النص المفهرس
صفحات 241-260
التفسير الإشاري: ١ ٢٣٩ سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ وقال الشيخ عبد القاهر(١): أصل الحسن في جميع المحسِّنات اللفظية أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني. فمجرَّد المحافظة على الرؤوس لا يصير نكتةً للتقديم إلا بعد أن يثبت أن المعاني إذا أرسلت على سجيَّتها كانت تقتضي التقديم، على أن المحافظة لا تجري في كل سورة، بل فيها ما يقتضي خلاف هذا؛ كسورة الرحمن، وأيضاً هو مبنيٌّ على أنَّ الفاتحة أولُ نازل، فَرُوعِيّ فيها ذلك ثم اطّرد في غيرها، وعلى أنَّ البسملة آيةٌ من السورة، ودون ذلك سُورٌ من حدید. وعندي من باب الإشارة أن تأخير الرحيم؛ لأنه صفة محمد ◌ّلفيه، قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وبه عليه الصلاة والسلام كمال الوجود، وبالرحيم تَمَّت البسملة، وبتمامها تم العالم خلقاً وإبداعاً، وكان وَلِّ مبتدأ وجود العالم عقلاً ونفساً، فبه بدء الوجود باطناً، وبه ختم المقام ظاهراً في عالم التخطيط، فقال: ((لا رسول بعدي))(٢)، فالرحيم هو نبيُّنا عليه الصلاة والسلام، وبسم الله هو أبونا آدم عليه السلام، وأعني به في مقام ابتداء الأمر ونهايته، وذلك أنَّ آدم عليه السلام حامل الأسماء، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ومحمد ◌َ ﴿ل حاملُ معاني تلك الأسماء التي حملها آدم عليه السلام: لَكَ ذات العلومِ مِنْ عَالمِ الغَيْ بٍ ومِنْها لآدَمَ الأَسْمَاءُ وهي الكِلم، قال وَّهِ: ((أوتيت جوامع الكلم))(٣) ومن أثنى على (٤) نفسه أَمْكَنُ وأَتمُّ ممن أُثني عليه؛ كيحيى وعيسى عليهما السلام، ومن حصل له الذات، فالأسماء تحت حكمه، وليس كلُّ من حصَّل اسماً يكون المسمَّى محضَّلاً عنده، ولهذا فُضِّلت الصحابة علينا رضوان الله تعالى عليهم، فإنهم حصَّلوا الذات وحصَّلنا (١) ابن عبد الرحمن الجرجاني، أبو بكر، شيخ العربية، له: دلائل الإعجاز، وإعجاز القرآن، والمفتاح، وغيرها، وصنف شرحاً حافلاً لكتاب الإيضاح في النحو لأبي علي الفارسي، توفي سنة (٤٧٠ أو ٤٧٤هـ). السير ٤٣٢/١٨. (٢) أخرجه البخاري (٣٤٥٥)، ومسلم (١٨٤٢)، من حديث أبي هريرة له بلفظ: ((لا نبيَّ بعدي)). (٣) أخرجه أحمد (٧٤٠٣)، من حديث أبي هريرة ﴾﴾. (٤) في هامش الأصل و(م): وقد حقق ذلك الشيخ قدّس سره في الفصوص، فراجعه إن أردته. اهـ منه. سُورَّةُ الْفَائِة ٢٤٠ التفسير الإشاري: ١ الأسماء، ولما راعينا الاسم مراعاتهم الذات ضوعف لنا الأجر، فللعامل منَّا أجرُ خمسين ممن يعمل بعمل الصحابة، لا من أعيانهم بل من أمثالهم، والحسرة: الغيبة التي لم تكن لهم، فكان تضعيفٌ على تضعيف، فنحن الإخوان وهم الأصحاب، وهو نَّه إلينا بالأشواق(١). وما أَفْرَحَه بلقاء واحد منَّا وكيف لا يفرح وقد ورد عليه من کان بالأشواق إليه. وأيضاً وجدنا بين الله والرحمن من المناسبة ما ليس بينه وبين الرحيم، فلهذا قدِّم الرحمن على الرحيم؛ بيان ذلك: أمّا أولاً: فلاقتران الرحمن بالجلالة في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُوا الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقد يُشعر هذا الاقتران بجعلهما للذات، ولذلك اختار من اختار البدل على النعت، وجعلوه إشارة إلى مقام الجمع المرموز إليه بما صحَّ عند القوم من طريق الكشف، أنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته، والرحیم لیس کذلك. وأما ثانياً: فلأنَّ في الله وفي الرحمن أَلفَين؛ ألف الذات وألف العلم، والأولى في كلِّ خفيَّةٌ، والثانية ظاهرة، وإنما خفيت الأولى في الأول لرفع الالتباس في الخط بين الله والإله، وفي الثاني على ما عليه أهل الله في رسمه، وهو أحد الرسمين عند أهل الرسوم؛ لدلالة الصفات عليها(٢) دلالة ضرورية من حيث قيام الصفة بالموصوف، فخفيت الذات وتجلَّت للعالم الصفات، فلم يعرفوا من الإله غيرها، والجهل هنا كمال، وذلك حقيقة العبودية: زِدْني بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَحَيُّرا وارْحَمْ حَشًا بِلَظَى هَوَاكَ تَسَعَّرا(٣) فالرحمن يشير (٤) إلى الذات وسائر الصفات؛ فالألف الظاهرة واللام والراء إشارة إلى العلم والإرادة والقدرة، والحاء والميم والنون إشارة إلى الكلام والسمع (١) في هامش الأصل و(م): هذا مضمونُ أثرٍ صحّ عند الصوفية. اهـ منه. (٢) في (م): عليهما. (٣) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٦٩ . (٤) في (م): مشير. الآية : ١ ٢٤١ سُوَّةُ الْفَاتِية والبصر، وشرط هذه الصفات الحياة، ولا يتحقق المشروط بدون الشرط، فظهرت الصفات السبع بأسرها، وخفيت الذات كما ترى. وادَّعى بعض العارفين أنَّ الألف الخفية هنا ظهرت من حيث الجزئية من هذا اللفظ في الشيطان، بناءً على أخذه من شَطَن، وزيادة الألف فيه للإشارة إلى عموم الرحمة: ﴿الرَّحْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فللشيطان أيضاً حِصَّةٌ منها، ومنها وجوده، وبقي سرٌّ لا يمكن كشفه، ولا كذلك الرحيم؛ إذ ليس فيه إلا ألف العلم، ولما كان هذا الاسم يشير(١) إلى سيدنا محمد ◌َّليل باعتبار رتبته، ظهرت فيه لكونه المرسَلَ إلى الناس كافة، فطلب التأييد فأعطيها، فظهر بها . وأما ثالثاً: فقد طال النزاع في تحقيق لفظ الرحمن، كما طال في تحقيق لفظ الله، حتى تُوهِّم أنه ليس بعربيٍّ لنفور العرب منه، فإنهم لمَّا قيل لهم: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] لم يقولوا: وما الله، ولما قيل لهم: ﴿أَسْجُدُواْ لِزَّعْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ولعل سبب ذلك توقُّمهم التعدد، أو (٢) أنهم خافوا أن يكون المعبود الذي يدلهم عليه(٣) من جنسهم فأنكروه لذلك، لا لأنه ليس بعربي. واختلف أيضاً في الصرف وعدمه. قال ابن الحاجب: النون والألف إذا كانا في اسم فشرطه العَلَمية، وفي صفة فانتفاء فَعْلانة (٤)، وقيل: وجود فَعْلَى، ومن ثمة اختلف في رحمن، دون سكران وندمان. وبنو أسد يصرفون جميع فعلان؛ لأنهم يقولون في كل مؤنث له: فعلانة. وقال في ((التسهيل)): واختلف فيما لزم تذكيره؛ كلحيان بمعنى كبير اللحية، فمن منعه ألحقه بباب سكران؛ لأنه أكثر، ومن حذفه رأى أنه ضَعُف داعي منعه، والأصلُ الصرف. (١) في (م): مشيراً. (٢) في (م): و. (٣) في (م): عليهم. (٤) في هامش الأصل: الزيادتان في الصفة مشابهتان لألف التأنيث في عدم قبولها هاء التأنيث، فلذا لو قبلتها، انصرفت کندمان ندمانة، فافهم. اهـ منه. الآية : ١ ٢٤٢ سُورَةُ الْفَائِحَةِ واختار الزمخشريُّ والشيخ الرضيُّ وابن مالك واستظهره البيضاويُّ(١) عدمَ الصرف؛ إلحاقاً له بما هو أغلب في بابه؛ لأن الغالب في فعلان صفة فعلى، حتى ذكر الإمام السيوطي(٢) أنَّ ما مؤنَُّه فعلانة لم يجئ إلا أربعة عشر لفظاً، بل إنَّ فعلان صفة من فَعِلَ بالكسر، لم يجئ منه ما مؤنثه فعلانة أصلاً، إلا ما رواه المرزوقيُّ من خشيان وخشيانة. وإنما اقتضى الإلحاقَ أظهريةُ ذلك - مع أنَّ كون الأصل في الاسم الصرف يقتضي خلافه - لأن رعاية ما هو الغالب في النوع أولى من رعاية الأصل، والحشر مع الجماعة عيد. ولما رأى السعد أن هذه المسألة مما تَعارَضَ فيها الأصل والغالب ولم يترجَّح عنده أحدهما، مال إلى جواز الصرف وعدمه عملاً بالأمرين، والإعمال في الجملة أولى من الإهمال بالكلية، وحيث لم يُسمع هذا الاسم إلا مضافاً أو معرَّفاً بأل أو منادى، وما ورد شاذًّا - كما في البيت - لا يصلح شاهداً لأحد الأمرين؛ لاحتمال أن يكون ممنوعاً وأَلِفُه للإطلاق، عدلوا إلى الاستدلال، واتسعت دائرة المقال، والرحيم سليم من هذا، فافهم ذاك والله يتولى هداك. وإنما جعل الله البسملة مبدأ كلامه لوجهين؛ أما الأول: فلأنها إجمالُ ما بعدها، وهي آيةٌ عظيمةٌ ونعمةٌ للعارف جسيمة، لا نهاية لفوائدها ولا غاية لقيمة فرائدها، والباحث عنها مع قصَرها إذا أراد ذرَّةٌ من علمها ودُرَّة من عَيلمها، احتاج إلى باعٍ طويل في العلوم واطّلاعٍ عريض في المنطوق والمفهوم. مثلاً: إذا أراد أن يبحث عن الباء من حيث إنها حرف جرّ، بل عن سائر كلماتها من حيث الإعراب والبناء، احتاج إلى علم النحو، وإن أراد أن يبحث عن أصول كلماتها كيف كانت وكيف آلت احتاج إلى علمي الصرف والاشتقاق، وإن أراد أن يبحث عن نحو القصر بأقسامه، وهل يوجد فيها شيءٌ منه، احتاج إلى علم المعاني، وإن أراد أن يبحث عما فيها من الحقيقة والمجاز، احتاج إلى علم البيان، وإن أراد أن يبحث عمَّا بين كلماتها من المحسِّنات اللفظية، احتاج إلى علم البديع، وإن أراد أن يبحث عنها من حيث إنها شعرٌ أو نثرٌ موزونٌ أو غير موزون مثلاً، احتاج إلى (١) الكشاف ٤٢/١-٤٣، والبيضاوي ٢٠/١. (٢) في حاشية (م): أي في شرح الألفية. اهـ. الآية : ١ ٢٤٣ سُوَّةُ الْفَاتِةِ علمي العَروض والقوافي، وإن أراد أن يعرف مدلولات الألفاظ لغةً، احتاج إلى مراجعة اللغة، وإن أراد أن يعرف من أيِّ الأقسام وضع هاتيك الألفاظ، احتاج إلى علم الوضع، وإن أراد معرفة ما في رسمها احتاج إلى علم الخط، وإن أراد البحث عن كونها قضية، ومن أي قسم من أقسامها، أو غير قضية، احتاج إلى علم المنطق، وإن أراد أن يعرف أنَّ كُنْهَ ما فيها من الأسماء هل يُعلم أو لا، احتاج إلى علم الكلام، وإن أراد معرفة حكم الابتداء بها، وهل يختلف باختلاف المبدوء به، احتاج إلى علم الفقه، وإن أراد معرفة أنَّ ما فيها ظاهرٌ أو نصٌّ مثلاً، احتاج إلى علم الأصول، وإن أراد معرفة تواترها، احتاج إلى علم المصطلح، وإن أراد معرفة أنها من أيِّ مقولة من الأعراض، احتاج إلى علم الحكمة، وإن أراد معرفة طبائع حروفها، احتاج إلى علم الحرف، وإن أراد معرفة أنواع الرحمة المشار إليها بها، احتاج إلى علم الأفلاك، وعلم تشريح الأعضاء وخواصِ الأشياء، وعلم المساحة، وغير ذلك، وإن أراد معرفة ما يمكن التخلق به مما تدل عليه الأسماء، احتاج إلى علم الأخلاق، وإن أراد معرفة ما خفيَ على أرباب الرسوم من الإشارات، فليضرغ إلى ربه، وإن أراد أن يقف على جميع ما فيها من الأسرار فليعدَّ غيرَ المتناهي، وكيف يطمع في ذلك وهي عنوان كلام الله تعالى المجيد، وخال وَجْنة القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بین یدیه ولا من خلفه تنزيل من حکیم حمید. وَعَلَى تَفَتُّنِ واصِفِيْهِ بِوَصْفِهِ يَفْنَى الزَّمانُ وفِيْهِ مَا لَمْ يُؤْصَفِ (١) وإن أردت أن تمتحن ذهنك في بعض أسرارها فتأمل سرَّ افتتاحها واختتامها بحرفين شفويين، ومع كل ألف صورية متصلة بأول الأول وآخر الآخر، وتحت الأول دائرة غيبية ظهرت في صورة الثاني، وسرَّ ما وقع فيها من أنواع التثليث: أما أولاً: ففي مخارج الحروف؛ فإنها ثلاثة: الشفة واللسان والحلق في الباء واللام والهاء. وأما ثانياً: ففي المحذوف من حروفها فإنه ثلاثة أيضاً؛ ألفُ الاسم وألفُ الله وألفُ الرحمن. (١) البيت لابن الفارض، وهو في ديوانه ص١٥٤ . الآية : ١ ٢٤٤ سُورَةُ الْفَاتِحَّةِ وأما ثالثاً: ففي المنطوق منها والمرسوم؛ فإنه ثلاثة أنواع أيضاً، منطوقٌ به مرسوم كالباء، ومنطوقٌ به غير مرسوم كألف الرحمن، ومرسومٌ غيرُ منطوق به کاللام منه مثلاً . وأما رابعاً: ففي المتحرِّك والساكن؛ فمتحرِّكٌ لا يُسكّن كالباء، وساكن لا يتحرَّك كالألف، وقابِلٌ لهما کمیم الرحيم وقفاً ووصلاً . وأما خامساً: ففي أنواع كلماتها الملفوظة والمقدَّرة، فهي على رأيٍ اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ. وأما سادساً: ففي أنواع الجرِّ الذي فيها، فهو جرٌّ بحرفٍ وبإضافة وبتبعية على المشهور. وأما سابعاً: ففي الأسماء الحسنى التي دبَّجتها فهي الله والرحمن الرحيم. وأما ثامناً: ففي العاملية والمعمولية، فكلمةٌ عاملةٌ غير معمولة، ومعمولة غير عاملة، وعاملة معمولة. وأما تاسعاً: ففي الاتصال والانفصال؛ فمثَّصلٌ بما بعده فقط، وبما قبله فقط، وبما قبله وبعده. وفي كل واحدٍ من هذه الثلاثيات أسرارٌ تُحيِّرُ الأفكار وتبهرُ أولي الأبصار. وانظر: لم اشتملت حروفها على الطبائع الأربع، وتقدَّم في الظهور الهواء(١)، ولم كانت تسعة عشر، ولم اعتنق اللام الألف، واتصلت الميم باللام، والهاء بالراء، والنون بها نطقاً لا خظًّا، ولم فُتح ما قبل الألف حتى لم يتغيّر في موضع أصلاً؟ وتفكّر في سرِّ تربيع الألفاظ وسكون السين وتحرُّك الميم ونقطتي الياء ونقطتي(٢) النون والباء، والأمر وراء ما يظنُّه أرباب الرسوم، ونهايةُ ما ذكروه (١) في هامش الأصل و(م): قال الشيخ الأكبر قدّس سرّه: وحقّ الهوى إنّ الهوى سبب الهوى ولولا الهوى في الكون ما عبد الھوی (٢) في (م): ونقطة. الآية : ١ ٢٤٥ سُورَةُ الفَاتِحَة البحث عن المدلولات، وتوسيعُ دائرة المقال بإبداء الاحتمالات، وقد صرَّح السرمينيُّ بإبداء خمسة آلافٍ ألفٍ وثلاث مئة ألفٍ وأحد وتسعين ألفاً وثلاث مئة وستين احتمالاً، وزدت عليه من فضل الله تعالى حين سئلت عن ذلك بما يقرب أن يكون بمقدارٍ ضرب هذا العدد بنفسه، والدائرةُ أوسع إلا أنَّ الواقع البعض. ولقد خلوت ليلةً بليلَى هذه الكلمة، وأوقدت مصباح ذلِّي في مشكاة(١) حضرتها المكرّمة، وفرشت لها سرِّي، وضممتها سحراً إلى سخري ونحري: فَكَانَ مَا كانَ مِمَّا لَسْتُ أَذْكُرُهُ فَظُنَّ خَيراً ولا تَسْأَلْ عنِ الخَبرِ (٢) وأما الوجه الثاني فلتعليم العباد إذا بدؤوا بأمرٍ كيف يبدؤون به، ولهذا قال ◌َّه فيما رواه عنه أبو هريرة وأخرجه الحافظ عبد القادر الرُّهَاوي: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)»(٣) والبال: الحال والشأن، فمعنى ذي بال: شريف يُحتفل به ويُهتمّ، كأنه شغل القلب وملكه حتى صار صاحبه. وقيل: شبَّه الأمر العظيم بذي قلب على سبيل الاستعارة المكنية و التخييلية، وفي هذا الوصف فائدتان: إحداهما: رعاية تعظيم اسم الله تعالى لأن يُبتَدأَ به في الأمور المعتدِّ بها. والأخرى: التيسيرُ على الناس في محقّرات الأمور. كذا قالوا(٤)، وعندي أن الأظهر جعل الوصف للتعميم كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] أي: كلُّ أمرٍ يخطر بالبال جليلاً كان أو حقيراً لا يُبدأ به إلخ. وفي هذا غايةُ الإظهار لعظمة الله تعالى، وحثٌّ على التبرِّي عن الحول والقوة إلا بالله، وإشارةٌ إلى أنَّ قُدَرَ العباد غير مستقلة في الأفعال، فحملُ تبنة كحمل جبل إن لم يُعِنِ الله الملك المتعال، وقد أمر سبحانه وتعالى بالإكثار من (١) المشكاة: الكوة. اللسان (شكا). (٢) البيت لابن المعتز، وهو في ديوانه ص٢١٩. (٣) سلف تخريجه ص١٨٧ من هذا الجزء. وعبد القادر الرهاوي هو أبو محمد الحنبلي محدث الجزيرة، الحافظ الرحّال الجؤَّال، كان ثبتاً كثير السماع كثير التصنيف، توفي سنة (٦١٢هـ). السير ٧١/٢٢. (٤) في (م): كذا قالوه. الآية : ١ ٢٤٦ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ ذكره فقال تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِّكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠] وحيث لم يجب ذلك - كما هو معلوم - يحصل للناس تيسير. وقد سنَّ وَّه بعض الأشياء ونفى الحرج بنفي وجوبها، وفي قوله وَياتي: ((ليسأل أحدكم ربَّه حاجته كلَّها حتى شِسْع نعله))(١) وما روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: ((يا موسى سلني حتى مِلح قِذْرك وشراك نعلك)) ما يدفع عنك توقُّم عدم رعاية التعظيم في ذكره تعالى عند محقَّرات الأمور، وأيُّ فرقٍ عند المنصف بين ذكره سبحانه عندها وطلبِها منه، على أن العارف الجليل لا يقع بصره على شيء حقير: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُتٌ فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ (٣ ثُمَّ أَنْجِعِ الْبَرَ كَرََّنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣-٤]. نعم التسمية على الحرام والمكروه مما لا ينبغي، بل هي حرامٌ في الحرام لا كفرٌ على الصحيح، مكروهٌ في المكروه. وقيل: مكروهٌ فيهما إن لم يقصد استخفافاً، وإن قصده - والعياذ بالله تعالى - كفرَ مطلقاً، وهذا لا يضرُّ فيما قلناه كما لا يخفى. وقد اضطرب الحديث هنا، فوقع في بعض الروايات: ((لا يبدأ فيه بالحمد لله)). وفي بعضها: ((بحمد الله)). وفي البعض: ((أجزم)). وفي أخرى: ((أقطع)). وفي خبرٍ: ((كلُّ كلام)). وفي أثرٍ: ((يبدأ)). وفي آخر: ((يفتتح)). وفي موضع وضع ((الذكر)) بدل ((الحمد)). إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع. حتى قيل: إنه مضطرب سنداً ومتناً(٢)، ولولا أنه في فضائل الأعمال ما اغتفر فيه ذلك، على أنه تقوَّى بالمتابعة معنًى أيضاً، والشهرة في دفع التعارض بين الروايات تغني عن التعرُّض للاستيفاء، واستحسن فيه أنَّ روايتي البسملة والحمدلة تعارضتا فسقط قيداهما، كما في مسألة التسبيع في الغسلات عند الشافعية(٣)، ورجع للمعنى الأعم وهو إطلاق الذكر المراد منه إظهار صفة الكمال. (١) أخرجه ابن حبان (٨٩٤)، من حديث أنس رضي الله عنه. شسع النعل: قبالتها الذي يشدّ إلى زمامها، والزمام: السير الذي يعقد فيه الشسع. اللسان: (شسع). (٢) ينظر الحديث ورواياته في طبقات الشافعية ٥/١-٢٣. وذكر النووي في الأذكار ص١٤٩ بعض رواياته ثم قال: روينا هذه الألفاظ كلها في كتاب الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي، وهو حديث حسن. (٣) في (م): الشافعي. الآية : ٢ ٢٤٧ سُورَةُ الْفَائِحَةِ وقيل: إن المراد في كلِّ رواية الابتداء بأحدهما، أو بما يقوم مقامه ولو ذِكراً آخر، بقرينة تعبيره تارة بالبسملة وأخرى بالحمدلة، وطوراً بغيرهما. ولا يَرِدُ على كلٍّ أنَّا نرى كثيراً من الأمور يبدأ فيه بما ورد في الحديث مع أنه لا يتمّ، ونرى كثيراً منها بالعكس؛ لأنَّا نقول: المراد من الحديث أن لا يكون معتبراً في الشرع، فهو معنى غير تام(١) وإن كان تامًّا حسًّا، فباسم الله تعالى تتمُّ معاني الأشياء، ومن مشكاة بسم الله الرحمن الرحيم تشرق على صفحات الأكوان أنوار البهاء: بَصِيراً ومنْ راووقِهَا(٢) تَسْمَعُ السُّمُّ ولو جُلِّيَتْ سِرًّا على أكْمَهٍ غدا وفي الرَّكْبِ مَلْسُوعٌ لَما ضَرَّه السُّمُّ وَلَو أنَّ رَكْباً يَمَّمُوا تُرْبَ أَرضِها جَبِيْنٍ مُصابٍ، جُنَّ أَبْرَأَهُ الرَّسمُ ولَوْ رَسَمَ الرَّاقِي حُرُوفَ اسمِها عَلَى لأسكّرَ مَنْ تحتَ اللُّوا ذلكَ الرَّقْمُ(٣) وفَوقَ لواءِ الجَيشِ لَوْ رُقِمَ اسْمُها ولما افتتح سبحانه وتعالى كتابه بالبسملة، وهي نوع من الحمد، ناسب أن يردفها بالحمد الكلّي الجامع لجميع أفراده، البالغ أقصى درجات الكمال، فقال ﴾ وهو أول الفاتحة وآخر جلَّ شأنه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ الدعوات الخاتمة، كما قال تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ اَلْمَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. كَأَنَّ الِحُبَّ دائِرَةٌ بِقَلْبِيٍ فَأَوَّلُهُ وآخِرُهُ سَواءُ وقد قيل للجنيد قُدِّس سرُّه: ما النهاية؟ فقال: الرجوع إلى البداية. وفيه أسرارٌ شتَّى، والحمد على المشهور: هو الثناء باللسان على الجميل، سواءٌ تعلَّق بالفضائل أم بالفواضل. قالوا: ولا بدَّ لتحقُّقه من خمسة أمور: محمودٌ بر ومحمودٌ عليه، وحامدٌ، ومحمودٌ، وما يدلُّ على اتصاف المحمود بصفة. (١) في (م): غير تام معنى. (٢) الراووق: المصفاة. اللسان (روق). (٣) الأبيات لابن الفارض، وهي في ديوانه ص١٤١. سُورَةُ الفَائِحَةِ ٢٤٨ الآية : ٢ فالأول صفةٌ تُظهر اتِّصافَ الشيء بها على وجهٍ مخصوص، ويجب كونه صفةً كمال ولو ادعاء؛ إذ المناط التعظيم، ولا فرق عند الإمام الرازي قُدِّس سرُّه بین كونه ثبوتيًّا أو سلبيًّا، متعدِّياً أو غير متعدٍّ، بل ولا بين كونه صادراً عن المحمود باختياره أو لا، كما قرَّره العلامة الدواني وصدرُ الأفاضل(١) في حواشي (التجريد))، و((المطالع))، وجزم به المحقق الملا خسرو (٢)، وادَّعى أنه الأشهر، إلا أنَّ العلامة في ((شرح التهذيب)) نقل عن البعض وجوب كونه اختياريًّا، واختاره كما في المحمود عليه، فكما لم يسمع الحمد على رشاقة القد وصباحة الخد، لم يسمع الحمد بهما، وعدمُ حمدِ اللؤلؤة كما يمكن كونه من جهةِ حالِ المحمود عليه یمکن کونه من جهة المحمود، فَجَعْلُه دليلاً على أحدهما فقط تحكّم. الثاني: ما يقع الثناء بإزائه ويقابله، بمعنى أنَّ المُثْنَى عليه لما اتَّصف به أظهرَ كمالَه، ولولاه لم يتحقَّق ذلك، فهو كالعلة الباعثة، وقد يكون الشيء الواحد محموداً به وعليه معاً؛ كأن رأى من ينعم أو يصلي فأظهر اتصافه بذلك، فهناك يتحقق الأمران لحيثيَّتين، ويجب أن يكون كمالاً على نحو ما سبق، وظاهر كلام الجمهور أنه أعمُّ من كونه فعلاً صادراً من المحمود، أو كيفية قائمة به، ويُفْهِم كلام الإمام اختيار الأول، واشترط أن يكون حصوله من المحمود باختياره. واستشكل الحمد على صفاته تعالى الذاتية، سواء جُعلتْ عينَ ذاته أو زائدة عليها. وأُجيب بأن الحمد عليها بتنزيلها منزلة الاختياري لكون ذاته كافية فيها. أو بأن المراد بالفعل الاختياري: المنسوب إلى الفاعل المختار، سواء كان مختاراً فيه أو لا. وقيل: إنها صادرةٌ بالاختيار، بمعنى: إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل، لا بمعنى صحة الفعل والترك، أو بمعناه والصفات صادرة بالاختيار، وسَبْقُه عليها ذاتي فلا يلزم حدوثها. وقيل: إنه بالنظر إلى حمد البشر، فالمراد ما جنسه اختياري، کما قيل في قید اللسان. (١) هو القاسم بن الحسين الخوارزمي النحوي، صنف: التجمير في شرح المفصل، والتوضيح، وبدائع الملح، وغيرها. توفي سنة (٦١٧هـ). معجم الأدباء ٢٣٨/١٦، وبغية الوعاة ٢/ ٢٥٢. (٢) هو محمد بن فرامرز تلميذ الإمام سعد الدين التفتازاني، له العديد من المصنفات، توفي سنة (٨٨٥هـ) الفوائد البهية ص/ ١٨٤ . الآية : ٢ ٢٤٩ سُورَةُ الْفَائِيةِ وأورد على الأول مع ما فيه، أنه إنما يحسن إذا كان المعتاد في الأفعال الاختيارية كون فاعلها مستقلًّا في إيجادها من غير احتياج إلى شيءٍ آخرَ من آلةٍ وغيرها، ليظهر استقامة التنزيل(١)، وليس كذلك، فإنَّ العمل الاختياريَّ يحتاج إلى العلم والقدرة، والكثير إلى آلة وأسباب. وعلى الثاني أنه خلافُ المتبادر. وعلى الثالث: أنَّ هذا المعنى ادَّعاه الحكماء حين قالوا بقِدَم العالم للإيجاب، فلزمهم أن لا يكون لموجده إرادة، وقالوا: إنَّ صدق الشرطية لا يقتضي وجود مقدّمها ولا عدمه؛ فمقَدَّم الأولى بالنسبة إلى وجود العالم دائم الوقوع، ومقدّم الثانية دائم اللاوقوع، ولهذا أطلق عليه الصانع وهو من له الإرادة، وهو صرحٌ ممرَّد من قوارير؛ لأن ما بالإرادة يصحُّ وجوده بالنظر إلى ذات الفاعل، فإن أُريد بالدوام: الدوامُ مع صحة وقوع النقيض، فهو مخالفٌ لما صرَّحوا به من إيجاب العالم بحيث لا يصحُّ عدم وقوعه منه، وإن أُريد مع امتناع الوقوع، فليس هناك من الإرادة إلا لفظها، ومتعلَّقُها لا محيص عن حدوثه، والعالم عندهم قديم، واختيار الشق الأول ثم القول بأن الصادر عن الموجب بالذات ليس واجباً كذلك، بل ممكنٌ بذاته، والقِدَم زمانيٍّ لا ذاتي، وصحةٌ وقوع النقيض لا يقتضي الوقوع إذا أحجم القلم عنه، إنما يظهر في العالم، ويبقى ما نحن فيه من الصفات، ولا أُقدمُ على إطلاق القول بإمكانها لاحتياجها للذات واستنادها إليها . وعلى الرابع أنَّ اتِّصاف الصفات بالصدور لو انشرحت لتوجيهه الصدور يبقي الإشكال في صفة القدرة، ولا قدرة لدعوى صدورها بالاختيار، وإلا لزم تقدُّم الشيء على نفسه فلا حسم. وعلى الخامس: أنَّ هاتيك الصفات مقدَّسة عن أن تشترك (٢) مع صفة البشر في جنس، وأين الأزليُّ من الزائل؟ على أنه - على ما فيه - خلاف المنساق إلى الذهن. (١) يعني ليظهر استقامة تشبيه الصفات الذاتية بها وتنزيلها منزلتها. حاشية الشهاب ٧٣/١-٧٤. (٢) في (م): تشرك. سُوَدَّةُ الفَاتِةِ ٢٥٠ الآية : ٢ ولكثرة القال(١) والقيل لم يشترط بعضهم في المحمود عليه أن يكون اختياريًّا؛ لأنه الباعث على الحمد، وأيُّ مانع من أن لا يكون كذلك؟ ومن ذلك: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودَا﴾ [الإسراء: ٧٩] و: عندَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى(٢) وجاورته فما حمدت جواره. إلا عليكَ فَإِنَّهُ مَذْمُومُ (٣) والصّبرُ يُحمَدُ في المَواطِنِ كُلُّها والحقُّ الحقيق بالاتباع أنَّ الحمد اللغويَّ لا يكون إلا على الأفعال الاختيارية، والحمد على الصفات الذاتية إما لغويٌّ راجعٌ لما يترتب عليها من الآثار الاختيارية، أو عرفيٍّ ولا ضرر في تعلُّقه بها، وما ذُكر من الأمثلة ونحوها فالحمد فيها مجازٌ عن الرضا، ويقال في الآية زيادة عليه: إنَّ ((محموداً)) حالٌ من الضمير المنصوب، أو نعتٌ لمقاماً، والمعنى: محموداً فيه النبيُّ لشفاعته، أو الله تعالى لتفضُّله عليه بالإذن، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه. والثالث: وهو من يتحقَّق منه الحمد، وشرطه أن يكون معظّماً بثنائه للمحمود ظاهراً وباطناً، كما حققه الصدر، نعم لا يلزم اعتقاد اتِّصاف المحمود بالجميل عند المحققين، بل الشرط عدم اقترانه بشوب(٤) تحقير، فيدخل الوصف بما قطع بانتفائه، ولا يناقضه - كما قال الدواني - توجيه الشريف اشتراط التعظيمين بأنه إذا عري عن مطابقة الاعتقاد لم يكن حمداً بل سخرية؛ لأنه أراد بالاعتقاد لازمه وهو إنشاء التعظيم، لا معناه الحقيقي، فإنَّ الحمد قد يكون إنشائياً ولا معنى لمطابقة الاعتقاد فيه؛ لأن ما لا يتعلَّق به الاعتقاد لا يوصف حقيقة بمطابقته؛ إذ المتبادر (١) في (م): المقال. (٢) الرجز للجُمَيْح كما في مجمع الأمثال ٤٢/٢، والمستقصى ١٦٨/٢، ونسب لخالد كما في مجمع الأمثال ٣/٢، ونسبه المرزباني في معجم الشعراء ص ٤٠٧ لمحمد بن دكين، وقال أبو عبيد في الأمثال ص٢٣١: يقال إنه للأغلب العجلي، ويقال: لغيره. وقال: معناه أنهم يدأبون في ليلهم بالسهر، فإذا أصبحوا وقد طووا البُعد، حمدوا ذلك حينئذ. (٣) البيت لمحمد بن عبيد الله العتبي كما في الكامل للمبرد ٥٥٥/٢، والعقد الفريد ٢٦١/٣. (٤) في (م): ثبوت. الآية : ٢ ٢٥١ سُورَةُ الفََّائِية منها الاتحاد في الإيجاب والسلب، أو ما يستلزمه، أو يؤول إليه، وذا لا يوجد إلا في القضايا، ولذا لا تسمع أحداً يقول: إن التصور يطابقه، بل لو قال قائل: إن مفهوم: اضرب، يطابق الاعتقاد، ضرب عنه صفحاً، وربما نُسب لما يكره، وحملُ المطابقة على هذا أقربُ من التزام اتصاف التصورات بالمطابقة واللامطابقة؛ إذ ليس فيه سوى ذكر الملزوم وإرادة اللازم، مع أنَّ أهل العرف العام قد يطلقون الاعتقاد بهذا المعنى فيقولون: فلانٌ له اعتقادٌ في فلان. ويريدون ما أردنا، ولا بُعدَ فيه؛ لأن الناس يَعدُّون الوصف بالجميل المعلوم الانتفاء، إذا كان كذلك، مدحاً وحمداً، كما في كثير من القصائد. وأما الجواب بأن الواصف يعتقد الاتصاف، وبأن المراد معانٍ مجازيةٌ واتصافُ المنعوت بها معتقد، فيردُّه أنَّ الأول خلاف البديهة، والثاني خلاف الواقع. والجواب عن الأول بأنه لو كان خلاف البديهة لم يقصد العقلاء إفادته، ولم يكن اللفظ مستعملاً في معناه الحقيقي، وعن الثاني بأنه لو كان خلاف الواقع لما كانَّ مستعملاً في معناه المجازي، فيلزم أن لا يكون ذلك الكلام حقيقةً ولا مجازاً = كلام نشأ من ضيق الصدر؛ إذ لا يلزم من عدم اعتقاد المدلول أن لا يكون الكلام مستعملاً فيه، فالأخبار الغير المعتقدة كقول السُّنِّ الخفيِّ حالُه: العبد خالقٌ لأفعاله. مستعمل في حقيقته غير معتقد، بل جميع الأكاذيب التي يعتمدها أهلها كذلك. ثم إنَّ المجيب حمل أن الأول خلاف البديهة، على أن مضمون تلك الأخبار خلافها، وفرّع عليه أنه يلزم أن لا يقصد العقلاء إفادته، ويردُ عليه المنع، فإنَّ الأكاذيب التي يعتمدها العاقل قد تخالف البديهة مع قصد إفادتها لغرض ما؛ كالتغليط أو التنكيث(١) أو الامتحان أو التخييل(٢)، كما في كثيرٍ من القضايا، حتى قال بعض المحققين: لا يلزم أن يكون ذلك الكلام حقيقة ولا مجازاً، وفيه تأمل. الرابع: المحمود، وقد علمت ما يشترط فيه. (١) في (م): التنكيت. (٢) في (م): للتخيل. : سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ ٢٥٢ الآية : ٢ الخامس: وهو ذِكرُ ما يدلُّ على اتصاف المحمود بالمحمودية، وقد اشتهر تقييده باللسان وأريد به جارحة النطق، ولما كان الواقع كون آلة التكلم في الغالب هي تلك الجارحة، خصُّوه بها، فلو فقد إنسانٌ لسانه، فأثنى بحروفه الشفوية، أو خُلق النطقُ في بعض جوارحه فأثنى به - كما شوهد في مقطوع جميع اللسان - فهو حمد. وقضيةُ التقييد أن لا يكون الصادر عمَّن لا جارحة له حمداً، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْء إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وأما حَمْدُ الله تعالى نفسِه نفسَه مثلاً، فذهب الأكثر إلى أنه إخبارٌ باستحقاق الحمد وأمرٌ به، أو مقولٌ على ألسنة العباد، أو مجازٌ عن إظهار الصفات الكمالية الذي هو الغاية القصوى من الحمد، ومال السيد إلى الأخير. وقال الدواني: كون الحمد في حقِّه سبحانه مجازاً بعيدٌ عن قاعدة أهل الحق من إثبات الكلام له حقيقة، والقول مساوقٌ للكلام، فالأظهر أنَّ الحصر في اللسان إضافيٍّ لمقابلة الجنان والأركان، والمراد الأمر الذي مصدره اللسان غالباً، أو هو قيد غالبيٌّ يسوغ الاستعمال فيه، واللفظ قد يكون موضوعاً في أصل اللغة لعامٌّ ويشتهر في بعضٍ مخصوصٍ بحيث يصير فيه حقيقة عرفية، وسبب الاشتهار إما كثرة تداول ذلك الفرد كما في الدابة، وإما عدم الاطلاع على فردٍ آخر، فیستعمله أهل اللسان في ذلك الفرد، حتى إذا استمرَّ ولم يُطَلَع على إطلاقه على فرد آخر ◌ُنَّ أنه موضوعٌ لخصوصه، كما في الميزان، فإنه في الأصل موضوعٌ لآلة الوزن، ثم من لم يطّلع إلا على ما له لسان وعمود ربما يجزم بأنه موضوع له فقط، ولا يدري أنَّ وراء ذلك موازين(١)، ومثل هذا يجري في كثيرٍ من الألفاظ. والأمرُ في المشتقات لا يكاد يخفى على من له أدنى فطنة؛ لظهوره بالرجوع إلى قاعدة الاشتقاق، وفي غيرها ربما يشتبه على الجماهير، وبذلك يفوت كثيرٌ من حقائق الكتاب والسنة، فإنَّ أكثرهما واردٌ على أصل اللغة، وعلى ذلك فَقِسٍ الحمد، فإنَّ حقيقته عندهم إظهارُ صفات الكمال، ولما كان الإظهار القوليُّ أَظهَرَ أفرادِه وأشهرها عند العامة، شاع استعمال لفظ الحمد فيه، حتى صار كأنه مجازٌ في غيره، مع أنه بحسب الأصل أعمُّ، بل الإظهار الفعلي أقوى وأتمُّ، فهو بهذا الاسم ألیق وأولى، كما هو شأن القول بالتشكيك. (١) في هامش الأصل و(م): كموازين المياه وغيرها من موازين الحكمة. اهـ منه. الآية : ٢ ٢٥٣ سُورَةُ الفَّئَاتِية وفرّقوا بين الحمد والمدح بأمور: أحدها: أنَّ الحمد يختصُّ بالثناء على الفعل الاختياري لذوي العلم، والمدحَ يكون في الاختياري وغيره ولذوي العلم وغيرهم، كما يقال: مدحت اللؤلؤة على صفائها . وثانيها وثالثها: أنَّ الحمد يُشترط صدوره عن علم لا ظنّ، وأن تكون الصفاتُ المحمودةُ صفات كمال، والمدح قد يكون عن ظنٍّ وبصفة مستحسنة، وإن كان فيها نقص ما . ورابعها: أنَّ في الحمد من التعظيم والفخامة ما ليس في المدح، وهو أخصُّ بالعقلاء والعظماء، وأكثرُ إطلاقاً على الله تعالى. وخامسها: أنَّ الحمدَ إخبارٌ عن محاسن الغير مع المحبة والإجلال، والمدحَ إخبارٌ عن المحاسن، ولذا كان الحمد إخباراً يتضمَّن إنشاءً، والمدحُ خبراً محضاً. وسادسها: أنَّ الحمدَ مأمورٌ به مطلقاً، ففي الأثر: ((من لم يحمد الناس لم يحمد الله))(١) والمدح ليس كذلك: ((احثوا في وجوه المداحين التراب))(٢). ويشعر كلام الزمخشري في ((الكشاف)) و((الفائق)(٣) بترادفهما؛ ففي الأول: أنهما أخوان، وجعل فيه نقيض المدح - أعني الذم - نقيضاً للحمد. وفي الثاني: الحمد المدح والوصف بالجميل. فالمدح عنده مخصوص بالاختياري، وتأول المدح بالجمال وصباحة الوجه. واحتمالُ أن يراد من الأخوين: ما يكون بينهما اشتقاقٌ كبيرٌ بأن يشتركا في الحروف الأصول من غير ترتيب؛ كجَبَذ وجَذَب، وأنَّ الأدباء يُجوِّزون التعريف بالأعمِّ، والنقيض هناك بالمعنى اللغوي، ويجوز أن يكون شيءٌ واحدٌ نقيضاً لشيئين بينهما عموم وخصوصٌ بهذا المعنى = لا ينفي ما قلناه، بل إذا أنصفتَ تكاد تجزم (١) ذكره بهذا اللفظ الرازي في التفسير٢١٨/١-٢١٩، وأخرجه أحمد (٧٥٠٤)، من حديث أبي هريرة ◌َُّه، بلفظ: ((مَنْ لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل)). (٢) أخرجه أحمد (٢٣٨٢٤) من حديث المقداد بن الأسود نظر اته. (٣) الكشاف ٤٦/١، والفائق ٣١٤/١. سُورَةُ الْفَاتِحَةِ ٢٥٤ الآية : ٢ بأن الزمخشريَّ قائلٌ بالترادف، ولا تستفزَّك هذه الاحتمالات؛ لأنها كسراتٍ بقِيعةٍ، نعم هذا القول بعيدٌ منه، وهو شيخ العربية وفتاها، فالحقُّ الذي لاينبغي العدول عنه أنَّ المدح يكون على غير الاختياري، وكأنه لذلك لم يقل عزَّ شأنه: المدح لله - كما قالوا - إظهاراً لأن الله تعالى فاعلٌ مختارٌ، وفي ذلك من الترغيب والترهيب المناسِبَين لمقام البعثة والتبليغ ما لا يخفى. وأما الشكر: فهو أيضاً مغايرٌ للحمد، إلا أن بعضهم خصَّه بالعمل، والحمدَ بالقول. وبعضٌ جعله على النعم الظاهرة، والآخر على النعم الباطنة. وادَّعى آخرون اختصاصه بفعل اللسان، كالحمد في المشهور، إلا أنه على النعمة، وإليه يشير كلام الراغب(١)، والمعروف أنه ما كان في مقابلتها قولاً باللسان، وعملاً وخدمةً بالأركان، واعتقاداً ومحبَّة بالجنان، وقول الطيبي: إنَّ هذا عرفُ أهل الأصول؛ فإنهم يقولون: شكرُ المنعم واجبٌ. ويريدون منه وجوب العبادة وهي لا تتمُّ إلا بهذه الثلاثة، وإلا فالشكر اللغويُّ ليس إلا باللسان، غيرُ طيب، فإنَّ ظاهر الكتاب والسنة إطلاق الشكر على غير اللسان، قال تعالى ﴿أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. وروى الطبراني(٢) عن النواس بن سمعان أنَّ ناقة رسول الله وَّهِ الجدعاء سرقت، فقال: ((لئن ردَّها الله تعالى عليَّ لأشكرنَّ ربي)). فلمَّا رُدَّتْ قال: ((الحمد لله)) فانتظروا هل يُحدِثُ صوماً أو صلاة، فظنوا أنه نسي فقالوا له، فقال: (ألم أقل الحمد لله؟!)). فلو لم يفهموا ؤه إطلاق الشكر على العمل لم ينتظروه. وزاد بعضهم في أقسام الشكر رابعاً، وهو شكر الله تعالى بالله، فلا يشكره حقّ شكره إلا هو، ذكره صاحب ((التجريد)) وأنشد: وبالقَوْلِ أُخْرَى ثُمَّ بالعَمَلِ الأَثْنَى وَشُكْرِي ذَوي الإِحسْانِ بِالقَلْبِ تَارةً وَلا بِلسَانِي بَلْ به شكْرنا عَنا وَشُكْرِي لربّي لا بِقَلِي وطاعَتِي (١) في هامش الأصل و(م): قال: الشكر هو الثناء على المحسن. اهـ منه. وينظر المفردات (حمد) و(شكر). (٢) المعجم الأوسط(١٠٧٥)، وضعفه السيوطي في الدر المنثور ١١/١. وجاء في هامش الأصل و(م): والحديث الآتي أيضاً فيه دلالة على هذا فافهم. اهـ منه. الآية : ٢ ٢٥٥ سُوَّةُ الْفَاتِحَّة والذي أطبق عليه الناس التثليث، وعلى كلِّ حالٍ بينه وبين الحمد عمومٌ وخصوصٌ من وجه، والحمد أقوى شعبة؛ لأنَّ حقيقته إشاعةُ النعمة والكشفُ عنها، كما أن كفرانها إخفاؤها وسترها، وتلك بالقول أتمُّ؛ لأن الاعتقاد أمرٌ خفيٍّ في نفسه، وعملُ الجوارح وإن كان ظاهراً إلا أنه يحتمل خلاف ما قصد به، وكم فُرِّق بين حمدت الله وشكرته ومجَّدته وعظّمته، وبين أفعال العبادة، وهي كلها موافقة للعادة، ولسان الحال أنطقُ من لسان المقال أمرٌ ادِّعائيٍّ كما هو المعروف في أمثاله، ولهذا قال ◌َّ# فيما رواه ابن عمرو (١) وَمَ: ((الحمد رأس الشكر، ما شكر الله تعالى عبد لا يحمده))(٢). وهو وإن كان فيه انقطاع إلا أن له شاهداً يتقوّى(٣) به، وإن كان مثله. فحيث كان النطق يجلِّي كل مشتَبٍِ، وكان الحمد أظهر الأنواع وأشهرها، حتى إذا فُقِدَ كان ما عداه بمنزلة العدم، شبَّهه ◌َّهُ بالرأس الذي هو أظهرُ الأعضاء وأعلاها، والأصل لها والعمدة في بقائها، وكأنه لهذا أتى به الربُّ سبحانه ليكون الرأس للرئيس، ويفتتح النفيس بالنفيس، أو لأنه لو قال جل شأنه: الشكر لله. كان ثناءً علیه تعالی بسبب إنعام وصل الى ذلك القائل، والحمد لله ليس كذلك، فهو أعلى كعباً وأظهر عبودية. ويمكن أن يقال: إن الشكر على الإعطاء، وهو متناهٍ، والحمد يكون على المنع وهو غير متناه، فالابتداء بشكرٍ دفع البلاء الذي لانهاية له على جانبٍ من الحسن لانهاية له، ودفعُ الضرِّ أهم من جلب النفع، فتقدیمه أحرى. وأيضاً مورد الحمد في المشهور خاصٌّ ومتعلَّقه عام، والشكر بالعكس مورداً (١) في الأصل و(م): عمر، والمثبت هو الصواب. (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٥٧٤) من طريق قتادة عن ابن عمرو ﴿يا مرفوعاً، وقتادة لم يسمع من عبد الله بن عمرو. ينظر مراسيل ابن أبي حاتم ص١٣٩، والتهذيب ٤٣٠/٣، وتخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص٢. (٣) في هامش الأصل و(م): فعن أنس قال: قال رسول الله ێے: «إن إبراهيم سأل ربه فقال: يا ربّ! ما جزاء من حمدك؟ قال: الحمد مفتاح الشكر، والشکر یعرج به إلى ربِّ العرش ربِّ العالمين. قال: فما جزاء مَنْ سبّحك؟ قال: لا يعلم تأويل التسبيح إلا ربّ العالمين)). اهـ منه. وهذا الحديث أخرجه ابن عساكر ٦/ ٢٤٢. سُورَةُ الْفَائِحَةِ ٢٥٦ الآية : ٢ ومتعلقاً، ففي إيراده دونه إشارة قدسية ونكتة على ذوي الكثرة خفية، وإلى الله ترجع الأمور. وكأنه لمراعاة هذه الإشارةلم يأت بالتسبيح، مع أنه مقدَّم على التحميد؛ إذ یقال: سبحان الله والحمد لله. على أن التسبيح داخلٌ في التحمید دون العكس، فإنَّ الأول يدلُّ على كونه سبحانه وتعالى مبرًّا في ذاته وصفاته عن النقائص، والثاني يشير إلى كونه محسناً إلى العباد، ولا يكون محسناً إليهم إلا إذا كان عالماً قادراً غنيًّا؛ ليعلم مواقع الحاجات، فيقدر على تحصيل ما يحتاجون إليه، ولا يشغله حاجةُ نفسه عن حاجة غيره، وإن أُبیت - ولا أظن - قلنا: کل تسبيح حمد، وليس كلّ حمد تسبيحاً؛ لأنَّ التسبيح يكون بالصفات السلبية فحسب، والحمد بها وبالثبوتية على ما سلف، فهو أعمُّ منه بذلك الاعتبار(١)، فافتتح به؛ لأنه لجمعيّته وشموله أوفقُ بحال القرآن، وتقديم التسبيح هناك لغرض آخر، ولكل مقامٍ مقال. والتعريف هنا للجنس، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كلُّ أحدٍ من أنَّ الحمد ما هو مثله في قول لبيد يصف العير وأُتنه: وَلَم يُشْفِقْ عَلَى نَغَص الدِّخَالِ(٢) وأَرْسَلَهَا العِراكَ ولَم يَذُدمَا وعليه جمعٌ منهم الزمخشري حتى قال: والاستغراق الذي يتوهّمه كثيرٌ من الناس وَهْمٌ (٣). وقد صار هذا معترك الأفهام، ومزدحم أفكار العلماء الأعلام، (١) في هامش الأصل و(م): فعن محمد بن النضر قال: قال آدم عليه السلام: يا ربِّ شغلتني بكسب يدي، فعلمني شيئاً فيه مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله تعالى إليه: إذا أصبحت فقل ثلاثاً، وإذا أمسيت فقل ثلاثاً: الحمد لله رب العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك مجامع الحمد والتسبيح. اهـ منه. (٢) البيت للبيد، وهو في ديوانه ص٨٦، والكتاب ٣٧٢/١، وأساس البلاغة (نغص). قال الأعلم في شرح شواهد الكتاب ص٢٣٠: وصف إبلاً أوردها الماء مزدحمة، والعراك: الازدحام، والدخال: أن يدخل القوي بين ضعيفين، أو الضعيف بين قويين، فيتنغص عليه شربه. والشاهد فيه - كما ذكر الزمخشري في الكشاف ٤٩/١ - أن التعريف في ((الحمد)) هو نحو التعريف في: أرسلها العراك، وهو تعريف الجنس. وقال الجرجاني في حاشيته على الكشاف: والعراك إما حال، وإما مصدر وناصبه حال، أي تعترك العراك. (٣) الكشاف ١/ ٥٠. الآية : ٢ ٢٥٧ سُوَّةُ الْفَائِحَةِ فقيل: إنه مبنيٌّ على مسألة خلق الأفعال(١)، فإنَّ أفعال العباد لما كانت مخلوقة لهم عند المعتزلة، كانت المحامد عليها راجعة إليهم، فلا يصحُّ تخصيص المحامد كلِّها به تعالی. ورُدَّ بأنَّ اختصاص الجنس يستلزم اختصاص أفراده أيضاً؛ إذ لو وُجد فردٌ منه لغيره، ثبت الجنس له في ضمنه، وصحَّ هذا عندهم؛ لأن الأفعال الحسنة التي يستحقُّ بها الحمد إنما هي بإقدار الله تعالى وتمكينه، فبهذا الاعتبار يرجع الأمر إليه كله، وأما حمد غيره فاعتدادٌ بأنَّ النعمة جرت على يده. وقيل: إنه جعل الجنس في المقام الخطابي منصرفاً إلى الكامل، كأنه كل الحقيقة . ورُدَّ بأنه يجوز في الاستغراق أيضاً بأن يجعل ماعدا محامده كالعدم، فلا فرق بين اختصاص الجنس والاستغراق في منافاتهما ظاهراً لمذهبه ودفعهما بالعناية. وقيل: مبناه على أنَّ المصادر نائبةٌ منابَ الأفعال، وهي لاتعدو دلالتها عن الحقيقة إلى الاستغراق. ورُدَّ بأنَّ ذلك لاينافي قصدَ الاستغراق بمعونة القرائن. وقيل: إنما اختاره بناءً على أنه المتبادر الشائع، لاسيَّما في المصادر وعند خفاء القرائن. وَرُدَّ بأنَّ المُحلَّى بلام الجنس في المقامات الخطابية، يتبادر منه الاستغراق، وهو الشائع هناك مطلقاً، وأيُّ مقام أولى بملاحظة الشمول والاستغراق من مقام تخصيص الحمد به سبحانه تعظيماً، فقرينة الاستغراق كنارٍ على علم. فالحقُّ أنَّ سبب الاختيار هو أنَّ اختصاصَ الجنس مستفادٌ من جوهر الكلام، ومستلزِمٌ لاختصاص جميع الأفراد، فلا حاجة في تأدية المقصود من إثبات الحمد له تعالى، وانتفائه عن غيره، إلى أن يلاحظ بمعونة الأمور الخارجية، بل نقول: على ما اختاره يكون اختصاص الأفراد بطريقٍ برهانيٍّ، فيكون أقوى من إثباته ابتداء. (١) في (م): الأعمال. الآية : ٢ ٢٥٨ سُوَدَّةُ الْفَاتِحَةِ وفيه أنَّ فهمَ اختصاص الجنس من جوهر الكلام يدلُّ على سرعته، وهو معنى التبادر، وقد ردَّه، وأيضاً إذا كان الاختصاص بطريقٍ برهانيٍّ فلا شبهة في خفائه، فأين النار وأين العَلم؟! وقيل غير ذلك. ولا يبعد أن يقال: إنَّ اختيار الزمخشري كونَ التعريف للجنس وكونَ القول بالاستغراق وهمٍّ، لا يبعد أن يكون رعاية لنّزغة اعتزالية، وأن يكون النكتةٍ عربية؛ لأنه جعل أصلَ المعنى: نحمد الله حمداً، وزعم أنَّ: ((إياك نعبد وإياك نستعين))، بيانٌ لحمدهم، كأنه قيل: كيف تحمدوني؟ فقيل: إياك نعبد، ثم سئل وأجاب. فقيل في توجيه ذلك: إنه لمّا كان معناه: نحمد الله حمداً، كان إخباراً عن ثبوت حمدٍ غير معيَّن من المتكلّم له تعالى، على أنَّ المصدر للعدد، فاتّجه أن يقال: كيف تحمدونه؟ أي: بيِّنوا كيفية حمدكم فإنها غيرُ معلومة، فبيّن بقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) إلخ، أي: نقول هذه الكلمات، ونحمده بهذا الحمد، فورد السؤال عن التعريف؛ لأن المناسب للإبهام ثم البيان التنكيرُ. وأجاب أنه لتعريف الجنس من حيث وجوده في فردٍ غير معيَّن، ولذا بُيِّن. وقيل: لما كان المعنى: نحمد حمداً، كان المصدر للتأكيد، فيكون دالًّا على الحقيقة من غير دلالة على الفردية، والسؤال المقدَّر عن كيفية صدور تلك الحقيقة. والجواب: أنَّا نحمد حمداً مقارناً لفعل الجوارح وفعل القلب، ولا نقتصر على مجرَّد القول. ثم أورد بأنه يكفي لإفادة هذا المصدرُ المنكَّر، فما فائدة التعريف؟ فأجاب: بأنه تعريفٌ للجنس للإشارة إلى الماهية المعلومة للمخاطب من حيث هي. وعلى هذين التوجيهين يكون اختياره الجنسَ ومنعُهُ الاستغراقَ لرعاية مذهبه، والاختصاصُ على الأول اختصاص الفرد، وعلى الثاني اختصاص الجنس باعتبار الكمال. ولا يخفى سقوط اعتراض السعد حينئذٍ بأنَّ الاختصاصين متلازمان، وكلٌّ منهما مخالفٌ لمذهبه ظاهراً موافقٌ له تأويلاً، فلا يكون رعايةُ المذهب موجباً لاختيار الجنس دون الاستغراق. ولا يَرِدُ ما أورد السيد على الثاني، من أنه كما يجوز الحمل على الجنس باعتبار الكمال على مذهبه، يجوز الحمل على