النص المفهرس

صفحات 141-160

١٣٩
مقدمة المصنف
رابعها: أنَّ المراد بها سبعةُ أوجه من المعاني المثَّفقة على ألفاظ مختلفة،
نحو: أقبل، وتعال، وهلمَّ، وعجِّل، وأسرع. وإليه ذهب ابن عيينة وجمعٌ، وأُيِّد
برواية: ((حتى بلغ سبعة أحرف قال: كلُّها شافٍ كافٍ ما لم تختم آية عذاب
برحمة أو رحمة بعذاب))(١) وبما حكي أنَّ ابن مسعودٍ أقرأ رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ
الزَّقُّومِ ج ◌َعَامُ الْأَثِيِ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٤] فقال الرجل: طعام اليثيم. فردّها
عليه، فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: الفاجر؟ قال: نعم. قال:
فافعل(٢).
وفيه أنَّ ذلك كان رخصةً لعسر تلاوته بلفظ واحد على الأُميِّين ثم نسخ،
وإلا لجازت روايته بالمعنى، ولذهب التعبُّد بلفظه، ولاتَّسع الخرق، ولَفاتَ کثیرٌ
من الأسرار والأحكام، وهذا يستدعي نسخَ الحديث، وفيه بُعدٌ، بل لا قائل به.
خامسها: أنَّ المراد بها كيفيةُ النطق بالتلاوة من إدغامِ وإظهارٍ وتفخيمٍ وترقيقٍ
وإشباع ومدٍّ وقَضْرٍ وتشدید وتخفیف وتلیین وتحقیق. وفيه أنَّ ذلك ليس من
الاختلاف الذي يتنوَّع فيه اللفظ والمعنى، واللفظ الواحد بهذه الصفات باقٍ على
وحدته، فليس فيه حينئذٍ جلیل فائدة.
سادسها: أنَّ المراد سبعةُ أصنافٍ، وعليه كثيرون، ثم اختلفوا في تعيينها فقيل:
محگّم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص.
وقيل: إظهار الربوبية، وإثبات الوحدانية، وتعظيم الألوهية، والتعبُّد لله،
ومجانبة الإشراك، والترغيب في الثواب، والترهيب من العقاب.
وقيل: أمرٌ ونهيٌّ ووعد ووعيد وإباحة وإرشاد واعتبار. وقيل غيرُ ذلك، والكلُّ
محتملٌ بل وأضعاف أمثاله، إلا أنه لا مستنَد له ولا وجه للتخصيص.
سابعها: أنَّ المراد سبعُ لغاتٍ، وإليه ذهب ثعلب وأبو عبيد والأزهريُّ
(١) أخرجه أحمد (٢٠٤٢٥) و (٢٠٥١٤) من حديث أبي بكر ﴿ه.
(٢) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٨٣، وينظر ما سيأتي عند تفسير الآية (٤٤) من سورة
الدخان.

١٤٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وآخرون، واختاره ابن عطية(١) وصححه البيهقي(٢). واعتُرض بأنَّ لغات العرب
أكثر. وأجيب: بأنَّ المراد أفصحُها وهي لغة قريش وهذيل وتميم والأزد وربيعة
وهوازن وسعد بن بكر.
واستنكره ابن قتيبة قائلاً: لم ينزل القرآن إلا بلغة قريش بدليل: ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن
زَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]. وعليه يلتزم كون السبع في بطون قريش، وبه
جزم أبو علي الأهوازيُّ(٣). وليس المراد أنَّ كلَّ كلمةٍ تُقْرأ على سبع لغات، بل
إنها مفرقةٌ فيه، ولعلَّ بعضها أسعدُ من بعض وأكثرُ نصيباً .
وقيل: السبع في مُضَرَ خاصة؛ لقول عمر عظ: نزل القرآن بلغة مضر. وقال
بعضهم: إنهم هذيل وكنانة وقيس وضَبَّة وتيم الرَّباب وأُسد بن خزيمة وقريش.
وقيل: أُنزل أولاً بلسان قريش ومن جاورهم من الفصحاء، ثم أُبيح للعرب أن
تقرأه بلغاتها؛ دفعاً للمشقة، ولما كان فيهم من الحميّة، ولم يقع ذلك بالتشھِّي، بل
المرعيُّ فيه السماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وكيفية نزول القرآن على هذه السبع
أن جبريل عليه السلام كان يأتي رسول الله وَ له في كلّ عَرْضةٍ بحرف، إلى أن تَمَّت.
قال السيوطيُّ بعد نقل هذا القول وذكر ماله وما عليه: وبعد هذا كلِّه هو مردود
بأنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهشام بن حكيم كلاهما قرشيٍّ من لغة واحدة
وقبيلة واحدة وقد اختلفت قراءتهما، ومحالٌ أن ينكر عليه عمر لغته، فدلَّ على أنَّ
المراد بالأحرف السبعة غير اللغات. انتهى(٤).
ويا ليت شعري أدَّعى أحد من المسلمين أنَّ معنى إنزال القرآن على هذه السبع
من لغات هؤلاء العرب، أنه أنزل كيفما كان، وأنهم هم الذين هذَّبوه بلغاتهم
ورشَّحوه بكلماتهم بعد الإذن لهم بذلك، فإذاً لا تختلف أهل قبيلة واحدة في كلمة،
(١) عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي الغرناطي، كان إماماً في الفقه والتفسير والعربية،
توفي سنة (٥٤١هـ). السير ٥٨٨/١٩. وكلامه في تفسيره المسمَّى المحرر الوجيز ٤٤/١.
(٢) في شعب الإيمان ٢/ ٤٢١.
(٣) الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد بن هرمز، مقرئ الشام، من كتبه: الاتضاح، والوجيز،
والموجز، توفي سنة (٤٤٦هـ). معرفة القراء الكبار ٧٦٦/٢.
(٤) الإتقان ١٥١/١، وحديث عمر مع هشام بن حكيم أخرجه البخاري (٤٩٩٢)، ومسلم (٨١٨).

١٤١
مقدمة المصنف
ولا يتنازع اثنان منهم فيها أبداً، أم أنَّ الله تعالى شأنه ظهر كلامه في مرايا هذه
اللغات على حسب ما فيها من المزايا والنكات، فَنَزل بها وحيه، وأَدَّاها نبيُّهِ وَتِ،
ووعاها أصحابه؟ فكم صحابيٍّ هو من قبيلة وعى كلمة نزلت بلغة قبيلة أخرى،
وكلاهما من السبع، وليس له أن يغيِّر ما وعى، بل كثيراً ما يختلف صحابيان من
قبيلة في الرواية عن رسول الله وَّه، وكلٌّ من روايتيهما على غير لغتهما، كلُّ ذلك
اتِباعاً لما أنزل الله تعالى وتسليماً لما جاء به رسول الله وَّيه، وقد ينفي صحابيٌّ غيرَ
روايته وينكر رواية غيره، وكلُّ ذلك يدلُّ على أنَّ مرجع السبع الرواية لا الدراية.
فردُّ الإمام السيوطي لا أدري ماذا أردُّ منه، وما الذي أسكت عنه؟ فها هو بين
يديك، فاعمل ما شئت فيه، وسلام الله تعالى عليك، ومما ذكرناه علمتَ أنَّ
القلب يميل إلى هذا السابع، فافهم، وقد حقَّقنا بعض الكلام في هذا المقام في
كتابنا: ((الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية))، فارجع إليه إن أردته، والله سبحانه
وتعالى أعلم.
الفائدة السادسة
في جمع القرآن وترتيبه:
اعلم أنَّ القرآن جمع أولاً بحضرة النبيِّ وَ﴿، فقد أخرج الحاكم(١) بسندٍ على
شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: كنا عند النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم
تؤلّف القرآن في الرقاع. وثانياً بحضرة أبي بكر ظُه، فقد أخرج البخاري في
صحيحه(٢) عن زيد بن ثابت أيضاً قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة، فإذا
عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ
بقرَّاء القرآن(٣) وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرَّاء في المواطن، فيذهبَ كثير من
القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئاً لم يفعله
(١) في المستدرك ٢٢٩/٢ و٦١١. وهو عند أحمد (٢١٦٠٧).
(٢) برقم (٤٦٧٩)، وهو عند أحمد (٧٦).
(٣) في هامش الأصل و(م): وقد روي أنه قتل يوم اليمامة سبعون من القراء، منهم سالم مولى
أبي حذيفة. اهـ منه.

١٤٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
رسول الله ◌َّل؟ قال عمر: هذا والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري
لذلك، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شابٌّ عاقل لا نتَّهمك،
وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله وسي*، فتبَّع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلَّفوني نقل
جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف
تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله وَلاير؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني
حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتبَّعت القرآن أجمعه من
العُسُب واللِّخاف(١) وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة
الأنصاري لم أجدها مع غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة
براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى، ثم عند عمر حياته، ثم
عند حفصة بنت عمر.
وأخرج ابن أبي داود(٢) بسندٍ رجاله ثقات مع انقطاع، أنَّ أبا بكر قال لعمر
وزيد - مع أنه كان حافظاً -: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على
شيءٍ من كتاب الله فاكتباه.
ولعلَّ الغرض من الشاهدين أن يشهدا على أنَّ ذلك كتب بين يدي الرسول (َهُقّت،
أو على أنه مما عُرض عليه وَّهِ عامَ وفاته، وإنما اكتفوا في آية التوبة بشهادة
خزيمة؛ لأنَّ رسول الله وَّه جعل شهادته بشهادة رجلين(٣). والقول(٤) بأن المراد
بالشاهدين الحفظ والكتابة مما لا حِجَارَ له(٥) .
(١) في هامش الأصل و(م): العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص
ويكتبون في الطرف العريض، واللخاف، بكسر اللام وبخاء معجمة خفيفة آخره فاء: جمع
لخفة، بفتح اللام ويسكون الخاء، هي الحجارة الرقاق، وقال الخطابي: صفائح الحجارة.
اهـ منه.
(٢) في كتاب المصاحف ١/ ١٥٧ .
(٣) أخرجه أحمد (٢١٦٤٠)، والبخاري (٢٨٠٧).
(٤) في هامش الأصل و(م): هذا القول لابن حجر، قاله على سبيل الظن، وهو من بعضه. اهـ
منه. وينظر فتح الباري ٩/ ١٤-١٥.
(٥) يعرّض المصنف رحمه الله بكلامه هذا بالقول المذكور، وهو لابن حجر كما ورد في التعليق
السابق، وهذا من أساليبه رحمه الله في رد الأقوال التي لا يرتضيها، كما أشرنا لذلك في
مقدمتنا لهذا الكتاب ص ١٨ - ١٩ .

١٤٣
مقدمة المصنف
وما شاع أنَّ عليًّا كرَّم الله وجهه لَما توفي رسول الله ◌ِ﴾﴿ تخلَّف لجمعه، فبعض
طرقه ضعيف(١)، وبعضها موضوع(٢)، وما صح(٣) فمحمول كما قيل على الجمع
في الصدر.
وقيل: كان جمعاً بصورةٍ أخرى لغرض آخر، ويؤيِّده أنه قد كتب فيه الناسخ
والمنسوخ فهو ككتابٍ عِلْمٍ.
وقد أخرج ابن أبي داود بسندٍ حسن عن عبد خير قال: سمعت عليًّا يقول:
أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر ظه، رحمةُ الله على أبي بكر، هو أول
من جمع كتاب الله (٤). أي: على الوجه الذي تقدَّم، فلا ينافي ما في مختصر
القرماني أنَّ أول من جمعه عمر ئه.
وما روي عن ابن بريدة أنه قال: أول من جمع القرآن في مصحفٍ سالم مولى
أبي حذيفة، أَقْسَمَ لا يرتدي برداء حتى يجمعه. فهو مع غرابته وانقطاعه محمول على
أنه أحد الجامعين بأمر أبي بكرٍ ◌ُه؛ قاله الإمام السيوطي(٥)، وهي عثرة منه لا يقال
لصاحبها لعاً(٦)؛ لأنَّ سالماً هذا قتل في وقعة اليمامة كما يدلُّ عليه كلام الحافظ ابن
حجر في إصابته (٧) ونصَّ عليه السيوطيُّ نفسه في إتقانه بعد هذا المبحث بأوراق(٨)،
ولا شك أنَّ الأمر بالجمع وقع من الصديق بعد تلك الوقعة، وهي التي كانت سبباً له
كما يدل عليه حديث البخاري الذي قدمناه، فسبحان من لا ينسى.
(١) في هامش الأصل و(م): وهو ما أخرجه أبو داود من طريق ابن سيرين. اهـ منه. كذا وقع:
أبو داود، والصواب: ابن أبي داود، والخبر في كتاب المصاحف له ١/ ١٦٩ .
(٢) في هامش الأصل و(م): وهو ما أخرجه غير واحد من رواية أبي حيان التوحيدي، أحد
زنادقة الدنیا . اهـ منه.
(٣) في هامش الأصل و(م): كرواية ابن الضريس في فضائل علي ظله. اهـ منه.
(٤) المصاحف ١/ ١٥٤.
(٥) في الإتقان ١/ ١٨٤ .
(٦) قولهم: لعاً له، نقيض قولهم: تعساً له، فلعاً دعاء له بالانتعاش، وتعساً دعاء عليه بالعثرة.
عمدة القاري ٤٥/٢٣.
(٧) ٤ /١٠٦.
(٨) الإتقان ١/ ٢٢٢.

١٤٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وما اشتهر أنَّ جامعه عثمان فهو على ظاهره باطل؛ لأنه ظُه إنما حمل الناس
في سنة خمس وعشرين(١) على القراءة بوجه واحد، باختيار وقع بينه وبين من شهده
من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة من اختلاف أهل العراق والشام في
حروف القراءات.
فقد روى البخاريُّ(٢) عن أنسٍ أن حذيفة بن اليمان قَدِمَ على عثمان، وكان
يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةً
اختلافُهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلافَ اليهود
والنصارى، فَأَرْسَلَ إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها ثم نردُّها إليك،
فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت(٣) وعبد الله بن الزبير وسعيد بن
العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان
للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه
بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في
المصاحف، ردَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ أفقٍ بمصحف(٤)
مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال زيد: ففقدت آيةً من الأحزاب حيث نسخنا المصحف قد كنت أسمع
رسول الله * يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِّنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ألحقناها في سورتها في
المصحف(٥)
وقد ارتضى ذلك أصحابُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى إنَّ
(١) في هامش الأصل و(م): وقيل: في حدود سنة ثلاثین، ولا مستند له. اهـ منه.
(٢) في صحيحه (٤٩٨٧).
(٣) في هامش الأصل و(م): أخرج ابن أبي داود أنه جمع اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار.
اهـ منه.
(٤) في هامش الأصل و(م): فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة
وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحداً، كما أخرج ذلك ابن أبي داود من طريق حمزة
الزيات. اهـ منه.
(٥) أخرجه البخاري (٤٩٨٨).

١٤٥
مقدمة المصنف
المرتضىَ كرَّم الله تعالى وجهه قال على ما أخرج ابن أبي داود (١) بسندٍ صحيح عن
سويد بن غَفَلة عنه: لا تقولوا في عثمان إلا خيراً، فوالله ما فعل الذي فعل في
المصاحف إلا عن ملأ منا. وفي رواية: لو وُلِّت لعملت بالمصاحف الذي عمله
عثمان.
وما نقل عن ابن مسعود أنه قال لما أحرق مصحفه: لو ملكت كما ملكوا
لصنعت بمصحفهم كما صنعوا بمصحفي. كذبٌ، كسوء معاملة عثمان معه التي
يزعمها الشيعة حين أخذ المصحف منه.
وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان هو ما ذكره غيرُ واحدٍ من المحققين، حتى
صرَّحوا بأنَّ عثمان لم يصنع شيئاً فيما جمعه أبو بكر من زيادة أو نقص أو تغييرٍ
ترتيب، سوى أنه جمع الناس على القراءة بلغة قريش محتجًا بأنَّ القرآن نزل بلغتهم.
ويُشْكِلُ عليه ما مرَّ آنفاً من قول زيد: ففقدت آية من الأحزاب .. إلخ، فإنه
بظاهره يستدعي أنَّ في المصاحف العثمانية زيادة لم تكن في هاتيك الصحف،
والأمر في ذلك هيِّنٌ إذ مثل هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرةً يُعبأ بها، ولعلها
تشبه مسألة التضاريس، ولو كان هناك غيرُها لذكر، وليس فليس، ولا تقدح أيضاً
في الجمع السابق؛ إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة، وكثيراً ما تعتري
السارحين في رياض حظائر قدس كلام رب العالمين، فيذكرهم سبحانه بما غفلوا
فيتداركون ما أغفلوا .
وزيدٌ هذا كان في الجمعين، ولعلَّه الفرد المعوَّل عليه في البين، لكن عراه في
أولهما ما عراه، وفي ثانيهما ذكّره مَنْ تكفَّل بحفظ الذكر، فتدارك ما نساه.
وبعد انتشار هذه المصاحف بين هذه الأمة المحفوظة، لا سيّما الصدر الأول
الذي حوى من الأكابر ما حوى، وتصدّر فيه للخلافة الراشدة عليَّ المرتضى، وهو
باب مدينة العلم لكلِّ عالم، والأسد الأشدُّ الذي لا تأخذه في الله لومة لائم،
لا يبقى في ذهن مؤمن احتمال سقوط شيءٍ بعدُ من القرآن، وإلا لوقع الشك في
كثير من ضروريات هذا الدين الواضح البرهان.
(١) في المصاحف ٢٠٥/١-٢٠٧.

١٤٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وزعمت الشيعة أنَّ عثمان، بل أبا بكر وعمر أيضاً حرَّفوه وأسقطوا كثيراً من
آياته وسوره، فقد روى الكليني(١) منهم عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله: أنَّ
القرآن الذي جاء به جبريل إلى محمد وَي سبعة عشر ألف آية(٢).
وروى محمد بن نصر عنه أنه قال: كان في: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ اسمُ سبعين رجلاً من
قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم.
ورَوَى عن سالم بن سليمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله - وأنا أسمعه -
حروفاً من القرآن ليس ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله: مه عن هذه القراءات،
واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام القائم فاقرأ كتاب الله على حدِّه.
ورَوَى عن محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبد الله: أن ﴿أُنَّهُ هِىَ أَرْبَ مِنْ
أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] ليس من كلام الله بل محرَّف عن موضعه، والمنزل: أئمة هي
أزكى من أثمتكم.
وذكر ابن شهراشب(٣) المازندراني في كتاب ((المثالب)) له: أن سورة الولاية
أسقطت بتمامها، وكذا أكثر سورة الأحزاب؛ فإنها كانت مثل سورة الأنعام، فأسقطوا
منها فضائل أهل البيت، وكذا أسقطوا لفظ: ويلك، من قبل: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، و: عن ولاية عليٍّ، من بعد ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ تَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]،
و: بعلي بن أبي طالب، من بعد ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالُ﴾ [الأحزاب: ٢٥]،
و: آل محمد، من بعد: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] إلى غير ذلك.
فالقرآن الذي هو بأيدي المسلمين اليوم شرقاً وغرباً، وهو الكُرةِ الإسلام ودائرة
الأحكام مركزاً وقطباً، أشدُّ تحريفاً عند هؤلاء من التوراة والإنجيل، وأضعف تأليفاً
(١) بضم الكاف وإمالة اللام، محمد بن يعقوب، أبو جعفر، من أهل الري، سكن بغداد إلى
حين وفاته سنة (٣٢٨هـ) وكتابه ((الكافي)) مشهور عن الشيعة كالبخاري عند السنة. الوافي
بالوفيات ٢٢٦/٥.
(٢) في هامش الأصل و(م): والمشهور عندنا أنه ستة آلاف وستُّ مئة وست عشرة آية. اهـ منه.
(٣) كذا في الأصل و(م)، والصواب: شهراسوب ــ الثانية سين مهملة - كما في الوافي بالوفيات
١٦٤/٤، وبغية الوعاة ١/ ١٨١ وإعلام النبلاء ٢٨٩/٤، واسمه محمد بن علي بن شهراسوب،
رشيد الدين، أبو جعفر السروري المازندراني، أحد شيوخ الشيعة، توفي سنة (٥٨٨هـ).

١٤٧
مقدمة المصنف
منهما، وأجمع للأباطيل، وأنت تعلم أنَّ هذا القول أوهى من بيت العنكبوت، وإنه
لأوهن البيوت، ولا أراك في مرية من حماقة مدَّعيه وسفاهة مفتريه، ولمَّا تفطّن
بعض علمائهم لمًا به، جعله قولاً لبعض أصحابه.
قال الطبرسي في ((مجمع البيان))(١): أما الزيادة فيه - أي: القرآن - فمجمَعٌ على
بطلانها، وأما النقصان فقد روي عن قوم من أصحابنا وقوم من حشوية العامة،
والصحيح خلافه، وهو الذي نصره المرتضى، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء
في ((جواب المسائل الطرابلسيات))، وذكر في مواضع أنَّ العلم بصحة نقل القرآن
كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار
العرب المسطورة، فإنَّ الغاية اشتدَّت والدواعي توقَّرت على نقله وحراسته، وبلغت
إلى حدٍّ لم تبلغه فيما ذكرناه؛ لأنَّ القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية
والأحكام الدينية، وعلماءُ المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغايةً، حتى عرفوا
كلَّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً
أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.
وقال أيضاً: إنَّ العلم بتفصيل(٢) القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم
بجملته، وجرى ذلك مجرى ما عُلِم ضرورةً من الكتب المصنفة؛ ككتاب سيبويه
والمزني، فإنَّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلها ما يعلمونه من جملتها،
حتى لو أنّ مُدخِلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً من النحو ليس من الكتاب، لَعُرف
ومُيِّز أنه ملحوق(٣)، وأنه ليس من أصل الكتاب، وكذا القول في كتاب المزني،
ومعلوم أنَّ العناية بنقل القرآن وضبطه أصدقُ من العناية بضبط كتاب سيبويه
ودواوين الشعراء.
وذكر أيضاً أنَّ القرآن كان على عهد رسول الله بَّه مجموعاً مؤلفاً على ما هو
عليه الآن، واستدلَّ على ذلك بأنَّ القرآن كان يُدرَّس ويحفظ جميعه في ذلك
الزمان، وأنه كان يعرض على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويتلى عليه، وأنَّ
(١) ٣٠/١-٣١.
(٢) في مجمع البيان: بتفسير.
(٣) في مجمع البيان: ملحق.

١٤٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
جماعةً من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبيٍّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن
على النبي ◌َُّ عدَّة ختمات، وكلُّ ذلك يدلُّ بأدنى تأمُّلِ على أنه كان مجموعاً مرتَّباً
غير مبتور ولا مبثوث. وذكر أنَّ من خالف ذلك من الإمامية والحشوية لا يُعتدُّ
بخلافهم؛ فإنَّ الخلاف في ذلك مضافٌ إلى قوم من أصحاب الحديث، نقلوا
أخباراً ضعيفة ظنوا صحَّتها، لا يُرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع بصحته. انتهى.
وهو كلام دعاه إليه ظهور فساد مذهب أصحابه حتى للأطفال، والحمد لله على
أنْ ظهر الحق وكفى الله المؤمنين القتال، إلا أنَّ الرجل قد دسَّ في الشهد سُمَّا،
وأدخل الباطلَ في حمى الحق الأحمى.
أما أولاً: فلأنَّ نسبة ذلك إلى قوم من حشوية العامة الذين يعني بهم أهل السنة
والجماعة فهو كذب أو سوء فهم؛ لأنهم أجمعوا على عدم وقوع النقص فيما تواتر
قرآناً، كما هو موجود بين الدفتين اليوم، نعم أُسقط زمنَ الصديق ما لم يتواتر،
وما نسختْ تلاوته وكان يقرأه من لم يبلغه النسخ، وما لم يكن في العرضة
الأخيرة، ولم يألُ جهداً رَُّبه في تحقيق ذلك، إلا أنه لم ينتشر نوره في الآفاق
إلا زمن ذي النورين، فلهذا نسب إليه.
كما روي عن حميدة بنت يونس أنَّ في مصحف عائشة رضي الله عنها: ((إن الله
وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً وعلى
الذين يَصِلون الصفوف الأول)»، وأن ذلك قبل أن يغيِّر عثمان المصاحف.
فما أخرج أحمد عن أبيٍّ قال: قال لي رسول الله وَّر: ((إنَّ الله أمرني أن أقرأ
عليك، فقرأ علي: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِيْنَ خَّ تَأْنِيَهُمُ
الْبَيْنَهُ
فِيهَا كُنُبُ قَيِّمَةٌ ﴿ وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا
رَسُولٌ مِّنَ اَللَّهِ يَثْلُواْ مُهُفًا مُطَهَّرَةَ (@)
الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَتْهُمُ الْبَهِنَةُ﴾ [البينة: ١-٤] إنَّ الدين عند الله الحنيفية، غيرُ
المشركة، ولا اليهودية، ولا النصرانية، ومن يفعل ذلك فلن يُكْفَره)»(١).
وفي رواية: ((ومن يعمل صالحاً فلن يكفره، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب
إلا من بعد ما جاءتهم البينة، إنَّ الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله وفارقوا الكتاب
(١) أخرجه بهذا اللفظ عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٢١٢٠٣)، وبنحوه أحمد (٢١٢٠٢).

١٤٩
مقدمة المصنف
لما جاءهم أولئك عند الله شرُّ البرية، ما كان الناس إلا أمة واحدة ثم أرسل الله
النبيين مبشرين ومنذرين، يأمرون الناس يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويعبدون الله
وحده أولئك عند الله خير البرية، جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لِمن خشي ربه))(١).
وفي رواية الحاكم: فقرأ فيها: ((ولو أنَّ ابن آدم سأل وادياً من مال فأُعْطِيَه،
يسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه، يسأل ثالثاً، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا التراب،
ويتوب الله على من تاب))(٢).
وما روي عنه أيضاً أنه كتب في مصحفه سورتي الخلع والحفد: ((اللهم إنا
نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يَفجُرك، اللهم إياك
نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إنَّ
عذابك بالكفار ملحق))(٣).
فهو من ذلك القبيل، ومثله كثير. وعليه يحمل ما رواه أبو عبيد(٤) عن ابن عمر
قال: لا يقولنَّ أحدكم قد أخذت القرآن كله، وما يدريه ما كلُّه؟! قد ذهب منه قرآن
کثیر، ولکن ليقل: قد أخذتُ منه ما ظهر.
والروايات في هذا الباب أكثر من أن تحصى إلا أنها محمولة على ما ذكرناه، وأين
ذلك مما يقوله الشيعي الجسور؟! ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠].
وأما ثانياً: فلأنَّ قوله: إنَّ القرآن كان على عهد رسول الله وَ فيِ مجموعاً مؤلّفاً
على ما هو عليه الآن إلخ. إن أراد به أنه مرتَّبُ الآي والسور كما هو اليوم، وأنه
يقرأه من حفظه في الصدر من الأصحاب كذلك، لكنه كان مفرَّقاً في العُسُب
واللِّخاف، فمُسَلَّم، إلا أنه خلاف الظاهر من سياق كلامه وسباقه. وإن أراد أنه
كان في العهد النبوي مقروءاً كما هو الآن لا غير، وكان مرتَّباً ومجموعاً في
(١) أخرج هذه الرواية ابن مردويه، كما في الدر المنثور ٦/ ٣٧٨.
(٢) المستدرك ٢٢٤/٢، وهو عند أحمد (٢١٢٠٢).
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٤٢٠-٤٢١ لابن الضريس في فضائل القرآن.
(٤) في فضائل القرآن ص ١٩٠ .

١٥٠
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
مصحف واحد غير متفرق في العُسُب واللِّخاف، فممنوع، والدليل الذي استدلَّ به
لا يدلُّ عليه كما لا يخفى، ويالله العجب! كيف ذكر في هذا المعرض ختمات ابن
مسعود وأبيٍّ على النبيِ وَّ﴿ وجعل ذلك من أدلة مُدَّعاه، مع أنَّ مرويَّ كلِّ
منهما يخالف مرويَّ الآخر، وكلاهما يخالفان ما في المصحف العثماني، فالسور
مثلاً في مصحفنا مئةٌ وأربعة عشرة بإجماع من يعتدُّ به، وقيل: ثلاثة عشر بجعل
(الأنفال)) و((براءة)) سورةً واحدة، وفي مصحف ابن مسعود مئة واثنتا عشرة سورة؛
لأنه لم يكتب المعوِّذتين(١)، بل صحَّ عنه(٢) أنه كان يحكُهما من المصاحف
ويقول: ليستا من كتاب الله تعالى.
وإنما أُمر النبيُّ وَّرَ أن يَتعوَّذ بهما، ولهذا عوَّذ بهما الحسن والحسين(٣).
ولم يتابعه أحد من الصحابة على ذلك، وقد صحَّ أنه وَّ ن قرأهما في
الصلاة(٤). فالظاهر أنهما غير متواترتين قرآناً عنده، والقول بأنه إنما أنكر الكتابة
وأراد بالكتابِ المصحف ليتم التأويل، مستبعدٌ جدًّا، بل لا يصح كما لا يخفى.
وفي مصحف أبيٍّ خمسة عشر؛ لأنه كتب في آخره بعد ((العصر))سورتي الخَلْع
والحَفْد، وجعل سورة ((الفيل وقريش)) فيه سورة واحدة.
وترتيب كلٍّ أيضاً متغاير ومغاير لترتيب مصحفنا مغايرةً لا سترة عليها، فسورة
(١) في هامش الأصل و(م): ولم يكتب الفاتحة أيضاً، لكن لا لاعتقاد أنها ليست من القرآن،
معاذ الله، ولكن للاكتفاء بحفظها؛ لوجوب قراءتها في الصلاة، فلا يخشى ضياعها. اهـ منه.
(٢) في هامش الأصل و(م): كما أخرجه عبد الرحمن بن أحمد والطبراني عن النخعي. اهـ منه. كذا
ورد، والصواب: عبد الله بن أحمد والطبراني عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي، وهو في مسند
أحمد من زيادات ابنه عبد الله (٢١١٨٨)، والمعجم الكبير (٩١٥٠)، وينظر الإتقان ٢٤٨/١.
(٣) قوله: وإنما أمر النبي ◌َّير أن يتعوذ ... إلخ، ليس من خبر ابن مسعود الأول، وقد ورد
ضمن خبرين، أحدهما أخرجه أحمد (٢١١٨٩)، والآخر أخرجه البزار (١٥٨٦)،
والطبراني (٩١٥٢).
(٤) أخرجه الحاكم ٢٤٠/١ و٥٦٧، والبيهقي ٣٩٤/٢ من حديث عقبة بن عامر طه. قال
الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. اهـ. وأخرج مسلم (٨١٤) من حديث
عقبة أيضاً قال: قال لي رسول الله وَلي: ((أنزل - أو أنزلت - عليَّ آياتٌ لم يُر مثلهن قط:
المعۇِّذتین)).

١٥١
مقدمة المصنف
((ن)) في مصحف ابن مسعود بعد ((الذاريات))، و((لا أقسم بيوم القيامة)) بعد ((عم))،
و((النازعات)) بعد ((الطلاق))، و((الفجر)) بعد ((التحريم)) إلى غير ذلك، وسورة ((بني
إسرائيل)) في مصحف أبيٍّ بعد ((الكهف))، و((الحجرات)) بعد ((ن))، و ((تبارك)) بعد
((الحجرات))، و((النازعات)) بعد ((الواقعة))، و ((ألم نشرح)) بعد ((قل هو الله أحد)»،
مع اختلاف كثير يظهر لمن رجع إلى الكتب المتقنة في هذا الباب.
وكأنَّ رانَ البغضِ غظّ على قلب هذا البعض، فقال ما قال، ولم يتفكّر في
حقيقة الحال، ولَم يبالِ بوقع النِّبال، قاصداً أن يستر بمنخلِ مختلٌ كذبِهِ نورَ ذي
النورين، الساطع عليه من برج شمس الكونين، ومن بدر صحبه، مع أن نسبة هذا
الجمع إليهما من أوضح الأمور بل أشهر من المشهور، وهو شائع أيضاً عند الشيعة
وليس لهم إلى إنكاره ذريعة، ولكن مركب التعصُّب عثور، ومذهب التعسف
محذور.
وإذا حقَّقتَ ما ذكرناه، ووعیت ما عليك تلوناه، فاعلم أنَّ ترتیب آیه وسوره
بتوقيفٍ من النبيِّ صلی الله عليه وآله وسلم.
أما ترتيب الآي فكونه توقيفيًّا مِما لا شبهة فيه، حتى نقل جمع منهم
الزركشيّ(١) وأبو جعفر(٢) الإجماع عليه من غير خلاف بين المسلمين، والنصوص
متضافرة على ذلك.
وما يدلُّ بظاهره من الآثار على أنه اجتهاديٌّ، معارَضٌ ساقطٌ عن درجة
الاعتبار؛ كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده عن [يحيى بن عباد بن] عبد الله بن
الزبير، عن أبيه قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة
فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله وَّ ﴿ ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد
سمعتهما، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر
سورة من القرآن فألحقوهما في آخرها (٣).
(١) في هامش الأصل و(م): في البرهان. اهـ منه. وينظر البرهان ٢٥٦/١، والإتقان ١/ ١٩٠.
(٢) في هامش الأصل و(م): في المناسبات. اهـ منه. وأبو جعفر هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير
الثقفي، توفي سنة (٧٠٨هـ). الإحاطة في أخبار غرناطة ١٨٨/١. وكلامه في الإتقان ١/ ١٩٠.
(٣) المصاحف ٢٢١/١، وما بين حاصرتين منه.

١٥٢
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
فإنه معارَض بِما لا يحصى مِما يدلُّ على خلافه، بل لابن أبي داود مُخرِجِه
خبرٌ يعارضه أيضاً، فقد أخرج أيضاً عن أبيٍّ أنَّهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى
الآية التي في سورة براءة: ﴿ثُمَّ أَنصَرَفُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَّهُونَ﴾
[التوبة: ١٢٧] ظنوا أنَّ هذا آخر ما نزل، فقال أبيٍّ: إنَّ رسول الله وَلغير أقرأني بعد هذا
آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخر السورة(١).
وأما ترتيب السور ففي كونه اجتهاديًّا أو توقيفيًّا خلاف، والجمهور على
الثاني؛ قال أبو بكر الأنباري(٢): أنزل الله تعالى القرآن كلَّه إلى سماء الدنيا، ثم
فرَّقه في بضعٍ وعشرين، فكانت السورة تنْزل لأمرٍ يحدث، والآيةُ جواباً لمستخبرٍ،
فيوقِفُ جبريل النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم على موضع الآية والسورة، فمن
قدَّم أو أخَّر فقد أفسد نظم القرآن(٣).
وقال الكرماني(٤): ترتيب السور هكذا هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ،
وعليه كان رسول اللّهِ وَل﴿ يعرض على جبريل كلَّ سنة ما كان يجتمع عنده منه،
وعرضه(٥) عليه في السنة التي تُوفِّي فيها مرتين. وقال الطيِي مثله، وهو المرويُّ
عن جمعٍ غفير.
إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائيُّ وابن
(١) المصاحف ٢٢٢/١-٢٢٣.
(٢) في هامش الأصل و(م): وهذا آخر قوليه. اهـ منه.
(٣) في هامش الأصل و(م): وبعضهم استنبط عمر النبي ◌َّه ثلاثاً وستين سنة من قوله في سورة
المنافقين: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اَللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَّةَ أَجَلُهَاْ﴾. فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها
بالتغابن للإشارة إلى ظهور التغابن بعد فقده اتو. اهـ منه.
(٤) في الأصل بين الأسطر: في البرهان. اهـ والكرماني هو محمود بن حمزة بن نصر المقرئ
الشافعي، أبو القاسم، المعروف بتاج القراء، مؤلف كتاب لباب التفاسير، وكتاب البرهان
في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، وغيرهما، توفي بعد سنة (٥٠٠هـ).
طبقات القراء لابن الجزري ٢٩١/٢، وكشف الظنون ٢٤١/١. وكلامه في البرهان
للزركشي ٢٥٩/١، والإتقان ١/ ١٩٥ وعنه نقل المصنف.
(٥) في الأصل و (م): وعرض، والمثبت من الإتقان.

١٥٣
مقدمة المصنف
حبان والحاكم عن ابن عباس(١)، قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم
إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين(٢)، فقرنتم بينهما ولم
تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال
عثمان: كان رسول الله * ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء
دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ((ضعوا(٣) هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر
فيها كذا وكذا))، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر
القرآن نزولاً، وكانت قصَّتها شبيهةً بقصتها، فظنتُ أنَّها منها، فقبض رسول الله وَليه
ولم يبيِّن لنا أنَّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولَم أكتب بينهما سطرَ: بسم الله
الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطوال.
فهذا يدلُّ على أنَّ الاجتهاد دَخَل في ترتيب السور، ولهذا ذهب البيهقيُّ إلى أنَّ
جميع السور ترتيبها توقيفيّ إلا براءة والأنفال، وله انشرح صدر الإمام السيوطي
لما ضاق ذرعاً عن الجواب (٤) .
والذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما انشرحت له صدور الجمع الغفير، من
أنَّ ما بين اللوحين الآن موافقٌ لما في اللوح من القرآن، وحاشا أن يهمل وَلِّ أمرَ
القرآن، وهو نور نبوَّته وبرهان شريعته، فلا بدَّ إما من التصريح بمواضع الآي
والسور، وإما من الرمز إليهم بذلك، وإجماعُ الصحابة في المآل على هذا الترتيب؛
وعدولهم عما كان أولاً من بعضهم على غيره من الأساليب، وهم الذين لا تلين
قلوبهم(٥) لباطل، ولا يصدعهم(٦) عن اتّباع الحق لوم لائم ولا قول قائل، أقوى
دليل على أنَّهم وجدوا ما أفادهم علماً، ولم يدع عندهم خيالاً ولا وهماً.
(١) أحمد (٣٩٩)، وسنن الترمذي (٣٠٨٦)، وسنن أبي داود (٧٨٦)، (٧٨٧)، وسنن النسائي
الكبرى (٧٩٥٣)، وصحيح ابن حبان (٤٣)، والمستدرك ٢٢١/٢، ٣٣٠. وهو حديث
ضعيف، وينظر الكلام عليه في حاشية مسند أحمد.
(٢) في هامش الأصل و(م): المئين: ما تزيد على مئة آية، أو تقاربها. والمثاني هنا: ما ولي المئين.
(٣) في الأصل و (م): دعوا. والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) الإتقان ١٩٨/١.
(٥) في (م): قناتهم.
(٦) في (م): يصدهم.

١٥٤
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وعثمان رُه وإن لم يقف على ما يفيده القطع في براءة والأنفال، وفعل
ما فعل بناءً على ظنه، إلا أنَّ غيرَه وقف، وقَبِلَ ما فعله ولم يتوقف، وكم لعمر
موافقات لربِّه أدَّى إليها ظنُّه، فليكن لعثمان هذه الموافقة التي ظفر غيرُه بتحقيقها
من النصوص أو الرموز فسكت، على أنَّ ذلك كان قبل ما فعل عثمان عند
التحقيق، ولكن لما رفعت الأقلام وجفَّت الصحف، واجتمعت الكلمة في أيامه
واقتدتِ المسلمون في سائر الآفاق بإِمامه، نُسب ذلك إليه، وقُصِرَ من دونهم عليه،
والسؤالُ منه وجوابه ليسا قطعيين في الدلالة على الاستقلال؛ لجواز أن يكون
السؤال للاستخبار عن سرِّ عدم المخالفة، والجواب لإبدائه على ما خطر في البال.
وبالجملة: بعد إجماع الأمة على هذا المصحف لا ينبغي أن يُصاخ إلى آحاد
الأخبار، ولا يُشرأبَّ إلى تطلَّع غرائب الآثار، فافهم ذاك، والله سبحانه وتعالى
يتولى هداك.
الفائدة السابعة
في بيان وجه إعجاز القرآن:
اعلم أنَّ إعجاز القرآن مِما لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه، وأرى الاستدلال هنا
عليه مِما لا يحتاج إليه، والشُّبهُ صرير باب أو طنين ذباب، والأهم بالنسبة إلينا بيانُ
وجه الإعجاز، والكلامُ فيه على سبيل الإيجاز، فنقول: قد اختلف الناس في
ذلك، فذهب بعض المعتزلة إلى أنَّ وجه إعجازه اشتمالُه على النَّظم الغريب والوزن
العجيب، والأسلوب المخالف لِما استنبطه البلغاء من العرب في مطالعه وفواصله
ومفاصله، ورُدَّ بوجهین :
الأول: أنَّا لا نُسلِّم المخالفة، فإنَّ كثيراً من آیاته على وزن أبيات العرب، نحو
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَّكَّ فَإِنَّمَا بَتَزَّكَ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ
اَللَّهَ يَجْعَل لَّهُ، مَخْرَجًا * وَبِرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢-٣] ومثله کثیر.
الثاني: أنَّا لو سلَّمنا المخالفة، لكن لا نُسلِّم أنه لمجرَّدها يكون معجزاً،
وإلا لكانت حماقات مسيلمةً ۔ إذ هي علی وزنه - كذلك.

١٥٥
مقدمة المصنف
وذهب الجاحظ إلى أنه اشتمالُه على البلاغة التي تتقاصر عنها سائر ضروب
البلاغات، ورُدَّ بوجوه:
الأول: أنَّا إذا نظرنا إلى أبلغ الخُطَب وأجزل الشعر، وقطعنا النظر عن الوزن
وقسناه بقصار القرآن، كان الأمر في التفاوت ملتبساً، والمعجز لا بدَّ أن ينتهي إلى
حدٍّ لا يبقى معه لبس ولا ريبة.
الثاني: أنَّ القرآن غيرُ خارجٍ عن كلام العرب، وما من أحدٍ من بلغائهم إلا وقد
كان مقدوراً له الإتيانُ بقليلٍ من مثل ذلك، والقادر على البعض قادرٌ على الكل.
الثالث: أنَّ الصحابة اختلفوا في البعض، ولو كان منتهياً إلى الإعجاز بلاغةً
لعرفوه وما اختلفوا.
الرابع: أنَّهم طلبوا البيِّنَة مِمَّن أتى بشيءٍ منه، ولو كانت بلاغته منتهيةً إلى حدٍّ
الإعجاز ما طلبوها .
الخامس: أنَّ في كلِّ عصرٍ مَنْ تنتهي إليه البلاغة، وذلك غير موجب للإعجاز
ولا للدلالة على صدق مدَّعي الرسالة؛ لجواز أن يكون هو من انتهت إليه.
وقيل: هو اشتماله على الإخبار بالغيب، ورُدَّ :
أما أولاً: فبأنَّ الإصابة في المرة والمرتين ليست من الخوارق، والحدُّ الذي
يصير به الإخبار خارقاً غيرُ مضبوط، فإذاً لا يمتنع أن يقال: ما اشتمل عليه القرآن
لم يصل إليه.
وأما ثانياً: فبأنه يلزم أن يكون إخبار المنجّمين والكهنة عن الأمور المغيَّة مع
كثرة إصابتها معجزة.
وأما ثالثاً: فبأنه يلزم أن تكون التوراة كذلك؛ لاشتمالها کاشتماله.
وأما رابعاً: فبأنه يلزم أن يكون الخالي عن الإخبار بالغيب من القرآن غير معجز.
وقيل: هو كونه مع طوله وامتداده غير متناقض ولا مختلف، وأبطل بوجهين:
الأول: أنَّا لا نسلِّم عدم التناقض والاختلاف فيه؛ أما التناقض فقوله
تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُهْ﴾ [يس: ٦٩] والبحور كلُّها فيه، وقال

١٥٦
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
تعالى: ﴿فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ثم قال: ﴿وَأَقْلَ
بَعْفُهُ عَلَى بَعْضٍ يَتَسََّلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ
جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلَّ أَن تَأْنِيَهُمْ سُنَّهُ الْأَوَّلِينَ أَوْ بَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾
[الكهف: ٥٥] فحصر المانع في أحد السببين، وقال: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ
◌َهُ الْهُدَىّ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] فحصر المانع في
غيرهما، إلى غير ذلك.
وأما الاختلاف فكقوله تعالى: ((كالصوف المنفوش)»(١) بدل ﴿كَالْعِهْنِ
الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، وقوله تعالى: ((ضربت عليهم المسكنة والذلة)) بدل قوله:
﴿الذِّلَةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقوله تعالى: ((النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم
وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌّ لهم))(٢)، وقوله تعالى في خلق آدم مرَّة من تراب ومرَّة
من حمأ ومرَّة من طين ومرَّة من صلصال.
على أنَّ فيه تكراراً لفظياً ومعنويًّا، كما في ((الرحمن)) وقصة موسى مثلاً،
وتعرُّضاً لإيضاح الواضحات كما في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَةٍ أَيَّامٍ فِي لَلَّ وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَمْتُمّ ◌ِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٦٩]. وقال عثمان: إنَّ في القرآن لحناً ستقيمه العرب
بألسنتها(٣).
الثاني: أنَّا لو سلَّمنا السلامة من جميع ذلك، لكنه ليس بإعجاز إذ هو موجود
في كثيرٍ من الخطب والشعر، ويظهر كلِّيًّا فيما يكون على مقدار بعض السور
القصار بتقدير التحدِّي بِها.
وقيل: هو موافقته لقضية العقل ودقيق المعنى. ورُدَّ بأنه معتاد في أكثر كلام
البلغاء، وينتقض أيضاً بكلام الرسول الغير المعجز وبالتوراة والإنجيل.
وقيل: إعجازه قِدمه. واعتُرض بأنه يستدعي أن يكون كلٌّ من صفاته تعالى
كذلك، وأيضاً الكلام القديم مِما لا يمكن الوقوف عليه، فلا يتصور التحدِّي به.
(١) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٧٨ عن ابن مسعود.
(٢) ذكرها الفراء في معاني القرآن ٣٣٥/٢ عن أبىٍّ
ضُوعبه.
(٣) وهو خبر ضعيف وسيأتي الكلام عليه قريباً، وعند تفسير الآية (١٦٢) من سورة النساء.

١٥٧
مقدمة المصنف
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني(١) والنّظَّام(٢): إعجازه بصرف دواعي
بلغاء العرب عن معارضته. وقال المرتضى(٣): بسلبهم العلوم التي لا بدَّ منها في
المعارضة .
واعتُرض بأربعة أوجه:
الأول: أنه يستلزم أن يكون المعجز الصُّرفة لا القرآن، وهو خلاف ما عليه
إجماع المسلمين من قبل.
الثاني: أنَّ التحدِّي وقع بالقرآن على كلِّ العرب، فلو كان الإعجاز بالصُّرفة
لكانت على خلاف المعتاد بالنسبة إلى كل واحدٍ؛ ضرورةَ تحقّق الصُّرفة بالنسبة
إليه، فيكون الإتيان بمثل كلام القرآن معتاداً له، والمعتاد لكلٍّ ليس هو الكلام
الفصيح، بل خلافه، فيلزم أن يكون القرآن كذلك، وليس كذلك.
الثالث: أنه يستلزم أن يكون مثل القرآن معتاداً من قبل؛ لتحقّق الصُّرفة من
بعد، فتجوز المعارضة بما وجد من كلامهم مثل القرآن قبلها .
الرابع: وهو خاصٌّ بمذهب المرتضى: أنه لو كان الإعجاز بفقدهم العلوم،
لتناطقوا به، ولو تناطقوا لشاع؛ إذ العادة جارية بالتحدُّث بالخوارق، فحيث لم
يكن، دلَّ على فساد الصُّرفة بهذا الاعتبار.
واستدلَّ بعضهم على فساد القول بِها بقوله تعالى: ﴿لَيْنِ أَجْتَمَعَتِ آلْإِسُ وَآلْجِنُّ﴾
الآية [الإسراء: ٨٨] فإنه يدلُّ على عجزهم مع بقاء قُدَرِهم، ولو سلبوا القدرة لم تبق
فائدة لاجتماعهم؛ لأنه بِمِنْزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مِما يحتفل بذكره.
ولا بأس بانضمامه إلى ما ذكرناه، وأما الاكتفاء به في الاستدلال فلا أظنك ترضاه.
(١) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني الأصولي الشافعي، توفي بنيسابور
سنة (٤١٨ هـ). سير أعلام النبلاء ٣٥٣/١٧-٣٥٤.
(٢) شيخ المعتزلة إبراهيم بن سيار صاحب التصانيف، توفي في خلافة المعتصم أو الواثق سنة
بضع وعشرين ومئتين. سير أعلام النبلاء ٥٤١/١٠-٥٤٢.
(٣) هو الشريف، أبو القاسم، علي بن الحسين نقيب الطالبيين، كان إماماً في علم الكلام
والأدب والشعر، وله تصانيف، وهو أخو الشريف الرضي، توفي سنة (٤٣٦ هـ). وفيات
الأعيان ٣١٣/٣.

١٥٨
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
وقال الآمديُّ(١) وغيره: الإعجاز بجملته(٢)، وبالنظر إلى نظمه وبلاغته وإخباره
عن الغيب. وارتضاه الكثير.
وقولهم فيما قيل: لا نسلِّم المخالفة إلخ. يجاب عنه: بأنَّ ما ذكروه وإن كان
على وزن الشعر إلا أنه لا يُعدُّ شعراً، ولا قائلُه شاعراً؛ لأنَّ الشعر ما قصد وزنه،
وحيث لا قَصْدَ لا شعر، وقد يعرض للبلغاء في سرد خطبهم المنسجمة مثل ذلك،
بل قد يتفق لمن لا يعرف الشعر رأساً من العوام كلمات متَّزنة، نحو قول السيد
لعبده مثلاً: ادخل السوق واشتر اللحم واطبخ، ولهذا قال الوليد(٣) لما قرأ عليه
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن، فكأنما رقَّ له، فاقترح عليه أبو جهل أن
يقول فيه ما يبلغ قومه أنه منكرٌ له وكاره: ماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجلٌ أعلمَ
بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول
شيئاً من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمُثمِرٌ
أعلاه ومُغدقٌ أسفله، وإنه ليعلو ولا يُعلى، وإنه ليحطم ما تحته (٤).
وقولهم: إنَّا لو سلَّمنا إلخ، مسلَّمٌ، لكن لا يلزم أن لا يكون مع البلاغة
والإخبار بالغيب معجزاً، ومن هنا يعلم الجواب عن الاعتراض على أنَّ وجه
إعجازه بلاغتُهُ، على أنَّ الأوجُهَ الخمسةَ التي ذكروها فيه باطلة:
أما الأول: فلأنَّ التفاوت بيِّنٌ لِمن تحدَّى به من البلغاء، ولذا لم يعارض،
وغيرهم عَمٍ عن ذلك لقصوره في الصناعة، فلا اعتداد به ولا مضرَّة؛ لثبوت الإعجاز
(١) في كتاب الإحكام في أصول الأحكام ١٣٨/١. والآمدي هو سيف الدين علي بن أبي عليّ
محمد التغلبي الحنبلي ثم الشافعي، توفي سنة (٦٣١هـ). السير ٢٢/ ٣٦٤.
(٢) في هامش الأصل و(م): كون الإعجاز بالجملة نسبه الإمام السيوطي لبعض المعتزلة، وقد
ورد التحدي بكل القرآن وبعشر سور وبسورة، قيل: ولو قصيرة لظاهر الإطلاق، وقيل: تبلغ
مبلغاً يتبين فيه رتب ذوي البلاغة. فافهم وتدبر. اهـ منه.
(٣) في هامش الأصل و(م): والخبر طويل أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن
ابن عباس. اهـ منه.
(٤) أخرجه الحاكم ٥٠٧/٢ من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وقال: صحيح الإسناد على
شرط البخاري، ولم يخرجاه.