النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة الكوثر
بِسْمِ اللهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الكوثر
مقدمة وتمهيد
سورة ((الكوثر)) وتسمى - أيضًا - سورة ((النحر))، تعتبر أقصر سورة فى القرآن
الكريم ، وهى من السور المكية عند الجمهور ، وقيل مدنية .
قال بعض العلماء : والأظهر أن هذه السورة مدنية ، وعلى هذا سنسير فى تفسير آياتها ،
وعلى القول بأنها مكية عددها الخامسة عشرة ، فى عداد نزول السور ، نزلت بعد سورة
((العاديات))، وقيل سورة ((التكاثر))، وعلى القول بأنها مدنية ، فقد قيل إنها نزلت فى
الحديبية . وعدد آياتها ثلاث آيات بالاتفاق(١) .
والسورة الكريمة بشارة للنبى - والر - بأن الله - تعالى - سيعطيه الخير الجزيل،
والذكر الخالد .
1
(١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٣٠ ص ٥٦١ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.

٥٢٢
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
مِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
٢
7.1
إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ أُ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
٣
إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَ
والكوثر : فَوْعل من الكثرة ، مثل النَّوْفل من النفل ، ومعناه : الشىء البالغ فى الكثرة
حد الإفراط ، والعرب تسمى كل شىء كثر عدده ، وعظم شأنه : كوثرا ، وقد قيل الأعرابية
بعد رجوع ابنها من سفر: بم آب ابنك ؟ قالت : آب بكوثر . أى : بشىء كثير .
قال الإِمام القرطبى ما ملخصه : واختلف أهل التأويل فى الكوثر الذى أعطيه النبى
- وَ﴾ - على ستة عشر قولاً: الأول: أنه نهر فى الجنة، رواه البخارى عن أنس، ورواه
الترمذى - أيضًا - عن ابن عمر ... الثانى: أنه حوض للنبى - رَّ - فى الموقف ...
الثالث : أنه النبوة والكتاب ... الرابع: أنه القرآن ... الخامس : الإِسلام .
ثم قال - رحمه الله - قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثانى ، لأنه ثابت عن النبى
- * - نص فى الكوثر .. وجميع ما قيل بعد ذلك فى تفسيره قد أعطيه - روض الفر - زيادة على
حوضه .. ))(١) .
وافتتح - سبحانه - الكلام بحرف التأكيد ، للاهتمام بالخبر ، وللإِشعار بأن المعطى شىء
عظيم .. أى : إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا - أيها الرسول الكريم - الكوثر ، أى : الخير
الكثير الذى من جملته هذا النهر العظيم ، والحوض المطهر ... فأبشر بذلك أنت وأمتك ،
: ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك فى شأنك .
والفاء فى قوله - تعالى -: ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها ،
والمراد بالصلاة : المداومة عليها .
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٢١٨، وابن كثير جـ ٧ ص ٥١٩ .

٥٢٣
سورة الكوثر
أى : ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة ، فداوم على شكرك لنا ، بأن تواظب على أداء
الصلاة أداء تاما ، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك ، وبأن تواظب - أيضًا - على نحرك
الإِبل تقربًا إلى ربك . كما قال - سبحانه - ﴿ قل إن صلاتی ونسکی ومحیای ومماتی لله رب
أول المسلمين
أمرت وأنا
العالمين ، لا شريك له ، وبذلك
ثم بشره - سبحانه - ببشارة أخرى فقال: ﴿إن شانئك هو الأبتر ﴾ والشائى:
هو المبغض لغيره ، يقال : شَنّاً فلان شَيْئًا، إذا أبغضه وكرهه .
والأبتر فى الأصل : هو الحيوان المقطوع الذنب ، والمراد به هنا : الإِنسان الذى لا يبقى له
ذكر . ولا يدوم له أثر ..
شبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان ، لأنه تابع له وهو زينته ، وشبه الحرمان من ذلك ببتر
الذيل وقطعه .
والمعنى : إن مبغضك وكارهك - أيها الرسول الكريم - هو المقطوع عن كل خير ،
والمحروم من كل ذكر حسن .
قال الإِمام ابن كثير: ((كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله - صل18 - قال : دعوه
فإنه رجل أبتر لا عقب له ، فإذا هلك انقطع ذكره ، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة .
وقال السدى: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر، فلما مات أبناء النبى - وَال# : -
قالوا : بتر محمد فأنزل الله هذه الآية .
وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره ، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات
بنوه ينقطع ذكره ، وحاشا وكلا ، بل أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد ، وأوجب شرعه على
رقاب العباد ، مستمرا على دوام الآباد ، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائماً
إلى يوم الثناد ...
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر
مساء الأربعاء ١٧ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ
١٩ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م

٠٠٠ ٤٫٠

٥٢٥
سورة الكافرون
بِسْم اللهُ الرَّحْمَنِّ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الكافرون
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الكافرون)) تسمى - أيضا - سورة ((المقَشْقِشَة)) أى: المبرئة من
الشرك، وسورة ((العبادة)) وسورة ((الدين)).
وهى من السور المكية عند الجمهور، وكان نزولها بعد سورة ((الماعون )) وقبل سورة
«الفيل)).
وقيل : إنها مدنية ، وعدد آياتها ست آيات .
٢ - وقد ذكروا فى سبب نزولها روايات منها ما ذكره ابن إسحق عن ابن عباس، أن
جماعة من زعماء المشركين أتوا إلى النبى - * - فقالوا له : هلم فلنعبد إلهك مدة ، وأنت
تعبد آلهتنا مدة ، فيحصل بذلك الصلح بيننا وبينك .. فنزلت هذه السورة .
٣ - وقد ذكر الإمام ابن كثير بعض الأحاديث التى تدل على أن النبى - وَل جزر - كان يقرأ
بها كثيرا فى صلاة ركعتى الفجر ، ومن ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة ، أن رسول
الله - وَل٣ - كان يقرأ سورة ((الكافرون)) وسورة ((قل هو الله أحد)) فى ركعتى
الفجر .. (١) .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٥٢٧ .

٥٢٦
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ١
◌ِاللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
﴿ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
٢
وَلَا أَنْعَاِدٌمَّا عَبَدُم
٣
وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ
٤
وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ
لَكُمْ دِيِئُكُمْ وَلِىَ دِينٍ
٦
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين الذين جاؤوك ليساوموك على أن تعبد
آلهتهم مدة، وهم يعبدون إلهك مدة أخرى .. قل لهم على سبيل الحزم والتأكيد ((لا أعبد)) أنا
الذى تعبدونه من آلهة باطلة ، ولا أنتم عابدون الإِله الحق الذى أعبده ، لجهلكم وجحودكم .
وعكوفكم على ما كان عليه آباؤكم من ضلال .
وافتتحت السورة الكريمة بفعل الأمر ((قل)) للاهتمام لما سيأتى بعده من كلام المقصود منه
إبلاغه إليهم ، وتكليفهم بالعمل به .
ونودوا بوصف الكافرين ، لأنهم كانوا كذلك ، ولأن فى هذا النداء تحقيرا واستخفافا بهم .
و((ما)) هنا موصولة بمعنى الذى، وأثرت على ((مَن)» لأنهم ما كانوا يشكون فى ذات
الآلهة التى يعبدونها، ولا فى ذات الإله الحق الذى يعبده النبى - بصل - ، وإنما كانوا يشكون
فى أوصافه - تعالى - ، من زعمهم أن هذه الأصنام ما يعبدونها إلا من أجل التقرب إليه .
ويقولون: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ مع أن الله - تعالى - منزه عن ذلك، فالمقصود من
((ما)» هنا: الصفة، وليس الذات ، فكأنه قال : لا أعبد الباطل الذى تعبدونه ، وأنتم
لجهلكم لا تعبدون الإِله الحق الذى أعبده .
وقوله - تعالى - : ﴿ ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ تأكيد وتقرير
لما اشتمل عليه الكلام السابق .. ((وما)» هنا مصدرية ، فكأنه قبل : ولا أنا عابد عبادتكم،
ولا أنتم عابدون عبادتى .

٥٢٧
سورة الكافرون
فالآيتان السابقتان تنفيان الاتحاد بينه - والده - وبينهم فى المعبود ، وهاتان الآيتان تنفيان
الاتحاد فى العبادة ، والمقصود من ذلك المبالغة التامة فى البراءة من معبوداتهم الباطلة ، ومن
عبادتهم الفاسدة، وأنه - 18 - ومن معه من المؤمنين ، لا يعبدون إلا الله - عز وجل - ،
وهم بذلك يكونون قد اهتدوا إلى العبادة الصحيحة .
وقوله - تعالى -: ﴿ لكم دينكم ولى دين ﴾ تذييل مؤكد لما قبله . والدين: يطلق بمعنى
العقيدة التى يعتقدها الإِنسان ويدين بها ، وبمعنى الملة التى تجرى أقواله وأفعاله على مقتضاها ،
وبمعنى الحساب والجزاء . ومنه قولهم : دنت فلانا بما صنع ، أى : جازيته على صنيعه .
واللفظ هنا شامل لكل ذلك ، أى : لكم - أيها الكافرون - دينكم وعقيدتكم التى
تعتقدونها ولا تتجاوزكم إلى غيركم من المؤمنين الصادقين ، فضلا عن رسولهم
ومرشدهم - * - ، ولى دينى وعقيدتى التى هى عقيدة التوحيد ، والتى بايعنى عليها أتباعى
المؤمنون ، وهى مقصورة علينا ، وأنتم محرومون منها ، وسترون سوء عاقبة مخالفتكم لى .
وقدم - سبحانه - المسند على المسند إليه ، لإفادة القصد والاختصاص فكأنه قيل : لكم
دينكم لا لغيركم ، ولى دينى لا لغيرى والله - تعالى - هو أحكم الحاكمين بينى وبينكم .
وبذلك نرى السورة الكريمة ، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول إلى
مهادنة النبى - ﴿ -، وإلى الاستجابة لشىء من مطالبهم الفاسدة، وإنما هو - الخز -
برىء براءة تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر .
صباح الجمعة ١٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ .
٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م
-------- ---

٥٢٩
سورة النصر
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة النصر
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((النصر)) تسمى - أيضا - سورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، وتسمى
سورة ((التوديع)) وهى من السور المدنية، قيل: نزلت عند منصرف النبى وَّه من غزوة
خيبر، وقيل: نزلت بمنى فى أيام التشريق، والنبى - رَليزر - فى حجة الوداع ، وقيل نزلت
عند منصرفه - جزر - من غزوة حنين .
وكان نزولها بعد سورة ((الحشر)) وقبل سورة ((النور))، وهى ثلاث آيات.
٢ - وقد تضافرت الأخبار رواية وتأويلا ، على أن هذه السورة تومىء إلى قرب نهاية أجل
النبى - لا - .
وقد ذكر الإِمام ابن كثير جملة من الآثار فى هذا المعنى منها ما أخرجه البيهقى عن
ابن عباس قال: لما نزلت سورة ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، دعا رسول الله - والخ - -
فاطمة وقال: (( قد نُعِيتَ إلىَّ نفْسِى)) فبكت ثم ضحكت ، وقالت : أخبرنى أنه نعيت إليه
نفسه فبكيت، ثم قال: ((اصبرى فإنك أول أهلى لحاقا بى)) فضحكت.
وأخرج البخارى عن ابن عباس ، قال : كان عمر - رضى الله عنه - يدخلنى مع أشياخ
بدر ، فكأن بعضهم قد وَجَد فى نفسه - أى : تغير وغضب - وقال : لماذا يَدخل هذا معنا ولنا
أبناء مثله ، فقال عمر : إنه ممن علمتم . فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم .. فقال : ما تقولون
فى قوله - تعالى - ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح﴾، فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله
ونستغفره ، إذا نصرنا وفتح علينا ، وسكت بعضهم فقال .. عمر : أكذلك تقول

٥٣٠
المجلد الخامس عشر
يا بن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله - وَ ليزر - أعلمه
له .. فقال عمر : لا أعلم منها إلا ما تقول .
وأخرج الطبرانى عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة نزلت من القرآن هذه السورة(١).
٣ - والسورة الكريمة وعد منه - تعالى - لنبيه - صل * - بالنصر والفتح وبشارة بدخول
أفواج الناس فى دين الله، وأمر منه - سبحانه - بالمواظبة على حمده واستغفاره .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٥٢٩ .

٥٣١
سورة النصر
التفسير
قال الله - تعالى - :
ـِاللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحْمِ
١٠١
إِذَاجَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ
فَسَيِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ
٢
يَدْ خُلُونَ فِ دِينِ اَللَّهِ أَفْوَاجًا (
وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
٣
والنصر : التغلب على العدو ، والإِعانة على بلوغ الغاية ، ومنه قولهم : قد نصر الغيث
الأرض ، أى : أعان على إظهار نباتها .
والمراد به هنا: إعانة الله - تعالى - لنبيه - وَالز - على أعدائه، حتى حقق له النصر
عليهم .
والفتح : يطلق على فتح البلاد عَنْوَةً والتغلب على أهلها ، ويطلق على الفصل والحكم بين
الناس، ومنه قوله - تعالى -: ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ﴾.
والمراد به: هنا فتح مكة . وما ترتب عليه من إعزاز الدين ، وإظهار كلمة الحق .
قال الإِمام ابن كثير: والمراد بالفتح هنا فتح مكة قولا واحدا ، فإن أحياء العرب كانت
تتلوم - أى : تنتظر - بإسلامها فتح مكة ، يقولون : إن ظهر على قومه فهو نبى ، فلما فتح
الله عليه مكة ، دخلوا فى دين الله أفواجا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت - أى :
اجتمعت - جزيرة العرب على الإِيمان ، ولم يبق فى سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام ، ولله
الحمد والمنة .
والأفواج : جمع فوج، وهو الجماعة والطائفة من الناس وقوله ﴿فسبح﴾ جواب إذا .
والمعنى: إذا أتم الله - عليك - أيها الرسول الكريم - وعلى أصحابك النصر ، وصارت

٥٣٢
المجلد الخامس عشر
لكم الكلمة العليا على أعدائكم ، وفتح لكم مكة ، وشاهدت الناس يدخلون فى دين الإِسلام ،
جماعات ثم جماعات كثيرة بدون قتال يذكر .
إذا علمت ورأيت كل ذلك ، فداوم وواظب على تسبيح ربك ، وتنزيهه عن كل مالا يليق به
شكرا له على نعمه ، وداوم - أيضا - على طلب مغفرته لك وللمؤمنين .
﴿ إنه﴾ عز وجل - ﴿ كان﴾ وما زال ﴿توابا﴾ أى: كثير القبول لتوبة عباده
التائبين إليه ، كما قال - سبحانه -: ﴿وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن
السيئات ، ويعلم ما تفعلون ﴾ .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من عباده التائبين توبة صادقة نصوحا .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر .
مساء الجمعة ١٩ ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ .
٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م

٥٣٣
سورة المسد
بِسْمِ اللهُ الرَّحَمَنِّالرَّحِيمِ
تفسير
سورة المسد
مقدمة وتمهيد
١٠ - سورة ((المسد)) تسمى - أيضا - بسورة ((تبت))، وبسورة ((أبى لهب))،
وبسورة ((اللهب)) وهى من أوائل السور التى نزلت بمكة ، فهى السورة السادسة فى ترتيب
النزول، وكان نزولها بعد سورة ((الفاتحة))، وقبل سورة ((الكوثر)) وهى خمس آيات.
٢ - وقد ذكروا فى سبب نزول هذه السورة روايات منها : ما أخرجه البخارى عن
:
ابن عباس ، أن النبى - * - خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى: (( يا صباحاه))
وهى كلمة ينادى بها للإنذار من عدو قادم - فاجتمعت إليه قريش، فقال -: (( أرأيتم إن
حدثتكم أن العدو مُصَبحكم أو ممسيكم كنتم تصدقونى؟ قالوا: نعم. قال: (( فإنی نذير لكم
بين يدى عذاب شديد)).
فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ؟ تبا لك، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة .
وفى رواية : أنه قام ينفض يديه وجعل يقول للرسول - وَ - : تبا لك سائر اليوم ،
ألهذا جمعتنا، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة))(١).
وأبو لهب: هو أحد أعمام النبى - وَله - واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن
هاشم .. وامرأته هى : أروى بنت حرب بن أمية ، وكنيتها أم جميل .
روى أنها لما سمعت ما نزل فى زوجها وفيها من قرآن، أتت رسول الله - وَليه - ، وهو
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٥٣٤ .

٥٣٤
المجلد الخامس عشر
جالس فى المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق ، وفى يدها فِهْر - أى : حجر - فلما
وقفت أخذ الله - تعالى - بصرها عن رسوله - * - فقالت : يا أبا بكر ، بلغنى أن
صاحبك يهجونى، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه .. ثم انصرفت ، فقال أبو بكر :
يا رسول الله أما تراها رأتك؟ فقال - ﴿ ﴿ -: ((ما رأتنى، لقد أخذ الله بصرها عنى))(١).
(١) تفسير القرطبى جـ ٢ ص ٢٣١ .

٤٠
سورة المسد
٥٣٥
التفسير
قال الله - تعالى - :
3
AV
تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ )) مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ،وَمَا
كَسَبَ ﴿٨ سَيَصْلَى نَارًاذَاتَ لَهَبٍ ، وَأَمْرَأَتُهُ.
حَمَّالَةَ الْخَطَبِ ) فِى جِيدِ هَا حَبْلٌ مِّن قَسَدٍ
٥
ومعنى ﴿ تبت﴾ هلكت وخسرت، ومنه قوله - تعالى -: ﴿وماكيد فرعون إلا فى
تباب﴾ وقوله - سبحانه -: ﴿وما زادوهم غير تتبيب﴾.
وقوله : ﴿وتب﴾ أى: وقد تب وهلك وخسر ، فالجملة الأولى دعاء عليه بالهلاك
والخسران ، والجملة الثانية : إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب ، وأن الخسران قد نزل به
فعلا .
أى : خسرت وخابت يدا أبى لهب ، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به ، بسبب عداوته
الشديدة للحق ، الذى جاء به النبى - صل﴿ - من عند ربه - سبحانه - .
والمراد باليدين هنا : ذاته ونفسه ، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل ، كما فى
قوله - تعالى - : ﴿ ذلك بما قدمت يداك ﴾.
ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتها ، وذلك لأنه كان يقول: يعدنى محمد - الا*1 -
بأشياء ، لا أدرى أنها كائنة ، يزعم أنها بعد الموت ، فلم يضع فى يدى شىء من ذلك ، ثم ينفخ
فى يديه ويقول : تبا لكما ما أرى فيكما شيئا .
وقوله - سبحانه -: ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ كلام مستأنف للانتقال من ذمه
والدعاء عليه بالهلاك ، إلى بيان أن ماله وجاهه .. لن يغنى عنه من عذاب الله - تعالى -
شيئا .
م

٥٣٦
المجلد الخامس عشر
أى : أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير ، وكسبه الوفير من حطام الدنيا .. لن يغنى عنه
شيئا من عذاب الله - تعالى - ، أو شيئا من انتشار رسالة الله - تعالى - فى الأرض ، فإن
الله - سبحانه - ناصر نبيه - * - ومؤيده بروح منه .
والتعبير بالماضى فى قوله : ﴿ ما أغنى .. ﴾ لتحقيق وقوع عدم الإِغناء.
والراجح أن ((ما)) الأولى نافية، والثانية موصولة . أى: ما أغنى عنه شيئا ماله الذى
ورثه عن أبيه ، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذى جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة
وغيرها .
وقوله - سبحانه -: ﴿سيصلى نارا ذات لهب) بيان للعاقبة السيئة التى تنتظره ، بعد
هذا الذم والتأنيب والوعيد . أى : سيلقى بأبى لهب فى نار شديدة الحرارة ، تشوى الوجوه
والأبدان، ووصف - سبحانه - النار بأنها (( ذات لهب)» لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه
وكفره ، إذ هو معروف بأبى لهب ، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد .
ثم أعقب - سبحانه - ذلك، بذم زوجه التى كانت تشاركه العداوة لرسول الله - القيم -
فقال: ﴿وامرأته حمالة الحطب ، فى جيدها حبل من مسد ﴾.
وقوله : ﴿ وامرأته ﴾ معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى لهب فى قوله
سيصلى﴾، وانتصاب لفظ ((حمالةَ)) على الذم بفعل مضمر، لأن المقصود به هنا الذم،
وقرأ الجمهور ﴿ حمالة﴾ - بالرفع - على أنه صفة لها ، أو خبر لمبتدأ محذوف، أى: هى
حمالة الحطب .
والمقصود بقوله - تعالى - ﴿حمالة الحطب﴾ الحقيقة ، فقد روى أنها كانت تحمل بنفسها
حزمة الشُّوْك والحسك والسُّعْدَان، فتنثرها بالليل فى طريقه - وَّز - ، لإيذائه به ، ويصح أن
يكون المراد بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة ، وإشاعة السوء حول
الرسول - * - فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس ، إنسان يحمل الحطب بين
الناس ، أى : أنه يفسد بينهم .
ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة ، حملها للذنوب والخطايا ، من قولهم : فلان يَخْطِب
على ظهره ، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا ، فاستعير الحطب لذلك .
وقد رجح الإِمام ابن جرير القول الأول ، لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق
النبى - * - (١).
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٠ ص ٢٢٠ .

٥٣٧
سورة المسد
وقوله - سبحانه - : ﴿ فى جيدها حبل من مسد ﴾ زيادة فى تبشيع صورتها ، وتحقير
هيئتها .
والجيد : العنق ، والمسد : الليف المتين الذى فتل بشدة ، يقال : حبل ممسود ، أى مفتول
فتلا قويا .
والمعنى : سيصلى أبو لهب نارا شديدة ، وستصلى معه امرأته التى تضع الشوك فى طريق
النبى - * - هذه النار المشتعلة - أيضا - ، وسيزيد الله - تعالى - فى إذلالها وتحقيرها،
بأن يأمر ملائكته بأن تضع فى عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا ، على سبيل الإِذلال والإهانة لها ،
لأنها كانت فى الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر .
روى عن سعيد بن المسيب أنه قال : كان لها قلادة ثمينة فقالت : لأبيعنها ولأنفقن ثمنها فى
عداوة محمد - وَ ل - فأبدلها اللّه عنها حبلا فى جيدها من مسد النار.
والذى يتأمل هذه السورة الكريمة ، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات
الدالة على صدق النبى - - فيما يبلغه عن ربه ، فإن الله - تعالى - قد أخبر بشقاء أبى
لهب وامرأته . وأنهما سيصليان نارا ذات لهب .. وقد علما بما جاء فى هذه السورة من عقاب
اللّه لهما .. ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة ، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد ، ولو
فى الظاهر - فثبت أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول - صلزر - صادق فيما يبلغه عن
ربه - عز وجل - .
نسأل الله - تعالى - أن يلحقنا بعباده الصالحين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
القاهرة - مدينة نصر
مساء الجمعة ١٩ من ربيع الأول سنة ١٤٠٧ هـ.
٢١ من نوفمبر سنة ١٩٨٦ م.
٠

٥٣٩
سورة الإخلاص
بِسْمِ اللهُ الرّحمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة الإخلاص
مقدمة وتمهيد
١ - سورة ((الإِخلاص)) من السور ذات الأسماء المتعددة ، وقد ذكر لها الجمل فى حاشيته
عشرين اسما ، منها أنها تسمى سورة التفريد ، والتجريد ، والتوحيد ، والنجاة ، والولاية ،
والمعرفة ، والصمد، والأساس، والمانعة، والبراءة .. (١).
٢ - وقد ورد فى فضلها أحاديث متعددة ، منها ما أخرجه البخارى عن أبى سعيد الخدرى ،
أن رجلا سمع رجلا يقرأ هذه السورة، ويرددها، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي - صل * - فقال:
((والذى نفسى بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)) (٢).
قال بعض العلماء ومعنى هذا الحديث : أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام : ثلث منها
الأحكام ، وثلث منها وعد ووعيد ، وثلث منها الأسماء والصفات ، وهذه السورة جمعت الأسماء
والصفات .
٣ - وقد ذكروا فى سبب نزولها روايات منها : أن المشركين قالوا : يا محمد ، انسب لنا
ربك ، فأنزل الله - تعالى - هذه السورة الكريمة .. (٣).
وجمهور العلماء على أنها السورة الثانية والعشرون فى ترتيب النزول . ويرى بعضهم أنها
مدنية ، والأول أرجح ، لأنها جمعت أصل التوحيد ، وهذا المعنى غالب فى السور المكية .
وعدد آياتها خمس آيات فى المصحف الحجازى والشامى ، وأربع آيات فى الكوفى
والبصرى .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٦٠٢ .
( ٢) راجع تفسير القرطبى جـ ٢٠ ص ٢٤٧ .
( ٣) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٥٣٨.

٥٤٠
المجلد الخامس عشر
التفسير
قال الله - تعالى - :
١٠٠
ـمِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ◌َ اللَّهُ اُلصَمَدُ ىْ لَمْ يَلِدْ
وَلَمْ يُولَدْ ◌ٌ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ
٤
وقد افتتحت بفعل الأمر (( قل)) لإظهار العناية بما بعد هذا الامر من توجيهات حكيمة ،
ولتلقينه - * - الرد على المشركين الذين سألوه أن ينسب لهم ربه .
و﴿ هو ﴾ ضمير الشأن مبتدأ، والجملة التى بعده خبر عنه .
والأحد : هو الواحد فى ذاته وفى صفاته وفى أفعاله ، وفى كل شأن من شئونه ، فهو منزه
عن التركيب من جواهر متعددة ، أو من مادة معينة ، كما أنه - عز وجل - منزه عن الجسمية
والتحيز ، ومشابهة غيره .
وفى الإِتيان بضمير الشأن هنا : إشارة إلى فخامة مضمون الجملة ، مع ما فى ذلك من زيادة
التحقيق والتقرير ، لأن الضمير يشير إلى شىء مبهم تترقبه النفس ، فإذا جاء الكلام من بعده
زال الإِبهام ، وتمكن الكلام من النفس فضل تمكن .
وجىء بالخبر نكرة وهو لفظ ((أحد)) لأن المقصود الإِخبار عن الله - تعالى - بأنه واحد ،
ولو قيل : اللّه الأحد ، لأفاد أنه لا واحد سواه ، وليس هذا المعنى مقصودا هنا ، وإنما المقصود
إثبات أنه واحد فى ذاته وصفاته وأفعاله .. ونفى مازعمه المشركون وغيرهم ، من أنه
- تعالى - مركب من أصول مادية أو غير مادية ، أو من أنه له شريك فى ملكه .
وقوله - سبحانه - ﴿ الله الصمد﴾ أى: الله - تعالى - هو الذى يَصْعُد إليه الخلق فى
حوائجهم ، ويقصدونه وحده بالسؤال والطلب .. مأخوذ من قولهم صمد فلان إلى فلان . بمعنى
توجه إليه بطلب العون والمساعدة .