، وشرح المفصل ٤٦/٢، ودون نسبة في الكامل ٤٩/١، والمقتضب ١٠٥/٣، ومعاني القرآن للزجاج ١٢٨/١، وأمالي ابن الشجري ٧/١، وشرح أبيات مغني اللبيب ٧/ ٨٤، ووقع في بعض المصادر ويومٍ ... قليلٍ ... ، قال الأعلم في شرح شواهد الكتاب ص١٤٧ : الشاهد فيه نصب ضمير اليوم بالفعل؛ تشبيهاً بالمفعول به اتساعاً ومجازاً، والمعنى: شهدنا فيه. وسليم وعامر قبيلتان. والنوافل هنا: الغنائم. والنِّهال: المرتوية بالدم، يقول: لم نغنم فيه إلا النفوس، لِمَا أوليناهم من كثرة الطعن. (٣) في (م): هذا. (٤) البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ٢/ ٩٤. الآية : ٤ ٢٨٥ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ أو المعنى: ملك الأمور يوم الدين، على حدٍّ: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] ففي الآية استعارةٌ تبعيةٌ كما يفهمه كلام العلامة البيضاويِّ في تفسيره(١). وعلى التقديرين يصحُّ وقوعه صفة للمعرفة؛ لأنَّ الإضافة حينئذٍ حقيقة، ولا ينافي ذلك التوسع في الظرف؛ لأنه مفعولٌ من حيث المعنى لا من حيث الإعراب، أي يتعلق المالك به تعلُّق المملوكية، حتى لو كانت شرائط العمل حاصلةً عَمِلَ فيه، كما قاله الشريف(٢). وفيه تأمل، والأولى باستمرار الاعتبار اعتبارُ الاستمرار، والمستمرُّ يصح أن تكون إضافته معنوية، كما يصح أن لا تكون كذلك، والتعين مفوض للمقام، وذلك لاشتماله على الأزمنة الثلاث. ولا يَرِدُ أن يوم الدين وما فيه ليس مستمرًّا في جميع الأزمنة، فكيف يتصوَّر كونه تعالى مالكاً على الاستمرار؛ لأنَّا نقول: ليس عند ربك صباح ولا مساء، وهو سبحانه ليس بزمانيّ، والأزل والأبد عنده نقطة واحدة، والفرق بينهما بالاعتبار، والتعبيرات في كلامه عزَّ شأنه بالنظر إلى حال المخاطب؛ فالاستمرار بالنظر إليه تعالى متحقِّقٌ بلا شبهة. ومن هنا يستنبط جوابٌ للسؤال المشهور: بأنَّ المالك لا يكون مالكاً للشيء إلا إذا كان موجوداً، ويوم الدين غيرُ موجود الآن؟ وأجاب غيرُ واحد بأنَّ يوم الدين لما كان محقَّقاً جعل كالقائم في الحال، وأيضاً من مات فقد قامت قيامته؛ فكأن القيامة حاصلةٌ في الحال، فزال السؤال(٣). ولا يخفى أنَّ السؤال باقٍ على مذهب بعض المتكلمين القائلين بأنَّ الزمان (١) ٢٩/١. قال الشهاب في حاشيته على تفسير البيضاوي١٠١/١ يعني أن اسم الفاعل كالمفعول يخالف الصفة المشبهة الدالة على الثبوت، فهو حقيقة في الحال، إلا أنه منزَّل منزلة الماضي في تحقق الوقوع، فاستعير له استعارة تبعية كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ فإنه بمعنى: ينادي. اهـ. ووقع في هامش الأصل و(م): ونقل عنه أنه مجاز في الماضي المنقطع لا مطلقاً، وهو خلاف المشهور، وبني عليه أن مالك يوم الدين حقيقة عنده وإن لم يعتبر استمراره. اهـ منه. وينظر حاشية الشهاب ١٠٢/١ . (٢) حاشية الجرجاني على تفسير الكشاف ٥٩/١. (٣) في هامش الأصل و(م): وقيل عليه إن اسم الفاعل ليس حقيقة في الاستمرار، فيكون مجازاً على المجاز. اهـ منه. وينظر حاشية الشهاب ١/ ١٠٣ . الآية : ٤ ٢٨٦ سُورَةُ الفَاتِيّة معدوٌ؛ إذ يقال بعدُ: إن تملُّك المعدوم محال، إلا أن يقال: يجعل الكلام كناية عن كونه مالكاً للأمر كلِّه؛ لأنَّ تملُّك الزمان كتَملُّك المكان يستلزم تملُّك جميع ما فيه، ولا يلزم في الكناية إمكان المعنى الحقيقي، والاستلزام بمعنى الانتقال في الجملة لا بمعنى عدم الانفكاك، فلا يَرِدُ المنع. وأنت إذا قرأت: ((ملك)) تسلم من هذا القيل والقال إن جعلته صفةً مشبَّهة، أو ألحقته بأسماء الأجناس الجامدة؛ كسلطان، وأما إذا جعلته صيغة (١) مبالغة كحَذِر - وهو ملحقٌ باسم الفاعل - فيَرِدُ عليك ما ورد علينا، وأنا من فضل الله تعالى لا تحرِّكني العواصف، بل ذلك يزيدني في المالك حبًّا . وإنما قال: ((مالك يوم الدين))، ولم يقل: يوم القيامة، مراعاةً للفاصلة وترجيحاً للعموم، فإنَّ الدين بمعنى الجزاء يشمل جميع أحوال القيامة؛ من ابتداء النشور إلى السرمد الدائم، بل يكاد يتناول النشأة الأولى بأسرها، على أنَّ يوم القيامة لا يفهم منه الجزاء مثل ((يوم الدين))، ولا يخلو اعتباره عن لطف. وأيضاً للدين معانٍ شاع(٢) استعماله فيها؛ كالطاعة والشريعة، فتذهب نفس السامع إلى كل مذهب سائغ، وقد قال بكلِّ من هذين المعنيين بعضٌ، والمعنى حينئذٍ على تقدير مضاف، فعلى الأول: يوم الجزاء الكائن للدين، وعلى الثاني: يوم الجزاء الثابت في الدين. وإذا أريد بالطاعة في الأول الانقياد المطلق لظهوره ذلك اليوم ظاهراً وباطناً، وجُعِلَ إضافة (يوم)) للدين في الثاني لِمَا بينهما من الملابسة باعتبار الجزاء، لم یحتج إلی تقدیر. وتخصيص اليوم بالإضافة - مع أنه تعالى مالكُ ومَلِكُ جميع الأشياء في كل الأوقات والأيام - إما للتعظيم، وإما لأنَّ المِلك والمُلك الحاصلين في الدنيا لبعض الناس بحسب الظاهر، يزولان وينسلخ الخلق عنهما انسلاخاً ظاهراً في الآخرة: (١) في الأصل: صفة. (٢) في هامش الأصل و(م): قال الراغب: ((الدين)) الطاعة والجزاء واستعير للشريعة. فافهم. اهـ منه . الآية : ٤ ٢٨٧ سُورَةُ الْفَاتِيةِ ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] وينفرد(١) سبحانه في ذلك اليوم بهما انفراداً لا خفاء فيه، ولذلك قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌِّ لِنَفْسِ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَيِذٍ لِلَِّ﴾ [الانفطار: ١٩] و﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]. وأيضاً هنالك يجتمع الأولون والآخرون، ويقوم الروح والملائكة صفًّا، وتجتمع العبيد في صعيد واحد، وتظهر صفة الجمال والجلال أتم ظهور، فتُعلم صفة المالكية والملكية للمجموع في آنٍ واحد فوق ما عُلمت لكلِّ فردٍ فردٍ أو جمعٍ جمعٍ على توالي الأزمان. وإنما ختم سبحانه هذه الأوصاف بهذا الوصف إشارةً إلى الإعادة، كما افتتح بما يشير إلى الإبداء، وفي إجرائها عليه تعالى تعليلٌ لإثبات ما سبق، وتمهيدٌ لما لحق، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ الحمد ليس مجرَّد الحمد لله، بل مع العلم بصفات الكمال ونعوت الجلال، وهذه أمهاتها؛ ولم تك تصلح إلا له، ولم يك يصلح إلا لها . وقد يقال: في إجراء هذه الأوصاف بعد ذكر اسم الذات الجامع لصفات الكمال إشارةٌ إلى أنَّ الذي يحمده الناس ويعطّمونه إنما يكون حمده وتعظيمه لأحد أمور أربعة: إما لكونه كاملاً في ذاته وصفاته وإن لم يكن منه إحسان إليهم، وإما لكونه محسناً إليهم ومتفضِّلاً عليهم، وإما لأنهم يرجون لطفه وإحسانه في الاستقبال، وإما لأنهم يخافون من كمال قدرته. فهذه هي الجهات الموجبة للحمد والتعظيم، فكأنه سبحانه يقول: يا عبادي، إن كنتم تحمدون وتعلّمون للكمال الذاتي والصفاتي (٢)، فإني أنا الله، وإن كان للإحسان والتربية والإنعام، فإني أنا رب العالمين، وإن كان للرجاء والطمع في المستقبل، فإني أنا الرحمن الرحيم، وإن كان للخوف، فإني أنا مالك يوم الدين. ومن الناس من استدلَّ - كما قال الإمام(٣) - على وجوب الشكر عقلاً قبل مجيء الشرع بأنه تعالى أثبت الحمدَ هنا لذاته، ووصفه بكونه ربًّا للعالمين، رحماناً رحيماً (١) في الأصل: ويتفرد. (٢) في (م): والصفاتي فاحمدوني. (٣) هو الرازي في تفسيره ٢٢٧/١. سُوَّةُ الفَاتِيةِ ٢٨٨ الآية : ٥ بهم، مالكاً لعاقبة أمورهم في القيامة، وترتُّب الحكم على الوصف المناسب يدلُّ على كون الحكم معلّلاً به، فدلَّ ذلك على ثبوت الحمد له قبل الشرع وبعده. وهو على ما فيه دليلٌ عليه لا له؛ لأنه بيانٌ من الله تعالى لإيجابه، فهو سمعيٌّ لا عقلي، فالمستدلُّ به كناطح صخرة. هذا وفي ذكر هذه الأسماء الخمسة أيضاً لطائف؛ فالإنسان بدنٌ ونفسٌ شيطانية ونفسٌ سَبُعية ونفسٌ بهيمية وجوهرٌ ملكيٍّ عقلي؛ فالتجلي باسمه تعالى ((الله)) للجوهر الملكي: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْحَيْنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وباسم الربِّ للنفس الشيطانية: ﴿رَّتٍّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون ٩٧] وباسم الرحمن للنفس السبعية بناءً على أنه مركّبٌ من لطف وقهر: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيدٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِّ﴾ [الفرقان: ٢٦] وباسم الرحيم للنفس البهيمية: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ [المائدة: ٥] وبمالك يوم الدين للبدن الكثيف: ﴿سَنَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: ٣١]. وآثار هذا التجلِّي طاعة الأبدان بالعبادة، وطاعة النفس الشيطانية بطلب الاستعانة، والسبعية بطلب الهداية، والبهيمية بطلب الاستقامة، وتواضعت الروح القدسية فعرضت لطلب إيصالها إلى الأرواح العالية المطهّرة. وأيضاً دعائم الإسلام خمس؛ فالشهادة من أنوار تجلِّي الله، والصلاة من أنوار تجلِّي الرب، وإيتاء الزكاة من أنوار تجلِّي الرحمن، وصيام رمضان من أنوار تجلِّي الرحيم، والحجُّ من أنوار تجلِّي مالك يوم الدين، وكأنه لهذا طلبت الفاتحة في الصلاة التي هي العماد. ولمَّا بلغ الثناء الغاية القصوى قال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِنَّاكَ نَسْتَعِينُ إيَّا في المشهور: ضميرُ نصب منفصل، واللواحق حروفٌ زيدت لبيان الحال. وقيل: أسماءٌ أضيف هو إليها، وقيل: الضمير هي تلك اللواحق وإِيًّا دعامة. وقيل: الضمير هو المجموع. وقيل: إيّا مظهر مبهم مضاف إلى اللواحق، وزعم أبو عبيدة اشتقاقه، وهو جهلٌ عجيب والبحث مستوفّى في علم النحو. وقد جاء: ويَّاك، بقلب الهمزة واواً، ولا أدري أهو عن القرَّاء أم عن العرب. وقرأ عمرو بن فائد عن أبيٍّ: ((إياك)) بكسر الهمزة وتخفيف الياء، وعليٍّ والفضل الآية : ٥ ٢٨٩ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ الرَّقاشي: ((أيّاك)) بفتح الهمزة والتشديد، وأبو السوار الغنوي: ((هيَّاك)) بإبدال الهمزة مكسورةً ومفتوحةً - هاء(١)، والجمهور ((إيّاك)) بالكسر والتشديد. والعبادة أعلى مراتب الخضوع، ولا يجوز شرعاً ولا عقلاً فعلُها إلا لله تعالى؛ لأنه المستحقُّ لذلك، لكونه مُؤلياً لأعظم النعم من الحياة والوجود وتوابعهما، ولذلك يَحْرُم السجود لغيره سبحانه؛ لأنَّ وضع أشرف الأعضاء على أهون الأشياء - وهو التراب وموطئ الأقدام والنعال ـ غايةُ الخضوع. وقيل: لا تستعمل إلا في الخضوع له سبحانه، وما ورد من نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] واردٌ على زعمهم، تعريضاً لهم ونداءً على غباوتهم. وتستعمل بمعنى الطاعة ومنه: ﴿أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ﴾ [يس: ٦٠] وبمعنى الدعاء ومنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ﴾ [غافر: ٦٠] وبمعنى التوحيد ومنه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وكلها متقاربة المعنى. وذكر بعض المحقّقين أنَّ لها ثلاث درجات؛ لأنه إما أن يعبد الله تعالى رغبةً في ثوابه أو رهبةً من عقابه، ويختصُّ باسم الزاهد، حيث يُعْرِضُ عن متابعة الدنيا وطيِّاتها طمعاً فيما هو أدوم وأشرف، وهذه مرتبةٌ نازلةٌ عند أهل الله تعالى وتسمَّى عبادة. وإما أن يعبد الله تعالى تشرُّفاً بعبادته، أو لقبوله لتكاليفه، أو بالانتساب إليه، وهذه مرتبة متوسطة وتسمَّى بالعبودية. وإما أن يعبد الله تعالى لاستحقاقه الذاتي من غير نظر إلى نفسه بوجهٍ من الوجوه، ولا يقتضيه إلا الخضوع والذلة، وهذه أعلى الدرجات، وتسمَّى بالعبودة، وإليه الإشارة بقول المصلِي: أصلي الله تعالى، فإنه لو قال: أصلِّ لثوابه تعالى(٢)، أو للتشُّف بعبادته، فسدت صلاته. (١) تنظر هذه القراءات في القراءات الشاذة ص١، والمحتسب٤٠/١، والبحر ٢٣/١. ووقع في الأصل و(م): أبو الفضل الرقاشي، والمثبت من المصادر، وهو الصواب، وهو الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي أبو عيسى البصري الواعظ، روى عن عمه يزيد وعن أنس والحسن البصري وجماعة، رمي بالقدر، وقال عنه ابن معين: كان قاصًّا، وكان رجل سوء. الميزان ٣٥٦/٣. (٢) بعدها في (م): مثلاً. الآية : ٥ ٢٩٠ سُوَّة الفَاتِة والاستعانة: طلب المعونة، وياءُ فعله منقلبة عن الواو. وتمسَّكت الجبريةُ والقدرية بهذه الآية، أما الجبرية فقالوا: لو كان العبد مستقلًّا لَمَا كان للاستعانة على الفعل فائدة، وأما القدرية فقالوا: السؤال إنما يحسن لو كان العبد متمكِّناً في أصل الفعل، فيطلب الإعانة من الغير، أما إذا لم يقدر عليه لم يكن للاستعانة فائدة. وقد أشار ناصرُ الملَّة والدين البيضاويُّ بيَّض الله تعالى وجه حجَّته ببيان المعونة إلى أنه لا تمسُّك لواحدٍ من الفريقين في ذلك حيث قال: وهي إما ضرورية أو غيرُها، والضروريةُ ما لا يتأتّى الفعل دونه؛ كاقتدار الفاعل وتصوُّره، وحصول آلَةٍ ومادة يفعل بها فيها، وعند استجماعها يصحُّ أن يوصف الرجل بالاستطاعة، ويصحُّ أن يكلف بالفعل، وغير الضرورية تحصيلُ ما يتيسر به الفعل ويسهل؛ كالراحلة في السفر للقادر على المشي، أو يقرِّب الفاعل إلى الفعل ويحثُّه عليه، وهذا القسم لا یتوقف علیه صحة التکلیف(١). انتھی. وحاصله أنَّ الاستعانة طلبُ ما يتمكَّن به العبد من الفعل، أو يوجب اليسر عليه، وشيءٌ منها(٢) لا يوجب الجبر ولا القدر. وعندي أنَّ الآية إن استُدلَّ بها على شيءٍ من بحث خَلْق الأفعال، فليُستدلَّ بها على أنَّ للعباد قُدَراً (٣) مؤثرة بإذن الله تعالى لا بالاستقلال، كما عقدتُ عليه خنصر عقيدتي، لا أنهم ليس لهم قدرة أصلاً بل جميع أفعالهم كحركة المرتعش كما يقوله الجبرية؛ إذ الضرورة تكذِّبه، ولا أنَّ لهم قدرةً غير مؤثرة أبداً كاليد المشلولة كما هو الشائع من مذهب الأشاعرة؛ إذ هو في المآل كقول الجبرية، وأيُّ فرقٍ بين قدرة لا أثر لها، وبين عدم القدرة بالكلية، إلا بما هو كسرابٍ بِقِيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً؟! ولا أنَّ لهم قدرة مستقلة بالأفعال يفعلون بها ما شاؤوا، فالله تعالى يريد ما لا يفعله العبد، ويفعل العبد ما لا يريده الله تعالى، كما يقوله المعتزلة؛ إذ يردُّ ذلك النصوص القواطع كما ستسمعه إن شاء الله تعالى. (١) تفسير البيضاوي ٣٣/١. (٢) في (م): منهما. (٣) في الأصل: قدرة. الآية : ٥ ٢٩١ سُورَةُ الْفَاتِية ووجه الاستدلال أنَّ ((إياك نعبد)» مشيرٌ إلى صدور الفعل من العباد، وذلك يستدعي قدرً یکون بها الإیجاد، ومن لا قدرة له، أو له قدرة لا مدخل لها في الإيجاد، لا يقال له: أَوْجَدَ، وصحة ذلك باعتبار الكسب كيفما فُسِّر لا يرتضيه المنصف العاقل. وقوله: ((وإياك نستعين)) يدلُّ على نفي الاستقلال فيه، وأنه بإذن الله تعالى وإعانته كما يشير إليه: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا هو اللَّبن السائغ الذي يخرج من بين فَرْثٍ ودم، فلا جبر ولا تفويض، فاحفظه وانتظر تتمَّته: وَلَو كَان هَذا مَوْضِعُ القَوْلِ لا شْتَفَى فُؤَادِي ولكِنْ لِلمَقَالِ مَوَاضِعُ(١) وههنا أبحاث: الأول: في سرِّ تقديم الضمير على الفعلين، وذكروا له وجوهاً: الدلالة على الحصر والاختصاص، كما يشعر به عدولُ البليغ عمَّا هو الأصل من غير ضرورة، ولذلك قال ابن عباس : معناه: لانعبد غيرك. وهو حقيقيّ لا يستدعي ردَّ خطأ المخاطب، والمقصود منه التبرئة عن الشرك وتعريضُ بالمشركين. وتقديم ما هو مقدَّمٌ في الوجود، فإنه تعالى مقدٌَّ على العابد والعبادة ذاتاً، فقُدِّم وضعاً ليوافق الوضع الطبع. وتنبيه العابد من أول الأمر على أنَّ المعبود هو الله تعالى الحق، فلا يتكاسل في التعظيم، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً. والاهتمام: فإنَّ ذكره تعالى أهمُّ للمؤمنين في كلِّ حالٍ، لاسيَّما حال العبادة؛ لأنها محلُّ وساوس الشيطان من الغفلة والكسل والبطالة. والتصريح من أول وهلةٍ بأنَّ العبادة له سبحانه، فهو أبلغ في التوحيد، وأبعد عن احتمال الشرك، فإنه لو أُخِّر، فقَبْلَ أن يذكر المفعول يحتمل أن تكون العبادة لغيره تعالی. (١) البيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص ٨٥ برواية: ولو كان هذا موضع العَتْب لاشتفى فؤادي ولكن للعتاب مواضع سُوَدَّةُ الْفَاتِحَةِ ٢٩٢ الآية : ٥ والإشارة إلى حال العارف، وأنه ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات، وإلى العبادة من حيث إنها وصلةٌ إليه وراحلة تَفِدُ (١) به عليه، فيبقى مستغرقاً في مشاهد أنوار جلاله، مستقرًّا في فردوس نُوَّار(٢) جماله، وكم من فرق بين قوله تعالى للمحمديين: ﴿فَذَكُونِ أَذْكُرَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وبين قوله للإسرائيليين ﴿أَذْكُرُواْ نِصْبَتِىَ الَّتِىِّ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وبين ما حكى عن الحبيب من قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وبين ما حكاه عن الكليم من قوله: ﴿إِنَّ مَّعِىَ رَبِّ سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. الثاني: في سرِّ قوله: نعبد دون أعبد، فقد قيل: هو الإشارة إلى حال العبد؛ كأنه يقول: إلهي ما بلغت عبادتي إلى حيث أذكرها وحدها؛ لأنها ممزوجةٌ بالتقصير، ولكن أخلطها بعبادة جميع العابدين، وأذكر الكلَّ بعبارة واحدة حتى لا يلزم تفريقُ الصفقة. وقيل: النكتة في العدول إلى (٣) الإفراد التحرُّزُ عن الوقوع في الكذب، فإنَّا لم نزل خاضعين لأهل الدنيا متذلِّلين لهم مستعينين في حوائجنا بمن لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرَّا ولا حياةً ولا موتاً ولا نشوراً، ويا ليت الفُجْل(٤) يهضم نفسه، فكيف يقول أحدنا: إياك أعبد وإياك أستعين، بالإفراد، ويمكن في الجمع أن يقصد تغليب الأصفياء المتقين من الأولياء والمقربين؟ وقيل: لو قال: إياك أعبد، لكان ذلك بمعنى: أنا العابد، ولَمَّا قال: إياك نعبد، كان المعنى: إني واحدٌ من عبيدك، وفرقٌ بين الأمرين، كما يرشدك إليه قوله تعالى حكايةً عن الذبيح عليه الصلاة والسلام: ﴿سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وقوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿سَتَجِدُنِيّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩] فَصَبر الذبيح لتواضعه بعدٌّ نفسه واحداً من جمع، ولم يصبر الكليم لإفراده نفسه، مع أن كلّ منهما عليهما السلام قال: ((إن شاء الله)). (١) في (م): تغد. (٢) في (م): أنوار. (٣) كذا في الأصل و(م)، ولعل الصواب: عن. (٤) في (م): الفحل. وهو تصحيف. والمثل في مجمع الأمثال ٢/ ٢٥٧. الآية : ٥ ٢٩٣ سُورَّةُ الْفَاتِيَةِ وقيل: الضمير في الفعلين للقارئ ومن معه من الحفظة وحاضري الجماعة. وقيل: هو من باب ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ)) على ما ذكره الغزالي قُدِّس سرُّه، وقد تقدَّم(١). الثالث: في سرٍّ تقديم فعل العبادة على فعل الاستعانة، وله وجوه: الأول: أن العبادة أمانة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] فاهتمَّ للأداء، فقُدِّم. الثاني: أنه لما نسب المتكلِّمُ العبادةَ إلى نفسه أوهم ذلك تبجّحاً واعتداداً منه بما صدر عنه، قعقَّبه بقوله: ((وإياك نستعين)) ليدلَّ على أنَّ العبادة مما لا تتمُّ إلا بمعونةٍ وتوفيقٍ وإذنٍ منه سبحانه. الثالث: أنَّ العبادة مما يتقرَّب بها العبد إلى الله تعالى، والاستعانة ليست كذلك؛ فالأول أهم. الرابع: أنها وسيلة فتُقَدَّم على طلب الحاجة؛ لأنه أدعى للإجابة. الخامس: أنها مطلوبةُ الله تعالى من العباد(٢)، والاستعانة مطلوبهم منه سبحانه، فتقديم العبد ما يريده مولاه منه أدلُّ على صدق العبودية من تقديم ما يريده من مولاه. السادس: أن العبادة واجبةٌ حتماً لا مناص للعباد عن الإتيان بها، حتى جعلت كالعلة لخلق الإنس والجن، فكانت أحق بالتقديم. السابع: أنها أشدُّ مناسبةً بذكر الجزاء، والاستعانة أقوى التتاماً بطلب الهداية. الثامن: أنَّ مبدأ الإسلام التخصيصُ بالعبادة، والخلوصُ من الشرك، والتخصيص بالاستعانة بعد الرسوخ. التاسع: أنَّ في تأخير فعل الاستعانة توافق رؤوس الآي. (١) ص ٢٦٣ من هذا الجزء. (٢) في (م): العبادة. سُورَةُ الفَاتِحَةِ ٢٩٤ الآية : ٥ العاشر: أنَّ أحدهما إذا كان مرتبطاً بالآخر لم يختلف التقديمُ والتأخير، كما يقال: قضيتَ حقِّي فأحسنتَ إليَّ، وأحسنتَ إليَّ فقضيتَ حقِّي. الحادي عشر: أنَّ مقام السالكين ينتهي عند قوله: ((إياك نعبد))، وبعده يطلب التمكين، وذلك أنَّ الحمد مبادي حركة المريد، فإنَّ نفس السالك إذا تزَّت، ومرآة قلبه إذا انجلت، فلاحت منها (١) أنوار العناية الموجبة للولاية، تجرَّدت النفس الزكية للطلب، فرأت آثار نعم الله تعالى عليها سابغة، وألطافَه غير متناهية، فحمدتْ على ذلك وأخذت بالذكر، فكُشف لها الحجاب من وراء أستار العزَّة عن معنى ربِّ العالمين، فشاهدت ما سوى الله سبحانه على شرف(٢) الفناء مفتقراً إلى المُبْقي، محتاجاً إلى التربية، فترقَّت لطلب الخلاص من وحشة الإدبار، وظلمة السكون إلى الأغيار، فهبَّت لها من نفحات جناب القدس نسائم ألطاف الرحمن الرحيم، فعرجت لِلَمعات بوارق الجلال من وراء سجاف الجمال إلى المالك(٣) الحقيقي، فنادت بلسان الاضطرار في مقام: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]: أسلمتُ نفسي إليك، وأقبلتُ بكلِّيَّتي عليك، وهناك خاضت لُجَّة الوصول، وانتهت إلى مقام العين، فحقّقت نسبة العبودية، فقال: ((إياك نعبد))، وهنا انتهاء مقام السالك، ألا يُرى إلى سيِّد الخلق وحبيب الحق كيف عبّر عن مقامه هذا بقوله: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]؟ فطلب التمكين بقوله: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جَ اهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ) واستعاذ عن التلوين بقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ) فصعد مستكملاً ورجع مكمَّلاً، وكأنه لهذا سمِّيت الصلاة معراجَ المؤمنين. البحث الرابع: في سرِّ الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقد ازدحمت فيه أذهان العلماء بعد بيان نكتته العامة، وهي التفتُّنُ في الكلام، والعدول من أسلوب إلى آخر، تطريةً له وتنشيطاً للسامع. (١) في (م): فيها . (٢) الشَّرَف: الموضع العالي يشرف على ما حوله، يقال: هو على شَرَفٍ من كذا: مشرف عليه، ومقارب له. المعجم الوسيط (شرف). (٣) في (م): الملك. الآية : ٥ ٢٩٥ سُورَةُ الفَاتِية فقيل: لما ذكر الحقيقَ بالحمد، ووصفه(١) بصفاتٍ عظام تميَّز بها عن سائر الذوات، وتعلَّق العلم بمعلوم معيَّن، خوطب بذلك ليكون أدلّ على الاختصاص والترقِّي من البرهان إلى العيان، والانتقال من الغيبة إلى الشهود، وكأن المعلوم صار عياناً، والمعقول مشاهداً، والغيب حضوراً. وقيل: لمَّا شرح الله تعالى صدر عبده، وأفاض على قلبه وقالبه نورَ الإيمان والإسلام من عنده، ترقَّى بذريعة الحمد المستجلِب لمزيد النعم إلى رتبة الإحسان، وهو: ((أن تعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))(٢). وأيضاً حقيقة العبادة: انقياد النفس الأمَّارة لأحكام الله تعالى، وصورتُه وقالبُه الإسلام، ومعناه وروحه الإيمان، ونوره ونَوره الإحسان، وفي ((نعبد)» والالتفات تتم الأمور الثلاثة. وأيضاً لما تبيَّن أنه مَلَكَ في الأزل ما في أحايين الأبد، عُلم أنَّ الشاهد والغائب والماضي والمستقبل بالنسبة إليه على حدٍّ سواء، فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب. ويحتمل أن يكون السِّرُّ أنَّ الكلام من أول السورة إلى هنا ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن هنا إلى الآخر دعاء، وهو في الحضور أولى، والله تعالى حَييٍّ (٣) کریم. وقيل: إنه لما كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضوراً، بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخلُ وأتم، وكانت العبادة إنما يستحقُّها الحاضر الذي لا يغيب، كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَلَمَّا أَقْلَ قَالَ لَآَ أُحِبُّ الَْفِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] لا جرم عبَّر سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة، وعنها بطريق الخطاب، إعطاءً لكلِّ منهما ما يليق من النسق المستطاب، وأيضاً مَنْ تَشبَّه بقوم فهو منهم؛ فالعابد لما رام ذلك سلك مسلك القوم في الذكر، ومَزَج عبادته بعبادتهم، وتكلّم بلسانهم، وساق (١) في (م): ووصف. (٢) قطعة من حديث جبريل الطويل أخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر وأخرجه البخاري (٥٠) من حديث أبي هريرة ـ (٣) في (م): حيٍّ. سُورَةُ الْفَاتِةِ ٢٩٦ الآية : ٥ كلامه على طبق مساقهم، عسى أن يصير محسوباً في عدادهم مندرجاً في سياقهم: إِنَّ الثَّشَبُّهَ بالكِرَامِ فَلاحُ(١) إنْ لَم تَكُونُوا مثلَهم فَتَشَبَّهُوا وأيضاً فيه إشارةٌ إلى أنَّ من لزم جادةَ الأدب والانكسار، ورأى نفسه بعيداً عن ساحة القرب لكمال الاحتقار، فهو حقيقٌ أن تدركه رحمةٌ إلهيَّةٌ، وتَلْحَقَه عناية أزليةٌ، تجذبه إلى حظائر القدس، وتُظْلِعه على سرائر الأنس، فيصير واطئاً على بساط الاقتراب، فائزاً بعزِّ الحضور وسعادة الخطاب. وأيضاً إنه لمَّا لم يكن في الحمد مزيدُ كلفة، بخلاف العبادة، فإنَّ خَطْبها عظيم، ومن دَأَب المحبِّ تحمُّلُ المشاقِّ العظيمة في حضور المحبوب، قَرَنَ سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره؛ ليأتي بها العابد خالية عن الكلال، عاريةً من(٢) الفتور والملال، مقرونةً بكمال النشاط، موجبة لتمام الانبساط: حَمامةَ جَرْعًا حَوْمَةِ الجندلِ اسْجِي فَأَنْتِ بِمَرْأَى مِنْ سُعادَ وَمَسْمَعِ(٣) وأيضاً إنَّ الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير، فما دام للأغيار وجودٌ في نظر السالك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم، ويخاطبهم بذكر مآثره الجميلة لديهم، وأما إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع الحجب والأستار، واضمحلال جميع الأغيار، لم يبق في نظره سوى المعبود الحق، والجمال المطلق، وانتهى إلى مقام الجمع، وصار في مقعد: ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فبالضرورة لا يصير توجيه الخطاب إلا إليه، ولا يمكن إظهار السِّرِّ إلا لديه، فينعطف عنان لسانه إلى جنابه، ويصير كلامه منحصراً في خطابه. (١) البيت ليحيى بن حبش شهاب الدين أبي الفتوح السهروردي، كما في معجم الأدباء ١٩/ ٣١٩، وورد ضمن قصيدة للشيخ عبد الغني النابلسي في ديوانه ص١٢٤ . (٢) في (م): عن. (٣) البيت لعبد الصمد بن بابك، كما في المثل السائر ٣٠١/١، والإيضاح في علوم البلاغة القزويني ٨/١، ومعاهد التنصيص ٥٩/١. قوله: جرعا، الجرعاء: الكثيب جانب منه رمل وجانب منه حجارة. وحومة الشيء: معظمه. والجندل: الحجارة. والسَّجع: هدير الحمام ونحوه. والمعنى: يا حمامةَ جرعاءِ هذا الموضع اسجعي وترنمي طرباً، فأنت بمرأى من الحبيبة ومسمع. معاهد التنصيص ٥٩/١. التفسير الإشاري (٥) ٢٩٧ سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ وثم وراء الذوق معنّى يدقُّ عن مدارك أرباب العقول السليمة. وعندي ۔ وهو من نسائم الأسحار-أنَّ الله سبحانه بعد أن ذکر یوم الدین، وهو یوم القيامة، التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنه إذا قامت القيامة على ساق، وكان إلى ربك يومئذ المساق، هنالك يفوز المؤمن بلذّة الحضور، ويتبلَّج جنبه بأنوار الفرح والسرور، ويخلو به الديان وليس بينه وبينه ترجمان، ويكشف الحجاب، وتدور بين الأحباب كؤوس الخطاب، فتأمَّلْ في عظيم الرحمة كيف قَرَنَ سبحانه هذا الترهيب برحمتين، فصرَّح قبل يوم الدين بما صرَّح، ورمز بعد ذكره بما رمز، ولن يغلب عُسْرٌ يُسرين. ومن باب الإشارة: أنَّ (يوم الدين)) تلويحٌ إلى مقام الفناء؛ لأنه موت النفس عن شهواتها، وخروجها عن جسد تعلقها بالأغيار والتفاتها، ومن مات فقد قامت قيامته، فعند ذلك يحصل البقاء في جنة الشهود، ويتحقق الجمع في مقام صدقٍ عند المليك المعبود. وفوق هذا مقامٌ آخر لا يفي بتقريره الكلام، ولا تقدر على تحريره الأقلام، بل لا يزيده البيان إلا خفاءً، ولا يكسبه التقريب إلا بعداً واعتلاء: وَلَو أنَّ ثوباً حِيْكَ مِنْ نَسْجِ تِسْعَةٍ وَعِشرين حَرْفاً في علاه قَصِيْرُ(١) اللهم أغرقنا في بحار مشاهدتك، ومُنَّ علینا بخندریس(٢) وحدتك، حتى لا نحدِّث إلا عنك، ولا نسمع إلا منك، ولا نرى إلا إياك. هذا وقد ذكر الإمام السيوطيُّ نقلاً عن الشيخ بهاء الدين أنه قال: اتفقوا على أنَّ فيما نحن فيه التفاتاً واحداً. وفيه نظر؛ لأنَّ الزمخشريَّ ومن تابعه على أنَّ الالتفات خلافُ الظاهر مطلقاً، فإن كان التقدير: قولوا: ((الحمد لله)) ففي الكلام المأمور به التفاتان؛ أحدهما: في لفظ الجلالة، وأصله: الحمد لك؛ لأنه تعالى حاضر. والثاني: في إياك؛ لمجيئه على خلافِ أسلوبٍ ما قبله. (١) البيت بنحوه في الكشكول ٣٠٦/٢. (٢) الخندريس: الخمر، مشتق من الخَدْرَسه، أو رومية معرَّبة، وحنطة خندريس: قديمة. القاموس (خدس). الآية : ٥ ٢٩٨ سُوَّة الفَاتِيَةِ وإن لم يقدَّر كان في: ((الحمد لله))، التفاتٌ من التكلَّم للغيبة؛ لأنه تعالى حَمِدَ نفسه، ولا يكون في ((إياك)) التفاتٌ لتقدير («قولوا)) معها قطعاً، فأحد الأمرين لازمٌ للزمخشريِّ والسكاكي؛ إما أن يكون في الآية التفاتان، أو لا يكون التفات أصلاً، هذا إن قلنا برأي السكاكي كما يشعر به كلام الزمخشري في ((الكشاف))؛ لأنه جعل في الشعر الذي ذكره ثلاث التفاتات، وإن قلنا برأي الجمهور ولم نقدِّر [(«قولوا)) فلا التفات؛ لأنا نقدر]: قولوا إياك نعبد، فإن قُدِّر (قولوا)) قبل ((الحمد لله)) كان فيه التفات واحدٌ، وبطل قول الزمخشري ؛ إنَّ في الشعر(١) ثلاث التفاتات. انتهى. وهو كلامٌ يغني النظر فيه عن شرح حاله، فليفهم. البحث الخامس: في سرِّ تكرار ((إياك))، فقيل: للتنصيص على طلب العون منه تعالى، فإنه لو قال سبحانه: إياك نعبد ونستعين، لاحتمل أن يكون إخباراً بطلب المعونة من غير أن يعيِّن ممن يطلب. وقيل: لأنه(٢) لو اقتصر على واحد ربما تُوهٌّم أنه لا يُتقرَّب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما، والواقع خلافه. وقيل: إنه جمع بينهما للتأكيد، كما يقال: الدارُ بين زيد وبين عمرو. وفيه أنَّ التكرير إنما يكون تأكيداً إذا لم يكن معمولاً لفعلٍ ثانٍ، و((إياك)) الثاني في الآية معمولٌ ((نستعين)) مفعولٌ له، فكيف يكون تأكيداً. وقيل: إنه تعلیمٌ لنا في تجدید ذكره تعالی عند كل حاجة. وعندي أنَّ التكرار للإشعار أنَّ حيثية تعلُّق العبادة به تعالى غيرُ حيثية تعلُّق طلب الاستعانة منه سبحانه، ولو قال: إياك نعبد ونستعين، لتُؤُهُّم أنَّ الحيثية واحدة، (١) في الأصل و(م): البيت، والمثبت هو الصواب، وهو الموافق لما في حاشية الشهاب ١/ ١١٤، والكلام وما سلف بين حاصرتين منه، والشعر المقصود هو ثلاثة أبيات لامرئ القيس كما ذكرها الزمخشري في الكشاف ٦٤/١، وهي في ديوانه ١/ ١٨٥، وهذه الأبيات هي: تَطاوَل ليلُك بالأَثْمُدِ ونام الخليُّ ولم تَرقُدِ كليلةِ ذي العائر الأزمَدِ وأُنبئْتُه عن أبي الأسود وباتَ وباتتْ له ليلةٌ وذلك من نبأ جاءني (٢) في (م): أنه.