النص المفهرس
صفحات 181-200
الآية : ١ ١٧٩ سُورَةُ الفَائِةِ والواو والنون والحاء والعين والميم والغين؛ إذ الواو من الويل، والذال من الذلة، والنون من النار، والحاء من الحميم، والعين من العذاب، والميم من المهاد، والغين من الغواشي، والآيات ظاهرةٌ والكلُّ في أهل النار، وتكون الفائدة في إسقاطها کالفائدة في إسقاط تلك من غیر فرقٍ أصلاً. على أنَّ في كلامه رحمه الله تعالى غيرُ ذلك، ومع تسليم سلامته مما قيل أو يقال، لا أرتضيه للفخر وهو السيد الذي غدا سعدَ الملة وحجَّة الإسلام وناصر أهله. وأما نسبته لأمير المؤمنين عليٍّ كرم الله وجهه حين سأل قيصرُ الروم معاويةً عن ذلك فلم يجب، فسأل عليًّا فأجاب، فلا أصل له، وعلى تقدير التسليم فما مرامُ الأمير بالاكتفاء على هذا المقدار إلا التنبيه للسائل والمسؤول على ما لا يخفى عليك من الأسرار، فافهم ذلك والله تعالى يتولى هداك. وخامسها وسادسها وسابعها: الكنز والوافية والكافية؛ لِمَا مرَّ من اشتمالها على الجواهر المكنوزة، فتفي وتكفي، أو لأنها لا تُنَصَّفُ في الصلاة ولا يكفي فيها غيرها . وثامنها: الأساس؛ لأنها أصلُ القرآن وأول سورة فيه. وتاسعها وعاشرها والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر: سورة الحمد، وسورة الشكر، وسورة الدعاء، وسورة تعليم المسألة، وسورة السؤال؛ لاشتمالها على ذلك. أما اشتمالها على الحمد فظاهر وكذا على الشكر لدى مَن أنعم الله تعالى عليه بالفهم، ويمكن أن يكون الاسمان كأمّ القرآن وأم الكتاب. وأما الاشتمال على الثالث فكالاشتمال على الأول بل أظهر، وأما تعليم المسألة فلأنها بدئت بالثناء قبله، والخامس كالثالث، وهما كذينك الثالث والرابع كما لا يخفى. والرابع عشر والخامس عشر: سورة المناجاة، وسورة التفويض؛ لأنَّ وبالثاني يحصل العبد يناجي ربه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ التفويض. سُورَةُ الْفَاتِحَةِ ١٨٠ الآية : ١ والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر: الرُّقية، والشفاء(١)، والشافية، والأحاديث الصحيحة مشعرةٌ بذلك. والتاسع عشر: سورة الصلاة؛ لأنها واجبةٌ أو فريضةٌ فيها، والاستحباب مذهب بعض المجتهدين (٢)، وروايةٌ عن البعض في النفل، قيل: ومن أسمائها الصلاة؛ لحديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))(٣) وأراد السورة، والمجازُ اللغوي لعلاقة الكلية والجزئية أو اللزوم حقيقة أو حكماً كالمجاز في الحذف(٤) محتملٌ. والعشرون: النور؛ لظهورها بكثرة استعمالها، أو لتنويرها القلوب لجلالة قدرها، أو لأنها لِمَا اشتملت عليه من المعاني عبارةٌ عن النور بمعنى القرآن. والحادي والعشرون: القرآن العظيم وهو ظاهرٌ مما قدمناه. والثاني والعشرون: السبع المثاني؛ لأنها سبع آيات باتفاقٍ(٥)، وما رأينا مشاركاً لها سوى ﴿أَرَءَيْتَ﴾ [الماعون: ١]، والقولُ بأنها ثمانٍ كالقول بأنها تسع شاذٌ لا يُعبأ به، أو وهمٌ من الراوي، إلا أنَّ منهم مَن عدَّ التسمية آيةً دون: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ومنهم مَن عكس، والمدار الرواية، فلا يوهن الثاني أنَّ وزان الآية لا يناسب وزان فواصل السور، على أنَّ في سورة النصر ما هو من هذا الباب. وتُثنى وتُكرَّر في كلِّ ركعة(٦) وصلاةٍ ذات ركوع، أو المراد المتعارف الأغلب (١) في هامش الأصل: وفي الكشاف أنها تسمى سورة الشفا، وفي البخاري تسميتها سورة الرقية. اهـ منه. وينظر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في صحيح البخاري (٥٠٠٧)، وصحيح مسلم (٢٢٠١). (٢) في الأصل بين السطور: ابن عباس. (٣) أخرجه أحمد (٧٢٩١)، ومسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة حضُّه (٤) في هامش الأصل: أي: ذكر الصلاة وقراءتها. (٥) في هامش الأصل و(م): والقول بأنها سبع لأن فيها سبع آداب في كل آية أدب، بعيد، وأبعد منه أنها سميت السبع لأنها خلت عن سبعة أحرف: الثاء، والجيم، والخاء، والزاي، والشين، والظاء، والفاء. وذلك لأن الشيء على المشهور یسمی بما وجد فيه، لا بما فقد منه. اهـ منه. (٦) في هامش الأصل: ورد عن عمر ﴿له بسندٍ حسن أنها تثنى في كل ركعة، واستشكل، وأجيب عنه بأجوبة منها: أن استعمال الركعة في الصلاة شائع سائغ، ولهذا عطفت الصلاة عليها عطف تفسير، فتدبر وافهم. اهـ منه. ...... الآية : ١ ١٨١ سُورَةُ الفَاتِحَةِ من الصلاة، فلا تَرِدُ الركعة الواحدة ولا صلاة الجنازة، على أن في البتيراء اختلافاً(١)، وصلاة الجنازة دعاء لا صلاةٌ حقيقة. وقيل: وُصفت بذلك؛ لأنها تثنَّى بسورة أخرى، أو لأنها نزلت مرَّتين، أو لأنها على قسمين دعاء وثناء، أو لأنها كلما قرأ العبد منها آية ثنَّاه الله تعالى بالإخبار عن فعله كما في الحديث المشهور(٢). وقيل غير ذلك. وهذه الأقوال مبنيَّةٌ على أن تكون المثاني من التثنية، ويحتمل أن تكون من الثناء، لما فيها من الثناء على الله تعالى، أو لما ورد من الثناء على من يتلوها، وأن تكون من الثُّنيا؛ لأنَّ الله تعالى استثناها لهذه الأمة، والحمد لله على هذه النعمة . ثم الحكمة في تسوير القرآن سوراً كالكتب - خلافاً للزركشي (٣) - أن يكون أنشطّ للقارئ وأبعث على التحصيل، كالمسافر إذا قطع ميلاً أو فرسخاً نفَّس ذلك منه ونشط للمسير، وإذا أخذ الحافظُ السورةَ اعتقد أنه أخذ من كتاب الله تعالى طائفةٌ مستقلةً فيعظُم عنده ما حفظ، وأيضاً الجنس إذا انطوى تحته أنواعٌ وأصنافٌ كان أحسنَ من أن يكون تحته باب واحد، مع أنَّ في ذلك تحقيقُ كون السورة بمجرَّدها معجزة وآية من آيات الله تعالى، والحكمة في كونها طوالاً وقصاراً أظهر من أن تخفی. ﴿ِسْمِ أَلَّوَ الزَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فيها أبحاث: البحث الأول: اختلف العلماء فيها هل هي من خواصٌ هذه الأمة أم لا؟ فنقل (١) ذكر صاحب النهاية (بتر) عن سعد څبه أنه أوتر بركعة، فأنكر عليه ابن مسعود څبه وقال: ما هذه البتيراء؟! (٢) وهو حديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... )) وقد سلف قريباً. (٣) ينظر البرهان ٢٦٤/١، وفيه: فإن قيل: فما الحكمة من تقطيع القرآن سوراً؟ قلت: هي الحكمة في تقطيع السور آيات معدودات، لكل آية حدٍّ ومطلع، حتى تكون كل سورة، بل كل آية، فَنَّا مستقلاً وقرآناً معتبراً، وفي تسوير السورة تحقيق لكون السورة بمجردها معجزة وآية من آيات الله. الآية : ١ ١٨٢ سُؤَّةُ الْفَاتِحَةِ العلامة أبو بكر التونسيُّ(١) إجماعَ علماء كلِّ ملَّةٍ على أنَّ الله تعالى افتتح كلَّ كتاب بها، وروى السيوطيُّ فيما نقله عنه السرمينيُّ(٢) - والعهدة عليه -: بسم الله الرحمن الرحيم فاتحة كل كتاب، وذهب هذا الراوي إلى أنَّ البسملة من الخصوصيات؛ لِمَا روي أنه وَّه كان يكتب(٣): باسمك اللهم، إلى أن نزل ﴿يَسْمِ اللَّهِ مَجْرٍ بِهَا﴾ [هود: ٤١] فأمر بكتابة بسم الله حتى نزل: ﴿قُلِ أَدّعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُوا الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء: ١٠١] فأمر بكتابة بسم الله الرحمن إلى أن نزلت آية النمل فأمر بكتابة بسم الله الرحمن الرحيم(٤). ولِمَا اشتهر: أن معاني الكتب في القرآن، ومعانيه في الفاتحة، ومعانيها في البسملة، ومعاني البسملة في الباء، فلو كانت في الكتب القديمة لأمر من أول الأمر بكتابتها، ولكانت معاني القرآن في كلِّ كتاب، واللازم منتفٍ فكذا الملزوم. وفيه أنَّ الأمر بذلك التفصيل لا يستلزم النفي؛ لاحتمال نفي العلم إذ ذاك، ولا ضير، وأنَّ المختصَّ بالقرآن اللفظُ العربي بهذا الترتيب، والكتبُ السماوية بأسرها - خلافاً للغيطي(٥) - غير عربية، وما في القرآن منها مترجمٌ، فلربما لهذه الألفاظ مدخل في الاشتمال على جميع المعاني، فلا تكون في غير القرآن - كما توقَّمه السرميني - وإن كان هناك بسملة، على أنَّ في أول الدليلين بظاهره دليلاً على عدم الخصوصية. البحث الثاني: وهو من أمهات المسائل حتى أفرده جمعٌ بالتصنيف: اختلف الناس في البسملة في غير ((النمل)) - إذ هي فيها بعضُ آيةٍ بالاتفاق - على عشرة أقوال : (١) هو أبو بكر بن محمد بن قاسم، مجد الدين المرسي ثم التونسي شيخ الإقراء والعربية بالشام، توفي سنة (٧١٨هـ). أعيان العصر ٢٥٥/١. (٢) هو الشيخ منصور بن مصطفى السرميني الحنفي، له رسالة في البسملة سماها: كشف الستور المسئلة عن أوجه أسرار البسملة. توفي سنة (١٢٠٧هـ) في حلب. إعلام النبلاء ١٣٨/٧. (٣) في حاشية (م): أي: يأمر. اهـ منه. (٤) أخرجه عبد الرزاق ٨١/٢ عن الشعبي. (٥) نجم الدين محمد بن أحمد بن علي بن أبي بكر الغيطي السكندري، ثم المصري، الشافعي، المحدث المسند، من مؤلفاته: المعراج، توفي سنة (٦٨٤هـ). شذرات الذهب ٥٩٣/١. الآية : ١ ١٨٣ سُورَةُ الْفَائِحَةِ الأول: أنها ليست آيةً من السور أصلاً. الثاني: أنها آيةٌ من جميعها غير براءة. الثالث: أنها آيةٌ من الفاتحة دون غيرها. الرابع: أنها بعض آية منها فقط. الخامس: أنها آيَةٌ فذَّة أُنزلت لبيان رؤوس السور تَيُّناً وللفصل بينها . السادس: أنه يجوز جعلها آيةً منها وغير آية؛ لتكرر نزولها بالوصفين. السابع: أنها بعضُ آية من جميع السور. الثامن: أنها آيةٌ من الفاتحة وجزءُ آية من السور. التاسع: عكسه. العاشر: أنها آياتٌ فذة وإن أُنزلت مراراً. فابن عباسٍ وابن المبارك، وأهل مكة كابن كثير، وأهل الكوفة كعاصم والكسائي وغيرهما سوى حمزة، وغالبُ أصحاب الشافعي، والإماميةُ = على الثاني، وقال بعض الشافعية وحمزة ونُسب للإمام أحمد بالثالث، وأهل المدينة ومنهم مالكٌ، والشام ومنهم الأوزاعيُّ، والبصرة ومنهم أبو عمرو ويعقوب على الخامس، وهو المشهور من مذهبنا، وعلى المرء نصرة مذهبه والذبّ عنه، وذلك بإقامة الحجج على إثباته وتوهين أدلة نفاته، وإني وإن كنت من قبل شافعيًّا، فإني اليوم والحمد لله قد صرت حنفياً(١) ولست بقائل(٢): (١) جاء في (م) بدل قوله: وإني وإن كنت من قبل ... إلى هذا الموضع: وكنت من قبل أعدّ السادة الشافعية لي غزية، ولا أعد نفسي إلا منها. وقد ملكت فؤادي غرّة أقوالهم كما ملكت فؤاد قيس ليلى العامرية، فحيث لاحت لا متقدَّم ولا متأخّر لي عنها. ثم ذكر قوله: أتاني ... (٢) في هامش الأصل: لا يظنَّ ظانٌّ أو يتوهم متوهم أن تمثُّلي بالبيتين تعريض بالإمام الشافعي له، فإني ورب البيت ممن يفتخر بتراب نعاله، وإنما مرادي بضمير هواها أدلة النفاة، وبضمير حبها حجج الإثبات، ومن نسبَ إليّ سوء أدب مع الإمام خاصمته بين يدي العلام؛ وليس حمدي على صيرورتي حنفيًّا انتقاصاً له وحاشاه، ولكن أحيبت لغرض ما أن أحمد الله، والله تعالى المطلع على الأسرار. الآية : ١ ١٨٤ سُورَةُ الفَاتِيةِ، فَصَادَفَ قَلْباً خَالِیاً فَتَمَكَّنا(١) أَتَاني هَوَاها قَبْلَ أَنْ أَعرفَ الھوی ولكنِّي أقول(٢): مَحا حبُّها حُبَّ الأُلِى كُنَّ قَبْلَها. وَحَلَّتْ مَكَانَاً لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ(٣) وقد أطال الفخر(٤) في هذا المقام المقالَ، وأورد ستَّ عشرة حجَّةً لإثبات أنها آيةٌ من الفاتحة، كما هو نصُّ كلامه، ولا عبرة بالترجمة، فها أنا بتوفيق الله تعالى رادُّه ولا فخر، وناصرُ مذهبي بتأييد الله تعالى، ومنه التأييد والنصر، فأقول: قال: الحجة الأولى: روى الشافعيُّ عن ابن جريج عن أبي مليكة عن أم سلمة أنها قالت: قرأ رسول الله وَ ﴿ فاتحة الكتاب فعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم آية، الحمد لله رب العالمين آية، الرحمن الرحيم آية، مالك يوم الدين آية، إياك نعبد وإياك نستعين آية، اهدنا الصراط المستقيم آية، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية(٥). وهذا نصٌّ صريح. الحجة الثانية: روى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله القوي قال: ((فاتحة الكتاب سبعُ آيات، أُولاهن بسم الله الرحمن الرحيم))(٦) . الحجة الثالثة: روى الثعلبيُّ بإسناده عن ابن بريدة(٧) عن أبيه قال: قال رسول الله وسلم: ((ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟)) فقلت: بلى. قال: ((بأي شيءٍ تستفتح القرآن إذا افتتحت الصلاة؟)) فقلت: بسم الله (١) البيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص١٩٧ . (٢) قوله: ولكني أقول، جاء بدلاً منه في (م): إلى أن كان ما كان، فصرت مشغولاً بأقوال السادة الحنفية، وأقمت منها برياض شقائق النعمان، واستولى عليّ من حبّها ما جعلني أترنم بقول القائل ... . (٣) البيت لمجنون ليلى، وهو في ديوانه ص١٤٩ . (٤) في تفسيره ١٩٦/١ وما بعدها. (٥) تفسير الرازي ١٩٦/١، وسيأتي الكلام عليه ص ١٩٠ من هذا الجزء. (٦) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في شعب الإيمان (٢٣٢٤)، وسيأتي الكلام عليه. (٧) في الأصل و(م): أبي بردة، وفي تفسير الرازي وتفسير الثعلبي ١٠٢/١: أبي بريدة، والمثبت هو الصواب. الآية : ١ ١٨٥ سُورَةُ الْفَاتِةِ الرحمن الرحيم. قال: ((هي هي))(١). الحجة الرابعة: روى الثعلبيُّ بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: أن النبي وَ ليل قال له: ((كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟)) قال: أقول: الحمد لله رب العالمين. قال: قل: ((بسم الله الرحمن الرحيم))(٢). وروى أيضاً بإسناده عن أم سلمة: أن النبّي ◌َّو كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحیم، الحمد لله رب العالمين(٣). وروى أيضاً بإسناده عن عليٍّ كرم الله تعالى وجهه: أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص (٤). وروى أيضاً بإسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَنْيْتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] قال: فاتحة الكتاب. فقيل لابن عباس: فأين السابعة؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم(٥). وبإسناده عن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((إذا قرأتم أمَّ القرآن فلا تدَعوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها إحدى آياتها))(٦). وبإسناده أيضاً عن أبي هريرة عن النبيِّ بَّ قال: ((يقول الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله (١) تفسير الثعلبي ١٠٢/١، وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط (٦٢٩)، والدارقطني (١١٨٣)، والبيهقي في الكبرى ٦٢/١٠ وضعفه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠٩/٢ : وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف لسوء حفظه، وفيه مَنْ لم أعرفهم. (٢) تفسير الثعلبي ١٠٣/١، وأخرجه أيضاً الدارقطني (١١٧٦)، والبيهقي في الشعب (٢٣٢٣)، وهو من طريق الجهم بن عثمان عن جعفر به. قال الذهبي في الميزان ٤٢٦/١: جهم بن عثمان عن جعفر الصادق، لا يُدرى مَن ذا، وبعضهم وهَّاه. (٣) تفسير الثعلبي ١٠٣/١، وأخرجه أيضاً الدارقطني (١١٩١)، والبيهقي ٤٤/٢، وابن عبد البر في الاستذكار ٢١٠/٤. (٤) تفسير الثعلبي ١/ ١٠٣. (٥) تفسير الثعلبي ١٠٣/١، وأخرجه أيضاً الحاكم ١/ ٥٥١، وبنحوه عبد الرزاق (٢٦٠٩)، والطبري ١٤/ ١١٤ . (٦) تفسير الثعلبي ١٠٣/١، وينظر ما سيأتي من كلام المصنف على هذا الحديث ص ١٩٣ من هذا الجزء. الآية : ١ ١٨٦ سُورَةُ الْفَاتِيةِ تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: فوَّض إليَّ عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، قال الله تعالی: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)»(١). وبإسناده أيضاً عن أبي هريرة قال: كنت مع النبيِّ وَّ في المسجد والنبيُّ يُحدِّث أصحابه، إذ دخل رجل يصلي، فافتتح الصلاة وتعوَّذ، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، فسمع النبيُّ ◌َّ ذلك، فقال له: ((يا رجل قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن بسم الله الرحمن الرحيم من الحمد، فمن تركها فقد ترك آيةً منها، ومن ترك آيةً منها فقد قطع عليه صلاته، فإنه لا صلاة إلا بها، فمن ترك آية منها فقد بطلت صلاته))(٢). وبإسناده عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله وَلهو: ((من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب الله))(٣). الحجة الخامسة: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم واجبة في أول الفاتحة، وإذا كان كذلك وجب أن تكون آية منها؛ بيان الأول: ﴿ اقْرَأَ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ [العلق: ١] ولا يجوز أن يقال: الباء صلة؛ لأن الأصل أن تكون لكل حرف من كلام الله تعالى فائدة، وإذا كان الحرف مفيداً كان التقدير: اقرأ مفتتحاً باسم ربك. وظاهر الأمر الوجوب، ولم يثبت في غير القراءة للصلاة، فوجب إثباته في القراءة فيها صوناً للنصِّ عن التعطيل. الحجة السادسة: التسمية مكتوبة بخطّ القرآن، وكلُّ ما ليس من القرآن فإنه غيرُ مكتوب بخط القرآن، ألا ترى أنهم منعوا كتابةً أسامي السور في المصحف، ومنعوا من العلامات على الأعشار والأخماس، والغرض من ذلك كله أن يمنعوا أن يختلط بالقرآن ما ليس بقرآن، فلو لم تكن التسمية من القرآن لما كتبوها بخط القرآن. (١) تفسير الثعلبي ١٠٣/١-١٠٤، وأخرجه أيضاً الدارقطني (١١٨٩)، وفي إسناده عبد الله بن زياد بن سمعان قال عنه الدارقطني: متروك الحديث. وهو عند أحمد (٧٢٩١)، ومسلم (٣٩٥) دون ذكر البسملة، وسيأتي ص ١٩٥ من هذا الجزء. (٢) تفسير الثعلبي ١٠٤/١، وينظر ما سيأتي ص ١٩٢ من هذا الجزء. (٣) تفسير الثعلبي ١٠٤/١، وذكره ابن الجوزي في التحقيق (٤٥٢) وقال: يرويه سليمان بن مسلم المكي، قال يحيى بن معين: ليس بثقة. الآية : ١ ١٨٧ سُورَةُ الفَاتِحَةِ الحجة السابعة: أجمع المسلمون على أنَّ ما بين الدَّفتين كلام الله تعالى، والبسملة موجودة بينهما، فوجب جعلها منه. الحجة الثامنة: أطبق الأكثرون على أنَّ الفاتحةً سبعُ آيات، إلا أن الشافعيَّ قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية، وأبو حنيفة قال: إنها ليست آية، لكن صراط الذين أنعمت عليهم آية، وسنبيِّن أنَّ قوله مرجوحٌ ضعيف، فحينئذٍ يبقى أن الآيات لا تكون سبعاً إلا بجعل البسملة آية تامة منها . الحجة التاسعة: أن نقول: قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة، فوجب كونها آية منها. بيان الأول: أن أبا حنيفة يسلّم أن قراءتها أفضل، وإذا كان كذلك فالظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قرأها، فوجب أن يجب علينا قراءتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وإذا ثبت الوجوب ثبت أنها من السورة؛ لأنه لا قائل بالفرق. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ أمرٍ ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)»(١) وأعظم الأعمال بعد الإيمان الصلاةُ، فقراءة الفاتحة بدون قراءتها توجب كون الصلاة عملاً أبتر، ولفظه يدلُّ على غاية النقصان والخلل بدليل أنه ذُكر ذمَّا للكافر الشانئ، فوجب أن يقال للصلاة الخالية عنها في غاية النقصان والخلل، وكل من أقرَّ بذلك قال بالفساد، وهو يدلُّ على أنها من الفاتحة. الحجة العاشرة: ما روي أنَّ النبيَّ وَّ قال لأبيِّ بن كعب: ((ما أعظم آية في القرآن؟)) قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فصدقه النبيُّ ◌َ ﴿ في قوله(٢). وجه الاستدلال أن هذا يدلُّ على أن هذا المقدار آية تامة، ومعلوم أنها ليست بتامةٍ في النمل، فلا بد أن تكون في غيرها، وليس إلا الفاتحة. الحجة الحادية عشرة: عن أنس أن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاةً (١) أخرجه الخطيب في الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع (١٢٣٢)، والسبكي في طبقات الشافعية ١٢/١، وحسنه النووي في الأذكار ص ١٤٩، والسيوطي في الدر المنثور ١٠/١، وضعفه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار ٣/ ٢٨١، وينظر ما سيأتي ص ٢٤٥ و٢٤٦ من هذا الجزء. (٢) لم نقف عليه عند غير الرازي. وأخرج البيهقي ٢/ ٥٠ عن ابن عباس أنه قال: إن الشيطان استرق من أهل القرآن أعظم آية في القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم. الآية : ١ ١٨٨ سُوَّة الفَاتِية جهرية، فقرأ أمَّ القرآن ولم يقرأ البسملة، فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية: أنسيت، أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن؟ فأعاد معاوية الصلاة وجهر بها(١). الحجة الثانية عشرة: أن سائر الأنبياء كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدؤون باسم الله، فقد قال نوح: ﴿بِسْمِ اللَّهِ بَجْرٍبِهَا﴾ [هود: ٤١] وسليمان: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ أَلَا تَعْلُواْ عَلَىَّ﴾ [النمل: ٣٠-٣١] فوجب أن يجب على رسولنا ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فَيْهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] وإذا ثبت ذلك في حقه صلى الله عليه وآله وسلم ثبت أيضاً في حقِّنا؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَّبِعُوهٌ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وإذا ثبت في حقِّنا ثبت أنها آية من سورة الفاتحة. الحجة الثالثة عشرة: أنه تعالى قديمٌ، والغير مُحدَثٌ، فوجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقاً على ذكر غيره، والسبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كانت قراءة البسملة سابقة، وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقديم [حسن] (٢)، فما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن، وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أنها آية من الفاتحة؛ لأنه لا قائل بالفرق. الحجة الرابعة عشرة: أنه لا شك أنها من القرآن في سورة النمل، ثم إنا نراه مكرَّراً بخط القرآن، فوجب أن يكون من القرآن، كما أنَّا لمَّا رأينا قوله تعالى: ﴿وَبِّلِّ يَّمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ [الرحمن: ١٣] مكرراً كذلك قلنا: إن الكل منه. الحجة الخامسة عشرة: روي أنه عليه السلام كان يكتب باسمك اللهم، الحديث(٣). وهو يدل على أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن، ومجموعها منه، وهو مثبت فيه، فوجب الجزم بأنه من القرآن؛ إذلو جاز إخراجه مع هذه الموجبات والشهرة، لكان جواز إخراج سائر الآيات أولى، وذلك يوجب الطعن في القرآن العظيم. (١) أخرجه الدارقطني (١١٨٨)، وليس فيه ذكر الإعادة، وإنما قال فيه: فلما صلى بهم الأخرى قرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وينظر الكلام على هذا الحديث في نصب الراية ٣٥٣/١. وينظر كذلك ما سيأتي ص ١٩٤ من هذا الجزء. (٢) ما بين حاصرتين من تفسير الرازي. (٣) سلف ص ١٨٢ من هذا الجزء. الآية : ١ ١٨٩ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ الحجة السادسة عشرة: قد بيَّنا أنه ثبت بالتواتر أن الله تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد *، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بكتابتها بخط المصحف فيه، وبيَّنا أن حاصل الخلاف في أنه هل تجب قراءته، وهل يجوز للمحدث مسُّه؟ فنقول: ثبوت هذه الأحكام أحوط، فوجب المصيرُ إليه؛ لقوله وَّر: ((دع ما يريبك إلی ما لا یریبك»(١). انتهى كلامه. وليس بشيءٍ؛ لأن البعض منه مجابٌ عنه والبعض لا يقوم حجة علينا؛ لأن الصحيح من مذهبنا أن بسم الله الرحمن الرحيم آية مستقلة، وهي من القرآن، وإن لم تكن من الفاتحة نفسها، وقد أوجب الكثير منا قراءتها في الصلاة، وذكر الزيلعيُّ(٢) في ((شرح الكنز): أنَّ الأصحَّ أنها واجبة. وذكر الزاهديُّ(٣) في ((المجتبى)): أن الصحيح أنها واجبة في كل ركعة تجب فيها القراءة، وهي الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة رضُّه، وقال ابن وهبان(٤) في منظومته: ولو لَمْ يُبَسْمِلْ ساهِياً كلَّ رَكْعَةٍ فَيَسْجِدَ إذ إيجابها قال الاكْثَرُ وفي ((غنية المتملِّي)): وهو الأحوط، وبه أقول خلافاً لقاضي خان(٥) وصاحب ((الخلاصة)) وغيرهم، والحق أحقُّ بالاتباع، والقول(٦) عن بعض هذا أنه من طغيان (١) أخرجه أحمد (١٧٢٣)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي ٣٢٧/٨ من حديث الحسن بن عليّ ځُّ. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٢) عثمان بن علي بن محجن، فخر الدين الزيلعي الحنفي، له: تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق، وشرح الجامع الكبير، وبركة الكلام على أحاديث الأحكام، توفي سنة (٧٤٣هـ). الفوائد البهية ص ١١٥، والأعلام ٤/ ٢١٠. (٣) مختار بن محمود بن محمد، أبو الرجاء العرميني، الملقب نجم الدين، توفي سنة (٦٥٨هـ). الجواهر المضية ٣/ ٤٦٠، وكشف الظنون ٢/ ١٥٩٢. (٤) عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي الحنفي، كان مشكور السيرة ماهراً في الفقه والعربية، ونظم قصيدة رائية ألف بيت ضمّنها غرائب المسائل في الفقه وشرحها، توفي سنة (٧٦٨هـ). شذرات الذهب ٢١٢/٦. (٥) الحسن بن منصور بن أبي القاسم الأوزجندي الفَرْغاني، فخر الدين، له: الفتاوى، وشرح الجامع الصغير، توفي سنة (٥٩٢هـ). الجواهر المضية ٩٣/٢. (٦) في هامش الأصل و(م): اعتراض على الشهاب. سُورَةُ الفَاتِةِ ١٩٠ الآية : ١ القلم غاية الطغيان، ونهاية في التعصب من غير إتقان، ولنتكلم على ما ذكره هذا العلامة على التفصيل، فنقول: أما ما ذكره في الحجة الأولى من حديث أم سلمة بالوجه الذي رواه، مخالفٌ لما في ((البيضاوي)) المخالف(١) لما في الكتب الحديثية، فيجاب عنه: بأنَّ أبا مليكة لم يثبت سماعه من أم سلمة، وبتقديره للمعاصرة يقال: إن هذا اللفظ لم يوجد في المشهور، ولعلَّه نَقْلٌ بالمعنى لبعض الروايات الآتية على حسب ما يلوح له، فقد أخرج أبو عبيد وأحمد وأبو داود بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُقطّع قراءته آية آية: ﴿يِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ (٢ الزَّحْمَنِ الرَّحِيِمِ جَ مَلِكِ يَوْمِ الّذِينِ الْعَلَمِينَ وابن الأنباري والبيهقي: كان إذا قرأ قطّع قراءته آيةً آيةً، يقول: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) ثم يقف، ثم يقول: (الحمد لله رب العالمين)) ثم يقف، ثم يقول: (الرحمن الرحيم)) ثم يقف، ثم يقول: ((مالك يوم الدين)). وابن خزيمة والحاكم بلفظ: أن رسول الله ﴿ قرأ في الصلاة: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) فعدَّها آية ((الحمد لله رب العالمين)) اثنین ((الرحمن الرحيم)) ثلاث آيات ((مالك يوم الدين)) أربع آيات، وقال هكذا: ((إياك نعبد وإياك نستعين)) وجمع خمس أصابعه (٣). والدارقطني بلفظ: كان يقرأ: ((بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين)) إلى آخرها، قطَّعها آيةً آيةً وعدَّها عدَّ الأعراب، وعدَّ ((بسم الله الرحمن الرحيم))، ولم يعدَّ ((عليهم))(٤). والرواية الأولى والثانية يمكن أن يقال: عَنَتْ بهما بيان كيفية قراءة رسول الله وَله لسائر القرآن، وذكرت بعضاً منه على سبيل التمثيل ولم تستوعب، وليس فيهما سوى إثبات أنها آية، وهو مسلّم، لكن من القرآن، وأما أنها من الفاتحة فلا . (١) في هامش الأصل و(م): اعتراض على البيضاوي. اهـ منه. وينظر تفسير البيضاوي ٨/١. (٢) فضائل القرآن لأبي عبيد ص٧٤، ومسند أحمد (٢٦٥٨٣)، وسنن أبي داود (٤٠٠١). (٣) صحيح ابن خزيمة (٤٩٣)، والمستدرك ٢٣٢/١. (٤) سنن الدارقطني (١١٧٥). الآية : ١ ١٩١ سُورَةُ الْفَاتِيةِ وكذا في الرواية الثالثة إثبات أنه سي﴿ كان يقرؤها في الصلاة ويعدُّها آيةً لوقوفه(١) عليها وهو مسلَّمنا أيضاً، وهي الآية الأولى من القرآن، والآية الثانية منه: ﴾﴾ وهكذا إلى الخامسة، وجمعت الأصابع ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ وانقطع الكلام. وأما الرواية الرابعة فليست نصًّا أيضاً في أن البسملة آية من الفاتحة؛ إذ يحتمل أن يكون المعنى: كان ◌َله يقرأ في بعض الأوقات في الصلاة أو غيرها ولا دوام لا وضعاً ولا استعمالاً من كتاب الله تعالى: ﴿إِسْمِ أَقَّوَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴾ إلى آخرها، أي: الآيات قطّعها آيةً آيَةً، ولم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ يوصل بعضها ببعض، وعدَّها عدَّ الأعراب واحدة واحدة، وعدَّ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يسقطها؛ لوجوبها في الصلاة، وللاعتناء بها في غيرها؛ لما فيها من عظائم الأسرار ودقائق الأفكار. ومن هذا أوجب الكثير من علمائنا سجود السهو على من تركها، وقد أزال اله بذلك ظنَّ أنها ليست من القرآن؛ لاستعمالها في أوائل الرسائل ومبادي الشؤون، ولم يعدّ (صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقف عليها، بل وصل وَّي تلك المرة لبيان الجواز، وعدم تخيّل شيء ينافي كونها آية، بل هناك ما يشعر به؛ فإنَّ تقارب الآي في الطول والقصَر كتقارب الفقرات شيءٌ مرغوب فيه، وعدمُ التشابه في المقاطع لا يضرُّ، فأين أفواجاً من الفتح(٢)، فلزوم الرعاية غير لازم(٣). وكون الموصوف في آية، والصفة في آية أخرى، مسبوقٌ بالمثل وسابق على الأمثال، ومَن أنعم الله تعالى عليه وعرف ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وجده تامًّا، وعدَّ توقُّفه على الشرط المفهوم من ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ كلاماً ناقصاً، وعلى هذا لم يثبت في هذه الرواية سوى أن البسملة آية من القرآن، وهو مسلَّمٌ عند الطرفين، وأما أنها من الفاتحة فدونه خَرْط القَتاد(٤). (١) في الأصل: موقوفة. (٢) يعني في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ وَرَأَبْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَنْوَبَا جَاهـ (٣) في هامش الأصل و(م): ردّ على الرازي في ثلاثة مواضع. اهـ منه. (٤) القتاد: نبات صلبٌ له شوك كالإبر. وخرط القتاد: انتزاع الورق منه اجتذاباً. والمثل في ثمار القلوب ص٥٩٥، ولسان العرب (قتد). الآية : ١ ١٩٢ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وأما ما ذكره في الحجة الثانية من حديث أبي هريرة، فقد أخرجه الطبرانيُّ وابن مردويه والبيهقيُّ بلفظ: ((الحمد لله رب العالمين سبعُ آيات؛ بسم الله الرحمن الرحيم إحداهنَّ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أمُّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب))(١) . وأخرجه الدار قطني بلفظ: ((إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أُّ القرآن وأمُّ الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها))(٢). ومعنى الرواية الأولى: الحمد لله رب العالمين إلى آخر الآيات سبعُ آيات، وبه قال الحنفيُّون، ولما لاحظ ◌ِّهِ توهُّمَ السامعين من عدم التعرُّض للبسملة مع تلك الشبهة السالفة كونها ليست بآية من القرآن، أزال هذا التوقُّم بوجهٍ بليغ فقال: ((بسم الله الرحمن الرحيم إحداهنَّ)) أي: مثلُ إحداهنَّ في كونها آية من القرآن. ومعنى الثانية: إذا أردتم قراءة الحمد إلى آخر ما يليه، فاقرؤوا قبله: بسم الله الرحمن الرحيم، إنها - أي: الحمد - إلى الآخر أمُّ القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني. وهذا كالتعليل أو الترغيب بقراءة الحمد لله رب العالمين إلى آخرها، وقوله: ((وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها)) على حدٍّ ما ذكر في معنى الرواية الأولى، وهو كالتعليل أو الترغيب أيضاً في قراءة البسملة، وما ذكرناه وإن كان فيه ارتكابُ مجازٍ، لكن دعانا إليه إجراء صدر الكلام على حقيقته، وإن أجري هذا على ظاهره، فلا بدَّ من ارتكاب المجاز في الصدر كما لا يخفى، وهو ارتكابُ خلافِ الأصل قبل الحاجة إليه. وأما ما ذكره في الحجّة الثالثة فليس سوى إثبات أنَّ التسمية من القرآن، كما أقرَّ هو به، ولسنا ممن نخالفه فيه. وأما ما ذكره في الرابعة، فالحديث الأول والثاني والثالث والسادس - مع ضعفه ـ والثامن لا تدلُّ على المقصود، ونحن نقول بما تدل عليه. والرابع موقوفٌ على ابن عباس، ولا نسلِّم أنَّ حكمَه الرفعُ؛ لجواز الاجتهاد، وإن قلنا: إن (١) المعجم الأوسط (٥٠٩٨)، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٥. (٢) سنن الدارقطني (١١٩٠). الآية : ١ ١٩٣ سُورَةُ الْفَاتِية الصحيح أن الآية إنما تُعلَم بتوقيفٍ من الشارع؛ كمعرفة السورة مثلاً، ولذلك عدُّوا ﴿الّ﴾ آية حيث وقعت ولم يعدُّوا ﴿الْتَرْ﴾ [الرعد: ١]، لأنَّا لم نقل: إنها جزء آية، واجتهد فجعلها آية، بل قلنا: إنها آيةٌ مستقلّة من القرآن، واجتهد وجعلها آيةً من الفاتحة. أو نقول: إنه قال ذلك أيضاً عن توقيف، لكن على ظنه واجتهاده أنه توقيف. والخامس لي شكٌّ في صحته بهذا اللفظ، ولعله باللفظ الذي خرَّجه به الدار قطنيُّ (١)، وقد سلف بتقريره، وليس لي اعتمادٌ على الفخر في الأحاديث، وليس من حقَّاظها، وأراه إذا نقل بالمعنى غيَّر، وليس عندي تفسير الثعلبي لأراه، فإنَّ النقل منه(٢) . والسابع لا تلوح عليه طلاوة كلام رسول الله وَله ولا فصاحته، وهو أفصح من نطق بالضاد، بل من مارس الأحاديث جزمَ بوضع هذا، ولَعَمري لو كان صحيحاً لاكتفى به الشافعية ولقدَّموه على سائر أدَّتهم، ويا ليته ذُكر بإسناده لنراه(٣). وأما الحجة الخامسة ففيها أنَّا لا نسلِّم أنَّ وجوبها في أول الفاتحة مستلزمٌ لكونها آية منها، واستدلاله في هذا المقام بقوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسيِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] واهٍ جدًّا من وجوهٍ أظهر من الشمسِ، فلا نتعب البنان ببيانها . وأما الحجة السادسة، فهو أقوى ما يستدلُّ به على كون البسملة من القرآن، وأمَّا على أنها من الفاتحة فلا، وتعرَّض نفاةُ كونها قرآناً للتكلم في هذا الدليل مما لا يرضاه الطبع السليم، والذهن المستقيم، والإنصاف نصفُ الدين، والانقياد للحق من أخلاق المؤمنين. وأما الحجة السابعة، فلنا لا علينا كما لا يخفى. وأما الحجة الثامنة، فدون إثبات مدارها - وهو توهين كلام مولانا أبي حنيفة ﴾﴾(٤) - جبالٌ راسيات. (١) يعني الحديث (١١٩٠) من سنن الدار قطني، وقد سلف قريباً. (٢) بل ذكره الرازي بلفظه، وهو في تفسير الثعلبي ١٠٣/١-١٠٤، وقد سلف الكلام عليه ص١٨٦ من هذا الجزء. (٣) سلف الكلام عليه ص ١٨٦ من هذا الجزء، ووقع في (م): إسناده، بدل: بإسناده. (٤) في (م): رحمه الله تعالى. الآية : ١ ١٩٤ سُوَّةُ الفَاتِحَةِ وأما الحجة التاسعة، فهي كالحجة الخامسة حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّةِ(١)، واستدلاله بقوله : ((كل أمر ذي بال)) إلخ ليس بشيءٍ؛ لأن الفاتحة جزءٌ من الصلاة المفتتحة بالتكبير المقارن للنية الذي هو ركنٌ منها، فحيث لم تفتتح بالبسملة عُدَّت بتراء، فبطلت، وكذا الركوع والسجود الذي أقربُ ما يكون العبد فيه إلى ربه، كلٌّ منهما أمرٌ ذو بال، فإذا لم يفتتح بالبسملة كان أبترَ باطلاً، فحسن الظن بديانة العلامة وعلمه أنه كان يبسمل أول صلاته وعند ركوعه وسجوده وسائر انتقالاته رحمة الله تعالى عليه. وأما الحجة العاشرة، فلا تقوم علينا؛ لأنَّا أعلمناك بمذهبنا. وأما الحجة الحادية عشرة، فقصارى ما تدلُّ عليه ظاهراً بعد تسليمها، أنَّ معاوية لمَّا لم يقرأ البسملة وترك الواجب ولم يسجد للسهو، أعاد الصلاة لتقع سليمةً من الخلل، ولهذا أمهلوه إلى أن فرغ ليروا أيجبر الخللَ بسجود السهو أم لا ، واعتراضهم عليه بترك واجبٍ يُجبر بالسجود ليس أغربَ من اعتراضهم عليه في تلك الصلاة أيضاً بترك هيئة، حيث روى الشافعيُّ نفسُهُ كما نقله الفخر نفسُهُ أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلَّم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاويةُ، سرقتَ من الصلاة، أين بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير عند الركوع والسجود؟ ثم إنه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير(٢). وهذا لا يضرُّنا، نعم يبقى الجهر والبحث عنه مخفيٍّ الآن. وأما الحجة الثانية عشرة، ففيها كما تقدَّم أن الوجوب لا يستلزم الجزئية، على أنَّ قوله: إنَّ سائر الأنبياء يبتدؤون عند الشروع بأعمال الخير بذكر الله، فوجب أن (١) القذة: ريشة السهم. أي: كما تقدَّر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع، يضرب مثلاً للشيئين يستويان ولا يتفاوتان. النهاية (قذذ). والحذو: التقدير والقطع. والمثل في جمهرة الأمثال ٣٨١/١، والمستقصى ٦١/٢، ومجمع الأمثال للميداني ١٩٥/١. (٢) تفسير الرازي ١/ ٢٠٤، والحديث بنحوه في الأم ٩٤/١، وينظر ما سلف ص١٨٨ من هذا الجزء. الآية : ١ ١٩٥ سُوَّةُ الفَاتِحَةِ يجب على رسولنا ذلك إلخ، واستدل على الوجوب عليه إذ وجب عليهم - عليهم السلام - بقوله تعالى: ﴿أُوْلَّيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠] لا أدري ما أقول فيه سوى أنه جهل بالتفسير، وعدمُ اطلاع على أخبار البشير النذير. وأما الحجة الثالثة عشرة، فلا تجديه نفعاً في مقابلتنا أيضاً، وفيها ما في أخواتها . وأما الحجج الباقية: فككثيرٍ من الماضية لا تنفع في البحث معنا إلا بتسويد القرطاس وتضييع نفائس الأنفاس، على أنَّ بعض ما ذكره معارَضٌ بما أخرج مسلمٌ وغيرُه من حديث أبي هريرة عنه قال: سمعت رسول اللهمَ له يقول: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله تعالى: مَجَّدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))(١). وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة ليست من الفاتحة، وأنها سبعٌ بدونها، حيث جعل الوُسطى إياك نعبد وإياك نستعين، والثلاثُ قبلها لله تعالى، والثلاثُ بعدها للعبد، وليس فيه نفيُّ أنها من القرآن، ولا شك أن هذه الرواية أصحُ من رواية الثعلبي، ولا أُقدِّم ثعلبيًّا على مسلم، وكذا من رواية السجستاني(٢)، ومتى خالف الراوي الثقةُ من هو أوثق منه بزيادة أو نقص، فحديثه شاذّ، وليس هذا من باب النفي والإثبات كما ظنه(٣) من ليس له في هذا الفنِّ رسوخٌ ولا ثبات. وحملُ(٤) النصف (١) صحيح مسلم (٣٩٥)، وهو عند أحمد (٧٢٩١). (٢) يشير إلى رواية ذكرها الرازي ٢٠١/١ وعزاها لأبي داود بلفظ: ((وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، يقول الله تعالى: مجدني عبدي، وهو بيني وبين عبدي)) قال الرازي: يعني في القسمة، وإنما يكون كذلك إذا حصلت ثلاثة قبلها وثلاثة بعدها. اهـ. ولم نقف على هذه الرواية بهذا اللفظ في سنن أبي داود. (٣) في هامش الأصل و(م): اعتراض على الرازي. اهـ منه. (٤) في هامش الأصل و(م): اعتراض على الرازي. اهـ مه. سُورَةُ الفَاتِحَةِ ١٩٦ الآية : ١ فيه على النصف في المعنى أو الصِّنف من عدم الإنصاف؛ إذ ذاك مجاز ولا حاجة إليه ولا قرينة عليه، وجَعْلُه حقيقةً لكنْ باعتبار الدعاء والثناء يكذبه العدُّ. والقول بأنَّ مدار الرواية العلاء، وقد ضعَّفه ابن معين، فهو على جلالة الرجل(١) لا يسمن ولا يغني من جوع؛ لأنَّ الموثِّق كثير وتقديم الجرح على التعديل ليس بالمطلق، بل إن لم يكثر المعدِّلون(٢) جداً، وقد كثروا هنا. وكون (٣) التقسيم لما يخصُّ الفاتحة - والبسملةُ مشتركةٌ - مع كونه خلاف الظاهر لا تقتضيه الحكمة، إذ هي عند الخصم أشرف الأجزاء. وكون(٤) المراد بعض قراءة الصلاة - إذ الظاهر لا يمكن أن يراد؛ لوجود الأعمال وضم السورة، ويتحقق البعض بهذا البعض - ليس بشيءٍ؛ إذ اللائق أن يكون البعضُ مستقلاً بمبدأ ومقطع، والثاني موجودٌ والأول على قولنا. وأيضاً الفاتحة سورة كالكوثر والملك، وقد نصَّ وَّ فيما رواه أبو هريرة عنه بأن الأولى ثلاث آيات والثانية ثلاثون(٥)، ووَقَفَهم عليها ولم يعد البسملة، ولو عدَّها مستقلة لزاد العدد، أو جزءًا لورد، وعلى المثبت البيان وأنى هو، على أنه يَرِدُ على الثاني استلزامُه للتحكم بدعوى الاستقلال في الفاتحة، والبعضيةِ في غيرها، وقول(٦) الرازي: هذا غيرُ بعيد، فـ ((الحمد لله رب العالمين)) آيةٌ تارة وجزءُ آيةٍ أخرى، كما في ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ﴾ الآية [يونس: ١٠]، بعيدٌ بل قياسٌ باطل؛ لوجود المقتضي للجزئية هناك وانتفائه هنا. وأيضاً نزول الكثير من السور بلا بسملة ثم ضُمَّت بعد، وحديث الصحيح(٧) (١) في هامش الأصل و(م): ردٌّ على ما في الشهاب. اهـ منه. والعلاء هو ابن عبد الرحمن، وهو راوي الحديث عند مسلم وغيره، وينظر حاشية الشهاب ١/ ٣٠. (٢) في هامش الأصل و(م): قاله السبكي وغيره. اهـ منه. (٣) في هامش الأصل و(م): ردٌّ على ما في الشهاب أيضاً. اهـ منه. (٤) في هامش الأصل و(م): ردٌّ على العزّ بن عبد السلام. اهـ منه. (٥) ذكره بهذا اللفظ الرازي ٢٠٣/١، وأخرجه دون ذكر سورة الكوثر الترمذي (٢٨٩١)، وقال: هذا حديث حسن. (٦) في هامش الأصل و(م): ردٌّ على الرازي. اهـ منه. (٧) أخرجه البخاري (٣) ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة له الآية : ١ ١٩٧ سُورَةُ الفَاتِحَةِ في بدء الوحي يبدي صحَّةً ما قلنا، وهذا يبعد كونها آية من السورة أو جزء آية، و کونُھا لم تنزل بعد یُبْعِدُ الثاني إن لم يُبعد الأول، وحديث أنها أول ما نزلت لیس بالقوي، بل الثابت، ويشكل عليه ما روي أنه م # كان يكتب: باسمك اللهم إلخ(١)، على أن الأولية إن سُلِّمتْ وسَلِمَتْ لا تضرُّنا. وبالجملة يكادُ أن يكون اعتقادُ عدم كون البسملة جزءاً من سورة من الفطريات، كما لا يخفى على من سلم له وجدانه، فهي آيةٌ من القرآن مستقلة(٢). ولا ينبغي لمن وقف على الأحاديث أن يتوقف في قرآنيتها، أو ينكرَ وجوبَ قراءتها ويقول بسنِّيتها، فوالله لو ملئت لي الأرض ذهباً لا أذهب إلى هذا القول، وإن أمكنني - والفضل الله تعالى - توجيهه، كيف وكتب الأحاديث ملأى بما يدلُّ على خلافه، وهو الذي صحَّ عندي عن الإمام، والقول(٣) بأنه لم ينصَّ بشيءٍ ليس بشيء، وكيف لا ينصُّ إلى آخر عمره في مثل هذا الأمر الخطير الدائر عليه أمرُ الصلاة من صحتها أو استكمالها، ويمكن أن يُناط به بعضُ الأحكام الشرعية وأمور الديانات؛ كالطلاق والحلف والتعليق، وهو الإمام الأعظم والمجتهد الأقدم نظر اته. والإخفاء بها في الجهرية لا يدلُّ على السنية، فإنَّ القول بوجوبها لا ينافي إخفاءها اتِّباعاً لرسول الله وَّةٍ؛ فعن ابن عباس: لم يجهر النبيُّ وَّ بالبسملة حتى مات(٤). (١) سلف تخريجه ص ١٨٢ من هذا الجزء. (٢) في هامش الأصل و(م): استشكل بعضهم الإثبات والنفي، فإن القرآن لا يثبت بالظن، ولا ينفى به، وهو إشكال كالجبل العظيم، وأجيب عنه أن حكم البسملة في ذلك حكم الحروف المختلف فيها بين القراء السبعة، فتكون قطعية الإثبات والنفي معاً، ولهذا قرأ بعض السبعة بإثباتها، وبعضهم بإسقاطها، وإن اجتمعت المصاحف على الإثبات فإن من القراءات ما جاء على خلاف خطها، كالصراط ومصيطر، فإنهما قرئا بالسين، ولم يكتبا إلا بالصاد، وما هو على الغيب بضنين، تقرأ بالظاء، ولم تكتب إلا بالضاد، ففي البسملة التخيير، وتتحتم قراءتها في الفاتحة عند الشافعي احتياطاً، وخروجاً عن عهدة الصلاة الواجبة بيقين، لتوقّف صحتها على ما سمّاه الشرع فاتحة الكتاب، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب. اهـ منه. (٣) في هامش الأصل و(م): ردٌّ على البيضاوي. اهـ منه. (٤) لم نقف عليه، وأخرج عبد الرزاق (٢٦٠٥) عن ابن عباس ما يعارضه، وهو قوله: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قراءة الأعراب. سُورَةُ الْفَائِحَةِ ١٩٨ الآية : ١ وروى مسلم عن أنس: صلَّيت خلف النبيِّ وََّ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فلم أسمع منهم أحداً يقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم(١). ولم يُرِدْ نفيَ القراءة بل سماعَها للإخفاء، بدليل ما صرّح به عنه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. رواه أحمد والنسائيُّ بإسنادٍ على شرط الشيخين(٢). وروى الطبرانيُّ بإسنادٍ عنه: أن رسول اللهِوَ﴿ كان يُسرُّ ببسم الله الرحمن (٣) الرحیم، وأبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وروي عن [ابن] عبد الله بن المغفَّل - ولا نسلُم ضعفه - أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: أي بنيَّ، إياك والحدثَ في الإسلام، فقد صليتُ خلف رسول الله مَلته، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فابتدؤوا القراءة بالحمد لله رب العالمين، فإذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين(٤). أي: اجهر بها وأخف البسملة، وهو مذهبُ الثوريِّ وابن المبارك وابن مسعود وابن الزبير وعمار بن ياسر والحسن بن أبي الحسن والشعبي والنخعي وقتادة وعمر بن عبد العزيز والأعمش والزهري ومجاهد وأحمد وغيرهم خلق كثير. وأحاديثُ الجهر لم يصحَّ منها سوى حديث ابن عباس الذي أخرجه الشافعيُّ عنه: كان رسول الله وَ﴿ يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم(٥) وهو معارَضٌ بما تقدَّم عنه، أو محمولٌ على أنه كان يجهر بها أحياناً لبيان أنه تقرأ فيها، كما جهر عمر رظه بالثناء للتعليم، وكما شرع الجهر بالتكبير للإعلام، و((حتى مات)) هناك (١) صحيح مسلم (٣٩٩) وهو عند أحمد (١٢٨١٠) والبخاري (١٢١٤). (٢) مسند أحمد (١٢٨٤٥)، وسنن النسائي ١٣٥/٢. (٣) المعجم الكبير (٧٣٩). (٤) أخرجه أحمد (١٦٧٨٧) و (٢٠٥٥٩)، والترمذي (٢٤٤)، والنسائي ١٣٥/٢، وابن ماجه (٨١٥)، وما سلف بين حاصرتين من هذه المصادر. وقال الترمذي: حديث حسن. اهـ. وابن عبد الله بن مغفل اسمه یزید. (٥) الحديث في كتاب الأم ٩٣/١ دون إسناد، وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة ذكرها الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٤٥-٣٤٨ وأعلها جميعاً، ثم نقل عن ابن عبد الهادي قوله: مثل هذه الأسانيد لا تقوم بها حجة لو سلمت من المعارض، فكيف وقد عارضها الأحاديث الصحيحة؟.