النص المفهرس

صفحات 161-180

١٥٩
مقدمة المصنف
بعجز أولئك، ثم قياس أقصر سورة على ما ذكروه، عدولٌ عن سواء السبيل(١).
وأما الثاني: فلأنَّ القدرة على البعض لا تستلزم القدرة على الكل، ولهذا نجد
الكثير قادراً على بليغ فقرةٍ أو فقرتين، أو بيت أو بيتين، ولا يقدر على وضع خطبة
ولا نظم قصيدة.
وأما الثالث: فلأنَّ الصحابة لم يختلفوا فيما اختلفوا فيه أنه نازلٌ على النبي ◌ِّه
من ربه، أو أنَّ بلاغته غيرُ معجزة، ولكنهم اختلفوا في أنه قرآن، وذلك لا يضرُّ
فيما نحن بصدده.
وأما الرابع: فلأنَّ طلب البيِّنة لِما قدمناه في الفائدة السادسة، أو للوضع
والترتيب كما قيل، أو لمزيد الاحتياط في هذا الأمر الخطير.
وأما الخامس: فلأنَّ المعجِز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب، ويبلغ فيه
الغاية القصوى، ويوقَفُ فيه على الحدِّ المعتاد، حتى إذا شوهد ما هو خارج عن
الحدِّ عُلم أنه من عند الله، وإلا لم يتحقق عند القوم معجزة النبيِّ، ولَظُّوا أنَّهم لو
كانوا من أهل تلك الصنعة أو متناهين فيها لأمكنهم أن يأتوا بِمثلها، والبلاغةُ قد
بلغت في ذلك العهد حدَّها وكان فيها فَخارهم، حتى عُلِّقت السبع بباب الكعبة
تحدِّياً بِمعارضتها، فلما أتى الرسول وَلاي بما عجزوا عن مثله - مع كثرة المنازعة
والتشاجر والافتراق - علم أنَّ ذلك من عند الله تعالى بلا ريب.
واعتراضهم على كون الإخبار بالغيب معجزاً مكابرةٌ، فإنَّ الإخبار عن الغائبات
مع التكرر والإصابة غيرُ معتادٍ، ولا معنى لكونه معجزاً غير هذا، وما ذكروه من
الوجوه باطل :
أما الأول: فلأنه لا يلزم من عدم كون الإصابة في المرة والمرتين من الخوارق
أن لا تكون الإصابة في الكرَّات الكثيرة منها، والضابط العرف، ولا يخفى أنَّ
ما ورد من أخبار الغيب في القرآن مما يُعدُّ في نظر أهل العرف كثيراً لا يعتاد
الإصابة فيه بجملته.
(١) في هامش الأصل و(م): على أنه يكفينا في الغرض كون القرآن بجملته أو بسوره الطوال
معجزٌ. فافهم. اهـ منه.

١٦٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وأما الثاني: فلأنَّ أخبار المنجِّمين ما كان كاذباً منها لا احتجاج به، وما كان
صادقاً وتكرَّرت الإصابة فيه؛ كالكسوف والخسوف غيرُ واردٍ؛ لأنه من الحساب
المعتاد لمن يتعاطى صناعة التنجيم، وأخبار القرآن بالغيوب ليست كذلك،
وأما أخبار الكهنة فالقول فيها كما في السحر.
وأما الثالث: فلأنَّ ما في التوراة من الإخبار بالغيب إن كان كثيراً خارقاً للعادة
ووقع التحدِّي به، فهو أيضاً معجز وآيةُ صدقٍ لمن أتى به، ولا يضرُّنا التزام ذلك.
وأما الرابع: فلأنَّه لا يَرِدُ على من يقول: وجه الإعجاز مجموعُ ما تقدَّم أصلاً.
ومن يقول: وجهه مجرَّدُ الإخبار بالغيب، يقول بأنَّ الخالي من ذلك غيرُ معجزٍ،
وإنَّما الإعجاز في القرآن بجملته، ويكفي ذلك في غرضه.
والاعتراض على كون وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول
والامتداد بوجهيه مدفوع:
أما الأول: فلأنَّ اشتمال القرآن على الشعر قد سبق جوابه فلا يناقض ﴿وَمَا
عَلَّمْتَهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]. وأما الآيتان الأوليتان فقد أجاب عنهما ابن عباس حين
سأله رجل عن آياتٍ من هذا القبيل: بأنَّ نفيَ المسألة قبل النفخة الثانية، وإثباتها
فيما بعد (١).
والسُّدِّي: بأنَّ نفي المسألة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على
الصراط، وإثباتها فيما عداها .
وابن مسعود: بأن المسألة المنفيَّة طلب بعضهم العفوَ من بعض، والمثبتة على
ظاهر معناها، فلا منافاة.
وأما الآيتان الأخريتان: فمعنى الأولى منهما: وما منع الناس أن يؤمنوا
إلا إرادة الله أن تأتيهم سنةُ الأولين من نحو الخسف، أو يأتيهم العذاب قُبلاً في
الآخرة، ولا شك أنَّ إرادة الله تعالى مانعةٌ من وقوع ما ينافي المراد، فهذا حَصرٌ
في السبب الحقيقي.
(١) أخرجه البخاري قبل الحديث (٤٨١٦).

١٦١
مقدمة المصنف
ومعنى الثانية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثة البشر رسولاً، وهو
مدلول القول التزاماً، والدال لا يناسب المانعية، والمدلول ليس مانعاً حقيقيًّا بل
عاديّ؛ لجواز وجود الإيمان معه، فهو حصرٌ في المانع العاديِّ، فلا تناقض.
وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق، وكذا لأمثاله مِما يضيق عنه هذا
المبحث.
وأما الاختلاف المذكور فليس هو المنفيُّ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ
اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] لأنَّ المراد به أحدُ أمرين؛ الأول:
الاختلاف المناقض للبلاغة، والثاني: الاختلاف فيما أخبر عنه من قصص
الماضين وسير الأولين مع أمِّيَّة من جاء به، وعدم دراسته للعلوم ومطالعته للكتب،
ولا شك أنه لم يوجد في القرآن شيء من هذه الاختلافات. على أنَّ أمثالَ بعض
ما ذُكر من الاختلاف ليس بقرآن؛ لأنه لم يتواتر، وأمثال البعض الآخر اختلاف
مقالٍ لا اختلاف أحوال. والمرجع إلى جوهرٍ واحد، وهو التراب في خلق آدم
مثلاً، ومنه تدرَّجت تلك الأحوال، وأيُّ ضرر في ذلك؟
وأما التكرار اللفظي والمعنوي فلا يخلو عن فائدة لا تحصل من غير تكرار؛
كبيان اتساع العبارة، وإظهار البلاغة، وزيادة التأكيد والمبالغة، إلى غير ذلك مما قد
أمعن المفسرون في تحقيقه وبيانه، وستراه بحوله تعالى.
وأما ما يتوهّم فيه أنه من قبيل إيضاح الواضحات، فليس يخلو عن درء
احتمال، ودفع خيال، فإنه لو لم يقل فيما ذكر من الآية ﴿يَلْكَ عَشَرَةً كَامِلَّةٌ﴾
[البقرة: ١٩٦] لتُوهُّم ولو على بُعْدٍ أن المراد: وتمامُ سبعةٍ إذا رجعتم. بل في ذلك
غير هذا أسرار ستأتيك بعون باريك.
وأما قول عثمان: إنَّ في القرآن لحناً إلخ، فهو مشكلٌ جدًّا، إذ كيف يُظَنُّ
بالصحابة أولاً اللحن في الكلام، فضلاً عن القرآن، وهم هم؟! ثم كيف يُظَنُّ بهم
ثانياً اجتماعهم على الخطأ وكتابته، ثم كيف يُظَنُّ بهم ثالثاً عدم التنُّه والرجوع، ثم
كيف يُظَنُّ بعثمان عدم تغييره، وكيف يتركه لِتُقيمه العرب، وإذا كان الذين تولّوا
جمعه لم يُقيموه، وهم الخيار، فكيف يقيمه غيرهم؟! فلعمري إنَّ هذا مما يستحيل
عقلاً وشرعاً وعادة.

١٦٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
فالحقُّ أنَّ ذلك لا يصحُّ عن عثمان، والخبر ضعيفٌ مضطرب منقطع، وقد
أجابوا عنه بأجوبة لا أراها تقابل مؤنةَ نقلها، والذي أراه أنَّ رواة هذا الخبر سمعوا
شيئاً ولم يتقنوه فحرَّفوه، فلزم الإشكال وحلَّ الداء العضال، وهو ما روي بالسند
عن عبد الله بن عبد الأعلى قال: لما فُرغ من المصحف أُتي به عثمان فنظر فيه،
فقال: أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً سنقيمه بألسنتنا.
وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه معُرض عليه عقيب الفراغ من كتابته، فرأى فيه ما كتب
على غير لسان قريش، ثم وفَى بذلك عند العرض والتقويم ولم يترك فيه شيئاً،
ولا أحسبك في مرية من ذلك.
نعم يبقى ما روي بسند صحيح على شرط الشيخين عن هشام بن عروة عن أبيه
قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ﴿إِنّ هَذَانٍ
لَسَحِزَنِ﴾ [طه: ٦٣] وعن قوله: ﴿وَأْمُقِيمِينَ الضَّلَوَةُ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]
وعن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَاُلْعَّذِفُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] فقالت:
يا ابن أخي هذا عمل الكُتَّاب أخطؤوا في الكتاب.
وكذا ما روي عن سعيد بن جبير كان يقرأ: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَلَوَةَ﴾ [النساء: ١٦٢]
٤
ويقول: هو لحنٌّ من الكاتب.
ويجاب عن الأول بأنَّ معنى قولها: أخطؤوا، أي: في اختيار الأَوْلَى من الأحرف
السبعة لجمع الناس عليه، لا أنَّ الذي كتبوه من ذلك خطأ لا يجوز، فإنَّ ما لا يجوز
مردود وإن طالت مدة وقوعه، وهذا الذي رأته عائشة، وکم لها من رأي چچا.
وعن الثاني: بأنَّ معنى قوله: لَحْنٌ من الكاتب، لغةٌ وقراءة له، وفي الآية
قراءة أخرى، وللنحويين في توجيه هذه القراءات كلام طويل ستسمعه فيما بعد إن
شاء الله تعالى.
وأما الوجه الثاني: فلأنَّ من ذهب إلى أنَّ وجه الإعجاز عدم التناقض
والاختلاف مع الطول والامتداد، يقول: القرآن بجملته معجزٌ لذلك، فسلامةٌ كثيرٍ
من الخُطَب والشعر من ذلك، وظهورُ ذلك كلًِّّا فيما يكون على مقدار بعض السور
القصار، لا يضرُّه شيئاً كما لا يخفى، فتدبر.

١٦٣
مقدمة المصنف
وقد أطال العلماء الكلامَ على وجه إعجاز القرآن، وأَتوا بوجوه شتَّى الكثيرُ
منها خواصُه وفضائله، مثل الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، وأنه لا يَمُّه تاليه بل
يزداد حبًّا له بالترديد، مع أنَّ الكلام يُعادَى إذا أعيد، وكونه آية باقية لا تعدم
ما بقيت الدنيا مع تكفَّل الله تعالى بحفظه.
والذي يخطر بقلب هذا الفقير أنَّ القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه
معجزٌ بالنظر إلى نظمه وبلاغته، وإخباره عن الغيب، وموافقته لقضية العقل ودقيق
المعنى، وقد يظهر كلَّها في آية، وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب، ولا ضيرَ
ولا عيب، فما يبقى كافٍ وفي الغرض واف.
نُجُومُ سَماءِ كُلّما انقضَّ کوکَبٌ بَدًا کوکبٌ تَأْوِي إلیه کَوَاكِبُهُ (١)
أما بيان كون النظم معجزاً فلأنَّ مراتب تأليف الكلام على ما قيل خمس:
الأولى: ضمُّ الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض، فتحصل الكلمات الثلاث:
الاسم والفعل والحرف.
والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض، فتحصل الجمل المفيدة، وهو
النوع الذي يتداوله الناس جميعاً في مخاطباتهم وقضاء حوائجهم، ويقال له:
المنثور.
والثالثة: ضُّ ذلك إلى بعضٍ ضمًّا له مَبادٍ ومقاطعُ ومداخلُ ومخارج، ويقال
له: المنظوم.
والرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له: المُسجَع.
والخامسة: أن يحصل له مع ذلك وزنٌ، ويقال له إن قُصِد: الشعر والمنظوم؛
إما محاورةً و يقال له: الخطابة، وإما مكاتبة، ويقال له: المراسلة(٢).
فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكلٍّ من ذلك نظمٌ مخصوص،
والقرآن جامعٌ لمحاسن الجميع بنظم مكتسٍ أبهى حُلّل، ومُتعرِّ عن كلِّ خلل،
(١) البيت لأبي الطمحان القيني، وهو في الكامل للمبرد ٦٨/١، وأمالي المرتضى ٢٥٧/١،
وديوان المعاني ٢٢/١، والحماسة البصرية ١/ ١٦١.
(٢) في (م): الرسالة.

١٦٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
ومشتمل على خواصَّ ما شامَها سواه، ومزايا ما سامها عند أهل النقد نظمٌ إلا إياه.
ربَّا ويَعْبُدُه القِرطاسُ والقَلَمُ
مِنْ كُلِّ لَفْظِ تكادُ الأُذْنُ تَجْعَلُه
ويؤيِّد ذلك أنه لا يصح أن يقال له رسالة أو خطابة أو سجع، كما يصحُّ أن
يقال هو كلام، والبليغ إذا قرع سمعه، فصل بينه وبين ما عداه من النظم بلا ترديد،
وهذا مما لا خفاء فيه على الرجال حتى على الوليد.
وأما بيان ذلك في البلاغة فهو أنَّ أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في البيان
متفاوتة؛ فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجاري
الطلق المرسل، وهذه أقسام الكلام الفاضل المحمود؛ فالأول أعلاها، والثاني
أوسطها، والثالث أدناها وأقربها، وقد حازت بلاغة القرآن من كلِّ قسم من هذه
الأقسام أوفَر حصَّةٍ، وأخذت من كلِّ نوعٍ أعظمَ شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه
الأوصاف نمطً من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما كالمتضادّين،
فكان اجتماع الأمرين فيه مع نبوّ كلٌّ منهما عن الآخر فضيلةً ومنزلةً جليلةً، وقد
خُصَّ بذلك القرآن، كما لا يخفى على ذوي الفطر السليمة (١) ومن كان له في علم
البلاغة إتقان .
وأما بيان إعجاز اشتماله على الإخبار بالغيب فلأنه تضمَّن ما يحكم العرف
بكثرته، من أخبار القرون الماضية، والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مِما كان
لا يَعلم منه القصة الواحدة إلا الفذُّ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في
تعلُّم ذلك وتتبُّعه، فيورده القرآن على وجهه ويأتي به على نصِّه. ومن المعلوم أنَّ
من أتى به أُمِّيَّ لا يقرأ ولا يكتب وَّه.
مع الإعلام بما في ضمائر كثيرين من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل؛
كقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َآَيِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] وقوله تعالى:
﴿وَيَقُولُونَ فِّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَاَ اَللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨].
(١) في هامش الأصل و(م): قال السكاكي: اعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه،
كاستقامة الوزن والملاحةِ وطيبٍ النغم، ولا يدرك تفصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا
بإتقانِ عِلْمَي المعاني والبيان، والتمرن فيهما، فليفهم. اهـ منه.

١٦٥
مقدمة المصنف
والإعلانِ بالحوادث المستقبلة في الأعصار الآتية؛ كقوله تعالى: ﴿الَّّ
غُلِبَتِ الزُّوُ جَ فِّ أَذْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴾ فيِ بِضْعِ سِنِينٌَ﴾
[الروم: ١-٤]، وإخبار أقوام في قضايا أنَّهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا؛
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا﴾
كقوله تعالى خطاباً لليهود: ﴿فَتَمَنَّوْاْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ
[البقرة: ٩٤-٩٥] فما تمنَّاه أحدٌ منهم.
إلى أضعافٍ مضاعفة من مثل ذلك قد اشتمل القرآن عليها، واختصَّ من بين
الكتب بها، حتى إنَّ أقصرَ سورةٍ فيه وهي الكوثر تشير إلى أربعة أخبار عن الغيب
مع أنها ثَلاث آيات:
الأول: في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَتْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] إذا أريد به كما في
بعض الروايات كثرةُ الأتباع.
والثاني: في قوله: ﴿وَأَنْحَرْ﴾ حيث أريد به كما هو الظاهر الأمر بالنحر، فهو
إشارة إلى اليسار حتى يمكنه الإقدام عليه.
والثالث والرابع: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] حيث
صرَّح ورمز بأنَّ شانئك لا أنت، أبتر لا عَقِب له، فكان كما أخبر. ولا شكَّ عند
كلِّ عاقلٍ أنَّ مجموع ما ذكرنا يعجز عنه البشر.
وأما إعجاز موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى؛ فلأنه اشتمل على توحيد الله
تعالى وتنزيهه والدعاء إلى طاعته وبيان طريق عبادته، من تحليلٍ وتحريم، ووعظ
وتعليم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإشارةٍ إلى محاسن الأخلاق وزجر عن
مساويها، واضعاً كلَّ شيءٍ منها موضعه الذي لا يُرى أولى منه ولا أليق، ولا يُتُصوَّر
أحرى من ذلك ولا أخلق، جامعاً بين الحَُجَّة والمحتجِّ له، والدليل والمدلول
عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى
عنه، مع إشارةٍ أنيقة ورموزٍ دقيقة وأسرار جزيلة وحِكُمٍ جليلة، ستقف إن شاء الله
تعالى على الكثير منها بِحيث لا تبقى في شكٍّ من ردٍّ من يقول بأنَّ ذلك معتادٌ في
أكثر كلام البلغاء، وأنه ينتقض بالتوراة والإنجيل، وبكلام الرسول الغير المعجز،
فأين الثريا من يد المتناول:

١٦٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وَ لا كُلُّ مَضْقُولِ الحَدِيْدِ يَماني(١)
وَمَا كُلُّ مَخْضُوبِ البَنانِ بُغَيْنٌَ
فهذه الأوجه الأربعة هي الظاهرة في وجه إعجاز القرآن، والمشهور عند
الجمهور الاقتصارُ على بلاغته وفصاحته، حيث بلغت الرتبةَ العليا والغايةَ
القصوى، التي لم تكذْ تخفى على أهل هذا الشأن حتى النساء، كما يحكى أنَّ
الأصمعيَّ وقف متعجّباً من امرأةٍ تنشد شعراً، فقالت: أتعجبُ من هذا؟ أين أنت
من قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِىِ الْيَدِّ
وَلاَ تَخَافِى وَلَا تَحْزَّبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فقد جمع
أمرين ونهيين ويشارتين، أي: مع ما فيه مما يدرك بالذوق.
وبعضهم جعل المدارَ النظمَ المخصوصَ والباقي تابعٌ له، قائلاً: إنَّ الإعجاز
المتعلّق بالفصاحة والبلاغة لا يتعلَّق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى، فإنَّ الألفاظ
ألفاظهم كما قال تعالى: ﴿قَُّانًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] ﴿يَلِسَانٍ عَبٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]
ولا بمعانيه فإنَّ كثيراً منها موجودٌ في الكتب المتقدِّمة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ، لَفِی نُرِ
اْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وما فيه من المعارف الإلهية وبيان المبدأ والمعاد والإخبار
بالغيب، فإعجازه ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونه حاصلاً من غير
سبق تعليم وتعلُّم، ولكونّ الإخبار بالغيب إخباراً بما لا يعتاد، سواء كان بهذا
النظم أو بغيره، مُوَرَداً بالعربية أو بلغة أخرى، بعبارة أَو إشارة، فإذاً هو متعلّقٌ بالنظم
المخصوص الذي هو صورة القرآن، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه
لا بعنصره؛ كالخاتم والقُرْط والسوار إذا كان الكلُّ من ذهب مثلاً، فإنَّ الاسم
مختلفٌ والعنصرَ واحدٌ، وكالخاتم المثَّخذ من ذهب وفضة وحديد يسمَّى خاتماً،
والعنصر مختلف، فظهر أنَّ الإعجاز المختصَّ بالقرآن متعلِّقٌ بنظمه المخصوص،
وإعجاز نظمه قد سلف بيانه، وأنت تعلم ما فيه وإن كان قريباً إلى الحق.
وأبعدُ الأقوال عندي كونه بالصّرفة المحضة، حتى إنَّ قولَ المرتضى فيها غيرُ
مرتضّى، كما لا يخفى على من أنصفه ذهنُهُ واتَّسع عَطَنه، وأبعد من ذلك كونه
بالقِدم كما هو قريب مِمن هو حديث عهدٍ بما تقدم.
(١) البيت لبهاء الدين زهير، وهو في ديوانه ص ٢٦٤، وعجزه فيه:
ولا كلُّ مسلوب الفؤاد جميل

١٦٧
مقدمة المصنف
وسيأتي إن شاء الله تعالى تتمَّةٌ لِهذا الكلام من بيان اختلاف الناس أيضاً في
تفاوت مراتب الفصاحة والبلاغة في آياته، وينَّضح لك ما هو الحقُّ الحقيق
بالقبول، والله تعالى المبتغى والمسؤول، ولنقتصر من الفوائد على هذا المقدار،
وفي السبعة ما لا يحصى من الأسرار، وهذا أوانُ تقبيلِ شفاه الأقلام حروفَ
سبحان كلام الله تعالى العلَّام.

سورة فاتحة الكتاب
اختلف فيها، فالأكثرون على أنها مكية، بل من أوائل ما نزل من القرآن على
قول(١)، وهو المرويُّ عن عليٍّ وابن عباسٍ وقتادة وأكثر الصحابة. وعن مجاهدٍ
أنها مدنية(٢)، وقد تفرَّد بذلك حتى عُدَّ هفوةً منه.
وقيل: نزلت بمكة حين فُرضت الصّلاة، وبالمدينة لما حُوِّلت القبلة؛ ليعلم أنها
في الصلاة كما كانت.
وقيل: بعضها مكِّيٌّ وبعضها مدني، ولا يخفى ضعفه.
وقد لَهِج الناس بالاستدلال على مكِيَّتها بآية الحجر: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ
وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] وهي مكيَّة؛ لنصِّ العلماء، والروايةِ عن ابن عباس
ولها حكم المرفوع، لا لأنَّ ما قبلها وما بعدها في حقِّ أهل مكة كما قيل؛ لأنه مبنيٌّ
على أنَّ المكيَّ ما كان في حقِّ أهل مكة، والمشهورُ خلافه، والأقوى الاستدلال
بالنقل عن الصحابة الذين شاهدوا الوحي والتنزيل؛ لأنَّ ذلك موقوفٌ أولاً على
تفسير السبع المثاني بالفاتحة، وهو وإن كان صحيحاً ثابتاً في الأحاديث(٣)، إلا أنه
(١) في هامش الأصل و(م): فقد روينا عن أبي ميسرة أن رسول الله وَل﴿ كان إذا برز سمع منادياً
يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء
فاثبت حتى تسمع ما يقول لك. قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، قال: لبيك، قال:
قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: الحمد لله رب العالمين
الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، حتى فرغ من فاتحة القرآن. ولولا صحة الأخبار على غير
هذا النحو كان هذا الخبر أقوى دليل على مكيتها. فافهم. اهـ منه.
(٢) في هامش الأصل و(م): ويلزم منه أنه وله صلَّى بضع عشرة سنة بلا فاتحة، وهي خاتمة في
البعد. اهـ منه.
(٣) في هامش الأصل و(م): فقد روينا عن أبي هريرة قال: إن رسول الله وَ﴿ قرأ عليه أبيّ بن =

الآية : ١
١٧٠
سُوَرَّةُ الْفَاتِحَةِ
قد صحَّ أيضاً عن ابن عباس وغيره تفسيرُها بالسبع الطوال. وثانياً: على امتناع
الامتنان بالشيء قبل إيتائه. مع أنَّ الله تعالى قد امتنَّ عليه ◌َ﴿ بأمورٍ قبل إيتائه
إياها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْمًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: ١] فهو قبل الفتح بسنين،
والتعبير بالماضي تحقيقٌ للوقوع، وهذا وإن كان خلاف الظاهر، لا سيَّما مع
إيراد اللام وكلمة «قد»، ووروده في معرض المنَّة والغالبُ فيها سبقُ الوقوع،
وعطف ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَعْنَا بِهِ﴾ الآية [الحجر: ٨٨]، إلا أنه قد خدش
الدلیل.
لا يقال: إنَّ هذا وذلك لا يدلَّان إلا على أنها نزلت بمكة، وأما على نفي
نزولها بالمدينة أيضاً فلا؛ لأنَّا نقول: النفيُ هو الأصل وعلى مدَّعي الإثباتِ
الإثباتُ، وأنَّى به؟
وما قالوا في الجواب عن الاعتراض بأنَّ النزول ظهورٌ من عالم الغيب إلى
الشهادة، والظهور بها لا يقبل التكرر، فإنَّ ظهورَ الظاهر ظاهرُ البطلان، كتحصيل
الحاصل من دعوى أنه كان في كلِّ لفائدة، أو أنه على حرفٍ مرةً وآخرَ أخرى؛
لورود ((مالك)) و(ملك))، أو ببسملةٍ تارةً وتارةً بدونها، وبه تُجمع المذاهب
والروايات = مصحِّحٌ للوقوع لا موجب له كما لا يخفى.
والسورة مهموزةٌ، وغير مهموزة: بإبدالٍ إن كانت من السؤر وهو البقية؛ لأنَّ
بقية كلِّ شيءٍ بعضُه، وبدونه إن كانت من سور البناء، وهي المنزلة، أو سور
المدينة لإحاطتها(١) بآياتها، أو من التسوُّر: وهو العلوُّ والارتفاع؛ لارتفاعها بكونها
كلام الله تعالى، وتطلق على المنزلة الرفيعة كما في قول النابغة (٢):
أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أَغطاكَ سُورةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ حَوْلَهَا يَتَذَبْذَبُ
= كعب أم القرآن، فقال: والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في
الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها لهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته. اهـ منه.
قلنا: ومن ذلك ما أخرجه البخاري (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المعلى ﴿ه، وسيأتي
عند تفسير الآية (٨٧) من سورة الحجر.
(١) في هامش الأصل و(م): ومنه السوار لإحاطته بالساعد. اهـ منه.
(٢) هو الذبياني، والبيت في ديوانه ص١٨ برواية: دونها، بدل: حولها.

الآية : ١
١٧١
سُورَةُ الْفَاتِةِ
وحدُّها: قرآنٌ يشتمل على ذي فاتحة وخاتمة. وقيل: طائفة، أي: قطعةٌ
مستقلة - لتخرج آية الكرسيِّ - مترجمٌ توقيفاً.
وقد ثبتت أسماء الجميع بالأحاديث والآثار، فمن قال بكراهة أن يقال: سورة
كذا، بل: سورة يذكر فيها كذا، بناءً على ما روي عن أنسٍ وابن عمر من النهي عن
ذلك(١)، لا يُعتدُّ به؛ إذ حديثُ أنس ضعيفٌ أو موضوعٌ، وحديث ابن عمر موقوفٌ
عليه، وإن روي عنه بسندٍ صحيح.
والفاتحة في الأصل صفةٌ جعلت اسماً لأول الشيء؛ لكونه واسطة في فتح
الكلِّ، والتاء للنقل(٢) أو المبالغة، ولا اختصاص لها بزنة علَّامة. أو مصدرٌ أطلقت
على الأول(٣)، تسميةً للمفعول بالمصدر إشعاراً بأصالته، كأنه نفسُ الفتح؛ إذ تعلُّقه
به أوَّلاً، ثم بواسطته يتعلق بالمجموع لكونه جزءاً منه، وكذا يقال في الخاتمة؛ فإن
بلوغ الآخِر يعرض الآخر أولاً، والكلّ بواسطته(٤). وليس هذا كالأول؛ لقلَّة فاعلة
في المصادر، إلا أنه أولى من كونه للآلة أو باعثاً؛ لأن هذه ملتبسةٌ بالفعل ومقارِنٌ
له، والغالب(٥) أن لا تتَّصفَ الآلةُ ولا يقارن الباعث، على أنَّ الآلةَ هنا غيرُ
مناسبة؛ لإيهام أن يكون البعض غير مقصود. وجوَّزوا أن يكون للنسبة، أي: ذات
فتح، مع وجوهٍ أُخرَ مرجوحة.
والكتاب: هو المجموع الشخصيُّ، وفتح الفاتحة بالقياس إليه، لا إلى القدر
المشترك بينه وبين أجزائه، وهو متحقِّقٌ في العلم أو اللوح أو بيت العزَّة، فلا ضير
في اشتهار السورة بهذا الاسم في الأوائل.
والإضافة الأولى من إضافة الاسم إلى المسمَّى وهي مشهورة، والثانية بمعنى
(١) أخرج خبريهما البيهقي في شعب الإيمان (٢٥٨٢)، (٢٥٨٣).
(٢) أي: علامة للنقل من الوصفية إلى الاسمية. حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ١/ ١٨.
(٣) في هامش الأصل و(م): المراد بالأول: ما عمّ الإضافي فلا حاجة إلى الاعتذار بأن إطلاق
الفاتحة على السورة باعتبار جزئها الأول. اهـ منه.
(٤) كذا في الأصل و (م)، ووقعت العبارة في تفسير أبي السعود ١/ ٧ (والكلام منه): يعرض
للآخر أولاً وبالذات وللكل بواسطته.
(٥) في هامش الأصل و(م): ومن غير الغالب الصبغ آلة، ويصبغ، والجبن في: قعدت عن
الحرب جبناً، باعث ومقارن. اهـ منه. وينظر حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ١٨/١.

سُوَرَّةُ الفَاتِحَةِ
١٧٢
الآية : ١
اللام كما في جزء الشيء، لا بمعنى من، كما في خاتم فضة؛ لأنَّ المضاف جزءٌ
لا جزئي، قاله شيخ الإسلام(١)، وهو مذهب بعضٍ في كلِّ(٢).
وقال ابن كيسان(٣) والسيرافيُّ(٤) وجمعٌ: إضافة الجزء على معنى ((من))
التبعيضية، بل في ((اللَّمع)) وشرحه(٥): إنَّ ((من)) المقدَّرة في الإضافة مطلقاً كذلك
من غير فرق بين الجزء والجزئي، وبعضهم جعل الإضافة في الجزئي بيانية مطلقاً،
وبعضهم خصَّها بالعموم والخصوص الوجهي، كما في المثال، وجعَلها في المطلق
- كمدينة بغداد - لاميةً، والشهرة لا تساعده.
ولهذه السورة الكريمة أسماءٌ أوصلها البعض إلى نيّفٍ وعشرين:
أحدها: فاتحة الكتاب؛ لأنها مبدؤه على الترتيب المعهود، لا لأنها يُفتتح بها
في التعليم، وفي القراءة في الصلاة، كما زعمه الإمام السيوطي(٦)، ولا لأنها أول
سورة نزلت كما قيل.
أما الأول والثالث فلأن المبدئية من حيث التعليم أو النزول تستدعي مراعاة
الترتيب في بقية أجزاء الكتاب من تينك الحيثيَّتين، ولا ريب في أنَّ الترتيب
التعليميَّ والنزوليَّ ليسا كالترتيب المعهود.
وأما الثاني فلمَا عرفتَ أن ليس المراد بالكتاب القدر المشترك الصادق على
ما يقرأ في الصلاة، حتى يعتبر في التسمية مبدئيّتها له.
(١) في هامش الأصل و(م): هو أبو السعود. اهـ منه. وينظر تفسير أبي السعود ٧/١، والكلام
فيه بتفصيل.
(٢) في هامش الأصل: قدماء النحاة، كشراح الكتاب.
(٣) محمد بن أحمد بن كيسان، أبو الحسن النحوي، كان يحفظ مذهب الكوفيين والبصريين؛
لأنه أخذ عن المبرد وثعلب، له: المهذب في النحو، والمذكر والمؤنث، ومعاني القرآن،
وغيرها. إنباه الرواة ٥٧/٣، وبغية الوعاة ١٨/١.
(٤) الحسن بن عبد الله بن المرزبان، أبو سعيد، صاحب التصانيف ونحويُّ بغداد، كان من
أعيان الحنفية، ورأساً في نحو البصريين، وقرأ القرآن على ابن مجاهد، وأخذ اللغة عن ابن
دريد، والنحو عن أبي بكر بن السراج، توفي سنة (٣٦٨هـ). السير ٢٤٨/١٦.
(٥) اللمع لابن جني، وشرحه للثمانيني. ينظر حاشية الشهاب ١٨/١ .
(٦) في الإتقان ١/ ١٦٧.

الآية : ١
١٧٣
سُورَةُالْفَاتِيَةِ
وحكى المرسيُّ(١) أنها سمِّيت بذلك؛ لأنها أولُ سورة كتبت في اللوح (٢).
ويحتاج إلى نقل، وإن صحَّحنا أنَّ ترتيب القرآن الذي في مصاحفنا كما في اللوح،
فلربَّما كتب التالي ثم كتب المتلو، وغلبة الظن أمرٌ آخر.
وثانيها: فاتحة القرآن؛ لما قدمنا حذو القُذة بالقُذة.
وثالثها ورابعها: أمُّ الكتاب وأُّ القرآن(٣)، وحديث: ((لا يقولنَّ أحدكم:
أَّ الكتاب، وليقل: فاتحة الكتاب))(٤) لا أصل له(٥)، بل قد ثبت في الصحاح(٦)
تسميتها به كما لا يخفى على المتبِّع.
وسميت بذلك لأنَّ الابتداء كتابة أو تلاوة - أو نزولاً على قول - أو صلاةً بها،
وما بعدها تالٍ لها، فهي كالأمُّ التي يتكوَّن الولد بعدها، ويقال أيضاً للراية: أمّ؛
لتقدُّمها واتّباع الجيش لها، ومنه: أم القرى.
أو لاشتمالها - كما قال العلامة - على مقاصد المعاني التي في القرآن؛ من
الثناء على الله تعالى بما هو أهله، ومن التعبُّد بالأمر والنهي، ومن الوعد
والوعيد(٧). أما الثناء فظاهر، وأما التعبُّد فإما من ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأنه للتعليم
(١) أبو العباس، أحمد بن عمر بن محمد الزاهد، وارث شيخه الشاذلي تصوفاً، الأشعري
معتقَداً، توفي سنة (٦٨٦هـ). الوافي بالوفيات ١٠/٢ و٢٦٤/٧ .
(٢) في هامش الأصل و(م): وقيل في التعليل: لأنها فاتحة كل كتاب، وردًّ بأن ذلك الحمد
لا الكل، وبأن الظاهر أن المراد بالكتاب القرآن، لا جنسه. اهـ منه. وقوله: وردًّ بأن ذلك
الحمد لا الكل، يعني أن الذي افتتح به كل كتاب هو الحمد فقط لا جميع السورة. الإتقان
١٦٧/١.
(٣) في هامش الأصل و(م): أخرج الدارقطني وصححه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا
قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع
المثاني، اهـ منه.
(٤) أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن ص ٨٠ من كلام محمد بن سيرين.
(٥) في هامش الأصل و(م): وبه أخذ الحسن البصري. اهـ منه.
(٦) في هامش الأصل و(م): ففي الصحيحين: (الحمد لله أم القرآن، وأم الكتاب)) اهـ منه. وقد
أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٩٧٨٧)، وبنحوه البخاري (٤٧٠٤).
(٧) ذكر هذا الكلام الزمخشري في الكشاف ٢٣/١ .

الآية : ١
١٧٤
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
فيُقدَّر أمرٌ يفيده، والأمر الإيجابي يلزمه النهي عن الضدِّ في الجملة، ولا نرى فيه
بأساً (١)، أو من ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ اَلْمُسْتَقِيمَ ﴾﴾ إن أُريد به ملَّة الإسلام، أو من
تقدير: قولوا بسم الله ومن تأخير مُتعلِّقهٍ، وإما من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنه إخبارٌ عن
تخصيصه بالعبادة، وهي التحقّق بالعبودية بارتسام ما أمر السيد أو نهى، فيدلُّ في
الجملة على أنهم متعبّدون، ولا يَرِدُ على المعتزلة عدمُ سَبْقِ أمرٍ ونھي أصلاً، ويجاب
عندنا بعد تسليم العدم للأولية، بأنَّ رأس العبادة التوحيدُ، وفي الصدر ما يرشد
إليه(٢)، لا سيَّما وقد سبق تكليفه و لي بالتوحيد وتبليغ السورة، وذلك يكفي.
وأما الوعد والوعيد فمن قوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَيْهِمْ﴾
أو من ﴿يَوْمِ الدّينِ﴾ أي: الجزاء، والمُجزى إما ما يسرُّ، أو ما يضر،
وهما الثواب والعقاب.
وإنما كانت المقاصد هذه؛ لأن [في](٣) بعثة الرسل وإنزال الكتب رحمةً للعباد
وإرشاداً إلى ما يصلحهم معاشاً ومعاداً، وذلك بمعرفة من يقدر على إيصال النعم
إيجاداً وإمداداً، ثم التوصُّلِ إليه بما يربط العتيد ويجلب المزيد عملاً واعتقاداً،
والتنصُّل عما يفضي به إلى رجع المحصل ومنع المستحصل قلوباً وأجساداً. والثناءُ
فرع المُثْنى(٤) عليه مع الاستحقاق، وتدخل المعرفة بصفات الجلال والجمال،
ومنها ما منه(٥) الإرسال والإنزال والتفاوت بين المطيع والمذنب، فدَخَل الإيمان
بالله تعالی وصفاته والنبوات والمعاد على الإجمال. والتعبد یتمگَّن به من التوصُّل
والتنصُّل، ويدخل فيه من وجهٍ الإيمان بالنبؤَّات وما يتعلق بها من الكتاب
والملائكة؛ إذ الأمر والنهي فرعُ ثبوت ذلك في الجملة. والوعد والوعيد يتضمَّنان
الإيمان بالمعاد، ويبعثان على التعبُّد، والناس كإبلٍ مئةٍ لا تجد فيها راحلة (٦)،
(١) في الأصل بين الأسطر: أي: معاشر أهل السنة. وفي هامش الأصل: أما المعتزلة فليس
الأمر بالشيء نهياً عن ضده عندهم، فحينئذ لا يتأتى ذلك.
(٢) في هامش الأصل و(م): وهو إجراء الأوصاف، وقد يوجد منه التعبد ابتداءً. اهـ منه.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق.
(٤) في (م): فرع معرفة المثنى.
(٥) في هامش الأصل و(م): كالقدرة والرحمة والحكمة. أهـ منه.
(٦) هذا لفظ حديث أخرجه البخاري (٦٤٩٨)، ومسلم (٢٥٤٧) عن ابن عمر قريبًا، ومعناه أن المَرْضيَّ
الأحوال من الناس الكاملَ الأوصاف قليل، وقيل في معناه غير ذلك. ينظر الفتح ٣٣٥/١١.

الآية : ١
١٧٥
سُوَّةُ الْفَاتِحَة
فالأكثرون بعثتهم الرغبة والرهبة، وأوسطهم الرجاء والخوف، والخواص - وقليل
ما هم - الأنس والهيبة.
فبالثلاثة تم الإرشاد إلى مصالح المعاش والمعاد، ولا أحصر لك وجه الحصر
بهذا فلمسلك الذهن اتساع، ولك أن تردَّ الثلاثة إلى اثنين، فتدرجَ الثناءَ في التعبد؛ إذ
لا حكم للعقل، ولعلَّه إنما جعله قسيماً له تلميحاً إلى أنَّ شكر المنعم واجبٌ عقلاً
مراعاةً لمذهب الاعتزال، ولم يبال البيضاويُّ بذلك فعبَّر بما عبَّر به من المقال(١).
أو لاشتمالها على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية، التي هي
سلوك الصراط المستقيم، والاطلاعُ على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء. والأول
مستفادٌ من أول السورة إلى قوله: ﴿يَوْمِ الذِينِ﴾، والثاني من قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾
وما بعده، وسلوكُ الصراط المستقيم من قوله: ﴿أَهْدِنَا﴾ الآية، والاطلاعُ من قوله:
﴿أَنْعَمْتَ عَلَّهِمْ﴾ إلخ وفيه وعدٌ ووعيدٌ، فدخلا فيه، والأمثال والقصص المقصود
بها الاتِّعاظ، وكذا الدعاء والثناء، وهذه جملة المعاني القرآنية إجمالاً مطابقةً
والتزاماً .
وأبسط من هذا أن يقال: إنها مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي
مناط الدين :
الأول: علم الأصول، ومعاقدُه معرفةُ الله تعالى وصفاته، وإليها الإشارة بقوله:
﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ جَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾﴾ ومعرفةُ النبوات وهي المرادة بقوله
تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والمعادِ المُؤْمَى إليه بقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ
٤
الثاني: علم الفروع وأُسُّه العبادات، وهو المراد بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهي
بدنية ومالية، وهما مفتقران إلى أمور المعاش من المعاملات والمناكحات، ولا بدَّ
لها من الحكومات، فتمهَّدت الفروع على الأصول.
الثالث: علم ما يحصل به الكمال وهو علم الأخلاق، وأجلُّه الوصول إلى
الحضرة الصمدانية، والسلوك لطريقة الاستقامة في منازل هاتيك الرتب العليَّة، وإليه
الإشارة بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ آهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
(١) تفسير البيضاوي ٧/١-٨.

الآية : ١
١٧٦
سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ
الرابع: علم القَصَص والإخبار عن الأمم السالفة السعداء والأشقياء، وما يَتَّصل
بها من الوعد والوعيد، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَ اْضَّآلِينَ﴾.
وإذا انبسط ذهنك أتيت بأبسط من ذلك، وهذان الوجهان يستدعيان حمل
الكتاب على المعاني أو تقديرها في التركيب الإضافي، والوجه الأول لا يقتضيه،
ومن هذا رجَّحه البعض وإن كان أدقّ وأحلى، لا لأنه يشكل عليهما ما ورد من أن
الفاتحة تعدل ثلثي القرآن (١)، إذ يزيله - إذا ثبت - أنَّ الإجمال لا يساوي التفصيل،
فزيادة مبانيه منزَّلةٌ منزلةً ثلثٍ آخر من الثواب، قاله الشهاب، ثم قال: ومن العجب
ما قيل هنا من أنَّ ذلك لاشتمالها على دلالة التضمن والالتزام، وهما ثلثا
الدلالات. انتهى(٢).
وأنا أقول: الأعجب من هذا توجيهُه رحمه الله، مع ما رواه الديلمي في
((الفردوس)»(٣) عن أبي الدرداء: «فاتحةُ الكتاب تَجْزي ما لا يَجْزي شيءٌ من
القرآن، ولو أنَّ فاتحة الكتاب جُعلت في كفَّة الميزان، وجُعل القرآن في الكفَّة
الأخرى، لفضلت فاتحةُ الكتاب على القرآن سبعَ مرات)). فإنه لا يتبادر منه
إلا الفضل في الثواب، فيعارض ظاهرُه ذلك الخبر على توجيهه، وعلى توجيه
صاحب القيل لا تعارض.
نعم إنه بعيد، ويمكن التوفيق بين الخبرين - ويزول الإشكال - بأنَّ الأول كان
أولاً وتضاعُفُ الثواب ثانياً، ولا حجر على الرحمة الواسعة، أو بأنَّ القرآن في أحد
الخبرين أو فيهما بمعنى الصلاة، مَثَلُه في قوله تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] وذلك يختلف باختلاف مراتب الناس في قراءتهم
وصلواتهم، فليتدبَّر.
وعلى العلَّات لا يقاسان بما قيل في وجه التسمية بذلك: لأنها أفضل
(١) أخرجه عبد بن حميد (٦٧٨) من حديث ابن عباس ◌ًا. وذكره السيوطي في الجامع الصغير
كما في فيض القدير ٤١٩/٤، ورمز لضعفه.
(٢) حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي ١/ ٢٢.
(٣) ٣/ ١٤٤، وفي إسناده يوسف بن عطية، وهو متروك كما ذكر الحافظ في التقريب.

الآية : ١
١٧٧
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ
السور، أو لأنَّ حرمتها كحرمة القرآن كلِّه، أو لأنَّ مفزع أهل الإيمان إليها، أو
لأنها مُحكمة، والمحكمات أم الكتاب، ولا أعترض على البعض بعدم الاطراد؛
لأنَّ وجه التسمية لا يجب اطّراده، ولكني أفوّض الأمر إليك وسلام الله تعالى
عليك.
لا يقال: إذا كانت الفاتحة جامعةً لمعاني الكتاب فَلَمَ سقط منها سبعةُ أحرف؛
الثاء والجيم والخاء والزاي والشين والظاء والفاء؟ لأنَّا نقول: لعلَّ ذلك للإشارة
إلى أنَّ الكمالَ المعنويَّ لا يلزمه الكمال الصوريُّ، ولا ينقصه نقصانُه، إنَّ الله
تعالى لا ينظر إلى صوركم، وكانت سبعة موافقةً لعدد الآي المشتمل على الكثير من
الأسرار، وكانت من الحروف الظلمانية التي لم توجد في المتشابه من أوائل
السور، ويجمعها بعد إسقاط المكرر: صراط على حق نمسكه. وهي النورانية
المشتملة عليها بأسرها الفاتحة، للإشارة إلى غلبة الجمال على الجلال المشعرِ بها
تكرُّرُ ما يدلُّ على الرحمة في الفاتحة، وإنما لم يسقط السبعة الباقية من هذا النوع
فتخلص النورانية، ليعلم أنَّ الأمر مشوبٌ ﴿فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾
[الأعراف: ٩٩]، وفي قوله تعالى: ﴿فَّ عِبَادِىّ أَنْ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِى
هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِمُ﴾ [الحجر: ٤٩-٥٠] إشارةٌ وأيُّ إشارةٍ إلى ذلك لمن تأمل حالَ
الجملتين.
على أنَّ في كون النورانية وهي أربعةَ عشر حرفاً مذكورة بتمامها، والُّلمانية
مذكورة منها سبعة، وإذا طوبقت الآحاد بالآحاد يحصل نورانيٌّ معه ظلماني،
ونورانيٌّ خالصٌ = إشارةً إلى قسمي المؤمنين؛ فمؤمنٌ لم تَشُبْ نورَ إيمانه ظلمةٌ
معاصيه، ومؤمنٌ قد شابه ذلك، وفيه رمزٌ إلى أنه لا منافاة بين الإيمان والمعصية،
فلا تُطفئ ظلمتُها نورَه، و ((لا يزني الزاني وهو مؤمن))(١) محمولٌ على الكمال،
ولیس البحث لهذا .
وإذا لوحظ الساقط وهو الظّلمانيُّ المحض المشير إلى الظالم المحض الساقطِ
عن درجة الاعتبار، والمذكورُ وهو النورانيُّ المحض المشير إلى المؤمن
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة

سُوَّةُ الْفَاتِحَةِ
١٧٨
الآية : ١
المحض، والنورانيُّ المشوب المشير إلى المؤمن المشوب، يظهر سرُّ التثليث:
﴿فَمِنْهُمِ ظَالٌِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ
اٌلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
وإنما كان الساقط هذه السبعةً بخصوصها من تلك الأربعة عشر، ولم يعكس
فيسقط المثبت ويثبت الساقط، أو يسقط سبعة تؤخذ من هذا وهذا؛ لسرِّ عَلِمَه مَن
عَلِمَه، وجَهِلَه مَن جَهِلَه، نعم في كون الساقط مُعجَماً فقط إشارةٌ إلى أنَّ الغين في
العين، والرين(١) في البين، فلهذا وقع الحجاب، وحصل الارتياب، وهذا ما يلوح
لأمثالنا من أسرار كتاب الله تعالى، وأين هو مما يظهر للعارفين الغارفين من
بحاره، المتضلِّعين من ماءِ زمزمٍ أسرارهِ.
ولمولانا العلامة فخر الدين الرازي في هذا المقام كلامٌ ليس له في التحقيق
أدنى إلمام، حيث جعل سبب إسقاط هذه الحروف أنها مشعرةٌ بالعذاب؛ فالثاء تدلُّ
على الثُّبور، والجيم أول حرف من جهنم، والخاء يشعر بالخزي، والزاي والشين
من الزفير والشهيق، وأيضاً الزاي تدلُّ على الزَّقوم، والشين تدلُّ على الشقاء،
والظاء أولُ الظّل في قوله تعالى: ﴿أَنْطَلِقُواْ إِلَ ظِلّ ذِى ثَثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]
وأيضاً تدلُّ على لظى، والفاء على الفراقئ.
ثم قال: فإن قالوا: لا حرف من الحروف إلا وهو مذكورٌ في اسم شيء يوجب
نوعاً من العذاب، فلا يبقى لما ذكرتم فائدة.
فنقول: الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم: ﴿لَمَا سَبْعَةُ أَبْوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ
جُزْءٌ تَفْسُوءُ﴾ [الحجر: ٤٤] ثم إنه تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة،
وهي أوائل ألفاظٍ دالةٍ على العذاب، تنبيهاً على أنَّ من قرأ هذه السورة وآمن بها
وعرف حقائقها، صار آمناً من الدركات السبع في جهنم. انتهى (٢).
ولا يخفى ما فيه، وجوابه لا ينفعه ولا يغنيه؛ إذ لقائل أن يقول: فلتسقط الذال
(١) الرين: الصدأ يغشى القلب، وفي التنزيل: ﴿كَّ بَلِّ رَأَنَ عَلَ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: غَلَبَ
وطَبَع وخَتَمَ. اللسان (رين).
(٢) التفسير الكبير ١٧٨/١ .